← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 5981

توجيه النظر إلى أصول الأثر

طاهر الجزائري

Полный текст (855 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

أجَاز بَعضهم وُقُوع ذَلِك فِي المتقارب وَاسْتشْهدَ على ذَلِك بقول الشَّاعِر (فَذَاك الْقصاص وَكَانَ التَّقَاصّ ... فرضا وحتما على المسلمينا) أجَاز ذَلِك فِي عرُوض هَذَا الضَّرْب من الشّعْر وَلم يجزه فِي غَيرهَا وَهَذِه الْمَسْأَلَة وَمَا شاكلها من متعلقات علم قوانين الْقِرَاءَة وَهُوَ علم يعرف عَنهُ العلامات المميزة بَين الْحُرُوف الْمُشْتَركَة فِي الصُّور والعلامات الدَّالَّة على الْإِدْغَام وَالْمدّ وَالْقصر والفصل والوصل والمقاطع وأحوال هَذِه العلامات وأحكامها وَنَحْو ذَلِك وَهَذَا الْعلم وَعلم قوانين الْكِتَابَة متلازمان لغاية وَاحِدَة وَهُوَ معرفَة دلَالَة الْخط على اللَّفْظ وَذكر بَعضهم أَن شدَّة الِاحْتِيَاج إِلَى هذَيْن الفنين وفرط عناية النُّفُوس الإنسانية بمعرفتهما وتعلمهما أغنت عَن التصنيف فيهمَا الْعَلامَة الثَّانِيَة الْوَقْف الْحسن اعْلَم أَن الْقَوْم قرروا أَن معرفَة مَوَاضِع الْوَقْف متوقفة على معرفَة الْمَعْنى وَهُوَ أَمر بَين بِنَفسِهِ والتجربة تعضده فَإنَّك إِذا راقبت من يقرأه وَهُوَ عَارِف بِمَعْنى مَا يقرأه تَجدهُ لَا يقف إِلَّا فِي الْمَوَاضِع الَّتِي يسوغ الْوَقْف عَلَيْهَا مَعَ إِعْطَاء كل مَوضِع مَا يسْتَحقّهُ من الْمِقْدَار وَيقف فَتَارَة ترَاهُ يقف وَقْفَة قَصِيرَة جدا بِحَيْثُ تقَارب الوقفة الْمُسَمَّاة بالسكتة وَذَلِكَ حَيْثُ يكون مَا بعد ذَلِك الْكَلَام مُتَّصِلا بِمَا قبله اتِّصَالًا فِيهِ قُوَّة غير أَن ذَلِك الْكَلَام مَفْهُوم فِي الْجُمْلَة وَهَذَا الْموضع هُوَ الْموضع الَّذِي يُسمى الْوَقْف عَلَيْهِ بِالْوَقْفِ الْحسن وَتارَة ترَاهُ يقف وَقْفَة أطول مِنْهَا وَذَلِكَ حَيْثُ يكون مَا بعد ذَلِك الْكَلَام / مُتَّصِلا بِمَا قبله اتِّصَالًا أدنى فِي الْقُوَّة من الِاتِّصَال الْمَذْكُور وَهَذَا الْموضع هُوَ الَّذِي يُسمى الْوَقْف التَّام عَلَيْهِ بِالْوَقْفِ الْكَافِي وَتارَة ترَاهُ يقف وَقْفَة طَوِيلَة تكَاد توهم السَّامع أَنه يُرِيد قطع الْقِرَاءَة وَذَلِكَ حَيْثُ يكون ذَلِك الْموضع قد تمّ فِيهِ الْكَلَام وَهَذَا الْموضع هُوَ الْموضع الَّذِي يُسمى الْوَقْف عَلَيْهِ بِالْوَقْفِ التَّام

стр. 807

ومواضع الْوَقْف التَّام ظَاهِرَة بَيِّنَة فِي الْغَالِب وَلذَلِك ينْدر الِاخْتِلَاف فِيهَا وَقد تكون متعينة وَذَلِكَ إِذا وَقعت فِي آخر الْكَلَام وَذَلِكَ كَمَا فِي الحكم الْآتِيَة قَالَ عبد الله الْمَأْمُون خير الْكَلَام مَا شكل الزَّمَان وَقَالَ أَحْمد بن أبي دؤاد الاستصلاح خير من الاجتياح وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء لَا تكن تلميذا لمن يُبَادر إِلَى الْأَجْوِبَة قبل أَن يتدبرها ويتفكر فِيمَا يتفرغ عَنْهَا وَأما مَوَاضِع الْوَقْف الْحسن أَو الْكَافِي فقد تكون غير بَيِّنَة وَلذَا لم ينْدر وُقُوع الِاخْتِلَاف فِيهَا فكثير مَا يحكم بعض الناظرين على وقف بِأَنَّهُ حسن وَيحكم غَيره بِأَنَّهُ كَاف وَذَلِكَ لاخْتِلَاف نظرهم فِي دَرَجَة التَّعَلُّق بَين الْكَلَام الْمَوْقُوف عَلَيْهِ وَبَين مَا بعده وَكَثِيرًا مَا يكون الْمُخْتَلف فِيهِ فِي الدرجَة الْوُسْطَى بَين النَّوْعَيْنِ فَيكون الِاخْتِلَاف هُنَاكَ غير مستغرب وَالظَّاهِر أَن الْمَوَاضِع الَّتِي يخْتَلف فِي كَون الْوَقْف فِيهَا حسنا أَو كَافِيا يَنْبَغِي أَن يَجْعَل الْوَقْف فِيهَا من قبيل الْحسن احْتِيَاطًا وَنِهَايَة مَا فِي ذَلِك أَن يَجْعَل الْوَقْف فِيهَا أقصر وَهُوَ لَو لم يقف أصلا لم يكن عَلَيْهِ شَيْء بل رُبمَا كَانَ أحسن لم يؤد ذَلِك إِلَى الِاضْطِرَار إِلَى الْوُقُوف فِي موقف غير مستحسن وَقد عرفت أَنهم ذكرُوا أَن النَّاظر فِي كتب الْقَوْم إِذا وجدهم قد اخْتلفُوا فِي الْوَقْف فِي مَوضِع فَقَالَ بَعضهم يحسن الْوَقْف فِيهِ وَقَالَ بَعضهم بِخِلَافِهِ وَلم يتَرَجَّح عِنْده أحد الْوَجْهَيْنِ أَن الأولى أَن لَا يقف فِي غير مَوَاضِع الْوَقْف كَانَ ملوما وَمن أحكم مَا ذَكرْنَاهُ فِي هَذَا الْبَحْث اكْتفى بِهِ فِي أَكثر الْمَوَاضِع وَمن أَرَادَ الزِّيَادَة فَعَلَيهِ بمطالعة كتاب من الْكتب المبسوطة فِيهِ الْمَذْكُور فِيهَا الْأَسْبَاب والعلل وَقد نظرت فِي كثير من الْكتب فَوجدت مناهج الْكتاب فِيهَا مُخْتَلفَة من جِهَة الْوَقْف وَذَلِكَ أَن مِنْهُم من اقْتصر على قسم وَاحِد مِنْهُ وَهُوَ الْوَقْف التَّام الَّذِي هُوَ أحسن

стр. 808

الْأَوْقَاف وَجعل لَهُ عَلامَة وأغفل مَا عداهُ إِلَّا أَن فِي هَذَا نوع تَقْصِير لِأَنَّهُ يتعب القارىء لَا سِيمَا عِنْد طول الْكَلَام فيضطر إِلَى الْوُقُوف قبل الْوُصُول إِلَيْهِ فَإِذا لم يجد موقفا قَرِيبا مِنْهُ وقف كَيفَ مَا كَانَ وَكثير مَا يكون الْوُقُوف هُنَاكَ غير حسن فَنَشَأَ من ذَلِك أَن صَار فِي كثير من الْمَوَاضِع لَا يصل إِلَى الْأَحْسَن مَعَ انْقِطَاعه عَن الْحسن وَمِنْهُم من اقْتصر من ذَلِك على قسمَيْنِ وهما الْوَقْف التَّام وَالْوَقْف الْكَاف ي الشبيه بالتام وَجعلُوا لكل وَاحِد مِنْهَا عَلامَة وَهَؤُلَاء لَا يلحقهم ملام لحُصُول الْمَقْصُود بذلك فِي جلّ الْكتب وَمِنْهُم من أَتَى بالأقسام الثَّلَاثَة إِلَّا أَنهم اقتصروا على علامتين إِحْدَاهمَا للْوَقْف التَّام وَالْأُخْرَى للْوَقْف الْكَافِي وَالْحسن وَجعلُوا الْعَلامَة مُشْتَركَة بَينهمَا وَيُمكن أَن يُقَال إِن هَؤُلَاءِ كَالَّذِين قبلهم قد اعتبروا الْوَقْف قسمَيْنِ تَاما وكافيا غير أَنهم قد ألْحقُوا بالكافي قسما من الْحسن وَهُوَ مَا لَا ريب فِي حسنه وَلذَلِك اقتصروا على عَلامَة وَاحِدَة وَهَؤُلَاء مِنْهُم من يَجْعَل عَلامَة الْكَافِي وَالْحسن كِتَابَة الْكَلِمَة الأولى أَو الْحَرْف الأول مِنْهَا لَا سِيمَا إِن كَانَ الْوَاو بالحبر الْأَحْمَر أَو يَجْعَل فَوْقهَا خطا / كَذَلِك إِشَارَة إِلَى أَن تِلْكَ الْكَلِمَة مِمَّا يسوغ الِابْتِدَاء بهَا وَأَن مَا قبلهَا يسوغ الْوَقْف عَلَيْهِ وَمِنْهُم من يَجْعَل الْعَلامَة نقطة صَغِيرَة وَمِنْهُم من يَجْعَل الْعَلامَة واوا مَقْلُوبَة هَكَذَا وَهَذَا الَّذِي اخترناه لأمرين أَحدهمَا أَن هَذِه الْعَلامَة هِيَ أَكثر شيوعا عِنْدهم الثَّانِي أَنَّهَا لما كَانَت فِي صُورَة الْوَاو كَانَت مذكرة بِالْوَقْفِ غير أَنا رَأينَا ان تبقى هَذِه الْوَاو المقلوبة على حَالهَا عِنْد قصد الدّلَالَة بهَا على الْوَقْف الْحسن وَأَن يُزَاد فِيهَا شَيْء كنقطة أَو خطّ عِنْد قصد الدّلَالَة بهَا على الْوَقْف الْكَافِي الَّذِي هُوَ أطول مِمَّا قبله فِي الْمدَّة وأهم مِنْهُ وَمِمَّا فِيهِ مَا يحسن الْوُقُوف عَلَيْهِ قَول بعض أَرْبَاب الحكم المأثورة الْعلم زين

стр. 809

لصَاحبه فِي الرخَاء ومنجاة لَهُ فِي الشدَّة وَقَوله حق الْعَاقِل أَن يتَّخذ مرآتين ينظر من إِحْدَاهمَا فِي مساوي نَفسه فيتصاغر بهَا وَينظر من الْأُخْرَى فِي محَاسِن النَّاس فيحليهم بهَا وَيَأْخُذ مَا اسْتَطَاعَ مِنْهَا وَقَوله لَا تكونن على الْإِسَاءَة أقوى مِنْك على الْإِحْسَان وَلَا إِلَى الْبُخْل أسْرع مِنْك إِلَى الْجُود وَقَوله سوسوا أَحْرَار النَّاس بمحض الْمَوَدَّة والعامة بالرغبة والرهبة والأسافل بالمخافة وَقَوله لَا تعد الْغنم غنما إِذا سَاق غرما وَلَا الْغرم غرما إِذا سَاق غنما الْعَلامَة الثَّالِثَة عَلامَة الْوَقْف الْكَافِي وَهِي الْوَاو المقلوبة غير أَنه يُزَاد فِيهَا شَيْء كنقطة أَو خطّ تمييزا بَينهَا وَبَين عَلامَة الْوَقْف الْحسن وَمِمَّا فِيهِ مَا يكون الْوُقُوف عَلَيْهِ كَافِيا قَول بعض أَرْبَاب الحكم المأثورة لَا تقدم على أَمر حَتَّى تنظر فِي عاقبته وَلَا ترد حَتَّى ترى وَجه الْمصدر وَقَوله من ورع الرجل أَن لَا يقوم مَا لَا يعلم وَمن أربه أَن يتثبت فِيمَا يعلم وَقَوله كن فِي جَمِيع الْأُمُور فِي أوسطها فَإِن خير الْأُمُور أوساطها وَقَوله الْعَاقِل لَا يعادي مَا وجد إِلَى الْمحبَّة سَبِيلا وَلَا يعادي من لَيْسَ لَهُ مِنْهُ بُد وَقَوله من أحسن ذَوي الْعُقُول عقلا من أحسن تَقْدِير أَمر معاشه ومعاده تَقْديرا لَا يفْسد عَلَيْهِ وَاحِد مِنْهُمَا الآخر فَإِن أعياه ذَلِك رفض الْأَدْنَى وآثر عَلَيْهِ الْأَعْظَم وَقَوله تحفظ فِي مجلسك وكلامك من التطاول على الْأَصْحَاب وطب نفسا عَن كثير مِمَّا يعرض لَك فِيهِ صَوَاب القَوْل والرأي مداراة لِئَلَّا يظنّ أَصْحَابك أَن مَا بك التطاول عَلَيْهِم الْعَلامَة الرَّابِعَة عَلامَة الْوَقْف التَّام اعْلَم أَن الْكتاب قد اخْتلفت مناهجهم فِي ذَلِك فَمنهمْ من كَانَ يضع نقطة إِلَّا أَن بَعضهم كَانَ يَجْعَلهَا كَبِيرَة لِئَلَّا تشتبه بالنقطة الَّتِي كَانَ يَضَعهَا للْوَقْف الَّذِي لَيْسَ بتام وَمِنْهُم من كَانَ يضع ثَلَاث نقط على

стр. 810

هَيْئَة الأثافي كَمَا فِي نقط الشين وَمِنْهُم من كَانَ يضع واوا مَقْلُوبَة وَمِنْهُم من كَانَ يَجْعَلهَا ثَلَاثًا على الْهَيْئَة الْمَذْكُورَة وَمِنْهُم من كَانَ يضع دارة إِمَّا مطبقة أَو منفرجة وَمِنْهُم من كَانَ يضع هَاء لَهَا عينان وَهِي ذَات طرف مَرْدُود إِلَى الْجَانِب الْأَيْمن هَكَذَا هـ وَكَأَنَّهَا رمز إِلَى لفظ انْتهى وَمن الْكتاب من لم يقْتَصر على وَاحِدَة مِمَّا ذكر فَرُبمَا وضع فِي وضع دارة وَفِي مَوضِع آخر نقطا وَنَحْو ذَلِك وَلما كَانَ الْوَقْف التَّام متفاوت الدَّرَجَات فِي التَّمام يَنْبَغِي لمن جعل لَهُ عَلَامَات أَن يخص كل وَاحِدَة مِنْهَا بِنَوْع مِنْهُ غير أَن الدارة لَا يَنْبَغِي أَن تُوضَع إِلَّا لأتم أَنْوَاعه كَأَن يكون الْموضع آخر قصَّة وَنَحْو ذَلِك وَفِي هَذَا المبحث شَيْء وَهُوَ أَن يُقَال قد ذكرْتُمْ أَن بعض الْمَوَاضِع قد يتجاذبه أَمْرَانِ أَحدهمَا يَقْتَضِي الْوَصْل وَالْآخر يَقْتَضِي الْفَصْل وَهُوَ ثَلَاثَة أَقسَام فَهَل يُمكن أَن يَجْعَل لكل قسم مِنْهَا / عَلامَة يعرف بهَا فَيُقَال نعم وَذَلِكَ بِالْجمعِ بَين الْخط الَّذِي هُوَ عَلامَة الْوَصْل والنقطة الَّتِي هِيَ عَلامَة الْفَصْل فَإِذا كَانَ الْموضع مِمَّا يرجح فِيهِ جَانب الْوَصْل على الْفَصْل وضع فِيهِ خطّ بعده نقطة هَكَذَا - وَإِذا كَانَ الْموضع مِمَّا يرجح فِيهِ جَانب الْفَصْل على الْوَصْل وضعت فِيهِ نقطة بعْدهَا خطّ هَكَذَا - وَإِذا كَانَ الْموضع مِمَّا لم يرجح فِيهِ أَحدهمَا على الآخر وضع الْخط بَين نقطتين هَكَذَا - هَذَا وَمَا يذكر من العلائم الْمُخْتَلفَة الَّتِي تدل كل وَاحِدَة مِنْهَا على قسم من أقسامه إِنَّمَا يحْتَاج إِلَيْهِ فِي الْكَلَام المنثور الَّذِي لم يُقيد بسجع وَأما الْكَلَام المنثور الْمُقَيد بالسجع فَيَكْفِي فِيهِ علامتان تُوضَع إِحْدَاهمَا فِي آخر الْفَقْرَة الأولى للدلالة على مَوضِع الْوَقْف وعَلى أَن السجعة لم تتمّ بعد وَالْأُخْرَى فِي آخر الْفَقْرَة الثَّانِيَة للدلالة على الْوَقْف وعَلى أَن السجعة قد تمت إِلَّا أَنه يَنْبَغِي أَن تكون أقوى فِي الدّلَالَة على الْوَقْف من الَّتِي قبلهَا وعَلى ذَلِك يسوغ أَن تكون الأولى عَلامَة الْوَصْل وَالثَّانيَِة نقطة أَو الأولى

стр. 811

نقطة صَغِيرَة وَالثَّانيَِة نقطة كَبِيرَة أَو الأولى واوا مَقْلُوبَة وَالثَّانيَِة واوا مَقْلُوبَة متميزة بِزِيَادَة فِيهَا وَمن أَمْثِلَة السجع قَول بعض أَرْبَاب البلاغة إيَّاكُمْ ومقابلة النِّعْمَة بالكفران - واذْكُرُوا هَل جَزَاء الْإِحْسَان إِلَّا الْإِحْسَان وأبرزوها فِي معرض من حسن الذّكر - وقابلوها بِمَا يَلِيق بهَا من الشُّكْر وَقَوله بَلغنِي أَن فلَانا نَاظر فَلَمَّا تَوَجَّهت عَلَيْهِ الْحجَّة كَابر وَقد كنت أَحسب أَنه أعرف بِالْحَقِّ من أَن يعقه وأهيب لحجاب الْعدْل والإنصاف من أَن يشقه أَو لم يعلم أَن الكابرة تشعر بِضعْف الْحس ومهانة النَّفس وَقَوله اعتذر الْأُسْتَاذ من صغر الْكتاب واختصاره وَقد أغناه الله عَمَّا تكلفه من اعتذاره وَإِنَّمَا الصَّغِير مَا صغر قدره لَا مَا صغر حجمه فَأَما مَا أَفَادَ وَجَاوَزَ المُرَاد فَلَيْسَ بصغير بل هُوَ أكبر من كل كَبِير وَقد يعرض فِي السجع فِي بعض الْمَوَاضِع أُمُور توجب الْإِشْكَال فِي وضع العلائم فَمن الْمَوَاضِع المشكلة أَن تكون السجعة مركبة من ثَلَاث فقر وَيَنْبَغِي هُنَا أَن تُوضَع الْعَلامَة المشعرة بانتهاء السجعة عِنْد الْفَقْرَة الثَّالِثَة وَيُوضَع عِنْد الثَّانِيَة عَلامَة مثل الْعَلامَة الَّتِي تُوضَع عِنْد الأولى مثل ذَلِك قَوْله جزى الله الْأُسْتَاذ عَن الْجُود خيرا فقد أَقَامَ لَهُ سوقا كَانَت كاسدة واهب مِنْهُ ريحًا كَانَت راكدة وَأَحْيَا مِنْهُ أَرضًا كَانَت هامدة وَعمر للمعروف دَارا طالما تيه فِي قفارها لَا ندراس آثارها وانهدام منارها وَقَوله يعز علينا أَن يكثر بَين تلاقينا عدد الْأَيَّام وتعبر عَن ضمائرنا ألسن الأقلام ونتناجى فِي الْكتب بصور الْكَلَام وَكَثِيرًا مَا يعرض فِي بعض الْمَوَاضِع هُنَا مَا يَجْعَل وضع عَلامَة الْوَصْل إِمَّا فِي الأولى أَو فِي الثَّانِيَة أولى من غَيرهَا وَإِن كَانَت الْعَلامَة المتخذة فِي الأَصْل غَيرهَا فعلامة الْوَصْل يحْتَاج إِلَيْهَا فِي كثير من الْمَوَاضِع الَّتِي جعل غَيرهَا عَلامَة فِيهِ وَمِثَال

стр. 812

ذَلِك قَوْله الظنون - أَمر لَا يعول عَلَيْهِ المتقون وَلَا يخلطون مَا كَانَ بِمَا لَعَلَّه لَا يكون وَمن الْمَوَاضِع المشكلة أَن تُوجد فقرة لَيْسَ لَهَا أُخْت وَيَنْبَغِي هُنَا أَن تُعْطى حكمهَا فِي حد ذَاتهَا نَحْو قَوْله إِن للعقول مغارس كمغارس الْأَشْجَار فَإِذا طابت بقاع الأَرْض للشجر زكا ثَمَرهَا وَإِذا كرمت النُّفُوس للعقول حسن نظرها وَمن الْمَوَاضِع المشكلة الْمَوَاضِع الَّتِي يكون فِيهَا سجع فِي سجع وَيَنْبَغِي هُنَا أَن تُوضَع عَلامَة الْوَصْل فِي السجع الَّذِي يكون فِي السجع وَمِثَال ذَلِك قَول بَعضهم / فِي علم الْبَيَان وَهُوَ فن قد نضب مَاؤُهُ فَلم يظْهر لَهُ ثَمَر وَذهب رواؤه فَلم يُؤثر فِيهِ غير الْأَثر وَقَول بَعضهم هَذَا كتاب قد أودع من جَوَاهِر الْكَلم - مَا يفوق قلائد العقيان - وعقود الدُّرَر وَمن زواهر الحكم - مَا يروق الْجنان - ويجلو الْبَصَر وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي أَنه هَل يجوز أَن يُقَال إِن فِي الْقُرْآن سجعا أم لَا فَقَالَ قوم إِنَّه لَا يجوز وَوَافَقَهُمْ على ذَلِك الرماني وَقد أَشَارَ إِلَى ذَلِك فِي إعجاز الْقُرْآن حَيْثُ قَالَ إِن السجع هُوَ الَّذِي يقْصد فِي نَفسه ثمَّ يُحَال الْمَعْنى عَلَيْهِ والفواصل هِيَ الَّتِي تتبع الْمعَانِي وَلَا تكون مَقْصُودَة فِي نَفسهَا وَلذَلِك كَانَت الفواصل بلاغة والسجع عَيْبا وَقَالَ قوم إِنَّه يجوز ذَلِك قَالَ بَعضهم لَيْسَ كل السجع يقْصد فِي نَفسه ثمَّ يُحَال الْمَعْنى عَلَيْهِ بل مِنْهُ مَا يتبع الْمَعْنى وَهُوَ غير مَقْصُود فِي نَفسه وَهَذَا مِمَّا لَا يعاب بل مِمَّا يستحسن وَالظَّاهِر أَن الَّذِي دَعَا قوما إِلَى تَسْمِيَة جَمِيع مَا فِي الْقُرْآن فواصل مَعَ الِامْتِنَاع عَن تَسْمِيَة مَا تماثلت حُرُوفه مِنْهُ سجعا رغبتهم فِي تَنْزِيه الْقُرْآن عَن الْوَصْف اللَّاحِق بِغَيْرِهِ من الْكَلَام الْمَرْوِيّ عَن الكهنة وَغَيرهم لَا كَون السجع فِي نَفسه معيبا فَإِن السجع فِي نَفسه يرجع إِلَى تماثل الْحُرُوف أَو تقاربها فِي مقاطع الفواصل وَإِنَّمَا لم يجىء فِي الْقُرْآن كُله وَلَا أَكْثَره سجع لِأَنَّهُ نزل بلغَة الْعَرَب وعَلى

стр. 813

عرفهم وعادتهم وَكَانَ البليغ مِنْهُم لَا يكون فِي كَلَامه كُله وَلَا أَكْثَره سجع لما فِيهِ من أَمَارَات التَّكَلُّف لَا سِيمَا مَعَ طول الْكَلَام وَلم يخل من السجع لِأَنَّهُ يحسن فِي بعض الْكَلَام لَا سِيمَا اقْتَضَاهُ الْمقَام قَالَ حَازِم (١) من النَّاس من يكره تقطيع الْكَلَام إِلَى مقادير متناسبة الْأَطْرَاف مُتَقَارِبَة فِي الطول وَالْقصر (٢) لما فِيهِ من التَّكَلُّف وَمِنْهُم من يرى أَن التناسب الْوَاقِع بإفراغ الْكَلَام فِي قالب التقفية وتحليتها بمناسبات المقاطع أكيد جدا وَمِنْهُم - وَهُوَ الْوسط - من يرى أَن السجع وَإِن كَانَ زِينَة للْكَلَام فقد يَدْعُو إِلَى التَّكَلُّف فرأيي أَن لَا يسْتَعْمل فِي جملَة الْكَلَام (٣) وَأَن لَا يخلى الْكَلَام مِنْهُ جملَة وَأَنه يقبل مِنْهُ مَا اجتلبه الخاطر عفوا بِلَا تكلّف قَالَ وَكَيف يعاب السجع على الْإِطْلَاق وَإِنَّمَا نزل الْقُرْآن على أساليب الفصيح من كَلَام الْعَرَب فوردت الفواصل فِيهِ بِإِزَاءِ وُرُود الأسجاع فِي كَلَامهم وَإِنَّمَا لم يجىء على أسلوب وَاحِد لِأَنَّهُ لَا يحسن فِي الْكَلَام جَمِيعًا أَن يكون مستمرا على نمط وَاحِد لما فِيهِ من التَّكَلُّف وَلما فِي الطَّبْع من الْملَل وَلِأَن الارفتنان فِي ضروب

стр. 814

الفصاحة أَعلَى من الِاسْتِمْرَار على ضرب وَاحِد فَلهَذَا وَردت بعض الْآي متماثلة المقاطع وَبَعضهَا غير متماثلة تَنْبِيهَات مهمة تتَعَلَّق بالسجع أوردهَا صاحبالإتقان (١) الأول قَالَ أهل البديع أحسن السجع وَنَحْوه مَا تَسَاوَت قرائنه نَحْو ﴿فِي سدر مخضود وطلح منضود وظل مَمْدُود﴾ ويليه مَا طَالَتْ قرينته الثَّانِيَة نَحْو ﴿والنجم إِذا هوى مَا ضل صَاحبكُم وَمَا غوى﴾ أَو الثَّالِثَة نَحْو ﴿خذوه فغلوه ثمَّ الْجَحِيم صلوه ثمَّ فِي سلسلة ذرعها سَبْعُونَ ذِرَاعا فاسلكوه﴾ وَقَالَ ابْن الْأَثِير الْأَحْسَن فِي الثَّانِيَة الْمُسَاوَاة وَإِلَّا فأطول قَلِيلا وَفِي الثَّالِثَة أَن تكون أطول وَقَالَ الخفاجي لَا يجوز أَن تكون الثَّانِيَة أقصر من الأولى الثَّانِي قَالُوا أحسن السجع مَا كَانَ قَصِيرا لدلالته على قُوَّة المنشىء وَأقله كلمتان نَحْو ﴿يَا أَيهَا المدثر قُم فَأَنْذر﴾ الْآيَات ﴿والمرسلات عرفا﴾ الْآيَات ﴿والذاريات ذَروا﴾ الْآيَات ﴿وَالْعَادِيات ضَبْحًا﴾ والآيات والطويل مَا زَاد عَن الْعشْر وَمَا / بَينهَا متوسط كآيات سُورَة الْقَمَر الثَّالِث قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فيكشافة الْقَدِيم لَا تحسن الْمُحَافظَة على الفواصل لمجردها إِلَّا مَعَ بَقَاء الْمعَانِي على سردها على الْمنْهَج الَّذِي يَقْتَضِيهِ حسن النّظم والتئامه فَأَما أَن تهمل الْمعَانِي ويهتم بتحسين اللَّفْظ وَحده غير مَنْظُور فِيهِ إِلَى مورده فَلَيْسَ من قبيل البلاغة وَبنى على ذَلِك أَن التَّقْدِيم فِي ﴿وبالآخرة هم يوقنون﴾ لَيْسَ لمُجَرّد الفاصلة بل لرعاية الِاخْتِصَاص الرَّابِع مبْنى الفواصل على الْوَقْف وَلِهَذَا سَاغَ مُقَابلَة الْمَرْفُوع بالمجرور وَبِالْعَكْسِ كَقَوْلِه ﴿إِنَّا خلقناهم من طين لازب﴾ مَعَ قَوْله ﴿عَذَاب واصب﴾ و ﴿شهَاب ثاقب﴾

стр. 815

وَقَوله ﴿بِمَاء منهمر﴾ مَعَ قَوْله ﴿قد قدر﴾ و ﴿سحر مُسْتَمر﴾ وَقَوله ﴿وَمَا لَهُم من دونه من وَال﴾ مَعَ قَوْله ﴿وينشئ السَّحَاب الثقال﴾ الْخَامِس كثر فِي الْقُرْآن ختم الفواصل بحروف الْمَدّ واللين وإلحاق النُّون وحكمته وجود التَّمَكُّن من التطريب بذلك كَمَا قَالَ سِيبَوَيْهٍ إِنَّهُم إِذا تمنوا يلحقون الْألف وَالْيَاء وَالْوَاو وَالنُّون لأَنهم أَرَادوا مد الصَّوْت ويتركون ذَلِك إِذا لم يترنموا وَجَاء الْقُرْآن على أسهل موقف وأعذب مقطع السَّادِس حُرُوف الفواصل إِمَّا متماثلة وَإِمَّا مُتَقَارِبَة فَالْأولى مثل ﴿وَالطور وَكتاب مسطور فِي رق منشور وَالْبَيْت الْمَعْمُور﴾ وَالثَّانِي مثل ﴿الرَّحْمَن الرَّحِيم مَالك يَوْم الدّين﴾ ﴿ق وَالْقُرْآن الْمجِيد بل عجبوا أَن جَاءَهُم مُنْذر مِنْهُم فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْء عَجِيب﴾ قَالَ الإِمَام فَخر الدّين وَغَيره وفواصل الْقُرْآن لَا تخرج عَن هذَيْن الْقسمَيْنِ بل تَنْحَصِر فِي المتماثلة والمتقاربة ورعاية التشابه فِي الفواصل لَازِمَة السَّابِع كثر فِي الفواصل التَّضْمِين والإيطاء لِأَنَّهُمَا ليسَا معيبين فِي النثر إِن كَانَا معيبين فِي النّظم فالتضمين أَن يكون مَا بعد الفاصلة مُتَعَلقا بهَا كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَإِنَّكُمْ لتمرون عَلَيْهِم مصبحين وبالليل﴾ والأيطاء تكَرر الفاصلة بلفظها كَقَوْلِه تَعَالَى فِي (الْإِسْرَاء) ﴿هَل كنت إِلَّا بشرا رَسُولا﴾ وَختم بذلك الْآيَتَيْنِ بعْدهَا اه فَإِن قيل هَل يسوغ وضع عَلامَة تشعر بالتضمين يُقَال أما فِي السجع فَإِن ذَلِك يسوغ فِيهِ بل يسْتَحبّ وَمِثَال ذَلِك مَا كتبه بعض البلغاء موقعا بِهِ على كتاب ورد بمدح رجل وذم آخر إِذا كَانَ للمحسن من الْجَزَاء مَا يقنعه وللمسيء من النكال مَا يقمعه بذل المحسن مَا يجب عَلَيْهِ رَغْبَة وانقاد الْمُسِيء لما يكلفه رهبة وَأما فِي الشّعْر فَلَا يسوغ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يُوجب عدم التناسب فِي أَوَاخِر السطور

стр. 816

وَهُوَ مُهِمّ عِنْدهم مَعَ قلته فِي نَفسه وَقلة الِاحْتِيَاج إِلَيْهِ نعم لَو قيل إِنَّه يسوغ وَضعهَا إِذا بعد عَن آخر السطر قَلِيلا مَعَ حفظ التناسب بَينهَا إِذا تَكَرَّرت لم يستبعد قَالَ فيالعمدة فِي بَاب أَحْكَام القوافي فِي الْخط (١) إِذا صَارَت الْوَاو الْأَصْلِيَّة وصلا للقافية سَقَطت فِي الْخط كَمَا تسْقط وَاو الْوَصْل وياؤه وَذَلِكَ مثل وَاو يَغْزُو للْوَاحِد وَلم يغزوا للْجَمَاعَة إِذا كَانَت القافية على الزَّاي وَمثل وَاو يَغْزُو يَاء يقْضِي للْغَائِب وتقضي للمؤنثة الغائبة والمذكر الْمُخَاطب وَكَذَلِكَ يَاء القَاضِي والغازي إِذا كَانَا معرفين بِالْألف وَاللَّام هَذَا هُوَ الْوَجْه فَإِن كتب بِإِثْبَات الْوَاو وَالْيَاء فعلى بَاب الْمُسَامحَة والأجود أَن تكون الْوَاو وَالْيَاء خَارِجا فِي الْغَرَض وَكَذَلِكَ يَاء الضَّمِير نَحْو غلامي إِذا كنت القافية الْمِيم فَالْوَجْه سُقُوط الْيَاء فَإِن كتبت الْمُسَامحَة فَفِي الْغَرَض كَمَا قدمت ق (٢) وَمن الْعَرَب من يَقُول هَذَا الْغَاز ومررت بالقاض بِغَيْر يَاء وَهَذَا تَقْوِيَة لمَذْهَب من حذفهَا فِي الْخط إِذا كَانَت وصلا للقافية وَإِن كَانَ فِي قوافي القصيدة مَا يكْتب بِالْيَاءِ وَمَا يكْتب بِالْألف كتبا / جَمِيعًا بِالْألف لتستوي القوافي وتشتبه صورتهَا فِي الْخط اه ولفرط عناية الْكتاب برعاية التناسب بَين أَوَائِل السطور بَعْضهَا مَعَ بعض وَكَذَلِكَ أواخرها قَالَ بعض الأدباء فِي وصف المسطرة عَن لسانها (أَنا لِلْكَاتِبِ اللبيب إِمَام ... وَلما تبتغي يَدَاهُ قوام) (فإذاما حددت للكتب حدا ... وقفت عِنْد حدي الأقلام) فَإِذا قيل هَل يسوغ أَن يوضع فِي أثْنَاء أَبْيَات الشّعْر علائم لوقف القارىء على مَوَاضِع الْوَقْف لَا ليقف عِنْدهَا بل لِئَلَّا يَقع لَهُ فِي بعض الْمَوَاضِع وهم يَحْجُبهُ عَن

стр. 817

الْفَهم فقد ذكرْتُمْ (١) أَن السَّيِّد المرتضى قَالَ فِي بَيت الْكُمَيْت الْمَذْكُور آنِفا إِنَّه يجب الْوُقُوف على الطير ثمَّ يبْدَأ بهمه يُقَال إِنَّا لم نصادف فِيمَا رَأينَا من الدَّوَاوِين وضع علائم لذَلِك وَمن أهمه هَذَا الْأَمر يَتَيَسَّر لَهُ أَن يُشِير إِلَى ذَلِك فِي الْحَاشِيَة ويخشى من فتح هَذَا الْبَاب أَن يدْخل فِي هَذَا الْأَمر الدَّقِيق من لَيْسَ لَهُ أَهلا فَيَضَع العلائم فِي غير موَاضعهَا فَيكون الضَّرَر أكبر من النَّفْع لَكِن لَو قَامَ بِهِ من يحسن لم يكن فِي ذَلِك شَيْء وعَلى ذَلِك يكْتب الْبَيْت هَكَذَا (وَمَا أَنا مِمَّن يزْجر الطير همه ... أصاح غراب أم تعرض ثَعْلَب) فَإِن قيل هَل يسوغ وضع عَلامَة فِي آخر الشّطْر الأول إِذا وجد فِيهِ مَا يَقْتَضِي ذَلِك لَا سِيمَا إِن وضعت بَعيدا عَنهُ قَلِيلا بِحَيْثُ لَا تخل بالتناسب بَين أَوَاخِر الشّطْر الأول وَلَا أَوَائِل الشّطْر الثَّانِي يُقَال إِنَّه لَا يظْهر ملجىء إِلَى ذَلِك إِلَّا إِذا وَقع فِي الْبَيْت إدماج وَنَشَأ مِنْهُ التباس والإدماج هُوَ أَن يَأْتِي الشَّاعِر بِكَلِمَة يكون بَعْضهَا جُزْءا من الشّطْر الأول وَبَعضهَا جُزْءا من الشّطْر الثَّانِي وَقد قصر بعض شراحالحماسة فِي تَعْرِيفه حَيْثُ قَالَ عِنْد ذكر قَول الشَّاعِر (وَمَا غَمَرَات الْمَوْت إِلَّا نزالك الكمي على لحم الكمي المقطر ... ) فِي هَذَا الْبَيْت إدماج والإدماج أَن تكون عَلامَة التَّعْرِيف فِي النّصْف الأول من الْبَيْت والمعرف فِي النّصْف الثَّانِي وَهُوَ يقل فِي الأوزان الطوَال وَيكثر فِي الْقصار كَقَوْل الْأَعْشَى (اسْتَأْثر الله بالمكارم والع ... دلّ وَولى الْمَلَامَة الرجلا) (وَالشعر قلدته سَلامَة ذَا ال ... إفضال وَالشَّيْء حَيْثُمَا جعلا)

стр. 818

فَإِذا وَقع فِي الْبَيْت إدماج اضْطر الْكَاتِب فِي الْغَالِب إِلَى تجزئة الْكَلِمَة إِلَى جزئين وَوضع كل وَاحِد مِنْهُمَا فِي مَوْضِعه فَإِذا نَشأ من ذَلِك إِشْكَال تعيّنت إِزَالَته فَإِذا كَانَت الْعَلامَة وافية بالغرض لم يكن بُد مِنْهَا والكلمات من جِهَة التجزئة أَقسَام فَمِنْهَا مَا تسهل فِيهِ التجزئة وَمِنْهَا مَا تعسر فِيهِ وَمِنْهَا مَا تكَاد تتعذر فِيهِ ولبعض الْكتاب مهارة فِي أَمر التجزئة حَتَّى إِن بَعضهم لَا يكَاد يَقع اشْتِبَاه فِيمَا جزأه وَقد أحببنا أَن نورد من هَذَا النَّوْع أَمْثِلَة كَثِيرَة لشدَّة الْحَاجة إِلَيْهِ وَتَركنَا تَمْيِيز كل قسم مِنْهُ من غَيره للمطالعين فمما وَقع فِيهِ الإدماج قَول بعض الشُّعَرَاء فِي وصف الْقَلَم (ناحل الْجِسْم لَيْسَ يعرف مذكا ... ن نعيما وَلَيْسَ يعرف ضرا) / وَقَول بَعضهم (إِن حَشْو الْكَلَام من لكنة المر ٠٠ ... ٠٠ ء وإيجازه من التَّقْوِيم) وَقَول بَعضهم - وَكَانَ بعض الْأَئِمَّة الْعِظَام يكثر إنشاده وَقد ينْسب إِلَيْهِ - (فَلَا تفش سرك إِلَّا إِلَيْك ... فَإِن لكل نصيح نصيحا) (وَإِنِّي رَأَيْت غواة الرجا ٠٠ ... ٠٠ ل لَا يتركون أديما صَحِيحا) وَمِمَّا وَقع فِيهِ الإدماج قَول بَعضهم الإِمَام الزكي والفارس المع ٠٠ ... ٠٠ تَحت العجاج غير الكهام (١)) (رَاعيا كَانَ مسجحا (٢٩ ففقدنا ... هـ وفقد المسيم فقد المسام (٣))

стр. 819

وَقَول بَعضهم (إِن شرخ الشَّبَاب وَالشعر الأس ٠٠ ... ٠٠ ود مالم يعاص كَانَ جنونا) وَقَول بَعضهم (وأزجر الْكَاشِح الْعَدو إِذا اغ ٠٠ ... ٠٠ تابك عِنْدِي زجرا على أضم) وَمِمَّا وَقع فِيهِ الإدماج قَول بَعضهم (أحل وامرر وضر وانفع وَلم وَأَخ ٠٠ ... ٠٠ شن ورش وَابْن وانتدب للمعالي) وَقَول بَعضهم (فوحق الْبَيَان يعضده الْبر ٠٠ ... ٠٠ هان فِي مأقط (٢) أَلد الْخِصَام) (مَا رَأينَا سوى السماحة شَيْئا ... جمع الْحسن كُله فِي نظام) (هِيَ تجْرِي مجْرى الإ صابة فِي الرأ ٠٠ ... ٠٠ ي ومجرى الْأَرْوَاح فِي الْأَجْسَام) وَمِمَّا وَقع فِيهِ الإدماج قَول بَعضهم (الألمعي الَّذِي يظنّ بك الظ ٠٠ ... ٠٠ ن كَأَن قد رأى وَقد سمعا) وَقَول بَعضهم (خير إخوانك المشارك فِي الضّر ٠٠ ... ٠٠ وَأَيْنَ الشَّرِيك فِي الضّر أَيّنَا وَقَول بَعضهم (قربا مربط النعامة مني ... لقحت حَرْب وَائِل عَن حِيَال) (لَا بجير أغْنى فتيلا وَلَا ره ٠٠ ... ٠٠ ط كُلَيْب تزاجروا عَن ضلال) (لم أكن من جناتها علم الل ... هـ وَإِنِّي بحرها الْيَوْم صالي) وَقَول بَعضهم (احذر مَوَدَّة ماذق ... مزج المرارة بالحلاوة)

стр. 820

/ يحصي الذُّنُوب عَلَيْك أَيَّام الصداقة للعداوة وَيَنْبَغِي الانتباه هُنَا لأمرين أَحدهمَا أَن بَعْضًا من الْمَوَاضِع قد يظنّ فهيا إدماج فيجزىء الْكَاتِب الْكَلِمَة مَعَ أَنه لَا إدماج هُنَالك وَذَلِكَ مثل قَول بَعضهم (بنى عَلَيْك بتقوى الْإِلَه ... فَإِن العواقب للمتقي) (وَإنَّك مَا تأت من وَجهه ... تَجِد بَابه غير مستغلق) (عَدوك ذُو الْعقل أبقى عَلَيْك ... من الصاحب الْجَاهِل الأخرق) وَقد يعرض الْوَهم لِلْكَاتِبِ الشَّاعِر فِي بعض الْمَوَاضِع وَلَا يَزُول عَنهُ ذَلِك إِلَّا إِذا وزن الْبَيْت بميزانه الثَّانِي أَن بعض الكتبة قد يَقع لَهُم بِسَبَب الذهول أَو عدم الْمعرفَة أَن يجزئوا الْكَلِمَة فِي الأبيات الَّتِي وَقع فِيهَا إدماج تجزئة غير صَحِيحَة فَيَنْبَغِي الانتباه إِلَى ذَلِك وَانْظُر إِلَى لفظ (النَّاس) مثلا فَإِنَّهُ قد يكون آخر جزئها الأول هِيَ النُّون الأولى وَهِي النُّون الساكنة المنقلبة عَن لَام التَّعْرِيف وَأول جزئها الثَّانِي هِيَ النُّون المتحركة وَهِي النُّون الْأَصْلِيَّة وَقد يكون آخر جزئها الأول هِيَ الْألف وَأول جزئها الثَّانِي هِيَ السِّين فَمن الأول قَول بَعضهم (أَيهَا الفارغ المريد لعيب ال ... نَاس مهلا عَن المغيبة مهلا) (إِن فِي نَفسك الَّتِي بَين جَنْبي ... ك عَن النَّاس لَو تفكرت شغلا) وَمن الثَّانِي قَول بَعضهم (تَرَكتنِي صُحْبَة النا ... س وَمَالِي من رَفِيق) (لم أجد إشفاق ندما ... ني كإشفاق الصّديق) وَمِمَّا يعد من علائم الْوَقْف الْألف وَالْهَاء فقد جرت عَادَة كثير من الْمُتَأَخِّرين أَنهم إِذا نقلوا عبارَة عَن أحد أَن يكتبوا فِي آخرهَا ألفا وَرَأس هَاء إِشَارَة إِلَى لفظ

стр. 821

انْتهى وَكَانَ حَقهم أَن يكتفوا بِرَأْس الْهَاء فَقَط لِأَن قَاعِدَة أَرْبَاب العلائم أَنهم يكتفون بِأَقَلّ مَا يحصل بِهِ الْمَقْصُود وَلَا يسوغون الزِّيَادَة عَلَيْهِ فَلَو كَانَ رَأس الْهَاء قد جعل عَلامَة على شَيْء آخر واضطروا إِلَيْهَا ساع لَهُم أَن يزِيدُوا الْألف للتمييز بَينهمَا وَلم يَقع ذَلِك وَلذَا ذهب أنَاس الْآن إِلَى الرُّجُوع إِلَى مُقْتَضى الْقَاعِدَة فاقتصروا على رَأس الْهَاء وَرُبمَا وضع بَعضهم قبلهَا نقطة وَأما المتقدمون فقد كَانُوا يصرحون بِمَا يدل على الِانْتِهَاء فَيَقُولُونَ انْتهى مَا ذكره فلَان أَو هَذَا آخر كَلَام فلَان أَو نَحْو ذَلِك وَلَا يكتفون بقَوْلهمْ انْتهى مَا ذكره من غير تَصْرِيح بِالِاسْمِ وَالظَّاهِر أَن الدَّاعِي لَهُم إِلَى ذَلِك أَنه قد يكون فِي الْعبارَة المنقولة عبارَة أُخْرَى نقلهَا الْمَنْقُول عَنهُ عَن غَيره فَلَو اكتفوا بذلك من غير تَصْرِيح بِالِاسْمِ حصل اشْتِبَاه فِي كثير من الْمَوَاضِع وَلم يدر الْمطَالع لمن يرجع الضَّمِير فالتزموا التَّصْرِيح دفعا لذَلِك وَلذَلِك قد يتركونه فِي مَوَاضِع لَا يَقع فِيهَا اشْتِبَاه بل قد يتركون الْإِشَارَة إِلَى انْتِهَاء الْعبارَة فِي مثل ذَلِك والاختصار وَمِنْه الْإِضْمَار إِنَّمَا يستجيزه البلغاء فِي الْمَوَاضِع الَّتِي لَا يَقع فِيهَا اشْتِبَاه وَلَا إخلال بالفهم إِلَّا إِذا كَانَ الْمقَام يَقْتَضِي ذَلِك لنكتة مهمة وَاعْلَم أَنه قد جرت عَادَة النقلَة أَنهم إِذا نقلوا عبارَة من الْعبارَات غير أَنه دعاهم الْحَال إِلَى حذف شَيْء مِنْهَا مِمَّا وَقع فِي أَثْنَائِهَا لعدم تعلق الْغَرَض بِهِ أَن يشيروا إِلَى ذَلِك بقَوْلهمْ ثمَّ قَالَ ثمَّ يَأْتُوا بتتمة الْعبارَة المروم نقلهَا مِمَّا تعلق بِهِ غرضهم وَبِذَلِك يعلم الْمطَالع أَنه قد طوي شَيْء فِيمَا بَين مَا قبل ثمَّ قَالَ وَبَين مَا بعده وَقد يحذفون ثمَّ ويقتصرون على قَالَ وَهَذَا أَمر يلام من أخل بِهِ عِنْدهم إِلَّا أَن يُصَرح بِأَنَّهُ قد تصرف فِي الْعبارَة

стр. 822

وَالظَّاهِر أَن تصريحه بذلك لَا يرفع عَنهُ اللوم فِي كثير من الْمَوَاضِع مَعَ إِمْكَان الْإِشَارَة إِلَى مَوَاضِع الْحَذف وَأرى أَن المختصرين الَّذين يحبونَ أَن يحافظوا على الْأَلْفَاظ الْوَاقِعَة فِي الأَصْل وَلم يبدلونها بِأَلْفَاظ من عِنْدهم غير أَنهم يرَوْنَ حذف بعض الْعبارَات الَّتِي لَا يتَعَلَّق بهَا غرضهم أَن يضعوا فِي مَوَاضِع الْحَذف رَأس الْقَاف إِشَارَة إِلَى ذَلِك وَهِي مذكرة بِلَفْظ قَالَ الَّتِي جرت عَادَتهم باستعمالها فِي مثل هَذَا الْموضع وَكنت قَدِيما أَضَع رَأس الْفَاء إِشَارَة للفظ الْحَذف على أَنه لَو لم تُوضَع نقطة أصلا لم يكن بَأْس لامتياز هَذِه الصُّورَة بِنَفسِهَا وَهَذِه الْعَلامَة مهمة فَإِنَّهُ قد يعرض فِي بعض الْمَوَاضِع إِشْكَال للمطالع فَلَا يدْرِي هَل هُوَ ناشيء من حذف شَيْء هُنَاكَ لَو بَقِي لم يكن ثمَّ إِشْكَال أَو ناشيء من الأَصْل وَالْغَالِب أَنه ينْسبهُ للمختصر فَيتْرك السَّعْي فِي حلّه لتصوره أَن ذَلِك نَشأ من إخلال الْمُخْتَصر مَعَ أَن ذَلِك الْموضع رُبمَا كَانَ من الْمَوَاضِع الَّتِي لم يحذف فِيهَا شَيْء بل قد يعرض الْإِشْكَال للمختصر فِي وَقت لَا يَتَيَسَّر لَهُ فِيهِ الرُّجُوع إِلَى الأَصْل فيندم على تَقْصِيره حَيْثُ لَا يَنْفَعهُ ندمه فَإِذا وضعت هَذِه الْعَلامَة كَانَ الْخطب أسهل وهاك مِثَال ذَلِك قَالَ أوحد عصره أَبُو عُثْمَان عَمْرو بن بَحر الجاحظ فِي أول الْبَيَان والتبيين اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذ بك من فتْنَة القَوْل كَمَا نَعُوذ بك من فتْنَة الْعَمَل ونعوذ بك من التَّكَلُّف لما لَا نحسن كَمَا نَعُوذ بك من العجببما نحسن ونعوذ بك من السلاطة والهذر كَمَا نَعُوذ بك من العي والحصر وقديما تعوذوا بِاللَّه من شرهما وَتَضَرَّعُوا إِلَى الله فِي السَّلامَة مِنْهُمَا قَالَ النمر بن تولب (أعذني رب من حصر وعي ... وَمن نفس أعالجها علاجا) وَقد ذكر الله جميل بلائه فِي تَعْلِيم الْبَيَان وعظيم نعْمَته فِي تَقْوِيم اللِّسَان فَقَالَ ﴿الرَّحْمَن علم الْقُرْآن خلق الْإِنْسَان علمه الْبَيَان﴾ وَقَالَ ﴿هَذَا بَيَان للنَّاس﴾

стр. 823

) ومدح الْقُرْآن بِالْبَيَانِ والإفصاح وَبِحسن التَّفْصِيل والإيضاح وبجودة الإفهام وَحِكْمَة الإبلاغ وَسَماهُ فرقانا وَقَالَ ﴿عَرَبِيّ مُبين﴾ وَقَالَ ﴿وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبيا﴾ وَقَالَ ﴿ونزلنا عَلَيْك الْكتاب تبيانا لكل شَيْء﴾ وَقَالَ ﴿وكل شَيْء فصلناه تَفْصِيلًا﴾ ومدار الْأَمر على الْبَيَان والتبيين وعَلى الإفهام والتفهيم وَكلما كَانَ اللِّسَان أبين كَانَ أَحْمد كَمَا أَنه كلما كَانَ الْقلب أَشد استبانة كَانَ أَحْمد وَمن أجل الْحَاجة إِلَى حسن الْبَيَان وَإِعْطَاء الْحُرُوف حُقُوقهَا من الفصاحة رام أَبُو حُذَيْفَة وَاصل بن عَطاء وَكَانَ ألثغ إِسْقَاط الرَّاء من كَلَامه وإخراجها من حُرُوف مَنْطِقه فَلم يزل يكابد ذَلِك ويغالبه حَتَّى صَار لغرابته مثلا ولظرافته معلما إرشاد لَا يَنْبَغِي أَن تُوضَع عَلامَة من العلائم فِي مَوضِع من الْمَوَاضِع إِلَّا بعد أَن يَدْعُو إِلَيْهَا دَاع مُهِمّ ويتحقق أَن ذَلِك الْموضع من موَاضعهَا وَقد جرت عَادَة بعض الْكتاب أَن يضعوا كثيرا من العلائم مَعَ عدم الدَّاعِي إِلَيْهَا فكأنهم يظنون أَن فِيهِ وَأما الَّذين يضعونها فِي غير موَاضعهَا فهم مسيئون جدا لإيقاعهم القاريء فِي شرك الْوَهم المبعد لَهُ عَن الْفَهم وَكَأن هَؤُلَاءِ يظنون أَن العلائم من قبيل الزِّينَة فِي الْخط وَقد وَقع هَذَا الظَّن لكثير مِمَّن عني بالخط من الْمُتَأَخِّرين من غير بحث عَمَّا يتَعَلَّق بِهِ فَكَانُوا يرَوْنَ فِي كثير من الخطوط علائم وضعت لأمر خَاص فظنوها من قبيل الزِّينَة فصاروا يضعونها كَيفَ مَا اتّفق وَإِذا سئلوا عَن ذَلِك قَالُوا إِن هَذَا من

стр. 824

تَتِمَّة الصِّنَاعَة وَقد رَأينَا أساتذتنا يَفْعَلُونَهُ وَلَا يسعنا إِلَّا اتباعهم فَكل خير فِي اتِّبَاع من سلف فَإِن قلت إِنَّهُم كثيرا مَا يضعون عَلامَة للاستفهام وعلامة للتعجب فَهَل يحسن ذَلِك يُقَال يحسن ذَلِك إِذا كَانَ فِي الْعبارَة احْتِمَال لغَيْرِهِمَا أما فِي الِاسْتِفْهَام فَفِي نَحْو مَا يكْتب زيد وَأما فِي التَّعَجُّب فَفِي نَحْو مَا أحسن هَذَا الْفَتى غير أَن كثيرا مِنْهُم يضعون عَلامَة الِاسْتِفْهَام فِي مثل أأسيء إِلَيْهِ وَقد أحسن إِلَيّ مَعَ أَنه لَا اسْتِفْهَام هُنَا فِي الْحَقِيقَة ويضعون عَلامَة التَّعَجُّب فِي مَوَاضِع لَا يجد النَّاظر فِيهَا شَيْئا يتعجب مِنْهُ غير وضع تِلْكَ الْعَلامَة وَأما وضع عَلامَة قبل مقول القَوْل للدلالة عَلَيْهِ فَإِنَّمَا يحسن فِي بعض الْمَوَاضِع بِسَبَب دَاع يَدْعُو إِلَيْهِ كَأَن يفصل بَين القَوْل وَالْمقول شَيْء رُبمَا ينشأ عَنهُ التباس ومبحث العلامات وَمَا يتَعَلَّق بهَا مَبْحَث وَاسع الْأَطْرَاف جدير بِأَن يفرد بالتأليف وَقد دللناك على الطَّرِيق فاسلك فِيهِ أَن شِئْت حَتَّى تصل إِلَى الْغَايَة

стр. 825

الْفَائِدَة الثَّامِنَة قَلما يَخْلُو كتاب ألف فِي فن من الْفُنُون من ذكر مسَائِل لَيست من على سَبِيل الاستطراد وَقد اخْتلفت أَحْوَال المؤلفين فِيهِ فَمنهمْ من كَانَ يُؤثر الإقلال مِنْهُ وَمِنْهُم من كَانَ يرى الْإِكْثَار مِنْهُ وَمن المقلين مِنْهُ المؤلفون فِي أصُول الْأَثر لما أَن لَهُم فِيهِ عَمَّا سواهُ شغلا شاغلا وَأما ترك بعض مبَاحث من الْفَنّ اعْتِمَادًا على أَنَّهَا قد ذكرت فِي فن آخر فَهُوَ قَلِيل وَقد وَقع ذَلِك لَهُم فَإِن أَكْثَرهم لم يذكر مَبْحَث التَّرْجِيح وَمن ذكره مِنْهُم اكْتفى ببيانه على طَرِيق الإيجاز بِحَيْثُ لَا يتَجَاوَز مَا كتب فِيهِ ورقتين مَعَ أَن مَبْحَث التَّرْجِيح مُهِمّ جدا لِأَنَّهُ الَّذِي يفزع إِلَيْهِ عِنْد اخْتِلَاف الرِّوَايَات مَعَ عدم إِمْكَان الْجمع بَينهَا ووجوه التَّرْجِيح كَثِيرَة يصعب حصرها وَقد قسمهَا بَعضهم بَعضهم إِلَى سَبْعَة أَقسَام الْقسم الأول التَّرْجِيح بِحَال الرَّاوِي كَأَن يكون أَحدهمَا أَكثر ضبطا أَو اشد ورعا من الآخر فَإِنَّهُ يرجح عَلَيْهِ الْقسم الثَّانِي التَّرْجِيح بالتحمل كَأَن يكون أَحدهمَا تحمل جَمِيع مَا يرويهِ بعد الْبلُوغ فَإِنَّهُ يرجح على الآخر الَّذِي تحمل بعض مَا يرويهِ قبل الْبلُوغ وَبَعضه بعده الْقسم الثَّالِث التَّرْجِيح بكيفية الرِّوَايَة كَأَن يكون أَحدهمَا مِمَّن لَا يروي فيرجح الْمدنِي لدلالته على التَّأْخِير الْقسم الْخَامِس التَّرْجِيح بِلَفْظ الْخَبَر كَأَن يكون أحد الْخَبَرَيْنِ فصيحا دون الآخر فَيقدم عَلَيْهِ لِأَن الفصيح أقرب إِلَى أَن يكون هُوَ الصَّحِيح وَكَأن يكون أحد الْخَبَرَيْنِ قد ورد بلغَة قُرَيْش دون الآخر فَإِن مَا ورد بلغَة قُرَيْش أشبه بِأَن يكون

стр. 826

لفظ النَّبِي ﷺ وَكَأن يكون حكم أحد الْخَبَرَيْنِ مَعْقُول الْمَعْنى دون الآخر الْقسم السَّادِس التَّرْجِيح بالحكم كترجيح النَّاقِل عَن الْبَرَاءَة الْأَصْلِيَّة على الْمُقَرّر لَهَا وَقيل الْأَمر بِالْعَكْسِ وكترجيح الدَّال على الْخطر على الدَّال على الْإِبَاحَة وَقيل لَا تَرْجِيح فِي ذَلِك لِأَن الْحَظْر وَالْإِبَاحَة حكمان شرعيان وَصدق الرَّاوِي فيهمَا وتيرة وَاحِدَة الْقسم السَّابِع التَّرْجِيح بِأَمْر خارجي كَأَن يكون أحد الْخَبَرَيْنِ يشْهد لَهُ الْقُرْآن أَو الحَدِيث الْمَشْهُور أَو الْإِجْمَاع أَو دَلِيل الْعقل دون الآخر فيرجح عَلَيْهِ لمعاضدة الدَّلِيل لَهُ وَالَّذِي حملهمْ على ترك هَذَا المبحث أَو عدم التَّوَسُّع فِيهِ أَنهم رَأَوْا أَن وُجُوه التَّرْجِيح كَثِيرَة وَقد أبلغهَا بَعضهم إِلَى أَكثر من مئة وَجه فَإِذا ذكرُوا ذَلِك مُسْتَوفى موضحا بالأمثلة لم يكف فِيهِ نَحْو مئة ورقة فَإِن ذكرُوا مسائلة خَالِيَة عَن الْمِثَال كَانَت شَبيهَة بالمسائل الَّتِي لَا تخرج عَن دَائِرَة الخيال على أَن كثيرا من وُجُوه التَّرْجِيح قد اخْتلف فِيهِ حَتَّى صَار بَعضهم يرجح وَجها ويرجح الآخر مُقَابلَة الآخر مُقَابلَة وَرُبمَا نفى بَعضهم رُجْحَان أحد المتقابلين فَإِذا حاول الْمُؤلف بَيَان دَلِيل كل فريق ثمَّ بَيَان الرَّاجِح مِنْهُمَا بِمُقْتَضى مَا تبين لَهُ بِالدَّلِيلِ طَال الْأَمر جدا فتركوا هَذَا المبحث المهم لعلماء أصُول الْفِقْه لما بَين الفنين من التناسب مَعَ مَا بَين أَهلهَا من التقارب وَمَا ذكر هُنَا لَا يستغرب أصلا بِالنّظرِ إِلَى مَا ذكره الْعَلامَة السكاكي فِي حَال علم الْمعَانِي وَالْبَيَان قبل أَن يكْتب فِيهِ مَا كتب فَإِنَّهُ قَالَ بعد أَن أبان فضل ذَلِك وَأَنه لَا علم بعد علم الْأُصُول الْمَشْهُورَة بِعلم الْكَلَام أعون على معرفَة

стр. 827

المشتبهات من الْكتاب الْعَزِيز وَلَا أَنْفَع فِي در لطائف نكته وأسراره مِنْهُ وَأَن كثيرا من الْآيَات قد تصدى لَهَا من لَيْسُوا من أهل هَذَا الْعلم فَأخذُوا بهَا من مآخذ مَرْدُودَة وَحملُوهَا على محامل غير مَقْصُودَة وهم لَا يَدْرُونَ وَلَا يَدْرُونَ أَنهم لَا يَدْرُونَ - ثمَّ مَعَ مَا لهَذَا الْعلم من الشّرف الظَّاهِر وَالْفضل الباهر لَا ترى علما من الضيم مَا لَقِي وَلَا مني من سوم الْخَسْف بِمَا مني أَيْن الَّذِي مهد لَهُ قَوَاعِد ورتب لَهُ شَوَاهِد وَبَين لَهُ حدودا يرجع إِلَيْهَا وَعين لَهُ رسوما يعرج عَلَيْهَا وَوضع لَهُ أصولا وقوانين وَجمع لَهُ حجَجًا وبراهين وشمر لضبط متفرقاته ذيله واستنهض فِي استخلاصها من الْأَيْدِي رجله وخيله (علم ترَاهُ أيادي سبّ ... ) (فجزء حوته الدبور ... وجزء حوته الصِّبَا) انْظُر بَاب التَّحْدِيد فَإِنَّهُ جُزْء مِنْهُ فِي أَيدي من هُوَ انْظُر بَاب الِاسْتِدْلَال فَإِنَّهُ جُزْء مِنْهُ فِي أَيدي من هُوَ بل تصفح مُعظم أَبْوَاب أصُول الْفِقْه من أَي علم هِيَ وَمن يتولاها وَتَأمل فِي مودعات من مباني الْإِيمَان مَا ترى من تمناها سوى الَّذِي تمناها وعد وعد وَلَكِن الله جلت حكمته إِذْ وفْق لتحريك الْقَلَم فِيهِ عَسى ان يعْطى الْقوس باريها بحول مِنْهُ عز سُلْطَانه وقوته فَمَا الْحول وَالْقُوَّة إِلَّا بِهِ وَقد تدارك مَا رُبمَا يُوهِمهُ هَذَا الْكَلَام من نِسْبَة التَّقْصِير الشَّديد إِلَى من تقدمه من أهل هَذَا الْعلم الَّذين عنوا بِشَأْنِهِ فَيكون من قبيل الْإِسَاءَة إِلَى الْمُحْسِنِينَ كَمَا يَفْعَله كثير من الأغمار الَّذين يظنون أَن فِي إِنْكَار فضل غَيرهم دلَالَة قَوِيَّة على فَضلهمْ فَقَالَ من قبل ذَلِك دفعا لهَذَا الْوَهم هَذَا مَا أمكن من تَقْرِير كَلَام

стр. 828

السّلف ﵏ فِي هذَيْن الْأَصْلَيْنِ وَمن تَرْتِيب الْأَنْوَاع فيهمَا وتذييلها بِمَا كَانَ يَلِيق بهَا وتطبق الْبَعْض مِنْهَا بِالْبَعْضِ وتوفيه كل من ذَلِك حَقه على مُوجب مُقْتَضى الصِّنَاعَة ن وسيحمد مَا أوردت ذَوُو البصائر وَإِنِّي أوصيهم / إِن أورثهم كَلَامي نوع استماله أَو فضلا لي عَلَيْهِم فَغير مستبدع فِي أَي مَا نوع فرض أَن يزل عَن أَصْحَابه مَا هُوَ أشبه بذلك النَّوْع فِي بعض الْأُصُول أَو الْفُرُوع أَو التطبيق للْبَعْض بِالْبَعْضِ مَتى كَانُوا المخترعين لَهُ وَإِنَّمَا يستبدع ذَلِك مِمَّن زجى عمره راتعا فِي مائدتهم تِلْكَ ثمَّ لم يقوا أَن يتَنَبَّه وعلماء هَذَا الْفَنّ وَقَلِيل مَا هم كَانُوا - فِي اختراعه واستخراج أُصُوله وتمهيد قواعدها وإحكام أَبْوَابهَا وفصولها وَالنَّظَر فِي تفاريعها واستقراء أمثلتها اللائقة بهَا وتلقطها من حَيْثُ يجب تلقطها وإتعاب الخاطر فِي التفتيش والتنقير عَن ملاقطها وَكَذَا النَّفس وَالروح فِي ركُوب المسالك المتوعرة إِلَى الظفر بهَا مَعَ تشعب هَذَا النَّوْع إِلَى شعب بَعْضهَا أدق من الْبَعْض وتفننها أفانين بَعْضهَا أغمض من بعض - كَمَا عَسى أَن يقرع سَمعك طرف من ذَاك فعلوا مَا وفت بِهِ الْقُوَّة البشرية إِذْ ذَاك ثمَّ وَقع فتورها مِنْهُم مَا هُوَ لَازم الفتور الْفَائِدَة التَّاسِعَة قد أشكل على بعض الباحثين قَول بعض أَرْبَاب هَذَا الْفَنّ يشْتَرط فِي رَاوِي الصَّحِيح أَن يكون تَامّ الضَّبْط مَعَ قَوْله بتفاوت دَرَجَات الصَّحِيح بِسَبَب تفَاوت دَرَجَات الْعَدَالَة والضبط فِي رُوَاته وَقَالَ إِن تَمام الضَّبْط لَا يتَصَوَّر فِيهِ تفَاوت

стр. 829

فَكيف يَصح أَن يُقَال إِن رُوَاة الصَّحِيح تَتَفَاوَت درجاتهم فِي الْعَدَالَة والضبط بِحَيْثُ يكون بَعضهم أدنى من بعض ف ذَلِك وَقد توهم أَنه إِذا قيل هَذَا الرَّاوِي أدنى من ذَاك الرَّاوِي فِي الضَّبْط لم يسغْ أَن يُقَال عَنهُ إِنَّه تَامّ الضَّبْط بل يُقَال عَنهُ حِينَئِذٍ سيء الْحِفْظ أَو ضعيفه وسيء الْحِفْظ أَو ضعيفه لَا يعد من رُوَاة الصَّحِيح وَطلب تَصْوِير هَذِه الْمَسْأَلَة من الْقَائِلين بهَا وَقد رَأينَا من الْحِكْمَة الْإِجَابَة إِلَى مَا طلب لإِزَالَة مَا نَشأ من كَلَامه من الشُّبْهَة الَّتِي علقت بأذهان كثير من الناظرين فِيهِ مَعَ أَن هَذِه الْمَسْأَلَة من أهم مسَائِل الْفَنّ وَهِي مِمَّا لَا رب فِيهِ عِنْد أربابه وَعند من أمعن النّظر فِيهَا كثيرا من غَيرهم وَلما فِي ذَلِك من زِيَادَة الْبَيَان - وَهِي مَطْلُوبَة فِي مثل ذَلِك - فَنَقُول لنفرض ان جمَاعَة من الراغبين فِي معرفَة أشعار من يستشهد بكلامهم من الشُّعَرَاء قصدُوا أحد أَئِمَّة أهل الْأَدَب البارعين فِي ذَلِك للأخذ عَنهُ فأجابهم إِلَى مَا طلبُوا مِنْهُ واعتنى بأمرهم وَصَارَ فِي كل يَوْم يروي لَهُم شَيْئا مِمَّا عِنْده ليحفظوه ثمَّ يختبرهم فِي كل مُدَّة وَلم يزل الْأَمر كَذَلِك حَتَّى أخذُوا عَنهُ نَحْو ألف بَيت فَأحب أَن يختبرهم اختبارا تَاما يعرف بِهِ درجاتهم فِي الْحِفْظ والإتقان ليجعلهم أقساما يلقى على كل قسم مِنْهُم مِقْدَار مَا يَقْتَضِيهِ استعداده رِعَايَة للحكمة وَكَانُوا سِتِّينَ فَنظر أَولا فِي ضعيفي الْحِفْظ فَرَأى فِي أَرْبَعَة وَعشْرين مِنْهُم ضعفا شَدِيدا فِي الْحِفْظ بِحَيْثُ إِنَّهُم كَانُوا يخلون فِي كل مئة بَيت بِنَحْوِ ثَلَاثِينَ بَيْتا إِلَى نَحْو خمسين بَيْتا فَجعل هَؤُلَاءِ قسما وَاحِدًا ووسمهم فِي نَفسه بِسوء الْحِفْظ وَقلة الإتقان وَلم يهمه أَمر تقسيمهم إِلَى أَقسَام بل أهمه أَمر الْعِنَايَة بهم بِسوء الْحِفْظ وَقلة الإتقان وَلم يهمه أَمر تقسيمهم إِلَى أَقسَام بل أهمه أَمر الْعِنَايَة بهم إشفاقا عَلَيْهِم فَإِن قُوَّة العناة كثير مَا تجْعَل مثلهم من أهل الدِّرَايَة ثمَّ نظر فِي بَقِيَّتهمْ وهم سِتَّة وَثَلَاثُونَ فَرَآهُمْ ثَلَاثَة أَقسَام كل قسم مِنْهُم يبلغ اثْنَي عشر وهم متقاربون فِي أَمرهم فأمعن النّظر فِي أعرهم وَهُوَ الْقسم الأول

стр. 830

فَوَجَدَهُ يخل فِي كل مئة بَيت بِمَا دون الْعشْر إِلَّا أَن أَفْرَاده مُخْتَلفَة فِي ذَلِك فَمنهمْ من يخل مِنْهَا بِنَحْوِ / الثَّلَاثَة أَو الْأَرْبَعَة فَقَط وَمِنْهُم من يخل مِنْهَا بِنَحْوِ الْخَمْسَة والستة وَمِنْهُم من يخل مِنْهَا بالسبعة إِلَى التِّسْعَة فَتبين أَن هَذَا الْقسم وَهُوَ الدرجَة الْعليا فِي الْحِفْظ والإتقان يَنْقَسِم إِلَى ثَلَاث دَرَجَات عليا وَهِي الَّتِي لَا تخل بِأَكْثَرَ من نَحْو أَرْبَعَة أَبْيَات فِي المئة ووسطى وَهِي الَّتِي لَا تخل بِأَكْثَرَ من نَحْو سِتَّة فِيهَا وَدُنْيا وَهِي الَّتِي تخل بِنَحْوِ السَّبْعَة وَالثَّمَانِيَة والتسعة وَبِهَذَا تعلم أَن من لَا يخل فِي المئة بِأَكْثَرَ من نَحْو أَرْبَعَة أَبْيَات يعد من أهل الدرجَة الْعليا من الدرجَة الْعليا فِي الْحِفْظ والإتقان وبينما اللبيب يكبر شَأْن أنَاس من الْعلمَاء الْأَعْلَام يكَاد الْوَاحِد مِنْهُم لَا يُخطئ فِي كل ألف مَسْأَلَة إِلَّا بِنَحْوِ عشر عشرهَا وَرُبمَا كَانَ مدرك الْخَطَأ فِيهَا خفِيا ويعجب مِمَّا أُوتُوا من فرط النباهة والذكاء إِذا بالغبي يزري بهم ويستعظم ذَلِك الْخَطَأ إِن كَانَ مِنْهُم وَذَلِكَ لعدم مَعْرفَته بِلُزُوم مُلَاحظَة النِّسْبَة وَأَن الْإِنْسَان لَا يَخْلُو من الْخَطَأ والسهو وَالنِّسْيَان ثمَّ أمعن النّظر فِي أوسطهم وَهُوَ الْقسم الثَّانِي فَوَجَدَهُ يخل فِي كل مئة بَيت بِمَا دون الْعشْرين وَلَا ينقص عَن الْعشْر ثمَّ أمعن النّظر فِي أَدْنَاهُم وَهُوَ الْقسم الثَّالِث فَوَجَدَهُ يخل فِي كل مئة بَيت بِمَا دون الثَّلَاثِينَ وَلَا ينقص عَن الْعشْرين ثمَّ فعل فِي هذَيْن الْقسمَيْنِ مثل مَا فعل فِي الْقسم الأول وَقد أوردنا هَذَا الْمِثَال على طَرِيق التَّقْرِيب وَمن فهم هَذَا الْمِثَال انحل عَنهُ الْإِشْكَال فِي هَذَا الْموضع وَفِي غَيره مِمَّا يشاكله قَالَ بعض الْمُحَقِّقين اعْلَم أَن مدَار الرِّوَايَة على عَدَالَة الرَّاوِي وَضَبطه فَإِن كَانَ مبرزا فيهمَا فَحَدِيثه صَحِيح وَإِن كَانَ دون المبرز فيهمَا أَو فِي أَحدهمَا لكنه عدل ضَابِط بِالْجُمْلَةِ فَحَدِيثه حسن ثمَّ الْعَدَالَة والضبط إِمَّا أَن يوجدا فِي الرَّاوِي أَو ينتفيا أَو يُوجد أَحدهمَا دون الآخر فَإِن وجدا فِي الرَّاوِي قبل حَدِيثه وَإِن انتفيا فِيهِ لم يقبل حَدِيثه

стр. 831

وَإِن وجدت فِيهِ الْعَدَالَة دون الضَّبْط لم يرد حَدِيثه لعدالته وَلم يقبل لعدم ضَبطه بل يتَوَقَّف فِيهِ إِلَّا أَن يظْهر مَا يُوجب رُجْحَان جَانب الرَّد فَيرد أَو رُجْحَان جَانب الْقبُول فَيقبل ومنن ذَلِك أَن يُوقف لَهُ على شَاهد يحصل بِهِ جبر الضعْف الَّذِي فِي راوية من جِهَة الضَّبْط وَإِن وجد فِيهِ الضَّبْط دون الْعَدَالَة لم يقبل حَدِيثه لِأَن الْعَدَالَة هِيَ الرُّكْن الْأَكْبَر فِي الرِّوَايَة ثمَّ كل وَاحِد من الْعَدَالَة والضبط لَهُ مَرَاتِب عليا ووسطى وَدُنْيا وَيحصل من تركيب بَعْضهَا مَعَ بعض مَرَاتِب للْحَدِيث مُخْتَلفَة فِي الْقُوَّة والضعف وَهنا أَمر مُهِمّ يعد عِنْد العارفين من أهل هَذَا الْفَنّ من قبيل المضنون بِهِ على غير أَهله وَهُوَ أَنه لَا يَنْبَغِي ترك الرِّوَايَة عَن الموسومين بِسوء الْحِفْظ وَقلة الإتقان كَمَا يتوهمه غير الْعَارِف بل فِي الرِّوَايَة عَنْهُم فَائِدَة عَظِيمَة عِنْد الجهابذة النقاد وَلذَلِك كَانُوا حريصين على ذَلِك وتتبين لَك الْفَائِدَة فِيمَا نَحن فِيهِ من أوجه أَحدهَا أَن نفرض أَن اثْنَيْنِ من الْقسم الأول وَهِي الدرجَة الْعليا فِي الْحِفْظ والإتقان اخْتلفَا فِي بَيت فَرَوَاهُ أَحدهمَا على وَجه وَالْآخر على وَجه آخر فَإِنَّهُ يعترينا حيرة فِي الْأَمر فَإِذا رَأينَا بعد ذَلِك أحدا مِمَّن شاركهما فِي الْأَخْذ عَن ذَلِك الإِمَام - وَإِن كَانَ موسوما بِسوء الْحِفْظ والإتقان - قد رَوَاهُ على الْوَجْه الَّذِي رَوَاهُ احدهما فَإِنَّهَا تترجح رِوَايَته على رِوَايَة الآخر فِي الْغَالِب وينسب الْمُنْفَرد بالرواية الْأُخْرَى للوهم فِي هَذَا الْموضع فقد أفادت رِوَايَة هَذَا الضَّعِيف تَقْوِيَة أحد القوتين على الآخر بل لَو فَرضنَا أَن أحد الراويين من الْقسم الأول وَهِي الدرجَة الْعليا وَالْآخر من الْقسم الثَّالِث وَهِي الدرجَة الدُّنْيَا ورأينا هَذَا / الرَّاوِي الضَّعِيف قد وَافَقت رِوَايَته نرجحها فِي الْغَالِب على الرِّوَايَة الَّتِي انْفَرد بهَا من كَانَ فِي الدرجَة الْعليا فَيكون من قبيل قَوْلهم وضعيفان يغلبان قَوِيا وَإِنَّمَا قُلْنَا فِي الْغَالِب لِأَنَّهُ قد تقع مَوَانِع من ذَلِك وَلَا يُدْرِكهَا إِلَّا الجهابذة

стр. 832

وَقَلِيل مَا هم فَيَنْبَغِي لغَيرهم أَن لَا يزاحموهم فِي هَذَا الْموضع فَإِنَّهُ من مزال الْأَقْدَام الْوَجْه الثَّانِي ان نفرض أَن وَاحِدًا من أحد الْأَقْسَام الثَّلَاثَة الموصوفة بالضبط - وَإِن كَانَ مُخْتَلفَة الدَّرَجَات فِيهِ - قد روى قصيدة خَالِيَة من بَيت يرويهِ فِيهَا اثْنَان من الموصوفين بِعَدَمِ الضَّبْط على وَجه وَاحِد وَهُوَ مِمَّا يشاكل تِلْكَ القصيدة وَلَيْسَ فِي الأبيات الَّتِي تعزى لغَيْرهَا من القصائد فَإِن اتِّفَاق اثْنَيْنِ مِنْهُمَا إِذا كَانَ من غير تواطؤ يقوى صِحَة روايتهما على مَا فيهمَا من الضعْف وَيكون هَذَا مِمَّا حفظه الضعيفان ونسيه الْقوي وَلَو كَانَ من الدرجَة الأولى فِي الضَّبْط ومبنى هَذَا على أَن لَيْسَ كل مَا يرويهِ الْحَافِظ المتقن صَوَابا لاحْتِمَال ان يكون قد زل فِي بعض الْمَوَاضِع وَإِن كَانَ ذَلِك مِنْهُ قَلِيلا وَلَيْسَ كل مَا يرويهِ غير الْحَافِظ المتقن خطأ لإصابته فِي كثير من الْمَوَاضِع والعاقل اللبيب هُوَ الَّذِي يسْعَى لمعْرِفَة صَوَاب كل فريق ليَأْخُذ بِهِ وَقد بلغت البراعة بِبَعْض الجهابذة إِلَى أَن كَانُوا يعْرفُونَ صدق الرَّاوِي من كذبه وَلِهَذَا كَانَ بَعضهم يروي عَن بعض من يتهم بِالْكَذِبِ وَكَانَ ينْهَى النَّاس عَن الرِّوَايَة عَنهُ وَلما اسْتغْرب ذَلِك مِنْهُ وَقيل لَهُ أَنْت تروي عَنهُ قَالَ أَنا اعرف صدقه من كذبه اه إِلَّا أَن هَذَا أَمر لَا يَخْلُو عَن غرر وَرُبمَا كَانَ فِيهِ خطر الْوَجْه الثَّالِث أَن يروي كثير من غير أَرْبَاب الضَّبْط بَيْتا على وَجه وَاحِد لَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَيَرْوِيه وَاحِد من الضابطين على غير ذَلِك الْوَجْه فَالظَّاهِر تَرْجِيح رِوَايَة الْكثير لِأَن عرُوض الْوَهم للْوَاحِد أَكثر من عروضه للعدد الْكثير لَا سِيمَا إِن كَانَ مَا رَوَوْهُ أرجح فِي الظَّاهِر عِنْد العارفين بذلك الْفَائِدَة الْعَاشِرَة قد ذكرنَا فِيمَا مضى حكم الرِّوَايَة عَمَّن وسم بسمة الدبعة إِلَّا أَنه لَيْسَ كَافِيا فِي مثل هَذِه الْمَسْأَلَة المهمة فَاقْتضى الْحَال زِيَادَة الْبَيَان فَنَقُول قَالَ الْحَافِظ

стр. 833

ابْن حجر فِي شرح نخبة الْفِكر الْبِدْعَة إِمَّا أَن تكون بمكفر كَأَن يعْتَقد مَا يسْتَلْزم الْكفْر أَو مفسق فَالْأول لَا يقبل صَاحبهَا الْجُمْهُور وَقيل يقبل مُطلقًا وَقيل إِن كَانَ لَا يعْتَقد حل الْكَذِب لنصرة مقَالَته قبل وَالتَّحْقِيق أَنه لَا يرد كل مكفر ببدعته لِأَن كل طَائِفَة تَدعِي أَن مخالفيها مبتدعة وَقد تبالغ فتكفر مخالفيها فَلَو أَخذ ذَلِك على الْإِطْلَاق لاستلزم تَكْفِير جَمِيع الطوائف فَالْمُعْتَمَد أَن الَّذِي ترد رِوَايَته من أنكر أمرا متواترا من الشَّرْع مَعْلُوما من الدّين بِالضَّرُورَةِ وَكَذَا من اعْتقد عَكسه فَأَما من لم يكن بِهَذِهِ الصّفة وانضم إِلَى ذَلِك ضَبطه لما يرويهِ مَعَ ورعه وتقواه فَلَا مَانع من قبُوله وَالثَّانِي هُوَ من لَا تَقْتَضِي بدعته التَّكْفِير أصلا وَقد اخْتلف فِي قبُوله ورده فَقيل يرد مُطلقًا وَهُوَ بعيد وَأكْثر مَا علل بِهِ أَن فِي الرِّوَايَة عَنهُ ترويحا لأَمره وتنويها بِذكرِهِ وعَلى هَذَا يَنْبَغِي أَن لَا يروي عَن مُبْتَدع شَيْء يُشَارِكهُ فِيهِ غير مُبْتَدع وَقيل يقبل مُطلقًا إِلَّا ان اعْتقد حل الْكَذِب كَمَا تقدم وَقيل يقبل من لم يكن دَاعِيَة إِلَى بدعته لِأَن تَزْيِين بدعته قد يحملهُ على تَحْرِيف الرِّوَايَات وتسويتها على مَا يَقْتَضِيهِ مذْهبه وَهَذَا فِي الْأَصَح وَأغْرب ابْن حبَان فَادّعى الِاتِّفَاق على قبُول غير الداعية من غير / تَفْصِيل إِلَّا أَن روى مَا يقوى بدعته فَيرد على الْمَذْهَب الْمُخْتَار وَبِه صرح الْحَافِظ أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن يَعْقُوب الْجوزجَاني شيخ أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ فِي كِتَابه معرفَة الرِّجَال فَقَالَ فِي وصف الروَاة وَمِنْهُم زائغ عَن الْحق أَي عَن السّنة صَادِق اللهجة فَلَيْسَ فِيهِ حِيلَة إِلَّا ن يُؤْخَذ من حَدِيثه مَا لَا يكون مُنْكرا إِذا لم يقو بِهِ بدعته ١ هـ وَمَا قَالَه مُتَّجه لِأَن الْعلَّة الَّتِي لَهَا رد حَدِيث الداعية وارده فِيمَا إِذا كَانَ ظَاهر الْمَرْوِيّ يُوَافق مَذْهَب المبتدع وَلَو لم يكن دَاعِيَة وَالله اعْلَم ١ هـ

стр. 834

وَظَاهر هَذِه الْعبارَة يدل على قبُول رِوَايَة المبتدع إِذا كَانَ عدلا ضابطا سَوَاء كَانَ دَاعِيَة أَو غير دَاعِيَة إِلَّا فِيمَا يتَعَلَّق ببدعته وَقَالَ بعض الْعلمَاء لَا تقبل رِوَايَة المبتدع الَّذِي يكفر ببدعته وَأما الَّذِي لَا يكفر بهَا فقد اخْتلف الْعلمَاء فِي رِوَايَته فَمنهمْ من ردهَا مُطلقًا وَمِنْهُم من قبلهَا مُطلقًا إِذا لم يكن مِمَّن يسْتَحل الْكَذِب فِي نصْرَة مذْهبه أَو لأهل مذْهبه سَوَاء كَانَ دَاعِيَة إِلَى بدعته أَو غير دَاعِيَة وَمِنْهُم من قَالَ تقبل إِذا لم يكن دَاعِيَة إِلَى بدعته وَلَا تقبل إِذا كَانَ دَاعِيَة إِلَيْهَا وَهَذَا مَذْهَب كثيرين من الْعلمَاء أَو أَكْثَرهم وَالْقَوْل برد روايتهم مُطلقًا ضَعِيف جدا فَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من كتب أَئِمَّة الحَدِيث الِاحْتِجَاج بِكَثِير من المبتدعة غير الدعاة وَلم يزل السّلف وَالْخلف على قبُول الرِّوَايَة مِنْهُم والاحتجاج بهَا وَالسَّمَاع مِنْهُم وإسماعهم من غير إِنْكَار مِنْهُم قَالَ الْحَافِظ الْعِرَاقِيّ وَقد احْتج الشَّيْخَانِ بالدعاة أَيْضا وَقد وَقع لِأُنَاس مِمَّن يفرقون بَين الداعية وَغَيره حيرة فِي ذَلِك وَقد أَشَارَ إِلَى هَذِه الْمَسْأَلَة الْحَافِظ ابْن حزم فِي مَبْحَث الْإِجْمَاع فِي فصل أفرده لحكم أهل الْأَهْوَاء وَقد أحببنا إِيرَاد نبذ مِنْهُ هُنَا قَالَ فصل فِي أهل الْأَهْوَاء هَل يدْخلُونَ فِي الْإِجْمَاع أم لَا قَالَ قوم لَا يدْخلُونَ فِي جملَة من يعْتد بقوله وَقَالَت طَائِفَة هم داخلون فِي جُمْلَتهمْ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَالَّذين قَالُوا لَا يدْخلُونَ فِي جُمْلَتهمْ قد تناقضوا فأدخلوا فِي مسَائِل الْخلاف قَول قَتَادَة وَهُوَ قدري مَشْهُور وأدخلوا الْحسن بن عَليّ وَهُوَ رَأس من رُؤُوس الزيدية وأدخلوا

стр. 835

عِكْرِمَة وَهُوَ صفري وأدخلوا جَابر بن زيد وَهُوَ إباضي ق وَالَّذِي نقُول بِهِ وَالله تَعَالَى التَّوْفِيق إِن إِجْمَاع الْأمة كلهَا بِلَا خلاف مِنْهَا على الاعتداء بِمن ذكرنَا فِي الْخلاف وَالْإِجْمَاع برهَان ضَرُورِيّ كَاف فِي فَسَاد قَول من قَالَ لَا يدْخلُونَ فِي الْإِجْمَاع وَبَيَان لتناقضهم قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقد فرق جَمَاهِير أسلافنا من أَصْحَاب الحَدِيث بَين الداعية من أهل الْأَهْوَاء وَغير الداعية فَقَالُوا إِن الداعية مطرح وَغير الداعية مَقْبُول وَهَذَا قَول فِي غَايَة الْفساد لِأَنَّهُ تحكم بِغَيْر دَلِيل ق وَلِأَن الداعية أولى بِالْخَيرِ وَحسن الظَّن لِأَنَّهُ ينصر مَا يعْتَقد أَنه حق عِنْده وَغير الداعية كاتم للَّذي يعْتَقد أَنه حق وَهَذَا لَا يجوز لِأَنَّهُ مقدم على كتمان الْحق أَو يكون مُعْتَقدًا لشَيْء لم يتَيَقَّن أَنه حق فَذَلِك أَسْوَأ وأقبح ق فَسقط الْفرق الْمَذْكُور وَصَحَّ أَن الداعية وَغير الداعية سَوَاء ق وكل من لم يكن مرتكبا لشَيْء مِمَّا أوجع على تَحْرِيمه وَلم يكن مَعَ ذَلِك مقدما على مَا يَعْتَقِدهُ حَرَامًا وَإِن كَانَ مِمَّا اخْتلف فِيهِ وَكَانَ معنيا بِأَحْكَام الْقُرْآن والْحَدِيث وَالْإِجْمَاع وَالِاخْتِلَاف فَهُوَ مِمَّن يعْتد بقوله فِي الْخلاف مَا لم يُفَارق مَا قد صَحَّ فِيهِ الْإِجْمَاع وَسَوَاء كَانَ مرجئا أَو قدريا أَو شِيعِيًّا أَو إباضيا أَو صفريا أَو سنيا صَاحب / رَأْي أَو قِيَاس أَو صَاحب حَدِيث وكل من كَانَ فَاسِقًا سَوَاء كَانَ منا أَو من مخالفينا لَا يلْتَفت إِلَيْهِ وَإِن كَانَ عَالما وَكَانَ قد نفر ليتفقه لِأَنَّهُ من الْفُسَّاق الَّذين أمرنَا أَن نتثبت فِي خبرهم

стр. 836

وكل من كَانَ فَاضلا مُسلما سَوَاء كَانَ منا أَو من غَيرنَا من الْفرق إِلَّا أَنه لم ينفر ليتفقه فِي الدّين وَلَيْسَ عَالما بِالْكتاب والْحَدِيث وَالْإِجْمَاع وَالِاخْتِلَاف لكنه مشتغل إِمَّا بِعبَادة أَو بِعلم من الْعُلُوم المحمودة كَالْكَلَامِ فِي أصُول الاعتقادات أَو القراآت أَو النَّحْو أَو اللُّغَة أَو رِوَايَة الحَدِيث فَقَط دون تفقه فِي أَحْكَامه أَو التواريخ أَو الأخيار أَو الشّعْر أَو النّسَب أَو الطِّبّ أَو الْحساب أَو الهندسة أَو الفلسفة أَو علم الْهَيْئَة أَو كَانَ مَشْغُولًا بِمَا أبيج لَهُ من أُمُور دُنْيَاهُ ومكاسبه فَلَيْسَ يعْتد بِهِ فِي اخْتِلَاف الْعلمَاء فِي الشَّرِيعَة لِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّن أمرنَا بِقبُول نذارته فِي الْأَحْكَام والعبادات لكنه محسن فِيمَا عني بِهِ من الْعُلُوم الْمَذْكُورَة وَيلْزم أَن يرجع إِلَى نَقله فِي ذَلِك الْعلم الَّذِي عني بِهِ أَو الْعُلُوم الَّتِي عني بهَا إِن كَانَ جَامعا لعلوم شَتَّى فيحتج بنقله فِيمَا اعْترض فِي خلال أَحْكَام الْفِقْه من لُغَة أَو نَحْو أَو حكم فِي عيب أَو جِنَايَة أَو حِسَاب دُخُول شهر أَو مَا يتَعَلَّق بِالْأَحْكَامِ من الاعتقادات وَفِي الْقِسْمَة للمواريث والغنائم وَبَين الشُّرَكَاء وَفِي تَعْدِيل الروَاة وتخريجهم وَفِي أزمان الروَاة ولقاء بَعضهم بَعْضًا وَالرّق بَين أسمائهم وأنسابهم المفرقة بَين أشخاصهم وَإِذا أَقَامَ الدَّلِيل من أصُول علمه على صِحَة قَوْله قبل وَلَا فرق فِي كل ذَلِك بَين كل من كَانَ من أهل نحلتنا وَبَين من كَانَ مُخَالفا لنا مَا لم يخرج من قبَّة الْإِسْلَام وَعَن حَظِيرَة الْإِيمَان وَلم يسْتَحق عِنْد جَمِيع عُلَمَائِنَا الْكفْر وَقد بَينا من يكفر وَمن لَا يكفر فِي كتَابنَا الموسوم بِكِتَاب الْفَصْل لِأَنَّهُ أملك بِهَذَا الْمَعْنى وَللَّه الْحَمد ولعلماء الْأُصُول من الْمُتَكَلِّمين هُنَا قَول مستغرب عِنْد غَيرهم ق ذكره الإِمَام الْغَزالِيّ فِي الْمُسْتَصْفى حَيْثُ قَالَ المبتدع إِذا خَالف لم ينْعَقد الْإِجْمَاع دونه إِذا لم يكفر بل هُوَ كمجتهد فَاسق وَخلاف الْمُجْتَهد الْفَاسِق مُعْتَبر

стр. 837

فَإِن قيل لَعَلَّه يكذب فِي إِظْهَار الْخلاف وَهُوَ لَا يَعْتَقِدهُ قُلْنَا لَعَلَّه يصدق وَلَا بُد من مُوَافَقَته كَيفَ وَقد نعلم اعْتِقَاد الْفَاسِق بقرائن أَحْوَاله فِي مناظراته واستدلالاته والمبتدع ثِقَة يقبل قَوْله فَإِنَّهُ لَيْسَ يدْرِي أَنه فَاسق أما إِذا كفر ببدعته فَعِنْدَ ذَلِك لَا يعْتَبر خِلَافه وَإِن كَانَ يُصَلِّي إِلَى الْقبْلَة ويعتقد نَفسه مُسلما لِأَن الْأمة لَيست عبارَة عَن الْمُصَلِّين إِلَى الْقبْلَة بل عَن الْمُؤمنِينَ وَهُوَ كَافِر وَإِن كَانَ لَا يدْرِي أَنه كَافِر نعم لَو قَالَ بالتشبيه والتجسيم وكفرناه فَلَا يسْتَدلّ على بطلَان مذْهبه بِإِجْمَاع مخالفيه على بطلَان التجسيم مصيرا إِلَى أَنهم كل الْأمة دونه لِأَن كَونهم كل الْأمة مَوْقُوف على إِخْرَاج هَذَا من الْأمة والإخراج من الْأمة مَوْقُوف على دَلِيل التَّكْفِير فَلَا يجوز أَن يكون دَلِيل تكفيره مَا هُوَ مَوْقُوف على تكفيره فَيُؤَدِّي إِلَى إِثْبَات الشَّيْء بِنَفسِهِ نعم بعد أَن كفرناه بِدَلِيل عَقْلِي لَو خَالف فِي مَسْأَلَة أُخْرَى لم يلْتَفت إِلَيْهِ فَلَو تَابَ وَهُوَ مصر على الْمُخَالفَة فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَة الَّتِي أَجمعُوا عَلَيْهَا فِي حَال كفره فَلَا يلْتَفت إِلَى خِلَافه بعد الإسم لِأَنَّهُ مَسْبُوق بِإِجْمَاع كل الْأمة وَكَانَ المجمعون فِي ذَلِك الْوَقْت كل الْأمة دونه فَصَارَ كَمَا لَو خَالف كَافِر كَافَّة الْأمة ثمَّ أسلم وَهُوَ مصر على ذَلِك الْخلاف فَإِن ذَلِك لَا يلْتَفت إِلَيْهِ / إِلَّا على قَول من يشْتَرط انْقِرَاض الْعَصْر فِي الْإِجْمَاع فَإِن قيل لَو ترك بعض الْفُقَهَاء الْإِجْمَاع بِخِلَاف المبتدع الْمُكَفّر إِذا لم يعلم أَن بدعته توجل الْكفْر وَظن أَن الْإِجْمَاع لَا ينْعَقد دونه فَهَل يعْذر من حَيْثُ أَن الْفُقَهَاء لَا يطلعون على معرفَة مَا يكفر بِهِ من التأويلات قُلْنَا للمسألة صُورَتَانِ إِحْدَاهمَا أَن يَقُول الْفُقَهَاء نَحن لَا نَدْرِي أَن بدعته توجب الْكفْر أم لَا فَفِي هَذِه الصُّورَة لَا يعذرُونَ فِيهِ إِذْ يلْزمهُم مُرَاجعَة عُلَمَاء الْأُصُول وَيجب على الْعلمَاء تعريفهم فَإِذا أفتوا بِكُفْرِهِ فَعَلَيْهِم التَّقْلِيد فَإِن لم يقنعهم التَّقْلِيد فَعَلَيْهِم السُّؤَال عَن الدَّلِيل حَتَّى إِذا ذكر لَهُم دَلِيله قَاطع فَإِن لم يُدْرِكهُ فَلَا

стр. 838

يكون مَعْذُورًا كمن لَا يدْرك دَلِيل صدق الرَّسُول ﷺ فَإِنَّهُ لَا عذر مَعَ نصب الله تَعَالَى الْأَدِلَّة القاطعة الصُّورَة الثَّانِيَة أَن لَا يكون قد بلغته بدعته وعقيدته فَترك الْإِجْمَاع لمُخَالفَته فَهُوَ مَعْذُور فِي خطئه وَغير مؤاخذ بِهِ وَكَأن الْإِجْمَاع لم ينتهض فِي حَقه كَمَا إِذا لم يبلغهُ الدَّلِيل النَّاسِخ لِأَنَّهُ غير مَنْسُوب إِلَى تَقْصِير بِخِلَاف الصُّورَة الأولى فَإِنَّهُ قَادر على الْمُرَاجَعَة والبحث فَلَا عذر لَهُ فِي تَركه ثمَّ ذكر أَن للمرء طَرِيقا لمعْرِفَة مَا يكفر بِهِ غير أَن الْخطب فِي ذَلِك طَوِيل وَأَنه قد أَشَارَ إِلَى شَيْء مِنْهُ فِي كِتَابه فيصل التَّفْرِقَة بَين الْإِسْلَام والزندقة الْفَائِدَة الْحَادِيَة عشرَة الْقُرْآن هُوَ الإِمَام الْمُبين الَّذِي لَا تنزل بِأحد فِي الدّين نازلة إِلَّا وَفِيه الدَّلِيل على سَبِيل الْهدى فِيهِ قَالَ تَعَالَى ﴿مَا فرطنا فِي الْكتاب من شَيْء﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وأنزلنا إِلَيْك الذّكر لتبين للنَّاس مَا نزل إِلَيْهِم ولعلهم يتفكرون﴾ قَالَ بعض الْأَئِمَّة جَمِيع مَا حكم بِهِ النَّبِي ﷺ فَهُوَ مِمَّا فهمه من الْقُرْآن وَقَالَ بعض عُلَمَاء الْأُصُول مَا قَالَ النَّبِي ﷺ من شَيْء فَهُوَ فِي الْقُرْآن أَو فِيهِ أَصله قرب أَو بعد فهمه من فهمه وَعَمه عَنهُ من عَمه وَكَذَا كل مَا حكم بِهِ أَو قضي بِهِ وَإِنَّمَا يدْرك الطَّالِب من ذَلِك بِقدر اجْتِهَاده وبذل وَسعه وَمِقْدَار فهمه وَقَالَ سعيد بن جُبَير مَا بَلغنِي حَدِيث عَن رَسُول الله ﷺ على وَجهه إِلَّا وجدت مصداقة فِي كتاب الله

стр. 839

وَقد اتّفقت الْفرق المتتمية إِلَى الْإِسْلَام على وجوب الْأَخْذ بِالْكتاب وَالسّنة وَنقل عَن الْخَوَارِج أَنهم لَا يَأْخُذُونَ من السّنة بِمَا يكون مُخَالفا مَا لظَاهِر الْقُرْآن كَأَن يكون فِيهَا تَخْصِيص لما فِيهِ من الْعُمُوم وَنَحْو ذَلِك وَإِنَّمَا يَأْخُذُونَ مِنْهَا بِمَا كَانَ فِيهِ بَيَان لما أجمل فِي الْقُرْآن وَذَلِكَ كأوقات الصَّلَاة وَعدد ركعاتها وَنَحْو ذَلِك وَقد توقف بعض الْمُحَقِّقين فِي هَذَا النَّقْل حَيْثُ أَن الموردين لَهُ لم يذكرُوا أَنهم نقلوه من كتبهمْ على أَن الْفرق كلهَا قَلما يطمأن لما يَنْقُلهُ بَعضهم عَن بعض لِأَن كثيرا مِنْهُم قد يغلب عَلَيْهِ التعصب فَلَا ينْقل مَذْهَب الْمُخَالفين لَهُ على وَجهه بل رُبمَا كَانَ جلّ قَصده إِظْهَار الْفرق بَين الْفرق وَلَو كَانَ بِأَمْر مُخْتَلف وَلذَا قل الاطمئنان لى كثير مِمَّا يذكر فِي كتب الْملَل والنحل حَتَّى إِن بعض من ألفوا فِيهَا مَعَ كَونهم فِي أنفسهم ثِقَات لما اعتمدوا فِي بعض الْمَوَاضِع على مَا نَقله غَيرهم مِمَّن كَانَ من أهل التعصب وَلم يشعروا بحالهم وَقع فِي كَلَامهم هُنَاكَ زلل فَيَنْبَغِي الانتباه لمثل هَذَا الْأَمر وَكَيف يتَوَقَّف عَن الْأَخْذ بِسنة النَّبِي ﷺ مُطلقًا من يَأْخُذ بِالْكتاب / الْمنزل عَلَيْهِ وَهُوَ يَتْلُو مَا فِيهِ من الْآيَات الدَّالَّة على وجوب اتِّبَاعه قَالَ الله تَعَالَى ﴿والنجم إِذا هوى مَا ضل صَاحبكُم وَمَا غوى وَمَا ينْطق عَن الْهوى إِن هُوَ إِلَّا وَحي يُوحى﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿من يطع الرَّسُول فقد أطَاع الله﴾ وَقَالَ (فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوك فِيمَا شجر بَينهم ثمَّ لَا يَجدوا فِي أنفسهم حرجا مِمَّا قضيت ويسلموا تَسْلِيمًا) والآيات فِي هَذَا الْمَعْنى كَثِيرَة وَهِي صَرِيحَة ظَاهِرَة الدّلَالَة وَمن ثمَّ ترى كل فرقة تَدعِي أَنَّهَا آخذة بِالْكتاب وَالسّنة وَأَشد الْفرق ادِّعَاء

стр. 840

لذَلِك الظاهرون غير أَنهم لم يقتصروا على ذَلِك بل نسبوا غَيرهم من الْفرق إِلَى الْإِعْرَاض عَن السّنة حَتَّى لم ينج مِنْهُم كثير مِمَّن يرجع إِلَيْهِ فِي علم الحَدِيث وَأَكْثرُوا من التشنيع وَأعظم الْأَسْبَاب قَول مخالفيهم بِالْقِيَاسِ وهم ينكرونه إنكارا شَدِيدا وَأَشد الْقَوْم إفراطا فِي ذمّ الْمُخَالفين لَهُم ابْن حزم فَإِن لَهُ فيهم أقوالا تستك مِنْهَا المسامع وَقد امتعض من ذَلِك من ذَلِك مخالفوهم فوصفوهم بالجمود وجعلوهم فِي بَاب الْإِجْمَاع بِمَنْزِلَة الْعَوام الَّذين لَا يعْتد بخرفهم حَتَّى إِن بَعضهم لم يسْتَثْن من ذَلِك من ينْسب إِلَيْهِ هَذَا الْمَذْهَب وَهُوَ الإِمَام الْمَشْهُور أَبُو سُلَيْمَان دَاوُد بن عَليّ الْأَصْفَهَانِي الْمَعْرُوف بالظاهري قَالَ بعض عُلَمَاء الْأُصُول لَا يعْتد بِخِلَاف من أنكر الْقيَاس لِأَن من أنكرهُ لَا يعرف طرق الِاجْتِهَاد وَإِنَّمَا هُوَ ممتسك بالظواهر فَهُوَ كالعامي الَّذِي لَا معرفَة لَهُ وَهُوَ مَذْهَب الْجُمْهُور وَقَالَ بعض الْفُقَهَاء إِن مُخَالفَة دَاوُد لَا تقدح فِي انْعِقَاد الْإِجْمَاع على الْمُخْتَار الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ والمحققون وَقَالَ صَاحب الْمُفْهم قَالَ جلّ الْفُقَهَاء والأصوليين إِنَّه لَا يعْتد بخلافهم بل هم جملَة الْعَوام وَإِن من اعْتد بهم فَإِنَّمَا ذَلِك لِأَن مذْهبه يعْتَبر خلاف الْعَوام فِي انْعِقَاد الْإِجْمَاع وَالْحق خِلَافه وَقد استنكر بعض أهل الْأُصُول القَوْل بِعَدَمِ الِاعْتِدَاد بقول دَاوُد فِي الْإِجْمَاع مَعَ أَنه كَانَ فِي الدرجَة الْعليا فِي سَعَة الْعلم وسداد النّظر وَمَعْرِفَة أَقْوَال الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَالْقُدْرَة على الاستنباط مَعَ الزّهْد والورع وَقد دونت كتبه وَكَثُرت أَتْبَاعه وَقد بلغ مَا أَلفه ثَمَانِيَة عشر ألف ورقة وَكَانَ مولده بِالْكُوفَةِ ومنشأه بِبَغْدَاد وَبهَا توفّي سنة ٢٧٠ وَقد تصدى ابْن حزم لبَيَان من يعْذر فِي الْخَطَأ فِي هَذَا الْموضع وَمن لَا يعْذر وَقد أحببنا أَن نورد نبذا مِمَّا ذكره ليطلع عَلَيْهِ من يُرِيد الْوَقْف على رَأْيه فِي هَذِه الْمَسْأَلَة المهعمة وَهَا هُوَ ذَلِك

стр. 841

قَالَ فِي الْبَاب الموفي أَرْبَعِينَ من كتاب الإحكام لأصول الْأَحْكَام وَهُوَ آخر الْكتاب إِن أَحْكَام الشَّرِيعَة كلهَا قد بَينهَا الله تَعَالَى بِلَا خلاف فَهِيَ كلهَا مَضْمُونَة الْوُجُود لعامة الْعلمَاء وَإِن تعذر وجود بَعْضهَا على بعض النَّاس فمحال أَن يتَعَذَّر وجوده على كلهم لِأَن الله لَا يكلفنا مَا لَيْسَ فِي وسعنا قَالَ تَعَالَى ﴿لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا جعل عَلَيْكُم فِي الدّين من حرج﴾ وتكليف إِصَابَة مَا لَا سَبِيل إِلَى وجود حرج وَقد اتّفق الْعلمَاء على أَن الْقُرْآن وَالسّنَن مَوَاضِع لوُجُود أَحْكَام النَّوَازِل ثمَّ اخْتلفُوا فَقَالَت طَائِفَة لَا مَوضِع آلبته لطلب حكم النَّوَازِل من الشَّرِيعَة وَلَا لوُجُوده غير ذَلِك وَقَالَ آخَرُونَ بل هَا هُنَا مَوَاضِع أخر يطْلب فِيهَا حكم النَّازِلَة وَهِي دَلِيل الْخطاب وَالْقِيَاس وَقَول أَكثر / الْعلمَاء وَعمل أهل الْمَدِينَة وَغير ذَلِك مِمَّا شرحناه وَبينا حكمه فِيمَا سلف من كتَابنَا هَذَا وَقد كَانَت فِي ذَلِك أَقْوَال لقوم من أهل الْكَلَام قد درست مثل قَول بَعضهم الْوَاجِب أَن يُقَال بِأول مَا يَقع فِي النَّفس فِي أول الْفِكر وَقَول بَعضهم الْوَاجِب أَن يُقَال بالأثقل لِأَنَّهُ خلاف الْهوى وَقَول بَعضهم الْوَاجِب أَن يُقَال بالأخف لقَوْله تَعَالَى ﴿يُرِيد الله بكم الْيُسْر وَلَا يُرِيد بكم الْعسر﴾ وَهَذِه أَقْوَال فَاسِدَة يُعَارض بَعْضهَا بَعْضًا وكل مَا ألزمنا الله فَهُوَ يسر وَإِن ثقل علينا وكل شَرِيعَة نكلف بهَا فَهِيَ خلاف الْهوى لِأَن تَركهَا كَانَ مُوَافقا للهوى وَمَا يَقع فِي أَوَائِل الْفِكر قد يكون من قبيل الوسواس فَلَا لَازم لنا إِلَّا مَا ألزمنا الله تَعَالَى سَوَاء وَقع فِي النَّفس أَو لم يَقع وساء كَانَ أخف أَو أثقل وَقد أوضحنا فِيمَا سلف الْبَرَاهِين الضرورية على ان الْحق لَا يكون فِي قَوْلَيْنِ مُخْتَلفين فِي حكم وَاحِد فِي وَقت وَاحِد فِي إِنْسَان وَاحِد فِي وَجه وَاحِد ونتوقف

стр. 842

فِيمَا لم يقم على حكمه عندنَا دَلِيل وَمَا كَانَ بِهَذِهِ الصّفة فَلَا تحل الْفتيا فِيهِ لمن لم يلح لَهُ وَجهه وَلَا شكّ أَن عِنْد غَيرنَا بَيَان مَا جهلناه كَمَا ان عندنَا بَيَان كثير مِمَّا جَهله غَيرنَا وَلم يعر بشر من نقص أَو نِسْيَان أَو غَفلَة وَإِذا قَامَ الْبُرْهَان عِنْد الْمَرْء على صِحَة قَول مَا قيَاما صَحِيحا فحقه التدين بِهِ والفتيا بِهِ وَالْعَمَل بِهِ وَالدُّعَاء إِلَيْهِ وَالْقطع بِأَنَّهُ الْحق عِنْد الله وَلَيْسَ من هَذَا الحكم بِشَهَادَة العدلين وهما قد يكونَانِ فِي بَاطِن أَمرهمَا عِنْد الله كاذبين أَو مغفلين إِذْ لم يكلفنا الله تَعَالَى معرفَة بَاطِن مَا سهدا بِهِ لَكِن كلفنا الحكم بِشَهَادَتِهِمَا وَقد علمنَا أَنه لَا يُمكن أَن يخفى الْحق فِي الدّين على جَمِيع الْمُسلمين بل لَا بُد أَن يَقع طَائِفَة من الْعلمَاء على صِحَة حكمه بِيَقِين لما قدمنَا من أَن الدّين مَضْمُون بَيَانه وَرفع الْإِشْكَال عَنهُ بقول الله تَعَالَى ﴿تبيانا لكل شَيْء﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لتبين للنَّاس مَا نزل إِلَيْهِم﴾ وَلَكِن قد قَالَ الله تَعَالَى (وَلَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح فِيمَا أخطأتم بِهِ وَلَكِن مَا تَعَمّدت قُلُوبكُمْ) فصح بِالنَّصِّ أَن الْخَطَأ مَرْفُوع عَنَّا فَمن حكم بقول وَلم يعرف أَنه خطأ وَهُوَ عِنْد الله تَعَالَى خطأ فقد أَخطَأ وَلم يتَعَمَّد الحكم بِمَا يدْرِي أَنه خطأ فَهَذَا لَا جنَاح عَلَيْهِ فِي ذَلِك عِنْد الله تَعَالَى ﴿تبيانا لكل شَيْء﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى [لتبين للنَّاس مَا نزل إِلَيْهِم) وَلَكِن قد قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح فِيمَا أخطأتم بِهِ وَلَكِن مَا تَعَمّدت قُلُوبكُمْ﴾ فصح بِالنَّصِّ أَن الْخَطَأ مَرْفُوع عَنَّا فَمن حكم بقول وَلم يعرف أَنه خطأ وَهُوَ عِنْد الله تَعَالَى خطأ فقد أَخطَأ وَلم يتَعَمَّد الحكم بِمَا يدْرِي أَنه خطأ فَهَذَا لَا جنَاح عَلَيْهِ فِي ذَلِك عِنْد الله تَعَالَى وَهَذِه الْآيَة عُمُوم دخل فِيهِ الْمفْتُون والحكام والعاملون والمعتقدون فارتفع الْجنَاح عَن هَؤُلَاءِ بِنَصّ الْقُرْآن فِيمَا قَالُوهُ أَو علمُوا بِهِ مِمَّا هم مخطئون فِيهِ وَصَحَّ أَن الْجنَاح إِنَّمَا هُوَ على من تعمد بِقَلْبِه الْفتيا أَو التدين أَو الحكم أَو الْعَمَل بِمَا يدْرِي أَنه لَيْسَ حَقًا أَو بِمَا لم يقدره إِلَيْهِ دَلِيل أصلا وَمن جَاءَهُ من ربه الْهدى وَهُوَ الْبُرْهَان الْحق فَلَا يحل لَهُ تَركه وَاتِّبَاع مَا هويت نَفسه وَظن أَنه الْحق وَسَوَاء فِي هَذَا الْمقَام عَلَيْهِ الْبُرْهَان فِي فتياه أَو فِي معتقده فِي

стр. 843

اعتزاله أَو تشيعه أَو إرجائه أَو شرايته وَمن جوز الشَّك فِي الْبُرْهَان وَتَمَادَى على مُخَالفَته وَقطع بظنه فِي أَنه لَعَلَّ هُنَا برهانا آخر يبطل هَذَا الْبُرْهَان الَّذِي أقيم عَلَيْهِ فَهَذَا مُبْطل للحقائق كلهَا وَقَوله يَقُود إِلَى ان لَا يُحَقّق شَيْئا من الشَّرَائِع إِلَّا بِالظَّنِّ فَقَط وَأما من اعْتقد قولا اتبَاعا لمن نَشأ بَينهم فَهُوَ مَذْمُوم صَادف الْحق أَو لم يصادفه لِأَنَّهُ لم يَقْصِدهُ من حَيْثُ أَمر من اتِّبَاع النُّصُوص وَمن قَالَ إِن هَذِه الْآيَة أَو الْخَبَر قد نسخهما الله أَو خصهما أَو خص مِنْهُمَا أَو لم يلْزمنَا أَو أَرَادَ بهما غير مَا يفهم مِنْهُمَا وَلم يَأْتِ على دَعْوَاهُ بِنَصّ صَحِيح فقد قَالَ على الله مَا لم يعلم وَلَيْسَ هُوَ كمن تعلق بِنَصّ لم يبلغهُ ناسخة وَلَا مَا خصّه وَلَا مَا زيد / بِهِ عَلَيْهِ لِأَن هَذَا قد أحسن وَلزِمَ مَا بلغه وَلَيْسَ عَلَيْهِ غير ذَلِك حَتَّى يبلغهُ خِلَافه من نَص آخر فَمن لم يتَعَلَّق بِشَيْء أصلا بل تحكم فِي الدّين فَهُوَ على خطر عَظِيم جدا وَمن قَالَ بِهَذَا مِمَّن نشاهده وهلا سَاهِيا غير عَارِف بِمَا اقتحم فِيهِ من الدَّعْوَى فَهُوَ مَعْذُور بجهله مَا لم يُنَبه على خطئه فَإِن نبه عَلَيْهِ فَثَبت على خلاف مَا بلغه عَامِدًا فَهَذَا غير مَعْذُور لِأَنَّهُ خَالف الْحق بعد بُلُوغه إِلَيْهِ وَأما من رُوِيَ عَنهُ شَيْء من ذَلِك مِمَّن سلف مِمَّن كَانَ أَن يظنّ بِهِ أَنه سمع فِي ذَلِك نصا لَهُ فِيهِ وَهُوَ مِمَّن يظنّ بِهِ أحسن الظَّن فَهُوَ مَعْذُور وَلَا يَقِين عندنَا أَنه تحكم فِي الدّين بِلَا شُبْهَة دخلت عَلَيْهِ وَأما من شَاهَدْنَاهُ أَو لم نشاهده مِمَّن صَحَّ عندنَا يَقِين حَاله فَنحْن على يَقِين أَنه لَيْسَ عِنْده فِي ذَلِك أَكثر من الدَّعْوَى وَالْقَوْل على الله تَعَالَى بِمَا لَا يعلم وَمن ادّعى فِي حَدِيث صَحِيح قد أقرّ بِصِحَّتِهِ أَو بِصِحَّة مثله فِي إِسْنَاده نسخا أَو تَخْصِيصًا أَو تَخْصِيصًا مِنْهُ أَو ندبا فَكَمَا قُلْنَا فِي مدعي ذَلِك فِي الْآيَات وَلَا فرق وَمن تعلق بقول لم يجد فِيهِ مُخَالفا وَلم يقطع بِأَنَّهُ إِجْمَاع فَهَذَا إِن ترك لذَلِك

стр. 844

عُمُوم نَص صَحِيح أَو خُصُوص نَص صَحِيح فمعذور مأجور مرّة وَإِن خطأ مَا لم يُوقف على ذَلِك النَّص فَإِن وقف عَلَيْهِ فتمادى على خِلَافه فَهُوَ مِمَّن تَمَادى على مُخَالفَة أَمر الله تَعَالَى وَمن تعلق بِدَلِيل الْحطاب أَو الْقيَاس فَهُوَ مخطيء يَقِينا إِلَّا انه مَعْذُور مأجور مرّة مَا لم تقم الْحجَّة عَلَيْهِ فِي بطلانهما وَمن تعلق بِالرَّأْيِ فَظن أَنه مُصِيب فِي ذَلِك فَهُوَ مَعْذُور مأجور مرّة إِلَّا أَن تقوم عَلَيْهِ الْحجَّة بِبُطْلَانِهِ فَإِن قَامَت عَلَيْهِ الْحجَّة بِبُطْلَانِهِ فَثَبت على القَوْل بِهِ فَهُوَ مِمَّن يحكم فِي الدّين بِمَا لم يَأْذَن بِهِ الله تَعَالَى وَالْحكم بِالرَّأْيِ أَضْعَف من كل مَا تقدم وَقد تعلق الْقَائِلُونَ بِهِ بِالْحَدِيثِ الْمَنْسُوب إِلَى معَاذ وَهُوَ حَدِيث واه سَاقِط وَأما الْوُجُوه الَّتِي لَا نقطع فِيهَا بخطأ مخالفنا بل نقُول نَحن على الْحق عِنْد أَنْفُسنَا ومخالفنا عندنَا مخطيء مأجور فَثَلَاثَة الْوَجْه الأول وَهُوَ أدق ذَلِك وأغمضه ان ترد آيتان عامتان أَو حديثان صَحِيحَانِ عامان أَو آيَة عَامَّة وَحَدِيث صَحِيح عَام وَفِي كل وَاحِدَة من الْآيَتَيْنِ أَو فِي كل وَاحِد من الْحَدِيثين أَو فِي كل وَاحِد من الْآيَة والْحَدِيث تَخْصِيص لبَعض مَا فِي عُمُوم النَّص الآخر مِنْهُمَا وَذَلِكَ كَقَوْل رَسُول الله ﷺ لَا صَلَاة لمن لم يقْرَأ بِأم الْقُرْآن مَعَ قَوْله وَقد ذكر الإِمَام وَإِذا قَرَأَ فأنصتوا الْوَجْه الثَّانِي أَن يرد حديثان صَحِيحَانِ متعارضان أَو آيتان متعارضتان أَو آيَة مُعَارضَة لحَدِيث صَحِيح تَعَارضا متقاوما فِي أحد النصين منع وَفِي الثَّانِي إِيجَاب فِي ذَلِك الشَّيْء بِعَيْنِه لَا زِيَادَة فِي أحد النصين منع وَفِي الثَّانِي إِيجَاب فِي ذَلِك الشَّيْء بِعَيْنِه لَا زِيَادَة فِي أحد النصين على الآخر وَلَا بَيَان فِي أَيهمَا

стр. 845

النَّاسِخ من الْمَنْسُوخ كالنص الْوَارِد أَن رَسُول الله ﷺ شرب قَائِما وَالنَّص الْوَارِد أَنه ﵊ نهى عَن الشّرْب قَائِما فَإِن من ترك الْخَبَرَيْنِ مَعًا وَرجع إِلَى الأَصْل الَّذِي كَانَ يجب لَو لم يرد ذَلِك الخبران أَو رجح أحد الْخَبَرَيْنِ على الْمعَارض لَهُ بِكَثْرَة رُوَاته أَو بِأَنَّهُ رَوَاهُ من هُوَ أعدل مِمَّن روى الآخر وأحفظ وَمَا أشبه هَذَا من وُجُوه الترجيحات الَّتِي أوردناها فِي بَاب الْكَلَام فِي الْأَخْبَار / من ديواننا هَذَا وَبَيَان وُجُوه الصَّوَاب مِنْهَا من الْخَطَأ فَإِن هَذَا أَيْضا مَكَان يخفى بَيَان الْخَطَأ فِيهِ جدا وَأما نَحن فَنَقُول بِالْأَخْذِ بِالزَّائِدِ شرعا إِلَّا أننا نقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق إِن من مَال إِلَى أحد هَذِه الْوُجُوه فِي مَكَان م تَركه فِي مثل ذَلِك الْمَكَان واخذ بِالْوَجْهِ الآخر مُقَلدًا أَو مستحسنا فَمَا دَامَ لم يُوقف على تناقضه وَفَسَاد حكمه فمعذور مأجور حَتَّى إِذا وقف على ذَلِك فتمادى فَهُوَ مُتبع لهواه الْوَجْه الثَّالِث ان يتَعَلَّق بِحَدِيث ضَعِيف لم يتَبَيَّن لَهُ ضعفه أَو بِحَدِيث مُرْسل أَو ادّعى تجريحا فِي رَاوِي حَدِيث صَحِيح إِمَّا بتدليس أَو نَحوه أَو ادّعى أَن النَّاقِل أَخطَأ فِيهِ فَمن اعْتقد صِحَة مَا ذكر من ذَلِك فَهُوَ مَعْذُور مأجور فَإِذا ترك فِي مَكَان آخر مثل ذَلِك الحَدِيث أَو رد مُرْسلا آخر إرْسَاله فَقَط وَأخذ بِحَدِيث آخر فِيهِ من التَّعْلِيل كَمَا فِي الَّذِي قد رده فِي مَكَان آخر ووقف على ذَلِك - فتمادى - فَهُوَ مُتبع لهواه لإقدامه على الحكم فِي الدّين بِمَا قد سهد لِسَانه بِبُطْلَانِهِ وَإِن لم نقطع بِأَنَّهُ مخطيء لِإِمْكَان أَن يكون قد صَادف الْحق فَإِن قَالَ قَائِل كَيفَ تَقولُونَ فِيمَن بلغه نَص قُرْآن أَو سنة صَحِيحَة بِخَبَر لَيْسَ من بَاب الْأَمر إِلَّا أَنه قد جَاءَ ذَلِك الْخَبَر فِي نَص آخر باستثناء مِنْهُ أَو زِيَادَة عَلَيْهِ وَلم يبلغهُ النَّص الثَّانِي فجوابنا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق أَن هَذَا بِخِلَاف الْأَمر لِأَن الْأَوَامِر قد ترد نَاسِخا
следующие страницы →