← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 5981

توجيه النظر إلى أصول الأثر

طاهر الجزائري

Полный текст (855 стр.). Показаны 841–855 · переход к 846.

стр. 841

قَالَ فِي الْبَاب الموفي أَرْبَعِينَ من كتاب الإحكام لأصول الْأَحْكَام وَهُوَ آخر الْكتاب إِن أَحْكَام الشَّرِيعَة كلهَا قد بَينهَا الله تَعَالَى بِلَا خلاف فَهِيَ كلهَا مَضْمُونَة الْوُجُود لعامة الْعلمَاء وَإِن تعذر وجود بَعْضهَا على بعض النَّاس فمحال أَن يتَعَذَّر وجوده على كلهم لِأَن الله لَا يكلفنا مَا لَيْسَ فِي وسعنا قَالَ تَعَالَى ﴿لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا جعل عَلَيْكُم فِي الدّين من حرج﴾ وتكليف إِصَابَة مَا لَا سَبِيل إِلَى وجود حرج وَقد اتّفق الْعلمَاء على أَن الْقُرْآن وَالسّنَن مَوَاضِع لوُجُود أَحْكَام النَّوَازِل ثمَّ اخْتلفُوا فَقَالَت طَائِفَة لَا مَوضِع آلبته لطلب حكم النَّوَازِل من الشَّرِيعَة وَلَا لوُجُوده غير ذَلِك وَقَالَ آخَرُونَ بل هَا هُنَا مَوَاضِع أخر يطْلب فِيهَا حكم النَّازِلَة وَهِي دَلِيل الْخطاب وَالْقِيَاس وَقَول أَكثر / الْعلمَاء وَعمل أهل الْمَدِينَة وَغير ذَلِك مِمَّا شرحناه وَبينا حكمه فِيمَا سلف من كتَابنَا هَذَا وَقد كَانَت فِي ذَلِك أَقْوَال لقوم من أهل الْكَلَام قد درست مثل قَول بَعضهم الْوَاجِب أَن يُقَال بِأول مَا يَقع فِي النَّفس فِي أول الْفِكر وَقَول بَعضهم الْوَاجِب أَن يُقَال بالأثقل لِأَنَّهُ خلاف الْهوى وَقَول بَعضهم الْوَاجِب أَن يُقَال بالأخف لقَوْله تَعَالَى ﴿يُرِيد الله بكم الْيُسْر وَلَا يُرِيد بكم الْعسر﴾ وَهَذِه أَقْوَال فَاسِدَة يُعَارض بَعْضهَا بَعْضًا وكل مَا ألزمنا الله فَهُوَ يسر وَإِن ثقل علينا وكل شَرِيعَة نكلف بهَا فَهِيَ خلاف الْهوى لِأَن تَركهَا كَانَ مُوَافقا للهوى وَمَا يَقع فِي أَوَائِل الْفِكر قد يكون من قبيل الوسواس فَلَا لَازم لنا إِلَّا مَا ألزمنا الله تَعَالَى سَوَاء وَقع فِي النَّفس أَو لم يَقع وساء كَانَ أخف أَو أثقل وَقد أوضحنا فِيمَا سلف الْبَرَاهِين الضرورية على ان الْحق لَا يكون فِي قَوْلَيْنِ مُخْتَلفين فِي حكم وَاحِد فِي وَقت وَاحِد فِي إِنْسَان وَاحِد فِي وَجه وَاحِد ونتوقف

стр. 842

فِيمَا لم يقم على حكمه عندنَا دَلِيل وَمَا كَانَ بِهَذِهِ الصّفة فَلَا تحل الْفتيا فِيهِ لمن لم يلح لَهُ وَجهه وَلَا شكّ أَن عِنْد غَيرنَا بَيَان مَا جهلناه كَمَا ان عندنَا بَيَان كثير مِمَّا جَهله غَيرنَا وَلم يعر بشر من نقص أَو نِسْيَان أَو غَفلَة وَإِذا قَامَ الْبُرْهَان عِنْد الْمَرْء على صِحَة قَول مَا قيَاما صَحِيحا فحقه التدين بِهِ والفتيا بِهِ وَالْعَمَل بِهِ وَالدُّعَاء إِلَيْهِ وَالْقطع بِأَنَّهُ الْحق عِنْد الله وَلَيْسَ من هَذَا الحكم بِشَهَادَة العدلين وهما قد يكونَانِ فِي بَاطِن أَمرهمَا عِنْد الله كاذبين أَو مغفلين إِذْ لم يكلفنا الله تَعَالَى معرفَة بَاطِن مَا سهدا بِهِ لَكِن كلفنا الحكم بِشَهَادَتِهِمَا وَقد علمنَا أَنه لَا يُمكن أَن يخفى الْحق فِي الدّين على جَمِيع الْمُسلمين بل لَا بُد أَن يَقع طَائِفَة من الْعلمَاء على صِحَة حكمه بِيَقِين لما قدمنَا من أَن الدّين مَضْمُون بَيَانه وَرفع الْإِشْكَال عَنهُ بقول الله تَعَالَى ﴿تبيانا لكل شَيْء﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لتبين للنَّاس مَا نزل إِلَيْهِم﴾ وَلَكِن قد قَالَ الله تَعَالَى (وَلَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح فِيمَا أخطأتم بِهِ وَلَكِن مَا تَعَمّدت قُلُوبكُمْ) فصح بِالنَّصِّ أَن الْخَطَأ مَرْفُوع عَنَّا فَمن حكم بقول وَلم يعرف أَنه خطأ وَهُوَ عِنْد الله تَعَالَى خطأ فقد أَخطَأ وَلم يتَعَمَّد الحكم بِمَا يدْرِي أَنه خطأ فَهَذَا لَا جنَاح عَلَيْهِ فِي ذَلِك عِنْد الله تَعَالَى ﴿تبيانا لكل شَيْء﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى [لتبين للنَّاس مَا نزل إِلَيْهِم) وَلَكِن قد قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح فِيمَا أخطأتم بِهِ وَلَكِن مَا تَعَمّدت قُلُوبكُمْ﴾ فصح بِالنَّصِّ أَن الْخَطَأ مَرْفُوع عَنَّا فَمن حكم بقول وَلم يعرف أَنه خطأ وَهُوَ عِنْد الله تَعَالَى خطأ فقد أَخطَأ وَلم يتَعَمَّد الحكم بِمَا يدْرِي أَنه خطأ فَهَذَا لَا جنَاح عَلَيْهِ فِي ذَلِك عِنْد الله تَعَالَى وَهَذِه الْآيَة عُمُوم دخل فِيهِ الْمفْتُون والحكام والعاملون والمعتقدون فارتفع الْجنَاح عَن هَؤُلَاءِ بِنَصّ الْقُرْآن فِيمَا قَالُوهُ أَو علمُوا بِهِ مِمَّا هم مخطئون فِيهِ وَصَحَّ أَن الْجنَاح إِنَّمَا هُوَ على من تعمد بِقَلْبِه الْفتيا أَو التدين أَو الحكم أَو الْعَمَل بِمَا يدْرِي أَنه لَيْسَ حَقًا أَو بِمَا لم يقدره إِلَيْهِ دَلِيل أصلا وَمن جَاءَهُ من ربه الْهدى وَهُوَ الْبُرْهَان الْحق فَلَا يحل لَهُ تَركه وَاتِّبَاع مَا هويت نَفسه وَظن أَنه الْحق وَسَوَاء فِي هَذَا الْمقَام عَلَيْهِ الْبُرْهَان فِي فتياه أَو فِي معتقده فِي

стр. 843

اعتزاله أَو تشيعه أَو إرجائه أَو شرايته وَمن جوز الشَّك فِي الْبُرْهَان وَتَمَادَى على مُخَالفَته وَقطع بظنه فِي أَنه لَعَلَّ هُنَا برهانا آخر يبطل هَذَا الْبُرْهَان الَّذِي أقيم عَلَيْهِ فَهَذَا مُبْطل للحقائق كلهَا وَقَوله يَقُود إِلَى ان لَا يُحَقّق شَيْئا من الشَّرَائِع إِلَّا بِالظَّنِّ فَقَط وَأما من اعْتقد قولا اتبَاعا لمن نَشأ بَينهم فَهُوَ مَذْمُوم صَادف الْحق أَو لم يصادفه لِأَنَّهُ لم يَقْصِدهُ من حَيْثُ أَمر من اتِّبَاع النُّصُوص وَمن قَالَ إِن هَذِه الْآيَة أَو الْخَبَر قد نسخهما الله أَو خصهما أَو خص مِنْهُمَا أَو لم يلْزمنَا أَو أَرَادَ بهما غير مَا يفهم مِنْهُمَا وَلم يَأْتِ على دَعْوَاهُ بِنَصّ صَحِيح فقد قَالَ على الله مَا لم يعلم وَلَيْسَ هُوَ كمن تعلق بِنَصّ لم يبلغهُ ناسخة وَلَا مَا خصّه وَلَا مَا زيد / بِهِ عَلَيْهِ لِأَن هَذَا قد أحسن وَلزِمَ مَا بلغه وَلَيْسَ عَلَيْهِ غير ذَلِك حَتَّى يبلغهُ خِلَافه من نَص آخر فَمن لم يتَعَلَّق بِشَيْء أصلا بل تحكم فِي الدّين فَهُوَ على خطر عَظِيم جدا وَمن قَالَ بِهَذَا مِمَّن نشاهده وهلا سَاهِيا غير عَارِف بِمَا اقتحم فِيهِ من الدَّعْوَى فَهُوَ مَعْذُور بجهله مَا لم يُنَبه على خطئه فَإِن نبه عَلَيْهِ فَثَبت على خلاف مَا بلغه عَامِدًا فَهَذَا غير مَعْذُور لِأَنَّهُ خَالف الْحق بعد بُلُوغه إِلَيْهِ وَأما من رُوِيَ عَنهُ شَيْء من ذَلِك مِمَّن سلف مِمَّن كَانَ أَن يظنّ بِهِ أَنه سمع فِي ذَلِك نصا لَهُ فِيهِ وَهُوَ مِمَّن يظنّ بِهِ أحسن الظَّن فَهُوَ مَعْذُور وَلَا يَقِين عندنَا أَنه تحكم فِي الدّين بِلَا شُبْهَة دخلت عَلَيْهِ وَأما من شَاهَدْنَاهُ أَو لم نشاهده مِمَّن صَحَّ عندنَا يَقِين حَاله فَنحْن على يَقِين أَنه لَيْسَ عِنْده فِي ذَلِك أَكثر من الدَّعْوَى وَالْقَوْل على الله تَعَالَى بِمَا لَا يعلم وَمن ادّعى فِي حَدِيث صَحِيح قد أقرّ بِصِحَّتِهِ أَو بِصِحَّة مثله فِي إِسْنَاده نسخا أَو تَخْصِيصًا أَو تَخْصِيصًا مِنْهُ أَو ندبا فَكَمَا قُلْنَا فِي مدعي ذَلِك فِي الْآيَات وَلَا فرق وَمن تعلق بقول لم يجد فِيهِ مُخَالفا وَلم يقطع بِأَنَّهُ إِجْمَاع فَهَذَا إِن ترك لذَلِك

стр. 844

عُمُوم نَص صَحِيح أَو خُصُوص نَص صَحِيح فمعذور مأجور مرّة وَإِن خطأ مَا لم يُوقف على ذَلِك النَّص فَإِن وقف عَلَيْهِ فتمادى على خِلَافه فَهُوَ مِمَّن تَمَادى على مُخَالفَة أَمر الله تَعَالَى وَمن تعلق بِدَلِيل الْحطاب أَو الْقيَاس فَهُوَ مخطيء يَقِينا إِلَّا انه مَعْذُور مأجور مرّة مَا لم تقم الْحجَّة عَلَيْهِ فِي بطلانهما وَمن تعلق بِالرَّأْيِ فَظن أَنه مُصِيب فِي ذَلِك فَهُوَ مَعْذُور مأجور مرّة إِلَّا أَن تقوم عَلَيْهِ الْحجَّة بِبُطْلَانِهِ فَإِن قَامَت عَلَيْهِ الْحجَّة بِبُطْلَانِهِ فَثَبت على القَوْل بِهِ فَهُوَ مِمَّن يحكم فِي الدّين بِمَا لم يَأْذَن بِهِ الله تَعَالَى وَالْحكم بِالرَّأْيِ أَضْعَف من كل مَا تقدم وَقد تعلق الْقَائِلُونَ بِهِ بِالْحَدِيثِ الْمَنْسُوب إِلَى معَاذ وَهُوَ حَدِيث واه سَاقِط وَأما الْوُجُوه الَّتِي لَا نقطع فِيهَا بخطأ مخالفنا بل نقُول نَحن على الْحق عِنْد أَنْفُسنَا ومخالفنا عندنَا مخطيء مأجور فَثَلَاثَة الْوَجْه الأول وَهُوَ أدق ذَلِك وأغمضه ان ترد آيتان عامتان أَو حديثان صَحِيحَانِ عامان أَو آيَة عَامَّة وَحَدِيث صَحِيح عَام وَفِي كل وَاحِدَة من الْآيَتَيْنِ أَو فِي كل وَاحِد من الْحَدِيثين أَو فِي كل وَاحِد من الْآيَة والْحَدِيث تَخْصِيص لبَعض مَا فِي عُمُوم النَّص الآخر مِنْهُمَا وَذَلِكَ كَقَوْل رَسُول الله ﷺ لَا صَلَاة لمن لم يقْرَأ بِأم الْقُرْآن مَعَ قَوْله وَقد ذكر الإِمَام وَإِذا قَرَأَ فأنصتوا الْوَجْه الثَّانِي أَن يرد حديثان صَحِيحَانِ متعارضان أَو آيتان متعارضتان أَو آيَة مُعَارضَة لحَدِيث صَحِيح تَعَارضا متقاوما فِي أحد النصين منع وَفِي الثَّانِي إِيجَاب فِي ذَلِك الشَّيْء بِعَيْنِه لَا زِيَادَة فِي أحد النصين منع وَفِي الثَّانِي إِيجَاب فِي ذَلِك الشَّيْء بِعَيْنِه لَا زِيَادَة فِي أحد النصين على الآخر وَلَا بَيَان فِي أَيهمَا

стр. 845

النَّاسِخ من الْمَنْسُوخ كالنص الْوَارِد أَن رَسُول الله ﷺ شرب قَائِما وَالنَّص الْوَارِد أَنه ﵊ نهى عَن الشّرْب قَائِما فَإِن من ترك الْخَبَرَيْنِ مَعًا وَرجع إِلَى الأَصْل الَّذِي كَانَ يجب لَو لم يرد ذَلِك الخبران أَو رجح أحد الْخَبَرَيْنِ على الْمعَارض لَهُ بِكَثْرَة رُوَاته أَو بِأَنَّهُ رَوَاهُ من هُوَ أعدل مِمَّن روى الآخر وأحفظ وَمَا أشبه هَذَا من وُجُوه الترجيحات الَّتِي أوردناها فِي بَاب الْكَلَام فِي الْأَخْبَار / من ديواننا هَذَا وَبَيَان وُجُوه الصَّوَاب مِنْهَا من الْخَطَأ فَإِن هَذَا أَيْضا مَكَان يخفى بَيَان الْخَطَأ فِيهِ جدا وَأما نَحن فَنَقُول بِالْأَخْذِ بِالزَّائِدِ شرعا إِلَّا أننا نقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق إِن من مَال إِلَى أحد هَذِه الْوُجُوه فِي مَكَان م تَركه فِي مثل ذَلِك الْمَكَان واخذ بِالْوَجْهِ الآخر مُقَلدًا أَو مستحسنا فَمَا دَامَ لم يُوقف على تناقضه وَفَسَاد حكمه فمعذور مأجور حَتَّى إِذا وقف على ذَلِك فتمادى فَهُوَ مُتبع لهواه الْوَجْه الثَّالِث ان يتَعَلَّق بِحَدِيث ضَعِيف لم يتَبَيَّن لَهُ ضعفه أَو بِحَدِيث مُرْسل أَو ادّعى تجريحا فِي رَاوِي حَدِيث صَحِيح إِمَّا بتدليس أَو نَحوه أَو ادّعى أَن النَّاقِل أَخطَأ فِيهِ فَمن اعْتقد صِحَة مَا ذكر من ذَلِك فَهُوَ مَعْذُور مأجور فَإِذا ترك فِي مَكَان آخر مثل ذَلِك الحَدِيث أَو رد مُرْسلا آخر إرْسَاله فَقَط وَأخذ بِحَدِيث آخر فِيهِ من التَّعْلِيل كَمَا فِي الَّذِي قد رده فِي مَكَان آخر ووقف على ذَلِك - فتمادى - فَهُوَ مُتبع لهواه لإقدامه على الحكم فِي الدّين بِمَا قد سهد لِسَانه بِبُطْلَانِهِ وَإِن لم نقطع بِأَنَّهُ مخطيء لِإِمْكَان أَن يكون قد صَادف الْحق فَإِن قَالَ قَائِل كَيفَ تَقولُونَ فِيمَن بلغه نَص قُرْآن أَو سنة صَحِيحَة بِخَبَر لَيْسَ من بَاب الْأَمر إِلَّا أَنه قد جَاءَ ذَلِك الْخَبَر فِي نَص آخر باستثناء مِنْهُ أَو زِيَادَة عَلَيْهِ وَلم يبلغهُ النَّص الثَّانِي فجوابنا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق أَن هَذَا بِخِلَاف الْأَمر لِأَن الْأَوَامِر قد ترد نَاسِخا

стр. 846

بَعْضهَا بَعْضًا فَيلْزمهُ مَا بلغه حَتَّى بلغه مَا نسخه وَلَيْسَ الْخَبَر كَذَلِك بل يلْزمنَا تَصْدِيق مَا بلغنَا من ذَلِك لِأَن الله تَعَالَى لَا يَقُول إِلَّا الْحق وَكَذَلِكَ رَسُوله ﷺ وَعَلِيهِ أَن يعْتَقد مَعَ ذَلِك أَن مَا كَانَ فِي ذَلِك الْخَبَر من تَخْصِيص لم يبلغهُ أَو زِيَادَة لم تبلغه فَهِيَ حق وَلَا نقطع بتكذيب مَا لَيْسَ فِي ذَلِك الْخَبَر أصلا وَكَذَلِكَ أَمر رَسُول الله ﷺ إِذْ قَالَ لَا تصدقوا أهل الْكتاب إِذا حدثوكم وَلَا تكذبوهم فتكذبوا بِحَق أَو تصدقوا بباطل أَو كلَاما هَذَا مَعْنَاهُ فَهَذَا حكم الْأَخْبَار الْوَارِدَة فِي الْوَعْظ وَغَيره وَمَا كَانَ من الْأَخْبَار لَا يحْتَمل خلاف نَصه صدق كَمَا هُوَ وَلزِمَ تَكْذِيب كل ظن خَالف نَص ذَلِك الْخَبَر وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَهُوَ حَسبنَا وَنعم الْوَكِيل والْحَدِيث الْمَذْكُور أخرجه البُخَارِيّ فِي صَحِيحه عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ كَانَ أهل الْكتاب يقرأون التَّوْرَاة بالعبرانية ويفسرونها بِالْعَرَبِيَّةِ لأهل الْإِسْلَام فَقَالَ رَسُول الله ﷺ لَا تصدقوا أهل الْكتاب وَلَا تكذبوهم وَقُولُوا آمنا بِاللَّه وَمَا أنزل الْآيَة قَالَ الشُّرَّاح يَعْنِي إِذا كَانَ مَا يخبرونهم بِهِ مُحْتملا لِئَلَّا يكون فِي نفس الْأَمر صدقا فيكذبوه أَو كذبا فيصدقوه فيقعوا فِي الْحَرج الْفَائِدَة الثَّانِيَة عشرَة قد بَينا فِيمَا سبق الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة وأقسامها وحد كل وَاحِد مِنْهَا وَذكرنَا فِيهِ

стр. 847

أَن علم الحَدِيث يَنْقَسِم إِلَى قسمَيْنِ قسم يتَعَلَّق بروايته وَقسم يتَعَلَّق بدرايته وَأَن الْعلمَاء قسموا كل وَاحِد مِنْهُمَا إِلَى أَقسَام سموا كل وَاحِد مِنْهَا باسم وَقد أحببنا الزِّيَادَة هُنَا على مَا ذكر هُنَاكَ فَنَقُول قَالَ بعض الْمُحدثين تَنْقَسِم عُلُوم الحَدِيث الْآن إِلَّا ثَلَاثَة أَقسَام الأول حفظ متون الحَدِيث وَمَعْرِفَة غريبها وفقهها وَهَذَا أشرفها وَالثَّانِي حفظ أسانيدها وَمَعْرِفَة رجالها وتمييز صحيحها من سقيمها وَهَذَا كَانَ مهما وَقد كفيه المشتغل بِالْعلمِ بِمَا صنف فِيهِ وَألف من الْكتب فَلَا فَائِدَة فِي تَحْصِيل / مَا هُوَ حَاصِل وَالثَّالِث جمعه وكتابته وسماعه والبحث عَن طرقه وَطلب الْعُلُوّ فِيهِ والرحلة إِلَى الْبلدَانِ لأجل ذَلِك والمشتغل بِهَذَا مشتغل عَمَّا هُوَ الأهم من الْعُلُوم النافعة فضلا عَن الْعَمَل بِهِ الَّذِي هُوَ الْمَطْلُوب الْأَصْلِيّ إِلَّا أَنه لَا بَأْس بِهِ لأهل البطالة لما فِيهِ من بَقَاء سلسلة الْإِسْنَاد الْمُتَّصِلَة بِسَيِّد الْبشر وَقد اعْترض عَلَيْهِ بعض الْعلمَاء فِي قَوْله وَهَذَا قد كفيه المشتغل بِالْعلمِ بِمَا صنف فِيهِ وَألف من الْكتب فَقَالَ وَيُقَال عَلَيْهِ إِن كَانَ التصنيف فِي هَذَا الْفَنّ يُوجب الاتكال على ذَلِك وَعدم الِاشْتِغَال بِهِ فَالْقَوْل كَذَلِك فِي الْفَنّ الأول فَإِن فقه الحَدِيث وغربيه لَا يُحْصى كم صنف فِيهِ بل لَو ادّعى مُدع أَن التصانيف فِيهِ أَكثر من التصانيف فِي تَمْيِيز الرِّجَال وَالصَّحِيح من السقيم لما كَانَ قَوْله غير صَحِيح بل ذَلِك هُوَ الْوَاقِع فَإِن كَانَ الِاشْتِغَال بِالْأولِ مهما فالاشتغال بِالثَّانِي أهم لِأَنَّهُ الْمرقاة إِلَى الأول فَمن أخل بِهِ خلط السقيم بِالصَّحِيحِ والمجرح بالمعدل وَهُوَ لَا يشْعر

стр. 848

فَالْحق أَن كلا مِنْهُمَا فِي علم الحَدِيث مُهِمّ وَلَا شكّ أَن من جَمعهمَا حَاز الْقدح الْمُعَلَّى مَعَ قصوره فِيهِ إِن أخل بالثالث وَمن أخل بهما فَلَا حَظّ لَهُ فِي اسْم الْحَافِظ وَمن أحرز الأول وأخل بِالثَّانِي كَانَ بَعيدا من اسْم الْمُحدث عرفا وَمن أحرز الثَّانِي وأخل الأول لم يبعد عَنهُ أسم الْمُحدث لَكِن فِيهِ نقص بِالنِّسْبَةِ إِلَى الأول وَمن جمع الثَّلَاث كَانَ فَقِيها مُحدثا كَامِلا وَمن انْفَرد بِاثْنَيْنِ مِنْهُمَا كَانَ دونه إِلَّا أَن من اقْتصر على الثَّانِي وَالثَّالِث فَهُوَ مُحدث صرف لاحظ لَهُ فِي اسْم الْفَقِيه كَمَا أَن من انْفَرد بِالْأولِ فلاحظ لَهُ فِي اسْم الْمُحدث وَمن انْفَرد بِالْأولِ وَالثَّانِي فَهَل يُسمى مُحدثا فِيهِ بحث اه فَإِن قيل هَل يُمكن الْجمع بَين قَول هَذَا النَّاقِد وَمن نحا نَحوه وَقَول من قَالَ الْعُلُوم ثَلَاثَة علم نضج وَمَا احْتَرَقَ وَهُوَ علم النَّحْو وَالْأُصُول وَعلم لَا نضج وَلَا احْتَرَقَ وَهُوَ علم الْبَيَان وَالتَّفْسِير وَعلم نضج وَاحْتَرَقَ وَهُوَ علم الحَدِيث وَالْفِقْه يُقَال نعم يُمكن الْجمع بَينهمَا بِأَن يُرَاد بنضج الْعلم كَونه قد بَين بَيَانا كَافِيا بِحَيْثُ لَا يحْتَاج طَالبه إِلَى فرط عناء فِي تَحْصِيل مطلبه وباحتراقه كَونه قد استقصي الْبَحْث فِيهِ ثمَّ تجوز بِهِ الْحَد فأفضى ذَلِك إِلَى ذكر كثير مِمَّا لَا تمس إِلَيْهِ الْحَاجة إِمَّا لكَونه مِمَّا يفْرض فرضا أَو لنَحْو ذَلِك حَتَّى يصير الطَّالِب لِكَثْرَة المباحث مَعَ عدم مَعْرفَته مَا يلْزم مِنْهَا مِمَّا لَا يلْزم حائرا فِي أمره وَهَذَا الْمَعْنى لَا يظْهر بتمامة فِي علم الحَدِيث وَإِنَّمَا يظْهر فِي نَحْو النَّحْو فَإِن فِيهِ كثيرا مِمَّا لَا تمس الْحَاجة إِلَيْهِ لَا سِيمَا الْحجَج الَّتِي لَا يدل عَلَيْهَا نقل وَلَا عقل وَالْأولَى إِخْرَاج علم الحَدِيث من هَذَا الْقسم وَهَذَا الْعبارَة وَإِن كَانَت من قبيل الْملح الَّتِي تستحسن فِي المحاضرة وَلَا يستقصى الْبَحْث فِيهَا إِلَّا أَن فِيهَا إِشَارَة إِلَى أَمر يَنْبَغِي الانتباه إِلَيْهِ وَهُوَ أَن مَا نضج وَاحْتَرَقَ من الْعُلُوم يَنْبَغِي السَّعْي فِي تنقيحه ليسهل على الطَّالِب تنَاوله

стр. 849

وَالِانْتِفَاع بِهِ وَمَا لم ينضج مِنْهَا السَّعْي فِي إِكْمَال مباحثه لينضج أَو يقرب من النضج وَمن أمعن النّظر فِي هَذَا الْأَمر تبين لَهُ أَن فرط النضج فِي علم من الْعُلُوم لَا يُفْضِي إِلَى احتراقه وَإِنَّمَا يُفْضِي فِي الْغَالِب إِلَى إِفْرَاد بعض مباحثه بالبحث فَإِذا اتَّسع الْأَمر فِي مَبْحَث مِنْهَا صَار فَنًّا مُسْتقِلّا بِنَفسِهِ وَإِن كَانَ متفرعا عَن غَيره وَكَثِيرًا مَا يكون الْفَنّ المتفرع من غَيره وَاسع الْأَطْرَاف جدا قَالَ بعض الْمُحدثين علم الحَدِيث يشْتَمل على أَنْوَاع كَثِيرَة كل نوع مِنْهَا علم مُسْتَقل لَو / أنْفق الطَّالِب فِيهِ عمره لما أدْرك نهايته وَلما كَانَ الِاسْتِقْصَاء فِي الْعُلُوم غير مُمكن حث الْعلمَاء طلابها على الِاقْتِصَار فِيهَا أَو الاقتصاد وَقد ذكر فِي أَوَائِل الْإِحْيَاء مَا يتَعَلَّق بِهَذَا الْأَمر فأحببنا إِيرَاد ذَلِك قَالَ وَإِن تفرعت من نَفسك وتطهيرها وقدرت على ترك ظَاهر الْإِثْم وباطنه وَصَارَ ذَلِك ديدنا لَك وَعَادَة متيسرة فِيك وَمَا أبعد ذَلِك مِنْك فاشتغل بفروض الكفايات وراع التدريج فِيهَا فابتدئ بِكِتَاب الله تَعَالَى ثمَّ بِسنة رَسُوله ﷺ ثمَّ بِعلم التَّفْسِير وَسَائِر عُلُوم الْقُرْآن من علم النَّاسِخ والمنسوخ والمفصول والموصول والمحكم والمتشابه وَكَذَلِكَ فِي السّنة ثمَّ اشْتغل بالفروع وَهُوَ علم الْمَذْهَب من علم الْفِقْه دون الْخلاف ثمَّ بأصول الْفِقْه وَهَكَذَا إِلَى بَقِيَّة الْعُلُوم على مَا يَتَّسِع لَهُ الْعُمر ويساعد فِيهِ الْوَقْت وَلَا تستغرق عمرك فِي فن وَاحِد مِنْهَا طلبا للاستقصاء فَإِن الْعلم كثير والعمر قصير وَهَذِه الْعُلُوم آلَات ومقدمات وَلَيْسَت مَطْلُوبَة لعينها بل لغَيْرهَا وكل مَا يطْلب لغيره فَلَا يَنْبَغِي أَن ينسى فِيهِ الْمَطْلُوب ويستكثر مِنْهُ فاقتصر من شَائِع علم اللُّغَة على مَا تفهم بِهِ كَلَام الْعَرَب وتنطق بِهِ وَمن

стр. 850

غَرِيبه على غَرِيب الْقُرْآن وغريب الحَدِيث ودع التعمق فِيهِ وَاقْتصر من علم النَّحْو على مَا يتَعَلَّق بالمتاب وَالسّنة فملا من علم إِلَّا وَله اقْتِصَار واقتصاد واستصقاء وَنحن نشِير إِلَيْهَا فِي التَّفْسِير والْحَدِيث وَالْفِقْه وَالْكَلَام لتقيس بهَا غَيرهَا فالاقتصار فِي التَّفْسِير مَا يبلغ ضعف الْقُرْآن كَمَا صنفه الواحدي النَّيْسَابُورِي وَهُوَ الْوَجِيز والاقتصاد مَا يبلغ ثَلَاثَة أَضْعَاف الْقُرْآن كَمَا صنفه من الْوَسِيط فِيهِ وَمَا وَرَاء ذَلِك استصقاء مُسْتَغْنى عَنهُ فَلَا مرد لَهُ إِلَى إنتهاء الْعُمر وَأما الحَدِيث فالاقتصار فِيهِ تَحْصِيل مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ بتصحيح نُسْخَة على رجل خَبِير بِعلم متن الحَدِيث وَأما حفظ أسامي الرِّجَال فقد كفيت فِيهِ بِمَا تحمله عَنْك من قبلك وَلَك أَن تعول على كتبهمْ وَلَيْسَ يلزمك حفظ متون الصَّحِيحَيْنِ وَلَكِن تحصله تحصيلا تقدر مِنْهُ على طلب مَا تحْتَاج إِلَيْهِ عِنْد الْحَاجة وَأما الاقتصاد فِيهِ فَأن تضيف إِلَيْهِمَا مَا خرج عَنْهُمَا مِمَّا ورد فِي المسندات الصَّحِيحَة وَأما الِاسْتِقْصَاء فَمَا وَرَاء ذَلِك إِلَى اسْتِيعَاب كل مَا نقل من الضَّعِيف وَالْقَوِي وَالصَّحِيح والسقيم مَعَ معرفَة الطّرق الْكَثِيرَة فِي النَّقْل وَمَعْرِفَة أَحْوَال الرِّجَال وأسمائهم واوصافهم وَأما الْفِقْه فالاقتصار فِيهِ على مَا يحويه مُخْتَصر الْمُزنِيّ وَهُوَ الَّذِي رتبناه فِي خُلَاصَة الْمُخْتَصر والاقتصاد يه مَا يبلغ ثَلَاثَة أَمْثَاله وَهُوَ الْقدر الَّذِي أوردناه فِي الْوَسِيط من الْمَذْهَب والاسقصاء مَا أوردناه فِي الْبَسِيط إِلَى مَا وَرَاء ذَلِك من المطولات وَأما الْكَرم فالمقصود فِيهِ حماية المعتقدات الَّتِي نقلهَا أهل السّنة عَن السّلف الصَّالح لَا غير وَمَا وَرَاء ذَلِك لكشف حقائق الْأُمُور من غير طريقها ومقصود حفظ السّنة تحصل رُتْبَة الِاقْتِصَار مِنْهُ بمعتقد وجيز وَهُوَ اقدر الَّذِي أوردناه فِي كتاب قَوَاعِد العقائد من جملَة هَذَا الْكتاب

стр. 851

والاقتصاد فِيهِ مَا يبلغ قدر مئة ورقة وَهُوَ الَّذِي أوردناه فِي كتاب الاقتصاد فِي الِاعْتِقَاد وَيحْتَاج إِلَيْهِ لمناظرة مُبْتَدع ومعارضة بدعته بِمَا يُفْسِدهَا وينزعها عَن قلب الْعَاميّ وَذَلِكَ لَا ينفع إِلَّا مَعَ الْعَوام قبل اشتداد تعصبهم وَأما المبتدع بعد ان يعلم من الجدل وَلَو شَاءَ يَسِيرا فقلما ينفع مَعَه الْكَلَام ١ هـ وَمن فروع علم الحَدِيث علم نَاسخ / الحَدِيث ومنسوخه وَهُوَ دَاخل فِي علم تَأْوِيل مُخْتَلف الحَدِيث وأفردوه عَنهُ لفرط الْعِنَايَة بِهِ فَإِنَّهُم اتَّفقُوا على أَنه من اهم عُلُوم الحَدِيث وَالْمَشْهُور أَنه فن وعر المسلك وَذهب بَعضهم إِلَى أَن الْخطب فِي مَعْرفَته سهل وَمَا وَقع لكثير مِمَّن ألف فِيهِ إِدْخَال كثير مِمَّا لَيْسَ مِنْهُ يه لَيْسَ ناشئا من وعورة مسلكه بل لعدم وقوفهم على جَمِيع مَا يلْزم فِي مَعْرفَته قَالَ بعض الْمُحدثين هَذَا النَّوْع وَإِن تعلق بِعلم الحَدِيث فَهُوَ بأصول الْفِقْه أشبه وَمن فروع علم الحَدِيث معرفَة أَسبَاب وُرُود الحَدِيث وَقد صنف فِيهِ بعض الْعلمَاء وَقد جرت عَادَة اكثر شرَّاح الحَدِيث التَّعَرُّض لذَلِك إِذا كَانَ للْحَدِيث سَبَب ووقفوا عَلَيْهِ كَمَا انهم كثيرا مَا يتعرضون لغير ذَلِك مِمَّا يهم الطَّالِب مَعْرفَته غير أَنه ينْتَقد على كثير مِنْهُم أَمر وَهُوَ أَنهم كثيرا مَا يدْخلُونَ فِي معنى الحَدِيث مَالا يدل عَلَيْهِ الحَدِيث وَقد وَقع مثل ذَلِك لكثير من الْمُفَسّرين أَيْضا وَقد حذر من ذَلِك بعض الْمُحَقِّقين مِنْهُم فَقَالَ يَنْبَغِي للمفسر أَن لَا يحمل لفظ الْكتاب الْعَزِيز مَا لَا يحْتَملهُ لِئَلَّا ينْسب إِلَى الله سُبْحَانَهُ أَشْيَاء لم يلقها وَلَا دلّ لفظ كِتَابه عَلَيْهَا فالتفسير فِي الْحَقِيقَة إِنَّمَا هُوَ شرح الْفظ المستغلق عِنْد السَّامع بِمَا هُوَ وَاضح عِنْده مِمَّا يرادفه أَو يُقَارِبه أَو لَهُ دلَالَة عَلَيْهِ بِإِحْدَى طرق الدلالات هَذَا وَفِيمَا ذَكرْنَاهُ كِفَايَة لمن أَرَادَ الِاقْتِصَار والاقتصاد فِي هَذَا الْفَنّ وَقد أحببنا أَن نختم هَذَا الْكتاب بمقالة متممة لما نَحن فِيهِ الْآن ومذكرة بِمَا سلف من قبل وَهِي للعلامة مجد الدّين الْمُبَارك بن الْأَثِير وَقد أوردهَا فِي خطْبَة كِتَابه جَامع الْأُصُول

стр. 852

لأحاديث الرَّسُول فَقَالَ وَبعد فَإِن شرف الْعُلُوم يتَفَاوَت بشرف مدلولها وقدرها يعظم بِعظم محصولها وَلَا خلاف عِنْد ذَوي البصائر أَن أجلهَا مَا كَانَت الْفَائِدَة فِيهِ اعم والنفع بِهِ أتم والسعادة باقتنائه أدوم وَالْإِنْسَان بتحصيله ألزم كعلم الشَّرِيعَة الَّذِي هُوَ طَرِيق السُّعَدَاء إِلَى دَار الْبَقَاء مَا سلكه أحد إِلَّا اهْتَدَى وَلَا استمسك بِهِ من خَابَ وَلَا تجنبه من رشد فَمَا امْنَعْ جناب من احتمى بحماه وأرغد مآب من ازدان بحلاه وعلوم الشَّرِيعَة على اختلافها تَنْقَسِم إِلَى فرض وَنفل وَالْفَرْض يَنْقَسِم إِلَى فرض عين وَفرض كِفَايَة وَلكُل وَاحِد مِنْهُمَا أَقسَام وأنواع بعصها أصُول وَبَعضهَا فروع وَبَعضهَا مُقَدمَات وَبَعضهَا متممات وَلَيْسَ هَذَا مَوضِع تفصيلها إِذْ لَيْسَ لنا بغرض إِلَّا أَن من أصُول فروض الكفايات علم أَحَادِيث رَسُول الله ﷺ وآثار أَصْحَابه ﵃ الَّتِي هِيَ ثَانِي أَدِلَّة الْأَحْكَام ومعرفتها أَمر شرِيف وشأن جليل لَا يحبط بِهِ إِلَّا من هذب نَفسه بمتابعة أوَامِر الشَّرْع ونواهيه وأزاح الزيغ عَن قلبه وَلسَانه وَله أصُول وَأَحْكَام وقواعد وأوضاع واصطلاحات ذكرهَا الْعلمَاء وَشَرحهَا المحدثون وَالْفُقَهَاء يحْتَاج طَالبه إِلَى مَعْرفَتهَا وَالْوَقْف عَلَيْهَا بعد تَقْدِيم معرفَة اللُّغَة وَالْإِعْرَاب اللَّذين هما أصل لمعْرِفَة الحَدِيث وَغَيره لوُرُود الشَّرِيعَة المطهرة بِلِسَان الْعَرَب وتبك الْأَشْيَاء كَالْعلمِ بِالرِّجَالِ وأساميهم وأنسابهم وأعمارهم وَوقت وفاتهم وَالْعلم بِصِفَات الروَاة وشرائطهم الَّتِي يجوز مَعهَا قبُول روايتهم

стр. 853

وَالْعلم بمستند الروَاة وَكَيْفِيَّة أَخذهم الحَدِيث وتقسيم طرقه وَالْعلم بِلَفْظ الروَاة وإيرادهم مَا سَمِعُوهُ وإيصاله إِلَى من يَأْخُذهُ عَنْهُم وَذكر مراتبه وَالْعلم بِجَوَاز نقل الحَدِيث بِالْمَعْنَى / وَرِوَايَة بعضه وَالزِّيَادَة فِيهِ وَإِضَافَة مَا لَيْسَ مِنْهُ إِلَيْهِ وانفراد الثِّقَة بِزِيَادَة فِيهِ وَالْعلم بالسند وشرائطه والعالي مِنْهُ والنازل وَالْعلم بالحرج وَالتَّعْدِيل وجوازهما ووقوعهما وَبَيَان طَبَقَات الْمَجْرُوحين وَالْعلم بأقسام الصَّحِيح من الحَدِيث وَالْكذب وانقسام الْخَبَر إِلَيْهِمَا وَإِلَى الْغَرِيب وَالْحسن وَغَيرهمَا وَالْعلم بأخبار الْمُتَوَاتر والآحاد والناسخ والمنسوخ وَغير لَك مِمَّا تواضع عَلَيْهِ أَئِمَّة الحَدِيث وَهُوَ بَينهم مُتَعَارَف فَمن أتقنها أَتَى دَار هَذَا الْعلم من بَابهَا وأحاط بهَا من جَمِيع جهاتها وبقدر مَا يفوتهُ مِنْهَا تنزل عَن الْغَايَة دَرَجَته وتنحط عَن النِّهَايَة رتبته إِلَّا أَن معرفَة الْمُتَوَاتر والآحاد والناسخ والمنسوخ وَإِن تعلّقت بِعلم الحَدِيث فَإِن الْمُحدث لَا يفْتَقر إِلَيْهَا لِأَن ذَلِك من وَظِيفَة الْفَقِيه لِأَنَّهُ يستنبط الْأَحْكَام من الْأَحَادِيث فَيحْتَاج إِلَى معرفَة الْمُتَوَاتر والآحاد والناسخ والمنسوخ وَأما الْمُحدث فوظيفته أَن ينْقل ويروي مَا سَمعه من الْأَحَادِيث كَمَا سَمعه فَإِن

стр. 854

تصدى لما رَوَاهُ فَزِيَادَة فِي الْفضل وَكَمَال فِي الِاخْتِيَار جَمعنَا الله وَإِيَّاكُم معشر الطالبين على قبُول الدَّلَائِل وألهمنا وَإِيَّاكُم الِاقْتِدَاء بالسلف الصَّالح من الْأَئِمَّة الْأَوَائِل وأحلنا وَإِيَّاكُم من الْعلم النافع أَعلَى الْمنَازل ووفقنا إيَّاكُمْ للْعَمَل بالعالي من الحَدِيث والنازل إِنَّه سميع الدُّعَاء حقيق بالإجابة

стр. 855

مِمَّا لَا شكّ فِيهِ عِنْد الباحثين فِي أَمر الخطوط وتولد بَعْضهَا من بعض أَن الْخط الْعَرَبِيّ الْمَعْرُوف بالخط الْكُوفِي قد تولد من الْخط السرياني الْمَعْرُوف بالخط السرتجيلي وَيدل على ذَلِك أُمُور الأول شدَّة التشابه بَين الخطين بِحَيْثُ يظنّ النَّاظر فِي أول الْأَمر أَنَّهُمَا من نوع وَاحِد الثَّانِي أَن الْحُرُوف المفصولة عَمَّا بعْدهَا فِي الْخط السرياني وَهِي الْألف وَالدَّال وَالرَّاء وَالزَّاي وَالْوَاو وَالتَّاء وَالصَّاد وَالْهَاء هِيَ الْحُرُوف المفصولة عَمَّا بعْدهَا فِي الْخط الْعَرَبِيّ وَيسْتَثْنى من ذَلِك التَّاء وَالصَّاد وَالْهَاء فَإِن الْعَرَب التزمت وَصلهَا الثَّالِث أَن الْعَرَب كَانُوا كالسريانيين يعدون حُرُوف الهجاء على نسق أبجد فَيَقُولُونَ أبجد هوز خطي كلمن سعفص قرشت وَلما رَأَوْا أَن فِي لغتهم سِتَّة أحرف لم تُوجد فِيهَا زادوا لفظتين وهما ثخذ ضظغ فَاجْتمع بذلك شَمل الْحُرُوف الْعَرَبيَّة وَلما رأى الْعَرَب أَن هَذِه الْحُرُوف السِّتَّة لَيْسَ فِيهَا صور فِي الْخط السرياني لعدم الِاحْتِيَاج فِيهِ إِلَى ذَلِك عَمدُوا إِلَى كل حرف مِنْهَا فنظروا إِلَى الْحَرْف الَّذِي يُنَاسِبه فجعلوه على صورته فَنَشَأَ من ذَلِك أَن صَارَت الثَّاء مَعَ التَّاء وَالْخَاء مَعَ الْحَاء والذال مَعَ الدَّال وَالضَّاد مَعَ الصَّاد والظاء مَعَ الطَّاء والغين مَعَ الْعين على صُورَة وَاحِدَة وَقد اسْتحْسنَ ذَلِك مِنْهُم بعض الْمُحَقِّقين فِي اللُّغَات السامية ووصفهم بالبراعة حَيْثُ قَالَ إِن الْعَرَب لما رَأَوْا أَن صور الْحُرُوف فِي الْخط السرياني اثْنَتَانِ وَعِشْرُونَ والحروف الْعَرَبيَّة ثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ لم يخترعوا صورا جَدِيدَة للحروف المختصة بهم كَمَا فعل بعض الْأُمَم الغربية الشمالية وَلَا اتَّخذُوا طَريقَة وضع صُورَتَيْنِ أَو أَكثر لكل حرف من الْحُرُوف المختصة بهم كَمَا فعل اللاتين فِي الْفَاء وَالْخَاء والثاء وَالرَّاء اليونانيات وكما فعل من اقتفى من الْأُمَم الغربية حِين