Полный текст (126 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
مَعَ أَنهم قد صَرَّحُوا أَنه لَا يلْزم فِي الرِّوَايَة مَا يلْزم فِي الشَّهَادَة لِأَن بَاب الشَّهَادَة أضيق ولإلحاق الأخف على الأغلظ
وَبعد هَذَا يظْهر لَك أَنه لَا اعْتِمَاد إِلَّا على ظن الصدْق وَكَون الرَّاوِي مصونا عَن الْكَذِب كَمَا عرفت من نُصُوص أَئِمَّة الحَدِيث
نعم الْإِشْكَال عَلَيْهِم فِي قبُول رِوَايَة الرافضي الساب للصحابة والناصبي الساب لعَلي ﵁ مَعَ عدهم السب للصحابة من الْكَبَائِر كَمَا صرح بِهِ فِي جمع الْجَوَامِع وَفِي الْفُصُول فَإِذا
стр. 72
قبلوا فَاعل الْكَبِيرَة وَلَيْسَ إِلَّا لظن صدقه مَعَ أَن مرتكب الْكَبِيرَة فَاسق تَصْرِيح لَا تَأْوِيل
وَقد سبق فِي تَفْسِير الْعَدَالَة أَنه لَا بُد من السَّلامَة مِنْهُ وَقد نقل الْإِجْمَاع على عدم قبُول قَول فَاسق التَّصْرِيح كَمَا فِي الْفُصُول وَغَيره وَاسْتدلَّ لَهُ صَاحب الْفُصُول بقوله تَعَالَى ﴿إِن جَاءَكُم فَاسق بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ الْآيَة
وَأصَاب فِي الِاسْتِدْلَال بهَا على ذَلِك لِأَنَّهَا نزلت فِي الْوَلِيد ابْن عقبَة كَمَا تطابق عَلَيْهِ أَئِمَّة التَّفْسِير وَهُوَ فَاسق تَصْرِيح بشربه الْخمر كَمَا فِي صَحِيح مُسلم وَذكره بِشرب الْخمر ابْن عبد الْبر والذهبي وَإِن كَانَ نزُول الْآيَة لسَبَب قَضيته مَعَ بني المصطلق وَكذبه عَلَيْهِم كَمَا هُوَ مَعْرُوف
وَلم يصب ابْن الْحَاجِب وَصَاحب الْغَايَة فِي الِاسْتِدْلَال
стр. 73
بهَا على رد فَاسق التَّأْوِيل لما سَمِعت من أَنَّهَا نزلت فِي فَاسق التَّصْرِيح وَلَا يُقَال لَا يقصر الْعَام على سَببه بِنَاء على أَن الْفِعْل فِي سِيَاق الشَّرْط يُفِيد الْعُمُوم كَمَا ذكره شَارِح جمع الْجَوَامِع وَنسبه إِلَى ابْن الْحَاجِب لِأَنَّهُ بعد تَسْلِيم ذَلِك
فسق التَّأْوِيل
ففسق التَّأْوِيل اصْطِلَاح عرفي لَيْسَ لَهُ فِي اللُّغَة ذكر وَالْآيَة لَا تحمل على الْمعَانِي الْعُرْفِيَّة الْحَادِثَة والاصطلاح الْجَدِيد اتِّفَاقًا فعلى تَسْلِيم الْعُمُوم شَمل كل فَاسق تَصْرِيح
على أَن فِي الِاسْتِدْلَال بهَا على عدم قبُول خَبره أبحاث ذكرهَا فِي العواصم تُشِير إِلَى شَيْء من ذَلِك وَهُوَ أَنه تَعَالَى قَالَ ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ أَي فتوثقوا فِيهِ وتطلبوا بَيَان الْأَمر وانكشاف الْحَقِيقَة وَلَا يعْتَمد قَول الْفَاسِق لِأَن من لَا يتحامى عَن جنس
стр. 74
الفسوق لَا يتحامى الْكَذِب الَّذِي هُوَ نوع مِنْهُ
هَذَا كَلَامه وَلَا يخفى أَنه قد مر غير مرّة فِي هَذِه الرسَالَة التَّصْرِيح بِعَدَمِ لُزُوم الْكَذِب للفسق بل للكفر وَأَنه تتنزه عَنهُ الْكفَّار فضلا عَن الْفُسَّاق وَسَيَأْتِي تصريحه بتنزه الْفُسَّاق عَنهُ فِيمَا سننقله من تنقيحه
وَقَرَأَ ابْن مَسْعُود ﵁ فتثبتوا والتثبت والتبين متقاربان وهما طلب الثَّبَات وَالْبَيَان والتعرف وَفِي تَفْسِير الْبَيَان أوجب الله تَعَالَى على الْمُؤمنِينَ التبين والتثبت عِنْد إِخْبَار الْفَاسِق وشهادته
قلت فالآية أمرت بالتبين كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيل الله فَتَبَيَّنُوا﴾ الْآيَة وَلَيْسَ أمرا بِالرَّدِّ كَمَا فِي قَوْله
стр. 75
تَعَالَى عِنْد الْأَمر بِالْقَذْفِ ﴿وَلَا تقبلُوا لَهُم شَهَادَة أبدا﴾ وَفِي غَيرهم ﴿وَلَوْلَا إِذْ سمعتموه قُلْتُمْ مَا يكون لنا أَن نتكلم بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بهتان عَظِيم﴾ وَفِي الْآيَة الْأُخْرَى ﴿لَوْلَا إِذْ سمعتموه ظن الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَات بِأَنْفسِهِم خيرا وَقَالُوا هَذَا إفْك مُبين﴾
فَإِن قلت الْأَمر بالتبين لخبره فِي معنى الْأَمر برده قلت لَا بل رتب الله تَعَالَى وَاجِبا على خَبره هُوَ التبين فقد ثَبت بِخَبَرِهِ حكم بِخِلَاف الرَّد فَإِنَّهُ لم يثبت بالمردود حكما أصلا إِنَّمَا بَقِي شَيْئا مَعَه على الأَصْل وَهُوَ بَرَاءَة الذِّمَّة عدم الحكم بِشَيْء فوجوده وَعَدَمه سَوَاء
وَقد عد صَاحب العواصم فِي الِاسْتِدْلَال على عدم دلَالَة الْآيَة على رد خبر فَاسق التَّأْوِيل كَمَا صنع ابْن الْحَاجِب وَصَاحب الْغَايَة مَا ينيف على خَمْسَة
стр. 76
عشر إشْكَالًا
стр. 77
وَإِذا تتبعت مَا سلف علمت أَن الْآيَة دلّت على أَنه يتَوَقَّف فِي خبر الْفَاسِق تَصْرِيحًا لَا يرد بل يَقْتَضِي الْبَحْث عَمَّا أخبر بِهِ لَا رد خَبره
فَإِن قلت قد وَقع الْإِجْمَاع على عدم قبُول خَبره ورده فيكف نافى الْإِجْمَاع الْآيَة قلت لَا نسلم الْإِجْمَاع كَيفَ وَهَؤُلَاء أَئِمَّة الحَدِيث رووا عَن فساق التَّصْرِيح الَّذين يسبون الشَّيْخَيْنِ ويسبون عليا وَغَيرهم وَحِينَئِذٍ فَلَا بُد من تَخْصِيص الْكَبَائِر فِي رسم الْعَدَالَة بِمَا عدا سبّ الْمُسلم
وَمن هُنَا تزداد بَصِيرَة فِي أَن رسم الْعَدَالَة بذلك الرَّسْم لَا يتم فِي حق الروَاة وَأَن الْمرجع لَيْسَ إِلَّا فِي ظن الصدْق
فَإِن قلت قد أبطل الله تَعَالَى شَهَادَة الْقَاذِف فَقَالَ ﴿وَلَا تقبلُوا لَهُم شَهَادَة أبدا﴾ وَالْقَذْف كَبِيرَة فَيلْحق بِهِ سَائِر الْكَبَائِر فِي عدم الْقبُول لأخبار مرتكبها
стр. 78
قلت أما أَولا فَإِنَّهُ قِيَاس فَاسد الْوَضع لمصادمته آيَة التبين
وَثَانِيا إِنَّه لَا قِيَاس لكبيرة على كَبِيرَة لعدم معرفَة الْوَجْه الْجَامِع وَإِلَّا لزم إِيجَاب حد الْقَذْف فِي كل كَبِيرَة بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ
فَالْحق أَن الْقَذْف لعظم حُرْمَة الْمُؤْمِنَات وهتك حجاب عفتهن كَانَت عُقُوبَة الْقَاذِف شَدِيدَة فِي الدُّنْيَا بأمرين جلده ثَمَانِينَ جلدَة ثمَّ إِسْقَاطه عَن قبُول الشَّهَادَة وَلَو فِي حَبَّة خَرْدَل فَلَا يحلق بِهِ غَيره
فَإِن قلت وَكَيف يعرف أَن الْمخبر يُفِيد خَبره الظَّن فَإِنَّهُ إِنَّمَا يعرف ذَلِك من خالط الْمخبر قلت مَا يعرف بِهِ عَدَالَة المخبرين الَّذين لم يلقهم الْمخبر لَهُ يعرف صدق المخبرين فَإِن معرفَة أَحْوَال الروَاة من تراجمهم يُفِيد ذَلِك
стр. 79
المبتدع الداعية إِلَى بدعت
تَنْبِيه
سبقت الْإِشَارَة إِلَى أَنهم قد استثنوا من المبتدعة الداعية فَقَالُوا وَلَا يقبل خَبره قَالَ فِي التَّنْقِيح فَإِن قلت مَا الْفرق بَين الداعية وَغَيره عِنْدهم قلت مَا أعلم أَنهم ذكرُوا فِيهِ شَيْئا وَلَكِن نظرت فَلم أجد غير وَجْهَيْن
أَحدهمَا أَن الداعية شَدِيد الرَّغْبَة فِي استمالة قُلُوب النَّاس إِلَى مَا يَدعُوهُم إِلَيْهِ فَرُبمَا حمله عَظِيم ذَلِك على تَدْلِيس أَو تَأْوِيل
الْوَجْه الثَّانِي أَن الرِّوَايَة عَن الداعية تشْتَمل على مفْسدَة وَهِي إِظْهَار أَهْلِيَّته للرواية وَأَنه من أهل الصدْق وَالْأَمَانَة وَذَلِكَ تغرير لمخالطته وَفِي مُخَالطَة من هُوَ كَذَلِك للعامة مفْسدَة كَبِيرَة
قلت وَهَذَا الْوَجْه الآخر قد أَشَارَ إِلَيْهِ أَبُو الْفَتْح الْقشيرِي نَقله عَنهُ الْحَافِظ ابْن حجر ثمَّ قَالَ فِي التَّنْقِيح وَالْجَوَاب عَن الأول أَنَّهَا تُهْمَة ضَعِيفَة لَا تَسَاوِي الْوَرع أَي الْمَانِع الشَّرْعِيّ الَّذِي يمْنَع ذَلِك المبتدع المتدين من الفسوق فِي الدّين وارتكاب دناءة الْكَذِب
стр. 80
الَّذِي يتنزه عَنهُ كثير من الفسقة المتمردين
كَيفَ والكاذب لَا يخفى تزويره وَعَما قَلِيل ينْكَشف تدليسه وتغريره ويفهمه النقاد وتتناوله أَلْسِنَة أهل الأحقاد وَأهل المناصب الرفيعة يأنفون من ذَلِك فَكيف إِذا كَانُوا من أهل الْجمع بَين الصيانة والديانة
وَقد احْتَجُّوا بقتادة لما قويت عِنْدهم عَدَالَة أَمَانَته وَهُوَ دَاعِيَة على أصولهم إِلَى بِدعَة الاعتزال
قَالَ الذَّهَبِيّ فِي التَّذْكِرَة كَانَ يرى الْقدر وَلم يكن يقنع حَتَّى كَانَ يَصِيح بِهِ صياحا
ثمَّ قَالَ صَاحب التَّنْقِيح وَالْجَوَاب عَن الثَّانِي أَنا نقُول إِمَّا أَن يقوم الدَّلِيل الشَّرْعِيّ على قبولهم أَو لَا إِن لم يدل على
стр. 81
وجوب قبولهم لم نقبلهم دعاة كَانُوا أَو غير دعاة وَإِن دلّ على وجوب الْقبُول لم يصلح مَا أوردهُ مَانِعا من امْتِثَال الْأَمر وَلَا مسْقطًا انْتهى
فَعلمت من هَذَا كُله قبُول من لم يتهم بِالْكَذِبِ وَعدم شَرْطِيَّة الْعَدَالَة بِالْمَعْنَى الَّذِي أرادوه وَهُوَ أَنه لَا يرد من المبتدعة إِلَّا من أجَاز الْكَذِب لنصرة مذْهبه كالخطابية
جلالة الصَّحَابَة
وَاعْلَم أَنَّهَا سبقت إِشَارَة إِلَى شَأْن الصَّحَابَة ﵃ عِنْد ذكرنَا أهل الْعَصْر النَّبَوِيّ فَهُوَ أَعم من أَصْحَابه وَأما الصَّحَابَة ﵃ فَلهم شَأْن جليل وشأو نبيل ومقام رفيع وحجاب منيع فارقوا فِي دين الله أهلهم وأوطانهم وعشائرهم وإخوانهم وأنصارهم وأعوانهم وهم الَّذين أثنى الله ﷻ عَلَيْهِم فِي كِتَابه وأودع ثناءهم شرِيف كَلَامه وخطابه
стр. 82
وَفِيهِمْ الممادح النَّبَوِيَّة وَالْأَخْبَار الرسولية بِأَنَّهُ لَا يبلغ أحد مد أحدهم وَلَا نصيفه وَلَو أنْفق مثل أحد ذَهَبا
إِلَّا أَن تَفْسِير الصَّحَابِيّ بِمن لقِيه ﷺ أَبُو بِمن رَآهُ وتنزيل تِلْكَ الممادح عَلَيْهِ فِيهِ بعد يأباه الْإِنْصَاف وَلَا يُقَال لرعية الْملك أَصْحَاب الْملك وَإِن رَأَوْهُ ورآهم ولقوه ولقيهم بل أَصْحَابه من لَهُم بِهِ اخْتِصَاص وهم طَبَقَات فِي ذَلِك مُتَفَاوِتَة نعم هَذَا
стр. 83
اللَّفْظ الَّذِي هُوَ لفظ الصاحب فِيهِ توسع فِي اللُّغَة كثير يُطلق على من لابس أَي شَيْء وَلَو من الجمادات ﴿يَا صَاحِبي السجْن﴾ ﴿أَصْحَاب الْجنَّة﴾ و ﴿أَصْحَاب النَّار﴾ وعَلى من لَيْسَ على مِلَّة من أضيف إِلَيْهِ ﴿قَالَ لَهُ صَاحبه وَهُوَ يحاوره أكفرت﴾ وَبِالْجُمْلَةِ فاللفظ متسع نطاق إِطْلَاقه غير مُقَيّد بِشَيْء يَخُصُّهُ
стр. 84
إِلَّا أَن الْفَرد الْكَامِل عِنْد إِطْلَاقه على الملازم لمن أضيف إِلَيْهِ وَإِن أطلق على من رَآهُ أَو لقِيه فَإِنَّهُ أقل من الأول قطعا اسْتِعْمَالا وتبادرا حَال الْإِطْلَاق وَلَيْسَ كل من رأى من أضيف إِلَيْهِ يصلح إِطْلَاقه عَلَيْهِ فَإِن أهل الْجنَّة يرَوْنَ النَّار وَأَهْلهَا ﴿وَإِذا صرفت أَبْصَارهم تِلْقَاء أَصْحَاب النَّار﴾ ﴿فَرَآهُ فِي سَوَاء الْجَحِيم﴾ وَلَا يُقَال لَهُم أَصْحَاب النَّار
وَلم يدر الْإِطْلَاق على الرُّؤْيَة كَمَا دَار على الْمُلَازمَة فَإِنَّهُ يُطلق على من لم يره المصاحب وَلَا لاقاه كَمَا يُقَال قتل من أَصْحَاب الْملك فِي المعركة الْفُلَانِيَّة كَذَا وَمن أَصْحَاب عدوه كَذَا وَلَعَلَّ فِيمَن قتل من لم يلق الْملك وَلَا رَآهُ بل يُقَال لمن فِي مصر مثلا أَصْحَاب السُّلْطَان وَمَا رَآهُمْ وَلَا رَأَوْهُ لما كَانُوا ينتسبون إِلَيْهِ فِي أَي أَمر
وَإِذا تقرر هَذَا فَهُوَ وَإِن صَحَّ الْإِطْلَاق على من لاقاه ﷺ وَلَو لَحْظَة من ليل أَو نَهَار إِلَّا أَن الممادح القرآنية وَالْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة وَالصِّفَات الشَّرِيفَة الْعلية الَّتِي كَانَت هِيَ الدَّلِيل على عدالتهم وعلو
стр. 85
مَنْزِلَتهمْ ورفعة مكانهم تخص الَّذين صحبوه صُحْبَة مُحَققَة ولازموه مُلَازمَة ظَاهِرَة الَّذين قَالَ الله تَعَالَى فيهم ﴿مُحَمَّد رَسُول الله وَالَّذين مَعَه أشداء على الْكفَّار رحماء بَينهم تراهم ركعا سجدا يَبْتَغُونَ فضلا من الله ورضوانا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوههم من أثر السُّجُود﴾
فَهَذِهِ الصِّفَات إِمَّا كاشفة أَو مُقَيّدَة وعَلى كل تَقْدِير فَلَيْسَ كل من رَآهُ لَهُ هَذِه الصِّفَات ضَرُورَة وَكَذَلِكَ الصِّفَات الَّتِي بعْدهَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمثلهمْ فِي الْإِنْجِيل﴾
نعم لمن رَآهُ مُؤمنا بِهِ ولاقاه واكتحل بأنوار محياه شرف لَا يجهل وَقد قَالَ ﷺ (طُوبَى لمن رَآنِي وَلمن رأى من رَآنِي طُوبَى لَهُم وَحسن مآب) أخرجه الطَّبَرَانِيّ وَفِيه بَقِيَّة إِلَّا أَنه صرح
стр. 86
بِالسَّمَاعِ فَزَالَ مَا يخَاف من تدليسه كَمَا قَالَه الهيثمي
إِلَّا أَنه قَالَ لَا يبلغ إِلَى مَحل من لاقاه ولازمه فِي صباحه ومساه ولازمه فِي حلّه وأرحاله وَتَابعه فِي جَمِيع أَفعاله وأقواله وَاسْتمرّ على طَرِيقَته الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا بعد وَفَاته فَهَؤُلَاءِ هم أَعْيَان الصَّحَابَة وهم أَعنِي
هَؤُلَاءِ أُمَم لَا يُحصونَ أهل بدر وَأحد وَالْحُدَيْبِيَة وبيعة الرضْوَان
стр. 87
والمحدثون وَإِن أطْلقُوا أَن كل الصَّحَابَة عدُول فقد ذكرُوا قبائح لجَماعَة لَهُم رُؤْيَة تخرجهم عَن عُمُوم دَعْوَى الْعَدَالَة كَمَا قَالَ الْحَافِظ الذَّهَبِيّ فِي النبلاء فِي مَرْوَان بن الحكم لَعنه الله مَا لَفظه بعد سِيَاق طرف من أَحْوَاله وَحضر الْوَقْعَة يَوْم الْجمل وَقتل طَلْحَة وَنَجَا وليته مَا نجا انْتهى
وَفِي الْمِيزَان مَرْوَان بن الحكم لَهُ أَعمال موبقة نسْأَل الله السَّلامَة رمى طَلْحَة بِسَهْم وَفعل وَفعل
فَهَذَا تَصْرِيح بِفِسْقِهِ وَقَالَ فِي تَرْجَمَة طَلْحَة من النبلاء إِن مَرْوَان بن الحكم قَاتل طَلْحَة ثمَّ قَالَ قَاتل طَلْحَة فِي الْوزر كقاتل عَليّ ﵁
وَقَالَ ابْن حزم فِي أَسمَاء الْخُلَفَاء وَالْأَئِمَّة أَن مَرْوَان
стр. 88
ابْن الحكم أول من شقّ عَصا الْمُسلمين بِلَا شُبْهَة وَلَا تَأْوِيل وَذكر أَنه قتل النُّعْمَان بن بشير أول مَوْلُود فِي الْإِسْلَام للْأَنْصَار صَاحب رَسُول الله ﷺ وَذكر أَنه خرج على ابْن الزبير بعد أَن بَايعه على الطَّاعَة
وَقَالَ ابْن حبَان فِي صَحِيحه عائذا بِاللَّه أَن يحْتَج بِمَرْوَان وَذَوِيهِ فِي شَيْء من كتبنَا وكل من أَئِمَّة الحَدِيث تكلم بِمَا هُوَ وَقع مِنْهُ
وَالْعجب من الْحَافِظ ابْن حجر حَيْثُ قَالَ مَرْوَان بن الحكم يُقَال لَهُ رُؤْيَة فَإِن ثبتَتْ فَلَا يعرج على من تكلم فِيهِ ثمَّ قَالَ فَأَما قتل طَلْحَة فَكَانَ فِيهِ متأولا كَمَا قَرَّرَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَغَيره
ثمَّ قَالَ إِنَّمَا حمل عَنهُ من روى عَنهُ البُخَارِيّ عَن مَرْوَان أَنه قبل خُرُوجه على ابْن الزبير ثمَّ قَالَ وَقد اعْتمد مَالك على حَدِيثه ورأيه وَالْبَاقُونَ سوى مُسلم انْتهى
فَقَوله إِن ثبتَتْ لَهُ رُؤْيَة فَلَا يعرج على من تكلم فِيهِ
هُوَ مَحل
стр. 89
التَّعَجُّب كَادَت الرُّؤْيَة تجَاوز حد الْعِصْمَة وَأَن لَا يخرج من ثبتَتْ لَهُ بقتل نفس معصومة وَلَا غَيرهَا من الموبقات وَكَلَام الذَّهَبِيّ فِيهِ هُوَ الْإِنْصَاف دون كَلَام الْحَافِظ وَلَو اقْتصر فِي الْعذر لرِوَايَة البُخَارِيّ وَغَيره عَنهُ بِمَا نَقله عَن عُرْوَة بن الزبير أَن مَرْوَان بَاغ كَانَ لَا يتهم فِي الحَدِيث لَكَانَ أقرب وَأَن الْعُمْدَة تحري الصدْق
وَأما اعتذاره بِأَنَّهُ قتل طَلْحَة متأولا فعذر لَا يبْقى مَعَه لعاص مَعْصِيّة بل يَدعِي لَهُ التَّأْوِيل وَهُوَ كتأويل من تَأَول لمعاوية فِي فواقره أَنه مُجْتَهد أَخطَأ فِي اجْتِهَاده مَعَ أَنه قد نقل الْعَلامَة العامري الْإِجْمَاع على أَنه بَاغ والباغي غير مُجْتَهد فِي بغيه وَإِلَّا لما سمي بَاغِيا
وَفِي العواصم وَقد اعْترف أهل الحَدِيث بأجمعهم بِأَن الْمُحَاربين لعَلي ﵁ مُعَاوِيَة وَمن تبعه بغاة عَلَيْهِ وَأَنه صَاحب الْحق انْتهى
وَأما قبُول روايتهم عَن الْبُغَاة فَلَمَّا عرفت من الْإِجْمَاع على
стр. 90
قبولهم وَأَنه لَيْسَ مدَار الرِّوَايَة إِلَّا على ظن الصدْق وَأحسن من قَالَ
(قَالُوا النواصب قد أَخطَأ مُعَاوِيَة ... فِي الِاجْتِهَاد وَأَخْطَأ فِيهِ صَاحبه)
(وَالْعَفو فِي ذَاك مرجو لفَاعِله ... وَفِي أعالي جنَّات الْخلد رَاكِبه)
(قُلْنَا كَذبْتُمْ فَلم قَالَ النَّبِي لنا ... فِي النَّار قَاتل عمار وسالبه) ثمَّ قَوْله فَلَا يعرج على من تكلم فِيهِ إِن ثبتَتْ لَهُ الرُّؤْيَة مُرَاده إِلَّا إِذا لم يثبت فَيقبل فِيهِ الْقدح وَقد نقضه آخر لما قَالَ إِنَّمَا روى عَنهُ من روى قبل خُرُوجه على ابْن الزبير انْتهى
إِلَّا أَن يُقَال مُرَاده أَنه لم يَصح ثُبُوتهَا لَهُ وَلَو سلمنَا أَنه سمع فِيهِ الْقدح فيجاب عَنهُ بِأَنَّهُ لَا يضر ذَلِك فِي الرِّوَايَة عَنهُ قبل وُقُوع مَا جرح بِهِ فَلَا يخدش ذَاك فِي هَذَا وَقد خَالف المحدثون ابْن
стр. 91
حجر فَإِنَّهُم صَرَّحُوا بفسق من لَهُ رُؤْيَة كبسر بن أَرْطَاة
قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ كَانَت لَهُ صُحْبَة وَلم تكن لَهُ استقامة بعد رَسُول الله ﷺ وَقَالَ ابْن عبد الْبر كَانَ ابْن معِين يَقُول إِنَّه رجل سوء قَالَ ابْن عبد الْبر وَذَلِكَ لعظائم ارتكبها فِي الْإِسْلَام
وَكَذَلِكَ الْوَلِيد بن عقبَة قَالَ الذَّهَبِيّ فِي النبلاء فِي تَرْجَمته كَانَ يشرب الْخمر وحد على شربهَا وَرُوِيَ شعره فِي شربهَا قَالَ وَهُوَ الَّذِي صلى بِأَصْحَابِهِ الْفجْر أَرْبعا وَهُوَ سَكرَان ثمَّ الْتفت إِلَيْهِم وَقَالَ أَزِيدكُم وَقد ذكر المحدثون فِي كتب معرفَة الصَّحَابَة من ارْتَدَّ وَكفر من الصَّحَابَة بعد إِسْلَامه وَالْكفْر أعظم الْكَبَائِر
стр. 92
وَالْقَصْد من هَذَا بَيَان أَن أَقْوَال الْحَافِظ إِن ثبتَتْ رُؤْيَة لمروان فَلَا يعرج على من تكلم فِيهِ فِي أَنه جعل الرُّؤْيَة كالعصمة وَكَلَامه خلاف مَا عَلَيْهِ أَئِمَّة الحَدِيث
وَلَا يُقَال من ارْتَدَّ فقد استثنوه من اسْم الصُّحْبَة لأَنا نقُول لَيْسَ مرادنا إِلَّا أَن الرُّؤْيَة لَيست بمانعة من ارْتِكَاب الْمعاصِي وَلَا يُقَال فِيهَا إِن ثبتَتْ فَلَا يعرج على كَلَام من تكلم فِي صَاحبهَا فَإِن هَذَا أصل لم يُوَافق قَائِله عَلَيْهِ وَلَا يُطَابق مَا عرف من كَلَام أَئِمَّة الحَدِيث
نتائج الْبَحْث
وَإِذا أحطت علما بِمَا أسلفناه فها هُنَا فَوَائِد هِيَ كالنتائج وَالْفُرُوع لما قدمْنَاهُ
الأولى أَن التوثيق لَيْسَ عبارَة عَن التَّعْدِيل فِي اصطلاحهم بل عَن أَن الموثق اسْم مفعول صَادِق لَا يكذب مَقْبُول الرِّوَايَة كَمَا سمعته من توثيقهم من لَيْسَ بِعدْل
فالعدالة فِي اصطلاحهم أخص من التوثيق وَوُجُود الْأَعَمّ
стр. 93
لَا يسْتَلْزم وجود الْأَخَص
الثَّانِيَة التَّعْدِيل بِأَنَّهُ أخرجه لَهُ الشَّيْخَانِ كَمَا يَقُولُونَهُ كثيرا أَو أَحدهمَا أَو احتجا بِهِ أَو أَحدهمَا لَيْسَ تعديلا بل هُوَ تَوْثِيق أَيْضا
فَقَوْل الشَّيْخ أبي الْحسن الْمَقْدِسِي فِي الرجل الَّذِي يخرج عَنهُ فِي الصَّحِيح هَذَا جَازَ القنطرة حَتَّى لَا يلْتَفت إِلَى مَا قيل فِيهِ كَأَنَّهُ يُرِيد كثير مِنْهُم جازها وَإِلَّا فَكيف يجوزها النواصب وغلاة الشِّيعَة وَأهل الإرجاء والمبتدعة مِمَّن هم فِي الصَّحِيح
الثَّالِثَة قدح المبتدع فِي المبتدع لَا يقبل على أصلهم كَمَا قَالَ الْحَافِظ فِي الرَّد على الْجوزجَاني فِي قدحه على إِسْمَاعِيل بن أبان بالتشيع وَهَذِه فَائِدَة جليلة تُؤْخَذ من غُضُون الأبحاث وَقد صرح بهَا الأصوليون حَيْثُ قَالُوا لَا يقبلان أَي الْجرْح وَالتَّعْدِيل إِلَّا من عدل
стр. 94
وَلكنه لَا يتم إِلَّا لمن عد ترك الْبِدْعَة من مَاهِيَّة الْعَدَالَة كَمَا فعله الْحَافِظ وَابْن الْحَاجِب لَا كَمَا نَقله صَاحب غَايَة السؤل فَإِنَّهُ حذف قيد الابتداع وَلم يبين فِي شَرحه وَجه حذفه كَأَنَّهُ لما قَالَه السعد فِي شرح الشَّرْح إِن فِي كَون الْبِدْعَة مخلة بِالْعَدَالَةِ نظر انْتهى وَلم يبين وَجه النّظر إِلَّا يكون أَن الْغَزالِيّ لم يذكرهَا فِي رسم الْعَدَالَة وَلم يتَكَلَّم صَاحب جَوَاهِر التَّحْقِيق على هَذَا
وَقد عرفت مِمَّا أسلفناه أَن الأولى ترك قيد الابتداع إِلَّا أَن يدرج فِي الْكَبَائِر لما عرفت من نهوض الْأَدِلَّة على أَنَّهَا مِنْهَا وَقد عده صَاحب الزواجر مِنْهَا وَهُوَ صَادِق عَلَيْهِ حَدهَا بِأَنَّهَا مَا توعد عَلَيْهِ بِعَيْنِه كَمَا فِي الْفُصُول وَجمع الْجَوَامِع فَمَا نظره السعد غير صَحِيح إِلَّا أَن يُرِيد أَنَّهَا قد دخلت فِي قيد من قيود حد الْعَدَالَة وَإِلَّا صَحَّ أَن هَذَا مُرَاده فَإِنَّهُ جعل مَحل النّظر إخلالها بِالْعَدَالَةِ
وَإِذا عرفت أَنه لَا يقبل مُبْتَدع فِي مُبْتَدع فقد قل من خلا عَن الابتداع من الجارحين لغَيرهم فَلَا يَنْبَغِي على مَا قَالُوا إِنَّه يقبل قَول
стр. 95
جارح حَتَّى يعلم خلوه من الْبِدْعَة بِجَمِيعِ أَنْوَاعهَا لإطلاقهم إِيَّاهَا فِي الرَّسْم
الرَّابِعَة من يقبل فساق التَّأْوِيل وينقل الْإِجْمَاع على قبولهم كالأمير الْحُسَيْن صَاحب الشِّفَاء فَإِنَّهُ قَالَ فِي كِتَابه شِفَاء الأورام فِي كتاب الْوَصَايَا وَأما الْفَاسِق التَّأْوِيل فَإنَّا لَا نبطل كفاءته فِي النِّكَاح كَمَا تقدم ونقبل خَبره الَّذِي نجعله أصلا للْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة لإِجْمَاع الصَّحَابَة على قبُول أَخْبَار الْبُغَاة على أَمِير الْمُؤمنِينَ ﵇ وإجماعهم حجَّة انْتهى
فَلَا يعاب عَلَيْهِ رِوَايَته عَن الْمُغيرَة بن شُعْبَة أول حَدِيث فِي كِتَابه وَغَيره يعاب عَلَيْهِ قدحه فِي جرير بن عبد الله ورده لخبره بعد مَا جعل غَيره مَقْبُولًا مَعَه وَهُوَ الْبَغي
الْخَامِسَة قَول الْأُصُولِيِّينَ من طرق التَّعْدِيل رِوَايَة من لَا يروي إِلَّا عَن عدل طَريقَة عزيزة الْوُجُود بل عديمة فَإِن هذَيْن
стр. 96
الشَّيْخَيْنِ صَاحِبي الصَّحِيح هما أحسن النَّاس رجَالًا وَكَذَلِكَ النَّسَائِيّ قَالَ الذَّهَبِيّ وَابْن حجر يتعنت فِي الرِّجَال وَقد سَمِعت مَا فِي كتبهمْ مِمَّن لَيْسَ بِعدْل أَو غَيرهم أبعد وَأبْعد عَن ذَلِك الِالْتِزَام
وَبِه يعلم أَن قَول الْحَافِظ ابْن حجر إِن شَرط الصَّحِيح أَن يكون رِوَايَة مَعْرُوفا بِالْعَدَالَةِ فَمن زعم أَن أحدا مِنْهُم أَي مِمَّن فِي الصَّحِيحَيْنِ مَجْهُول الْعَدَالَة فَكَأَنَّهُ نَازع المُصَنّف أَيْضا فِي دَعْوَاهُ أَنه مَعْرُوف وَلَا شكّ أَن الْمُدَّعِي لمعرفته مقدم على من يَدعِي عدم مَعْرفَته لما مَعَ الْمُثبت من زِيَادَة الْعلم انْتهى
هَذَا مُسلم فِي هَذَا النَّوْع لَكِن كَيفَ يتم فِيمَن عرف بِعَدَمِ الْعَدَالَة كعمران بن حطَّان من رجال البُخَارِيّ ومروان من رجالهما لما عرفت من اعْتِمَاد مَالك على مَرْوَان واعتماد الشَّيْخَيْنِ على مَالك وَقَوْلهمْ لَيْسَ لمروان فِي مُسلم سلم لَكِن مَالك من
стр. 97
رجال مُسلم وَرُبمَا كَانَ فِيهِ من حَدِيث مَرْوَان من طَرِيقه وَقد تقرر أَن الْجَارِح أولى من الْمعدل لِأَن عِنْده زِيَادَة علم وَلِأَن قبُوله عمل بالجارح والمعدل والإعمال أولى من الإهمال
إِن قلت مَا روى مُلْتَزم الرِّوَايَة عَن الْعُدُول إِلَّا عَن عدل فِي ظَنّه وَلَعَلَّه لم يطلع على مَا فِيهِ من قدح أَو كَانَ يرى إِنَّمَا قدح بِهِ لَيْسَ بجارح عِنْده لاخْتِلَاف أنظار النظار إِلَى ذَلِك
قلت مَعْلُوم أَن هَذَا مُرَاد الْمُلْتَزم وعذره إِلَّا أَنا نقُول بعد تتبع النقاد لرِوَايَة ذَلِك الْمُلْتَزم ووجودهم فِي رِوَايَة الْمَجْرُوحين وَغير الْعُدُول شكك ذَلِك على النَّاظر فِي عَدَالَة من روى عَنهُ هَؤُلَاءِ الملتزمون لعدالة الروَاة لتجويز أَنه لَيْسَ بِعدْل وَدَلِيل التجويز ظُهُور غير الْعدْل فِي روايتهم وَحِينَئِذٍ فَلَا يبْقى مُجَرّد رِوَايَات من لَا يروي إِلَّا عَن عدل تعديلا وَهَذَا أوضح وَيَأْتِي هَذَا فِي الْفَائِدَة الْعَاشِرَة
стр. 98
السَّادِسَة من الْبعد عَن الْإِنْصَاف قَول ابْن الْقطَّان إِن فِي رجال الصَّحِيحَيْنِ من لَا يعلم إِسْلَامه فضلا عَن عَدَالَته وَكم بَين هَذَا وَبَين قَول الْحَافِظ السَّابِق آنِفا وَكَلَام ابْن الْقطَّان وَإِن تَلقاهُ بعض محققي الْمُتَأَخِّرين بِالْقبُولِ فَلَيْسَ بمقبول إِذْ من الْمَعْلُوم أَنه لَا يروي أحد من أهل الْعلم كَلَام رَسُول الله ﷺ عَن غير مُسلم فَلَا بالإفراط وَلَا بالتفريط وكلا طرفِي قسط الْأُمُور ذميم
السَّابِعَة قَول الذَّهَبِيّ إِن أهل الْبِدْعَة الْكُبْرَى الحاطين على الشَّيْخَيْنِ الدعاة إِلَى ذَلِك لَا يقبلُونَ وَلَا كَرَامَة غير صَحِيح فقد
стр. 99
خَرجُوا الْجَمَاعَة من أهل هَذَا الْقَبِيل كعدي بن ثَابت وَتقدم لَك أَنه قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ رَافِضِي غال
وَأخرج السِّتَّة لأبي مُعَاوِيَة الضَّرِير قَالَ الذَّهَبِيّ إِنَّه غال فِي التَّشَيُّع وَوَثَّقَهُ الْعجلِيّ وَلَا يخفى من وثقوه من أهل هَذِه الصّفة
وَلَا تراهم يعولون إِلَّا على الصدْق كَمَا قَالَ البُخَارِيّ فِي أَيُّوب ابْن عَائِذ بن مُدْلِج كَانَ يرى الإرجاء إِلَّا أَنه صَدُوق وَقد وَثَّقَهُ من سلف
وَالْعجب من قَول غلاة الشِّيعَة ورد مثل الْحَارِث الْأَعْوَر والقدح فِيهِ بالتشيع حَتَّى تكلّف مُسلم فِي مُقَدّمَة صَحِيحه بِذكر أَشْيَاء عَن الْحَارِث لَا تعد قدحا وَلَا جرحا كَقَوْلِه إِنَّه قَالَ تعلمت الْوَحْي فِي سنتَيْن أَو فِي ثَلَاث سِنِين وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى الْقُرْآن هَين الْوَحْي شَدِيد
стр. 100
قَالَ فِي شرح مُسلم للنووي ذكر مُسلم هَذَا فِي جملَة مَا أنكر على الْحَارِث الْأَعْوَر وجرح بِهِ وَأخذ عَلَيْهِ من قَبِيح مذْهبه وغلوه فِي التَّشَيُّع وَكذبه انْتهى
قلت الْعجب من الْقدح بِهَذِهِ الْعبارَات الَّتِي مَا يكَاد يتَبَيَّن المُرَاد بهَا مَعَ صِحَة حملهَا على مَا لَا ضير فِيهِ كَمَا تسمعه عَن الْخطابِيّ وأعجب من ذَلِك قَول شَارِح مُسلم إِنَّهَا من قَبِيح مذْهبه وغلوه فِي التَّشَيُّع وَأي مآس لهَذِهِ الْأَلْفَاظ بالتشيع مَا هَذَا بإنصاف
وَلَقَد أحسن القَاضِي عِيَاض حَيْثُ قَالَ أَرْجُو أَن هَذَا يَعْنِي الْكَلَام الَّذِي نَقله مُسلم عَن الْحَارِث من أخف أَحْوَاله لاحْتِمَاله الصَّوَاب فقد فسره بَعضهم بِأَن الْوَحْي هُنَا الْكِتَابَة وَمَعْرِفَة الْخط قَالَ الْخطابِيّ يُقَال أوحى ووحي إِذا كتب
وعَلى هَذَا لَيْسَ على الْحَارِث فِي هَذَا دَرك انْتهى
إِن قلت قد قَدَحُوا فِيهِ بِالْكَذِبِ قلت تعجبنا من
стр. 101
قدحهم فِيهِ بالتشيع وَمن إثباتهم كلَاما لَيْسَ فِيهِ شَيْء من قدح وَلَا تشيع
الثَّامِنَة أهل الحَدِيث اتّفق لَهُم فِي مُخَالفَة فروعهم لأصولهم مِثْلَمَا اتّفق لأهل سَائِر الْفُنُون أصلوا أَنه لَا يقبل الداعية وَسمعت قبولهم لَهُ وأصلوا أَنه لَا يقبل غلاة الروافض وَسمعت قبولهم لَهُم وأصلوا أَنه لَا يقبل غلاة أهل الإرجاء ونراهم يقبلونهم وأصلوا أَنه لَا يقبل أهل الْقدر ونراهم يقبلُونَ من اتّصف بِهِ وَهَذَا كُله يرشدك إِلَى صِحَة مَا قَرَّرْنَاهُ من أَنه لَا يُلَاحظ إِلَّا ظن الصدْق وَأَنه مدَار الرِّوَايَة
وَلَقَد كرر فِي العواصم أَن الْمُعْتَبر فِي الرَّاوِي ظن الصدْق
التَّاسِعَة كَلَام الأقران والمتضادين فِي الْمذَاهب والعقائد لَا يَنْبَغِي قبُوله فقد فتح بَاب التمذهب عداوات وتعصبات قل من سلم مِنْهَا إِلَّا من عصمَة الله قَالَ الْحَافِظ الذَّهَبِيّ فِي تَرْجَمَة أَحْمد
стр. 102
ابْن عبد الله بن أبي نعيم مَا لَفظه كَلَام الأقران بَعضهم فِي بعض لَا يعبأ بِهِ لَا سِيمَا إِذا لَاحَ لَك أَنه لعداوة أَو لمَذْهَب أَو لحسد لَا ينجو مِنْهُ إِلَّا من عصمه الله وَمَا علمت أَن عصرا من الْأَعْصَار سلم أَهله من ذَلِك سوى النَّبِيين وَالصديقين فَلَو شِئْت لسردت لَك من ذَلِك كراريس انْتهى
стр. 103
وَهَذَا كَلَام الذَّهَبِيّ وَنَصه وَقد عيب عَلَيْهِ مَا عابه عَلَيْهِ غَيره قَالَ ابْن السُّبْكِيّ فِي الطَّبَقَات نقلا عَن الْحَافِظ صَلَاح الدّين العلائي مَا لَفظه الشَّيْخ شمس الدّين الذَّهَبِيّ لَا شكّ فِي دينه وورعه وتحريه فِيمَا يَقُول وَلكنه غلب عَلَيْهِ منافرة التَّأْوِيل والغفلة عَن التَّنْزِيه حَتَّى أثر ذَلِك فِي طبعه انحرافا شَدِيدا عَن أهل التَّنْزِيه وميلا قَوِيا إِلَى أهل الْإِثْبَات فَإِذا ترْجم لأحد مِنْهُم أطنب فِي محاسنه وتغافل عَن غلطاته وَإِذا ذكر أحدا من أهل الطّرف الآخر كالغزالي وإمامه الْجُوَيْنِيّ لَا يُبَالغ فِي وَصفه وَيكثر من أَقْوَال من طعن فِيهِ وَإِذا ظفر لأَحَدهم بغلطة ذكرهَا
وَكَذَا فِي أهل عصرنا إِذا لم يقدر على التَّصْرِيح يَقُول فِي تَرْجَمته وَالله يصلحه وَنَحْو ذَلِك
وَسَببه الْمُخَالفَة فِي العقيدة
انْتهى
стр. 104
قَالَ ابْن السُّبْكِيّ وَقد وصل يُرِيد الذَّهَبِيّ من التعصب وَهُوَ شَيخنَا إِلَى حد يسخر مِنْهُ وَأَنا أخْشَى عَلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة من غَالب عُلَمَاء الْمُسلمين وَالَّذِي أُفْتِي بِهِ أَنه لَا يجوز الِاعْتِمَاد على شَيخنَا الذَّهَبِيّ فِي ذمّ أشعري وَلَا مدح حنبلي
وَأَقُول الصّلاح العلائي وَابْن السُّبْكِيّ شافعيان إمامان كبيران والذهبي إِمَام كَبِير الشَّأْن حنبلي الْمَذْهَب وَبَين هَاتين الطَّائِفَتَيْنِ فِي العقائد وَفِي الصِّفَات وَغَيرهَا تنافر كلي فَلَا يقبلان عَلَيْهِ تعين مَا قَالَاه
وَقَالَ ابْن السُّبْكِيّ قد عقد ابْن عبد الْبر بَابا فِي حكم قَول الْعلمَاء بَعضهم فِي بعض بَدَأَ فِيهِ بِحَدِيث الزبير دب إِلَيْكُم دَاء الْأُمَم قبلكُمْ الْحَسَد والبغضاء
قَالَ ابْن السُّبْكِيّ وَقد
стр. 105
عيب على ابْن معِين كَلَامه فِي الشَّافِعِي وتكلمه فِي مَالك بن أبي ذِئْب وَغَيره
قلت إِذا كَانَ الْأَمر كَمَا سَمِعت فَكيف حَال النَّاظر فِي كتب الْجرْح وَالتَّعْدِيل وَقد غلب التمذهب والمخالفة فِي العقائد حَتَّى إِنَّه يُوصف الرجل بِأَنَّهُ حجَّة أَو يُوصف بِأَنَّهُ دجال بِاعْتِبَار اخْتِلَاف حَال الاعتقادات والأهواء
فَمن هُنَا كَانَ أصعب شَيْء فِي عُلُوم الحَدِيث الْجرْح وَالتَّعْدِيل فَلم يبْق للباحث طمأنينة إِلَى قَول أحد ثمَّ مَا بعد قَول ابْن السُّبْكِيّ إِنَّه لَا يقبل قَول الذَّهَبِيّ فِي مدح حنبلي وَلَا ذمّ أشعري
стр. 106
وَقد صَار النَّاس عَالَة على الذَّهَبِيّ وَكتبه وَلَكِن الْحق أَنه لَا يقبل على الذَّهَبِيّ بِمَا ذكره هُوَ وَبِمَا ذكره الذَّهَبِيّ أَنهم لَا يقبلُونَ الأقران بَعضهم على بعض
ثمَّ إِن كَانَ مُرَادهم بالأقران المتعاصرون فِي قرن وَاحِد والمتساوون فِي الْعُلُوم فَهُوَ مُشكل لِأَنَّهُ لَا يعرف حَال الرجل إِلَّا من عاصره وَلَا يعرف حَاله من بعده إِلَّا بأخبار من قارنه
إِن أُرِيد الأول وَإِن أُرِيد الثَّانِي فَأهل الْعلم هم الَّذين يعْرفُونَ أمثالهم وَلَا يعرف أولي الْفضل إِلَّا ذَوُو الْفضل فَالْأولى إناطة ذَلِك لمن يعلم أَن بَينهمَا تنافسا أَو تحاسدا أَو شَيْئا يكون سَببا لعدم الثِّقَة لقبُول بَعضهم فِي بعض لَا لكَونه من الأقران فَإِنَّهُ لَا يعرف عَدَالَته وَلَا جرحه إِلَّا من أقرانه وَأعظم مَا فرق بَين النَّاس هَذِه العقائد وَالِاخْتِلَاف فِيهَا فليحذر عَن قبُول الْمُخْتَلِفين فِيهَا بَعضهم فِي بعض قبل الْبَحْث عَن سَبَب الْقدح والتثبت فِي صِحَة نسبته إِلَيْهِ وأعون شَيْء على معرفَة ذَلِك فِي هَذِه الْأَعْصَار الْبَحْث فِي كتب الرِّجَال المتعددة الْمُخْتَلف مؤلفوها وسنقرر آخرا مَا يكْشف هَذِه الْغُمَّة
الْعَاشِرَة وجود الحَدِيث فِي الصَّحِيحَيْنِ أَو أَحدهمَا لَا
стр. 107
يقْضِي بِصِحَّتِهِ بِالْمَعْنَى الَّذِي سبق لوُجُود الرِّوَايَة فيهمَا عَمَّن عرفت أَنه غير عدل فَقَوْل الْحَافِظ ابْن حجر أَن رواتهما قد حصل الِاتِّفَاق على تعديلهم بطرق اللُّزُوم مَحل نظر لقَوْله إِن الْأمة تلقت الصَّحِيحَيْنِ بِالْقبُولِ هُوَ قَول سبقه إِلَيْهِ ابْن الصّلاح وَأَبُو طَاهِر الْمَقْدِسِي وَأَبُو عبد الرَّحِيم عبد الْخَالِق وَإِن اخْتلف هَؤُلَاءِ فِي إِفَادَة هَذَا التلقي الْعلم أَو الظَّن
وَبسط السَّيِّد مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الْأَمِير ﵀ سَبَب الْخلاف فِي كتبه وَأَنه جَوَاز الْخَطَأ على الْمَعْصُوم فِي ظَنّه أَو عَدمه وَطول الْكَلَام فِي ذَلِك أَيْضا
وَلنَا عَلَيْهِ أنظار وأودعناها رسالتنا الْمُسَمَّاة حل العقال وَصِحَّته فِي حيّز الْمَنْع
بَيَان ذَلِك أَنا نورد عَلَيْهِ سُؤال الاستفسار عَن طرفِي هَذِه
стр. 108
الدَّعْوَى فَنَقُول فِي الأول هَل المُرَاد أَن كل الْأمة من خَاصَّة وَعَامة تلقتها بِالْقبُولِ أَو المُرَاد عُلَمَاء الْأمة المجتهدون وَمن الْبَين أَن الأول غير مُرَاد وَأَن الثَّانِي دَعْوَى على كل فَرد من أَفْرَاد الْأمة الْمُجْتَهدين أَنه تلقى الْكِتَابَيْنِ بِالْقبُولِ فَلَا بُد من الْبُرْهَان عَلَيْهَا وإقامته على هَذِه الدَّعْوَى من المتعذرات عَادَة كإقامة الْبَيِّنَة على دَعْوَى الْإِجْمَاع الَّذِي جزم بِهِ أَحْمد بن حَنْبَل وَغَيره أَن من ادَّعَاهُ فَهُوَ كَاذِب
وَإِن كَانَ هَذَا فِي عصره قبل عصر تأليف الصَّحِيحَيْنِ فَكيف من بعده وَالْإِسْلَام لَا يزَال منتشرا وتباعد أَطْرَاف أقطاره وَالَّذِي يغلب بِهِ الظَّن أَن من الْعلمَاء الْمُجْتَهدين من لَا يعرف الصَّحِيحَيْنِ إِذْ معرفتهما بخصوصهما لَيست شرطا فِي الِاجْتِهَاد وَبِالْجُمْلَةِ فَنحْن نمْنَع هَذِه الدَّعْوَى ونطالب بدليلها
стр. 109
السُّؤَال الثَّانِي على تَقْدِير تَسْلِيم الدَّعْوَى الأولى فَهَل المُرَاد بالتلقي بِالْقبُولِ تلقي أصل الْكِتَابَيْنِ وجملتهما وأنهما لهذين الْإِمَامَيْنِ الجليلين الحافظين فَهَذَا لَا يُفِيد إِلَّا الحكم بِصِحَّة نسبتهما إِلَى مؤلفيهما
وَلَا يُفِيد الْمَطْلُوب أَو المُرَاد بالتلقي بِالْقبُولِ لكل فَرد من أَفْرَاد أحاديثهما وَهَذَا هُوَ الْمُفِيد الْمَطْلُوب إِذْ هُوَ الَّذِي رتب عَلَيْهِ الِاتِّفَاق على تَعْدِيل رواتهما فَإِن المتلقي بِالْقبُولِ هُوَ مَا حكم الْمَعْصُوم بِصِحَّتِهِ ظنا كَمَا رسمه بذلك السَّيِّد مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم ﵀ وَهُوَ يلاقي قَول الْأُصُولِيِّينَ إِنَّه الَّذِي يكون الْأمة بَين عَامل بِهِ ومتأول لَهُ إِذْ لَا يكون ذَلِك إِلَّا فِيمَا صَحَّ لَهُم
وَيحْتَمل أَنه يدْخل فِي الْحسن فَلَا يلاقي رسمه رسمهم إِلَّا أَنه لَا يخفى عدم صِحَة هَذِه الدَّعْوَى وبرهان ذَلِك مَا سمعته مِمَّا نَقَلْنَاهُ من كَلَام الْعلمَاء من عدم عَدَالَة كل من فيهمَا بل بَالغ ابْن
стр. 110
الْقطَّان فَقَالَ فيهمَا من لَا يعلم إِسْلَامه وَهَذَا تَفْرِيط وَقد تَلقاهُ بعض محققي الْمُتَأَخِّرين كَمَا أسلفناه
وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّه تَفْرِيط لما علم من أَنه لَا يروي أحد من أَئِمَّة الْمُسلمين عَن غير مُسلم أَحَادِيث رَسُول الله ﷺ كَمَا أَن دَعْوَى عَدَالَة كل من فيهمَا إفراط وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَمن أَيْن يتلَقَّى بِالْقبُولِ إِلَّا أَنه قد اسْتثْنى ابْن الصّلاح من التلقي بِالْقبُولِ لأحاديثهما مَا انتقاه الْحفاظ كالدارقطني وَابْن مَسْعُود الدِّمَشْقِي وَأبي عَليّ الغساني قَالَ الْحَافِظ ابْن حجر وَهُوَ احْتِرَاز حسن
следующие страницы →