← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 5981

توجيه النظر إلى أصول الأثر

طاهر الجزائري

Полный текст (855 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

لاتباع الْأَثر وروى عَنهُ ابْن ذكْوَان إخلاص الْكسر فِيهَا لاتباع الْأَثر وَفِي ذَلِك الْجمع بَين اللُّغَة القرشية والأسدية وَكَيْفِيَّة التَّلَفُّظ بالإشمام أَن تلفظ فَاء الْكَلِمَة بحركة تَامَّة مركبة من حركتين إفرازا لَا شيوعا بِحَيْثُ يكون جُزْء الضمة وَهُوَ الْأَقَل مقدما وجزء الكسرة وَهُوَ الْأَكْثَر تاليا لَهُ وتنظير بَعضهم لَهُ بالإمالة يُوهم الشُّيُوع وَقيل يشار بِالضَّمِّ مَعَ الْفَاء أَو قبلهَا أَو بعْدهَا وكل ذَلِك بَاطِل أما الأول فَلِأَن الْكسر يَقْتَضِي التسفل وَالضَّم يَقْتَضِي الانطباق فَكيف يَجْتَمِعَانِ مَعًا وَأما الثَّانِي وَهُوَ الْإِشَارَة بِالضَّمِّ قبل الْفَاء فَإِنَّهُ لم يسمع وَلَا قَارِئ بِهِ وَأما الثَّالِث فَإِن الْيَاء تمنع من ذَلِك وَقيل الإشمام هُنَا صَرِيح الضَّم وَلَيْسَ بِشَيْء لِأَنَّهُ إِن كَانَ مَعَ الْوَاو فلغة لم يقْرَأ بهَا وَإِن كَانَ مَعَ الْيَاء فخروج عَن كَلَام الْعَرَب فَإِن قيل هَل تسمع الْإِشَارَة إِلَى الضَّم أَو ترى وَهل يحكم على الْحَرْف الَّذِي أشمت حركته بِالضَّمِّ أَو بِالْكَسْرِ فَإِن قيل هَل تسمع الْإِشَارَة إِلَى الضَّم أَو ترى وَهل يحكم على الْحَرْف الَّذِي أشمت حركته بِالضَّمِّ أَو بِالْكَسْرِ يُقَال إِن الْإِشَارَة إِلَى الضَّم تسمع وَترى فِي نفس الْحَرْف الأول هُنَا والحرف الأول مَحْكُوم عَلَيْهِ بِالْكَسْرِ مَعَ الْإِشَارَة إِلَى الضَّم وَمَا ذكر من كَون الإشمام هُوَ الْإِتْيَان بحركة تَامَّة مركبة من حركتين على طَرِيق الْإِفْرَاز هُوَ قَول بعض الْمُتَأَخِّرين وَظَاهر كَلَام الْفراء والنحويين أَنه الْإِتْيَان بحركة تَامَّة ممتزجة من حركتين وهما الكسرة والضمة على طَرِيق الشُّيُوع وَإِذا أمعن النّظر وجد هَذَا من قبيل اخْتِلَاف الْعبارَات لاخْتِلَاف الاعتبارات قَالَ الإِمَام أَبُو عَليّ الْفَارِسِي فِي كتاب حجج الْقرَاءَات حجَّة من أَشمّ الضَّم الْكسر وَمَال بِهِ نَحوه فِي هَذِه الْأَفْعَال وَهِي قيل وغيض وسيء وحيل وسيق وَجِيء أَن ذَلِك أدل على فعل أَلا تراهم قَالُوا كيد زيد يفعل وَمَا زيل زيد يفعل فَإِذا حركوا الْفَاء بِهَذِهِ الْحَرَكَة أمنُوا التباس الْفِعْل الْمَبْنِيّ للْفَاعِل بِالْفِعْلِ الْمَبْنِيّ للْمَفْعُول وانفصل مِنْهُ وَكَانَ أَشد إبانة للمعنى الْمَقْصُود

стр. 772

وَمن الْحجَّة فِيهِ أَنهم قد أشموا رد وَشد وشبهة من المضعف الْمَبْنِيّ على فعل مَعَ أَن الضمة تلْحق فاءه فَإِذا كَانُوا قد تركُوا الضَّم الْخَالِص إِلَى هَذِه فِي الْمَوَاضِع الَّذِي يَصح فِيهَا الضَّم فلزومها حَيْثُ يلْزم الْكسر فِيهِ فِي أَكثر اللُّغَات أَجْدَر وَدلّ استعمالهم هَذِه الْحَرَكَة فِي رد وَنَحْوه من المضعف على تمكنها فِي قيل وَشبهه وَكَونهَا أَمارَة للْفِعْل وَلَوْلَا ذَلِك لم تتْرك الضمة الْخَالِصَة إِلَيْهَا فِي رد وَشبهه وَمن الْحجَّة فِي ذَلِك أَنهم قَالُوا أَنْت تغزين فأشموا الزَّاي الضَّم وزاي تغزين كقاف قيل فَكَمَا الْتزم الإشمام هُنَاكَ الْتزم فِي قيل وَكَذَا فِي اختير أشمت التَّاء مِنْهُ لما كَانَت كقاف قيل وكما أَشمّ تغزين لينفصل من بَاب ترمين أَشمّ قيل وَنَحْوه ليمتاز من الْفِعْل الْمَبْنِيّ للْفَاعِل نَحْو كيد وزيل وليكون أدل على فعل وَمِمَّا يُقَوي قَول من أَشمّ قيل أَن هَذِه الضمة المنحو بهَا محو الكسرة قد جَاءَت فِي قَوْلهم شربت من المنقر وَهَذَا ابْن مذعور فأمالوا هَذِه الضمات نَحْو الكسرة لتَكون أَشد مشاكلة لما بعْدهَا وأشبه بِهِ وَهُوَ كسر الرَّاء فَإِذا أخذُوا بِهَذَا لتشاكل الْأَلْفَاظ وَحَيْثُ لَا يُمَيّز معنى من معنى آخر فَأن يلتزموا ذَلِك حَيْثُ يزِيل ويخلص معنى من معنى أَجْدَر وَأولى الْحَرَكَة الْخَامِسَة الكسرة الْمَحْضَة وَهِي الكسرة الْخَالِصَة الَّتِي لَا يشوبها شَيْء من غَيرهَا وَذَلِكَ كحركة من وَفِي وحركة أَوَائِل قيل وَبيع وهيب إِذا لم تشم الْحَرَكَة السَّادِسَة الفتحة الْمَحْضَة وَهِي الفتحة الْخَالِصَة الَّتِي لَا يشوبها شَيْء من غَيرهَا كفتحة مَا وَمن وَقد شَاب أَكثر النَّاس الفتحة الْمَحْضَة إِمَّا بالكسرة وَذَلِكَ فِي نَحْو خيل وليل وسيل وميل وَإِمَّا بالضمة وَذَلِكَ فِي نَحْو يَوْم وَقوم ونوم كَمَا شابوا الكسرة الْمَحْضَة بالفتحة وَذَلِكَ فِي نَحْو صل وَأحسن وأنعم وأبشر وَبشر

стр. 773

من ضمة أَو فَتْحة أَو كسرة بغَيْرهَا فِي كثير من الْمَوَاضِع فَيَنْبَغِي الانتباه لذَلِك الْحَرَكَة السَّابِعَة الفتحة الممالة وَهِي حَرَكَة بَين الفتحة الْمَحْضَة والكسرة الْمَحْضَة والإمالة عِنْدهم هُوَ أَن ينحى بالفتحة نَحْو الكسرة وَذَلِكَ مثل فَتْحة النُّون فِي النَّاس وَالْبَاء فِي الْكبر عِنْد من أمال ذَلِك وَلَيْسَت الإمالة لُغَة جَمِيع الْعَرَب فَإِن أهل الْحجاز لَا يميلون وَلَكِن يفخمون إِلَّا أَنه قد تقع مِنْهُم الإمالة قَلِيلا وأرباب الإمالة هم تَمِيم وَمن جاورهم من سَائِر أهل نجد كأسد وَقيس وَلَا يُقَال إمالة إِلَّا إِذا بولغ فِي إمالة الفتحة نَحْو الكسرة وَمَا لم يُبَالغ فِيهِ يُقَال الترقيق والإمالة بَين بَين وَقد يُسَمِّي بَعضهم الترقيق إمالة صغرى وَمَا بولغ فِيهِ إمالة كبرى وَهَذِه الْحَرَكَة مَوْجُودَة فِي اللُّغَة الفارسية وَتسَمى عِنْد أَهلهَا بالكسرة المجهولة وَإِذا مدت ظهر بعْدهَا حرف هُوَ إِلَى الْيَاء أقرب مِنْهُ إِلَى الْألف وَيُسمى بِالْيَاءِ المجهولة وَيكْتب بِالْيَاءِ وَذَلِكَ نَحْو سير بإمالة كسرة السِّين وَهُوَ بِمَعْنى الشبعان والنطق بِهِ كالنطق بِلَفْظ سَار فِي الْعَرَبيَّة إِذا أميل إمالة كبرى فَإِن كَانَ بإخلاص كسرة السِّين كَانَ بِمَعْنى الثوم لِأَن الإمالة فِي الْعَرَبيَّة طارئة والتفخيم هُوَ الأَصْل قَالُوا وَيدل على ذَلِك أَن كل مَا يمال لَو فخمته لم تكن لاحنا فَإِنَّهُ مَا من كلمة تمال إِلَّا وَفِي الْعَرَب من يفخمها فَدلَّ اطراد الْفَتْح على أصالته وفرعيتها وَلَو أملت كل مفخم كنت لاحنا فَإِن الإمالة لَا تكون إِلَّا بِسَبَب فَإِن فقد امْتنعت الإمالة وَتعين الْفَتْح على أَنه يُمكن أَن يُقَال إِنَّمَا كتبوها بِالْألف رِعَايَة للغة قُرَيْش الَّتِي هِيَ الْمَقْصُودَة بِالْأَصَالَةِ وَكَثِيرًا مَا يفرق الْفرس بَين معنى الْكَلِمَة بِمثل ذَلِك نَحْو شير فَإِنَّهُ بِالْكَسْرِ الْمَحْض بِمَعْنى اللَّبن وبالكسر الممال إِلَى الْفَتْح بِمَعْنى الْأسد وَنَظِير ذَلِك رُوِيَ فَإِنَّهُ بِالضَّمِّ الْمَحْض بِمَعْنى الْوَجْه وبالضم المشوب بِالْفَتْح بِمَعْنى الصفر وَهُوَ نوع من

стр. 774

النّحاس وَإِنَّمَا لم تكْتب أَلفه الإمالة فِي الْعَرَبيَّة بِالْيَاءِ مَعَ أَنَّهَا إِلَى الْيَاء أقرب مِنْهَا إِلَى الْألف وَمِمَّا جَاءَ بالإمالة فِي لُغَة قُرَيْش لَا فِي إمالا قَالَ فِي النِّهَايَة جَاءَ فِي حَدِيث بيع الثَّمر إمالا فَلَا تبايعوا حَتَّى يَبْدُو صَلَاح الثَّمَرَة هَذِه الْكَلِمَة ترد فِي المحاورات كثيرا وَقد جَاءَت فِي غير مَوضِع من الحَدِيث وَأَصلهَا إِن وَمَا وَلَا فأدغمت النُّون فِي الْمِيم وَمَا زَائِدَة فِي اللَّفْظ لَا حكم لَهَا وَقد أمالت الْعَرَب لَا إمالة خَفِيفَة والعوام يشبعون إمالتها فَتَصِير ألفها يَاء وَهُوَ خطأ وَمَعْنَاهَا إِن لم تَفعلُوا هَذَا فَلْيَكُن هَذَا وَأما الفتحة المشوبة بالضمة فَهِيَ الفتحة الَّتِي تكون قبل ألف التفخيم وَذَلِكَ نَحْو فَتْحة اللَّام فِي الصَّلَاة وَالْكَافِي فِي الزَّكَاة عِنْد من يشوبها بِشَيْء من الضمة وَقد سبق ذكرهَا فَإِنَّهَا عين الْحَرَكَة الثَّانِيَة الْمُسَمَّاة بالضمة المشوبة بالفتحة وَالْمَشْهُور عِنْد الْجُمْهُور تَسْمِيَتهَا بالفتحة المشوبة بالضمة وَذَلِكَ أَنهم لاحظوا أَن الأَصْل فِيهَا أَن تكون فَتْحة بِدَلِيل أَنَّهَا فِي أَكثر لُغَات الْعَرَب هِيَ كَذَلِك فَيكون شوبها بالضمة أمرا طارئا عَلَيْهَا وَلم يلتفتوا إِلَى أَن الضَّم صَار فِيهَا أظهر من الْفَتْح وَلَا إِلَى أَن الشائبين لَهَا بِالضَّمِّ قد كتبُوا بعْدهَا الْوَاو دون الْألف فَيَنْبَغِي الانتباه لمثل ذَلِك فقد وَقع فِي مَبْحَث الحركات مَعَ شدَّة غموضه من اخْتِلَاف الْعبارَات إِمَّا لاخْتِلَاف الاعتبارات أَو لغير ذَلِك مَا رُبمَا يُوقع النبيه فِي حيرة شَدِيدَة هَذَا وَقد ذكر سِيبَوَيْهٍ ألف التفخيم وَالْألف الَّتِي تمال إمالة شَدِيدَة فِي الْحُرُوف الفرعية الَّتِي تستحسن الْحَرَكَة الثَّامِنَة الفتحة المرققة وَهِي المتوسطة بَين الفتحة الْمَحْضَة والفتحة الممالة قَالَ بعض الْقُرَّاء الإمالة قِسْمَانِ شَدِيدَة ومتوسطة والمتوسطة هِيَ الَّتِي

стр. 775

تكون بَين الْفَتْح الْمُتَوَسّط والإمالة الشَّدِيدَة وَيَنْبَغِي أَن يجْتَنب فِي الشَّدِيدَة الْقلب الْخَالِص والإشباع المبالغ فِيهِ وكلا الإمالتين جَائِز فِي الْقِرَاءَة غير أَنِّي أخْتَار الإمالة الْوُسْطَى الَّتِي هِيَ بَين بَين لِأَن الْغَرَض من الإمالة حَاصِل بهَا وَقَالَ بعض عُلَمَاء الرَّسْم الإمالة هِيَ أَن ينحى بالفتحة نَحْو الكسرة وبالألف إِن كَانَت بعْدهَا نَحْو الْيَاء فَإِن كَانَ جُزْء الكسرة أَكثر سميت مَحْضَة وَرُبمَا عبر عَنْهَا بِالْكَسْرِ وَإِن كَانَ جُزْء الكسرة أقل سميت تقليلا وَإِن تَسَاويا سميت بَين بَين وَهَذَا يدل على أَن بَين الفتحة والكسرة ثَلَاثَة حركات وَمَا سبق يدل على أَن بَينهمَا حركتين وَإِذا أمعنت النّظر تبين لَك أَن هَذَا من قبيل اخْتِلَاف الْعبارَات لاخْتِلَاف الاعتبارات وَالْمرَاد بالفتحة الْمَحْضَة الفتحة الَّتِي تنشأ عَن فتح الْفَم بِلَا تكلّف قَالَ بعض الْقُرَّاء الْفَتْح وَيُقَال لَهُ التفخيم يَنْقَسِم إِلَى قسمَيْنِ فتح شَدِيد وَفتح متوسط فالفتح الشَّديد هُوَ نِهَايَة فتح الْقَارئ فَمه بِلَفْظ الْحَرْف المفتوح وَهُوَ مَعْدُوم فِي لُغَة الْعَرَب والقراء يعدلُونَ عَنهُ وَأكْثر مَا يُوجد فِي أَلْفَاظ أهل خُرَاسَان وَمن قرب مِنْهُم فِيمَا إِذا كَانَ بعد الْفَتْح ألف وَهُوَ مَكْرُوه عِنْد الْقُرَّاء معيب فِي الْقِرَاءَة غير أَن الْكَرَاهَة فِي ذَلِك أخف من الْكَرَاهَة فِيمَا لَيْسَ بعده ألف وَذَلِكَ مثل مَا يَفْعَله بعض النَّاس فِي لَام عَلَيْهِم ودال لديهم وَالْفَتْح الْمُتَوَسّط هُوَ مَا يكون بَين الْفَتْح الشَّديد والإمالة الصُّغْرَى وَهُوَ الَّذِي يَسْتَعْمِلهُ أهل الْفَتْح من الْقُرَّاء وَإِنَّمَا نبهنا عل هَذِه لما ذكره بعض الجهابذة من أَن بعض من يسْتَعْمل الْفَتْح الشَّديد يزْعم أَنه الْفَتْح الْمُتَوَسّط وينسب من اسْتعْمل الْفَتْح الْمُتَوَسّط إِلَى الإمالة وَقد حذر بعض أَرْبَاب الْفَنّ من تفخيم الْعَجم وترقيق الْعَرَب وَالْمرَاد بتفخيم الْعَجم الْفَتْح الشَّديد الَّذِي اعتاده أهل التفخيم مِنْهُم وَالْمرَاد بترقيق الْعَرَب

стр. 776

الإمالة الصُّغْرَى الَّتِي هِيَ لُغَة لبَعض قبائل الْعَرَب فَإِن من الْعَرَب من لَا يمِيل أصلا وَمِنْهُم من يمِيل فِي بعض الْمَوَاضِع إمالة كبرى وَمِنْهُم من يسْتَعْمل فِي موضعهَا الإمالة الصُّغْرَى وَأما الْحَرَكَة المختلسة فَهِيَ حَرَكَة غير متميزة فِي الْحس وَتسَمى الْحَرَكَة المجهولة وَبهَا قَرَأَ أَبُو عَمْرو ﴿فتوبوا إِلَى بارئكم﴾ قَالَ ابْن جني وَأما الْحَرَكَة الضعيفة المختلسة كحركة همزَة بَين بَين وَغَيرهَا من الْحُرُوف الَّتِي يُرَاد اختلاس حركاتها تَخْفِيفًا فَلَيْسَتْ حَرَكَة مشمة شَيْئا من غَيرهَا من الحركتين وَإِنَّمَا أَضْعَف اعتمادها فأخفيت لضرب من التَّخْفِيف وَهِي بزنتها إِذا وفت وَلم تختلس وَقد تقدّمت الدّلَالَة على أَن همزَة بَين بَين كَغَيْرِهَا من سَائِر المتحركات فِي ميزَان الْعرُوض الَّذِي هُوَ حَاكم وعيار على السَّاكِن والمتحرك وَكَذَلِكَ غير هَذِه الْهمزَة من الْحُرُوف المخفاة الحركات نَحْو قَوْله عز اسْمه ﴿مَا لَك لَا تأمنا﴾ وَغير ذَلِك كُله محرك وَإِن كَانَ مختلسا وَيدل على حركته قَوْله تَعَالَى ﴿شهر رَمَضَان﴾ فِيمَن أخْفى فَلَو كَانَت الرَّاء الأولى سَاكِنة وَالْهَاء قبلهَا سَاكِنة لاجتمع ساكنان فِي الأَصْل لَيْسَ الأول مِنْهُمَا حرف لين وَالثَّانِي مدغما نَحْو دَابَّة وشابة وَقَالَ أَبُو عَليّ حَرَكَة الْبناء وَالْإِعْرَاب يسْتَعْمل فِي الضمة والكسرة مِنْهُمَا وَجْهَان الإشباع والاختلاس وَلَيْسَ فِي الفتحة إِلَّا الإشباع والاختلاس وَإِن كَانَ صَوته أَضْعَف من الإشباع وأخفى فالحرف المختلس حركته بزنة المتحرك فَمن روى الإسكان عَن أبي عَمْرو فِي ﴿بارئكم﴾ فَلَعَلَّهُ سَمعه يختلس فطنة لضعف الصَّوْت وَالْحَرَكَة أَنه سكن وعَلى هَذَا يَأْمُركُمْ ويشعركم وَنَحْوه كُله على الاختلاس مُسْتَقِيم حسن وَقد جَاءَ إسكان مثل هَذَا فِي الشّعْر وَقَالَ بعض الْقُرَّاء إِذا كَانَت الْقِرَاءَة بِشَيْء مِمَّا شاع وذاع وَقد تَلَقَّتْهُ الْأَئِمَّة بِالْإِسْنَادِ الصَّحِيح الَّذِي هُوَ الرُّكْن الْأَعْظَم فِي ذَلِك لم يضر خلاف مُخَالف فكم من

стр. 777

قِرَاءَة أنكرها بعض أهل النَّحْو أَو كثير مِنْهُم وَلم يعْتَبر إنكارهم كإسكان بارئكم ويأمركم وأئمة الْقُرَّاء لَا تجْرِي على الأفشى فِي اللُّغَة والأقيس فِي الْعَرَبيَّة بل على الأثبت فِي الرِّوَايَة الْفَائِدَة الْخَامِسَة رأى كَثِيرُونَ من أهل النبل المولعين بِالْعَرَبِيَّةِ وَمَا يتَعَلَّق بهَا من خطّ وَنَحْوه أَنه يَنْبَغِي أَن يوضع فِي هَذَا الْعَصْر علائم للحركات المشوبة ليَكُون الْخط الْعَرَبِيّ وافيا بالغرض فِيهِ فَإنَّا كثيرا مَا نحتاج إِلَى كِتَابَة كَلِمَات فِيهَا شَيْء من تِلْكَ الحركات فَإِن كتبناها بِمَا يقرب مِنْهَا من الحركات الْمَحْضَة كَانَ تحريفا لَهَا وَرُبمَا كَانَ مغيرا لمعناها مَعَ أَن الْأَمر فِي ذَلِك سهل إِذْ لَيْسَ فِيهِ تَغْيِير لشَيْء من الْخط وَإِن الْحَاجة ماسة إِلَيْهِ جدا فنكون قد أجبنا دَاعِي الزَّمَان على أَنه يَنْبَغِي لنا أَن نراعي شَأْن سَائِر الْأُمَم الَّتِي كتبت لغاتها بالخط الْعَرَبِيّ كالفرس وَمن نحا نحوهم فَإِنَّهُم كثيرا مَا يَحْتَاجُونَ إِلَى العلائم الْأُخْرَى فَإِذا وضعت كَانَ الْخط الْعَرَبِيّ وافيا بحاجتهم وَفَاء تَاما وَلَا يَنْبَغِي أَن يلْتَفت إِلَى قَول من يَقُول إِن هَذَا نقص لَا يذكر بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا وَقع فِي الخطوط الْأُخْرَى فَإِن هَذَا قَول من يرض بِالنَّقْصِ مَعَ إِمْكَان الْكَمَال وَلَقَد أحسن من قَالَ (وَلم أر فِي عُيُوب النَّاس عَيْبا ... كنقص القادرين على التَّمام) وَلَو دَعَا الدَّاعِي إِلَى ذَلِك فِي عصر الْخَلِيل لبادر هُوَ أَو أحد مِمَّن ينتمي إِلَيْهِ إِلَى إِجَابَة الدَّاعِي وَأما عدم وضعهم قَدِيما عَلامَة للحركات المشوبة كالإمامة والإشمام مَعَ وجود ذَلِك فِي لُغَة الْعَرَب فَيمكن أَن يكون سَببه كَون ذَلِك لَيْسَ فِي لُغَة قُرَيْش الَّتِي هِيَ الْمَقْصُود الأول وَعَلَيْهَا عِنْد اخْتِلَاف اللُّغَات الْمعول وَيضم إِلَى هَذَا مَا كَانَ لَهُم من شدَّة الْعِنَايَة بالرواية والتلقي من الأفواه هَذَا لباب مَا يُقَال فِي هَذِه الْقَضِيَّة على كثرته وتشعبه وَلَا يخفى أَن هَذَا كَلَام صادر عَن أخلاء لَا يشوب صفاءهم كدر فَيَنْبَغِي أَن يصفى إِلَيْهِ وَيقبل عَلَيْهِ وَلَا يحْسب لَغوا كَمَا يفهم من لحن كَلَام بعض اللغاة

стр. 778

وَقيل الْخَوْض فِي غمار هَذَا الْبَحْث نذْكر هُنَا شَيْئا وَهُوَ أَن مَا ظن من عدم وضع الْقَوْم عَلامَة للإمالة والإشمام لَيْسَ كَذَلِك فقد تبين من الْبَحْث والتتبع أَنهم وضعُوا لَهما عَلامَة بل زادوا فوضعوا عَلامَة لاختلاس الْحَرَكَة ولزيادة الْحَرْف وحذفه وَغير ذَلِك مِمَّا رُبمَا لَا تمس الْحَاجة إِلَيْهِ كثيرا كالروم والإشمام وَالنَّقْل فِي حَال الْوَقْف قَالَ بعض النُّحَاة فِي الْوَقْف على المتحرك خَمْسَة أوجه الإسكان وَالروم والإشمام والتضعيف وَالنَّقْل وَلكُل مِنْهَا عَلامَة وَقد ذكر سِيبَوَيْهٍ هَذِه العلائم فِي كِتَابه وَهُوَ تلميذ الْخَلِيل بن أَحْمد مخترع هَذَا الشكل المزيل للإشكال وَله فِي ذَلِك كتاب وَمن أَرَادَ الْبَحْث عَن العلائم الْمَذْكُورَة فَعَلَيهِ بِكِتَاب الْمُحكم فِي نقط الْمَصَاحِف وَكَيْفِيَّة ضَبطهَا على مَذْهَب الْقُرَّاء وَسنَن النَّحْوِيين لأبي عَمْرو الداني وَقد كَانَ لأهل الْمغرب عناية شَدِيدَة بذلك وَهُوَ أم يتَوَقَّف إتقانه والبراعة فِيهِ على علم وَعمل وَقد أدركنا أُنَاسًا لَهُم فِي ذَلِك يَد بَيْضَاء مِنْهُم الْعَلامَة الْوَالِد غير أه قد كَاد هَذَا الْأَمر أَن ينسى وَعَسَى أَن يتَنَبَّه بعض نبهائهم لدرسه وإحيائه قبل أَن يدرس والكمال يَدْعُو بعضه بَعْضًا كَمَا أَن النَّقْص كَذَلِك وَقد اعْترض بعض من ألف فِي علم الْخط على المؤلفين فِي أصُول الحَدِيث لذكرهم مسَائِل كَثِيرَة تتَعَلَّق بِعلم الْخط فِي فنهم وَإِن كَانَ لَهَا فِيهِ مُنَاسبَة وَجعل الأول بهم أَن يكتفوا بذكرها فِي الْكتب الْمَوْضُوعَة فِي علم الْخط فَإِنَّهَا بِهِ أَجْدَر وَيُمكن أَن يُقَال إِن كتب الْخط لما كَانَت فِي الْغَالِب لَا تقْرَأ اضطروا إِلَى ذكرهَا على أَن الْخط أَمر ذُو بَال والتساهل فِيهِ رُبمَا أوقع خللا عَظِيما فِي الحَدِيث والْحَدِيث ذُو شجون وَأكْثر الْمسَائِل إِذا لم تذكر أطرافها لَا يكون فِيهَا كَبِير طائل وَهَذَا لَيْسَ شَيْئا بِالنّظرِ لما فعله كثير مِمَّن ألف فِي أصُول الْفِقْه فَإِنَّهُم ذكرُوا فِيهِ مسَائِل كَثِيرَة من فنون شَتَّى حَتَّى وصل الْحَال ببعضهم إِلَى أَن ذكر فِيهِ فن الْمنطق وَفِي مقدمتهم الْغَزالِيّ

стр. 779

قَالَ فِي مُقَدّمَة الْمُسْتَصْفى نذْكر فِي هَذِه الْمُقدمَة مدارك الْعُقُول وانحصارها فِي الْحَد والبرهان وَنَذْكُر شَرط الْحَد الْحَقِيقِيّ وَشرط الْبُرْهَان الْحَقِيقِيّ وأقسامهما على منهاج أوجز مِمَّا ذَكرْنَاهُ فِي كتاب محك النّظر وَكتاب معيار الْعلم وَلَيْسَت هَذِه الْمُقدمَة من جملَة علم الْأُصُول وَلَا من مقدماته الْخَاصَّة بِهِ بل هِيَ مُقَدّمَة الْعُلُوم كلهَا وكل من لَا يُحِيط بهَا فَلَا ثِقَة بِعُلُومِهِ أصلا فَمن شَاءَ أَن لَا يكْتب هَذِه الْمُقدمَة فليبدأ بِالْكتاب من القطب الأول فَإِن ذَلِك أول أصُول الْفِقْه وحاجة جَمِيع الْعُلُوم النظرية إِلَى هَذِه الْمُقدمَة كحاجة أصُول الْفِقْه إِلَيْهَا ولنرجع إِلَى الْمَقْصُود فَنَقُول حَيْثُ لم يكن بُد من وضع علائم للحركات الفرعية يَنْبَغِي أَن تكون سهلة قريبَة من أَصْلهَا فِي الصُّورَة وَلذَا اسْتحْسنَ بَعضهم جعل عَلامَة الفتحة الممالة الفتحة بِعَينهَا إِلَّا أَنه قَلبهَا فَجعل طرفها متجها إِلَى الْجِهَة الْيُمْنَى هَكَذَا - قَالَ بعض شرَّاح الصَّحِيحَيْنِ فِي حَدِيث إمالا فَاصْبِرُوا وَحَدِيث وإمالا فَلَا تبايعوا إِنَّه بإمالة لَام لَا إِلَى الْكسر وَلَا يكْتب بياء بل يوضع فَوق اللَّام شكْلَة منحرفة عَلامَة على الإمالة وَإِنَّمَا جعل هَؤُلَاءِ هَذِه الْعَلامَة فَوق الْحَرْف نظرا إِلَى أَن الأَصْل فِي اللُّغَة الْعَرَبيَّة عدم الإمالة فَإِذا لم ينتبه الْقَارئ وظنها فَتْحة لم يعد بذلك لاحنا بِخِلَاف مَا لَو جعلت تَحت الْحَرْف فَإِن الْقَارئ إِذا لم ينتبه وظنها كسرة وأتى بالحرف مكسورا عد لاحنا وقوى هَذَا الظَّن فِي مثل مُوسَى وَعِيسَى وذكرى وبشرى وَقد جعل بَعضهم هَذِه الْعَلامَة مُشْتَركَة بَين الإمالة الصُّغْرَى والكبرى إِلَّا أَنه فرق بَينهمَا فَجَعلهَا فِي الإمالة الْكُبْرَى تَحت الْحَرْف وَرُبمَا زَاد بَعضهم على ذَلِك فَوضع فَوق الْألف نقطتين هَكَذَا وَجعلهَا فِي الإمالة الصُّغْرَى فَوق الْحَرْف وَقد الْتزم هَؤُلَاءِ أَن يكتبوا ذَلِك بالمداد الْأَحْمَر

стр. 780

وَأما الْفرس وَنَحْوهم فَإِن الأولى لَهُم أَن يضعوا عَلامَة الإمالة تَحت الْحَرْف وَذَلِكَ لأمرين أَحدهمَا أَن الإمالة لَيست من الْأُمُور الطارئة فِي لغتهم وَلذَا كتبُوا حرف الْمَدّ الَّذِي بعْدهَا بِصُورَة الْيَاء الثَّانِي أَنهم وَإِن عدوا أَن من كسر نَحْو سير وشير مِمَّا أمالوه لاحنا فَإِنَّهُم يعدون أَن من فَتْحة أَشد لحنا وَالظَّاهِر أَنه يَنْبَغِي لمن أَرَادَ أَن يكْتب نَحْو قيس وزن وكل بالإمالة كَمَا ينطبق بِهِ الْعَامَّة وَهُوَ فِي الأَصْل مكسور أَن يَجْعَل عَلامَة الإمالة تَحت الْحَرْف رِعَايَة لما ذكر وَقد الْتزم بعض الْكتاب أَن يَجْعَل الفتحة إِذا تَلَاهَا مد قَائِمَة وَبَعْضهمْ لم يلْتَزم ذَلِك إِلَّا فِي بعض الْمَوَاضِع نَحْو يرقى ويروى ويهوى والمرتقى والمنتقى وَنَحْو راس وياس وَاسْتَأْذَنَ إِذا خففت فِيهِ الْهمزَة بِخِلَاف مثل كَاتب وَكِتَابَة حَتَّى إِن بالمواضع الَّتِي حذف فِيهَا حرف الْمَدّ نَحْو هَذَا وَهَؤُلَاء وَهَهُنَا وإلاله والرحمن وَالسَّمَوَات وَلَكِن نَحْو ذَلِك وكما الْتزم بَعضهم أَن يَجْعَل الفتحة إِذا تَلَاهَا مد قَائِمَة الْتزم بَعضهم ذَلِك فِي الكسرة فَجَعلهَا قَائِمَة إِذا تَلَاهَا مد سَوَاء كَانَ ذَلِك فِي مَوَاضِع لَا يخْشَى فِيهِ الِاشْتِبَاه نَحْو كريم وحليم وكبير وجليل أَو كَانَ فِي مَوَاضِع يخْشَى فِيهِ الِاشْتِبَاه نَحْو أدنى وأقصى وَأعْطى وأولي وأبدي وأخفي فَإِنَّهَا أَفعَال مضارعة للمتكلم وَهِي إِذا فتحت ياؤها صَارَت أفعالا مَاضِيَة للْغَائِب إِلَّا أَن الدَّاعِي هُنَا أَضْعَف من الدَّاعِي فِيمَا قبله وَالْأولَى لِلْكَاتِبِ أَن لَا يلْتَزم خشيَة أَن لَا يقوم بِحقِّهِ هَذَا وَقد يظنّ أَن الفتحة والكسرة قد وضعتا من أول الْأَمر على صُورَة وَاحِدَة غير أَنه فرق بَينهمَا بِجعْل الفتحة من فَوق والكسرة من تَحت وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك فَإِن الْخَلِيل لما وضع العلائم جعل عَلامَة الضمة واوا صَغِيرَة تُوضَع فَوق الْحَرْف وعلامة الفتحة ألفا صَغِيرَة فَوق الْحَرْف إِلَّا أَنه جعلهَا مضجعة وعلامة الكسرة يَاء تُوضَع تَحت الحرق وَاخْتَارَ لذَلِك الْيَاء الْمَرْدُودَة وَهِي الَّتِي يرجع بهَا إِلَى

стр. 781

الْجِهَة الْيُمْنَى هَكَذَا إِلَّا أَنَّهَا تَغَيَّرت فِيمَا بعد حَتَّى صَارَت كالفتحة وَقد اخْتَار بعض الْعَجم وَضعهَا فَوق الْحَرْف عَلامَة على الإمالة إِلَّا أَنه اختصر فِيهَا حَتَّى صَارَت هَكَذَا ومناسبة الْيَاء للإمالة لَا تخفي وَلَو وضعت تَحت الْحَرْف لم يكن فِي ذَلِك بَأْس لتميزها بصورتها وَيُمكن التَّصَرُّف فِيهَا على أوجه شَتَّى مُخْتَلفَة الْوَضع هَكَذَا وَيَنْبَغِي لمن أَرَادَ ذَلِك اخْتِيَار أسهلها عَلَيْهِ أما الضمة المشوبة بالفتحة فَالْأولى أَن تجْعَل علامتها نفس الضمة الْمَشْهُورَة بِدُونِ زِيَادَة شَيْء عَلَيْهَا إِلَّا أَنَّهَا تجْعَل مَقْلُوبَة بِأَن يكون طرفها متجها إِلَى الْأَعْلَى هَكَذَا وَذَلِكَ مثل الصلوة والزكوة والحيوة فِي الْعَرَبيَّة عِنْد من يَكْتُبهَا بِالْوَاو وَيجْعَل حَرَكَة مَا قبلهَا ضمة مشوبة بالفتحة وَمثل زور وآشوب فِي الفارسية وَيَنْبَغِي تَسْمِيَة هَذِه الْحَرَكَة بالضمة المشوبة وَبِزِيَادَة هَاتين العلامتين يَتَيَسَّر كِتَابَة الفارسية بِدُونِ إخلال بِشَيْء من حركاتها وَذَلِكَ أَن الْفرس وَكَثِيرًا من الْأُمَم لَا يُوجد فِي لغتهم إِلَّا خمس حركات وَهِي الضمة والفتحة والكسرة والفتحة الممالة إِلَى الكسرة والضمة المشوبة بالفتحة وَأما الضمة المشوبة بالكسرة فَالْأولى أَن تجْعَل علامتها نفس الضمة الْمَشْهُورَة بِزِيَادَة خطّ تحتهَا مُتَّصِل بهَا هَكَذَا (_) وَهَذِه الصُّورَة مُنَاسبَة لما وضعت لَهُ لِأَن وضع شبه الكسرة تَحت الضمة يشْعر بِأَن هُنَا حَرَكَة ممتزجة من حركتين هما الضمة والكسرة وَأَن الضمة مُتَقَدّمَة على الكسرة وعالية عَلَيْهَا وَإِن كَانَ التَّقَدُّم هُنَا والسبق على طَرِيق الْمجَاز وَمِثَال ذَلِك مَرَرْت بمذعور وَابْن بور وَهَذِه الْحَرَكَة وَإِن كَانَت قَليلَة فِي الْعَرَبيَّة فَهِيَ كَثِيرَة فِي بعض اللُّغَات الْمَشْهُورَة وَيَنْبَغِي تَسْمِيَتهَا بالضمة الممالة لِأَن فِي لفظ الإمالة بِحَسب الْعرف إشعارا بِوُجُود الْميل إِلَى الكسرة وَمِمَّا يُحَرك لهَذَا الْحَرَكَة رد نَحوه من المضاعف الْمَبْنِيّ لما لم يسم فَاعله وَقد أَشَارَ إِلَى ذَلِك سِيبَوَيْهٍ حَيْثُ قَالَ أما مَا كَانَ من بَنَات الْيَاء فتمال أَلفه

стр. 782

لِأَنَّهَا فِي مَوضِع يَاء وَبدل مِنْهَا ففنحوا نَحْوهَا كَمَا أَن بَعضهم يَقُول قد رد وَقَالَ الفرزدق (وَمَا حل من جهل حبى حلمائنا ... وَلَا قَائِل الْمَعْرُوف فِينَا يعنف) فيشم كَأَنَّهُ ينحو نَحْو فعل فَكَذَا نَحْو الْيَاء وَأما الكسرة المشوبة بالضمة فَالْأولى أَن يَجْعَل علامتها نفس عَلامَة مقابلتها وَهِي الضمة المشوبة بالكسرة لكَونهَا أشبه الحركات بهَا إِلَّا أَنَّهَا تُوضَع مَقْلُوبَة هَكَذَا وَمِثَال ذَلِك قيل وَجِيء وَخيف وهيب وانقيد واختير وَخفت وهبت وَيَنْبَغِي أَن يكْتب مثل قيل وَجِيء على هَذِه اللُّغَة الْيَاء دون الْوَاو وَذَلِكَ لن الْحَرْف الَّذِي ينشأ عَن هَذِه الْحَرَكَة هُوَ إِلَى الْيَاء أقرب مِنْهُ إِلَى الْوَاو وَقد ذهب بعض النَّاس إِلَى كِتَابَته فِي غير الْعَرَبيَّة بِصُورَة الْوَاو وَذَلِكَ لكَونه مشوبا بِهِ وَجعل الْحَرَكَة الَّتِي نَشأ عَنْهَا نوعا من أَنْوَاع الضمة لكَونهَا مشوبة بهَا وَهُوَ مُخَالف للظَّاهِر فَإِن الظَّاهِر كَون هَذِه الْحَرَكَة نوعا من أَنْوَاع الكسرة لكَون الْكسر أغلب عَلَيْهَا وَكِتَابَة الْحَرْف نَشأ بِصُورَة الْيَاء لكَونه أشبه بهَا وَمَا فِي اللُّغَة الْعَرَبيَّة فَيتَعَيَّن كِتَابَته بِالْيَاءِ لثَلَاثَة أُمُور أَحدهمَا مَا ذكر وَهُوَ كَونه أشبه بهَا الثَّانِي أَن أشهر اللُّغَات فِيهِ هِيَ لُغَة من يلفظ بِهِ بِالْيَاءِ الثَّالِث رِعَايَة الِاحْتِيَاط فَإِنَّهُ إِذا كتب على هَذِه اللُّغَة بِالْوَاو وَلم ينتبه الْقَارئ للإشمام وأتى بِالضَّمِّ الْخَالِص يكون قد ترك اللُّغَة الفصيحة وَهِي لُغَة من يشم الكسرة ضمة إِلَى لُغَة غير فصيحة وَهِي لُغَة من يَقُول فِيهِ قَول وجوء بِالضَّمِّ الْخَالِص وَأما إِذا كتب بِالْيَاءِ فَإِنَّهُ إِذا لم ينتبه للإشمام وأتى بالكسرة الْخَالِص يكون قد ترك اللُّغَة الفصيحة وَهِي لُغَة من يشم الكسرة ضمة إِلَى اللُّغَة الَّتِي هِيَ أفْصح مِنْهَا وَهِي لُغَة من يَقُول قيل وَجِيء بالكسرة الْخَالِص وَأكْثر النَّاس فِي أَمر العلائم أما مفرط فَمن المفرطين فِي ذَلِك من

стр. 783

لَا يكَاد يضع عَلامَة فِي مَوضِع من الْمَوَاضِع وَمن المفرطين فِيهِ من لَا يكَاد يتْرك موضعا بِغَيْر عَلامَة وَقد رَأَيْت بعض قراء الْفرس جعل ل (مَا) وَنَحْوهَا علائم فَجعل ل (مَا) الشّرطِيَّة الطَّاء واللاستفهامية الْمِيم وللموصولة الْخَاء إِشَارَة إِلَى أَنَّهَا خبرية لَا إنشائية وللزائدة الصَّاد إِشَارَة إِلَى أَنَّهَا صلَة فِي الْكَلَام وللكافة الْكَاف وَجعل ذَلِك فَوق الْمِيم مَا وَكتبه بأحرف صَغِيرَة بمداد أَحْمَر وَجرى على مثل ذَلِك فِي كثر من الْأَشْيَاء وَالْأولَى فِي أَمر العلائم أَن لَا تُوضَع إِلَّا حَيْثُ يضْطَر إِلَيْهَا أَو يبْعَث عَلَيْهَا باعث / وهاك جدولا فِي الحركات وَمَا يتَعَلَّق بهَا أَسمَاء الحركات العلامات مثالها بِالْعَرَبِيَّةِ مثالها بِالْفَارِسِيَّةِ مَعْنَاهَا الضمة جد بر ملآن الضمة المشوبة صلوة خود نَفسه الضمة الممالة رد الكسرة صل أَي شَيْء الكسرة المشمة هبت جه الفتحة ﷺ هَب رَأس الفتحة الممالة دَرَجَة سه ثَلَاثَة وَهَذَا المبحث وَاسِط الْأَطْرَاف جدا وَفِيمَا ذكرنَا كِفَايَة للطَّالِب المنتهية وَالله الْمُوفق

стр. 784

وَقد عرفت أَنه قد انتقد على أَكثر كتاب الْعَرَبيَّة عدم وضعهم علائم للْوَقْف فِي أَكثر الإحيان حَتَّى صَار القارىء لَا سِيمَا إِن كَانَ يقْرَأ بِسُرْعَة لَا يدْرِي أَيْن يقف وَإِذا وقف فَرُبمَا وقف فِي مَوضِع لَيْسَ من مَوَاضِع الْوَقْف فيضطر حِينَئِذٍ إِلَى الْبَحْث معرفَة مَوَاضِع الْوَقْف ومراعاتها فِي حَال الْقِرَاءَة وَالْكِتَابَة وَأعظم النَّاس اعتناء بِأَمْر الْوَقْف كتاب الْكتاب الْعَزِيز والتالون لَهُ حق تِلَاوَته وَذَلِكَ لما ورد عَن السّلف من الْأَمر بمعرفته ومراعاته رُوِيَ عَن عَليّ ﵁ أَنه سُئِلَ عَن قَوْله تَعَالَى ﴿ورتل الْقُرْآن ترتيلا﴾ فَقَالَ الترتيل تجويد الْحُرُوف وَمَعْرِفَة الْوَقْف وَقَالَ بعض الْقُرَّاء بَاب الْوَقْف جليل الْقدر عَظِيم الْخطر لَا يَتَأَتَّى لأحد معرفَة مَعَاني الْقُرْآن وَلَا استنباط الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة مِنْهُ إِلَّا بِمَعْرِِفَة الفواصل وَقَالَ بَعضهم لما لم يُمكن الْقَارئ أَن يقْرَأ السُّورَة فِي نفس وَاحِد وَجب اخْتِيَار مَوضِع يسوغ الْوُقُوف عَلَيْهِ والابتداء بِمَا بعده ويتحتم أَن يكون موضعا لَا يحِيل الْوُقُوف عَلَيْهِ الْمَعْنى وَلَا يخل بالفهم وَبِذَلِك يحصل الْقَصْد وَتظهر دَلَائِل الإعجاز وَقد حث كثير من السّلف عَلَيْهِ وَاشْترط كثير من الْخلف على الْمُجِيز أَن لَا يُجِيز أحدا إِلَّا بعد مَعْرفَته بِالْوَقْفِ والابتداء فَإِذا عرف ذَلِك سَاغَ لَهُ أَن يصل فِي مَوَاضِع الْوَقْف عِنْد امتداد النَّفس فَإِن التَّالِي كالضارب فِي الأَرْض / ومواضع الْوَقْف بَين يَدَيْهِ كالمنازل فالعارف لَا يتَعَدَّى منزلا إِلَّا إِذا أَيقَن أَنه يصل إِلَى الْمنزل الَّذِي بَين يَدَيْهِ وَالنَّهَار قَائِم وَالْجَاهِل بالمنازل يعرس حَيْثُ أجنه اللَّيْل وَقد يكون فِي مَوضِع يلْحقهُ فِيهِ ضَرَر من تلف نفس أَو مَال أَو غير ذَلِك فالقارئ الْعَارِف بالمقاطع يقف حَيْثُ لَا يلْحقهُ لوم وَالْجَاهِل يقف عِنْد انْتِهَاء نَفسه فقد يقف فِي مَوضِع يضر الْوُقُوف بِهِ لإحالته الْمَعْنى أَو إخلاله بالفهم وَقد

стр. 785

حذر الْعلمَاء من الْوَقْف على الْمَوَاضِع الَّتِي لم يتم فِيهَا الْكَلَام وحثوا على تجنبها وَقد قسم بَعضهم الْوَقْف إِلَى قسمَيْنِ تَامّ وقبيح قَالُوا وَلَو قَالَ جَائِز وقبيح أَو حسن وقبيح لَكَانَ أقرب إِلَى التقابل بَين الْقسمَيْنِ وَكَأن صَاحب هَذَا التَّقْسِيم جعل مَا يُقَابل الْقَبِيح قسما وَاحِدًا وَهُوَ قَول غَرِيب وقسمه بَعضهم إِلَى قسمَيْنِ تَامّ وَحسن فالتام عِنْده هُوَ الَّذِي يحسن الْوَقْف عَلَيْهِ والابتداء بِمَا بعده وَالْحسن هُوَ الَّذِي يحسن الْوَقْف عَلَيْهِ وَلَا يحسن الِابْتِدَاء بِمَا بعده وَالْمَشْهُور تَقْسِيم الْوَقْف إِلَى ثَلَاثَة أَقسَام تَامّ وكاف وَحسن وَوجه الْحصْر فِي ذَلِك أم يُقَال إِن الْقَارئ إِذا وقف على كَلَام تَامّ فَإِن انْقَطع عَمَّا بعده لفظا وَمعنى فَهُوَ التَّام وَإِن تعلق بِمَا بعده فَإِن كَانَ من جِهَة الْمَعْنى دون اللَّفْظ فَهُوَ الْكَافِي وَإِن كَانَ التَّعَلُّق من جِهَة اللَّفْظ فَهُوَ الْحسن فالوقف التَّام هُوَ الَّذِي لَا يتَعَلَّق بِهِ مَا بعده لَا من جِهَة اللَّفْظ وَلَا من جِهَة الْمَعْنى وَأكْثر مَا يكون عِنْد انْتِهَاء الْقَصَص وَعند رُؤُوس الْآي نَحْو الْوَقْف على ﴿مَالك يَوْم الدّين﴾ فَإِنَّهُ يَلِيهِ ﴿إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين﴾ وَنَحْو الْوَقْف على نستعين فَإِنَّهُ يَلِيهِ ﴿اهدنا الصِّرَاط الْمُسْتَقيم﴾ وَنَحْو ﴿وَأُولَئِكَ هم المفلحون﴾ فَإِنَّهُ يَلِيهِ ﴿إِن الَّذين كفرُوا﴾ وَالْكَافِي هُوَ الَّذِي يحسن الْوَقْف عَلَيْهِ والابتداء بِمَا بعده لَا أَن مَا بعده لَهُ تعلق بِهِ من جِهَة الْمَعْنى وَلذَلِك كَانَ دون التَّام وَيكون الْكَافِي فِي رُؤُوس الْآي وَفِي غَيرهَا وَقد يكون بعضه أكفى من بعض وَذَلِكَ فِي نَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَة من يَشَاء وَمن يُؤْت الْحِكْمَة فقد أُوتِيَ خيرا كثيرا وَمَا يذكر إِلَّا أولُوا الْأَلْبَاب﴾ فالوقف على (من يَشَاء) كَاف وَالْوَقْف على (كثيرا) أكفى مِنْهُ وَالْحسن هُوَ الَّذِي يحسن الْوَقْف عَلَيْهِ وَلَا يحسن الِابْتِدَاء بِمَا بعده لتَعَلُّقه بِهِ من جِهَة اللَّفْظ وَيُسمى أَيْضا الصَّالح لصلوح الْوَقْف عَلَيْهِ وَذَلِكَ نَحْو (الْحَمد لله)

стр. 786

فَإِن الْوَقْف عَلَيْهِ الْحسن لِأَن المُرَاد مَعْقُول غير أَنه لَا يحسن الِابْتِدَاء بِمَا بعده فَلَا بُد من أَن يُعِيد مَا قبله ليتسق بذلك الْكَلَام وَنَحْو الْوَقْف على ﴿رب الْعَالمين﴾ فَإِنَّهُ يحسن الْوَقْف عَلَيْهِ وَلَا يحسن الِابْتِدَاء بِمَا بعده إِلَّا عِنْد أنَاس قَالُوا إِذا كَانَ رَأس آيَة كَمَا هُنَا جَازَ ذَلِك بل قَالَ بَعضهم إِن الْأَفْضَل الْوَقْف على رُؤُوس الْآيَات وَإِن تعلّقت بِمَا بعْدهَا اتبَاعا لهدي النَّبِي ﷺ استدلوا على ذَلِك بِمَا رُوِيَ عَن أم سَلمَة ﵂ أَنَّهَا قَالَت إِن النَّبِي ﷺ كَانَ إِذا قَرَأَ قطع آيَة آيَة يَقُول ﴿بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾ ثمَّ يقف ثمَّ يَقُول ﴿الْحَمد لله رب الْعَالمين﴾ ثمَّ يقف ثمَّ يَقُول ﴿الرَّحْمَن الرَّحِيم مَالك يَوْم الدّين﴾ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ساكتا عَلَيْهِ وَالتِّرْمِذِيّ وَأحمد وَغَيرهم وَهُوَ حَدِيث حسن وَسَنَده صَحِيح وَالَّذِي مَال إِلَيْهِ أَكثر الباحثين فِي الْوَقْف أَن كل مَوضِع يتَعَلَّق بِهِ مَا بعده من جِهَة اللَّفْظ لَا يسوغ إِن وقف عَلَيْهِ أَن يبتدأ بِمَا بعده وَلَو كَانَ رَأس آيَة قَالَ الْعمانِي النَّاس مُخْتَلفُونَ فِي الْوَقْف فَمنهمْ من قَالَ هُوَ على الأنفاس فَإِذا انْقَطع النَّفس فِي التِّلَاوَة فَعنده الْوَقْف فكأنهم جعلُوا الْوَقْف تَابعا لمقطع الأنفاس / وجعلوها الأَصْل وَالْوُقُوف مبنيه عَلَيْهَا وَقَالَ آخَرُونَ الفواصل كلهَا مقاطع فَكل رَأس هُوَ وقف وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه كَانَ يقطع قِرَاءَته آيَة آيَة وَبِمَا رُوِيَ عَن أبي عَمْرو وَعَامة الْأَئِمَّة أَن الْوَقْف على رَأس الْآيَة تَامّ وكاف وَحسن ثمَّ قَالَ وَأَعْدل الْأَقْوَال عندنَا أَن الْوَقْف قد يكون فِي أوساط الْآي وَقد يكون فِي أواخرها والأغلب فِي رُؤُوس الْآي أَنَّهَا وقف عِنْدهَا وأكثرها فِي السُّور ذَوَات الْآي الْقصار كسورة مَرْيَم وطه وَالشعرَاء وَالصَّافَّات وَنَحْوهَا أَلا ترى أَن

стр. 787

قَوْله تَعَالَى فِي سُورَة وَالصِّفَات ﴿أَلا إِنَّهُم من إفكهم ليقولون﴾ هُوَ رَأس آيَة وَمَعَ ذَلِك لَا يجوز الْوَقْف عَلَيْهِ لِأَن الِابْتِدَاء بِمَا بعده يُؤَدِّي إِلَى قبح فَاحش وَكَذَلِكَ قَوْله فِي الزخرف ﴿أبوابا وسررا عَلَيْهَا يتكؤون﴾ هُوَ رَأس آيَة وَلَيْسَ بوقف لِأَن قَوْله ﴿وزخرفا﴾ مَعْطُوف على مَا قبله وَلم تكْثر المعطوفات هَا هُنَا فَيجوز لطول الْكَلَام فَإِن وقف على قَوْله ﴿وزخرفا﴾ تمّ الْكَلَام وَحسن الْوَقْف عَلَيْهِ وَمن هَذَا فِي الْقُرْآن كثير ذكرت نبذا مِنْهُ ليقاس عَلَيْهِ قَالَ أَبُو حَاتِم أَكثر أَوَاخِر الْآي من أول الْقُرْآن إِلَى أَخّرهُ تَامّ أَو كَاف أَو صَالح أَو مَفْهُوم إِلَّا الشَّيْء بعد الشَّيْء وَهَذَا الَّذِي اسْتَثْنَاهُ هُوَ مَا ذكرته لَك وَلذَلِك قلت كتب الْوَقْف فَلم تكْثر كَثْرَة كتب الْقِرَاءَة لأَنهم اقتصروا على غير الفواصل الَّتِي اعتقدوا فِيهَا أَنَّهَا مقاطع فَكل من عمل من الْمُتَقَدِّمين كتابا فِي الْوَقْف فَإِنَّمَا أورد فِيهِ الْوُقُوف الَّتِي فِي أواسط الْآي وَلم يتَعَرَّضُوا لغَيْرهَا من الفواصل إِلَّا الْيَسِير أَرَادوا أَن يرخصوا للقارئ الْوَقْف فِي أواسط الْآي كَمَا جَازَ لَهُ الْوَقْف على أواخرها لِأَن الْآيَة رُبمَا طَالَتْ فَلم يبلغ النَّفس آخرهَا وَلِئَلَّا يتَوَهَّم أَن انْقِطَاع الأنفاس إِنَّمَا يكون عِنْد أَوَاخِر الْآيَات دون أواسطها فيضيق الْأَمر بِهِ عِنْد الْقَارئ ١ هـ وَمِمَّنْ جرى على هَذَا القَوْل الْعَلامَة السجاوندي وَلذَا كتب فَوق كثير من الفواصل لَا قَالَ الْعَلامَة ابْن الْجَزرِي فِي النشر قَول أَئِمَّة الْوَقْف لَا يُوقف على كَذَا مَعْنَاهُ أَنه لَا يبتدأ بِمَا بعده إِذْ كل مَا أَجَازُوا الْوَقْف عَلَيْهِ أَجَازُوا الِابْتِدَاء بِمَا بعده وَقد أَكثر السجاوندي من هَذَا الْقسم وَبَالغ فِي كِتَابَة لَا وَالْمعْنَى عِنْده لَا تقف وَكثير مِنْهُ يجوز الِابْتِدَاء بِمَا بعده وَأكْثر يجوز الْوَقْف عَلَيْهِ وَقد توهم من لَا معرفَة لَهُ من مقلدي السجاوندي أَن منهعه من الْوَقْف على ذَلِك يَقْتَضِي أَن الْوَقْف عَلَيْهِ قَبِيح ي لَا يحسن الْوَقْف عَلَيْهِ وَلَا الِابْتِدَاء بِمَا بعده وَلَيْسَ كَذَلِك بل هُوَ من الْحسن يحسن الْوَقْف عَلَيْهِ وَلَا يحسن الِابْتِدَاء بِمَا بعده

стр. 788

فصاروا إِذا اضطرهم ضيق النَّفس يتركون الْوَقْف على الْحسن الْجَائِز ويتعمدون الْوَقْف على الْقَبِيح الْمَمْنُوع فتراهم يَقُولُونَ (صِرَاط الَّذين أَنْعَمت عَلَيْهِم غير) ثمَّ يَقُولُونَ (غير المغضوب عَلَيْهِم) وَيَقُولُونَ (هدى لِلْمُتقين الَّذين) ثمَّ يبتدئون فَيَقُولُونَ (الَّذين يُؤمنُونَ بِالْغَيْبِ) ويتركون الْوَقْف على (عَلَيْهِم) وعَلى الْمُتَّقِينَ الجائزين قطعا ويقفون على غير وَالَّذين اللَّذين تعمد الْوَقْف عَلَيْهِمَا قَبِيح بِالْإِجْمَاع لِأَن الأول مُضَاف وَالثَّانِي مَوْصُول وَكِلَاهُمَا مَمْنُوع من تعمد الْوَقْف عَلَيْهِ وحجتهم فِي ذَلِك قَول السجاوندي لَا قلت لَيْت شعري إِذْ منع من الْوَقْف عَلَيْهِ هَل أجَاز الْوَقْف على غير أَو الَّذين فَيعلم أَن مُرَاد السجاوندي بقوله لَا أَي لَا يُوقف عَلَيْهِ على أَن يبْدَأ بِمَا بعده كَغَيْرِهِ من الْأَوْقَاف ثمَّ ذكر بعض / وقُوف انتقدها عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ وَمثل ذَلِك كثير فِي وقُوف السجاوندي فَلَا يتَغَيَّر بِكُل مَا فِيهِ بل يتبع فِيهِ الأصوب ويختار مِنْهُ الْأَقْرَب وَهَذَا وَقد قسم بَعضهم حَيْثُ قَالَ وَالْوُقُوف على خمس دَرَجَات فأعلاها رُتْبَة التَّام ثمَّ الْحسن ثمَّ الْكَافِي ثمَّ الصَّالح ثمَّ الْمَفْهُوم وَهَذِه الْعبارَات قد استعملها أَبُو حَاتِم فِي كِتَابه وَهِي وَإِن كَانَت كَثِيرَة فَهِيَ مُتَقَارِبَة فالحسن وَالْكَافِي يتقاربان والتام فَوْقهمَا وَالْحسن يُقَارب التَّام والصالح وَالْمَفْهُوم يتقاربان أَيْضا والجائز دونهمَا فِي الرُّتْبَة وَالْمُسْتَحب للقارئ أَن يقف على التَّام فَإِن لم يجد إِلَيْهِ سَبِيلا فالحسن فَإِن لم يُمكن فالكافي وَكَذَلِكَ الصَّالح وَالْمَفْهُوم أَنه مَا دَامَ يقدر على الْوَقْف فِي الْمَوَاضِع الْمَنْصُوص عَلَيْهَا لَا يعدل عَنْهَا إِلَى الْجَائِز وَلَا يعدل عَن الْجَائِز إِلَى الْمَوَاضِع الَّتِي يكره قطع النَّفس عِنْدهَا وَالْحسن الْمَذْكُور هُنَا أَعلَى دَرَجَة من الْحسن الْمَذْكُور سَابِقًا فَإِنَّهُ هُنَا يُقَارب

стр. 789

التَّام وَكَأَنَّهُ أحد نَوْعَيْنِ وَلكنه أدناهما قَالَ بَعضهم قد يتَفَاوَت التَّام فِي التَّمام وَذَلِكَ نَحْو ﴿لقد أضلني عَن الذّكر بعد إِذْ جَاءَنِي﴾ فَإِن الْوَقْف عَلَيْهِ تَامّ وَلَكِن الْوَقْف على بعده وَهُوَ ﴿وَكَانَ الشَّيْطَان للْإنْسَان خذولا﴾ أتم لتَعَلُّقه بِهِ تعلقا خفِيا وَلِأَنَّهُ آخر الْآيَة وَقد سمى بَعضهم هَذَا النَّوْع الشبيه بالتمام وَيَنْبَغِي لمن أَرَادَ الْمُرَاجَعَة فِي كتاب من كتب هَذَا الْفَنّ أَن يعرف أَولا حد كل قسم من الْأَقْسَام عِنْد مؤلف ذَلِك الْكتاب ليَكُون على بَصِيرَة فِي أمره وَقد وضعُوا علائم لهَذِهِ الْأَقْسَام فَجعلُوا التَّاء أَو الْمِيم للتام والحاء لِلْحسنِ وَالْكَاف للكافي وَالصَّاد للصالح وَالْجِيم للجائز وَقد التزموا كِتَابَة هَذِه العلائم بالأحمر ووضعها فَوق مَوضِع الْوَقْف وَقد تُوضَع فِي بعض الْمَوَاضِع علامتان إِمَّا للْإِشَارَة بِأَنَّهُ من الْمَوَاضِع المحتملة لوَجْهَيْنِ وَإِمَّا للْإِشَارَة إِلَى أَن ثمَّ قَوْلَيْنِ لأرباب الْفَنّ لم يظْهر للواضع رُجْحَان أَحدهمَا على الآخر إِلَّا أَن هُنَا أمرا يجب الانتباه لَهُ وَهُوَ أَنه كثيرا مَا يرى النَّاظر فِي عباراتهم اخْتِلَافا مُبينًا على الآخر إِلَّا أَن هُنَا أَمر يجب الانتباه لَهُ وَهُوَ أَنه كثيرا مَا يرى النَّاظر فِي الْحَقِيقَة فَيحكم بِهِ مَعَ أَنه رُبمَا لم يكن هُنَاكَ اخْتِلَاف وكما يَقع هَذَا بِسَبَب الِاخْتِلَاف فِي الِاصْطِلَاح قد يَقع عَكسه وَهُوَ أَن يظنّ بِسَبَب اتِّفَاق عباراتهم فِي الظَّاهِر أَن لَا خلاف هُنَاكَ مَعَ أَنه قد يكون هُنَاكَ خلاف وَأما السجاوندي فَإِنَّهُ قسم الْوَقْف إِلَى خَمْسَة أَقسَام لكل قسم مِنْهَا عَلامَة تُوضَع فَوق مَحل الْوَقْف وَتَكون بالمداد الْأَحْمَر والأقسام الْخَمْسَة هِيَ اللَّازِم وَالْمُطلق والجائز والمحجوز لوجه والمرخص للضَّرُورَة وَقد تبع أَثَره فِي ذَلِك جلّ كتاب الْكتاب الْعَزِيز من بعده وَلذَلِك انتشرت طَرِيقَته فِي الْبِلَاد وَقد أحببنا بَيَان مَا اصْطلحَ عَلَيْهِ ليَكُون التَّالِي فِي الْمَصَاحِف الَّتِي جرى كتابها على طَرِيقَته على بَصِيرَة فِي الْوَقْف والابتداء فَنَقُول فالوقف اللَّازِم عِنْده هُوَ مَا قد يُوهم غير المُرَاد إِذا وصل بِمَا بعده نَحْو قَوْله

стр. 790

تَعَالَى فِي صفة الْمُنَافِقين ﴿وَمَا هم بمؤمنين﴾ فالوقف هُنَا عِنْده لَازم إِذْ لَو وصل بقوله ﴿يخادعون الله﴾ لتوهم قبل التدبر أَن الْجُمْلَة صفة لقَوْله (بمؤمنين) فَيَنْتَفِي بذلك الخداع عَنْهُم ويتقرر الْإِيمَان خَالِصا عَن الخداع خَالِصا عَن الخداع كَمَا يكون ذَلِك فِي قَوْلك مَا هَؤُلَاءِ بمؤمنين مخادعين مَعَ أَن الْمَقْصُود هُوَ نفي الْإِيمَان عَنْهُم وَإِثْبَات الخداع لَهُم وَنَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا يحزنك قَوْلهم إِن الْعِزَّة لله﴾ وَنَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَا يحزنك قَوْلهم إِنَّا نعلم مَا يسرون وَمَا يعلنون﴾ فالوقف عِنْد قَوْلهم لَازم فَإِنَّهُ لَو وصل لتوهم أَن مَا بعده هُوَ الْمَقُول وَلَيْسَ كَذَلِك بل هُوَ جملَة مستأنفة وَردت للنَّبِي ﷺ وتهديدا لَهُم وعلامة الْوَقْف اللَّازِم الْمِيم وَالْوَقْف الْمُطلق هُوَ مَا يكون مَا بعده مِمَّا يحسن الِابْتِدَاء بِهِ وَذَلِكَ كالاسم الْمُبْتَدَأ بِهِ نَحْو ﴿الله يجتبي﴾ وَالْفِعْل المستأنف نَحْو ﴿سَيجْعَلُ الله بعد عسر يسرا﴾ وَالشّرط نَحْو ﴿إِن أَحْسَنْتُم أَحْسَنْتُم لأنفسكم﴾ والاستفهام نَحْو ﴿أيحسب الْإِنْسَان أَن يتْرك سدى﴾ وَالنَّفْي نَحْو ﴿مَا كَانَ لَهُم الْخيرَة﴾ ﴿إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ وَنَحْو ذَلِك حَيْثُ لم يكن ذَلِك مقولا لقَوْل سَابق وعلامة الْوَقْف الْمُطلق الطَّاء وَالْوَقْف الْجَائِز مَا يجوز فِيهِ الْوَصْل والفصل لتجاذب الموجبين نَحْو ﴿وَمَا أنزل من قبلك﴾ فَإِن وَاو الْعَطف فِي الْجُمْلَة التالية لَهَا وَهِي ﴿وبالآخرة هم يوقنون﴾ يرجح الْوَصْل وَتَقْدِيم الْمَفْعُول على الْفِعْل وَوُجُود الضَّمِير يرجح الْوَقْف فتساويا وَإِن كَانَ الْوَصْل هُنَا أرجح من جِهَة وَمثل ذَلِك ﴿إِن هَذَا كَانَ لكم جَزَاء وَكَانَ سعيكم مشكورا﴾ فالوقف على جَزَاء وَإِن كَانَ جَائِزا إِلَّا أَن الْوَصْل هُنَا أحسن رِعَايَة للفواصل وعلامة الْوَقْف الْجَائِز الْجِيم

стр. 791

وَالْوَقْف المحجوز لوجه هُوَ مَا يكون للْوَقْف فِيهِ وَجه إِلَّا أَن الْوَصْل فِيهِ يكون أولى نَحْو ﴿أُولَئِكَ الَّذين اشْتَروا الْحَيَاة الدُّنْيَا بِالآخِرَة﴾ فَإِن مَجِيء مَا بعده وَهُوَ ﴿فَلَا يُخَفف عَنْهُم الْعَذَاب﴾ فالفاء المشعرة بِالسَّبَبِ يَقْتَضِي الْوَصْل ومجيء هَذِه الْجُمْلَة على هَذِه الهيءة يَجْعَل للفصل وَجها وعلامة الْوَقْف المجوز الزَّاي وَالْوَقْف المرخص فِيهِ للضَّرُورَة هُوَ الَّذِي لَا يرخص فِيهِ فِي حَال الِاخْتِيَار الِاضْطِرَار وَذَلِكَ مَا بعده لَا يَسْتَغْنِي عَمَّا قبله وَإِن كَانَ مفهوما فِي الْجُمْلَة ويرخص فِيهِ فِي حَال الِاضْطِرَار وَذَلِكَ إِمَّا لانْقِطَاع النَّفس أَو لطول الْكَلَام غير أَنه إِذا وقف عَلَيْهِ ابْتَدَأَ بِمَا بعده من غير أَن يعود وَذَلِكَ نَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿وَالسَّمَاء بِنَاء﴾ فَإِن مَا بعده وَهُوَ ﴿وَأنزل من السَّمَاء مَاء﴾ وَإِن كَانَ غير مُسْتَقل لوُجُود ضمير فِيهِ يعود على مَا قبله إِلَّا أَنه جملَة مفهومة وَنَحْو كل من فواصل ﴿قد أَفْلح الْمُؤْمِنُونَ﴾ إِلَى قَوْله ﴿هم فِيهَا خَالدُونَ﴾ وعلامة الْوَقْف المرخص فِيهِ الصَّاد وَأما الْوَقْف الْقَبِيح فَهُوَ الْوَقْف فِي مَوضِع لم يتم فِيهِ الْكَلَام وَذَلِكَ كالوقف على الشَّرْط دون جَزَائِهِ والمبتدأ دون خَبره وعَلى ذِي الْحَال دون الْحَال وعَلى الْمُسْتَثْنى مِنْهُ دون الْمُسْتَثْنى وعَلى أحد مفعولي بَاب ظَنَنْت دون الآخر وعَلى الْمَوْصُوف دون الصّفة وعَلى الْمُؤَكّد دون الْمُؤَكّد وعَلى الْمُبدل مِنْهُ دون الْبَدَل وعَلى ذَلِك بِسَبَب عطاس أَو انْقِطَاع نفس لزمَه أَن يعود إِلَى مَا قبله ويبتدىء مِنْهُ حَتَّى يتسق الْكَلَام والقبيح تَتَفَاوَت درجاته فِي الْقبْح فبعضه أقبح من بعض فَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تقربُوا الصَّلَاة وَأَنْتُم سكارى حَتَّى تعلمُوا مَا تَقولُونَ﴾ يقبح الْوُقُوف على سكارى وأقبح مِنْهُ الْوُقُوف هُنَا على الصَّلَاة وَأما الِابْتِدَاء فَلَا يكون إِلَّا اختياريا إِذْ لَيْسَ كالوقف قد تَدْعُو إِلَيْهِ ضَرُورَة فَلَا يجوز إِلَّا بمستقبل بِالْمَعْنَى واف بِالْمَقْصُودِ وَهُوَ مَا يَنْقَسِم إِلَيْهِ الْوَقْف وتتفاوت درجاته فِي التَّمام والكفاية وَالْحسن والقبح كَمَا تَتَفَاوَت دَرَجَات الْوَقْف

стр. 792

وَقد يكون الْوَقْف قبيحا والابتداء حسنا نَحْو ﴿من بعثنَا من مرقدنا هَذَا﴾ الْوَقْف على هَذَا قَبِيح للفصل فِيهِ بَين الْمُبْتَدَأ وَخَبره وَلِأَنَّهُ يُوهم أَن الْإِشَارَة إِلَى المرقد والابتداء بهَا كَاف أَو تَامّ لاستئنافه وَأما الِابْتِدَاء بِمَا بعده فَهُوَ قَبِيح شَدِيد الْقبْح وعلامة الْوَقْف الْقَبِيح لَا فَإِذا وضعت فَوق مَوضِع علم أَنه لَا وقف هُنَاكَ وَأَنه يَنْبَغِي للقارىء الْوَصْل إِلَّا أَن يكون تَحْتَهُ عَلامَة رُؤُوس الْآيَات فَلهُ أَن يقف هُنَاكَ من غير إِعَادَة بِنَاء على قَول من أجَاز الْوُقُوف على رُؤُوس الْآي مُطلقًا كَأبي عَمْرو فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنهُ أَنه كَانَ يتَعَمَّد رُؤُوس الْآي وَهُوَ أحب إِلَيّ إِلَّا أَن كل ذِي طبع سليم يحكم بِأَن إجازتهم لذَلِك مَشْرُوطَة بِعَدَمِ وُقُوع مَانع خَاص وَذَلِكَ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى فِي سُورَة وَالصَّافَّات ﴿أَلا إِنَّهُم من إفكهم ليقولون ولد الله وَإِنَّهُم لَكَاذِبُونَ﴾ فَإِنَّهُ لَا يتَصَوَّر أَن يُجِيز أحد الْوَقْف على ليقولون على أَن يبتدأ بِمَا بعده قَالَ بعض الْمُفَسّرين كل مَا فِي الْقُرْآن من القَوْل لَا يجوز الْوَقْف عَلَيْهِ لِأَن مَا بعده حكايته وَهَا هُنَا علائم أُخْرَى قد يَضَعهَا بعض الْكتاب فَمن ذَلِك الْقَاف وَهِي عَلامَة الْوَقْف الَّذِي قَالَ بِهِ بعض الْعلمَاء وَلم يقل بِهِ أَكْثَرهم وَمن ذَلِك قف وَهِي عَلامَة على أَن الْوَقْف هُنَالك يُؤمر بِهِ الْقَارئ على طَرِيق الِاسْتِحْبَاب بِحَيْثُ إِنَّه إِذا لم يقف وَوصل لم يكن عَلَيْهِ شي وَمن ذَلِك السِّين وَهِي عَلامَة على السكتة وَهِي وَقْفَة من غير تنفس قَالَ بعض أهل الْفَنّ الْوَقْف وَالْقطع والسكت عِبَارَات يطلقهَا المتقدمون مريدين بهَا فِي الْغَالِب الْوَقْف وَقد فرق الْمُتَأَخّرُونَ بَينهَا فَقَالُوا الْقطع عبارَة عَن ترك الْقِرَاءَة فَيكون الْقَارئ كالمعرض عَنْهَا والمتنقل إِلَى حَالَة أُخْرَى غَيرهَا وَهُوَ مشْعر بالانتهاء وَلذَا يطْلب مِنْهُ الِاسْتِعَاذَة للْقِرَاءَة المستأنفة وَيَنْبَغِي أَن يكون الْقطع عِنْد رَأس آيَة قَالَ سعيد بن مَنْصُور فِي سنَنه

стр. 793

حَدثنَا أَبُو الْأَحْوَص عَن أبي سِنَان عَن ابْن أبي الْهُذيْل أَنه كَانُوا يكْرهُونَ أَن يقرؤوا بعض الْآيَة ويدعوا بَعْضهَا وَهَذَا إِسْنَاد صَحِيح وَابْن الْهُذيْل تَابِعِيّ كَبِير وَقَوله كَانُوا يُرِيد بِهِ الصَّحَابَة الْوَقْف عبارَة عَن قطع الصَّوْت على الْكَلِمَة زَمنا يتنفس فِيهِ عَادَة بنية تنفس وَقد سكت حَمْزَة على السَّاكِن قبل الْهمزَة سكتة يسيرَة وَقد اخْتلفت أَلْفَاظ أهل الْفَنّ فِي التَّعْبِير عَنْهَا فَقيل هِيَ سكتة قَصِيرَة وَقيل هِيَ سكتة مختلسة من غير إشباع وَقيل هِيَ وَقْفَة يسيرَة وَقيل هِيَ وَقْفَة خَفِيفَة وَقيل هِيَ سكتة لَطِيفَة من غير قطع وَقيل هِيَ وقيفة قَالَ أَبُو عَليّ الْفَارِسِي فِي حجيج الْقِرَاءَة يسكت حَمْزَة على يَاء شَيْء قبل الْهمزَة سكتة خَفِيفَة ثمَّ يهمز وَكَذَلِكَ يسكت على لَام الْمعرفَة فِي الأَرْض وَفِي الْأَسْمَاء وَالْآخِرَة وَنَحْوهَا وَكَأَنَّهُ راد بِهَذِهِ الوقيفة الَّتِي وَقفهَا تَحْقِيق الْهمزَة وتبيينها فَجعل الْهمزَة بِهَذِهِ الوقيفة قبلهَا فِي حَال لَا يجوز مَعهَا إِلَّا التَّحْقِيق لِأَن الْهمزَة قد صَارَت مضارعة للمبتدأ بهَا والمبتدأ بهَا لَا تخفف أَلا ترى أَن أهل التَّخْفِيف لَا يخففونها مُبتَدأَة فَهَذِهِ الوقيفة آذَنت بتحقيقها إِذْ صيرتها فِي حَال مَا لَا يُخَفف من الْهَمْز وَمِمَّا يُقَوي ذَلِك مدهم الْألف إِذا كَانَت الْهمزَة بعْدهَا نَحْو السَّمَاء وَمَاء إِلَّا ترى أَن مد الْألف إِذْ كَانَت الْهمزَة بعْدهَا أطول مِنْهُ فِيهَا إِذا لَك يكن بعْدهَا همزَة نَحْو ﴿وَمَا بكم من نعْمَة فَمن الله﴾ ليَكُون ذَلِك أبين للهمزة فَكَذَلِك وقف حَمْزَة هَذِه الوقيفة لتَكون أبين للهمزة اه وَاخْتلف فِي السكت فَقيل يجوز فِي رُؤُوس الْآيَات مُطلقًا فِي حَالَة الْوَصْل لقصد الْبَيَان وَحمل بَعضهم الحَدِيث الْوَارِد على ذَلِك وَالْمَشْهُور أَنه مُقَيّد بِالسَّمَاعِ

стр. 794

وَالنَّقْل وَأَنه لَا يسوغ إِلَّا فِيمَا صحت بِهِ الرِّوَايَة لِمَعْنى مَقْصُود بِذَاتِهِ وَقد رووا عَن حَفْص أَنه كَانَ يسكت فِي الْكَهْف على عوجا وَفِي يس على مرقدنا وَفِي الْقِيَامَة على النُّون من من راق وَفِي المطففين على اللَّام من بل ران وَقَالَ بعض عُلَمَاء الْعَرَبيَّة بعد أَن ذكر أَنهم نقلوا عَن حَمْزَة أَنه قَرَأَ ومكر السيء بِإِسْكَان الْهمزَة لعِلَّة اختلس فَظن سكونا أَو وقف وَقْفَة خَفِيفَة ثمَّ الْمُبْتَدَأ وَقد أوضح بعض الْمُفَسّرين هَذِه الْمَسْأَلَة فَقَالَ عِنْد ذكر قَوْله تَعَالَى فَلَمَّا جَاءَهُم نَذِير إِلَّا بأَهْله قَرَأَ الْجُمْهُور استكبار فِي الأَرْض ومكر السيء وَلَا يَحِيق الْمَكْر السيء إِلَّا بأَهْله) قَرَأَ الْجُمْهُور ومكر السيء بِكَسْر الْهمزَة وَالْأَعْمَش وَحَمْزَة بإسكانها إِمَّا إِجْرَاء للوصل مجْرى الْوَقْف وَإِمَّا إسكانا لتوالي الحركات وإجراء للمنفصل مجْرى الْمُتَّصِل كإبل وَزعم الْمبرد أَن هَذَا لَا يجوز فِي كَلَام منثور وَلَا شعر لِأَن الحركات الْإِعْرَاب دخلا للْفرق بَين الْمعَانِي وَقد اعظم بعض النَّحْوِيين أَن يكون الْأَعْمَش يقْرَأ بِهَذَا وَقَالَ إِنَّمَا وقف وَالدَّلِيل على هَذَا أَنه تَمام الْكَلَام وَأَن الثَّانِي لما لم يكن تَمام الْكَلَام أعربه وَالْحَرَكَة فِي الثَّانِي أثقل مِنْهَا فِي الأول لِأَنَّهَا ضمة بَين كسرتين وَقَالَ الزّجاج قِرَاءَة حَمْزَة مَوْقُوفا عِنْد الحذاق بيائين لحن لَا يجوز وَإِنَّمَا يجوز فِي الشّعْر للاضطرار وَقَالَ أَبُو عَليّ إِن قِرَاءَة حَمْزَة بِإِسْكَان الْهمزَة فِي الْوَصْل مَبْنِيّ على إجرائها فِي الْوَصْل مجْرى الْوَقْف وَيحْتَمل وَجها آخر وَهُوَ أَن يَجْعَل (ئ وَلَا) من قَوْله (مكر السيء وَلَا) بِمَنْزِلَة إبل فأسكن الْحَرْف الثَّانِي كَمَا يسكن من إبل فَيُقَال إبل لتوالي الكسرتين لَا سِيمَا والكسرة الأولى هُنَا فِي يَاء فَخفف بِإِسْكَان لِاجْتِمَاع الياآت والكسرات كَمَا خففت الْعَرَب مثل ذَلِك بالحذف وبالقلب وَنزلت حَرَكَة الْإِعْرَاب فِي هَذَا بِمَنْزِلَة حَرَكَة غير الْإِعْرَاب وَلَا تختل بذلك دلَالَة الْإِعْرَاب لِأَن الحكم بمواضعها مَعْلُوم كَمَا كَانَ مَعْلُوما فِي المعتل والإسكان للْوَقْف فَإِذا سَاغَ فِي

стр. 795

قِرَاءَته مَا ذكر من التَّأْوِيل لم يسغْ لقَائِل أَن يَقُول إِنَّه لحن وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ لَعَلَّه اختلس فَظن سكونا أَو وقف وَقْفَة خَفِيفَة ثمَّ ابْتَدَأَ تَنْبِيهَات التَّنْبِيه الأول يغْتَفر فِي طول الفواصل والقصص والجمل المعترضة وَنَحْو ذَلِك مَا لَا يغْتَفر فِي غَيرهَا فَرُبمَا أُجِيز الْوَقْف والابتداء لشَيْء مِمَّا ذكر ولولاه لم يجز وَهَذَا الَّذِي يُسَمِّيه السجاوندي المرخص فِيهِ للضَّرُورَة وَذَلِكَ نَحْو الْوَقْف على الْمغرب فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لَيْسَ الْبر أَن توَلّوا وُجُوهكُم قبل الْمشرق وَالْمغْرب﴾ وعَلى ﴿النَّبِيين﴾ وعَلى ﴿عَاهَدُوا﴾ وَنَحْو كل من فواصل ﴿قد أَفْلح الْمُؤْمِنُونَ﴾ إِلَى قَوْله ﴿هم فِيهَا خَالدُونَ﴾ وَقد ذكر النحويون أَنه يكره الْوَقْف النَّاقِص فِي التَّنْزِيل مَعَ إِمْكَان التَّام فَإِن لم يُمكن بِأَن طَال الْكَلَام وَلم يُوجد فِي أَثْنَائِهِ وقف تَامّ حسن الْأَخْذ بِالْوَقْفِ النَّاقِص وَقد يحسن الْوَقْف هُنَا يشْعر بِأَن ﴿قيمًا﴾ / نفصل عَنهُ وَمِنْهَا أَن يكون الْكَلَام مَبْنِيا على الْوَقْف نَحْو ﴿يَا لَيْتَني لم أوت كِتَابيه وَلم أدر مَا حسابيه﴾ وَأما مَا قصر من الْجمل فَإِنَّهُم لم يسوغوا فِيهَا مَا سوغوا فِي غَيرهَا وَإِن لم يكن هُنَاكَ تعلق لَفْظِي وَلذَا لم يذكرُوا الْوَقْف على ﴿وآتينا عِيسَى ابْن مَرْيَم الْبَينَات﴾ لقرب الْوَقْف على ﴿الْقُدس﴾ وَلم يجز كثير مِنْهُم الْوَقْف على ﴿وتعز من تشَاء﴾ لقُرْبه من ﴿وتذل من تشَاء﴾ لوُجُود الازدواج بَين الجملتين وَهُوَ وَحده كَاف فِي توكيد الْوَصْل فقد ذكرُوا أَنه يَنْبَغِي فِي الْوَقْف مُرَاعَاة أَمر الازدواج فيوصل مَا يُوقف على نَظِيره مِمَّا يُوجد التَّمام عَلَيْهِ من أجل الازدواج نَحْو ﴿يولج اللَّيْل فِي النَّهَار ويولج النَّهَار فِي اللَّيْل﴾ وَنَحْو ﴿من عمل صَالحا فلنفسه وَمن أَسَاءَ فعلَيْهَا﴾ التَّنْبِيه الثَّانِي قد يخْتَلف الْوَقْف باخْتلَاف الْإِعْرَاب أَو الْقِرَاءَة مِثَال اخْتِلَاف الْوَقْف الْإِعْرَاب نَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا يعلم تَأْوِيله إِلَّا الله﴾

стр. 796

فَإِنَّهُ تَامّ عِنْد من جعل مَا بعده مستأنفا وَهُوَ الرَّاجِح وَغير تَامّ عِنْد من جعله مَعْطُوفًا فَيكون الْوَقْف التَّام عِنْد ﴿الراسخون فِي الْعلم﴾ وَبَين الوقفين هَا مراقبة وَنَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿هدى لِلْمُتقين﴾ فَإِن الْوَقْف فِيهِ حسن إِن جعلته ﴿الَّذين﴾ فِي ﴿الَّذين يُؤمنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ مجرورا على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره هم وتام إِن جعلته مَرْفُوعا على أَنه مُبْتَدأ وَخَبره ﴿أُولَئِكَ على هدى من رَبهم﴾ مِثَال اخْتِلَاف الْوَقْف باخْتلَاف الْقِرَاءَة نَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذ جعلنَا الْبَيْت مثابة للنَّاس وَأمنا﴾ فَإِن الْوَقْف فِيهِ تَامّ على قِرَاءَة من كسر الْخَاء من ﴿وَاتَّخذُوا﴾ وَغير تَامّ بل كَاف على قِرَاءَة من فتحهَا وَنَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿يُحَاسِبكُمْ بِهِ الله﴾ فَإِنَّهُ كَاف على قِرَاءَة من رفع ﴿فَيغْفر﴾ ﴿ويعذب﴾ وَحسن على قِرَاءَة من جزم وَقد يخْتَلف الْوَقْف باخْتلَاف الْمَذْهَب نَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تقبلُوا لَهُم شَهَادَة أبدا﴾ فَإِن الْوَقْف هُنَا لَازم عِنْد من ذهب إِلَى أَن شَهَادَة القاذفين لَا تقبل وَإِن تَابُوا غير لَازم عِنْد من ذهب إِلَى أَن شَهَادَتهم تقبل إِذا تَابُوا وَقد سبق ذكر المراقبة ومرادهم بهَا أَن يكون فِي الْآيَة وقفان لَا يسوغ للقارىء أَن يجمع بَينهمَا لتنافيهما وَإِنَّمَا يسوغ لَهُ أَن يَأْتِي بِأَحَدِهِمَا دون الآخر وَقد جعل بعض الْكتاب عَلامَة المراقبة بَين الوقفين واوين مقلوبين متقابلتين وَجعل من أمثله ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تحرموا طَيّبَات مَا أحل الله لكم وَلَا تَعْتَدوا إِن الله لَا يحب الْمُعْتَدِينَ﴾ التَّنْبِيه الثَّالِث لَا يقوم بِأَمْر الْوَقْف حق الْقيام إِلَّا نحوي بارع فِي علم التَّفْسِير وَاقِف على أسرار البلاغة وَقد تصدى لهَذَا الْأَمر الْعَظِيم أنَاس مِمَّن لَا يحسنونه فخبطوا فِيهِ خبط عشواء فِي لَيْلَة ظلماء فَلَا يَنْبَغِي أَن يعْتَمد على كل قَول يذكر فِيهِ كَقَوْل من أجَاز أَن يقف الْقَارئ على قَوْله تَعَالَى ﴿فانتقمنا من الَّذين أجرموا وَكَانَ حَقًا﴾

стр. 797

) ثمَّ يَبْتَدِئ وَيَقُول ﴿علينا نصر الْمُؤمنِينَ﴾ وقج حذر الْمُحَقِّقُونَ من مثل ذَلِك قَالَ ابْن الْجَزرِي لَيْسَ كل مَا يتعسفه بعض المعربين أَو يتكلفه بعض الْقِرَاءَة أَو يتأوله بعض أهل الْأَهْوَاء مِمَّا يَقْتَضِي وَقفا وَقفا أَو ابْتِدَاء يَنْبَغِي أَن يتَعَمَّد الْوُقُوف عَلَيْهِ بل يَنْبَغِي تحري الْمَعْنى الأتم وَالْوَقْف الْأَوْجه وَمن ثمَّ لم يسغْ أَن يقف على ﴿وارحمنا أَنْت﴾ ثمَّ يَبْتَدِئ فَيَقُول ﴿بِاللَّه إِن الشّرك لظلم عَظِيم﴾ على معنى الْقسم وَلَا على ﴿وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء﴾ ثمَّ يبتدىء فَيَقُول ﴿الله رب الْعَالمين﴾ فَإِن هَذَا وَمَا أشبهه تعسف وتمحل وتحريف للكلم عَن موَاضعه وَقَالَ بعض الْعلمَاء يَنْبَغِي لمن عرف الْعَرَبيَّة وَنظر فِي كتب التَّفْسِير وَكَانَ من أولي الْفَهم أَن ينظر فِي الْمَوَاضِع الَّتِي اخْتلف الْعلمَاء فِي أَمر الْوَقْف فِيهَا فَإِن ترجح عِنْده شَيْء أَخذ بِهِ وَإِلَّا فَلَا يقف هُنَالك وليتجاوزه إِلَى غَيره من الْمَوَاضِع الَّتِي يحسن الْوُقُوف عَلَيْهَا والابتداء بِمَا بعْدهَا بِلَا خلاف بَين الْمُحَقِّقين فَهُوَ أسلم التَّنْبِيه الرَّابِع قد عرفت أَن الْمُحدثين يجْعَلُونَ بَين الْحَدِيثين دارة للفصل بَينهمَا وَأَن بَعضهم كَانَ يخلي بَقِيَّة السطر من الْكِتَابَة ليَكُون الْبيَاض الَّذِي فِيهِ مُؤَكد اللفصل فَإِن الْبيَاض فِي جَمِيع الْمَوَاضِع وَاحِدًا والحذاق مِنْهُم يجعلونه مُخْتَلفا باخْتلَاف الْمَوَاضِع مراعين فِيهِ مَا يَقْتَضِيهِ الْموضع وَقد أَشَارَ إِلَى ذَلِك ابْن السَّيِّد حَيْثُ قَالَ والفصل إِنَّمَا يكون بعد تَمام الْكَلَام الَّذِي ابتدىء بِهِ واستئناف كَلَام غَيره وسعة الْفُصُول وضيقها على مِقْدَار تناسب الْكَلَام فَإِن كَانَ القَوْل المستأنف مشاكلا لِلْقَوْلِ الأول بِمَعْنى مِنْهُ جعل الفص صَغِيرا وَإِن كَانَ مباينا لَهُ

стр. 798

بِالْكُلِّيَّةِ جعل الْفَصْل أكبر من ذَلِك فَأَما الْفَصْل قبل تَمام القَوْل فَهُوَ أعيب الْعُيُوب على الْكَاتِب والوراق جَمِيعًا وَترك الْفُصُول عِنْد تَمام الْكَلَام عيب أَيْضا إِلَّا أَنه دون الأول وَقد أورد صَاحب الصناعتين كثيرا مِمَّا قيل فِي الْوَصْل والفصل وَقد أَحْبَبْت أَن أورد من ذَلِك شَيْئا ليعلم المعرضون عَن مراعاتها مَا كَانَ لَهما قَدِيما من حسن الرِّعَايَة قَالَ قيل للفارسي مَا البلاغة فَقَالَ معرفَة الْفَصْل من الْوَصْل وَقَالَ الْمَأْمُون لبَعْضهِم من أبلغ النَّاس فَقَالَ من قرب الْأَمر الْبعيد المتناول الصعب الدَّرك بالألفاظ الْيَسِيرَة فَقَالَ مَا عدل سهمك عَن الْغَرَض وَلَكِن البليغ من كَانَ كَلَامه فِي مِقْدَار حَاجته وَلَا يجيل الْفِكر فِي اجتلاب الْغَرِيب الوحشي وَلَا السَّاقِط السوقي وَإِن البلاغة إِذا اعتزلتها الْمعرفَة بمواضع الْفَصْل والوصل كَانَت كاللآلئ بِلَا نظام وَقَالَ الْمَأْمُون مَا أعجب بِكَلَام أحد كإعجابي بِكِتَاب الْقَاسِم بن عِيسَى فَإِنَّهُ يوجز فِي غير عجز ويصيب مفاصل الْكَلَام وَلَا تَدعُوهُ الْمقدرَة إِلَى الإطناب وَلَا تميل بِهِ الغزارة إِلَى الإسهاب ويجلي عَن مُرَاده فِي كتبه ويصيب المغزي فِي أَلْفَاظه وَكَانَ أَكْثَم بن صَيْفِي إِذا كَاتب مُلُوك الْجَاهِلِيَّة يَقُول لكتابه افصلوا بَين منقضي كل معنى وصُولا إِذا كَانَ الْكَلَام معجونا بعضه بِبَعْض وَكَانَ الْحَارِث بن شمر الغساني يَقُول لكَاتبه المرقش إِذا نزع بك الْكَلَام إِلَى الِابْتِدَاء بِمَعْنى غير مَا أَنْت فِيهِ فافصل بَينه وَبَين تبيعته من الْأَلْفَاظ فَإنَّك إِن مذقت ألفاظك بِغَيْر مَا يحسن أَن يمذق نفرت الْقُلُوب عو وعيها وملته الأسماع واستثقلته الروَاة

стр. 799

وَكَانَ صَالح بن عبد الرَّحْمَن التَّمِيمِي الْكَاتِب يفصل بَين الْآيَات كلهَا وَبَين تبيعتها من الْكتاب كَيفَ وَقعت وَكَانَ يَقُول مَا استؤنف إِن إِلَّا وَقع الْفَصْل وَكَانَ جبل يفصل بَين الفاءات كلهَا وَقد كره بعض الكتبة ذَلِك وأحبه يَأْمر كِتَابه بِالْفَصْلِ بَين بل وبلى وَلَيْسَ وَقَالَ الْمَأْمُون مَا أتفحص من رجل شَيْئا كتفحصي عَن الْوَصْل وَالْفضل فِي كِتَابه وَأمر الْفَصْل فِي الْخط أَمر ذُو بَال وَقد أَشَارَ إِلَيْهِ بعض الجهابذة فِي مقَالَة لَهُ فِي الْبَسْمَلَة حَيْثُ قَالَ وَالْقَوْل الْفَصْل فِيهَا من الْقُرْآن حَيْثُ كتبت فِي الْمُصحف بالقلم الَّذِي كتب بِهِ سَائِر الْقُرْآن وَأَنَّهَا لَيست من السُّور حَيْثُ كتبت وَحدهَا فِي سطر مفصولة عَن السُّور وَيُؤَيّد ذَلِك أَن الصَّحَابَة ق بالغوا فِي تَجْرِيد الْقُرْآن فَلم يكتبوا فِي الْمُصحف شَيْئا مِمَّا لَيْسَ مِنْهُ وَلذَلِك لم يكتبوا أَسمَاء السُّور وَنَحْو ذَلِك وَلَا آمين فِي آخر الْفَاتِحَة وَلذَا كره كثير من الْعلمَاء كِتَابَة أَسمَاء السُّور وَنَحْو ذَلِك لمُخَالفَته لما جرى عَلَيْهِ الصَّحَابَة ﵃ رُوِيَ عَن النَّخعِيّ أَنه أُتِي بمصحف مَكْتُوب فِيهِ سُورَة كَذَا وَهِي كَذَا آيَة فَقَالَ آمح هَذَا فَإِن ابْن مَسْعُود كَانَ يكرههُ وَرُوِيَ عَن ابْن سِيرِين أَنه كره النقط والفواتح والخواتم وَرُوِيَ عَنهُ وَعَن الْحسن أَنَّهُمَا قَالَا لَا بَأْس بنقط الْمَصَاحِف وَرُوِيَ عَن أبي الْعَالِيَة أَنه كَانَ يكره الْجمل فِي الْمُصحف وفاتحة سُورَة كَذَا وخاتمة سُورَة كَذَا وَكَانَ يَقُول جردوا الْقُرْآن

стр. 800

وَرُوِيَ عَن يحيى بن أبي كثير أَنه قَالَ مَا كَانُوا يعْرفُونَ شَيْئا مِمَّا أحدث فِي الْمَصَاحِف إِلَّا النقط الثَّلَاث على رُؤُوس الْآي وَقَالَ غَيره أول مَا أَحْدَثُوا النقط عِنْد آخر الْآي ثمَّ الفواتح والخواتم وَقَالَ قَتَادَة بدؤوا فنقطوا ثمَّ خمسوا ثمَّ عشروا وَأخرج أَبُو عبيد وَغَيره عَن ابْن مَسْعُود أَنه قَالَ جردوا الْقُرْآن وَلَا تخلطوه بِشَيْء قَالَ الإِمَام الْحَلِيمِيّ تكر كِتَابَة الأعشار والأخماس وَأَسْمَاء السُّور وَعدد الْآيَات فِيهِ لقَوْله جردوا الْقُرْآن وَأما النقط فَيجوز لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ صُورَة فيتوهم لأَجلهَا مَا لَيْسَ بقرآن قُرْآنًا وَإِنَّمَا هِيَ دلالات على هَيْئَة المقروء فَلَا يضر إِثْبَاتهَا لمن يحْتَاج إِلَيْهَا وَقَالَ بعض الْعلمَاء يَنْبَغِي أَن لَا يخلط بِالْقُرْآنِ مَا لَيْسَ مِنْهُ كعدد الْآيَات والسجدات والعشرات وَالْوُقُوف وَاخْتِلَاف الْقرَاءَات ومعاني الْآيَات وَقَالَ بعض المقرئين لَا أستجيز النقط بِالسَّوَادِ لما فِيهِ من التَّغْيِير لصورة الرَّسْم وَلَا أستجيز جمع قراءآت شَتَّى فِي مصحف وَاحِد بألوان مُخْتَلفَة لِأَنَّهُ من أعظم التَّخْلِيط والتغيير للمرسوم وَأرى أَن تكون الحركات والتنوين وَالتَّشْدِيد والسكون وَالْمدّ بالحمرة والهمزات بالصفرة وَالْمرَاد بالنقط الْمَذْكُور فِي كَلَام بعض التَّابِعين هُوَ النقط الَّذِي أحدث فِي عصرهم للدلالة على الحركات قَالَ بعض الْعلمَاء كَانَ الشكل فِي الصَّدْر الأول

стр. 801

بطري النقط وَأول من فعل ذَلِك الإِمَام الْأَجَل أَبُو الْأسود الدؤَلِي وَذَلِكَ أَنه كَانَ أَرَادَ أَن يعْمل كتابا فِي النَّحْو يفقوم النَّاس بِهِ مَا فسد من لسانهم فَقَالَ أرى أَن ابتدئ بإعراب الْقُرْآن أَولا فأحضر من يمسك الْمُصحف وأحضر صبغا يُخَالف لون المداد وَقَالَ للَّذي يمسك الْمُصحف إِذا فتحت شفتي فَاجْعَلْ نقطة فَوق الْحَرْف وَإِذا كسرتهما فَاجْعَلْ النقطة تَحت الْحَرْف وَإِذا ضممتهما فَاجْعَلْ فعل ذَلِك حَتَّى أَتَى على ى خر الْمُصحف وَيُقَال إِن أول من فعل ذَلِك هُوَ نصر بن عَاصِم اللَّيْثِيّ وَيُقَال يحيى بن يعسر وَهَؤُلَاء الثَّلَاثَة من أَجله تَابِعِيّ الْبَصْرَة وَالْمَعْرُوف عِنْد أَكثر الْعلمَاء أَن أول من فعل ذَلِك هُوَ أَبُو الْأسود وَأما الشكل المتداول الْآن فَهُوَ من وضع الْخَلِيل بن أَحْمد وَهُوَ أوضح فالفتحة عِنْده ألف صَغِيرَة تُوضَع فَوق الْحَرْف والضمة وَاو صَغِيرَة تُوضَع فَوق الْحَرْف والكسرة يَاء صَغِيرَة مَرْدُودَة تُوضَع تَحْتَهُ والتنوين زِيَادَة مثلهَا فَإِن كَانَ مظْهرا وَذَلِكَ قبل حرف الْحلق ركبت فَوْقهَا وَإِلَّا أتبعت بهَا وتكتب الْألف المحذوفة والمبدل مِنْهَا فِي محلهَا حَمْرَاء والهمزة المحذوفة تكْتب همزَة بِلَا حرف وَهِي حَمْرَاء أَيْضا وَيُوضَع على النُّون قبل الْبَاء مِيم حَمْرَاء عَلامَة على الْقلب وَقبل الْحلق سُكُون وتعرى عِنْد الْإِدْغَام والإخفاء ويسكن كل مسكن ويعرى المدغم ويشدد مَا بعده إِلَّا الطَّاء قبل التَّاء فَيكْتب عَلَيْهَا السّكُون نَحْو فرطت وَمُدَّة الْمَمْدُود لَا تجاوزه وَكَانَ أَبُو الْأسود قد اقْتصر على وضع علائم للحركات الثَّلَاث والتنوين فَوضع الْخَلِيل لذَلِك علائم على طَرِيقَته وَزَاد على ذَلِك فَوضع لكل من الْهَمْز وَالتَّشْدِيد وَالروم والإشمام والسكون عَلامَة ﵃ وَعَمن سعى سَعْيهمْ قَاصِدا نفع النَّاس غير مُرِيد بذلك مِنْهُم أجرا إِلَّا الْمَوَدَّة فِي الْعلم

стр. 802

الْفَائِدَة السَّابِعَة يَنْبَغِي أَن يتَّخذ لأجل الْوَقْف أَربع علائم وَهِي كَافِيَة بِالنّظرِ إِلَى أَكثر الْكتب الْعَلامَة الأولى عَلامَة السكت وَهِي خطّ كالفتحة يوضع بَين يَدي الْحَرْف المسكون عَلَيْهِ هَكَذَا وَهَذِه الْعَلامَة كَانَ الْخَلِيل جعلهَا عَلامَة الرّوم وَالروم عِنْدهم هُوَ الْإِتْيَان بحركة آخر الْكَلِمَة فِي حَال الْوَقْف خُفْيَة حرصا على بَيَان حركتها الَّتِي تحرّك بهَا حَال الْوَصْل قَالَ بعض الْعلمَاء للْعَرَب فِي الْوَقْف على أَوَاخِر الْكَلم أوجه مُتعَدِّدَة والمستعمل مِنْهَا عِنْد أَئِمَّة الْقِرَاءَة تِسْعَة وَهِي السّكُون وَالروم والإشمام والإبدال وَالنَّقْل والإدغام والحذف وَالْإِثْبَات والإلحاق وَالروم عِنْدهم هُوَ النُّطْق بِبَعْض الْحَرَكَة وَسمي روما تروم الْحَرَكَة وتريدها حَيْثُ لم تسقطها بِالْكُلِّيَّةِ وَيدْرك ذَلِك الْقوي السّمع إِذا كَانَ منتهبا لِأَن فِي آخر الْكَلِمَة صوتيا خَفِيفا ويشارك الرّوم الاختلاس فِي كَون كل مِنْهُمَا غير تَامَّة إِلَّا أَن بَينهمَا فرقا وَهُوَ أَن الرّوم لَا يكون فِي الْفَتْح وَالنّصب وَيكون فِي الْوَقْف دون الْوَصْل وَالثَّابِت فِيهِ من الْحَرَكَة أقل من الذَّاهِب والاختلاس يدْخل فِي الحركات الثَّلَاث كَمَا فِي ﴿لَا يهدي﴾ و ﴿نعما﴾ ﴿يَأْمُركُمْ﴾ عِنْد من اسْتعْمل الاختلاس فِيهَا وَلَا يخْتَص بِمحل الْوَقْف وَهُوَ الآخر وَالثَّابِت فِيهِ من الْحَرَكَة أَكثر من الذَّاهِب فَإِن المأتي بِهِ من الْحَرَكَة فِي الاختلاس نَحْو الثُّلثَيْنِ وَلما ترك النَّاس الْبَحْث عَن الرّوم وَمَا أشبهه لم تبْق لَهُم حَاجَة فِي علامتها فنسيت أَو كَادَت تنسى وَلما كُنَّا الْآن مُحْتَاجين للسكت أَكثر من احتياجنا للروم رَأينَا جعلهَا عَلامَة عَلَيْهِ وَلَا يخفي أَن بَين مَا وضعت لَهُ فِي الأَصْل وَمَا نقلت إِلَيْهِ الْآن شَيْئا من الْمُنَاسبَة وَكَانَ بعض كتاب الأندلس يَضَعهَا فِي آخر السطر إِذا بقيت لَا تتسع

стр. 803

لكتابة الْكَلِمَة المروم كتَابَتهَا وَهَذَا من الْوَاضِع الَّتِي حيرت الْكتاب حَتَّى اخْتلفُوا فِيهَا فَإِن بَعضهم يرى أَن يكْتب بَعْضهَا فِي آخر السطر وبقيتها فِي أول السطر الآخر وَلَا يرى بتجزئة الْكَلِمَة بَأْسا للضَّرُورَة وَخص بَعضهم ذَلِك بالكلمات الْقَابِلَة للفصل فِي الْكِتَابَة مثل الْإِرْسَال والمراسلة والتراسل والاسترسال وَهَذَا معيب عِنْد أهل الصِّنَاعَة لَا يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِك وَبَعْضهمْ يرى أَن يكْتب بَعْضهَا فِي آخر السطر ثمَّ يبعد عَنهُ قَلِيلا وَيكْتب بقيتها وَهَؤُلَاء يرَوْنَ أولى لِأَنَّهُ بذلك يُمكن للقارىء أَن يقْرَأ الْكَلِمَة بِتَمَامِهَا من غير انْتِقَال إِلَى سطر آخر وَغَايَة مَا فِيهِ أَنه يجد بَين الْكَلِمَة وتتمتها فاصلا ألجأ إِلَيْهِ مُرَاعَاة التناسب بَين أَوَاخِر الأسطر وَبَعْضهمْ يرى مَا رأى الْكَاتِب الأندلسي وَهُوَ أَن تكْتب الْكَلِمَة بِتَمَامِهَا فِي أول السطر الآخر وَبِذَلِك يخلص من تجزئة الْكَلِمَة الْوَاحِدَة غير أَن الْبيَاض الَّذِي يبْقى فِي آخر السطر لما كَانَ موهما لِأَنَّهُ قد ترك عَلامَة للفصل اقْتضى رَفعه بِوَضْع هَذِه الْعَلامَة دفعا لهَذَا الْوَهم فَكَأَن هَذِه الْعَلامَة تَقول لناظرها صل وَلَا تقف وَقد رَأَيْت بَعضهم يضع هَذِه الْعَلامَة فِي أثْنَاء السطر ذَا وَقع فِيهِ بَيَاض بطرِيق السَّهْو لِئَلَّا يظنّ النَّاظر أَن ذَلِك الْبيَاض قد ترك بطرِيق الْقَصْد لكتابة شَيْء فِيهِ وَهُوَ مِمَّا يَقع كثيرا وعلامة السكت إِنَّمَا تُوضَع فِي الْمَوَاضِع الَّتِي يكون مَا بعْدهَا مُتَّصِلا بِمَا قبلهَا اتِّصَالًا شَدِيدا غير أَنه لَا يبلغ فِي الشدَّة دَرَجَة الِاتِّصَال الَّذِي بَين الْفِعْل وفاعله والمبتدأ وَخَبره والموصول وصلته وَنَحْو ذَلِك فَإِن الِاتِّصَال إِذا بلغ مثل هَذِه الدرجَة لم يسغْ وضع عَلامَة السكت فَإِذا رأى الْقَارئ عَلامَة السكت سَاغَ لَهُ أَن يقف هُنَاكَ وَقْفَة خَفِيفَة لَا يكَاد السَّامع يشْعر بهَا فمما فِيهِ يسوغ السكت عَلَيْهِ قَول بعض أَرْبَاب الحكم المأثورة على الْعَاقِل أَن لَا يكون رَاغِبًا إِلَّا فِي إِحْدَى ثَلَاث خِصَال تزَود لِمَعَاد أَو مرمة لِمَعَاش أَو لَذَّة

стр. 804

فِي غير محرم وَقَوله ثَلَاث خِصَال من أفضل أَعمال الْبر - الصدْق فِي الْغَضَب والجود فِي الْعسرَة وَالْعَفو عِنْد الْمقدرَة وَقَوله ثَلَاث خِصَال لَيْسَ مَعَهُنَّ غربَة - كف الْأَذَى وَحسن الْأَدَب ومجانبة الريب وَقَوله السُّكُوت فِي مَوْضِعه من صِفَات صفوة الرِّجَال - كَمَا أَن النُّطْق فِي مَوْضِعه من أشرف الْخلال وَقَوله مِمَّا يدل على علم الْعَالم مَعْرفَته بِمَا يدْرك من الْأُمُور - وإمساكه عَمَّا لَا يدْرك - وتزيينه نَفسه بالمكارم وَظُهُور علمه للنَّاس من غير أَن يظْهر مِنْهُ فَخر لَا عجب - ومعرفته بِزَمَانِهِ الَّذِي هُوَ فِيهِ - وبصره بِالنَّاسِ وَأَخذه بِالْقِسْطِ - وإرشاده المسترشد - وَحسن مخالقته خلطاءه - وتسويته بَين قلبه وَلسَانه - وتحريه الْعدْل فِي كل أَمر - ورحب ذرعه فِيمَا نابه - واحتجاجه بالحجج فِيمَا عمل - وَحسن تبصره وَقَوله حبب إِلَى نَفسك الْعلم حَتَّى تألفه وَتلْزَمهُ - وَيكون هُوَ لهوك ولذتك وسلوتك وبلغتك وَقَوله إِن اسْتَطَعْت أَن لَا تخبر بِشَيْء إِلَّا وَأَنت بِهِ مُصدق - وَألا يكون تصديقك إِلَّا ببرهان فافعل وَقَوله لَا يصلح الْعلم بِغَيْر حلم - وَلَا الْحِفْظ بِغَيْر فهم - وَلَا الْحسب بِغَيْر أدب - وَلَا الْغنى بِغَيْر كرم - وَلَا الْجد بِغَيْر جد وَلَا بَأْس بِوَضْع هَذِه الْعَلامَة فِي آخر السطر إِذا بَقِي فِيهِ بَيَاض لَا يَتَّسِع لكتابة الْكَلِمَة المروم كتَابَتهَا على مَا جرى عَلَيْهِ بعض كتاب الأندلس ويسوغ وَضعهَا فِي مثل قَول بعض عُلَمَاء الْأُصُول فِي الْكَلَام على اللُّغَات وَأَنَّهَا هَل هِيَ توقيفية أم اصطلاحية وَالْجَوَاب عَن التَّمَسُّك بقوله تَعَالَى ﴿وَعلم آدم الْأَسْمَاء كلهَا﴾ أَن يَقُول لم لَا يجوز أَن يكون المُرَاد من التَّعْلِيم أَنه ألهمه الِاحْتِيَاج إِلَى هَذِه الْأَلْفَاظ وَأَعْطَاهُ مَا لأَجله قدر على الْوَضع مَعَ أَن هَذَا الْموضع لَيْسَ من مَوَاضِع الْفَصْل أصلا لَكِن تُوضَع الْعَلامَة لمُجَرّد التَّمْيِيز بَين الْكَلَامَيْنِ وَمثل قَوْله والأثارة فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أَو أثارة من علم﴾ هُوَ مَا يرْوى

стр. 805

ويستغنى عَن وضع هَذِه الْعَلامَة بِوُجُود عَلامَة أُخْرَى لحُصُول الْمَقْصُود وَذَلِكَ فِي مثل قَول بعض أَرْبَاب / التجويد قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى - ﴿ورتل الْقُرْآن ترتيلا﴾ الترتيل هُوَ أَن تَأتي بِالْقِرَاءَةِ على ترسل وتؤدة بتبيين الْحُرُوف والحركات وَقد كَانَ الْكتاب قَدِيما يَكْتُبُونَ الْآيَات فِي مثل هَذِه الْمَوَاضِع إِمَّا بمداد يُخَالف فِي اللَّوْن مَا يكْتب بِهِ غَيرهَا أَو بقلم أدق مِنْهُ أَو بِخَط مُخَالف فِي النَّوْع لَهُ فَكَانَ الْمَقْصُود حَاصِلا بذلك وَهنا أَمر يَنْبَغِي الانتباه لَهُ وَهُوَ أَن السكت كالوقف لَهُ دَرَجَات مُتَفَاوِتَة فِي الْمِقْدَار حَتَّى إِنَّه فِي بعض الْمَوَاضِع لَا يكَاد يشْعر بِهِ لشدَّة خفائه وَذَلِكَ فِي مثل قَوْلك جاد لنا فلَان فَإِنَّهُ إِذا كَانَ من الْجُود تَجِد نَفسك مسوغة إِلَى السكت على الدَّال سكتة خَفِيفَة خُفْيَة بِخِلَاف مَا إِذا كَانَ من الْجِدَال وَنَحْو قَوْلك مَا سعى أحد فِي فَسَاد فَسَاد فَإِن الْفَاء الثَّانِيَة لَا بُد فِيهَا من سكتة خُفْيَة وَنَحْو قَوْلك مَا لَك لَا تجْعَل مَالك دون مَالك وَأَنت تعلم أَنه سَيكون لَهُ دُونك مَالك وَانْظُر إِلَى لفظ قد رشاني فِي قَول بعض الْقُضَاة مفتخرا بِالْعَدْلِ (فَمَا خفض الأعادي قدر شاني ... وَلَا قَالُوا فلَان قد رشاني) فَإنَّك لَا تشك أَنه لابد من سكت فِيهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ أما فِي الأول فعلى الرَّاء وَأما فِي الثَّانِي فعلى الدَّال وَقد أَشَارَ إِلَى وُقُوع السكت فِي الشّعْر السَّيِّد المرتضى فَإِنَّهُ قَالَ عِنْد ذكر قَول الْكُمَيْت (وَمَا أَنا مِمَّن يزْجر الطير همه ... أصاح غراب أم تعرض ثَعْلَب) يجب الْوُقُوف على الطير ثمَّ يبْدَأ بهمه ليفهم الْغَرَض وَلَا يخفى أَن المُرَاد بِالْوَقْفِ هُنَا السكتة الْخَفِيفَة لَا الْوَقْف بِالْمَعْنَى الْمَشْهُور فَإِنَّهُ يُوجب إسكان الرَّاء فيختل الْوَزْن على أَن هُنَا أمرا آخر وَهُوَ أَن الْوَقْف فِيهِ يُوجب التقاء الساكنين وَقد تقرر أَنه لَا يَقع الساكنين فِي الشّعْر إِلَّا فِي الآخر وَأما فِي غَيره فَلَا يَقع نعم

стр. 806

أجَاز بَعضهم وُقُوع ذَلِك فِي المتقارب وَاسْتشْهدَ على ذَلِك بقول الشَّاعِر (فَذَاك الْقصاص وَكَانَ التَّقَاصّ ... فرضا وحتما على المسلمينا) أجَاز ذَلِك فِي عرُوض هَذَا الضَّرْب من الشّعْر وَلم يجزه فِي غَيرهَا وَهَذِه الْمَسْأَلَة وَمَا شاكلها من متعلقات علم قوانين الْقِرَاءَة وَهُوَ علم يعرف عَنهُ العلامات المميزة بَين الْحُرُوف الْمُشْتَركَة فِي الصُّور والعلامات الدَّالَّة على الْإِدْغَام وَالْمدّ وَالْقصر والفصل والوصل والمقاطع وأحوال هَذِه العلامات وأحكامها وَنَحْو ذَلِك وَهَذَا الْعلم وَعلم قوانين الْكِتَابَة متلازمان لغاية وَاحِدَة وَهُوَ معرفَة دلَالَة الْخط على اللَّفْظ وَذكر بَعضهم أَن شدَّة الِاحْتِيَاج إِلَى هذَيْن الفنين وفرط عناية النُّفُوس الإنسانية بمعرفتهما وتعلمهما أغنت عَن التصنيف فيهمَا الْعَلامَة الثَّانِيَة الْوَقْف الْحسن اعْلَم أَن الْقَوْم قرروا أَن معرفَة مَوَاضِع الْوَقْف متوقفة على معرفَة الْمَعْنى وَهُوَ أَمر بَين بِنَفسِهِ والتجربة تعضده فَإنَّك إِذا راقبت من يقرأه وَهُوَ عَارِف بِمَعْنى مَا يقرأه تَجدهُ لَا يقف إِلَّا فِي الْمَوَاضِع الَّتِي يسوغ الْوَقْف عَلَيْهَا مَعَ إِعْطَاء كل مَوضِع مَا يسْتَحقّهُ من الْمِقْدَار وَيقف فَتَارَة ترَاهُ يقف وَقْفَة قَصِيرَة جدا بِحَيْثُ تقَارب الوقفة الْمُسَمَّاة بالسكتة وَذَلِكَ حَيْثُ يكون مَا بعد ذَلِك الْكَلَام مُتَّصِلا بِمَا قبله اتِّصَالًا فِيهِ قُوَّة غير أَن ذَلِك الْكَلَام مَفْهُوم فِي الْجُمْلَة وَهَذَا الْموضع هُوَ الْموضع الَّذِي يُسمى الْوَقْف عَلَيْهِ بِالْوَقْفِ الْحسن وَتارَة ترَاهُ يقف وَقْفَة أطول مِنْهَا وَذَلِكَ حَيْثُ يكون مَا بعد ذَلِك الْكَلَام / مُتَّصِلا بِمَا قبله اتِّصَالًا أدنى فِي الْقُوَّة من الِاتِّصَال الْمَذْكُور وَهَذَا الْموضع هُوَ الَّذِي يُسمى الْوَقْف التَّام عَلَيْهِ بِالْوَقْفِ الْكَافِي وَتارَة ترَاهُ يقف وَقْفَة طَوِيلَة تكَاد توهم السَّامع أَنه يُرِيد قطع الْقِرَاءَة وَذَلِكَ حَيْثُ يكون ذَلِك الْموضع قد تمّ فِيهِ الْكَلَام وَهَذَا الْموضع هُوَ الْموضع الَّذِي يُسمى الْوَقْف عَلَيْهِ بِالْوَقْفِ التَّام

стр. 807

ومواضع الْوَقْف التَّام ظَاهِرَة بَيِّنَة فِي الْغَالِب وَلذَلِك ينْدر الِاخْتِلَاف فِيهَا وَقد تكون متعينة وَذَلِكَ إِذا وَقعت فِي آخر الْكَلَام وَذَلِكَ كَمَا فِي الحكم الْآتِيَة قَالَ عبد الله الْمَأْمُون خير الْكَلَام مَا شكل الزَّمَان وَقَالَ أَحْمد بن أبي دؤاد الاستصلاح خير من الاجتياح وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء لَا تكن تلميذا لمن يُبَادر إِلَى الْأَجْوِبَة قبل أَن يتدبرها ويتفكر فِيمَا يتفرغ عَنْهَا وَأما مَوَاضِع الْوَقْف الْحسن أَو الْكَافِي فقد تكون غير بَيِّنَة وَلذَا لم ينْدر وُقُوع الِاخْتِلَاف فِيهَا فكثير مَا يحكم بعض الناظرين على وقف بِأَنَّهُ حسن وَيحكم غَيره بِأَنَّهُ كَاف وَذَلِكَ لاخْتِلَاف نظرهم فِي دَرَجَة التَّعَلُّق بَين الْكَلَام الْمَوْقُوف عَلَيْهِ وَبَين مَا بعده وَكَثِيرًا مَا يكون الْمُخْتَلف فِيهِ فِي الدرجَة الْوُسْطَى بَين النَّوْعَيْنِ فَيكون الِاخْتِلَاف هُنَاكَ غير مستغرب وَالظَّاهِر أَن الْمَوَاضِع الَّتِي يخْتَلف فِي كَون الْوَقْف فِيهَا حسنا أَو كَافِيا يَنْبَغِي أَن يَجْعَل الْوَقْف فِيهَا من قبيل الْحسن احْتِيَاطًا وَنِهَايَة مَا فِي ذَلِك أَن يَجْعَل الْوَقْف فِيهَا أقصر وَهُوَ لَو لم يقف أصلا لم يكن عَلَيْهِ شَيْء بل رُبمَا كَانَ أحسن لم يؤد ذَلِك إِلَى الِاضْطِرَار إِلَى الْوُقُوف فِي موقف غير مستحسن وَقد عرفت أَنهم ذكرُوا أَن النَّاظر فِي كتب الْقَوْم إِذا وجدهم قد اخْتلفُوا فِي الْوَقْف فِي مَوضِع فَقَالَ بَعضهم يحسن الْوَقْف فِيهِ وَقَالَ بَعضهم بِخِلَافِهِ وَلم يتَرَجَّح عِنْده أحد الْوَجْهَيْنِ أَن الأولى أَن لَا يقف فِي غير مَوَاضِع الْوَقْف كَانَ ملوما وَمن أحكم مَا ذَكرْنَاهُ فِي هَذَا الْبَحْث اكْتفى بِهِ فِي أَكثر الْمَوَاضِع وَمن أَرَادَ الزِّيَادَة فَعَلَيهِ بمطالعة كتاب من الْكتب المبسوطة فِيهِ الْمَذْكُور فِيهَا الْأَسْبَاب والعلل وَقد نظرت فِي كثير من الْكتب فَوجدت مناهج الْكتاب فِيهَا مُخْتَلفَة من جِهَة الْوَقْف وَذَلِكَ أَن مِنْهُم من اقْتصر على قسم وَاحِد مِنْهُ وَهُوَ الْوَقْف التَّام الَّذِي هُوَ أحسن

стр. 808

الْأَوْقَاف وَجعل لَهُ عَلامَة وأغفل مَا عداهُ إِلَّا أَن فِي هَذَا نوع تَقْصِير لِأَنَّهُ يتعب القارىء لَا سِيمَا عِنْد طول الْكَلَام فيضطر إِلَى الْوُقُوف قبل الْوُصُول إِلَيْهِ فَإِذا لم يجد موقفا قَرِيبا مِنْهُ وقف كَيفَ مَا كَانَ وَكثير مَا يكون الْوُقُوف هُنَاكَ غير حسن فَنَشَأَ من ذَلِك أَن صَار فِي كثير من الْمَوَاضِع لَا يصل إِلَى الْأَحْسَن مَعَ انْقِطَاعه عَن الْحسن وَمِنْهُم من اقْتصر من ذَلِك على قسمَيْنِ وهما الْوَقْف التَّام وَالْوَقْف الْكَاف ي الشبيه بالتام وَجعلُوا لكل وَاحِد مِنْهَا عَلامَة وَهَؤُلَاء لَا يلحقهم ملام لحُصُول الْمَقْصُود بذلك فِي جلّ الْكتب وَمِنْهُم من أَتَى بالأقسام الثَّلَاثَة إِلَّا أَنهم اقتصروا على علامتين إِحْدَاهمَا للْوَقْف التَّام وَالْأُخْرَى للْوَقْف الْكَافِي وَالْحسن وَجعلُوا الْعَلامَة مُشْتَركَة بَينهمَا وَيُمكن أَن يُقَال إِن هَؤُلَاءِ كَالَّذِين قبلهم قد اعتبروا الْوَقْف قسمَيْنِ تَاما وكافيا غير أَنهم قد ألْحقُوا بالكافي قسما من الْحسن وَهُوَ مَا لَا ريب فِي حسنه وَلذَلِك اقتصروا على عَلامَة وَاحِدَة وَهَؤُلَاء مِنْهُم من يَجْعَل عَلامَة الْكَافِي وَالْحسن كِتَابَة الْكَلِمَة الأولى أَو الْحَرْف الأول مِنْهَا لَا سِيمَا إِن كَانَ الْوَاو بالحبر الْأَحْمَر أَو يَجْعَل فَوْقهَا خطا / كَذَلِك إِشَارَة إِلَى أَن تِلْكَ الْكَلِمَة مِمَّا يسوغ الِابْتِدَاء بهَا وَأَن مَا قبلهَا يسوغ الْوَقْف عَلَيْهِ وَمِنْهُم من يَجْعَل الْعَلامَة نقطة صَغِيرَة وَمِنْهُم من يَجْعَل الْعَلامَة واوا مَقْلُوبَة هَكَذَا وَهَذَا الَّذِي اخترناه لأمرين أَحدهمَا أَن هَذِه الْعَلامَة هِيَ أَكثر شيوعا عِنْدهم الثَّانِي أَنَّهَا لما كَانَت فِي صُورَة الْوَاو كَانَت مذكرة بِالْوَقْفِ غير أَنا رَأينَا ان تبقى هَذِه الْوَاو المقلوبة على حَالهَا عِنْد قصد الدّلَالَة بهَا على الْوَقْف الْحسن وَأَن يُزَاد فِيهَا شَيْء كنقطة أَو خطّ عِنْد قصد الدّلَالَة بهَا على الْوَقْف الْكَافِي الَّذِي هُوَ أطول مِمَّا قبله فِي الْمدَّة وأهم مِنْهُ وَمِمَّا فِيهِ مَا يحسن الْوُقُوف عَلَيْهِ قَول بعض أَرْبَاب الحكم المأثورة الْعلم زين

стр. 809

لصَاحبه فِي الرخَاء ومنجاة لَهُ فِي الشدَّة وَقَوله حق الْعَاقِل أَن يتَّخذ مرآتين ينظر من إِحْدَاهمَا فِي مساوي نَفسه فيتصاغر بهَا وَينظر من الْأُخْرَى فِي محَاسِن النَّاس فيحليهم بهَا وَيَأْخُذ مَا اسْتَطَاعَ مِنْهَا وَقَوله لَا تكونن على الْإِسَاءَة أقوى مِنْك على الْإِحْسَان وَلَا إِلَى الْبُخْل أسْرع مِنْك إِلَى الْجُود وَقَوله سوسوا أَحْرَار النَّاس بمحض الْمَوَدَّة والعامة بالرغبة والرهبة والأسافل بالمخافة وَقَوله لَا تعد الْغنم غنما إِذا سَاق غرما وَلَا الْغرم غرما إِذا سَاق غنما الْعَلامَة الثَّالِثَة عَلامَة الْوَقْف الْكَافِي وَهِي الْوَاو المقلوبة غير أَنه يُزَاد فِيهَا شَيْء كنقطة أَو خطّ تمييزا بَينهَا وَبَين عَلامَة الْوَقْف الْحسن وَمِمَّا فِيهِ مَا يكون الْوُقُوف عَلَيْهِ كَافِيا قَول بعض أَرْبَاب الحكم المأثورة لَا تقدم على أَمر حَتَّى تنظر فِي عاقبته وَلَا ترد حَتَّى ترى وَجه الْمصدر وَقَوله من ورع الرجل أَن لَا يقوم مَا لَا يعلم وَمن أربه أَن يتثبت فِيمَا يعلم وَقَوله كن فِي جَمِيع الْأُمُور فِي أوسطها فَإِن خير الْأُمُور أوساطها وَقَوله الْعَاقِل لَا يعادي مَا وجد إِلَى الْمحبَّة سَبِيلا وَلَا يعادي من لَيْسَ لَهُ مِنْهُ بُد وَقَوله من أحسن ذَوي الْعُقُول عقلا من أحسن تَقْدِير أَمر معاشه ومعاده تَقْديرا لَا يفْسد عَلَيْهِ وَاحِد مِنْهُمَا الآخر فَإِن أعياه ذَلِك رفض الْأَدْنَى وآثر عَلَيْهِ الْأَعْظَم وَقَوله تحفظ فِي مجلسك وكلامك من التطاول على الْأَصْحَاب وطب نفسا عَن كثير مِمَّا يعرض لَك فِيهِ صَوَاب القَوْل والرأي مداراة لِئَلَّا يظنّ أَصْحَابك أَن مَا بك التطاول عَلَيْهِم الْعَلامَة الرَّابِعَة عَلامَة الْوَقْف التَّام اعْلَم أَن الْكتاب قد اخْتلفت مناهجهم فِي ذَلِك فَمنهمْ من كَانَ يضع نقطة إِلَّا أَن بَعضهم كَانَ يَجْعَلهَا كَبِيرَة لِئَلَّا تشتبه بالنقطة الَّتِي كَانَ يَضَعهَا للْوَقْف الَّذِي لَيْسَ بتام وَمِنْهُم من كَانَ يضع ثَلَاث نقط على

стр. 810

هَيْئَة الأثافي كَمَا فِي نقط الشين وَمِنْهُم من كَانَ يضع واوا مَقْلُوبَة وَمِنْهُم من كَانَ يَجْعَلهَا ثَلَاثًا على الْهَيْئَة الْمَذْكُورَة وَمِنْهُم من كَانَ يضع دارة إِمَّا مطبقة أَو منفرجة وَمِنْهُم من كَانَ يضع هَاء لَهَا عينان وَهِي ذَات طرف مَرْدُود إِلَى الْجَانِب الْأَيْمن هَكَذَا هـ وَكَأَنَّهَا رمز إِلَى لفظ انْتهى وَمن الْكتاب من لم يقْتَصر على وَاحِدَة مِمَّا ذكر فَرُبمَا وضع فِي وضع دارة وَفِي مَوضِع آخر نقطا وَنَحْو ذَلِك وَلما كَانَ الْوَقْف التَّام متفاوت الدَّرَجَات فِي التَّمام يَنْبَغِي لمن جعل لَهُ عَلَامَات أَن يخص كل وَاحِدَة مِنْهَا بِنَوْع مِنْهُ غير أَن الدارة لَا يَنْبَغِي أَن تُوضَع إِلَّا لأتم أَنْوَاعه كَأَن يكون الْموضع آخر قصَّة وَنَحْو ذَلِك وَفِي هَذَا المبحث شَيْء وَهُوَ أَن يُقَال قد ذكرْتُمْ أَن بعض الْمَوَاضِع قد يتجاذبه أَمْرَانِ أَحدهمَا يَقْتَضِي الْوَصْل وَالْآخر يَقْتَضِي الْفَصْل وَهُوَ ثَلَاثَة أَقسَام فَهَل يُمكن أَن يَجْعَل لكل قسم مِنْهَا / عَلامَة يعرف بهَا فَيُقَال نعم وَذَلِكَ بِالْجمعِ بَين الْخط الَّذِي هُوَ عَلامَة الْوَصْل والنقطة الَّتِي هِيَ عَلامَة الْفَصْل فَإِذا كَانَ الْموضع مِمَّا يرجح فِيهِ جَانب الْوَصْل على الْفَصْل وضع فِيهِ خطّ بعده نقطة هَكَذَا - وَإِذا كَانَ الْموضع مِمَّا يرجح فِيهِ جَانب الْفَصْل على الْوَصْل وضعت فِيهِ نقطة بعْدهَا خطّ هَكَذَا - وَإِذا كَانَ الْموضع مِمَّا لم يرجح فِيهِ أَحدهمَا على الآخر وضع الْخط بَين نقطتين هَكَذَا - هَذَا وَمَا يذكر من العلائم الْمُخْتَلفَة الَّتِي تدل كل وَاحِدَة مِنْهَا على قسم من أقسامه إِنَّمَا يحْتَاج إِلَيْهِ فِي الْكَلَام المنثور الَّذِي لم يُقيد بسجع وَأما الْكَلَام المنثور الْمُقَيد بالسجع فَيَكْفِي فِيهِ علامتان تُوضَع إِحْدَاهمَا فِي آخر الْفَقْرَة الأولى للدلالة على مَوضِع الْوَقْف وعَلى أَن السجعة لم تتمّ بعد وَالْأُخْرَى فِي آخر الْفَقْرَة الثَّانِيَة للدلالة على الْوَقْف وعَلى أَن السجعة قد تمت إِلَّا أَنه يَنْبَغِي أَن تكون أقوى فِي الدّلَالَة على الْوَقْف من الَّتِي قبلهَا وعَلى ذَلِك يسوغ أَن تكون الأولى عَلامَة الْوَصْل وَالثَّانيَِة نقطة أَو الأولى
следующие страницы →