Полный текст (700 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَبِه نستعين
الْحَمد لله الَّذِي صحّح كَلَامه الْقَدِيم، الَّذِي هُوَ أحسن الحَدِيث فرعا وأصلا، وَضعف أجر قارئه فِي كل حرف مِنْهُ عشر حَسَنَات، وَزَاد لبَعْضهِم عدلا وفضلا، وَجعل تالي كَلَامه كَلَام رَسُوله، كإطاعته إطاعة نوعا وفصلا، وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على من تَوَاتَرَتْ سوابق دلالات معجزاته، واشتهرت لواحق خوارق عاداته، بأسانيد مَرْفُوعَة مُتَّصِلَة بعنوان كراماته، وموصولة بتبيان آيَات كمالاته، أَعنِي سيد الْأَنْبِيَاء، وَسَنَد الأصفياء، مُحَمَّد الْمُصْطَفى، وَأحمد المرتضى، ومحمود الْمُجْتَبى، وعَلى آله وَأَصْحَابه الَّذين أدركوا أسراره، وشاهدوا آثاره، وأخبروا أخباره، وَاتبعُوا أنواره.
أما بعد فَيَقُول الأفقر إِلَى كرم الله الْغَنِيّ الْبَارِي، عَليّ بن سُلْطَان مُحَمَّد الْهَرَوِيّ الْقَارِي: إِن بغض أَصْحَابِي وَمن هُوَ من جملَة أحبابي طلب من أَن يقْرَأ عَليّ " شرح نخبة الْفِكر فِي مصطلحات أهل الْأَثر " لمولانا
стр. 2
وَسَيِّدنَا، وَشَيخ مَشَايِخنَا وسندنا، عُمْدَة الْعلمَاء الْأَعْلَام، وزبدة الْفُضَلَاء الْكِرَام، ومقتدى الْأَنَام، وَشَيخ الْإِسْلَام [٢ - أ] ، [وخاتمة] الْحفاظ والمحدثين، ونادرة الْمُحَقِّقين والمدققين، الْعَلامَة [الْعَالم الْعَامِل] الرباني، الشَّيْخ شهَاب الدّين أَحْمد بن حجر الْعَسْقَلَانِي، روح روحه، وَفتح لنا فتوحه.
[فسنح] بالخاطر الفاتر أَن أجمع مَا يظْهر لي فِي كَلَامه، وَمَا أظهره بعض الْفُضَلَاء فِي الدفاتر، ليَكُون تبصرة لأولي الْأَلْبَاب، وَتَذْكِرَة للأصحاب والأحباب، فَإِن آن الْوُرُود فِي الْمَقْصُود، فَأَقُول بعون الله الْملك المعبود: قَالَ الشَّيْخ:
(بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم) عملا بِالْقُرْآنِ الْمجِيد، واقتداءً / بالفرقان الحميد، وتأسيا بِالْحَدِيثِ الْمَشْهُور عِنْد [أَئِمَّة] الْأَثر: " كل أَمر ذِي بالٍ [لَا] يبْدَأ فِيهِ بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم فَهُوَ أَبتر] "، وإيماء بالاستعانة بِهِ تَعَالَى إِلَى التبري عَن
стр. 3
الْحول وَالْقُوَّة، [وَإِشَارَة] إِلَى مرتبَة جمع الْجمع بَين الْجمع الصّرْف والتفرقة، لِئَلَّا يُؤَدِّي إِلَى / ٢ - أ / الْغَفْلَة والزندقة، وإشعاراً إِلَى الرَّد على الْمُعْتَزلَة والمُرجئة، وَإِرَادَة للخلاص عَن ضيق رِبقة السمعة والرياء إِلَى فضاء الْإِخْلَاص الَّذِي هُوَ أجل مقَام أهل الِاخْتِصَاص، وَلَا شكّ أَن هَذِه الْمعَانِي المنطوية فِي هَذِه المباني مُحْتَاج إِلَيْهَا فِي أول كل من الْمَتْن وَالشَّرْح فِي الْحَال الأول وَالثَّانِي، وَكَأن المُصَنّف جمع بَينهمَا لفظا وَاكْتفى بِأَحَدِهِمَا كِتَابَة، أَو نزّل الْمَتْن وَالشَّرْح منزلةَ كتاب وَاحِد، وَأما مَا فِي بعض النّسخ من قَوْله:
(قَالَ الشَّيْخ) : إِلَخ، فَالظَّاهِر أَنه من كَلَام بعض التلامذة النقاد، إعلاماً بِأَنَّهُ تصنيف الْأُسْتَاذ ليَصِح الْإِسْنَاد، وَيصْلح للاعتماد والاستناد، لكنه يُوهم أَن الشَّيْخ لم يَأْتِ بالبسملة مُطلقًا، وَهَذَا لَا يظنّ بِهِ حَقًا، فَكَانَ الْوَاجِب أَن يَأْتُوا بالبسملة مُتَّصِلَة بالحمدلة على مَا فِي نُسْخَة، لِئَلَّا يُؤَدِّي إِلَى تَغْيِير التصنيف، وتحريف التَّأْلِيف، وَيحْتَمل أَن أَلْفَاظ الْمَدْح فَقَط مُلْحقَة.
وَقدم الشَّيْخ الْبَسْمَلَة تَعْظِيمًا لَهُ تَعَالَى كَمَا فعله شيخ مَشَايِخنَا الجزريّ فِي مقدمته حَيْثُ قَالَ [٢ - ب] بعد الْبَسْمَلَة.
стр. 4
(يَقُول راجي عَفْو رب سامِع ... مُحَمَّد بن الجزريّ الشَّافِعِي)
(الْحَمد لله وَصلى الله ... على نبيه ومصطفاه)
ثمَّ المُرَاد من (الشَّيْخ) : هُوَ الْكَامِل فِي فنه وَلَو شَابًّا، وَأما مَا اخْتَارَهُ بَعضهم من أَنه من خمسين إِلَى ثَمَانِينَ، وَهُوَ السن الَّذِي يسْتَحبّ أَن يكون إسماع الحَدِيث فِيهِ بِلَا خلاف، فخلاف الصَّحِيح كَمَا سَيَأْتِي فِي مَحَله، فَإِن عمر بن عبد الْعَزِيز لم يبلغ أَرْبَعِينَ، وَحدث الإِمَام مَالك حِين بلغ عمره عشْرين.
فَالْحَاصِل: أَنه يُرَاد بِهِ شيخ الْإِسْلَام، وَهُوَ أَن يكون مرجعاً للْأَحْكَام، وَيدل عَلَيْهِ حَدِيث: (الشَّيْخ فِي قومه كالنبي فِي أُمته) // (أسْندهُ الديلمي) //، فالشيخ هُوَ الْكَبِير سِناً، أَو رُتْبَة. وَمَا أحسن قَول الْعَبَّاس لما سُئِلَ أَنْت أكبر أَو النَّبِي [ ﷺ ] ؟ فَقَالَ: (إِنَّه أكبر، وَأَنا أَسن) .
стр. 5
(الإِمَام) أَي المقتدى بِهِ، وَهُوَ إِمَام أَئِمَّة الْأَنَام كالسيوطي، وَابْن الْهمام، والسخاوي، والقسطلاني، وملا قَاسم الْحَنَفِيّ، وَغَيرهم من الْعلمَاء الْأَعْلَام.
(الْعَالم) أَي الْعَالم الْكَامِل، وَالْمَشْهُور فِي هَذَا الْعلم، فَإِن لَهُ تصانيف كَثِيرَة، وتآليف شهيرة، وأجلها (فتح الْبَارِي فِي شرح البُخَارِيّ) الَّذِي هُوَ فِي هَذَا الْفَنّ غَايَة، بل فِي سَائِر الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة نِهَايَة.
(الْحَافِظ) : هُوَ من أحَاط علمه بمئة ألف حَدِيث، ثمَّ بعده الْحجَّة: وَهُوَ من أحَاط / ٢ - ب / علمه بِثَلَاث مئة ألف حَدِيث، ثمَّ الْحَاكِم: وَهُوَ الَّذِي أحَاط علمه بِجَمِيعِ الْأَحَادِيث المروية متْنا وإسناداً، وجرحاً وتعديلاً وتاريخاً، كَذَا قَالَه جمَاعَة من الْمُحَقِّقين. وَقَالَ الْعَلامَة الْجَزرِي:
стр. 6
الرَّاوِي: ناقل الحَدِيث بِالْإِسْنَادِ. والمحدث من تحمل الحَدِيث رِوَايَة، واعتنى بِهِ دِراية. والحافظ: من روى مَا يصل / إِلَيْهِ ووعى مَا يحْتَاج لَدَيْهِ.
وَقَالَ الْعِرَاقِيّ: الْمُحدث فِي عرف الْمُحدثين: من يكون لَهُ كتب، وَقَرَأَ، وَسمع، ووعى، ورحل إِلَى الْمَدَائِن والقرى، وَحصل أصولاً من متون [٣ - أ] الْأَحَادِيث، وفروعاً من كتب المسانيد، والعلل، والتواريخ الَّتِي تقرب من ألف تصنيف انْتهى. وَكَأَنَّهُ تَعْرِيف المنتهي! .
وَقَالَ ميرك شاه رَحمَه الله تَعَالَى: المُرَاد بِهِ حَافظ الحَدِيث لَا الْقُرْآن قلت: وَلَا بدع أَن يكون حَافِظًا للْكتاب وَالسّنة، وإنساناً كَامِلا من بَين الْأمة. وَكَانَ يَقُول شيخ مَشَايِخنَا الْعَارِف الرباني مَوْلَانَا إِسْمَاعِيل الشرواني لبَعض تلاميذه: أَنا وَأَنت إِنْسَان كَامِل، فَإنَّك تحفظ الْقُرْآن ومبناه، وَأَنا أعرف تَفْسِيره وَمَعْنَاهُ.
(وحيد دهره وأوانه) الْإِضَافَة بِمَعْنى فِي، وَالْمعْنَى: نادرة زَمَانه، ومنفردُ أَوَانه.
(وفريد عصره وزمانه) أَي لَا نَظِير لَهُ فِي شَأْنه، عطف تَفْسِير، أَو الأول: لخُصُوص مصره، وَالثَّانِي: لعُمُوم عصره.
стр. 7
(شهَاب الْملَّة وَالدّين) أَي نجمهما الَّذِي يستضيئان بنوره، وينكشفان بِحُضُورِهِ، وأهلهما يستنيران بِهِ حِين حَيَاته، ويستفيدان بكتبه بعد مماته، وَالظَّاهِر أَن المُرَاد بالملة: هُوَ طَرِيق التَّوْحِيد الإيماني، وَيُشِير إِلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿اتبع مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا﴾ وَسمي مِلَّة من حَيْثُ إِنَّه يُملى على الْأمة. وبالدين: أَحْكَام الْإِسْلَام، ويومئ إِلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الدّين عِنْد الله الْإِسْلَام﴾ وَسمي بِهِ من حَيْثُ إِنَّه يتدين بِهِ، وينقاد إِلَيْهِ، ويجازى عَلَيْهِ.
(أَبُو الْفضل) كنيته، وَهُوَ يحْتَمل أَن يكون لَهُ ولد مُسَمّى بِالْفَضْلِ، أَو المُرَاد بِهِ أَنه صَاحب الْفضل وَالزِّيَادَة من الْأَمْوَال الدُّنْيَوِيَّة، أَو ذُو الْفَضِيلَة من الْعُلُوم الأخروية، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أولو الْفضل مِنْكُم وَالسعَة﴾ وَالْمرَاد بِهِ الصّديق الْأَكْبَر ﵁. وَهَذَا الَّذِي اخترناه أولى مِمَّا ذكره صَاحب الجلالين من الْعَطف التفسيري، فَإِن التأسيس مهما أمكن [فَهُوَ] أولى من التَّأْكِيد.
(أَحْمد بن عَليّ العَسقلاني) بِفَتْح الْعين، وَسُكُون السِّين الْمُهْمَلَتَيْنِ، وَفتح الْقَاف نِسْبَة إِلَى بلد بساحل الشَّام.
(الشهير) أَي الْمَشْهُور (بِابْن حجر) قَالَ السَّيِّد أصيل الدّين: هُوَ لقب الشَّيْخ [٣ - ب] ، وَإِن كَانَ بِصِيغَة الكنية، وَذَلِكَ شَائِع / ٣ - أ /، وَوجه تلقيبه بذلك كَثْرَة
стр. 8
مَاله وضياعه، وَالْمرَاد بِالْحجرِ: الذَّهَب وَالْفِضَّة. انْتهى. وَيحْتَمل أَنه كَانَت لَهُ جَوَاهِر كَثِيرَة فَسُمي بِهِ، وَقيل: لُقب بذلك لجودة ذهنه، وصلابة رَأْيه بِحَيْثُ يردُ اعْتِرَاض كل معترض، وَلَا يتَصَرَّف فِيهِ أحد من أقرانه، وَلذَا قَالَ بعض الظرفاء فِي حَقه: رَجح بِنَا ابْن حجر يقْرَأ طرداً وعكساً كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿كل فِي فلك﴾ . وَقيل: سُمي بِهِ لكَونه اسْم أَبِيه الْخَامِس، لِأَنَّهُ كَانَ حَامِل الْحجر، (أثابه) أَي الله تَعَالَى - وَكَانَ الأولى ذكره كَمَا فِي نُسْخَة، وَإِن كَانَ فِي الذِّهْن مَذْكُورا - (الْجنَّة) أَي جازاه أَعلَى درجاتها، وَأَعْلَى مقاماتها (بفضله وَكَرمه) أَي زِيَادَة على عدله بِمُقَابلَة عمله وَعلمه.
(الْحَمد لله) جوز فِي لَام التَّعْرِيف أَن تكون للْجِنْس، أَو الِاسْتِغْرَاق، أَو الْعَهْد. وَقد سَأَلَ الشَّيْخ أَبُو / الْعَبَّاس المرسي ابْن النّحاس النَّحْوِيّ عَن الْألف وَاللَّام فِي الْحَمد لله، أجنسية هِيَ، أم عهدية؟ فَقَالَ: يَا سَيِّدي قَالُوا: إِنَّهَا جنسية، فَقَالَ لَهُ: الَّذِي أَقُول: إِنَّهَا عهدية، وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى لما علم عجز خلقه عَن كنه حَمده وَحقه، حمد نَفسه بِنَفسِهِ فِي أزله نِيَابَة عَن خلقه قبل أَن يحمدوه، فَقَالَ
стр. 9
(ابْن النّحاس) : أشهدك أَنَّهَا للْعهد. انْتهى.
وَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَن الْعبْرَة بذلك الْحَمد، لَا أَنه منحصر فِيهِ. وَيُشِير إِلَى الْعَهْد أَيْضا قَوْله [ ﷺ ] : (وَلَا أحصي ثَنَاء عَلَيْك أَنْت كَمَا أثنيت على نَفسك) لَكِن قَول الشَّيْخ: نِيَابَة عَن خلقه لما علم عجزهم، غير مُحْتَاج إِلَيْهِ لِأَن عِنْد الصُّوفِيَّة لَا يعول عَلَيْهِ إِذْ الْحَمد ثَابت لَهُ أزلا وأبداً، فَكَأَن الشَّيْخ تنزل عَن مقاماته وحالاته من آثَار المحو، إِلَى مقَام ابْن النّحاس الْمُقَيد بالنحو، لما ورد: " كلم النَّاس على قدر عُقُولهمْ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قد علم كل أنَاس مشربهم﴾ .
وَالْأَظْهَر عِنْدِي أَن اللَّام للاستغراق الْحَقِيقِيّ دون العُرفي، كَمَا قيل بِهِ، فَالْمَعْنى: أَن كل حمد صدر من كل حَامِد، فَهُوَ لله تَعَالَى حَقِيقَة، [٤ - أ] وَإِن كَانَ بعض أَفْرَاده لغيره تَعَالَى صُورَة، بل الْمصدر بِالْمَعْنَى الْأَعَمّ من الفاعلية والمفعولية، فَيُفِيد أَن الله تَعَالَى هُوَ الحامد وَهُوَ الْمَحْمُود، سوى الله - وَالله - مَا فِي الْوُجُود. وَمِنْه قَول شيخ مَشَايِخنَا: اسْتغْفر الله مِمَّا سوى الله، وَمِنْه قَول الْعَارِف ابْن الفارض:
стр. 10
(وَلَو خطرت لي فِي سواك إِرَادَة ... على خاطري سَهوا حكمت بردتي)
وَمِنْه حَدِيث (أصدق كلمة قَالَهَا الشَّاعِر كلمة لبيد: " أَلا كل شَيْء مَا خلا الله بَاطِل ".
وَإِلَيْهِ الْإِيمَاء بقوله تَعَالَى ﴿كُل شيءٍ هالِك إِلَّا وَجههُ﴾ . نعم أظهر مظَاهر محمدة الْحق هُوَ الْمَحْمُود، الْمُسَمّى بِمُحَمد المنعوت بِأَحْمَد الْخلق، أَو الْمَعْنى / ٣ - ب /: جنس الْحَمد مُسْتَحقّ لَهُ تَعَالَى سَوَاء حُمد أَو لم يُحمد، وَيُشِير إِلَيْهِ: يَا الله الْمَحْمُود فِي كل فِعَاله، وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَهُوَ الْوَلِيّ الحميد﴾ . وَأما مَا قيل: إِذا كَانَ اللَّام للْجِنْس، فإفادته قَاصِرَة إِذْ لَا يلْزم من إِثْبَات الْجِنْس لأحد إحاطة أَفْرَاد لَهُ، فمدفوع هُنَا بِأَن لَام لله للاختصاص، فَلَا يخرج فَرد من هَذَا الْمقَام الْخَاص، فَيرجع مَعْنَاهُ إِلَى الِاسْتِغْرَاق.
وَقَول صَاحب المدارك: وَاللَّام فِيهِ للاستغراق عندنَا خلافًا للمعتزلة، يُرِيد بِهِ أَن الْمُعْتَزلَة لَا يجوزونه بِنَاء على مَسْأَلَة خلق الْأَفْعَال، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَن كَونهَا للْجِنْس هُوَ مَذْهَب الْمُعْتَزلَة فَقَط كَمَا تُوهم، فَإِن الْبَيْضَاوِيّ وَغَيره من الْمُحَقِّقين جوزوا الْجِنْس، بل رجحوه، وقدموه على الِاسْتِغْرَاق لِأَنَّهُ الأَصْل فِي التَّعْرِيف.
стр. 11
ثمَّ الْمَشْهُور أَن جملَة الحمدلة مبناها إخبارية، وَمَعْنَاهَا إنشائية. وَسُئِلَ ابْن الهُمَام عَنْهَا فَأجَاب: بِأَنَّهَا إنشائية فَقيل: بل خبرية، قَالَ فَحِينَئِذٍ: لَيْسَ لنا حامدون. فَقيل: فَإِذا لَيْسَ لله حَقِيقَة الْحَمد ثَابِتَة. انْتهى وَمعنى كَلَام ابْن الهُمَام أَنه حِينَئِذٍ لَا نَكُون حامدين مَعَ أَنه يُقَال لقائلها: حامداً، وَلَو كَانَت خبرية معنى لم يُسَمُ إِلَّا مخبرا، لِأَن من الْمَعْلُوم أَنه لَا يُشتق للمخبر عَن شَيْء اسمُ [٤ - ب] فَاعل من ذَلِك الشَّيْء، إِذْ لَا يُقَال لمن قَالَ: الضَّرْب مؤلمُ ضَارب، لَكِن يُمكن دَفعه بِأَنَّهُ جَازَ أَن يَعدٌ الشَّرْع الْمخبر / بِثُبُوت الْحَمد لله تَعَالَى حامداً.
ثمَّ الشَّيْخ رَحمَه الله تَعَالَى أَتَى بالحمدلة بعد الْبَسْمَلَة تخلقاً بالأخلاق الربانية، وتعلقاً بالكلمات السبحانية، وجمعاً بَين الْأَخْبَار النَّبَوِيَّة والْآثَار المصطفوية حَيْثُ قَالَ: " كُل أَمر ذِي بالٍ لم يُبدأ فِيهِ بِالْحَمْد لله [فَهُوَ أَبتر] " وَفِي رِوَايَة: [ (بِحَمْد لله) وَفِي رِوَايَة: (بِالْحَمْد] فَهُوَ أقطع) وَفِي رِوَايَة: (أَجْذم) . أَي مَقْطُوع الْبركَة. ثمَّ الِابْتِدَاء وَإِن كَانَ يحصل بِكُل من الْبَسْمَلَة والحمدلة لما فِي رِوَايَة: (لَا يُبدأ فِيهِ بِذكر الله) إِلَّا أَن الْجمع بَينهمَا أفضل، وثوابهما أكمل. ثمَّ الِابْتِدَاء عرفي
стр. 12
يَمْتَد إِلَى الشُّرُوع فِي الْمَقْصُود، وَالْأول حَقِيقِيّ، وَالثَّانِي إضافي، وَالْأول أولى بالحقيقي، فَإِن الثَّانِي بِمَنْزِلَة الشُّكْر على توفيق الذّكر الإلهي الْمُقْتَضِي لتصحيح النِّيَّة، والباعث على مُلَاحظَة الْمِنَّة، ومطالبة المعونة، والتبري من الْحول وَالْقُوَّة.
(الَّذِي لم يزل عَالما قَدِيرًا) كَانَ الأولى مبْنى وَمعنى أَن يَقُول: عليماً قَدِيرًا ليدل على كَثْرَة الْعلم، وسعة الْقُدْرَة. وَأما مَا قيل: لَو قَالَ: وَلَا يزَال ليصرح بِأَن علمه تَعَالَى وَقدرته أبدي كَمَا أنّ كلا مِنْهَا أزلي لَكَانَ أحسن، فيجاب عَنهُ: بِأَن مَا ثَبت قدمه اسْتَحَالَ عَدمه / ٤ - أ /، وَهُوَ أحد الْأَجْوِبَة عَن قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّه كَانَ عليما قَدِيرًا﴾ . ﴿حَيا قيوماً﴾ فيعول: من الْقيام أَي الْقَائِم بِذَاتِهِ الْمُقِيم لغيره قيل: لما ذكر فِي الْمَتْن أَنه تَعَالَى متصف بِالْعلمِ وَالْقُدْرَة أزلاً نبه فِي الشَّرْح على أَنه لَا يزَال كَذَلِك سرمداً بقوله: حَيا قيوماً، لِأَن مَعْنَاهُ دَائِم الْبَقَاء.
ونوقش بِأَنَّهُ إِنَّمَا يدل على أنّ ذَاته أبدية، ودَفعُهُ ظَاهر لِأَن الصِّفَات الذاتية لَا تنفك عَن الذَّات الإلهية.
﴿سميعا بَصيرًا﴾ قيل: اللَّائِق أَن يزِيد مرِيدا متكلماً، لتَكون الصِّفَات الذاتية بِتَمَامِهَا مَذْكُورَة.
وَأجِيب: بِأَن الْقُدْرَة تَسْتَلْزِم الْإِرَادَة، والتكلم. وَأغْرب محشٍّ جميل،
стр. 13
فَقَالَ: إِنَّمَا لم يقل متكلماً لِأَن التَّكَلُّم مُشكل، وَقَالَ الشَّارِح وجيه: قيل: اللَّائِق ذكر جَمِيع الصِّفَات الذاتية [٥ - أ] وَسكت على الْجَواب بِالْكُلِّيَّةِ، وَلَعَلَّ الشَّيْخ اكْتفى بالوصفين السَّابِقين فِي الْمَتْن إشعاراً بِأَن الْعلم لشُمُوله الجزئيات والكليات يتَضَمَّن المسموعات، والمبصَرات، وَأَن الْقُدْرَة تَسْتَلْزِم بَقِيَّة الصِّفَات.
(وَأشْهد) أُورِد عَلَيْهِ أَنه عطف الفعلية الإنشائية [على الاسمية الإخبارية، ودُفعَ بِأَن الحمدلة - كَمَا تقدم - فِي الْمَعْنى إنشائية] ، وَبِأَن أَصله: حمدت الله، أَو أَحْمَده حمداً، فَكَانَ فِي الْمَعْنى فعلية. وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ بِنَاء على الْكَلَام فِي الاعتبارات الرسمية، وَإِلَّا فَلَا منع من عطف الاسمية على الخبرية، وَعَكسه كَمَا ورد فِي كَلَام أهل الْعَرَبيَّة.
ثمَّ معنى أشهد: [أُقِرّ عَن صميم قلب، وَأخْبر عَن علم يَقِين] فَلَا يشكل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالله يشْهد إِن الْمُنَافِقين لَكَاذِبُونَ﴾ بعد قَوْله : ﴿إِذا جَاءَك المُنَافِقُونَ قَالُوا نشْهد إِنَّك لرَسُول الله﴾ وَلذَا قدم دفع الْوَهم بقوله : ﴿وَالله يعلم إِنَّك لرَسُوله﴾ .
(أنْ) مُخَفّفَة من الثَّقِيلَة أَي أَنه (لَا إِلَه إِلَّا الله) الْمَشْهُور: أَن خبر لَا مَحْذُوف، وَهُوَ: مَوْجُود. وَقَالَ صَاحب الْكَشَّاف: يجوز أَن يكون لَا إِلَه إِلَّا الله جملَة تَامَّة. من غير تَقْدِير حذف الْخَبَر، يَعْنِي لَا إِلَه: مُبْتَدأ، وَإِلَّا الله: خَبره، قيل:
стр. 14
يلْزم / أَن يكون الْمُبْتَدَأ نكرَة، وَالْخَبَر معرفَة، قَالَ: لَيْسَ الْأَمر كَمَا قيل، لِأَن أصل الْكَلَام فِي التَّقْدِير: الله إِلَه، قُدم الْخَبَر دفعا لإنكار المنكِرِ، فَصَارَ: إلهُ الله، ثمَّ أُريد نفيُ الْآلهَة، وإثباته قطعا. فَدخل فِي صدر الْكَلَام من الْجُمْلَة حرف " لَا " وَفِي وَسطهَا " إِلَّا " ليحصل غرضهم، فَصَارَ لَا إِلَه إِلَّا الله. انْتهى.
وَالْمَشْهُور: أَن رفع الْجَلالَة على الْبَدَلِيَّة من الضَّمِير الْمُسْتَتر فِي الْخَبَر الْمُقدر، وجُوِّز نصبها على الِاسْتِثْنَاء من الضَّمِير الْمَذْكُور. قيل: هَذِه / ٤ - ب / الْكَلِمَة كلمة تَوْحِيد إِجْمَاعًا، وَلَا يَسْتَقِيم ذَلِك مَا لم يكن صدر الْكَلَام نفيا لكل معبود بِحَق.
وَالله: اسْم للمعبود بِالْحَقِّ، وَمثله يكون تناقضاً فِي القَوْل، وَهُوَ محَال فِي كلمة التَّوْحِيد المجمَع على صِحَّتهَا. وَأجِيب بِأَن الْمَنْفِيّ فِي صدر الْكَلَام مَفْهُوم كلي كالإله، والمأخوذ من مَدْلُول الْجَلالَة فَرد خَاص من مَفْهُوم الْإِلَه بِمَعْنى أَن لَفْظَة " الله " علم للمعبود بِالْحَقِّ الْمَوْجُود الْخَالِق للْعَالم، لَا أَنه اسْم لذَلِك الْمَفْهُوم الْكُلِّي كالإله. وَقَالَ السُّيُوطِيّ فِي الإتقان: وَقد [٥ - ب] توجب الصِّنَاعَة النحوية التَّقْدِير، وَإِن كَانَ الْمَعْنى غير مُتَوَقف عَلَيْهِ، فَقَالُوا فِي: لَا إِلَه إِلَّا الله: إِن الْخَبَر مَحْذُوف، أَي مَوْجُود. وَقد أنكرهُ الإِمَام الرَّازِيّ وَقَالَ: هَذَا كَلَام لَا يحْتَاج إِلَى تَقْدِير، وَتَقْدِير النُّحَاة فَاسد، لِأَن نفي الْحَقِيقَة مُطلقَة أتمُّ من نَفيهَا مُقَيّدَة [بِقَيْد مَخْصُوص] ، فَإِنَّهَا إِذا انْتَفَت مُطلقَة كَانَ ذَلِك دَلِيلا على سلب الْمَاهِيّة مَعَ الْقَيْد،
стр. 15
وَإِذا انْتَفَت مُقَيّدَة بِقَيْد مَخْصُوص لم يلْزم نَفيهَا مَعَ قيد آخر. ورد بِأَن تقديرهم " مَوْجُود " يسْتَلْزم نفي كل إِلَه غير الله قطعا، فَإِن الْعَدَم لَا كَلَام فِيهِ، فَهُوَ فِي الْحَقِيقَة نفي للْحَقِيقَة مُطلقَة لَا مُقَيّدَة، ثمَّ لَا بُد من تَقْدِير خبر لِاسْتِحَالَة مُبْتَدأ بِلَا خبر ظَاهر أَو مُقَدّر، وَإِنَّمَا يقدر النَّحْوِيّ ليعطي الْقَوَاعِد حَقّهَا، وَإِن كَانَ الْمَعْنى مفهوماً. انْتهى. وَفِيه بحثان:
الأول: أَن كَلَام الإِمَام تَحْقِيق وتدقيق فِي المرام ورده مصادرة، بل مُكَابَرَة بِلَا نظام.
وَالثَّانِي: أَن كَلَامه لَا يدل على نفي الْقَوَاعِد النحوية بِالْكُلِّيَّةِ، بل ذهب إِلَى مَسْلَك " الْكَشَّاف " فِي عدم الْحَاجة إِلَى تَقْدِير كلمة تكون مَرْفُوعَة بالخبرية، وعَلى تَقْدِير التَّقْدِير يَنْبَغِي أَن يقدر " لنا " لِئَلَّا يَرِد شَيْء من عدم التَّحْقِيق علينا مُرَاعَاة للجانبين، ومحافظة للمذهبين.
وَكَأن الْجُمْهُور نظرُوا إِلَى أَن الْمَعْدُوم لظُهُور حُدُوثه لَا يصلح للألوهية، فَلَا يحْتَاج إِلَى نَفْيه، أَو نَفْيه يُفَهم بالبرهان الأولى، أَو أَرَادوا بموجود أَعم من أَن يكون مَوْجُودا فِي الْحَال والاستقبال، وَالله أعلم بالمآل.
(وحدَه) حَال على مَذْهَب الْكُوفِيّين، وَتَقْدِيره متوحداً ومنفرداً على مَذْهَب الْبَصْرِيّ وَهُوَ حَال مُؤَكدَة، (لَا شريك لَهُ) المُرَاد بِالْأولَى: وحدته فِي الذَّات، وبالثانية: وحدته فِي الصِّفَات. (وأُكبِّره) أَي أُعَظمُه وأعتقد أَنه أكبر من أنْ يُحاط بكُنه كبريائه، (تَكْبِيرا) أَي تَكْبِيرا كثيرا.
(وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عبدُه ورسُوله) كَذَا فِي نُسْخَة مصححة. وَالظَّاهِر أَنَّهَا
стр. 16
مُلحَقَة من النَّاسِخ لعدم إتْيَان الشَّيْخ بِمَا يُنَاسب الْمقَام من السجع كَمَا هُوَ دأب أَرْبَاب الْكَلَام / ٥ - أ /، وَلَا يلائم أَن يكون مَا بعده من الْمَتْن متمماً لَهُ لوُجُود وَاوِ الْفَصْل / لَكِن يُشكل بِأَن الْخطْبَة لَا تتمّ بِدُونِ تِلْكَ الزِّيَادَة، اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُتكَلَّف [٦ - أ] بِأَن يُقَال: قَوْله: وَصلى الله ... الخ قَامَ مقَامهَا.
ثمَّ قيل: أورد المُصَنّف الشَّهَادَة فِي الْخطْبَة عملا بقوله ﷺ : " كل خُطبة لَيْسَ فِيهَا تشهّد فَهِيَ كَالْيَدِ الجذماء " // (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ فِي جَامعه) //، ونوقش بِأَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ أَن يوردها فِي خطْبَة الْمَتْن أَيْضا، ودُفع بِأَنَّهُ لم يُوردها فِي الْمَتْن إِشَارَة إِلَى أَن الحَدِيث ضَعِيف، فَلم يجب الْعَمَل بِهِ وأوردها فِي خطْبَة الشَّرْح إِيمَاء إِلَى أَن الحَدِيث الْوَارِد فِي فَضَائِل الْأَعْمَال يُستحسن الْعَمَل بِهِ، وَإِن كَانَ ضَعِيفا.
وَالْأَظْهَر أَن يُقَال: صرَّح بِلَفْظ الشَّهَادَتَيْنِ فِي الشَّرْح عملا بِظَاهِر الحَدِيث، وأتى فِي الْمَتْن بمعناهما كَمَا قيل بِهِ فِي تَأْوِيل الحَدِيث على مَا نقل من التُّوَّرِبِشْتيّ وَغَيره مُرَاعَاة للإيجاز والإطناب بِحَسب مَا يَلِيق بِكُل بابٍ من الْكتاب، وَيُمكن أَن يُقَال: إِنَّمَا ترك الشَّهَادَتَيْنِ فِي الْمَتْن بِنَاء على أَن المُرَاد بالخُطبة
стр. 17
الْخطْبَة على الْمِنْبَر المتعارفة فِي زَمَنه ﷺ ، وأتى بهما فِي الشَّرْح عملا بالاستحباب فِي خطْبَة الْكتاب، لِأَن الْعبْرَة بِعُمُوم الْأَلْفَاظ لَا بِخُصُوص الْأَسْبَاب، وَالله أعلم بِالصَّوَابِ.
(وَصلى الله على سّيدنا) الْجُمْلَة خبرية لفظا، ودعائية معنى. وَالصَّلَاة من الله تَعَالَى: إدرار الرَّحْمَة وَإِظْهَار المَرْحَمة. وتعديتة بعلى لحُصُول الاستعلاء، وتوهم بَعضهم أَن على مُطلقًا للضَّرَر، وَاللَّام للنفع، وَلَيْسَ كَذَلِك، بل هُوَ مُخْتَصّ بِفعل تَارَة يتَعَدَّى بِاللَّامِ، وَمرَّة بعلى كدعا لَهُ، ودعا عَلَيْهِ، وَشهد لَهُ، وَشهد عَلَيْهِ، وَحكم لَهُ، وَحكم عَلَيْهِ، لَا يُقَال: صلى بِمَعْنى دَعَا، فَإِنَّهُ لَا يلْزم توَافق المترادفين فِي التَّعْدِيَة، أَلا ترى أَنه لَا يُقَال: صلى لَهُ مَعَ أَن الصَّلَاة إِنَّمَا وَردت بِمَعْنى الدُّعَاء بِخَير، فَزَالَ الْإِشْكَال من أَصله.
(مُحَمَّد) هُوَ فِي أَصله اسمُ مفعول من حُمِّد بِالتَّشْدِيدِ مُبَالغَة حَمِد بِالتَّخْفِيفِ، سمي بِهِ رجاءَ أَن يكون يحمده الْأَولونَ وَالْآخرُونَ ﴿وَكَانَ أَمر الله قدرا مَقْدُورًا﴾ . وَلذَا قيل: الْأَسْمَاء تتنزل من السَّمَاء، فنُقل من الوصفية [٦ - ب] إِلَى العلمية.
(الَّذِي أرْسلهُ) أَي جعله رَسُولا بَعْدَمَا صيّره نَبيا.
стр. 18
(للنَّاس) أَي لأجل نفعهم، فَالْمُرَاد بِالنَّاسِ الْمُؤْمِنُونَ، فَإِنَّهُم المنتفعون كَمَا قيل فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿هدى لِلْمُتقين﴾ أَو عَام لقِيَام الْحجَّة عَلَيْهِم كَمَا قيل فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿هدى للنَّاس﴾ والجِنّ تَابع لَهُم، أَو يُطلق النَّاس عَلَيْهِم، وَيحْتَمل أَن تكون اللَّام بِمَعْنى إِلَى، كَمَا تدل / ٥ - ب / عَلَيْهِ نُسْخَة، وَقيل: بُعث إِلَى الْخلق جَمِيعًا حَتَّى الْجِنّ، والحيوانات، والجمادات.
(كافّةً) هِيَ من الشَّرْح قيل: إرْسَالًا كَافَّة بِمَعْنى عَامَّة لَهُم، فَهِيَ مفعول مُطلق. أَو جَامعا لَهُم فِي الإبلاغ، فَهِيَ حَال من الضَّمِير الْمَنْصُوب فِي أرْسلهُ، وَالتَّاء للْمُبَالَغَة، وَالْأَظْهَر: أَنَّهَا فِي هَذَا الْمقَام حَال من النَّاس، وَإِنَّمَا قَالَ الْبَيْضَاوِيّ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاك إِلَّا كَافَّة للنَّاس﴾ لَا يجوز جعلهَا حَالا من النَّاس على الْمُخْتَار، لِأَن تقدم حَال الْمَجْرُور عَلَيْهِ كتقدم الْمَجْرُور على الْجَار. قَالَ أَبُو حَيَّان: هَذَا مَذْهَب الْجُمْهُور. وَذهب أَبُو عَليّ، وَابْن كَيْسَان، وَابْن برهَان، وَابْن مَالك إِلَى جَوَازه، وَهُوَ الصَّحِيح.
(بشيراً) أَي مبشراً للْمُؤْمِنين بِالْجنَّةِ، (وَنَذِيرا) / أَي منذراً ومخوفاً للْكَافِرِينَ بالنَّار. وَحذف مفعولاهما لوضوحهما وليذهب الْوَهم كل مَذْهَب، وإيماء إِلَى أَنه لَا يُمكن بيانهما.
стр. 19
(وعَلى آل مُحَمَّد) أَي أَقَاربه وَأَتْبَاعه، فَالْأول - من جِهَة النّسب -: مَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَنه قَالَ: " هم أولادُ عليّ، وجعفَر، وَعقيل، وَالْعَبَّاس ". وَمن جِهَة الدّين: مَا رُوِيَ عَنهُ ﷺ : " آلُ محمدٍ كلُّ تَقِيّ " // (رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ) // فِي الْأَوْسَط عَن أنس. وَيُمكن حمل الحَدِيث على الْعُمُوم، وَيحْتَمل أَن يكون الثَّانِي تقييداً للْأولِ فَتَأمل، فَإِنَّهُ الْمَعْقُول بِقَرِينَة قَوْله:
(وَصَحبه) لِأَن الأَصْل فِي الْعَطف التغاير، وَإِن احْتمل التَّخْصِيص بعد التَّعْمِيم بِنَاء على الثَّانِي. وَفِي ذكرهمَا إِيمَاء إِلَى ردّ الْخَوَارِج وَالرَّوَافِض، وَهُوَ اسْم جمع. وَقيل: جمع وَسَيَأْتِي مَعْنَاهُ المصطلح.
(وسَلَّم) بِفَتْح اللَّام عطف على صلى، وَجمع بَينهمَا لقَوْله تَعَالَى: ﴿صلوا عَلَيْهِ وسلموا تَسْلِيمًا﴾ وَالْمرَاد بإيراد:
(تَسْلِيمًا) إِظْهَار [٧ - أ] زِيَادَة التَّعْظِيم، وإفادة التكثير. كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله:
(كثيرا) وَقد ورد: " أَكْثِرُوا الصلاةَ عليّ، فإنّ صَلَاتكُمْ عليَّ مغفرةٌ لذنوبكم " وَفِي حَدِيث قدسي: " مَنْ صلّى عَلَيْك صليتُ عَلَيْهِ، ومَنْ سلّم عَلَيْك
стр. 20
سلَّمتُ عَلَيْهِ ". ثمَّ هَذَا الَّذِي فعله من ذكر الصَّلَاة على رَسُوله ﷺ بعد الحمدِ لَهُ تَعَالَى هُوَ عَادَة الْعلمَاء على مَا قَالَه النَّوَوِيّ. وَعَن مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ورفعنا لَك ذكرك﴾ قَالَ: " لَا أُذكُر إِلَّا ذُكِرتَ معي ".
(أما بعد) أَي بعد مَا ذُكر، وَلما كَانَت أمّا متضمنةً لِمَعْنى الشَّرْط كَمَا هُوَ مُقَرر، أَتَى بِالْفَاءِ الجزائية فِي قَوْله:
(فإنّ) وَقيل: لدفع توهم الْإِضَافَة، وَقَوله:
(التصانيف) جمع تصنيف مَأْخُوذ من الصِنف، لِأَن الْمُؤلف يجمع بَين أَنْوَاع الْكَلَام ويجعلها صنفا صنفا لتَمام النظام.
(فِي اصْطِلَاح أهل الحَدِيث) أَي فِي عرفهم، وَهُوَ: توافقهم على اسْتِعْمَال أَلْفَاظ مَخْصُوصَة يتداولونها على وَجه التعارف فِيمَا بَينهم كَمَا اصْطَلحُوا عَلَيْهَا. (قد كَثُرت) أَي / ٦ - أ / التصانيف، (للأئمة) حَال من ضمير كثرت، (فِي الْقَدِيم والْحَدِيث) أَي فِي قديم الزَّمَان، وجديده فِيمَا بَين الْمُتَقَدِّمين والمتأخرين، فَمِمَّنْ صنف، وَفِي نُسْخَة:
стр. 21
(بَدْء التصنيف فِي عُلُوم الحَدِيث)
(فَمن أوّل مَن صَنّف فِي ذَلِك) ، أَي فِي اصْطِلَاح أهل الحَدِيث، (القَاضِي أَبُو مُحَمَّد) أَي الْحسن بن عبد الرَّحْمَن بن خَلاَّد، (الرَّامَهُرْمُزي) بِفَتْح الْمِيم الأولى، وَضم الْهَاء، وَسُكُون الرَّاء، وَضم الْمِيم الثَّانِيَة، بعْدهَا زَاي مُعْجمَة بلد بِخُوْزِسْتَان. وَفِي الْكَلَام إِشْعَار بِوُجُود تعدد التصنيف فِي قرن القَاضِي، وَعدم تحقق الأولية وَبَيَانه: أنَّ " من " للتَّبْعِيض، و " أول " اسْم التَّفْضِيل بِمَعْنى الْجَمَاعَة، فَإِن أفعل التَّفْضِيل الْمُسْتَعْمل بِالْإِضَافَة يجوز فِيهِ الْإِفْرَاد والمطابقة لمن هُوَ لَهُ، فَالْمَعْنى: من أَوَائِل المصنفين فِي ذَلِك القَاضِي. كأنّ جمَاعَة فِي عصر وَاحِد صنفوا وَلم يسبقهم أحد فِي التصنيف، وَالْمُصَنّف لم يعلم أوَّلهم بِالْحَقِيقَةِ، فأورد هَذِه الْعبارَة، وَإِلَّا فحقه أَن يَقُول: فَأول مَن صنف، بَيَانا لأوّل الْمُتَقَدِّمين، فَإِن أَمر إضافي.
(كتابَه) بِالنّصب لفعل مُقَدّر كَأَنَّهُ قيل: أَي شَيْء صنف؟ فَقَالَ: صنف كِتَابه، أَو أَعنِي بِمَا صنف كِتَابه. وَلَا يَصح نصبّ ب: صَنَّفَ الْمَذْكُور لِأَن " مَن " فِي " مَن صنف " قوم [٧ - ب] من جُمْلَتهمْ القَاضِي كَمَا سبق وتوضيحه: أَن فَاعل صنف الْمَذْكُور ضمير مَن، وَلم / يصنف هَذَا الْكتاب إِلَّا وَاحِد مِنْهُم لَا جَمِيعهم، ثمَّ أبدل عَن كِتَابه بقوله:
(المحدِّث) بتَشْديد الدَّال الْمَكْسُورَة، أَي الرَّاوِي، والواعي مجَازًا، (الفَاصِل) بالصَّاد، أَي الْفَارِق بَينهمَا، أَو بَين طرق الحَدِيث وَإِسْنَاده، (لكنه) أَي القَاضِي، أَو كِتَابه، (لم يستوعب) أَي الْفُنُون بأجمعها، من جَمِيع [المُرَاد
стр. 22
وَجَمِيع] الْموَاد.
(وَالْحَاكِم) - عطف على القَاضِي - (أَبُو عبد الله النَيْسابُوريّ) بِفَتْح النُّون، وَالسِّين الْمُهْملَة، نِسْبَة إِلَى بلد مَشْهُور بخُرَاسَان، (لكنه) أَي الْحَاكِم، وَإِن استوعب، (لم يهذُب) أَي بالتنقيح والتصحيح، (وَلم يرتِّب) ، أَي لم يَجْعَل الْأَشْيَاء فِي مراتبها على وَفق مآربها كَمَا يَنْبَغِي عِنْد الفصيح والنصيح.
(وتلاه) أَي تبع الحاكَم فِي ترتيبه وَفِي عدم تهذيبه، أَو جَاءَ بعده، (أَبُو نُعَيم) بِضَم النُّون، وَفتح الْعين، (الْأَصْفَهَانِي) بِكَسْر همزَة وبفتح، وبفاء مَفْتُوحَة فِي لُغَة أهل الشرق، وبموحدة فِي الغرب.
(فَعمل) أَي أَبُو نعيم (على كِتَابه) أَي مُعْتَرضًا على كتاب الْحَاكِم، أَو على منوال كِتَابه، وَأما مَا قيل: وَلَك أَن تَقول: أَي قَرَأَ كِتَابه، لَكِن يأباه قَوْله: على كِتَابه، فَإِن الْأَنْسَب حِينَئِذٍ أَن / ٦ - ب / يَقُول: " عَلَيْهِ " مَكَان " على كِتَابه "، فَكَلَام غير موجه فَإِن قَوْله: على كِتَابه مُتَعَلق ب: عمل لَا ب: تلاه، مَعَ أَنه لَا تسْتَعْمل التِّلَاوَة بِمَعْنى الْقِرَاءَة فِي غير الْقُرْآن، ثمَّ قَوْله:
(مُسْتَخْرِجاً) بِكَسْر الرَّاء حَال من فَاعل عمل الْمنزل منزلَة اللَّازِم. يُقَال: كتب فلَان مستخرجا على الصَّحِيحَيْنِ [أَي جاعلاً الزِّيَادَة عَلَيْهِمَا] ، أَي مستدركاً عَلَيْهِمَا. وَالْفرق بَين الاستخراج والاستدراك أَن الزَّوَائِد فِي المستخرَج بِالْفَتْح - من
стр. 23
الْمُسْتَخْرج - بِالْكَسْرِ - بِخِلَاف الْمُسْتَدْرك فالتعبير هُنَا بالمستخرج أولى من الْمُسْتَدْرك وَقيل: الظَّاهِر أَن مَعْنَاهُ: زَاد أَبُو نُعَيم على كتاب الْحَاكِم أَشْيَاء، واستدرك عَلَيْهِ مَا فَاتَهُ وَحِينَئِذٍ يكون قَوْله: مستخرجاً على بِنَاء الْمَفْعُول مفعول عَمِل. وَقَوله: على كِتَابه مُتَعَلق بقوله: مستخرجاً وَتَفْسِير محشٍ الاستخراج بالاختصار غير ملائم للمقام مَعَ مُعَارضَة بنقله. يُقَال: كتب فلَان مستخرجاً [٨ - أ] على الصَّحِيحَيْنِ أَي مُعْتَرضًا.
(وَأبقى) أَي وَمَعَ ذَلِك ترك (أَشْيَاء) أَي كَثِيرَة (للمتعقِّب) أَي للَّذي جَاءَ بعد زَمَانه، أَو للمعترض، وَلَو فِي أَوَانه.
(ثمَّ جَاءَ) أَي بمهلة (بعدهمْ) أَي بعد القَاضِي، وَالْحَاكِم، وَأبي نُعَيم الْمُتَقَدِّمين، (الْخَطِيب) فَهُوَ أول الْمُتَأَخِّرين، أَو آخر الْمُتَقَدِّمين، وَهُوَ صَاحب المنهل، (أَبُو بكر الْبَغْدَادِيّ) يجوز إهمال الدالين، وإعجامهما،، وإعجام الأول، وإهمال الثَّانِي، وَعَكسه، وَهُوَ الْأَفْصَح الْمَرْوِيّ عَن الشاطِبي. (فصنف فِي قوانين الرِّوَايَة) أَي أُصُولهَا وقواعدها الْكُلية الْمُشْتَملَة على الْمسَائِل الْجُزْئِيَّة.
(كتابا) أَي كَافِيا وافياً (سمّاه الْكِفَايَة) فِي قوانين الرِّوَايَة كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ، (وَفِي آدابها) أَي وصنف فِي آدَاب تحمُّل الرِّوَايَة وآدابها، (كتابا) أَي حافلاً كَامِلا، (سمّاه الْجَامِع لِآدَابِ الشَّيْخ) أَي فِي الْأَدَاء (وَالسَّامِع) أَي فِي التَّحَمُّل، وأخّره لمراعاة التجمع، أَو قدم الشَّيْخ لتعظيمه وَلَا منع من الْجمع، (وقلّ فنٌّ من فنون الحَدِيث)
стр. 24
وَهِي خمس وَسِتُّونَ فَنًّا تَقْرِيبًا على مَا ذكره النَّوَوِيّ / فِي " التَّقْرِيب "، (إِلَّا وَقد صنف) اسْتثِْنَاء من أَعم الْأَحْوَال. والقلة بِمَعْنى النُّدْرَة، أَو النَّفْي والعدم. أَي لَا يُوجد فن من فنون الحَدِيث بِوَصْف من الْأَوْصَاف إِلَّا حَال كَونه متصفاً بِهَذِهِ الصّفة، أَي بأنْ صنف (فِيهِ) أَي فِي ذَلِك الْفَنّ، (كتابا مُفردا) كالمستدَركات، والمستخرَجات والمؤتِلف. (فَكَانَ) أَي الْخَطِيب، (كَمَا قَالَ) أَي فِي حَقه (الْحَافِظ أَبُو بكر بن نُقْطَة) : - بِضَم النُّون، وَسُكُون الْقَاف، بعْدهَا طاء مُهْملَة، وهاء تَأْنِيث - اسْم / ٧ - أ / جَارِيَة ربَّت جدته أم أَبِيه عُرِف بهَا.
(كلُّ مَن أنصف) من الْإِنْصَاف، وَهُوَ الْعدْل، (عَلِمَ أنّ الْمُحدثين) أَي من الْأُصُولِيِّينَ، (بعد الْخَطِيب) أَي بعد تصانيفه، (عِيَالُ) عِيَالُ الرجل بِكَسْر الْعين: مَن يَعُولُه ذَلِك الرجل أَي يقوته، وَينْفق عَلَيْهِ. وَالْمعْنَى عِيَال لَهُ، مُعْتَمِدُون (على كتبه)
стр. 25
يَأْخُذُونَ مِنْهَا نَصِيبا وَهَذَا نَظِير قَول الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى: الْخلق كلهم عِيالُ أبي حنيفَة فِي الْفِقْه.
وَبَيَانه: مَا حُكيَ أَن الشَّافِعِي سمع رجلا يَقع فِي أبي حنيفَة، فَدَعَاهُ وَقَالَ: يَا هَذَا أتقع فِي رجل سَلَّم لَهُ جَمِيع النَّاس ثَلَاثَة أَربَاع الْفِقْه، وَهُوَ لَا يُسَلَّم لَهُم الرّبع قَالَ: وَكَيف ذَلِك قَالَ: الْفِقْه [٨ - ب] سُؤال وَجَوَاب، وَهُوَ الَّذِي تفرد بِوَضْع الأسئلة فسُلِّمَ لَهُ نصف الْعلم، ثمَّ أجَاب عَن الْكل، وخصومه لَا يَقُولُونَ إِنَّه أَخطَأ فِي الْكل، فَإِذا جعل مَا وافقوا فِيهِ مُقَابلا لما خالفوا فِيهِ سُلِّم لَهُ ثَلَاثَة أَربَاع الْعلم، وَبَقِي الرّبع مُشْتَركا بَين النَّاس. وَبِهَذَا نتبين الْفرق بَين المعلِّمين والعِيَالِين، وَلِهَذَا قيّد بقوله: بعد الْخَطِيب، ثمَّ أَشَارَ بقوله: على كتبه، لَا كَلَامه، أَن الفَضل للْمُتَقَدِّمين وَأَنه مَا زَاد عَلَيْهِ أحد من الْمُتَأَخِّرين.
(ثمَّ جَاءَ) أَي بعدهمْ، (بعضُ مَنْ تأخَّر عَن الْخَطِيب) أَي من الْمُحدثين، (فَأخذ من هَذَا الْعلم) أَي علم أصُول الحَدِيث، أَو من هَذَا الْعلم الْمَذْكُور فِي كتب الْخَطِيب، (بِنَصِيب) أَي حَظّ عَظِيم بفهم قويم، وَالْبَاء زَائِدَة، (فَجمع القَاضِي عِيَاض) أَي من بعض من تَأَخّر وَأخذ الْحَظ الأوفر، (كتابا لطيفاً) أَي موجزاً ظريفاً (سَمَّاهُ الإلماع) بكسرة الْهمزَة من لمع الْبَرْق وأضاء كاللمع، وَكَأن فِيهِ إشارات كاللمَعَات إِلَى المرادات.
стр. 26
(وَأَبُو حَفْص المَيَّانِجي) بِفَتْح الْمِيم قبل التَّحْتِيَّة، وَكسر النُّون، وَالْجِيم بَلْدَة من أذربيجان على مسيرَة يَوْمَيْنِ من مَرَاغَة، وَهُوَ معرّب مَيَانَه. أَي جمع (جزأَ) أَي رِسَالَة مختصرة، سَمَّاهُ أَي ذَلِك الْجُزْء، (مَالا يسع) أَي الشَّيْء الَّذِي لَا يُطيق (المحدثُ جَهله) وَفِي نُسْخَة بِنصب الْمُحدث، وَرفع
стр. 27
جَهله أَي مَا لَا يَنْبَغِي للمحدث جَهله.
(وأمثال ذَلِك) أَي هَذَا وأمثال ذَلِك على أَن الْعَطف على سَبِيل الْمَعْنى أَي التصانيف الْكَثِيرَة مَا ذكر وأمثال ذَلِك. وَقيل: التَّقْدِير، وأمثال ذَلِك كَثِيرَة على أَنه مُبْتَدأ خَبره مَحْذُوف وَهُوَ الْأَظْهر. قيل: وَيجوز أَن يكون عطفا بِحَذْف الْمَعْطُوف كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَالَّذين تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمَان﴾ وأخلصوه وَمِنْه قَوْلهم: عَلَفَهُ تِبناً، وَمَاء بَارِدًا، أَي وجَمع أَمْثَال ذَلِك، أَو صنف / ٧ - ب / ذَلِك وأمثال ذَلِك.
(من التصانيف الَّتِي اشتُهرت وبُسطت) بِصِيغَة الْمَجْهُول أَي جعلت التصانيف المجملة فِي الْمَتْن، المفصلة / فِي الْجُمْلَة فِي الشَّرْح مبسوطة تَارَة، (ليتوفر) أَي ليتكثر (علمهَا) بِسَبَب كَثْرَة ألفاظها، فَإِن الْغَالِب دلَالَة زِيَادَة المباني على إِفَادَة الْمعَانِي، وَلِأَن الْبسط غَالِبا يكون بالإيضاح وَحِينَئِذٍ يتَعَلَّق بِهِ علم كل [٩ - أ] أحد، فيكثر بِخِلَاف الإيجاز، والإجمال، وَالْإِشَارَة، والإيماء، فَإِن كل أحد لَا يُدْرِكهُ، فيقلّ الْعلم بِهِ.
(واختصرت) أَي مَعَ هَذَا أَيْضا تَارَة (ليتيسر فهمها) الظَّاهِر أَن يَقُول: حفظهَا، لَكِن لما كَانَ الِاخْتِصَار سَببا لتيسير الْحِفْظ، وَهُوَ يسْتَلْزم تيسير الْفَهم غَالِبا - لِأَن التَّطْوِيل يشتِّت الْفِكر، ويُصَعِّب فهمَ المُرَاد. وَالْمَقْصُود الْحَقِيقِيّ هُوَ
стр. 28
الْفَهم - وُضِع مَوْضِع الْحِفْظ.
قَالَ مُلاّ قَاسم الْحَنَفِيّ تلميذ المُصَنّف: أوردت عَن المُصَنّف أَن الِاخْتِصَار لتيسير الْحِفْظ لَا لتيسير الْفَهم، فَأفَاد أَن المُرَاد فهم متين لَا يَزُول سَرِيعا، فَإِنَّهَا إِذا اختُصِرت سَهُل حفظهَا، وَحِينَئِذٍ يسهل فهمها بِسَبَب حفظهَا، وَلَا كَذَلِك المبسوطة، فَإِنَّهُ إِذا وصل إِلَى الآخر قد يفضل على الأول. وَقَوله:
(إِلَى أَن جَاءَ) [مُتَعَلق بمقدر، أَي وَاسْتمرّ الْأَمر على مَا ذكر من الْكَثْرَة، والبسط، والاختصار إِلَى أَن جَاءَ] أَي ظهر (الْحَافِظ) أَي للسّنة، (الْفَقِيه) أَي للشريعة، (تقيّ الدّين) أَي المتقي فِي دينه، (أَبُو عَمْرو عُثْمَان بن الصَّلاَح) أَي صَلَاح الدّين، وَهُوَ لقب لِأَبِيهِ، (عبد الرَّحْمَن الشَهْرَزُورِيّ) بِفَتْح الْمُعْجَمَة، وَسُكُون الْهَاء، وَفتح الرَّاء، وَضم الزَّاي، - مَدِينَة بِبِلَاد المَرَاغَة بَين الْموصل وهَمَذَان بناها زُور بن الضحَّاك - (نزيل دِمَشْق) بِكَسْر الدَّال، وَفتح الْمِيم، وتكسر على مَا فِي الْقَامُوس، مَدِينَة عَظِيمَة بِالشَّام شهيرة بِالشَّام، أَي نَازل مَسْكَنه فِيهِ.
(فَجمع) أَي ابْن الصّلاح (لمّا وُلَي) بِضَم الْوَاو وَتَشْديد اللَّام الْمَكْسُورَة، أَي حِين أُعطي (تدريس الحَدِيث) أَي علم الحَدِيث: أُصُوله، وفروعه (بِالْمَدْرَسَةِ)
стр. 29
أَي الَّتِي فِي دمشق، وَالْبَاء بِمَعْنى فِي، (الأشْرَفِية) أَي الَّتِي درَّس فِيهَا النَّوَوِيّ، (كِتَابه) مفعول جمع (الْمَشْهُور) أَي بمقدمة ابْن الصّلاح (فهذَّب) أَي نَقَّح (فنونه) أَي أَصْنَاف أصُول علم الحَدِيث، (وأملاه) بِالْألف وَفِي نُسْخَة صَحِيحَة: فأملاه أَي كِتَابه، (شَيْئا) حَال من الْمَنْصُوب، (بعد شَيْء) صفة، أَي وَاقعا بعده. وَالْمعْنَى: قَرَّرَهُ وحرره كَمَا مست الْحَاجة إِلَيْهِ، وحملت الداعية عَلَيْهِ، وَالْمرَاد بالبعدية البعدية الْعُرْفِيَّة، فَإِن الفتور يُؤَدِّي إِلَى الْقُصُور، والتعطيل يُنسي التَّحْصِيل، فَانْدفع قَول الْمحشِي: كل إملاء شَيْء بعد / ٨ - أ / شَيْء، وَامْتنع كَلَام شَارِح على أَي تَرْتِيب [٩ - ب] وَقع، وَيُؤَيّد مَا ذكرنَا قَوْله:
(فَلهَذَا) أَي لأجل أَنه لم يخيّل الْفُنُون فِي خاطره، وَلم يرتبها إِجْمَالا فِي ذهنه كَمَا هُوَ شَأْن المصنفين، ودأب المؤلفين، (لم يحصل ترتيبه) أَي تَرْتِيب ابْن
стр. 30
الصّلاح، أَو تَرْتِيب كِتَابه، (على الْوَضع المتناسب) أَي بَين الْفُنُون، (واعتنى) أَي اهتم الْحَافِظ (بتصانيف الْخَطِيب) أَي بجمعها، (المتفرقة) أَي فِي الْفُنُون، وَفِي نُسْخَة صَحِيحَة المفرقة، " فَجمع " أَي الْحَافِظ.
(شَتَات مقاصدها) بِفَتْح الشين، وَالتَّاء المخففة، أَي متفرقات مَقَاصِد تصانيف الْخَطِيب. والشتات والتشتيت / مصدران بِمَعْنى التَّفْرِيق والافتراق، (وَضم إِلَيْهَا) أَي إِلَى التصانيف الْمَذْكُورَة أَو الْمَقَاصِد المسطورة (من غَيرهَا) أَي من غير تصانيف الْخَطِيب، (نُخَبَ فوائدها) بِضَم النُّون، وَفتح الْخَاء، جمع نُخْبَة، وَهِي خِيَار الشَّيْء، مَنْصُوب على أَنه مفعول ضمَ، وَضمير فوائدها للْغَيْر، والتأنيث بِاعْتِبَار كَونه عبارَة عَن التصانيف الْبَاقِيَة، أَو بِاعْتِبَار الْمُضَاف إِلَيْهِ كَقَوْلِه:
(وَمَا حُبُّ الدِّيَارِ شَغفْنَ قَلبي ... )
وجُوِّز رجعُ الضَّمِير إِلَى تصانيف الْخَطِيب، أَي الْفَوَائِد الْمُتَعَلّقَة بهَا. وَقَالَ شَارِح: أَي خِيَار فَوَائِد فنون الحَدِيث، فَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهَا الْمَفْهُوم من سِيَاق الْكَلَام كَمَا هُوَ مَعْلُوم.
(فَاجْتمع فِي كِتَابه) أَي كتاب ابْن الصّلاح (مَا تفرق) أَي من الْفُنُون (فِي غَيره) أَي فِي غير كِتَابه من كتب الْخَطِيب وَغَيره. (فَلهَذَا) أَي للاجتماع الْمَذْكُور فِي كِتَابه، (عكف النَّاس عَلَيْهِ) أَي أقبل
стр. 31
المحدثون الَّذين فِي الْحَقِيقَة هم النَّاس، أَو زُبدة النَّاس على كِتَابه، وتوجهوا إِلَيْهِ من كل بَابه. فإنَّ العَكْفَ والعُكُوف: إقبال الْإِنْسَان على الشَّيْء مُلازماً لَهُ، بِحَيْثُ لَا يصرف وَجهه. وَمِنْه أُخِذَ الِاعْتِكَاف فِي الْمَسْجِد. (وَسَارُوا بِسَيْره) بِفَتْح السِّين، وَسُكُون الْيَاء، أَي ذَهَبُوا مذهَبَه، وَأخذُوا مَشْرَبَه، وَيحْتَمل أَن يكون بِكَسْر السِّين، وَفتح الْيَاء، أَي بِطرقِهِ المرضية فِي جمع متفرقات [١٠ - أ] الْفُنُون الحديثية.
(فَلَا يُحْصى) ، أَي لَا يُعَدّ، وَلَا يُحَدّ (كم ناظمٌ لَهُ) أَي لمضمون كِتَابه: كالعراقي وَالْقَاضِي شهَاب الحُدُلي، (ومختصِر) ، بِكَسْر الصَّاد، كالنووي، وَابْن كثير والبَاجي، (ومستدرِك) بِكَسْر الرَّاء، أَي زَائِد (عَلَيْهِ) مَا فَاتَهُ، كالبُلقِيني، ومُغُلْطَاي، (ومقتصر) ككثير من الْعلمَاء أَي تَارِك مِنْهُ مَا زَاده. فالاختصار: الإِتيان بِالْمَقْصُودِ كُله بِلَفْظ أقل من الأول، والاقتصار / ٨ - ب /: هُوَ الْإِتْيَان بِبَعْض الْمَقَاصِد (ومعارض لَهُ) ، أَي كَابْن أبي الدَّم بإتيان كتابٍ مثل كِتَابه، أَو بالاعتراض فِي أَلْفَاظه ومعانيه، وترتيب أبوابه، وَهُوَ الْأَظْهر لمقابلة قَوْله: (ومنتصر) أَي نَاصِر لكتابه - بِإِظْهَار لُبَابه، وكشف نِقَابه، ومنتقم مِمَّن لم يتأدب بآدابه - كالمصنف، وَشَيْخه.
стр. 32
( [الدَّاعِي لتصنيف الْكتاب] )
(فَسَأَلَنِي بعض الإخوان) وَفِي نُسْخَة: بعض إخْوَانِي، أَي فِي الدّين أَو فِي هَذَا الْفَنّ. وَيحْتَمل الْحَقِيقَة، وَقيل: هُوَ عز الدّين بن جمَاعَة. وَقيل: هُوَ الشَّيْخ شمس الدّين مُحَمَّد بن مُحَمَّد الزَّرْكَشِيّ بعض الْفُضَلَاء من أهل الْأَدَب المطارحين للمؤلف وَغَيره. وَالْفَاء تعقيبية، وَقيل: للسَّبَبِيَّة، لِأَنَّهُ لما كَانَت التصانيف بَعْضهَا مبسوطة، وَبَعضهَا مختصرة، وَلم يكن شَيْء مِنْهَا مُلَخصا صَار سَببا لسؤاله.
(أَن ألخص لَهُ) أَي لذَلِك الْبَعْض، [وأفرد بِاعْتِبَار لَفظه مَعَ احْتِمَال إِفْرَاده حَقِيقَة، وَفِي نُسْخَة: لَهُم، بِاعْتِبَار معنى الْبَعْض] وَيحْتَمل التغليب، أَي أبين لَهُ وَلغيره (المهم) أَي الْأَمر الْمَقْصُود، فَإِن التَّلْخِيص تَبْيِين المُرَاد لِأَنَّهُ فِي الأَصْل إِزَالَة اللخص بِفتْحَتَيْنِ، أَي القذى من الْعين على مَا فِي الصِّحَاح، وَقد يسْتَعْمل فِي الِاخْتِصَار لِأَنَّهُ حذف الزَّوَائِد، والاكتفاء بالمقاصد. (من ذَلِك) أَي مِمَّا ذكر من التصانيف فِي الِاصْطِلَاح أَو مِمَّا ذكر فِي كتاب ابْن الصّلاح، (فلخصته) أَي المهم، وَهُوَ الْأَمر الَّذِي يُوقع صَاحبه فِي هم تَحْصِيله، (فِي أوراق لَطِيفَة) أَي قَليلَة يسيرَة (سميتها) أَي تِلْكَ الأوراق بإعتبار مَا فِيهَا من الْأَلْفَاظ ومعانيها (نخبة الْفِكر) بِكَسْر الْفَاء، وَفتح الْكَاف، جمع الْفِكر. والنخبة بِالضَّمِّ: فعلة بِمَعْنى الْمَفْعُول، أَي مَا ينتخب ويختار. وَالْحَاصِل خِيَار مَا حصل من الأفكار فِي علم الْأَخْبَار. (فِي مصطلح أهل [١٠ - ب] الْأَثر) أَي أهل الحَدِيث وَالْخَبَر. قَالَ السخاوي: الْأَثر لُغَة: الْبَقِيَّة، وَاصْطِلَاحا: الْأَحَادِيث مَرْفُوعَة كَانَت أَو مَوْقُوفَة
стр. 33
على القَوْل الْمُعْتَمد، وَإِن قصره بعض الْفُقَهَاء على الْمَوْقُوف، وَيُمكن أَن يُرَاد بِأَهْل الْأَثر من يتتبع أثر النَّبِي
علما، وَعَملا، وَقَالا، وَحَالا.
(على تَرْتِيب) ، أَي عَجِيب مُتَعَلق بلخصته، وَجُمْلَة سميتها مُعْتَرضَة. (ابتكرته) أَي اخترعته وَلم أسبق بِمثلِهِ. يُقَال: ابتكر الشَّيْء إِذا أَخذ باكورته، وَهِي أَوله. (وسبيل) أَي وعَلى طَرِيق غَرِيب (انتهجته) أَي جعله منهاجا أَي سَبِيلا وَاسِعًا، وطريقاً وَاضحا. يُقَال: انتهج الطَّرِيقَة استبانها.
(مَعَ مَا ضممت إِلَيْهِ) أَي من عِنْدِي، وَهُوَ حَال من مفعول لخصته، أَي مَقْرُونا ذَلِك المهم الملخص مَعَ مسَائِل ضممتها إِلَيْهِ وزدتها عَلَيْهِ، وَبَين المضموم بقوله: (من شوارد الْفَوَائِد) بِإِضَافَة الصّفة إِلَى الْمَوْصُوف، أَي النفائس الْحَسَنَة والنكت المستحسنة الصعبة الْوُصُول إِلَيْهَا، النافرة عَن الذِّهْن لدقة الْحُصُول لَدَيْهَا. وفرائد الدُّرر: كبارُها، جمع فريدة، والشوارد جمع شاردة من شرد الْبَعِير إِذا نفر. عبّر عَنْهَا بالشوارد لِأَنَّهَا لكثرتها وَعدم انضباطها شاردة عَن الذِّهْن (وزوائد الْفَوَائِد) ظَاهره أَنه عطف تَفْسِير، وَالتَّحْقِيق أَن المُرَاد بِالْأولَى: مَا يتَعَلَّق بِكَلَام الْقَوْم من النّكت والمعاني اللطيفة، والمباحث الشَّرِيفَة، وبالثانية: زَوَائِد الْمسَائِل الَّتِي فَاتَت الْمُتَقَدِّمين، أَو حدثت عِنْد الْمُتَأَخِّرين.
(فَرغب) ذَلِك الْبَعْض من الإخوان بعد تَكْمِيل الْمَتْن، مائلا (إِلَيّ ثَانِيًا) أَي بعد طلبه الْمَتْن أَولا، (أَن أَضَع) [أَي فِي وضعي] (عَلَيْهَا) أَي على النخبة،
стр. 34
(شرحاً يَحُلّ رُمُوزَها) أَي الْمُتَعَلّقَة بمبانيها، (وَيفتح كنوزها) أَي المنوطَة بمعانيها، (ويوضِح) بِالتَّخْفِيفِ وَيحْتَمل التَّشْدِيد، وَهُوَ تَفْسِير للجملتين المتقدمتين، أَي يُظهر (مَا خَفِي على الْمُبْتَدِي من ذَلِك) أَي مِمَّا ذكر من الرموز، والكنوز، وَإِنَّمَا قَيده بالمبتدي، لِأَن المنتهي يفهم ذَلِك من الْمَتْن. وَلذَا قيل: الْعلم نقطة كَثْرها الجاهلون، أَي [١١ - أ] صَارُوا سَببا للتكثير لحُصُول التَّيْسِير. وَمن ثمَّة احْتَاجَ الشَّرْح إِلَى الشَّرْح، وهَلُمَّ جَرَّاً.
(فأجبته) أَي سَائل الْمَتْن (إِلَى سُؤَاله) أَي مُتَوَجها إِلَى مسؤله، ومائلاً إِلَى مأموله، (رجاءَ الاندراج) ، أَي لرجاء اندراجي، أَو راجياً اندراجي، ودخولي (فِي تِلْكَ المسالك) أَي مسالك المصنفين، ومقاصد المؤلفين لتَحْصِيل الثَّنَاء فِي الدُّنْيَا، وَالْجَزَاء فِي العقبى. وَقيل: أَي راجياً اندراجَ الطالبين لذَلِك الملخص فِي معرفَة اصْطِلَاحَات الْمُحدثين. وَقيل: راجياً اندراجَ هَذَا الْكتاب فِي سلك / كتب الْأَئِمَّة بِأَن ينفع بِهِ كَمَا نفع بِتِلْكَ الْكتب، وَهُوَ قصدّ لطيف ومَلْحَظ شرِيف.
(فبالغت) الْفَاء للتعقيب، أَي بعد مَا فرغت من متنها شرعت على وَجه الْمُبَالغَة، أَو على طَرِيق بليغ، إِجَابَة لمرغوبه ثَانِيًا (فِي شرحها) وَهُوَ ظرف وَقَوله: (فِي الْإِيضَاح) مُتَعَلق بِالْفِعْلِ، أَي فِي إِيضَاح لَفظهَا، (والتوجيه) أَي فِي تَوْجِيه مَعْنَاهَا. وَقَالَ تلميذ الشَّيْخ: الْفَاء فِي فبالغت تَفْسِير لقَوْله: فأجبته، وَفَاء فأجبته تعقيبية للشرح دون الْمَتْن خلاف مَا اخترناه، فلاح لَهُ فِي ذَلِك تنكيت: وَهُوَ أنّ عبارَة الْمَتْن - بِحَسب مَا شرحت - تفِيد أَنه كتب بعض الْمَتْن بعد الشَّرْح.
стр. 35
(ونبهت على خبايا) ، جمع خبيةٍ، وَهِي مَا سُتر، (زواياها) جمع زَاوِيَة، أَي نُكَت من الْمعَانِي الشَّرِيفَة كَانَت مخفية تَحت أَسْتَار ألفاظها / ٩ - ب / اللطيفة؛ (لِأَن صَاحب الْبَيْت أدرى بِمَا فِيهِ) وَفِي نُسْخَة: بِالَّذِي فِيهِ، أَي أعلم بتفاصيل مَا فِي بَيته من الْأُمُور الحسية، أَو فِي شعره من الْأُمُور المعنوية، وَهُوَ حكم غالبي، وَإِلَّا فكم من شَارِح أظهر من الْمعَانِي مَا لم يخْطر ببال صَاحب المباني.
(وَظهر لي) أَي عِنْد إِرَادَة شرحي، (أنّ إِيرَاده) أَي الشَّرْح، (على صُورَة الْبسط أليق) أَي أَكثر ملائمة كَمَا يدل عَلَيْهِ لفظ الشَّرْح، بل الْبسط مُتَعَيّن، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ زِيَادَة الْبسط على أقلّ مَا يُمكن. (ودَمْجهَا) بِالنّصب للْعَطْف على إِيرَاده، وَالضَّمِير رَاجع إِلَى الملخص الْمُسَمّى بالنُخبَة، (ضمن توضيحها) بِحَيْثُ لَا يتَمَيَّز الْمَتْن من الشَّرْح. و " ضمنَ " منصوبُ [١١ - ب] بِنَزْع الْخَافِض، (أوفق) أَي أَكثر وفَاقا، وَأظْهر اتِّفَاقًا، فَإِن الدمج: هُوَ الدُّخُول فِي الشَّيْء. يُقَال: دمجِ الشَّيْء فِي الشَّيْء دموجاً إِذا دخل فِي الشَّيْء واستتر فِيهِ، فَالْمَعْنى أَن كَونهَا دَاخِلا فِي ضمن موضحها وَشَرحهَا بِحَيْثُ يكون الْمَجْمُوع كتابا وَاحِدًا غير مَتْرُوك من الْمَتْن شَيْء، وَلَا مُنْفَصِل بعضه عَن بعض كَمَا فِي أَكثر الشُّرُوح، أولى وأحق.
قيل: فِيهِ تفكيك الضَّمِير لِأَن ضمير إِيرَاده رَاجِح إِلَى الشَّرْح، وضميرَ دمجها إِلَى النُّخبة، وَهُوَ مَرْدُود إِذْ مَحَله أَن يكون الضميران لمذكر أَو مؤنث ومرجعهما مُخْتَلف، وَمَعَ هَذَا، فَالْمُعْتَمَد جَوَازه عِنْد وجود الْقَرِينَة كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أَن اقذفيه فِي التابوت فاقذفيه فِي اليم﴾ وَقَوله تَعَالَى (فَأنْزل الله سكينته عَلَيْهِ وأيده
стр. 36
بِجُنُود لم تَرَوْهَا﴾ نعم هَذَا يرد فِي الْجُمْلَة على قَوْله السَّابِق: فأجبته، فَإِنَّهُ بِظَاهِرِهِ فِي الْمَتْن جَوَاب السُّؤَال الأول، وَفِي الشَّرْح جَوَاب السُّؤَال الثَّانِي، وَأَيْضًا كثر فِي هَذَا الْكتاب بِاعْتِبَار مزجه أَنه جُعل لفظا مُعْرَباً بإعراب فِي الْمَتْن، وإعراب آخر فِي الشَّرْح، وأمثال ذَلِك. وَهَذَا عيب خَفِي كَمَا هُوَ ظَاهر، إِذْ الْأَحْسَن فِي المزج أَن لَا يتَغَيَّر إِعْرَاب الْمَتْن ويتبين الأَصْل من الْفَرْع، وَمَا قيل من أنّ الصَّوَاب هَهُنَا: الإدماج أَي الإدراج، فَلَيْسَ بِشَيْء لِأَنَّهُمَا فِي اللُّغَة مُتَرَادِفَانِ، والإدماج بِمَعْنى الإدراج خَاص بِنَوْع من الحَدِيث كَمَا سَيَأْتِي.
(فسلكت هَذِه الطَّرِيقَة) أَي المسمّاة بالدمج، (القليلة السالك) ، أَي مُطلقًا، أَو فِي دياره، أَو فِيمَا بَين الْمُحدثين. (فَأَقُول) الْفَاء جزائية، أَي إِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك فَأَقُول: / وَيُمكن أَن تكون عاطفة، والعدول إِلَى الْمُضَارع لاستحضار الْحَال الْمَاضِيَة. (طَالبا) أَي حَال كوني سَائِلًا (من الله تَعَالَى التَّوْفِيق) وَهُوَ جعل الشَّيْء مطابقاً للمراد، وموافقاً للإمداد.
(فِيمَا هُنَالك) أَي فِي بَيَان مَا فِي الْمَتْن، وَاخْتِيَار هُنَالك بعدَ مُرَاعَاة السجع [١٢ - أ] للإيماء / ١٠ - أ / إِلَى بُعد زمَان تصنيف الشَّرْح عَن زمَان تَحْرِير الْمَتْن بمراحل، أَو إِلَى رَفعه مرتبةٍ كَمَا يدل عَلَيْهِ قَوْله: فَرغب إليّ، بعد قَوْله: فَسَأَلَنِي. وكما قيل فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿الم ذَلِك الْكتاب﴾ كَذَا قيل. والأنسب بقاعدة المزج ومطالبة التَّوْفِيق أَن تكون الْإِشَارَة إِلَى مَجْمُوع الْمَتْن وَالشَّرْح.
стр. 37
( [تَعْرِيف الْخَبَر والْحَدِيث والأثر] )
(الْخَبَر عِنْد عُلَمَاء هَذَا الْفَنّ) أَي عِنْد جمهورهم بِدَلِيل قَوْله بعد قيل: وَقيل، وَفِيه إِشَارَة إِلَى الْمُبَالغَة فِي تَضْعِيف الْقَوْلَيْنِ الْأَخيرينِ، قيل: وَهَذَا إِذا جعل الْقَائِل فِي قيل من عُلَمَاء هَذَا الْفَنّ، وَأما لَو جعل من غَيرهم فَلَا حَاجَة إِلَى التَّفْسِير بالجمهور.
(مرادف) خبرُ للْخَبَر. وَقيل: الأولى أَن يبين معنى الحَدِيث، ثمَّ يَقُول: وَالْخَبَر يرادفه، وَيُمكن دَفعه بِأَن المفاعلة للمشاركة، فبينهما مُلَازمَة. وتُرك التَّعْرِيف للوضوح، أَو اعْتِمَادًا على مَا يُفهم من الْمَتْن، فَكَأَنَّهُ قَالَ: الْخَبَر الْآتِي مرادف (للْحَدِيث) وَهُوَ [فِي اللُّغَة] ضد الْقَدِيم ويُستعمل فِي قَلِيل الْكَلَام [وَكَثِيره] ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فليأتوا بِحَدِيث مثله إِن كَانُوا صَادِقين﴾ وَفِي اصطلاحهم: قَول رَسُول الله [ ﷺ ] ، وَفعله، وَتَقْرِيره، وَصفته حَتَّى فِي الحركات، والسَّكَنَات، فِي الْيَقَظَة، والمنام ذكره السخاوي، وَفِي " الْخُلَاصَة ": أَو الصَّحَابِيّ، أَو التَّابِعِيّ ... . إِلَخ. ويرادفه السُّنة عِنْد الْأَكْثَر. وَأما الْأَثر: فَمن اصْطِلَاح الْفُقَهَاء: فَإِنَّهُم يستعملونه فِي كَلَام السّلف، وَالْخَبَر فِي حَدِيث الرَّسُول ﵊. وَقيل: الْخَبَر والْحَدِيث: مَا جَاءَ عَن النَّبِي ﵊. والأثر: أَعم مِنْهُمَا، وَهُوَ الْأَظْهر.
стр. 38
(وَقيل: الحَدِيث مَا جَاءَ) أَي كَلَام جَاءَنَا مَنْقُولًا. أَو مَا نقل (عَن رَسُول الله [ ﷺ ] ) فَيشْمَل الْمَوْضُوع. واندفع مَا قيل: الأولى مَا نسب، أَو هُوَ مَا صدر، وَظهر عَنهُ ﵊ قولا، وفعلاً، أَو تقريراً، ووصفاً خَلْقياً، أَو نعتاً خُلقياً.
(وَالْخَبَر مَا جَاءَ عَن غَيره) أَو مَوْقُوفا عَلَيْهِ لَا مَرْفُوعا إِلَيْهِ [ ﷺ ] ، فهما متباينان.
(وَمن ثمَّة) أَي وَمن أجل هَذَا التَّعْرِيف، أَو من جِهَة الْفرق، (قيل) أَي يُقَال [١٢ - ب] (لمن يشْتَغل بالتواريخ) جمع التَّارِيخ: وَهُوَ الْإِعْلَام بِالْوَقْتِ الَّذِي يُضبط بِهِ الوفَيات، والمواليد، ويُعلم بِهِ مَا يُلحق بذلك من الْحَوَادِث والوقائع الَّتِي من أفرادها الولايات، كالخلافة والتملك وَنَحْوه، كالاستيلاء على الْبِلَاد واستخلاصها، والطواعين، والغلاء، والمعاملات، والأمور العجيبة، وَالْأَحْوَال الغريبة.
(وماشاكلها) أَي من أَخْبَار أهل الْكتاب من الْقَصَص، وحكايات الْمُلُوك، وَغَيرهم (الإخباري، وَلمن يشْتَغل بِالسنةِ النَّبَوِيَّة / ١٠ - ب: المحدِّث) فِيهِ أَن مُقْتَضى الْمُقَابلَة أَن يكون الْمُحدث مُخْتَصًّا بروايات الْأَحَادِيث المرفوعة، وَالْحَال أَنه أَعم لشُمُوله رِوَايَة الصَّحَابِيّ، والتابعي، وَلَعَلَّه على التغليب.
(وَقيل: بَينهمَا عُمُوم وخصوص مُطلق) فَالْخَبَر / أَعم من الحَدِيث حَيْثُ
стр. 39
يصدُق على كل مَا جَاءَ عَن النَّبِي ﵊ وَغَيره، بِخِلَاف الحَدِيث، فَإِنَّهُ يخْتَص بِالنَّبِيِّ ﵊، وبيانُه قَوْله:
(فَكل حَدِيث خبر) إِذا الْخَبَر مَا جَاءَ عَنهُ ﵊، وَعَن غَيره، (من غير عكس) أَي لَا كل خبر حَدِيث، لاخْتِصَاص الحَدِيث بِهِ ﵊، وَفِيه مناقشة، لِأَن الْخَبَر يعم خبر غَيره ﵊ مُطلقًا، بل ينْحَصر عِنْد الْمُحدثين فِي الصَّحَابِيّ، والتابعي؛ وَلذَا قيل: الْفَاء للتَّعْلِيل لَا للتفريع، لعدم ظُهُور أعمية الْخَبَر مِمَّا ذُكر مُطلقًا حَقِيقِيًّا بل اصطلاحياً إضافياً وَبِهَذَا تنْدَفع المناقشة. وَقيل: الْفَاء للتفصيل، فَإِنَّهُ لمِّا قيل بَينهمَا عُمُوم وخصوص مُطلق، وَاحْتمل عُمُوم أَحدهمَا فصُله بقوله: فَكل حَدِيث ... إِلَخ
وَأغْرب محشٍ هُنَا وَقَالَ: وَفِيه أَن الحَدِيث قد يكون إنْشَاء، فَكيف يَصدُق كل حَدِيث خبر! فَإِن الظَّاهِر أَن المُرَاد بالْخبر مَا يحْتَمل الصدْق وَالْكذب، فبينهما عُمُوم من وَجه. انْتهى. وَوجه غرابته مِمَّا لَا يخفى.
ثمَّ أعلم أَن [١٣ - أ] علم الحَدِيث علم يُعْرف بِهِ حَال الرَّاوِي والمروي من حَيْثُ الْقبُول وَالرَّدّ. وموضوعه: الرَّاوِي والمروي من حَيْثُ ذَلِك. وغايته مَا يُقبل، وَمَا يُرَدّ من ذَلِك. ومسائله: مَا يذكر فِي كتبه من الْمَقَاصِد، كَذَا ذكره الشَّيْخ زَكَرِيَّا فِي " شرح ألفية الْعِرَاقِيّ ".
وَقَالَ الْجلَال السُّيُوطِيّ فِي ألفيته:
(علمُ الحَدِيث ذُو قُواَنينَ يُحد ... يُدرَى بهَا أحوالُ متنٍ وسَند)
(فَذانِكَ الموضُوعُ والمقصُودُ ... أَن يُعَرفَ المقبول والمَرْدُودُ)
стр. 40
وَقيل: علم الحَدِيث حدّه أَنه علم يشْتَمل على نقل مَا أضيف إِلَى النَّبِي ﵊، قيل: وَإِلَى الصَّحَابِيّ، والتابعي من قَول، أَو فعل، أَو تَقْرِير، أَو صفة
وموضوعه: ذاتُ النَّبِي ﵊، وغايته: الْفَوْز بسعادة الدَّاريْنِ، فَدخل فِيهِ الْأَحَادِيث الْمُتَعَلّقَة بصفاته ﵊، فَإِنَّهَا أَحَادِيث مَرْفُوعَة بِإِجْمَاع الْمُحدثين، وَهَمُّهُ كَحَدِيث أَنه ﵊ همُ بقلب الرّداء فِي الاسْتِسْقَاء، فَإِنَّهُ دَاخل فِي قسم الْفِعْل، فَإِن الهَمّ فِعلُ الْقلب. (وعَبر) الْمُؤلف (هُنَا) أَي فِي الْمَتْن، (بالْخبر) أَي دون الحَدِيث، جَوَاب سُؤال مقدّر، وَهُوَ أَن الحَدِيث خَاص بِهِ ﵊ على جَمِيع الْأَقْوَال، فَهُوَ أولى أَن يكون مُعَرفا فِي علم الحَدِيث، فَأجَاب بِأَنَّهُ عبر عَنهُ بالْخبر
(ليَكُون أشمل) أَي على القَوْل الْأَخير حَتَّى يكون مَا ذكره بعده من الْأَحْكَام يتَنَاوَل خبر الرَّسُول / ١١ - أ / ﵊ وَغَيره، وَقَالَ تلميذ المُصَنّف: لِأَنَّهُ يتَنَاوَل الْمَرْفُوع عِنْد الْجُمْهُور بِاعْتِبَار الترادف، ويتناول الْمَوْقُوف، والمنقطع عِنْد من عدا الْجُمْهُور.
وَقَالَ المُصَنّف: قولي ليَكُون أشمل بِاعْتِبَار الْأَقْوَال، فَأَما على الأول، فَوَاضِح. وَأما على الثَّالِث، فَلِأَن الْخَبَر أَعم مُطلقًا، فَكلما ثَبت الْأَعَمّ ثَبت الْأَخَص. وَأما على الثَّانِي، فَلِأَنَّهُ إِذا اعُتبرت هَذِه الْأُمُور فِي الْخَبَر الَّذِي هُوَ وَارِد من غير النَّبِي [ ﷺ ] ، فَلِأَن يعْتَبر ذَلِك فِيمَا ورد عَنهُ وَهُوَ الحَدِيث من بابِ الأولى، بِخِلَاف مَا إِذا [١٣ - ب] اعْتبرت فِي الحَدِيث، فَإِنَّهُ لَا يلْزم اعْتِبَارهَا فِي الْخَبَر لِأَنَّهُ
следующие страницы →