← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 5983

ثمرات النظر في علم الأثر

الصنعاني

Полный текст (126 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

بِالذنُوبِ راقع لَهُ بِالتَّوْبَةِ فالسعيد من مَاتَ على رقعه أخرجه الْبَزَّار وَإِن كَانَ فِيهِ ضعف فَهُوَ منجبر بِحَدِيث (لَو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بِقوم يذنبون فيستغفرون فَيغْفر لَهُم) وَهُوَ حَدِيث

стр. 37

صَحِيح فالمؤمن المرضي الْعدْل لَا بُد مقارفته لشَيْء من الذُّنُوب لَكِن غَالب حَاله السَّلامَة وَيَأْتِي عَن الشَّافِعِي ﵁ قَول حسن فِي الْعَدَالَة وَهَذَا بحث لغَوِيّ لَا يُقَلّد فِيهِ أهل الْأُصُول وَإِن تطابقوا عَلَيْهِ فَهُوَ مِمَّا يَقُوله الأول ثمَّ يُتَابِعه عَلَيْهِ الآخر من غير نظر إِذا عرفت مَا أسلفناه وَقد عرفت نقل الْإِجْمَاع عَن الصَّحَابَة ﵃ فِي قبُول خبر المبتدع كَمَا قَالَ الإِمَام الْمَنْصُور بِاللَّه عبد الله بن حَمْزَة ﵁ إِن من تصفح آثَارهم واقتص أخبارهم عرف أَنهم لما صَارُوا أحزابا وَتَفَرَّقُوا فرقا وانْتهى الْأَمر بَينهم إِلَى الْقَتْل والقتال كَانَ بَعضهم يروي عَن بعض من غير مناكرة بَينهم فِي ذَلِك بل اعْتِمَاد أحدهم على رِوَايَة من يُخَالِفهُ

стр. 38

كاعتماده على رِوَايَة من يوافقهم وَمثله قَالَ الشَّيْخ أَحْمد الرصاص فِي كتاب الْجَوْهَرَة إِن الْفِتْنَة لما وَقعت بَينهم كَانَ بَعضهم يحدث عَن بعض من غير مناكرة ويسند الرجل إِلَى من يُخَالِفهُ كَمَا يسند إِلَى من يُوَافقهُ علمت أَن ذَلِك يسْتَلْزم الْإِجْمَاع على أَن مدَار قبُول الرِّوَايَة ظن صدق الرَّاوِي لَا عَدَالَته المفسرة بِحَدّ الْحَافِظ وَغَيره قَالَ ابْن الصّلاح كتب الْأَئِمَّة طافحة بالرواية عَن المبتدعة غير الدعاة قلت مَا ذَاك إِلَّا لكَون الابتداع غير مخل بِالْعَدَالَةِ قطعا بل هُوَ مخل بهَا لكنه دَار الْقبُول على ظن الصدْق وَذَلِكَ لأدلة الأول أَن خبر المبتدع يُفِيد الظَّن وَالْعَمَل بِالظَّنِّ حسن

стр. 39

عقلا الثَّانِي أَن فِي مخالفتهم مضرَّة مطنونة وَدفع الضَّرَر المظنون عَن النَّفس وَاجِب الثَّالِث إِمَّا أَن يحصل بخبرهم الرجحان أَو لَا إِن حصل فإمَّا أَن يعْمل بِهِ أَو بالمرجوح أَو يُسَاوِي بَينهمَا وَقد علمت أَن تَرْجِيح الْمَرْجُوح على الرَّاجِح أَو الْمُسَاوَاة بَينهمَا فِي التَّرْجِيح قَبِيح عقلا فَوَجَبَ الْعَمَل بالراجح إِذا عرفت أَنه يُفِيد الظَّن وَأَنه يجب الْعَمَل بِالظَّنِّ عقلا

стр. 40

الْأَدِلَّة على وجوب الْعَمَل بِهِ شرعا كَثِيرَة الْآيَة الأولى قَوْله تَعَالَى ﴿فَمن جَاءَهُ موعظة من ربه فَانْتهى فَلهُ مَا سلف﴾ وَهُوَ عَام فِي كل مَا جَاءَ عَن الله تَعَالَى سَوَاء كَانَ من كَلَامه أَو كَلَام رَسُوله ﷺ وَسَوَاء كَانَ مَعْلُوما أَو مظنونا فَكل خبر عَن الله تَعَالَى أَو عَن رَسُوله حصل الظَّن بِهِ فقد صدق عَلَيْهِ أَنه جَاءَنَا عَن الله تَعَالَى الثَّانِيَة قَوْله تَعَالَى ﴿خُذُوا مَا آتيناكم بِقُوَّة﴾ فَهَذَا عَام فِيمَا أَتَانَا عَن الله تَعَالَى وَالْآيَة وَإِن كَانَت خطابا لأهل الْكتاب فَهِيَ فِي حَقنا كَذَلِك وَتَقْرِير الْحجَّة بهَا كَمَا سلف الثَّالِثَة قَوْله ﴿وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ﴾ الْآيَة وتقريرها كَمَا سلف وَالْخَبَر المظنون عَن الرَّسُول قد أَتَانَا عَنهُ فَيجب الْعَمَل بِهِ والأدلة من هَذَا النَّوْع وَاسِعَة جدا أَو ناهضة على الْمُدَّعِي وَقد ثَبت عَنهُ ﷺ (إِذا أَمرتكُم بِأَمْر فَأتوا مِنْهُ مَا

стр. 41

اسْتَطَعْتُم) فَيجب فِي تعرف مَا أَتَانَا الله تَعَالَى وأمرنا بِأَخْذِهِ بذل الوسع فِي ذَلِك بِحَسب الطَّاقَة كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُم﴾ وَهنا رتب ثَلَاث الأولى أَن يعلم اللَّفْظ الْوَارِد عَن الشَّارِع وَالْمعْنَى وَهَذَا يكون كثيرا فِي الْقُرْآن وَالسّنة المتواترة الثَّانِيَة أَن يعلم اللَّفْظ ويظن الْمَعْنى وَذَلِكَ أَيْضا يكون فِي الْقُرْآن كثيرا والمتواتر من السّنة الثَّالِثَة أَن يظنّ اللَّفْظ وَالْمعْنَى أَو يعلم الْمَعْنى ويظن اللَّفْظ وَكِلَاهُمَا فِي السّنة

стр. 42

فَإِن قلت يلْزم على هَذَا قبُول خبر الْكَافِر وَالْفَاسِق الصَّرِيح أَيْضا إِذا حصل الظَّن لوُجُود الْعلَّة قلت منع مِنْهُ الْإِجْمَاع فخصص الْعلَّة قبُول فَاسق التَّأْوِيل وَاعْلَم أَنه قد اسْتدلَّ فِي العواصم على قبُول خبر فَاسق التَّأْوِيل بِحَدِيث أَنه قبل الْأَعرَابِي الَّذِي شهد بِرُؤْيَة هِلَال رَمَضَان فَقَالَ لَهُ (أَتَشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله قَالَ نعم قَالَ يَا بِلَال أذن فِي النَّاس أَن يَصُومُوا غَدا) أَو بِنَحْوِهِ من الْأَدِلَّة إِلَّا أَن فِي استدلاله بذلك بحثا لِأَنَّهُ

стр. 43

بناه على أَن عَدَالَة أهل ذَلِك الْعَصْر كَانَت غير منوطة بِإِسْلَامِهِمْ وَهُوَ قَائِل بِخِلَافِهِ لذهابه إِلَى أَن أهل ذَلِك الْعَصْر كَانَت الْعَدَالَة مِنْهُم منوطة بِالْإِسْلَامِ وَالْقِيَام بأركانه وَاجْتنَاب معاصي الْخَوَارِج كَمَا نَقله عَن أبي طَالب وَاخْتَارَهُ فَهَذَا لَا يتم بِهِ الِاسْتِدْلَال على قبُول قَول المبتدعين إِذْ قد بني على عَدَالَة أهل ذَلِك الْعَصْر

стр. 44

النَّبَوِيّ إِلَّا من ظهر مِنْهُ مَا يخرج بِهِ الْكَلَام الْآن مَعَه على من تحقق جرح عَدَالَته وَأَنه إِنَّمَا قبل لحُصُول الظَّن بِخَبَرِهِ وَكَذَلِكَ استدلاله بِخَبَر الْأمة السَّوْدَاء الَّتِي سَأَلَهَا ﷺ (هَل هِيَ مُؤمنَة فَأَشَارَتْ أَن الله رَبهَا فَقَالَ ﷺ هِيَ مُؤمنَة)

стр. 45

وَكَذَلِكَ ذكره الحَدِيث (إِن ابْني هَذَا سيد وَيصْلح الله بِهِ بَين طائفتين عظيمتين من الْمُسلمين) قَالَ فِي الأول هَذَا دَلِيل على قبُول كل من آمن بِاللَّه وَرَسُوله من أهل الْإِسْلَام مَا لم يثبت فِيهِ فعل مَا يجرح بِهِ وَقَالَ فِي الثَّانِي فسماهم مُسلمين وَالْمُسلم مَقْبُول مَا لم يظْهر جرحه فَإِنَّهُ يُقَال هَذَا يَقْتَضِي أَنَّك تُرِيدُ أَن من أسلم وآمن من أهل ذَلِك الْعَصْر

стр. 46

فَإِنَّهُ عدل وَهُوَ الظَّاهِر من كَلَامه وَهَذَا غير مَحل النزاع إِذْ الْكَلَام مَعَ من يرد فساق التَّأْوِيل والمبتدعة لَا يُقَال لَعَلَّ صَاحب العواصم يخْتَار فِي رسم الْعَدَالَة غير مَا يختاره الْجُمْهُور وَأَنه من ثَبت إِسْلَامه ثبتَتْ عَدَالَته من أهل ذَلِك الْعَصْر وَغَيره لأَنا نقُول هَذَا مُسلم فِي أَنه اخْتَارَهُ لَكِن فِي حق الصَّحَابَة وَأهل الْعَصْر النَّبَوِيّ إِذْ الظَّاهِر فيهم الْعَدَالَة كَمَا سبق نقل اخْتِيَاره لَهُ وَبِه قَالَ المحدثون وَأهل الْأَثر وَأما فِي حق غَيرهم فَغير مُسلم وَجعله ظن الصدْق عِلّة فِي قبُول الرِّوَايَة دَلِيل على أَنه لَا يرى ذَلِك وَإِلَّا لما افْتقر إِلَى إِقَامَة الْأَدِلَّة على ذَلِك ولكان أحْوج على إِقَامَة الدَّلِيل على هَذَا الأَصْل الْكَبِير وَلِأَنَّهُ صرح أَن ظَاهر الْعلمَاء الْعَدَالَة مَا لم يظْهر مَا يجرحهم وينفي الْعلم بِالظَّاهِرِ وَجعل هَذَا القَوْل الْمُخْتَار الْقوي حَيْثُ قَالَ الْمُخْتَار الْقوي مَا ذهب إِلَيْهِ

стр. 47

أَبُو عمر بن عبد الْبر وَأَبُو عبد الله بن الْمواق وَهُوَ أَن كل حَامِل علم مَعْرُوف بِالْعَدَالَةِ فَإِنَّهُ مَقْبُول فِي علمه مَحْمُول أبدا على السَّلامَة حَتَّى يظْهر مَا يجرحه وَذكر أَدِلَّة هَذَا القَوْل وَهَذَا ظَاهر فِي أَنه يرى رَأْي الْجُمْهُور فِي أَن الأَصْل الْفسق وَلذَا عين هَذِه الطَّائِفَة بِالْعَدَالَةِ وسرد أَدِلَّة ذَلِك هُنَالك إِلَّا أَنه يخْتَار فِي الصَّحَابَة وَأهل الْعَصْر النَّبَوِيّ أَن الظَّاهِر فيهم الْعَدَالَة مَا نَقله هُوَ عَن الشَّافِعِي ﵁ فَإِنَّهُ قَالَ مَتى سلم أَن الْعَدَالَة هِيَ ترك جَمِيع الذُّنُوب والمعاصي عز وجودهَا فِي جَمِيع الْمَوَاضِع الَّتِي يشْتَرط فِيهَا كعقد النِّكَاح وَالطَّلَاق على السّنة وَعقد الْبيُوع والعقود وَالْحُدُود وَقد دلّ الشَّرْع على مَا تبين أَن الْعَدَالَة مرتبَة دون هَذِه الْمرتبَة وَقد حسن ابْن كثير حَدِيث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا (من طلب قَضَاء الْمُسلمين حَتَّى يَنَالهُ ثمَّ غلب عدله جوره فَلهُ الْجنَّة وَمن غلب جوره عدله فَلهُ النَّار) وَمن ذَلِك مَا ورد فِي الحَدِيث

стр. 48

وأجمعت الْأمة عَلَيْهِ من أَنه لَا يقبل من بَينه وَبَين أَخِيه إحْنَة مَعَ أَنه مَقْبُول على من لَيْسَ بَينه وَبَين أَخِيه إحْنَة فَلم يخرج الْمُسلم الثِّقَة بالإحنة الَّتِي بَينه وَبَين أَخِيه مَا لم يسرف فِي الْعَدَاوَة إِلَى حد لَا يتَجَاوَز إِلَيْهِ أهل الدّين كَلَام مستحسن للشَّافِعِيّ فِي الْعَدَالَة قَالَ وَقد قَالَ الشَّافِعِي فِي الْعَدَالَة قولا استحسنه كثير من الْعُقَلَاء من بعده قَالَ لَو كَانَ الْعدْل من لم يُذنب لم نجد عدلا وَلَو كَانَ كل ذَنْب لَا يمْنَع من الْعَدَالَة لم نجد مجروحا وَلَكِن من ترك

стр. 49

الْكَبَائِر وَكَانَت محاسنه أَكثر من مساوئه فَهُوَ عدل انْتهى قلت وَهَذَا قَوْله حسن وَيُؤَيِّدهُ أَن أهل اللُّغَة فسروا الْعدْل بنقيض الْجور وَلَيْسَ الْجور عبارَة عَن ملكة راسخة توجب إتْيَان كل مَعْصِيّة وَلَا الجائر لُغَة كل من يَأْتِي مَعْصِيّة بل من غلب جوره على عدله وَفِي الحَدِيث (بعثت فِي زمن الْملك الْعَادِل) يَعْنِي كسْرَى وَإِن كَانَ الحَدِيث ضَعِيفا وَمَعْلُوم أَنه يَأْتِي من الْجور

стр. 50

جانبا لَو لم يكن إِلَّا كفره بِاللَّه وَرُسُله هَذَا وَأما القَوْل بِأَن الأَصْل الْفسق كَمَا قَالَ الْعَضُد فِي شرح مُخْتَصر الْمُنْتَهى وَتَابعه عَلَيْهِ الآخذون من كِتَابه وَغَيرهم وَاسْتدلَّ بِأَن الْعَدَالَة طارئة وَلِأَنَّهُ أَكثر فَفِيهِ تَأمل لِأَن الْفسق أَيْضا طارىء فَإِن الأَصْل أَن كل مُكَلّف يبلغ من سنّ تَكْلِيفه على الْفطْرَة فَهُوَ عدل فَإِن بَقِي عَلَيْهَا من غير مُخَالفَته لم يفسق وَيَأْتِي بِمَا يجب فَهُوَ على عَدَالَته مَقْبُول الرِّوَايَة وَإِن لابس المفسقات فَلهُ حكم مَا لابسه ثمَّ رَأَيْت السعد فِي شرح الشَّرْح قد أَشَارَ إِلَى هَذَا وَتعقبه صَاحب الْجَوَاهِر بِمَا لَيْسَ بجيد وَأما الِاسْتِدْلَال بِأَن الأَصْل هُوَ الْغَالِب وَالْفِسْق فِي الْمُسلمين أغلب فقد قيد هَذَا بعض الْمُحَقِّقين بِأَن الأغلبية إِنَّمَا هِيَ فِي زمن تبع تبع التَّابِعين لَا فِي زمن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وتابعيهم لحَدِيث (خير الْقُرُون قَرْني ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ ثمَّ يفشو الْكَذِب) قلت وَقَوله ﷺ (ثمَّ يفشو

стр. 51

الْكَذِب) يشْعر بِأَن الْخَيْرِيَّة بِالنّظرِ إِلَى صدق الْأَقْوَال وَأما اسْتِدْلَال من اسْتدلَّ على أغلبية الْفسق بقوله تَعَالَى ﴿وَقَلِيل مَا هم﴾ ﴿وَقَلِيل من عبَادي الشكُور﴾

стр. 52

﴿وَمَا أَكثر النَّاس وَلَو حرصت بمؤمنين﴾ فَغير جيد إِذْ المُرَاد أَن الْمُؤمنِينَ قَلِيل بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْكفَّار كَمَا يدل عَلَيْهِ سِيَاق الْآيَات إِلَّا أَن أهل الْعَدَالَة قَلِيل بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُسلمين الَّذين لَيْسُوا بعدول ثمَّ قَالَ فَيحمل الْفَرد الْمَجْهُول على الْأَعَمّ الْأَغْلَب فَهَذَا بعد تَسْلِيم أَن الْأَغْلَب الْفسق لَيْسَ لنا أَن نحمل الْمُسلم الْمَجْهُول الْعَدَالَة على الْأَعَمّ الْأَغْلَب وَهُوَ فسقه لِأَنَّهُ إِضْرَار بِهِ وتفسيق لَا بِنَصّ وَلَا قِيَاس وَلَا شَيْء من الْأَدِلَّة مَعَ أَنه قد تقرر أَنه لَا تفسيق إِلَّا بقاطع ثمَّ نعود إِلَى الِاسْتِدْلَال على أَن المعتد فِي قبُول الْأَخْبَار حُصُول ظن الصدْق وَأَن مَجْهُول الْعَدَالَة مَقْبُول خَبره لما ثَبت عَن عَليّ ﵁ أَنه كَانَ يسْتَحْلف الرَّاوِي وَمَعْلُوم أَنه لَا يحلف مَعْرُوف الْعَدَالَة إِذْ الْعَدَالَة مَانِعَة من الْكَذِب ومحصلة للظن بِصدق خَبره وَلَا يحلف الْمَعْرُوف بِالْفُجُورِ وَعدم الْعَدَالَة إِذْ يَمِينه لَا ترفع الرِّيبَة عَن خَبره فالمحلف من يجهل حَاله فَيجوز أَن تكون يَمِينه

стр. 53

رَافِعَة للريبة محصلة للظن وَلذَا قَالَ وحَدثني أَبُو بكر وَصدق فَإِنَّهُ لما عرف عَدَالَته لم يستحلفه كَمَا هُوَ ظَاهر كَلَامه وَلَفظه كنت إِذا سَمِعت من رَسُول الله ﷺ حَدِيثا يَنْفَعنِي الله بِهِ مَا شَاءَ أَن يَنْفَعنِي وَإِن حَدثنِي غَيره اسْتَحْلَفته وحَدثني أَبُو بكر وَصدق ذكره الْحَافِظ الذَّهَبِيّ فِي تَذكرته وَقَالَ هُوَ حَدِيث حسن وسَاق طَرِيقه فَفِيهِ دَلِيل أَن منَاط الْقبُول ظن الصدْق وَطلب الظَّن الْأَقْوَى مهما أمكن من وَظِيفَة من يَتَّقِي الله حق تُقَاته وَقد أمكن هَا هُنَا تَحْصِيله بِيَمِين الرَّاوِي

стр. 54

وَيدل لذَلِك أَنه ﷺ كَانَ يقبل خبر من يُخبرهُ وَمَعْلُوم أَنه لظَنّه بِالصّدقِ حَتَّى يبين الله لَهُ بِالْوَحْي عدم صدق الْمخبر مثل خبر زيد ابْن أَرقم حِين أخبرهُ بمقالة عبد الله بن أبي ثمَّ لما جَاءَ ابْن أبي وعاتبه ﷺ على مَا قَالَه وبلغه وَأقسم بِاللَّه مَا قَالَ شَيْئا وَإِن زيدا كَاذِب فعذره وَصدقه ﷺ وَقَالَ لزيد عَمه مَا أردْت إِلَى أَن كَذبك رَسُول الله ﷺ وفشت الْمَلَامَة لزيد فِي الْأَنْصَار وكذبوه حَتَّى أنزل الله تَعَالَى سُورَة الْمُنَافِقين بِتَصْدِيق زيد ﵁ وَتَكْذيب ابْن أبي فقد قبل ﷺ خبر زيد أَولا ورتب عَلَيْهِ عتاب ابْن أبي ثمَّ قبل حَدِيث ابْن أبي ورتب عَلَيْهِ النَّاس تَكْذِيب زيد فَإِن قلت ابْن أبي مُنَافِق وَالْمُنَافِق كَافِر فَيلْزم قبُول خبر الْكَافِر قلت قد ثَبت بِالْإِجْمَاع بِأَن الْمُنَافِقين لَهُم فِي الدُّنْيَا أَحْكَام

стр. 55

الْمُؤمنِينَ وَمِنْهَا قبُول أَخْبَار من يظنّ صدقه مِنْهُم وَهَذَا الحَدِيث من أدلته فِي الْبَاب وَغَيره من الْأَدِلَّة فَإِنَّهُ ﷺ قبل خَبره مَعَ علمه بنفاقه حَتَّى أكذبه الله وَكَذَلِكَ قصَّة بني أُبَيْرِق وَقَوله ﷺ (هم أهل بَيت يذكر عَنْهُم إِسْلَام وَصَلَاح) لما أخبرهُ مخبر أَنهم كَذَلِك ثمَّ أخبرهُ تَعَالَى

стр. 56

بِحَقِيقَة حَالهم وَأنزل فيهم الْآيَات فِي سُورَة النِّسَاء فقد كَانَ ﷺ يقبل خبر من يُخبرهُ عَن هَؤُلَاءِ ويرتب عَلَيْهِ أحكاما وَمَعْلُوم أَنه لَا يعْمل إِلَّا بِظَنّ أَو بِعلم لَا سَبِيل إِلَى الثَّانِي هُنَا فَهُوَ يعْمل استنادا فِي حُصُول الظَّن بخبرهم أَو إِحْسَان الظَّن بهم فَإِنَّهُم لَا يكذبُون فَإِنَّهُ قد كَانَ يتنزه عَن الْكَذِب الْكفَّار لقبحه عِنْدهم بل أبلغ من هَذَا أَنه ﷺ أَمر بغزو بني المصطلق لما أخبرهُ الْوَلِيد بن عقبَة أَنهم تجمعُوا لرد رَسُوله حَتَّى أنزل الله تَعَالَى ﴿إِن جَاءَكُم فَاسق بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ الْآيَة إِن قلت لَعَلَّه ﷺ ماكان يعْمل بأخبار أهل ذَلِك الْعَصْر إِلَّا لعدالتهم لَا بِمُجَرَّد حُصُول الظَّن بأخبارهم قلت الْإِنْصَاف أَن أهل

стр. 57

ذَلِك الْعَصْر كغيرهم فيهم العصاة وَأهل التَّقْوَى ففيهم من ارْتكب فَاحِشَة الزِّنَى وَفِيهِمْ من شرب الْمُسكر وحد عَلَيْهِ وَمِنْهُم من قذف الْمُحْصنَات وَفِيهِمْ من قتل النَّفس الَّتِي حرم الله وَفِيهِمْ من غل من الْمغنم وَفِيهِمْ من سرق وَقطعت يَده هَذَا فِي حَيَاته ﷺ وَفِيهِمْ المُنَافِقُونَ لَا يعلمهُمْ رَسُول الله ﷺ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَمِمَّنْ حَوْلكُمْ من الْأَعْرَاب مُنَافِقُونَ وَمن أهل الْمَدِينَة مَرَدُوا على النِّفَاق لَا تعلمهمْ نَحن نعلمهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مرَّتَيْنِ﴾ وَفِيهِمْ المرجفون ﴿لَئِن لم ينْتَه المُنَافِقُونَ وَالَّذين فِي قُلُوبهم مرض والمرجفون فِي الْمَدِينَة﴾ وَإِذ كَانَ لَا يعلمهُمْ ﷺ وَلَا يعرف نفاقهم فيكف يُمَيّز الْعدْل عَن غَيره وَأما المُنَافِقُونَ المعروفون بالنفاق كَابْن أبي فسلف آنِفا قبُول أخبارهم ومعاملتهم مُعَاملَة من يظنّ صدقه ﷺ من الْمُؤمنِينَ مَا

стр. 58

لم يكذبهم الله نعم من صحب الْمُصْطَفى ﷺ وَاتبعهُ حق الإتباع أُمَم من أهل ذَلِك الْعَصْر متقون ﵁ وَرَضوا عَنهُ وَأعد لَهُم جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا أبدا إِلَّا أَنه لَا يَقْتَضِي الحكم على أهل كل عصر بِالْعَدَالَةِ إِن قلت قَوْله ﷺ (خير الْقُرُون قَرْني) الحَدِيث تَزْكِيَة مِنْهُ ﷺ لأهل عصره وَمن بعدهمْ مِمَّن ذكرهم قلت تقدّمت الْإِشَارَة إِلَى أَنه إِخْبَار عَن خيريتهم بِالنّظرِ إِلَى الصدْق وَالْعَدَالَة أخص مِنْهُ وَكَذَلِكَ الصدْق شعار الْأَغْلَب مِنْهُم وَلذَا قَالَ ثمَّ يفشو الْكَذِب فَإِنَّهُ يشْعر أَن ثمَّ كذبا فِي تِلْكَ الْأَعْصَار المخبرة إِلَّا أَنه لَا فشو غَلَبَة فَإِن قلت الممادح جملَة الْوَارِدَة كتابا وَسنة أَدِلَّة على عَدَالَة أهل ذَلِك الْعَصْر قلت قد وَردت الممادح فِي جملَة الْأمة وَلَا تَقْتَضِي تَزْكِيَة

стр. 59

الْأَفْرَاد اتِّفَاقًا فَكَذَلِك هُنَا لِأَن الثَّنَاء على الْجُمْلَة لَا يَقْتَضِي الثَّنَاء على كل فَرد فَرد فَإِن قلت قبُوله ﷺ لأخبار أهل ذَلِك الْعَصْر دَلِيل على عدالتهم وَلَا يقْدَح فِيهِ أَنه أَتَاهُ الْوَحْي أَن فيهم كَذَّابين وَأَن مِمَّن أخبرهُ فَاسِقًا قلت وَمَتى سلمنَا أَن الْعَدَالَة الَّتِي رسموها شَرط فِي قبُول الرِّوَايَة وَأَيْنَ دليلها وَلَا يتم الِاسْتِدْلَال بِأَن قبُوله ﷺ دَلِيل لَهَا حَتَّى يتم أَنَّهَا شَرط وَإِلَّا فَهُوَ دور فَإِن قلت قد دَار قبُوله ﷺ لأخبارهم على أحد الْأَمريْنِ إِمَّا حُصُول الظَّن أَو عَدَالَة الرَّاوِي فَحَمله على أحد الْأَمريْنِ دون الآخر تحكم قلت عَدَالَة الرَّاوِي مَا قَامَ الدَّلِيل على شرطيتها وَظن الصدْق أَمر لَا بُد مِنْهُ إِذْ لَا عمل إِلَّا عَن علم أَو ظن فحملناه على الْمُتَيَقن وَنحن فِي مقَام النَّفْي لشرطية الْعَدَالَة الْمَخْصُوصَة فالدليل

стр. 60

الْمُثبت على أَنه قد قَامَ الْإِجْمَاع على قبُول غير الْعدْل على رسمهم الْعَدَالَة وَالْعَمَل بروايتهم من كل الْأمة كَمَا سنحققه الْآن فِي سرد من رووا عَنهُ فِي الْأُمَّهَات الَّتِي هِيَ عُمْدَة أهل الْإِسْلَام من غير الْعُدُول على رسمهم الْعَدَالَة قف على هَذِه النُّكْتَة ثِقَة المبتدع وَقد قَالَ الْحَافِظ ابْن حجر فِي مُقَدّمَة فتح الْبَارِي إِنَّه لَا أثر للتضعيف مَعَ الصدْق والضبط انْتهى وهما مظنتا حُصُول الظَّن بِصدق الرَّاوِي وَرووا عَن الْخَوَارِج وهم أَشد النَّاس بِدعَة لأَنهم يكفرون من يكذب فقبولهم لحُصُول الظَّن بخبرهم قَالَ أَبُو دَاوُد لَيْسَ فِي أهل الْأَهْوَاء أصح حَدِيثا من الْخَوَارِج

стр. 61

وَفِي البُخَارِيّ من المبتدعة أُمَم لَا يُحصونَ وَفِي غَيره من الْأُمَّهَات وناهيك أَنه أخرج لعمران بن حطَّان الْخَارِجِي المادح لقَاتل عَليّ ﵁ بالأبيات الْمَشْهُورَة السائرة

стр. 62

قَالَ الْحَافِظ ابْن حجر رَحمَه الله تَعَالَى قَالَ الْمبرد وَكَانَ عمرَان بن حطَّان رَأس القعد من الصفرية وخطيبهم

стр. 63

وشاعرهم انْتهى والقعد قوم يَقُولُونَ بقول الْخَوَارِج وَلَا يرَوْنَ الْخُرُوج بل يزينونه وَكَانَ عمرَان دَاعِيَة إِلَى مذْهبه أخرج لَهُ البُخَارِيّ فِي المتابعات وَأخرج البُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ لعمران بن مُسلم الْقصير قَالَ يحيى الْقطَّان كَانَ يرى الْقدر وَهُوَ مُسْتَقِيم الحَدِيث وَأخرج السِّتَّة للفضل بن دُكَيْن وَهُوَ شيعي وَأخرج السِّتَّة لأبي مُعَاوِيَة الضَّرِير قَالَ الْحَاكِم احتجا بِهِ وَقد اشْتهر عَنهُ الغلو قَالَ الذَّهَبِيّ غلو التَّشَيُّع وَقد وَثَّقَهُ الْعجلِيّ

стр. 64

وأخرجوا أَيْضا لعدي بن ثَابت وَقد قَالَ فِيهِ ابْن معِين شيعي مفرط وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ رَافِضِي غال وَأخرج البُخَارِيّ لإِبْرَاهِيم بن طهْمَان وَقد رَمَوْهُ بالإرجاء وَأخرج البُخَارِيّ لإسماعيل بن أبان وَهُوَ أحد شُيُوخه قَالَ الْجوزجَاني كَانَ مائلا عَن الْحق وَلم يكن يكذب فِي الحَدِيث قَالَ ابْن عدي يَعْنِي مَا عَلَيْهِ الْكُوفِيُّونَ من التَّشَيُّع قَالَ الْحَافِظ ابْن حجر الْجوزجَاني كَانَ ناصبيا منحرفا عَن عَليّ فَهُوَ ضد الشيعي المنحرف عَن عُثْمَان وَالصَّوَاب مُوَالَاتهمْ جَمِيعًا وَلَا يَنْبَغِي لنا تسمع قَول مُبْتَدع فِي مُبْتَدع انْتهى وَأخرج الشَّيْخَانِ لأيوب بن عايذ بن مُدْلِج وثقة ابْن معِين وَأَبُو حَاتِم وَالنَّسَائِيّ وَالْعجلِي وَأَبُو دَاوُد وَزَاد أَبُو دَاوُد وَكَانَ مرجئا وَقَالَ البُخَارِيّ وَكَانَ يرى الإرجاء إِلَّا أَنه صَدُوق

стр. 65

وَأخرج الْجَمَاعَة لثور بن يزِيد الديلمي شيخ مَالك وثقة ابْن معِين وَأَبُو زرْعَة وَالنَّسَائِيّ وَغَيرهم وَقَالَ ابْن عبد الْبر صَدُوق لم يتهمه أحد وَكَانَ ينْسب إِلَى رَأْي الْخَوَارِج وَالْقَوْل بِالْقدرِ وَلم يكن يَدْعُو إِلَى شَيْء من ذَلِك وَقَالَ ابْن عبد الْبر فِيهِ سُئِلَ مَالك كَيفَ رويت عَن دَاوُد بن الْحصين وثور بن يزِيد وَذكر غَيرهمَا وَكَانُوا يرَوْنَ الْقدر فَقَالَ كَانُوا لَئِن يخروا من السَّمَاء إِلَى الأَرْض أسهل عَلَيْهِم من أَن يكذبوا وَأخرج البُخَارِيّ لثور بن يزِيد الْحِمصِي وَاتَّفَقُوا على تثبته فِي الحَدِيث مَعَ قَوْله بِالْقدرِ وَكَانَ يرْمى بِالنّصب قَالَ يحيى بن معِين وَكَانَ يُجَالس قوما ينالون من عَليّ ﵁ لكنه كَانَ لَا يسب قَالَ الْحَافِظ ابْن حجر رَحمَه الله تَعَالَى احْتج بِهِ الْجَمَاعَة وَأخرج البُخَارِيّ وَأَصْحَاب السّنَن لحريز بن عُثْمَان الْحِمصِي

стр. 66

وَوَثَّقَهُ أَحْمد وَابْن معِين وَالْأَئِمَّة وَقَالَ الفلاس كَانَ يبغض عليا ﵁ وَقَالَ أَبُو حَاتِم لَا أعلم بِالشَّام أثبت مِنْهُ وَلم يَصح عِنْدِي مَا يُقَال فِيهِ من النصب قَالَ الْحَافِظ ابْن حجر جَاءَ عَنهُ ذَلِك من غير وَجه وَجَاء عَنهُ خلاف ذَلِك وَرُوِيَ عَنهُ أَنه تَابَ من ذَلِك وَأخرج البُخَارِيّ عَن شَيْخه خَالِد الْقَطوَانِي قَالَ ابْن سعد كَانَ متشيعا مفرطا وَقَالَ صَالح جزرة ثِقَة إِلَّا أَنه يتشيع وَأخرج البُخَارِيّ وَأَصْحَاب السّنَن لحصين بن نمير الوَاسِطِيّ أَبُو مُحصن الضَّرِير وَوَثَّقَهُ أَبُو زرْعَة وَغَيره وَقَالَ أَبُو خَيْثَمَة كَانَ يحمل على عَليّ ﵁ فَلم أعد إِلَيْهِ وَأخرج البُخَارِيّ وَغَيره لهشام بن عبد الله الدستوَائي أحد الْأَثْبَات مجمع على ثقته وإتقانه قَالَ مُحَمَّد بن سعيد كَانَ

стр. 67

حجَّة ثِقَة إِلَّا أَنه كَانَ يرى الْقدر وَأخرج البُخَارِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ ليحيى بن صَالح أَبُو حائطي الْحِمصِي وَثَّقَهُ ابْن معِين وَأَبُو الْيَمَان قَالَ إِسْحَاق بن مَنْصُور كَانَ مرجئا إِذا عرفت هَذَا فَهَؤُلَاءِ جمَاعَة بَين مرجىء وقدري وشيعي وناصبي غال وخارجي أخرجت أَحَادِيثهم فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا ووثقوا كَمَا سَمِعت وهم قَطْرَة من رجال الْكتب السِّتَّة الَّذين لَهُم هَذِه الْبدع وحكموا بِصِحَّة أَحَادِيثهم مَعَ الابتداع الَّذِي لَيْسَ وَرَاءه وَرَاء وَهل وَرَاء بِدعَة الْخَوَارِج من شَيْء فَهُوَ دَلِيل ناهض على إِجْمَاعهم على أَن عُمْدَة قبُول الرِّوَايَة وعلتها حُصُول الظَّن بِصدق الرَّاوِي وَعدم تلوثه بِالْكَذِبِ أَلا ترى قَول مَالك فِي جمَاعَة لَا عَدَالَة لَهُم كَانُوا لَئِن يخروا من السَّمَاء إِلَى الأَرْض أسهل عَلَيْهِم من أَن يكذبوا فَمَا لاحظ إِلَّا ظَنّه بصدقهم وَقَول من قَالَ فِي إِسْمَاعِيل بن أبان كَانَ مائلا عَن الْحق إِلَّا أَنه كَانَ

стр. 68

لَا يكذب فِي الحَدِيث مناقشة غَرِيبَة وَكَذَا توثيقهم لجَمِيع من سَمِعت مَعَ ذكرهم لعظائم بدعهم مَا ذَاك إِلَّا لِأَن الْمدَار على ظن الصدْق لَا غير وَكَفاك بقول الْحَافِظ ابْن حجر إِنَّه لَا أثر للتضعيف مَعَ ظن الصدْق والضبط وَإِذا عرفت هَذَا اتَّضَح لَك مَا فِي رسم الصَّحِيح وَالْحسن من الاختلال حَيْثُ أخذُوا عَدَالَة الرَّاوِي شرطا فيهمَا وفسروا الْعَدَالَة بِمَا لَا بِدعَة مَعَه ووصلوا إِلَى مَحل التَّصْحِيح والتحسين فحكموا على أَحَادِيث المبتدعة بهما وَقد أطبقت على تِلْكَ الشريطة كتب أصُول الحَدِيث وَكتب أصُول الْفِقْه حَتَّى إِنَّه لم يسْتَدلّ ابْن الْحَاجِب فِي مُخْتَصر الْمُنْتَهى وَلَا من تَابعه كمؤلف نِهَايَة السؤل وَشَرحهَا على شَرْطِيَّة الْعَدَالَة فِي الرَّاوِي وَإِنَّمَا اشتغلا بتفسيرها

стр. 69

كَأَن شرطيتها أَمر قد علم من الدّين ضَرُورَة أَقسَام الروَاة إِنَّمَا قسموا الروَاة ثَلَاثَة أَقسَام مَعْرُوف الْعَدَالَة ومعروف الْفسق ومجهول الْحَال لَا يعرف فسقه وَلَا عَدَالَته وَاسْتَدَلُّوا على عدم قبُول الآخرين وَأَشَارَ ابْن الْحَاجِب إِلَى دَلِيل قبُول الْعدْل بِالْإِجْمَاع وَلَكِن قبُوله على غير شرطيته إِذْ مَعْنَاهُ الْعدْل مَقْبُول وَمَعْنَاهَا لَا يقبل إِلَّا الْعدْل وَكَأَنَّهُم يَقُولُونَ إِذا تمّ الدَّلِيل على عدم قبُول الآخرين علم أَنه لَا بُد من شَرْطِيَّة الْعَدَالَة إِلَّا أَن مَا سمعته من أَحْوَال رُوَاة الصَّحِيح وَالْحسن يقْلع هَذَا الِاشْتِرَاط لهَذِهِ الْعَدَالَة الْمَعْرُوفَة عِنْدهم كَمَا عرفت بِالْكُلِّيَّةِ مَعَ أَنه إِنَّمَا يلْزم الْعلم بذلك لَو كَانَت الْقِسْمَة حَاضِرَة وَهِي لَيست كَذَلِك لِإِمْكَان وَاقع وَهُوَ مفترق متغاير

стр. 70

الْحَسَنَة الْفرق بَين الشَّهَادَة وَالرِّوَايَة إِن قلت لَعَلَّهُم يَقُولُونَ دَلِيل شَرْطِيَّة عَدَالَة الرَّاوِي الْقيَاس على عَدَالَة الشُّهُود الثَّابِتَة بِالنَّصِّ قلت اخْتِلَافهمَا فِي الشُّرُوط يمْنَع عَن الْإِلْحَاق فَإِنَّهُ شَرط فِي الشَّهَادَة الْعدَد والذكورة وَعدم الْقَرَابَة للْمَشْهُود لَهُ وَعدم الْعَدَاوَة للْمَشْهُود عَلَيْهِ وَلم يشْتَرط فِي الرِّوَايَة ذَلِك فَلَا سَبِيل إِلَى الْإِلْحَاق

стр. 71

مَعَ أَنهم قد صَرَّحُوا أَنه لَا يلْزم فِي الرِّوَايَة مَا يلْزم فِي الشَّهَادَة لِأَن بَاب الشَّهَادَة أضيق ولإلحاق الأخف على الأغلظ وَبعد هَذَا يظْهر لَك أَنه لَا اعْتِمَاد إِلَّا على ظن الصدْق وَكَون الرَّاوِي مصونا عَن الْكَذِب كَمَا عرفت من نُصُوص أَئِمَّة الحَدِيث نعم الْإِشْكَال عَلَيْهِم فِي قبُول رِوَايَة الرافضي الساب للصحابة والناصبي الساب لعَلي ﵁ مَعَ عدهم السب للصحابة من الْكَبَائِر كَمَا صرح بِهِ فِي جمع الْجَوَامِع وَفِي الْفُصُول فَإِذا

стр. 72

قبلوا فَاعل الْكَبِيرَة وَلَيْسَ إِلَّا لظن صدقه مَعَ أَن مرتكب الْكَبِيرَة فَاسق تَصْرِيح لَا تَأْوِيل وَقد سبق فِي تَفْسِير الْعَدَالَة أَنه لَا بُد من السَّلامَة مِنْهُ وَقد نقل الْإِجْمَاع على عدم قبُول قَول فَاسق التَّصْرِيح كَمَا فِي الْفُصُول وَغَيره وَاسْتدلَّ لَهُ صَاحب الْفُصُول بقوله تَعَالَى ﴿إِن جَاءَكُم فَاسق بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ الْآيَة وَأصَاب فِي الِاسْتِدْلَال بهَا على ذَلِك لِأَنَّهَا نزلت فِي الْوَلِيد ابْن عقبَة كَمَا تطابق عَلَيْهِ أَئِمَّة التَّفْسِير وَهُوَ فَاسق تَصْرِيح بشربه الْخمر كَمَا فِي صَحِيح مُسلم وَذكره بِشرب الْخمر ابْن عبد الْبر والذهبي وَإِن كَانَ نزُول الْآيَة لسَبَب قَضيته مَعَ بني المصطلق وَكذبه عَلَيْهِم كَمَا هُوَ مَعْرُوف وَلم يصب ابْن الْحَاجِب وَصَاحب الْغَايَة فِي الِاسْتِدْلَال

стр. 73

بهَا على رد فَاسق التَّأْوِيل لما سَمِعت من أَنَّهَا نزلت فِي فَاسق التَّصْرِيح وَلَا يُقَال لَا يقصر الْعَام على سَببه بِنَاء على أَن الْفِعْل فِي سِيَاق الشَّرْط يُفِيد الْعُمُوم كَمَا ذكره شَارِح جمع الْجَوَامِع وَنسبه إِلَى ابْن الْحَاجِب لِأَنَّهُ بعد تَسْلِيم ذَلِك فسق التَّأْوِيل ففسق التَّأْوِيل اصْطِلَاح عرفي لَيْسَ لَهُ فِي اللُّغَة ذكر وَالْآيَة لَا تحمل على الْمعَانِي الْعُرْفِيَّة الْحَادِثَة والاصطلاح الْجَدِيد اتِّفَاقًا فعلى تَسْلِيم الْعُمُوم شَمل كل فَاسق تَصْرِيح على أَن فِي الِاسْتِدْلَال بهَا على عدم قبُول خَبره أبحاث ذكرهَا فِي العواصم تُشِير إِلَى شَيْء من ذَلِك وَهُوَ أَنه تَعَالَى قَالَ ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ أَي فتوثقوا فِيهِ وتطلبوا بَيَان الْأَمر وانكشاف الْحَقِيقَة وَلَا يعْتَمد قَول الْفَاسِق لِأَن من لَا يتحامى عَن جنس

стр. 74

الفسوق لَا يتحامى الْكَذِب الَّذِي هُوَ نوع مِنْهُ هَذَا كَلَامه وَلَا يخفى أَنه قد مر غير مرّة فِي هَذِه الرسَالَة التَّصْرِيح بِعَدَمِ لُزُوم الْكَذِب للفسق بل للكفر وَأَنه تتنزه عَنهُ الْكفَّار فضلا عَن الْفُسَّاق وَسَيَأْتِي تصريحه بتنزه الْفُسَّاق عَنهُ فِيمَا سننقله من تنقيحه وَقَرَأَ ابْن مَسْعُود ﵁ فتثبتوا والتثبت والتبين متقاربان وهما طلب الثَّبَات وَالْبَيَان والتعرف وَفِي تَفْسِير الْبَيَان أوجب الله تَعَالَى على الْمُؤمنِينَ التبين والتثبت عِنْد إِخْبَار الْفَاسِق وشهادته قلت فالآية أمرت بالتبين كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيل الله فَتَبَيَّنُوا﴾ الْآيَة وَلَيْسَ أمرا بِالرَّدِّ كَمَا فِي قَوْله

стр. 75

تَعَالَى عِنْد الْأَمر بِالْقَذْفِ ﴿وَلَا تقبلُوا لَهُم شَهَادَة أبدا﴾ وَفِي غَيرهم ﴿وَلَوْلَا إِذْ سمعتموه قُلْتُمْ مَا يكون لنا أَن نتكلم بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بهتان عَظِيم﴾ وَفِي الْآيَة الْأُخْرَى ﴿لَوْلَا إِذْ سمعتموه ظن الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَات بِأَنْفسِهِم خيرا وَقَالُوا هَذَا إفْك مُبين﴾ فَإِن قلت الْأَمر بالتبين لخبره فِي معنى الْأَمر برده قلت لَا بل رتب الله تَعَالَى وَاجِبا على خَبره هُوَ التبين فقد ثَبت بِخَبَرِهِ حكم بِخِلَاف الرَّد فَإِنَّهُ لم يثبت بالمردود حكما أصلا إِنَّمَا بَقِي شَيْئا مَعَه على الأَصْل وَهُوَ بَرَاءَة الذِّمَّة عدم الحكم بِشَيْء فوجوده وَعَدَمه سَوَاء وَقد عد صَاحب العواصم فِي الِاسْتِدْلَال على عدم دلَالَة الْآيَة على رد خبر فَاسق التَّأْوِيل كَمَا صنع ابْن الْحَاجِب وَصَاحب الْغَايَة مَا ينيف على خَمْسَة
следующие страницы →