Полный текст (126 стр.). Показаны 106–126 · переход к 111.
стр. 106
وَقد صَار النَّاس عَالَة على الذَّهَبِيّ وَكتبه وَلَكِن الْحق أَنه لَا يقبل على الذَّهَبِيّ بِمَا ذكره هُوَ وَبِمَا ذكره الذَّهَبِيّ أَنهم لَا يقبلُونَ الأقران بَعضهم على بعض
ثمَّ إِن كَانَ مُرَادهم بالأقران المتعاصرون فِي قرن وَاحِد والمتساوون فِي الْعُلُوم فَهُوَ مُشكل لِأَنَّهُ لَا يعرف حَال الرجل إِلَّا من عاصره وَلَا يعرف حَاله من بعده إِلَّا بأخبار من قارنه
إِن أُرِيد الأول وَإِن أُرِيد الثَّانِي فَأهل الْعلم هم الَّذين يعْرفُونَ أمثالهم وَلَا يعرف أولي الْفضل إِلَّا ذَوُو الْفضل فَالْأولى إناطة ذَلِك لمن يعلم أَن بَينهمَا تنافسا أَو تحاسدا أَو شَيْئا يكون سَببا لعدم الثِّقَة لقبُول بَعضهم فِي بعض لَا لكَونه من الأقران فَإِنَّهُ لَا يعرف عَدَالَته وَلَا جرحه إِلَّا من أقرانه وَأعظم مَا فرق بَين النَّاس هَذِه العقائد وَالِاخْتِلَاف فِيهَا فليحذر عَن قبُول الْمُخْتَلِفين فِيهَا بَعضهم فِي بعض قبل الْبَحْث عَن سَبَب الْقدح والتثبت فِي صِحَة نسبته إِلَيْهِ وأعون شَيْء على معرفَة ذَلِك فِي هَذِه الْأَعْصَار الْبَحْث فِي كتب الرِّجَال المتعددة الْمُخْتَلف مؤلفوها وسنقرر آخرا مَا يكْشف هَذِه الْغُمَّة
الْعَاشِرَة وجود الحَدِيث فِي الصَّحِيحَيْنِ أَو أَحدهمَا لَا
стр. 107
يقْضِي بِصِحَّتِهِ بِالْمَعْنَى الَّذِي سبق لوُجُود الرِّوَايَة فيهمَا عَمَّن عرفت أَنه غير عدل فَقَوْل الْحَافِظ ابْن حجر أَن رواتهما قد حصل الِاتِّفَاق على تعديلهم بطرق اللُّزُوم مَحل نظر لقَوْله إِن الْأمة تلقت الصَّحِيحَيْنِ بِالْقبُولِ هُوَ قَول سبقه إِلَيْهِ ابْن الصّلاح وَأَبُو طَاهِر الْمَقْدِسِي وَأَبُو عبد الرَّحِيم عبد الْخَالِق وَإِن اخْتلف هَؤُلَاءِ فِي إِفَادَة هَذَا التلقي الْعلم أَو الظَّن
وَبسط السَّيِّد مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الْأَمِير ﵀ سَبَب الْخلاف فِي كتبه وَأَنه جَوَاز الْخَطَأ على الْمَعْصُوم فِي ظَنّه أَو عَدمه وَطول الْكَلَام فِي ذَلِك أَيْضا
وَلنَا عَلَيْهِ أنظار وأودعناها رسالتنا الْمُسَمَّاة حل العقال وَصِحَّته فِي حيّز الْمَنْع
بَيَان ذَلِك أَنا نورد عَلَيْهِ سُؤال الاستفسار عَن طرفِي هَذِه
стр. 108
الدَّعْوَى فَنَقُول فِي الأول هَل المُرَاد أَن كل الْأمة من خَاصَّة وَعَامة تلقتها بِالْقبُولِ أَو المُرَاد عُلَمَاء الْأمة المجتهدون وَمن الْبَين أَن الأول غير مُرَاد وَأَن الثَّانِي دَعْوَى على كل فَرد من أَفْرَاد الْأمة الْمُجْتَهدين أَنه تلقى الْكِتَابَيْنِ بِالْقبُولِ فَلَا بُد من الْبُرْهَان عَلَيْهَا وإقامته على هَذِه الدَّعْوَى من المتعذرات عَادَة كإقامة الْبَيِّنَة على دَعْوَى الْإِجْمَاع الَّذِي جزم بِهِ أَحْمد بن حَنْبَل وَغَيره أَن من ادَّعَاهُ فَهُوَ كَاذِب
وَإِن كَانَ هَذَا فِي عصره قبل عصر تأليف الصَّحِيحَيْنِ فَكيف من بعده وَالْإِسْلَام لَا يزَال منتشرا وتباعد أَطْرَاف أقطاره وَالَّذِي يغلب بِهِ الظَّن أَن من الْعلمَاء الْمُجْتَهدين من لَا يعرف الصَّحِيحَيْنِ إِذْ معرفتهما بخصوصهما لَيست شرطا فِي الِاجْتِهَاد وَبِالْجُمْلَةِ فَنحْن نمْنَع هَذِه الدَّعْوَى ونطالب بدليلها
стр. 109
السُّؤَال الثَّانِي على تَقْدِير تَسْلِيم الدَّعْوَى الأولى فَهَل المُرَاد بالتلقي بِالْقبُولِ تلقي أصل الْكِتَابَيْنِ وجملتهما وأنهما لهذين الْإِمَامَيْنِ الجليلين الحافظين فَهَذَا لَا يُفِيد إِلَّا الحكم بِصِحَّة نسبتهما إِلَى مؤلفيهما
وَلَا يُفِيد الْمَطْلُوب أَو المُرَاد بالتلقي بِالْقبُولِ لكل فَرد من أَفْرَاد أحاديثهما وَهَذَا هُوَ الْمُفِيد الْمَطْلُوب إِذْ هُوَ الَّذِي رتب عَلَيْهِ الِاتِّفَاق على تَعْدِيل رواتهما فَإِن المتلقي بِالْقبُولِ هُوَ مَا حكم الْمَعْصُوم بِصِحَّتِهِ ظنا كَمَا رسمه بذلك السَّيِّد مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم ﵀ وَهُوَ يلاقي قَول الْأُصُولِيِّينَ إِنَّه الَّذِي يكون الْأمة بَين عَامل بِهِ ومتأول لَهُ إِذْ لَا يكون ذَلِك إِلَّا فِيمَا صَحَّ لَهُم
وَيحْتَمل أَنه يدْخل فِي الْحسن فَلَا يلاقي رسمه رسمهم إِلَّا أَنه لَا يخفى عدم صِحَة هَذِه الدَّعْوَى وبرهان ذَلِك مَا سمعته مِمَّا نَقَلْنَاهُ من كَلَام الْعلمَاء من عدم عَدَالَة كل من فيهمَا بل بَالغ ابْن
стр. 110
الْقطَّان فَقَالَ فيهمَا من لَا يعلم إِسْلَامه وَهَذَا تَفْرِيط وَقد تَلقاهُ بعض محققي الْمُتَأَخِّرين كَمَا أسلفناه
وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّه تَفْرِيط لما علم من أَنه لَا يروي أحد من أَئِمَّة الْمُسلمين عَن غير مُسلم أَحَادِيث رَسُول الله ﷺ كَمَا أَن دَعْوَى عَدَالَة كل من فيهمَا إفراط وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَمن أَيْن يتلَقَّى بِالْقبُولِ إِلَّا أَنه قد اسْتثْنى ابْن الصّلاح من التلقي بِالْقبُولِ لأحاديثهما مَا انتقاه الْحفاظ كالدارقطني وَابْن مَسْعُود الدِّمَشْقِي وَأبي عَليّ الغساني قَالَ الْحَافِظ ابْن حجر وَهُوَ احْتِرَاز حسن
стр. 111
وَقَالَ وعده مَا اجْتمع لنا من ذَلِك مِمَّا فِي كتاب البُخَارِيّ وشاركه مُسلم فِي بَعْضهَا مئة وَعشرَة أَحَادِيث وتتبعها الْحَافِظ فِي مُقَدّمَة الْفَتْح وَأجَاب عَن الْعِلَل الَّتِي قدح بهَا وَبسط الْأَجْوِبَة
وَقَالَ آخر لَيست كلهَا وَاضِحَة بل أَكْثَرهَا الْجَواب عَنهُ ظَاهر والقدح فِيهِ مندفع وَبَعضهَا الْجَواب عَنهُ مُحْتَمل واليسير مِنْهُ فِي الْجَواب عَنْهَا تعسف انْتهى معنى كَلَامه
وَأَقُول فِيهِ أَن الْمُدَّعِي تلقي الْأمة بِالْقبُولِ وَهُوَ أخص من الصِّحَّة وَقد ذهب الْأَكْثَر وَمِنْهُم ابْن حجر إِلَى إفادته الْعلم بِخِلَاف مَا حكم لَهُ لمُجَرّد الصِّحَّة فغاية مَا يُفِيد الظَّن مَا لم يَنْضَم إِلَيْهِ غير ذَلِك فيفيده وَهَذِه الْأَحَادِيث مخرجة عَن الصَّحِيحَيْنِ لَا عَن التلقي بِالْقبُولِ فَإِن كَانَ مَا لم يَصح غير متلقي فَالصَّوَاب فِي الْعبارَة أَن يُقَال غير صَحِيحَة لَا غير متلقاه بِالْقبُولِ لإيهامه أَنَّهَا صَحِيحَة إِذْ لَيْسَ عَنْهَا إِلَّا التلقي بِالْقبُولِ وَهُوَ أخص من الصِّحَّة وَنفي الْأَخَص لَا يسْتَلْزم نفي الْأَعَمّ وَالْحَال أَنَّهَا لَيست
стр. 112
بصحيحة
وَأما قَول السَّيِّد مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الْأَمِير ﵀ إِن الْأمة تلقتها بِالْقبُولِ وَإِن صَاحب الْكَشَّاف والأمير الْحُسَيْن ذكرا الصَّحِيحَيْنِ بِلَفْظ الصَّحِيح وَنقل مِنْهُمَا ذَلِك
فَفِي الِاسْتِدْلَال بِهَذَا الْإِطْلَاق توقف عِنْدِي لِأَن لفظ صَحِيح البُخَارِيّ وصحيح مُسلم صَارا لقبين للكتابين فإطلاق ذَلِك عَلَيْهِمَا من إِطْلَاق الألقاب على مسمياتها وَلَا يلْزم مِنْهُ الْإِقْرَار بِالْمَعْنَى الْأَصْلِيّ الإضافي
نعم لَا شكّ أَن الصَّحِيحَيْنِ أشرف كتب الحَدِيث قدرا وَأَعْظَمهَا ذكرا وَأَن أحاديثهما أرفع الْأَحَادِيث دَرَجَة فِي الْقبُول من غَيرهَا لخصائص اختصا بهَا مِنْهَا جلالة مؤلفيها وإمامتهما فِي هَذَا الشَّأْن وبلوغهما غَايَة فِي الدّيانَة والإتقان
ثمَّ مَا رزق هَذَانِ الكتابان من الْحَظ وَالْقَبُول عِنْد أَئِمَّة هَذَا الشَّأْن
стр. 113
وفرسان ذَلِك الميدان فَبَحَثُوا عَن رجالهما وَتَكَلَّمُوا على كل ذرة فيهمَا مِمَّا لَهما وَعَلَيْهِمَا فغالب أَئِمَّة الْإِسْلَام وأعلام الْأَعْلَام مَا بَين خَادِم لَهما بالْكلَام عَلَيْهِمَا على رجالهما أَو معانيهما أَو على لغتهما أَو على إعرابهما أَو مُخْتَصر فيهمَا أَو مخرج عَلَيْهِمَا
فهما أجل كتب الحَدِيث وأحاديثهما السالمة عَن التَّكَلُّم فيهمَا أقرب الْأَحَادِيث تحصيلا للظن الْمَطْلُوب وَنَفس الْعَالم أسكن إِلَى مَا فيهمَا مِنْهَا إِلَى مَا فِي غَيرهمَا هَذَا شَيْء يجده النَّاظر من نَفسه إِن أنصف وَكَانَ من أهل الْعلم إِنَّمَا لَا ندعي لَهما زِيَادَة على مَا يستحقانه وَلَا يهضم مِنْهُمَا مَا هُوَ أهل لَهُ
وَأما قَول البُخَارِيّ لم أخرج فِي هَذَا الْكتاب إِلَّا صَحِيحا وَمَا تركت من الصَّحِيح أَكثر
وَقَوله مَا أدخلت فِي كتابي الْجَامِع إِلَّا مَا صَحَّ فَهُوَ كَلَام صَحِيح إِخْبَار عَن نَفسه أَنه تحري الصَّحِيح فِي نظره
وَقد قَالَ زين الدّين إِن قَول الْمُحدثين هَذَا حَدِيث صَحِيح
стр. 114
مُرَادهم فِيمَا ظهر لنا عملا بِظَاهِر الْإِسْنَاد لِأَنَّهُ مَقْطُوع بِصِحَّتِهِ فِي نفس الْأَمر لجَوَاز الْخَطَأ وَالنِّسْيَان على الثِّقَة انْتهى
قلت فَيجوز الْخَطَأ وَالنِّسْيَان على البُخَارِيّ نَفسه فِيمَا حكم بِصِحَّتِهِ وَإِن كَانَ تجويزا مرجوحا لِأَنَّهُ بعد تتبع الْحفاظ لما فِي كِتَابه فإظهار مَا خَالف هَذَا القَوْل الْمَنْقُول عَنهُ فِيهِ من الشّرطِيَّة مَا ينْهض التجويز ويقود الْعَالم الفطن النظار إِلَى زِيَادَة الاختبار وَهَذَا مَا وعدنا بِهِ فِي آخر الْفَائِدَة الْخَامِسَة
على أَن البُخَارِيّ وَمُسلمًا لم يذكرَا شرطا للصحيح وَإِنَّمَا استخرج الْأَئِمَّة لَهما شُرُوطًا بالتتبع لطرق رواتهما وَلم يتَّفق المتتبعون على شَرط مَعْرُوف بل اخْتلفُوا فِي ذَلِك اخْتِلَافا كثيرا
يعرف ذَلِك من مارس كتب أصُول الحَدِيث
وَالْأَقْرَب أَنَّهُمَا لَا يعتمدان إِلَّا على الصدْق والضبط كَمَا اخترناه
وَقد صرح بِهِ الْحَافِظ ابْن حجر فِيمَا أسلفناه عَنهُ أَنه لَا أثر للتضعيف مَعَ الصدْق والضبط وأنهما لَا يُريدَان الْعدْل إِلَّا ذَلِك إِن ثَبت عَنْهُمَا أَنَّهُمَا شرطا أَن لَا تكون الرِّوَايَة إِلَّا عَن عدل وَسلمنَا ثُبُوت اشتراطهما الْعَدَالَة فِي الرَّاوِي فَمن أَيْن علم أَن مَعْنَاهَا
стр. 115
عِنْدهمَا مَا فسرتموها بِهِ مِمَّا أسلفناه فِي رسمهما
قَالَ ابْن طَاهِر شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم أَن يخرجَا الحَدِيث الْمجمع عَلَيْهِ ثِقَة نَقله إِلَى الصَّحَابِيّ الْمَشْهُور قَالَ زين الدّين لَيْسَ مَا قَالَه بجيد لِأَن النَّسَائِيّ ضعف جمَاعَة أخرج لَهما الشَّيْخَانِ أَو أَحدهمَا
قَالَ السَّيِّد مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم ﵀ لَيْسَ هَذَا مِمَّا اخْتصَّ بِهِ النَّسَائِيّ بل قد شَاركهُ غير وَاحِد فِي ذَلِك من أَئِمَّة الْجرْح وَالتَّعْدِيل كَمَا هُوَ مَعْرُوف فِي كتب هَذَا الشَّأْن وَلكنه تَضْعِيف مُطلق غير مُبين السَّبَب وَهُوَ غير مَقْبُول على الصَّحِيح انْتهى
قلت لَيْسَ مَا أطلقهُ السَّيِّد مُحَمَّد ﵀ بِصَحِيح فكم من جرح فِي رجالهما مُبين السَّبَب كَمَا سمعته فِيمَا سلف وَلَئِن سلم فَأَقل أَحْوَال الْجرْح الْمُطلق أَن يُوجب توقفا فِي الرَّاوِي وحثا على الْبَحْث عَن تَفْصِيل أَحْوَاله وَمَا قيل فِيهِ
وَلَا شكّ أَن هَذَا يفت فِي عضد الْقطع بِالصِّحَّةِ
وَهَذِه فَائِدَة مُسْتَقلَّة أَعنِي تَأْثِير الْقدح الْمُطلق توقفا فِي الْمَجْرُوح يُوجب عدم الْعَمَل بروايته حَتَّى يفتش عَمَّا قيل وَإِلَّا لزم الْعَمَل وَالْقطع بالحكم مَعَ الشَّك وَالِاحْتِمَال وَذَلِكَ يُنَافِي الْقطع قطعا
стр. 116
وَلَا نغتر بقَوْلهمْ الْجرْح الْمُطلق لَا يعْتَبر بِهِ فَفِيهِ مَا سَمِعت
فَإِن قلت إِذا كَانَ الْحَال مَا ذكرت من أَنه لَا يقبل الأقران بَعضهم فِي بعض وَلَا التمذهب فِي غير أهل مَذْهَبهم فقد ضَاقَ نطاق معرفَة الْجرْح وَالتَّعْدِيل وَلَا بُد مِنْهُمَا للنَّاظِر لنَفسِهِ وَأهل الْمذَاهب فِي هَذِه الأزمة كل حزب بِمَا لديهم فَرِحُونَ وكل فريق فِي غَيرهم يقدحون
قلت إِن شددت يَديك على مَا أسلفناه لَك من الْأَدِلَّة أَنه لَيْسَ الشَّرْط فِي قبُول الرِّوَايَة إِلَّا صدق الرَّاوِي وَضَبطه هان عَلَيْك هَذَا الْخطب الْجَلِيل وَحصل لَك فِي أصل الرِّوَايَة أصل أصيل وَذَلِكَ أَن غَالب الْجرْح والتضعيف بِمثل القَوْل بِالْقدرِ والرؤية وبالإرجاء وبغلو التَّشَيُّع وَغَيرهَا مِمَّا يعود إِلَى العقائد والمذاهب كخلق الْقُرْآن وَمَسْأَلَة الْأَفْعَال
وَلَيْسَت عندنَا هَذِه قوادح فِي الرَّاوِي من حَيْثُ الرِّوَايَة وَإِن كَانَ
стр. 117
بَعْضهَا قادحا من حَيْثُ الدّيانَة فباب الرِّوَايَة غير بَاب الدّيانَة وَإِذا كَانَ قد تحقق الْإِجْمَاع عل قبُول رِوَايَة من سفك دم أهل الْإِسْلَام كسفك دِمَاء عَبدة الْأَوْثَان وأقدم عَلَيْهِم بِالسَّيْفِ والسنان وأخاف إخوانه من أَعْيَان أهل الْإِيمَان لظن صدقه فِي الرِّوَايَة وتأويله فِي الْجنان وَإِن كَانَ تَأْوِيله ترده الْعُقُول وَلَا تقبله الفحول كتأويل مُعَاوِيَة أَن قَاتل عمار ﵁ هُوَ عَليّ ﵇ لِأَنَّهُ الَّذِي جَاءَ بِهِ إِلَى رماحهم وألقاه بَين سيوفهم وكفاحهم وَقد ألزمهُ عبد الله بن عمر بِأَن قَالَ حَمْزَة ﵁ رَسُول الله ﷺ فأفحمه
стр. 118
فَالْأولى قبُول من يرى الإرجاء وَالْقدر وَنَحْوهمَا فَإِنَّهُ لم يعْتَقد ذَلِك وَيَدْعُو إِلَيْهِ إِلَّا لاعْتِقَاده أَنه دين الله تَعَالَى الَّذِي قَامَت عَلَيْهِ الْأَدِلَّة فَلم يبْق الْقدح عندنَا إِلَّا بِالْكَذِبِ أَو سوء الْحِفْظ أَو الْوَضع وَمَا لاقاه فِي مَعْنَاهُ مَعَ أَن الْكَذِب عَنهُ رادع طبيعي فِي الجبلة وَلذَا قيل يطبع الْمُؤمن على كل خلق لَيْسَ الْخِيَانَة وَالْكذب وَلَيْسَ بِحَدِيث كَمَا قد توهم
وَقد كَانَ يتنزه عَنهُ أشر خلق الله كالتسعة الرَّهْط الَّذين يفسدون فِي الأَرْض وَلَا يصلحون فَإِنَّهُم قَالُوا ﴿لنبيتنه وَأَهله ثمَّ لنقولن لوَلِيِّه مَا شَهِدنَا مهلك أَهله وَإِنَّا لصادقون﴾ فَإِنَّهُ كَمَا قَالَ جَار الله ﵀ وَفِي هَذَا دَلِيل قَاطع على أَن الْكَذِب قَبِيح عِنْد الْكَفَرَة الَّذين لَا يعْرفُونَ الشَّرْع ونواهيه وَلَا يخْطر ببالهم
أَلا ترى أَنهم قصدُوا قتل نَبِي الله وَلم يرْضوا لأَنْفُسِهِمْ أَن يَكُونُوا كاذبين حَتَّى سووا للصدق فِي خبرهم حِيلَة يتصونون بهَا عَن الْكَذِب انْتهى
وَفِي خبر أبي سُفْيَان مَعَ هِرقل الَّذِي سَاقه البُخَارِيّ أَوَائِل
стр. 119
صَحِيحه أَنه ترك الْكَذِب لِئَلَّا يُؤثر عَنهُ هَذَا فَكيف لَا يتنزه عَنهُ الْمُسلمُونَ بل أعيانهم وهم رُوَاة كَلَامه ﷺ فَإِن الرَّاوِي قد يلابس بعض مَا يُنكر عَلَيْهِ وَلَا يصدر عَنهُ الْكَذِب فِي رِوَايَته
وَهَذَا الزُّهْرِيّ كَانَ يخالط خلفاء الأموية ويلبس زِيّ الأجناد وَيفْعل مَا عابه عَلَيْهِ نظراؤه من أهل الْعلم فِي عصره وعدوه قبيحا عَلَيْهِ وَلما ذكر لَهُ بعض خلفائهم كلَاما فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِي تولى كبره مِنْهُم﴾ الْآيَة وَكذب الزُّهْرِيّ لما ذكر لَهُ الْحق قَالَ مَا مَعْنَاهُ وَالله لَو كَانَ إِبَاحَة الْكَذِب بَين دفتي الْمُصحف أَو نَادَى مُنَاد من السَّمَاء بإباحته لما فعلته انْتهى
فتحرز عَن الْكَذِب وَبَالغ فِي التَّنَزُّه عَنهُ مَعَ غشيانه لما عيب عَلَيْهِ
وَأما حَدِيث ثمَّ يفشو الْكَذِب فَلَا يُنَافِي أَن تكون طَائِفَة من الْأمة متحرزة عَنهُ فقد ثَبت أَنَّهَا لَا تزَال طَائِفَة من الْأمة على الْحق ظَاهِرين لَا يضرهم من خالفهم وَأي طَائِفَة أعظم من
стр. 120
رُوَاة حَدِيثه ﷺ وَيُؤَيّد ذَلِك حَدِيث (إِنَّه يحمل هَذَا الْعلم عَن كل خلف عدوله) صَححهُ ابْن عبد الْبر وَرُوِيَ عَن أَحْمد بن حَنْبَل أَنه
стр. 121
حَدِيث صَحِيح
وَاعْلَم أَنه لَيْسَ مرادنا من هَذَا نفي وُقُوع الْكَذِب من الروَاة بل قد تحقق وُقُوعه بِلَا ريب بل مرادنا أَنه لَا يقبل الْقدح بِالْكَذِبِ والوضع إِلَّا فِيمَن علم خلاعته وتساهله فِي الدّين وارتكابه للعظائم فَإِنَّهُ لَا يقدم على الْكَذِب عَلَيْهِ ﷺ إِلَّا من كَانَ لَا ديانَة لَهُ مُحَققَة
стр. 122
فَلَا يُقَال يُعَارض مَا ذكرت من الْوَرع عَنهُ الدَّاعِي إِلَيْهِ وَهُوَ مَا فِي النُّفُوس من محبَّة الرِّئَاسَة بالتسمي بالمحدث والترفع وَالدَّعْوَى الْبَاطِلَة بِأَنَّهُ حَافظ للأحاديث راولها صَاحب الرِّوَايَات حَافظ الْعَصْر وَنَحْو ذَلِك من الألقاب القاطعة للأعناق الحاملة على تحلي الْإِنْسَان بِغَيْر مَا هُوَ أَهله
لأَنا نقُول هَذَا لَا يكون إِلَّا لمن لَهُ إِلْمَام بمخافة الله وتقواه السَّامع للوعيد فِيمَن تَقول عَلَيْهِ ﷺ مَا لم يقلهُ وَلَا يصدر هَذَا إِلَّا عَن خليع تفضحه خلاعته وتنفر عَنهُ وَعَن الرِّوَايَة عَنهُ وَعَن قبُوله
وَلَا يخفى على ناقد حَقِيقَة حَاله وَمثل هَذَا لَا يكون بِحَمْد الله مَقْبُولًا عَن أحد من طوائف الروَاة وَلَا يقبل ترويجه بل هُوَ أقرب شَيْء إِلَى الافتضاح فَهُوَ مَأْمُون دُخُوله فِي الروَاة الَّذين قبلهم أساطين الْحفاظ المفتشين عَن كل ذرة والمتتبعين كل لَفْظَة
وَلَا يكون الْكَذِب إِلَّا لخليع لَا يُبَالِي بالهتك كَمَا قَالَ بعض الْخُلَفَاء وَقد عوتب على الْكَذِب لَو غرغرت بِهِ لهواتك مَا فارقته
стр. 123
كَمَا قيل لكذاب هَل صدقت قطّ فَقَالَ لَوْلَا أَنِّي صَادِق فِي قَول لَا لقلتهَا
وأمثال هَؤُلَاءِ قد صان الله أَحَادِيث رَسُول ﷺ أَن يَكُونُوا من رواتها وَقد جعل الله لكَلَامه ﷺ رونقا وطلاوة وحلاوة يكَاد يعرف الممارسين لأحاديثه كَلَامه ﷺ من كَلَام غَيره فَإِنَّهُ قد أُوتِيَ ﷺ جَوَامِع الْكَلم وَأَتَاهُ الله من البلاغة مَا لم يُؤْت أحدا من الْعَالمين ولمعاني كَلَامه ومقاصده مَا يعرف بِهِ كَلَامه من كَلَام غَيره فِي الْأَغْلَب
وَقد أخرج أَحْمد وَأَبُو يعلى عَن أبي أسيد وَأبي حميد مَرْفُوعا إِذا سَمِعْتُمْ الحَدِيث عني تعرفه قُلُوبكُمْ وتلين لَهُ أَشْعَاركُم وَأَبْشَاركُمْ وترون أَنه مِنْكُم قريب فَأَنا أولاكم بِهِ وَإِذا سَمِعْتُمْ الحَدِيث عني تنكره قُلُوبكُمْ وتنفر مِنْهُ أَشْعَاركُم وَأَبْشَاركُمْ وترون أَنه بعيد عَنْكُم فَأَنا أبعدكم مِنْهُ وَإِن كَانَ قد
стр. 124
ضعف فَمَعْنَاه حسن فَإِن قلت إِذا كَانَت أَئِمَّة الْجرْح وَالتَّعْدِيل قد قيل فيهم مَا قيل فَكيف يَأْمَن النَّاظر لَدَيْهِ أَن يَقُولُوا فِيمَن خَالف مَذْهَبهم كَاذِب أَو وَضاع وَلَيْسَ كَذَلِك فَكيف الثِّقَة بهم قلت قد عرفنَا من تتبع أَحْوَالهم الْإِنْصَاف فِيمَا يَقُولُونَهُ أَلا تراهم يَقُولُونَ ثِقَة إِلَّا أَنه كَانَ يتشيع كَانَ حجَّة إِلَّا أَنه كَانَ يرى الْقدر كَانَ ثِقَة إِلَّا أَنه كَانَ مرجئا كَانَ مائلا عَن الْحق وَلم يكذب فِي الحَدِيث كَانَ يرى الْقدر وَهُوَ مُسْتَقِيم الحَدِيث فَهَذَا دَلِيل أَن الْقَوْم كَانُوا يذكرُونَ فِي الشَّخْص مَا هُوَ عَلَيْهِ
стр. 125
واتصف بِهِ من خير وَشر وَلَا يتقولون عَلَيْهِ إِذْ لَو كَانُوا يتقولون لرموا من خالفهم فِي الْمذَاهب بِالْكَذِبِ وَلما وثقوا شِيعِيًّا وَلَا قدريا وَلَا مرجئا
وهب أَنهم يتَّفق لَهُم شَيْء من ذَلِك فَلَا تَأْخُذ بِأول قَول يطْرق سَمعك من إِمَام جرح وتعديل بل تتبع مَا قَالَه فِيهِ غَيره واستقراء الْقَرَائِن فَلَا بُد وَأَن يحصل لَك ظن تعْمل بِهِ أَو تقف على الْعَمَل بِهِ
وَصدق من درج من قبلنَا وَحسن حَاله أَو قبحه لَا يعرف إِلَّا بقرائن تُؤْخَذ مِمَّا يسرده عَنهُ الروَاة والمؤرخون وَأهل الْمعرفَة بأحوال النَّاس وأيامهم وَهَذِه قَرَائِن دلّت على إنصاف أَئِمَّة هَذَا الشَّأْن وَإِن كَانَت لَهُم هفوات فَإِنَّهُ لم يثبت إِلَّا عصمَة الْأَنْبِيَاء من نوع الْإِنْسَان
فَإِن قلت مَا أردْت من جمع هَذِه الْكَلِمَات قلت فَوَائِد جمة وَأُمُور مهمة يعرف قدرهَا من هُوَ فِي هَذَا الشَّأْن من الْأَئِمَّة فقد اشْتَمَلت على نفائس الأنظار وعَلى عُيُون مسَائِل يظمأ إِلَى معينها حَملَة الْآثَار وَبَيت قصيدها وعمدة مقصودها بَيَان أَنه لَا يشْتَرط فِي قبُول الروَاة إِلَّا ظن صدق الرَّاوِي وَضَبطه وَلَا يرد إِلَّا بكذبه وَسُوء
стр. 126
حفظه وَنَحْوهمَا وَأَن هَذَا شَرط مُتَّفق عَلَيْهِ بَين كل طَائِفَة
وَالْخلاف فِي الْقدح وَمَا عداهُ قد أَقَمْنَا الْأَدِلَّة على أَنه لَا قدح بِهِ فِي الرِّوَايَة وَالله سُبْحَانَهُ ولي كل توفيق وهداية
نَسْأَلهُ أَن يرزقنا معرفَة الْحق واتباعه ويجعلنا أَهله وَأَتْبَاعه وَصلى الله على من نرجو بجاهه الشَّفَاعَة فِي يَوْم الْحَشْر والنشر وَقيام السَّاعَة وعَلى آله وأزواجه أَصْحَاب الْمُؤمنِينَ وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين انْتهى بِحَمْد الله