← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 5989

شرح نخبة الفكر للقاري

الملا على القاري

Полный текст (700 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

بِجُنُود لم تَرَوْهَا﴾ نعم هَذَا يرد فِي الْجُمْلَة على قَوْله السَّابِق: فأجبته، فَإِنَّهُ بِظَاهِرِهِ فِي الْمَتْن جَوَاب السُّؤَال الأول، وَفِي الشَّرْح جَوَاب السُّؤَال الثَّانِي، وَأَيْضًا كثر فِي هَذَا الْكتاب بِاعْتِبَار مزجه أَنه جُعل لفظا مُعْرَباً بإعراب فِي الْمَتْن، وإعراب آخر فِي الشَّرْح، وأمثال ذَلِك. وَهَذَا عيب خَفِي كَمَا هُوَ ظَاهر، إِذْ الْأَحْسَن فِي المزج أَن لَا يتَغَيَّر إِعْرَاب الْمَتْن ويتبين الأَصْل من الْفَرْع، وَمَا قيل من أنّ الصَّوَاب هَهُنَا: الإدماج أَي الإدراج، فَلَيْسَ بِشَيْء لِأَنَّهُمَا فِي اللُّغَة مُتَرَادِفَانِ، والإدماج بِمَعْنى الإدراج خَاص بِنَوْع من الحَدِيث كَمَا سَيَأْتِي. (فسلكت هَذِه الطَّرِيقَة) أَي المسمّاة بالدمج، (القليلة السالك) ، أَي مُطلقًا، أَو فِي دياره، أَو فِيمَا بَين الْمُحدثين. (فَأَقُول) الْفَاء جزائية، أَي إِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك فَأَقُول: / وَيُمكن أَن تكون عاطفة، والعدول إِلَى الْمُضَارع لاستحضار الْحَال الْمَاضِيَة. (طَالبا) أَي حَال كوني سَائِلًا (من الله تَعَالَى التَّوْفِيق) وَهُوَ جعل الشَّيْء مطابقاً للمراد، وموافقاً للإمداد. (فِيمَا هُنَالك) أَي فِي بَيَان مَا فِي الْمَتْن، وَاخْتِيَار هُنَالك بعدَ مُرَاعَاة السجع [١٢ - أ] للإيماء / ١٠ - أ / إِلَى بُعد زمَان تصنيف الشَّرْح عَن زمَان تَحْرِير الْمَتْن بمراحل، أَو إِلَى رَفعه مرتبةٍ كَمَا يدل عَلَيْهِ قَوْله: فَرغب إليّ، بعد قَوْله: فَسَأَلَنِي. وكما قيل فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿الم ذَلِك الْكتاب﴾ كَذَا قيل. والأنسب بقاعدة المزج ومطالبة التَّوْفِيق أَن تكون الْإِشَارَة إِلَى مَجْمُوع الْمَتْن وَالشَّرْح.

стр. 37

( [تَعْرِيف الْخَبَر والْحَدِيث والأثر] ) (الْخَبَر عِنْد عُلَمَاء هَذَا الْفَنّ) أَي عِنْد جمهورهم بِدَلِيل قَوْله بعد قيل: وَقيل، وَفِيه إِشَارَة إِلَى الْمُبَالغَة فِي تَضْعِيف الْقَوْلَيْنِ الْأَخيرينِ، قيل: وَهَذَا إِذا جعل الْقَائِل فِي قيل من عُلَمَاء هَذَا الْفَنّ، وَأما لَو جعل من غَيرهم فَلَا حَاجَة إِلَى التَّفْسِير بالجمهور. (مرادف) خبرُ للْخَبَر. وَقيل: الأولى أَن يبين معنى الحَدِيث، ثمَّ يَقُول: وَالْخَبَر يرادفه، وَيُمكن دَفعه بِأَن المفاعلة للمشاركة، فبينهما مُلَازمَة. وتُرك التَّعْرِيف للوضوح، أَو اعْتِمَادًا على مَا يُفهم من الْمَتْن، فَكَأَنَّهُ قَالَ: الْخَبَر الْآتِي مرادف (للْحَدِيث) وَهُوَ [فِي اللُّغَة] ضد الْقَدِيم ويُستعمل فِي قَلِيل الْكَلَام [وَكَثِيره] ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فليأتوا بِحَدِيث مثله إِن كَانُوا صَادِقين﴾ وَفِي اصطلاحهم: قَول رَسُول الله [ ﷺ ] ، وَفعله، وَتَقْرِيره، وَصفته حَتَّى فِي الحركات، والسَّكَنَات، فِي الْيَقَظَة، والمنام ذكره السخاوي، وَفِي " الْخُلَاصَة ": أَو الصَّحَابِيّ، أَو التَّابِعِيّ ... . إِلَخ. ويرادفه السُّنة عِنْد الْأَكْثَر. وَأما الْأَثر: فَمن اصْطِلَاح الْفُقَهَاء: فَإِنَّهُم يستعملونه فِي كَلَام السّلف، وَالْخَبَر فِي حَدِيث الرَّسُول ﵊. وَقيل: الْخَبَر والْحَدِيث: مَا جَاءَ عَن النَّبِي ﵊. والأثر: أَعم مِنْهُمَا، وَهُوَ الْأَظْهر.

стр. 38

(وَقيل: الحَدِيث مَا جَاءَ) أَي كَلَام جَاءَنَا مَنْقُولًا. أَو مَا نقل (عَن رَسُول الله [ ﷺ ] ) فَيشْمَل الْمَوْضُوع. واندفع مَا قيل: الأولى مَا نسب، أَو هُوَ مَا صدر، وَظهر عَنهُ ﵊ قولا، وفعلاً، أَو تقريراً، ووصفاً خَلْقياً، أَو نعتاً خُلقياً. (وَالْخَبَر مَا جَاءَ عَن غَيره) أَو مَوْقُوفا عَلَيْهِ لَا مَرْفُوعا إِلَيْهِ [ ﷺ ] ، فهما متباينان. (وَمن ثمَّة) أَي وَمن أجل هَذَا التَّعْرِيف، أَو من جِهَة الْفرق، (قيل) أَي يُقَال [١٢ - ب] (لمن يشْتَغل بالتواريخ) جمع التَّارِيخ: وَهُوَ الْإِعْلَام بِالْوَقْتِ الَّذِي يُضبط بِهِ الوفَيات، والمواليد، ويُعلم بِهِ مَا يُلحق بذلك من الْحَوَادِث والوقائع الَّتِي من أفرادها الولايات، كالخلافة والتملك وَنَحْوه، كالاستيلاء على الْبِلَاد واستخلاصها، والطواعين، والغلاء، والمعاملات، والأمور العجيبة، وَالْأَحْوَال الغريبة. (وماشاكلها) أَي من أَخْبَار أهل الْكتاب من الْقَصَص، وحكايات الْمُلُوك، وَغَيرهم (الإخباري، وَلمن يشْتَغل بِالسنةِ النَّبَوِيَّة / ١٠ - ب: المحدِّث) فِيهِ أَن مُقْتَضى الْمُقَابلَة أَن يكون الْمُحدث مُخْتَصًّا بروايات الْأَحَادِيث المرفوعة، وَالْحَال أَنه أَعم لشُمُوله رِوَايَة الصَّحَابِيّ، والتابعي، وَلَعَلَّه على التغليب. (وَقيل: بَينهمَا عُمُوم وخصوص مُطلق) فَالْخَبَر / أَعم من الحَدِيث حَيْثُ

стр. 39

يصدُق على كل مَا جَاءَ عَن النَّبِي ﵊ وَغَيره، بِخِلَاف الحَدِيث، فَإِنَّهُ يخْتَص بِالنَّبِيِّ ﵊، وبيانُه قَوْله: (فَكل حَدِيث خبر) إِذا الْخَبَر مَا جَاءَ عَنهُ ﵊، وَعَن غَيره، (من غير عكس) أَي لَا كل خبر حَدِيث، لاخْتِصَاص الحَدِيث بِهِ ﵊، وَفِيه مناقشة، لِأَن الْخَبَر يعم خبر غَيره ﵊ مُطلقًا، بل ينْحَصر عِنْد الْمُحدثين فِي الصَّحَابِيّ، والتابعي؛ وَلذَا قيل: الْفَاء للتَّعْلِيل لَا للتفريع، لعدم ظُهُور أعمية الْخَبَر مِمَّا ذُكر مُطلقًا حَقِيقِيًّا بل اصطلاحياً إضافياً وَبِهَذَا تنْدَفع المناقشة. وَقيل: الْفَاء للتفصيل، فَإِنَّهُ لمِّا قيل بَينهمَا عُمُوم وخصوص مُطلق، وَاحْتمل عُمُوم أَحدهمَا فصُله بقوله: فَكل حَدِيث ... إِلَخ وَأغْرب محشٍ هُنَا وَقَالَ: وَفِيه أَن الحَدِيث قد يكون إنْشَاء، فَكيف يَصدُق كل حَدِيث خبر! فَإِن الظَّاهِر أَن المُرَاد بالْخبر مَا يحْتَمل الصدْق وَالْكذب، فبينهما عُمُوم من وَجه. انْتهى. وَوجه غرابته مِمَّا لَا يخفى. ثمَّ أعلم أَن [١٣ - أ] علم الحَدِيث علم يُعْرف بِهِ حَال الرَّاوِي والمروي من حَيْثُ الْقبُول وَالرَّدّ. وموضوعه: الرَّاوِي والمروي من حَيْثُ ذَلِك. وغايته مَا يُقبل، وَمَا يُرَدّ من ذَلِك. ومسائله: مَا يذكر فِي كتبه من الْمَقَاصِد، كَذَا ذكره الشَّيْخ زَكَرِيَّا فِي " شرح ألفية الْعِرَاقِيّ ". وَقَالَ الْجلَال السُّيُوطِيّ فِي ألفيته: (علمُ الحَدِيث ذُو قُواَنينَ يُحد ... يُدرَى بهَا أحوالُ متنٍ وسَند) (فَذانِكَ الموضُوعُ والمقصُودُ ... أَن يُعَرفَ المقبول والمَرْدُودُ)

стр. 40

وَقيل: علم الحَدِيث حدّه أَنه علم يشْتَمل على نقل مَا أضيف إِلَى النَّبِي ﵊، قيل: وَإِلَى الصَّحَابِيّ، والتابعي من قَول، أَو فعل، أَو تَقْرِير، أَو صفة وموضوعه: ذاتُ النَّبِي ﵊، وغايته: الْفَوْز بسعادة الدَّاريْنِ، فَدخل فِيهِ الْأَحَادِيث الْمُتَعَلّقَة بصفاته ﵊، فَإِنَّهَا أَحَادِيث مَرْفُوعَة بِإِجْمَاع الْمُحدثين، وَهَمُّهُ كَحَدِيث أَنه ﵊ همُ بقلب الرّداء فِي الاسْتِسْقَاء، فَإِنَّهُ دَاخل فِي قسم الْفِعْل، فَإِن الهَمّ فِعلُ الْقلب. (وعَبر) الْمُؤلف (هُنَا) أَي فِي الْمَتْن، (بالْخبر) أَي دون الحَدِيث، جَوَاب سُؤال مقدّر، وَهُوَ أَن الحَدِيث خَاص بِهِ ﵊ على جَمِيع الْأَقْوَال، فَهُوَ أولى أَن يكون مُعَرفا فِي علم الحَدِيث، فَأجَاب بِأَنَّهُ عبر عَنهُ بالْخبر (ليَكُون أشمل) أَي على القَوْل الْأَخير حَتَّى يكون مَا ذكره بعده من الْأَحْكَام يتَنَاوَل خبر الرَّسُول / ١١ - أ / ﵊ وَغَيره، وَقَالَ تلميذ المُصَنّف: لِأَنَّهُ يتَنَاوَل الْمَرْفُوع عِنْد الْجُمْهُور بِاعْتِبَار الترادف، ويتناول الْمَوْقُوف، والمنقطع عِنْد من عدا الْجُمْهُور. وَقَالَ المُصَنّف: قولي ليَكُون أشمل بِاعْتِبَار الْأَقْوَال، فَأَما على الأول، فَوَاضِح. وَأما على الثَّالِث، فَلِأَن الْخَبَر أَعم مُطلقًا، فَكلما ثَبت الْأَعَمّ ثَبت الْأَخَص. وَأما على الثَّانِي، فَلِأَنَّهُ إِذا اعُتبرت هَذِه الْأُمُور فِي الْخَبَر الَّذِي هُوَ وَارِد من غير النَّبِي [ ﷺ ] ، فَلِأَن يعْتَبر ذَلِك فِيمَا ورد عَنهُ وَهُوَ الحَدِيث من بابِ الأولى، بِخِلَاف مَا إِذا [١٣ - ب] اعْتبرت فِي الحَدِيث، فَإِنَّهُ لَا يلْزم اعْتِبَارهَا فِي الْخَبَر لِأَنَّهُ

стр. 41

أدون رُتْبَة من هَذَا الحَدِيث على هَذَا القَوْل قَالَ التلميذ: / مَا ذكرته أولى، إِذْ فِي هَذَا التَّقْرِير مَا لَا يَصح، وَهُوَ قَوْله: فَكلما ثَبت الْأَعَمّ ثَبت الْأَخَص مَعَ الإطناب المُخِل. انْتهى. وَيُمكن دَفعه بِأَن مُرَاده خُصُوص هَذَا الْمقَام لَا مُطلق الْعَام، لَكِن يرد على تَعْلِيله للثَّانِي أَن الْأُمُور الْمُعْتَبرَة مَا عدا الْمُتَوَاتر غير مُعْتَبرَة فِي الْخَبَر الَّذِي ورد عَن النَّبِي ﵊، فَإِن الْمَشْهُور، والعزيز، والغريب، وَمَا يَتَرَتَّب عَلَيْهَا كلهَا من أَفْرَاد الحَدِيث المصطلح دون غَيره. ( [الْخَبَر من حَيْثُ تعدد طرقه وفردها] ) (فَهُوَ) أَي الْخَبَر (بِاعْتِبَار وُصُوله إِلَيْنَا) أَي لَا بِاعْتِبَار أَوْصَافه من الصِّحَّة، والحس، والضعف، وَغَيرهَا وَلَا من كَونه مَرْفُوعا، وموقوفاً، ومقطوعاً، وَنَحْوهَا. (إِمَّا أَن يكون) أَي يُوجد (لَهُ طرق) جمع طَرِيق بِمَعْنى سَبِيل، وَهُوَ مَا يُوصل إِلَى الْمَقْصُود الحِسي. استعير للموصل إِلَى الْمَطْلُوب الْمَعْنَوِيّ، وَلذَا قَالَ: (أَي أَسَانِيد) وَهُوَ جمع إِسْنَاد، وَالْمرَاد بِهِ رجال الحَدِيث، فَإِنَّهُم يُسندُون الْخَبَر إِلَى مَا يَنْتَهِي إِلَيْهِ السَّنَد، فمدار صِحَّته وَغَيرهَا عَلَيْهِم، فالإسناد بِمَعْنى السَّنَد الَّذِي عَلَيْهِ الِاعْتِمَاد. وَلذَا قَالَ ابْن الْمُبَارك: الْإِسْنَاد من الدّين، وَلَوْلَا الْإِسْنَاد لقَالَ مَن شَاءَ مَا شَاءَ.

стр. 42

وَقَالَ ابْن سِيرِين: إِن هَذَا الْأَمر دين، فانظروا عمَّن تأخذون دينكُمْ. وَقَالَ أَبُو نَصْر بن سَلاَم: لَيْسَ شَيْء أثقل على أهل الْإِلْحَاد وَلَا أبْغض إِلَيْهِم من سَماع الحَدِيث، وَرِوَايَته، وَإِسْنَاده. كَذَا ذكره فِي " الْخُلَاصَة "، وَاسْتشْكل بِأَن الْقُرْآن يَنْبَغِي أَن يكون أبْغض إِلَيْهِم، أَو مُسَاوِيا للْحَدِيث فِي الأبغضية. وَأجِيب بِأَنَّهُ إِنَّمَا حكم بذلك بِنَاء على أَن الحَدِيث مفسِّر لِلْقُرْآنِ وقاضٍ عَلَيْهِ، وَأما قَول بعض الصُّوفِيَّة: حَدثنا، بابُ من أَبْوَاب [١٤ - أ] الدُّنْيَا، فمراده لمَن غَرَضه غَرَض من أغراضها، أَو لمن افتخر بعلو سَنَده لحُصُول غَرض من أغراضها. (كَثِيرَة) صفة أَسَانِيد، ولمّا لم يلْزم من وجود أصل الْجمع الكثرةُ الزَّائِدَة على أقل الْجمع علَّله بقوله: (لِأَن طرقاً جمع طَرِيق) وَهَذَا وَاضح، وَإِنَّمَا ذكره لِأَنَّهُ / ١١ - ب / تَوْطِئَة، أَو لِأَنَّهُ دَلِيل لتفسير الطّرق بِالْأَسَانِيدِ.

стр. 43

(وفعيل) أَي مَا يكون على وزن فعيل من الْأَسْمَاء المفردة (فِي الْكَثْرَة) أَي فِي حَال إِرَادَة الْكَثْرَة بِهِ، وَهِي مَا فَوق الْعشْرَة إِلَى مَا لَا نِهَايَة لَهُ، (يُجمَع على فُعُل بِضَمَّتَيْنِ) كَمَا فعل هُنَا، فَدلَّ على إِفَادَة زِيَادَة الْكَثْرَة على أصل الْجمع، وَبِه تمَّ التَّعْلِيل، لَكِن تبرع بِزِيَادَة إفادةِ قَاعِدَة فَقَالَ: (وَفِي القلَّة) أَي وَفِي حَال إِرَادَة الْقلَّة وَهِي ثَلَاثَة وَعشرَة وَمَا بَينهمَا يُجمع (على أَفْعِله) بِفَتْح الْهمزَة، وَسُكُون الْفَاء، وَكسر الْعين، كأطْرِقَة، ورغيف وأَرْغِفَة، ثمَّ جملَة وفَعِيل ... إِلَخ حَالية، وَقَوله: (وَالْمرَاد بالطُرق الْأَسَانِيد) عطف على قَوْله: طرقاً، فَيكون من تَتِمَّة تَعْلِيل تَفْسِير الطّرق بِالْأَسَانِيدِ الْكَثِيرَة. لَكِن الْأَنْسَب حينئذٍ أَن يَقُول: وَالْمرَاد بِالطَّرِيقِ الْإِسْنَاد، أَي إِنَّمَا فَسّر الطّرق بِالْأَسَانِيدِ، لِأَن مُرَادهم بِالطَّرِيقِ إِنَّمَا هُوَ الْإِسْنَاد، كَذَا قَالَ محشٍ، وتوضيحه مَا قَالَ شَارِح: وَإِنَّمَا قَالَ: وَالْمرَاد بالطرق الْأَسَانِيد، وَإِن كَانَ مَا سبق مغنياً عَنهُ للتّنْبِيه على أنّ مَا ذكره من التَّفْسِير لَيْسَ مدلولاً حَقِيقِيًّا للطرق، وَإِنَّمَا اسْتِعَارَة عَن السبل. انْتهى. وَلما خَفِي هَذَا الْإِدْرَاك على التلميذ قَالَ قَوْله: / وَالْمرَاد بالطرق الْأَسَانِيد، مُستدرك أَي لما عُلم من كَلَامه أوّلاً (والإسناد: حِكَايَة طَرِيق الْمَتْن) قَالَ التلميذ: صَار الْحَاصِل: أَن الطَّرِيق حِكَايَة الطَّرِيق، وَلما طرق المُصَنّف هَذَا الِاعْتِرَاض قَالَ: التَّحْقِيق أَن تكون الْإِضَافَة بَيَانِيَّة فِي قَوْله: حِكَايَة طَرِيق الْمَتْن. فَقلت: التَّحْقِيق خلاف هَذَا التَّحْقِيق، لِأَن الْحِكَايَة فِعلُ، وَالطَّرِيق أَسمَاء

стр. 44

الروَاة، فَلَا يَصح أَن يكون أَحدهمَا [١٤ - ب] عين الآخر. انْتهى. وَقيل: يُمكن أَن تُوجه الْعبارَة بِأَن تُجعَل من إِضَافَة الصّفة إِلَى الْمَوْصُوف، أَي الْإِسْنَاد هُوَ الطَّرِيق المحكي للمتن، والمتن - كَمَا سَيَجِيءُ - غايةُ مَا يَنْتَهِي إِلَيْهِ الْإِسْنَاد، فيوافق - مَا سَيَأْتِي عَنهُ فِي مَبْحَث الْمَرْفُوع وَالْمَوْقُوف - تَعْرِيف الْإِسْنَاد بِنَفس الطَّرِيق على أَنه عرَّف الْإِسْنَاد بِمَا هُوَ تَعْرِيف للسند، قيل: ذكر الطَّيِّبِيّ: أَن السَّنَد إِخْبَار عَن طَرِيق الْمَتْن، والإسناد رفع الحَدِيث إِلَى قَائِله. وَأجِيب بِأَنَّهُ مَبْنِيّ على اخْتِلَاف وَاقع بَينهم، وَالظَّاهِر أَن مؤداهما وَاحِد. وَقد قَالَ السخاوي فِي " شرح تذكرة ابْن المُلقن ": الْإِسْنَاد والسند هُوَ الطَّرِيق الْموصل للمتن، والمتن هُوَ الْغَايَة الَّتِي يَنْتَهِي إِلَيْهَا. وَقيل مَعْنَاهُ. أَن الْإِسْنَاد تَبْيِين طَرِيق الْمَتْن أَنه متواتر أَو آحَاد. وَيُؤَيِّدهُ مَا فِي بعض النّسخ، والإسناد حِكَايَة عَن طَرِيق الْمَتْن. وَقيل: المُرَاد بِالطَّرِيقِ، مَا يُوصل إِلَى / ١٢ - أ / الْمَتْن، فَلَا دور، وَوَجهه أَن الْإِشْكَال إِنَّمَا نَشأ من حمل الطَّرِيق على الْمَعْنى الاصطلاحي، وَأما إِذا حمل على الْمَعْنى اللّغَوِيّ فيستقيم التَّعْرِيف، كَمَا قيل فِي قَول الصرفيين: الْمَاضِي فِعْلٌ

стр. 45

وُجدَ فِي الْمَاضِي. ( [المُتَوَاتِر] ) (وَتلك الْكَثْرَة) أَي الْمَذْكُورَة فِي ضمن أَسَانِيد كَثِيرَة (أحد شُرُوط التَّوَاتُر) أَي الْخَمْسَة، أَو الْأَرْبَعَة على مَا سَيَأْتِي. وَاعْترض عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لم يعين معنى الْكَثْرَة، فَإِنَّهُ يَصح أَن يكون مَعَ الْحصْر وبدونه، فَكيف يَقُول: وَتلك الْكَثْرَة [أحد شُرُوط التَّوَاتُر] ؟ ودُفع بِأَن مَعْنَاهُ أَن تِلْكَ الْكَثْرَة إِنَّمَا تكون شَرط التَّوَاتُر إِذا كَانَت بِلَا [حصر] عدد معِين، وَكَأن الْمُعْتَرض غَفَل عَن قَوْله: (إِذا وَردت) أَي الْكَثْرَة، أَو الْأَسَانِيد (بِلَا حَصْر عَدَدٍ مُعَين) بِإِضَافَة الْحصْر الَّذِي هُوَ من جملَة الشَّرْح إِلَى عدد الَّذِي هُوَ من جملَة الْمَتْن، وَهُوَ مزج غَرِيب كَمَا سبق الْإِشَارَة إِلَيْهِ، والاعتراض عَلَيْهِ، وَزَاد السخاوي: وَلَا تَقْيِيد [١٥ - أ] بعدالة وَلَا إِسْلَام. وَتَركه الشَّيْخ هُنَا لِأَن الْمُتَوَاتر لَا يُسأل عَن أَحْوَال رِجَاله كَمَا سَيَأْتِي، ثمَّ التَّقْدِير بِلَا اعْتِبَار حصرِ عددٍ معِين، إِذْ المُرَاد أَنه لَيْسَ للتعيين فِيهِ مدْخل، وَلَا يكون الملحوظ فِي كثرته عدد. وَالْحَاصِل: أَنه لَا يُؤْخَذ فِي عدده التَّعْيِين لَا أَن يُؤْخَذ عدم التَّعْيِين فَتَأمل، فَإِنَّهُ مَحل زلل. قَالَ الشَّارِح: فِيهِ احْتِرَاز عَن خبر قوم مَحْصُورين، وَإِشَارَة إِلَى أَنه لَا يشْتَرط فِي التَّوَاتُر عدد معِين كَمَا هُوَ مَذْهَب الْبَعْض. انْتهى. وَلَا يخفى مَا فِيهِ

стр. 46

من المناقضة بَين علامية وعدوله عَن الْمَذْهَب الْمُخْتَار. قيل: وَفِيه أَنه لَيْسَ للحصر فِي عدد معِين مدْخل فِي الْمَشْهُور مثلا، فَإِنَّهُ قد يرد بِلَا حصر كَمَا سَيَجِيءُ، فَمَعْنَى قَوْله الْآتِي: أَو مَعَ حصر بِمَا فَوق الِاثْنَيْنِ أَنه قد يكون كَذَلِك، فَفِي الْعَطف نوع خَدْشه، وَأَيْضًا فِي الْعَطف نظر لِأَن الْمُتَوَاتر وَالْمَشْهُور / كليهمَا مشتركان فِي أَنَّهُمَا مَعَ الْحصْر بِمَا فَوق الِاثْنَيْنِ، وَلَيْسَ للتعيين مدْخل فيهمَا، نعم بَينهمَا فرق، وَهُوَ أَن تحصل الشُّهْرَة فِي أَي مرتبَة من مَرَاتِب مَا فَوق الِاثْنَيْنِ، بِخِلَاف التَّوَاتُر، فَإِنَّهُ يُعتبر فِي جَمِيع مَرَاتِب الْمُتَوَاتر. وَالْحق أَنه لَا يُسْتَفَاد تَعْرِيف الْمُتَوَاتر بِكَمَالِهِ من الْمَتْن، فَيتَعَيَّن أَن يكون قَوْله فِي الشَّرْح: (بل تكون الْعَادة) تَفْسِيرا لقَوْله: بِلَا حصر عدد، بل تجْعَل بل للانتقال، فَإِنَّهُ لَو أَرَادَ التَّفْسِير لقَالَ: بِأَن تكون الْعَادة (قد أحالت) أَي عُدت وجُعِلت محالاً، (تواطؤَهُم) أَي توافقهم قصدا، سَوَاء تواطؤا فِيمَا بَينهم أم لَا، (على الكَذِب) بِفَتْح الْكَاف، وَكسر الذَّال، هُوَ اللُّغَة الفصحى الْوَارِدَة فِي الْقُرْآن، وَيجوز كسر الْكَاف، وَسُكُون الذَّال، وَقيل: الْأَخير مستحسن إِذا ذكر فِي مُقَابلَة الصدْق / ١٢ - ب / لحسن الْمُقَابلَة الوزنية. قَالَ السَّيِّد أصيل الدّين: وَفِي الطوالع: يَجْزم الْعقل بامتناع تواطئهم على الْكَذِب، وَكِلَاهُمَا صَحِيح، لِأَن جزم الْعقل بِوَاسِطَة الْعَادة والتكرار، وَالتَّعْبِير بِالْعَادَةِ أولى، للإشعار بِمُوجب جزم الْعقل.

стр. 47

(وَكَذَا وُقُوعه) أَي وَكَذَا أحالت [١٥ - ب] الْعَادة وُقُوع الْكَذِب (مِنْهُم اتِّفَاقًا) أَي غَلطا، أَو سَهوا قَالَه السخاوي. فَقَوله (من غير قصد) تَأْكِيد، وَلذَا قَالَ التلميذ: قَوْله اتِّفَاقًا: يُغني عَن قَوْله: من غير قصد. وخلاصة الْكَلَام: أَن التَّوَاتُر لَا يُحصر عدده، وَيكون ذَلِك الْعدَد الَّذِي لَا يحصر بِحَيْثُ لَا يُمكن عَادَة تواطؤهم على الْكَذِب. وَكَذَا وُقُوع الْكَذِب مِنْهُم اتِّفَاقًا من غير قصد، حَتَّى لَو أخبر جمع غير مَحْصُور بِمَا يجوز توافقهم على الْكَذِب عَلَيْهِ لغَرَض من الْأَغْرَاض، أَو اتِّفَاق الْكَذِب مِنْهُم عَلَيْهِ لَا يكون متواتراً فيتحصل: أَن الْكَثْرَة هِيَ الشَّرْط الأول، وإحالة الْعَادة هِيَ الشَّرْط الثَّانِي، والشروط خَمْسَة على مُقْتَضى كَلَام المُصَنّف حَيْثُ قَالَ: فِيمَا سَيَأْتِي. فَإِذا جمع هَذِه الشُّرُوط الْأَرْبَعَة، وَلَا يتَصَوَّر كَونهَا أَرْبَعَة بِدُونِ جعل هَذَا ثَانِيًا، والمحققون على أَنه تَفْسِير للكثرة. وَعدم الْحصْر بِمَعْنى أَن الْمُعْتَبر فِي كَثْرَة المخبرين بلوغُهم حدا يمْتَنع عِنْد الْعقل تواطؤهم على الْكَذِب، لَا أَن لَا يدْخل تَحت الضَّبْط كَمَا سبق تَحْقِيقه، فالشروط عِنْدهم أَرْبَعَة لَا خَمْسَة؛ فعلى هَذَا لَو أخبر بخبرٍ جمعُ غيرُ مَحْصُور يحِيل الْعقل تواطؤهم على الْكَذِب يكون متواتراً. ثمَّ إِذا كَانَ حَدّ التَّوَاتُر مَا ذكر (فَلَا معنى لتعيين الْعدَد) . قَالَ الْأصيلِيّ: وَإِنَّمَا الضَّابِط حُصُول الْعلم، فَمَتَى أخبر هَذَا الْجمع وَأفَاد خبرهم العلمَ عَلمنا أَنه متواتر، وَإِلَّا فَلَا.

стр. 48

وَقَالَ ابْن الهُمَام: التَّوَاتُر: خبرُ جِماعة يُفِيد الْعلم لَا بالقرائن الْمُنْفَصِلَة بل بِنَفسِهِ. وَقَالَ ابْن المَلَك فِي " شرح الْمنَار ": عرّفه الْمُحَقِّقُونَ بِأَنَّهُ خبر جمَاعَة يُفِيد بِنَفسِهِ الْعلم بصدقه. فَقَوله: بِنَفسِهِ، يخرج خبر جمَاعَة أَفَادَ الْعلم بالقرائن الزَّائِدَة عَن الْخَبَر، ك: شَقّ الْجُيُوب، والتفجّع فِي الْخَبَر بِمَوْت وَلَده. (على الصَّحِيح) أَي الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور، وَهُوَ مُقَابل للأقوال الْآتِيَة فِي قَوْله: (وَمِنْهُم) أَي من الْمُحدثين، أَو من عُلَمَاء أصُول الحَدِيث، أَو [١٦ - أ] أصُول الْفِقْه /، (مَن عَيّنه) أَي عدد الْمُتَوَاتر. (فِي الْأَرْبَعَة) اعْتِبَارا بأَرْبعَة شُهَدَاء، ورُدّ بِأَنَّهُم لَو شهدُوا بِالزِّنَا لَا يُفِيد قولُهم العلمَ لاحتياجهم إِلَى التَّزْكِيَة. وَتوقف القَاضِي أَبُو بكر البَاقِلاّني فِي الْخَمْسَة (وَقيل: فِي الْخَمْسَة) اعْتِبَارا بِعَدَد اللَّعان. (وَقيل: فِي السَّبْعَة. وَقيل: فِي الْعشْرَة) قَالَ الإصْطَخَرِيّ: أقلّ عدد الْجمع الَّذِي يُفِيد خَبره الْعلم عشرَة، لِأَن مَا دونهَا آحَاد. (وَقيل: فِي الاثْنَي عشر) كعدد النُّقَبَاء فِي قَوْله تَعَالَى: (وَبَعَثْنَا مِنْهُم اثْنَيْ

стр. 49

عَشَرَ نَقِيباً﴾ / ١٣ - أ / بُعِثوا - كَمَا قَالَ أهل التَّفْسِير - للكنعانيين بِالشَّام طَلِيعَة لبني إِسْرَائِيل المأمورين بجهادهم ليخبروهم بحالهم، فكونهم على هَذَا الْعدَد لَيْسَ إِلَّا لِأَنَّهُ أقل مَا يُفِيد الْعلم الْمَطْلُوب فِي مثل ذَلِك. (وَقيل: فِي الْأَرْبَعين) لِأَن الله تَعَالَى قَالَ: ﴿يَا أَيُها النَّبيُّ حَسْبُكَ الله ومَن اتَّبَعَكَ من الْمُؤمنِينَ﴾ وَكَانُوا كَمَا قَالَ أهل التَّفْسِير: أَرْبَعِينَ رجلا كَمّلهم عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ بدعوة النَّبِي [ ﷺ ] ، فإخبار الله عَنْهُم بِأَنَّهُم كافؤا نَبِيّهم [ ﷺ ] يَسْتَدْعِي إخبارهم عَن أنفسهم بذلك [لَهُ] لِيَطمَئِن قلبه، فكونهم على هَذَا الْعدَد لَيْسَ إِلَّا لِأَنَّهُ أقل مَا يُفِيد الْعلم الْمَطْلُوب فِي مثل ذَلِك. (وَقيل: فِي السّبْعين) لِأَن الله تَعَالَى قَالَ: ﴿واخْتَارَ مُوسَى قَوْمَه سبعين رَجُلاً لِمِيقَاتِنَا﴾ أَي للاعتذار إِلَى الله تَعَالَى من عبَادَة الْعجل، ولسماعهم كلامَه تَعَالَى من أَمر وَنهي ليخبروا قَومهمْ بِمَا يسمعونه، فكونهم على هَذَا الْعدَد لَيْسَ إِلَّا لِأَنَّهُ أقل مَا يُفِيد الْعلم الْمَطْلُوب فِي ذَلِك. (وَقيل: غير ذَلِك) فَقيل: أَقَله عشرُون لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: ﴿إنْ يَكُن مِنكُم عشْرُون صَابرون يَغْلبُوا مِائَتَيْنِ﴾ فَيتَوَقَّف بعث عشْرين لمئتين على إخبارهم

стр. 50

بصبرهم، فكونهم على هَذَا الْعدَد لَيْسَ إِلَّا لِأَنَّهُ أقل مَا يُفِيد الْعلم الْمَطْلُوب فِي ذَلِك. وَقيل: أَقَله ثَلَاث مئة وَبضْعَة عشر، عدد أهل غَزْوَة بدر، وَعبارَة إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَغَيره: وَثَلَاثَة عشر وَهِي البطشة الْكُبْرَى [١٦ - ب] الَّتِي بهَا أعزّ الله تَعَالَى الْإِسْلَام. وَهَذَا لاقْتِضَاء زِيَادَة احترامهم يَسْتَدْعِي التنقيب عَنْهُم ليعرفوا، وَإِنَّمَا يعْرفُونَ بأخبارهم، فكونهم على هَذَا الْعدَد الْمَذْكُور لَيْسَ إِلَّا لِأَنَّهُ أقل مَا يُفِيد الْعلم الْمَطْلُوب فِي مثل ذَلِك. قَالَ المَحَلَّيّ فِي " شرح جمع الْجَوَامِع " وأُجيبَ عَن الْجَمِيع بِمَنْع اللّيْسِية فِي الْجَمِيع، ثمَّ قَالَ: وَالأَصَح أَنه لَا يشْتَرط فِي التَّوَاتُر إِسْلَام فِي رِوَايَة، وَلَا عدم احتواء بلد عَلَيْهِم، فَيجوز أَن يَكُونُوا كفَّارًا وَأَن يحويهم بلد، كَأَن يُخبر أهل قُسْطَنْطِينِيّة بقتل ملِكِهم، لِأَن الْكَثْرَة مَانِعَة من التواطىء على الْكَذِب، وَقيل: لَا يجوز ذَلِك لجَوَاز تواطئ الْكفَّار، وَأهل بلد على الْكَذِب، فَلَا يُفِيد خبرهم الْعلم. (وَتمسك كل قَاتل بِدَلِيل) أَي بِآيَة أَو حَدِيث. وَقَول الشَّارِح: أَي بِخَبَر، صدر من غير خبر (جَاءَ فِيهِ) أَي ورد فِي خُصُوص [ذَلِك الدَّلِيل] ، ذكر ذَلِك الْعدَد) كَمَا بَّينا بعض أدلتهم، (فَأفَاد) أَي ذَلِك الْعدَد، (الْعلم) أَي بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذَلِك

стр. 51

الدَّلِيل، وَالْحَال أَنه (وَلَيْسَ بِلَازِم أَن يطرد) أَي ذَلِك الْعدَد بإفادته الْعلم فِي خُصُوص ذَلِك الدَّلِيل، (فِي غَيره) أَي فِي غير ذَلِك الدَّلِيل. وَالْحَاصِل / ١٣ - ب /: أَنه لَا يجب أَن يُفِيد ذَلِك الْعدَد فِي كل مَوضِع /، وَكَذَا لَا يجب أَن يُفِيد أقل مِنْهُ فِي غير ذَلِك الْموضع، وَأغْرب الْمحشِي فَقَالَ: وَلَا مرجع لضمير غَيره ظَاهرا! (لاحْتِمَال الِاخْتِصَاص) أَي اخْتِصَاص إِفَادَة الْعلم فِي الْأَمر الَّذِي ورد فِيهِ عدد معِين لذَلِك الْأَمر دون غَيره. وَأبْعد الشَّارِح حَيْثُ قَالَ فِي حَاشِيَته: أَي لاحْتِمَال اخْتِصَاص هَؤُلَاءِ الْمَعْدُودين دون غَيرهم من حَيْثُ الْفِقْه، والضبط، وَالْحِفْظ، وَالْعَدَالَة، وَسَائِر أَسبَاب الْقبُول وَالتَّرْجِيح. وَقَالَ التلميذ: لم ترد الْأَرْبَعَة، والخمسة والسبعة، وَالْعشرَة، وَالْأَرْبَعُونَ فِي دَلِيل أَفَادَ الْعلم أصلا، فَلَا يَصح أَن يُقَال فِي هَذِه: وَلَيْسَ بِلَازِم أَن يطرد فِي غَيره. انْتهى. وَأَنت علمت مَا تقدم من اسْتِدْلَال كل بِدَلِيل يُفِيد الْعلم فِي الْجُمْلَة، نعم يُمكن أَن يُقَال: لَا يُفِيد الْعلم [١٧ - أ] اليقيني، وَعَلِيهِ فَكَلَام المُصَنّف يحمل على التنزل مَعَ أَنه يحْتَمل اخْتِلَاف الإفادة باخْتلَاف الْأَشْخَاص. قَالَ الْجَزرِي: قد يكون التَّوَاتُر نسبياً، فيتواتر عِنْد قوم دون آخَرين كَمَا يَصح الْخَبَر عِنْد جمَاعَة دون آخَرين. (فَإِذا ورد الْخَبَر كَذَلِك) أَي كَمَا ذكر من الْكَثْرَة الَّتِي هِيَ غير محصورة على وَجه الإحالة الْمَذْكُورَة. (وانضاف إِلَيْهِ) أَي انْضَمَّ إِلَى وُرُوده كَذَلِك، أَو إِلَى الْخَبَر. [أَي يشْتَرط]

стр. 52

(أَن يَسْتَوِي الْأَمر) أَي أَمر الْخَبَر. (فِي الْكَثْرَة) وَفِي نُسْخَة: أَن يَسْتَوِي فِيهِ أَي فِي الْخَبَر الْكَثْرَة، وَهُوَ ظَاهر. وَفِي نُسْخَة: أَن يَسْتَوِي الْأَمر فِيهِ فِي الْكَثْرَة. (الْمَذْكُورَة) أَي مَعَ الإحالة المسطورة. (من ابْتِدَائه) أَي الْخَبَر. (إِلَى انتهائه) كخبرنا عَن نَبينَا [ ﷺ ] ، فَإِنَّهُ يُشترط أَن يَسْتَوِي الْكَثْرَة والإحالة فِي الِابْتِدَاء، والأثناء إِلَى الِانْتِهَاء، وَهَذَا إِذا كَانَ لَهُ ابْتِدَاء وانتهاء. وَأما إِذا لم يكن لَهُ ذَلِك، فالاستواء لَيْسَ بِشَرْط بل غير مُمكن كَمَا إِذا سُمِع من الصَّحَابَة على وَجه التَّوَاتُر، وَهَذَا ثَالِث الشُّرُوط على مُقْتَضى كَلَام المُصَنّف، وَبِه يخرج الْخَبَر الَّذِي رَوَاهُ أَولا أقل من عدد التَّوَاتُر، ثمَّ زَاد حَتَّى وصل إِلَى عدد التَّوَاتُر بعده ويدوم ذَلِك، فَإِنَّهُ لَا يُطلق عَلَيْهِ التَّوَاتُر. (وَالْمرَاد بالاستواء أَن لَا تنقص الْكَثْرَة الْمَذْكُورَة فِي بعض الْمَوَاضِع) أَي عَن الْعدَد الَّذِي أحالت الْعَادة ... إِلَخ، كَمَا صرح بِهِ فِي " الْخُلَاصَة ". وَلَيْسَ الْمَعْنى أَنه لَو كَانَ الْعدَد أَولا ألفا مثلا، ثمَّ نقص وَاحِد مِنْهُم مثلا لم يبْق متواتراً كَمَا يُوهِمهُ ظَاهر الْعبارَة. (لَا أَن لَا تزيد) أَي الْكَثْرَة. (إِذْ الزِّيَادَة هَهُنَا) أَي فِي بَاب الْخَبَر، وَلَو تواتراً.

стр. 53

(مَطْلُوبَة) لزِيَادَة الدّلَالَة اليقينية لقَوْله تَعَالَى حِكَايَة عَن إِبْرَاهِيم ﵇: ﴿وَلَكِن لِيَطمَئِن قلبِي﴾ . (من بَاب / ١٤ - أ / الأولى) لِأَن الْعلم إِذا حصل بِدُونِ الزِّيَادَة فمعها لَا شكّ أَنه أولى بالحصول، وَأَحْرَى بالوصول، وَأقوى للقبول. (وَأَن يكون) عطف على أَن يَسْتَوِي. (مستنَدُ انتهائه) بِفَتْح النُّون، أَي مَحل استناد انْتِهَاء الْخَبَر، وَمَوْضِع اعْتِمَاد الْأَثر (الْأَمر المشاهَد) أَي المرئيّ المحقَّق. (أَو [١٧ - ب] المسموع) أَي يكون آخر مَا يؤول إِلَيْهِ الطَّرِيق، وَيتم عِنْده الْإِسْنَاد، مثل: رَأَيْت، أَو: سَمِعت من فلَان. قيل: خصُهما بِالذكر اعْتِبَارا للْغَالِب، وَإِلَّا فَالشَّرْط انتهاؤه إِلَى مُطلق الْحس الشَّامِل للحواس الْخمس / الظَّاهِرَة من: الذَّوْق، واللمس، والشم، والسمع، وَالْبَصَر، كَمَا يشْعر بِهِ الْكَلَام المُصَنّف فِيمَا بعد. وَقيل: خصهما لِأَن الْبَحْث فِي الْمُتَوَاتر من قَوْله [ ﷺ ] ، وَفعله، وَتَقْرِيره، لَا فِي مُطلق الْمُتَوَاتر، وَالْأول من المسموعات، وَالثَّانِي وَالثَّالِث من المبصَرات، أَو ترك غَيرهمَا للمقايسة عَلَيْهِمَا. وَقيل: المُرَاد بِالْمُشَاهَدَةِ مَا يُقَابل الغَيبة، فَيتَنَاوَل مُطلق الإحساس. فَقَوله: أَو المسموع، تَخْصِيص بعد تَعْمِيم لتَعلق أَكثر الْأَخْبَار بِهِ، وَهَذَا هُوَ الشَّرْط الرَّابِع. وَالْمرَاد أنّ مَا سُوِّغ نَقله عَنهُ [ ﷺ ] يشْتَرط أَن يَنْتَهِي إِلَى الحِس

стр. 54

(لَا مَا ثَبت بقضية الْعقل الصّرف) كوجود الصَّانِع وقِدَمِه، وقِدمِ صِفَاته، وحدوث الْعَالم، ومفرداته ومركباته، وكزيادة عدد الِاثْنَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْوَاحِد. (فَإِذا جَمَع) أَي الخيرُ. (هَذِه الشُّرُوط الْأَرْبَعَة) قيل: هَذَا إِلَى قَوْله: انتهائهم الْحس، مفسِّر لقَوْله السَّابِق: فَإِذا ورد الْخَبَر، فَكَانَا متحدين. وَقَوله الْآتِي: فَهَذَا هُوَ الْمُتَوَاتر، جَزَاء لأَحَدهمَا حَال كَونه مُقَيّدا بقوله: وانضاف ... إِلَخ وَنَظِيره قَوْله تَعَالَى ﴿وَلما جَاءَهُم كتاب من عِنْد الله مُصدق لما مَعَهم وَكَانُوا من قبل يستفتحون على الَّذين كفرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَا عرفُوا كفرُوا بِهِ﴾ حَيْثُ قيل: إِن جَوَاب لمَّا الأولى دلّ عَلَيْهِ جَوَاب الثَّانِيَة، فَظهر ضعف مَا قيل: من أَن قَوْله: فَهَذَا، جَزَاء لقَوْله: فَإِذا جمع، وَهُوَ مَعَ جَزَائِهِ جزاءُ قَوْله: فَإِذا ورد، لما فِيهِ من عدم رابطة لفظية وَوُجُود زَكَاكَةٍ معنوية. (وَهِي) أَي الْأَرْبَعَة أَحدهَا، أَو مِنْهَا: (عدد كثير) وَثَانِيها الْمُسْتَفَاد من قَوْله: بِلَا عدد.

стр. 55

(أحالت الْعَادة) قيل لَو قَالَ: أحَال الْعقل [١٨ - أ] لم يحْتَج إِلَى الشَّرْط الْخَامِس، وَهُوَ أَن يصحب خبرهم إِفَادَة الْعلم لسامعه، وَأما حينئذٍ فَلَا بُد مِنْهُ لِأَن إِحَالَة الْعَادة شَيْء لَا يسْتَلْزم إِحَالَة الْعقل إِيَّاه، فَلَا يكون مستلزماً لحُصُول الْعلم اليقيني. (تواطؤهم) أَي (وتوافقهم) نقل عَن المُصَنّف أَنه قَالَ فِي الْفرق بَينهمَا: إِن التواطؤ: هُوَ أَن يتَّفق قوم على اختراع / ١٤ - ب / معِين بعد الْمُشَاورَة والتقرير بِأَن لَا يَقُول أحد خلافَ صَاحبه. والتوافق: حُصُول هَذَا الاختراع من غير مُشَاورَة بَينهم وَلَا اتِّفَاق، يَعْنِي سَوَاء يكون عَن سَهْو، وَغلط، أَو عَن قصد. (على الْكَذِب) قيل: تَرَك قَوْله: وُقُوعه مِنْهُم اتِّفَاقًا اعْتِمَادًا على مَا ذُكر فَتَأمل وَثَالِثهَا: (رَوَوْا ذَلِك عَن مثلهم من الِابْتِدَاء إِلَى الِانْتِهَاء) قَالَ المُصَنّف فِي تَقْرِير هَذَا الْمحل: المُرَاد مثلهم فِي كَون الْعَادة تحيل تواطؤهم على الْكَذِب، وَإِن لم يبلغُوا عَددهمْ، فالسبعة الْعُدُول ظَاهرا وَبَاطنا مثل الْعشْرَة الْعُدُول فِي الظَّاهِر فَقَط مثلا، فَإِن الصِّفَات تقُوم مَقام الذوات، بل قد يُفِيد قَول سَبْعَة صلحاء العلمَ، وَلَا يفِيدهُ قَول عشرَة دونهم فِي الصّلاح، فَالْمُرَاد حِينَئِذٍ الْمُمَاثلَة فِي إِفَادَة الْعلم لَا فِي الْعدَد قَالَ التلميذ: الْكَلَام الأول هُوَ الصَّحِيح، وَقَوله: فالسبعة ... إِلَخ لَيْسَ

стр. 56

بِشَيْء إِذْ لَا دخل لصفات المخبرين فِي بَاب التَّوَاتُر، وَالْمقَام مستغن عَن هَذَا كُله انْتهى. وَهُوَ ظَاهر قَوْلهم من أَن الْمُتَوَاتر لَا يبْحَث فِيهِ عَن رِجَاله، لَكِن التَّحْقِيق أَن الإحالة العادية قد تكون من حيثية الْكَثْرَة / من غير مُلَاحظَة الوصفية، وَقد تكون بانضمامها كَمَا إِذا رَوَى عَن الْعشْرَة المبشرة مثلا عشرُون من التَّابِعين، فَإِنَّهُ لَا شكّ أَن الْعَادة تُحيل اتِّفَاق الْأَوَّلين على الْكَذِب، وَلَا تحيل اتِّفَاق الْعشْرَة من التَّابِعين عَلَيْهِ، وَلَو كَانُوا عُدُولًا، وَكَذَا إِذا نقل عشرُون من الْمُفْتِينَ والمدرسين مَسْأَلَة يحصل الْعلم بهم مَا لَا يحصل بِمَا ينْقل عشرُون من الطّلبَة [١٨ - ب] أَو خَمْسُونَ من غَيرهم. فالمدار الْأَصْلِيّ فِي بَاب التَّوَاتُر على الإحالة والإفادة دون اعْتِبَار الْعدَد وَالْعَدَالَة. نعم، قد ينضاف إِلَى الْعدَد وصف يقوم بِهِ الإحالة، فَتحصل بِهِ الإفادة، فَالْحَاصِل: عدم اشْتِرَاط معرفَة الرِّجَال عِنْد حُصُول الْإِكْثَار، لَا اشْتِرَاط عدم اعتبارهم فِي الْأَخْبَار ﴿فاعتبروا يَا أولي الْأَبْصَار﴾ وَرَابِعهَا: (وَكَانَ) أَتَى بِالْوَاو هُنَا مَعَ أَنه ذَكَر مَا سبق بطرِيق التعداد إِشَارَة إِلَى أَن مَا ذكر هُوَ فِي قُوَّة الْعَطف. (مستندُ انتهائهم الحسّ) أَي من مُشَاهدَة أَو سَماع، لِأَن مَا لَا يكون كَذَلِك يحْتَمل دُخُول الْغَلَط فِيهِ. كَمَا اتّفق أَن سَائِلًا سَأَلَ مولى أبي عَوَانة بمِنَىً، فَلم يُعْطه شَيْئا فَلَمَّا وَلى لحقه أَبُو عَوَانة، فَأعْطَاهُ دِينَارا، فَقَالَ لَهُ السَّائِل: واللهِ

стр. 57

لأنفعنَّك بهَا يَا أَبَا عَوَانة، فَلَمَّا أَصْبحُوا وَأَرَادُوا الدّفع من المُزْدَلِفَة وقف ذَلِك السَّائِل على طَرِيق النَّاس، وَجعل يُنَادي، إِذا رأى رِفقةً من أهل العِراق: يَا أَيهَا / ١٥ - أ / النَّاس اشكروا يزيدَ بِنَ عَطَاء اللَّيْثِيّ، يَعْنِي مولى أبي عَوَانَة، فَإِنَّهُ تقرب إِلَى الله تَعَالَى الْيَوْم بِأبي عَوَانة، فَأعْتقهُ، فَجعل النَّاس يَمرونَ فوجاً فوجاً إِلَى يزِيد يشكرون لَهُ ذَلِك، وَهُوَ يُنكره، فَلَمَّا كثر هَذَا الصَّنِيع مِنْهُم قَالَ / ومَن يقدر على ردِّ هَؤُلَاءِ كلهم، أذهب أَنْت حر، كَذَا ذكره السخاوي فِي " شرح ألفية الْعِرَاقِيّ ". (وانضاف) أَي انْضَمَّ (إِلَى ذَلِك) أَي إِلَى مَا ذكر من الشُّرُوط الْأَرْبَعَة، (أَن يصحب خبرهم) بِالنّصب على المفعولية، وَالْفَاعِل قَوْله: (إفادةُ الْعلم لسامعه) وَهَذَا معنى قَول بَعضهم: إِن هَذَا هُوَ الشَّرْط الْخَامِس. وَالْمرَاد بِالْعلمِ هُنَا الضَّرُورِيّ، وَهُوَ الَّذِي يضْطَر إِلَيْهِ كَمَا سَيَجِيءُ سَوَاء كَانَ نظرياً أَولا، يَعْنِي عقلياً، أَو نقلياً قَالَ شَارِح: وَلَا يشْتَرط تقدم الْعلم بالشرائط عندنَا خلافًا لمن زعم أَن الْعلم الْحَاصِل عقيب التَّوَاتُر نَظَرِي، بل الضَّابِط حُصُول [١٩ - أ] الْعلم بصدقه. (فَهَذَا) أَي الْخَبَر الْجَامِع للشروط الْمُتَقَدّمَة مَعَ الانضياف الْمَذْكُور. (هُوَ الْمُتَوَاتر، وَمَا) مَوْصُوفَة، أَو مَوْصُولَة، أَي وَالْخَبَر الَّذِي (تخلفت إِفَادَة الْعلم عَنهُ) أَي مَعَ وجود الشَّرَائِط الْمُتَقَدّمَة. (كَانَ مَشْهُورا فَقَط) قَالَ التلميذ: لَا بُد أَن يزِيد: مِمَّا رُوِيَ بِلَا حصر عدد، وَإِلَّا لصدق الْمَشْهُور على جَمِيع الْمُتَوَاتر. انْتهى. وَالظَّاهِر أَن يَقُول: لَصَدَق الْمُتَوَاتر على جَمِيع الْمَشْهُور. قَالَ: وَهَذَا يُنَافِيهِ قَوْله بعد هَذَا: إنّ الْمَشْهُور مَا رُوِيَ

стр. 58

مَعَ حصر عدد بِمَا فَوق الِاثْنَيْنِ. انْتهى ويُدفع كَلَامه بِأَن هَذِه الزِّيَادَة ملحوظة فِي كَلَام الشَّيْخ كَمَا قَرَّرْنَاهُ بقولنَا: هَذَا الْخَبَر الْجَامِع للشروط السَّابِقَة، لِأَن من جُمْلَتهَا أَن يُروى بِلَا حصر عدد. قيل: وَلَعَلَّه أَرَادَ بالمشهور الْمَعْنى اللغويَّ لَا الاصطلاحي. وَلِهَذَا قَالَ محشٍ فِي قَوْله: (فَكل متواتر مَشْهُور) أَي لَا بِالْمَعْنَى الْمُقَابل للمتواتر. قلت: / الظَّاهِر الْمُتَبَادر أَنه أَرَادَ الْمَعْنى المصطَلَح عَلَيْهِ، فإنّ مرجع الْبَحْث إِلَيْهِ، لَكِن لَا بُد من زِيَادَة قيد دلّ عَلَيْهِ الْمقَام بأنْ يُقَال: فَكل متواتر تخلّف عَنهُ الْعلم مَشْهُور، وَحِينَئِذٍ يظْهر صِحَة قَوْله: (من غير عكس) وَهُوَ أَن لَا يكون كل مَشْهُور متواتراً بِالْمَعْنَى المصطَلَح الْجَامِع للشروط المنضم إِلَيْهِ انضياف إِفَادَة الْعلم، وَبِه ينْدَفع مَا قَالَ التلميذ: هَذَا إِذا أَخذ الْجِنْس من غير فصل، وَهُوَ تخلف إِفَادَة الْعلم، وَخطأ هَذَا مبّين فِي بحث الْمُبَاح فِي الْأُصُول.

стр. 59

(وَقد يُقَال: إنّ الشُّرُوط الْأَرْبَعَة إِذا حصلت استلزمت حُصُول الْعلم) قيل: الرَّابِع من الشُّرُوط: هُوَ حُصُول الْعلم، فَكيف تكون أَرْبَعَة بِدُونِهِ حَتَّى تستلزمه؟ / ١٥ - ب / فَالْأولى أَن يُقَال: الثَّلَاثَة. وَقد أجَاب بَعضهم بِمَا يُنبئ أَن الْعدَد الْكثير شَرط، وإحالة الْعَادة تواطؤَهم شرطٌ آخر كَمَا حررناه سَابِقًا وعَلى هَذَا فبانضياف الاسْتوَاء والاستناد إِلَيْهِمَا تصير أَرْبَعَة بِدُونِ حُصُول الْعلم. وَهَذَا الْجَواب معتمدٌ على مَا ذكره بعض المنطقيين فِي بحث الدلالات [١٩ - ب] من أَن الْوَصْف فِي التَّعْرِيف بِمَنْزِلَة الْمَعْطُوف. (وَهُوَ) أَي الاستلزام الْمَذْكُور على الْوَجْه المسطور. (كَذَلِك فِي الْغَالِب) أَي فِي غَالب الْأَخْبَار، وَأكْثر الْآثَار، قيل: فَالْمُرَاد من الاستلزام الاستتباع كَمَا هُوَ مصطلح أهل الْعَرَبيَّة، لَا امْتنَاع الانفكاك كَمَا هُوَ اصْطِلَاح الْمَعْقُول، لِأَن لَا يقبل التجزي وَالْغَلَبَة. ثمَّ صرح بِمَا علم ضِمنا بقوله: (لَكِن قد يتَخَلَّف) أَي حُصُول الْعلم، (عَن الْبَعْض) أَي بعض الْأَخْبَار. (لمَانع) قيل كغبَاوة السَّامع، وَفِيه أَنه لَا عِبْرَة بِهِ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة الْحَيَوَان، أَو الْأَصَم. وَوجد بِخَط السِّخاوي: كَكَوْنِهِ عَالما لم يقف على بعض الشُّرُوط، وَفِيه أَنه تقدم أَنه لَا يشْتَرط تقدم الْعلم بل الْمُعْتَبر حُصُول الْعلم. لَكِن قد يُقَال: إِن حُصُول الْعلم قد يتَوَقَّف على معرفَة الشُّرُوط. وَقيل: كَأَن يرْوى خبران متناقضان قد جمعا الشُّرُوط، فَفِي هَذَا يتَخَلَّف حُصُول الْعلم، وَفِيه أَن تَوَاتر النقيضين محالٌ عَادَة

стр. 60

(وَقد وضح) أَي ظهر (بِهَذَا) أَي بِمَا قدمْنَاهُ من التَّقْرِير، (تَعْرِيف الْمُتَوَاتر) وَلما تُوُهّم من الْمَتْن أَن كل مَا يرد بِلَا حصر فَهُوَ متواتر، دَفعه بقوله: (وخلافه) أَي غير الْمُتَوَاتر، وَهُوَ الْمَشْهُور، (قد يرد بِلَا حصر أَيْضا) قَالَ التلميذ: يُقَال عَلَيْهِ: فَمَاذَا يُسمى؟ انْتهى. قيل: وَكَأَنَّهُ سمى هَذَا باسم الْمَشْهُور الَّذِي يُطلق على مَا اشْتهر على الْأَلْسِنَة. قلت: بل الصَّوَاب أَنه يُسمى الْمَشْهُور على مَا سبق تَقْرِيره، وَتقدم تحريره، وَيدل عَلَيْهِ قَوْله: (لَكِن مَعَ فقْد بعض الشُّرُوط) وَهُوَ أنْ لَا يَسْتَوِي طرفاه، أَو لَا يكون منتهياً إِلَى الْحس، أَو تتخلف عَنهُ إِفَادَة الْعلم. وَأغْرب التلميذ حَيْثُ قَالَ: هَذِه زِيَادَة زَادهَا الشَّارِح تبعا لرأي مَنْ لَا رَأْي لَهُ فِي الْفَنّ إِذْ يُغني عَنْهَا قَوْله: مَا لم تَجْتَمِع شُرُوط التَّوَاتُر. انْتهى. وَفِيه أَن هَذِه الزِّيَادَة مَعَ عدم الْحصْر، وقيدِ مَا لم تَجْتَمِع شُرُوط التَّوَاتُر مَعَ الْحصْر فَتدبر وتأدب، فَإِن صَاحب هَذِه الْمقَالة إمامٌ فِي هَذَا الْفَنّ لَا محَالة /. ثمَّ قيل: هَذَا يدل على أَن عدم اجْتِمَاع شُرُوط التَّوَاتُر شَرط فِي الْمَشْهُور، فيكونان [٢٠ - أ] متباينين، وَمَا ذكره أَولا من قَوْله: فَكل متواتر مَشْهُور يدل على أَن بَينهمَا عُمُوما وخصوصاً مُطلقًا وَقد يُجَاب بِأَن الْمَقْصُود من التَّقْسِيم بَيَان / ١٦ - أ / مَا هُوَ غير الْمُتَوَاتر من الْمَشْهُور، لَا مَا هُوَ أَعم من التَّوَاتُر وَغَيره، فَإِن الْمُتَوَاتر دَاخل فِي عُمُوم الْمَشْهُور.

стр. 61

(أَو مَعَ حصر) قيل: عطف على قَوْله: إِمَّا أَن يكون ... الخ، وَالظَّاهِر أَنه عطف على بِلَا حصر. (بِمَا فَوق الِاثْنَيْنِ) أَي حصر وَاقع بِعَدَد كَائِن أكثرَ من اثْنَيْنِ كَمَا قَالَ: (أَي بِثَلَاثَة فَصَاعِدا) ، وَقَوله: (مَا لم تَجْتَمِع شُرُوط التَّوَاتُر) مُسْتَغْنى عَنهُ، لِأَنَّهُ إِذا كَانَ مَعَ الْحصْر، فَلم يجْتَمع فِيهِ شُرُوط التَّوَاتُر، لَكِن قد يُقَال: إِنَّه قيدٌ لقَوْله: فَصَاعِدا، إِذْ قد يصل إِلَى كَثْرَة تفِيد التَّوَاتُر. (أَو بهما أَي بِاثْنَيْنِ فَقَط أَو بِوَاحِد فَقَط) قيل: الْعَطف بِحَسب الْمَعْنى. وَالْحَاصِل: أَن الْخَبَر إِمَّا أَن يرد بطرق بِلَا حصر، أَو مَعَ حصر بِمَا فَوق الِاثْنَيْنِ، أَو بالاثنين، أَو بِوَاحِد أَو عطف على قَوْله: أَن يكون، لَكِن بِاعْتِبَار حذف الْعَامِل أَي الْخَبَر. إِمَّا أَن يكون لَهُ طرق بِلَا حصر، أَو يكون لَهُ طرق مَعَ حصر، أَو يرد بِاثْنَيْنِ، أَو بِوَاحِد كَمَا يدل عَلَيْهِ قَوْله: (وَالْمرَاد بقولنَا: أَن يرد بِاثْنَيْنِ أَن لَا يرد بِأَقَلّ مِنْهُمَا) فَانْدفع مَا قيل: إِن التَّقْسِيم فَاسد لفظا وَمعنى، أما لفظا، فَلِأَن كلمة إِمَّا بقيت بِلَا أُخْت، حَيْثُ لم يعْطف على يكون شَيْء لَا بِأَو، وَلَا بأمّا، وَأما معنى، فَلِأَن تَقْرِير الْكَلَام هَكَذَا: أَو يكون لَهُ طرق مَعَ الْحصْر بِوَاحِد، وَلَا يخفى فَسَاده. وَقد أُجِيب أَيْضا بِأَنَّهُ لَعَلَّه أَرَادَ بالطرق الْجِنْس مجَازًا، وَالْجِنْس يُطلق على الْوَاحِد والاثنين. وَأما تَفْسِيره

стр. 62

بأسانيد كَثِيرَة، فباعتبار أَكثر الْأَقْسَام، ثمَّ قيل: الأولى أَن يَقُول: أَن يرد بهما فَقَط فِي بعض الْمَوَاضِع، لَا فِي الْجَمِيع، وَلَا يرد بِأَقَلّ مِنْهُمَا فِي مَوضِع. (فَإِن ورد) أَي الْخَبَر. (بِأَكْثَرَ) أَي بِرِوَايَة أَكثر من اثْنَيْنِ. وَفِيه أنّ هَذَا القَوْل لَا يجْرِي فِي قَوْله: بِوَاحِد، مَعَ أَنه [٢٠ - ب] مَطْلُوب فِيهِ أَيْضا، اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُتَكَلّف ويُقال: المُرَاد بِأَكْثَرَ من اثْنَيْنِ أَو وَاحِد. (فِي بعض الْمَوَاضِع من السَّنَد) بَيَان للْبَعْض. (الْوَاحِد) احْتِرَاز من السَّنَد المتعدد. وَقيل: الْأَحْسَن أَن يَقُول: من السندين؛ لِأَن الْكَلَام فِيهِ يعم حكم السَّنَد الْوَاحِد، وَكَذَا قَوْله: يقْضِي على الْأَكْثَر. (لَا يضرّ) أَي وُرُود الْكَثْرَة، أَو الأكثرية. (إِذْ الْأَقَل فِي هَذَا) أَي فِي هَذَا الْبَاب، أَو الْفَنّ، وَفِي بعض النّسخ: فِي هَذَا الْعلم. (يقْضِي) أَي يحكم ويغلب. (على الْأَكْثَر) ، يَعْنِي الْأَقَل هُوَ الحكم وَالْمُعْتَبر فِي السَّنَد، حَتَّى إِذا وجد فِي بعض الطَّبَقَات مَا ينقص عَن الشُّرُوط، خرج عَن الْمَشْرُوط. (فَالْأول الْمُتَوَاتر) قيل: فِيهِ نظر، لِأَن الأول، وَهُوَ مَاله طرق بِلَا حصر،

стр. 63

لَيْسَ / ١٦ - ب / بمتواتر، فَإِنَّهُ إِذا لم تحصل الشُّرُوط الْمَذْكُورَة لَا يُسمى متواتراً، كَمَا صرح بِهِ المُصَنّف فِي الشَّرْح، (وَهُوَ) إِشَارَة إِلَى أنّ مَا بعده خبر لَا صفة (الْمُفِيد للْعلم اليقيني) أَي الضَّرُورِيّ، والحصر إضافي، يَعْنِي أَن الْمُتَوَاتر هُوَ الْمُفِيد للْعلم / اليقيني، أَي الَّذِي يضْطَر الْإِنْسَان إِلَيْهِ، بِحَيْثُ لَا يُمكن دَفعه كَمَا يحققه بُعيد ذَلِك. (فَأخْرج) أَي التَّقْيِيد باليقيني. (النظريِّ) أَي الْخَبَر الْمُفِيد للْعلم النظري عَن مفَاد الْمُتَوَاتر. (على مَا يَأْتِي تَقْرِيره بِشُرُوطِهِ الَّتِي تقدّمت) قيل: قَوْله: بِشُرُوطِهِ لَغْو، لِأَنَّهُ دَاخل فِي مَفْهُوم الْمُتَوَاتر. وَأجِيب بِأَنَّهُ مُتَعَلق بِالْأولِ، لَا بالمفيد كَمَا ذكره شَارِح، أَي الأول مَعَ شُرُوطه هُوَ الْمُتَوَاتر، وَبِهَذَا ينْدَفع النّظر السَّابِق. (وَالْيَقِين) أَي علمه. (هُوَ الِاعْتِقَاد) وَهُوَ شَامِل لجَمِيع التصديقات، وَبِه خرج الشَّك، وَأخرج بقوله: (الْجَازِم) المُرَاد بِهِ الْقَاطِع الْجَازِم صَاحبه بِهِ، الظنِّ: وَهُوَ تَرْجِيح أحد طرفِي

стр. 64

الحكم، مَعَ تَجْوِيز الْجَانِب الآخر، ويقابله الْوَهم، وَأخرج بقوله: (المطابق) أَي للْوَاقِع، الْجَهْل الْمركب. وَقيل: لَو قَالَ: وَالثَّابِت، لخرج اعْتِقَاد الْمُقَلّد - لِأَنَّهُ يَزُول بتشكيك المشكك - لَكَانَ أولى. ودُفع بِأَن الْمُتَبَادر من إِطْلَاق الْجَازِم أَنه [٢١ - أ] لموجب، أَي الْجَزْم ناشيء عَن سَبَب، فَيخرج التَّقْلِيد. وَحَاصِله: أَن مُرَاد المُصَنّف بالجازم هُوَ الْجَازِم الَّذِي لَا يقبل التشكيك. (وَهَذَا) أَي كَون الْمُتَوَاتر مُفِيدا للْعلم اليقيني، (هُوَ الْمُعْتَمد، أَن الْخَبَر الْمُتَوَاتر) أَي فِي أَنه (يُفِيد) وَقيل: أنَّ، بيانٌ لقَوْله: هَذَا، أَي من أَن الْخَبَر يُفِيد (الْعلم الضَّرُورِيّ، وَهُوَ) أَي الْعلم الضَّرُورِيّ (الَّذِي يضْطَر الْإِنْسَان إِلَيْهِ) أَي إِلَى الْعلم بِهِ، والتيقن عَلَيْهِ، (بِحَيْثُ لَا يُمكن دَفعه) أَي دفع علمه عَن نَفسه. قيل: الضَّرُورِيّ كَمَا يُطلق مُقَابلا للنظري، يُطلق لهَذَا الْمَعْنى أَيْضا، وَلَيْسَ المُرَاد هَهُنَا هُوَ الْمُقَابل للنظري، ليرد مَا قيل: من أَنه لَيْسَ كل ضَرُورِيّ كَذَلِك، وَأَنه قد يكون النظري الْحَاصِل بالبرهان كَذَلِك أَيْضا، فَلَا يَصح تعريفاً لَهُ، فَالْوَجْه أَن يُقَال: إِنَّه بَيَان أَن المُرَاد بالضروري هُوَ هَذَا الْقسم. قَالَ الإِمَام الْغَزالِيّ ﵀:

стр. 65

الْحَاصِل بالمتواتر لَيْسَ بنظري، وَلَا ضَرُورِيّ، بل هُوَ وَاسِطَة بَينهمَا. وَتوقف الآمِدِي فِيهِ. (وَقيل لَا يُفِيد) أَي الْمُتَوَاتر. (الْعلم إِلَّا نظرياً) أَي لَا ضَرُورِيًّا، وَلَا مَا بَينهمَا على مَا تقدم. وَالْقَائِل بِهِ إِمَام الْحَرَمَيْنِ من الأشاعرة، وَأَبُو الْحُسَيْن الْبَصْرِيّ، والكعبي من الْمُعْتَزلَة. (وَلَيْسَ هَذَا) أَي هَذَا القَوْل (بِشَيْء) أَي معتدٍ بِهِ، (لِأَن الْعلم) / ١٧ - أ / أَي الَّذِي هُوَ حَاصِل (بالتواتر) الأولى بالمتواتر أَي بِسَبَب (حَاصِل لمن لَيْسَ لَهُ أهليه النّظر - كالعامي -) مَنْسُوب إِلَى الْعَام ضد الْخَاص. (إِذْ النّظر: تَرْتِيب أُمُور مَعْلُومَة) كَقَوْلِنَا: الْعَالم متغير، وكل متغير حَادث، فالعالم حَادث. (أَو مظنونة) كَقَوْلِنَا: الْجِدَار مائل، وكل مائل طائح. (يتَوَصَّل بهَا) أَي بالأمور الْمَعْلُومَة، أَو المظنونة.

стр. 66

(إِلَى مَعْلُوم، أَو مظنون) نشر مُرَتّب. قيل: إِن كَانَ المُرَاد من الْعلم الْيَقِين كَمَا تَقْتَضِيه الْمُقَابلَة، يُخرِج الأفكار الْوَاقِعَة فِي التصورات، والتصديقات الجِبِلِّية، فَإِنَّهَا لَيست عَن تَرْتِيب أُمُور مَعْلُومَة. وَمَعَ هَذَا يضْطَر الْإِنْسَان إِلَيْهِ بِحَيْثُ لَا يُمكنهُ دَفعه، وَإِن كَانَ المُرَاد مِنْهُ التَّصَوُّر [٢١ - ب] والتصديق النَّفْسِيّ مَعًا. وَصرح بِهَذَا الِاصْطِلَاح الْمُوَافق برد الِاعْتِرَاض الثَّانِي دون الأول / على مَا قيل سَابِقًا، وَإِن كَانَ المُرَاد بِهِ الْمَعْنى الْعَام يلْزم اسْتِدْرَاك قَوْله: مظنونة. (وَلَيْسَ فِي الْعَاميّ أَهْلِيَّة ذَلِك) قيل: وَلِهَذَا لم يستفسر النَّبِي [ ﷺ ] والصحابةُ، وَسَائِر الْعلمَاء العوامَ عَن الدَّلَائِل الدَّالَّة على الصَّانِع، وَصِفَاته، حِين قرروهم على إِيمَانهم إِذْ علمُوا أَنهم لَا يعلمونها قطعا. وَأجِيب عَنهُ: بِأَنَّهُم كَانُوا يعلمُونَ أَنهم يعلمُونَ الْأَدِلَّة إِجْمَالا، كَمَا قَالَ الْأَعرَابِي: الْعبْرَة تدل على الْبَعِير، وَأثر الْقدَم على الْمسير، أفسماء ذَات أبراج، وَأَرْض ذَات فِجاج، لَا تدل على الصَّانِع اللَّطِيف الْخَبِير؟ وَقد قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَئِن سَأَلتهمْ من خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض ليَقُولن الله﴾ . غَايَة مَا فِي الْبَاب أَنهم قصروا

стр. 67

عَن تَفْصِيل الدَّلَائِل الدَّالَّة عَلَيْهِ، وَلذَا قَالَ بَعضهم: وَالْأَظْهَر أَن يَقُول الشَّيْخ: كَالصَّبِيِّ الَّذِي لَا اهتداء لَهُ إِلَى النّظر، إِذْ الْعَاميّ كثيرا مَا يكون فَطِناً، بل كل عَامي يحصل لَهُ الْعلم بالاستدلال، فَإِنَّهُ يسْتَدلّ بِطُلُوع الشَّمْس على وجود النَّهَار، وبوصول الشَّمْس إِلَى مَوضِع كَذَا على وَقت الظّهْر، وَغير ذَلِك. (فَلَو كَانَ) أَي إِفَادَة الْمُتَوَاتر. (نظرياً لما حصل لَهُم) أَي للعوام الْمَدْلُول عَلَيْهِ بالعامِيّ (ولاح) أَي تبين (بِهَذَا التَّقْرِير) أَي الْمُتَقَدّم، (الْفرق بَين الْعلم الضَّرُورِيّ، وَالْعلم النظري، إِذا الضَّرُورِيّ يُفِيد الْعلم بِلَا اسْتِدْلَال) قَالَ التلميذ: الضَّرُورِيّ هُنَا صفة الْعلم، فَيصير معنى التَّرْكِيب: إِذْ الْعلم الضَّرُورِيّ يُفِيد الْعلم بِلَا اسْتِدْلَال وَلَا يخفى مَا فِيهِ. انْتهى. وَيُمكن دَفعه بِأَن التَّقْدِير: الطَّرِيق الضَّرُورِيّ، فَكَانَ الْأَظْهر، والأخصر أَن يَقُول: إِذْ الضَّرُورِيّ يحصل بِلَا اسْتِدْلَال. (والنظري يفِيدهُ) أَي الْعلم. (لَكِن مَعَ الِاسْتِدْلَال / ١٧ - ب / على الإفادة) أَي على طريقها، أَو على مَا يُسْتَفَاد بِهِ الْمَطْلُوب من [٢٢ - أ] الْأَدِلَّة. هَذَا، وَقيل فِيهِ: إِنَّه يسْتَلْزم اخْتِصَاص النظري بالتصديق. و [إِنَّه] قد يكون الضَّرُورِيّ مُفِيدا للْعلم بالاستدلال، وَقد

стр. 68

يكون النظري مُفِيدا للْعلم لَا مَعَ الِاسْتِدْلَال، فَالْوَجْه أَن يُقَال: مَعْنَاهُ أَن كل ضَرُورِيّ خَاص، يُفِيد علما عَاما فِي ضمنه بِدُونِ الِاسْتِدْلَال عَلَيْهِ، وَأَن كل نَظَرِي خَاص، يُفِيد علما عَاما فِي ضمنه مَعَ الِاسْتِدْلَال عَلَيْهِ. وَالْحَاصِل: أَن الضَّرُورِيّ هُوَ الْحَاصِل بِدُونِ الِاسْتِدْلَال، والنظري هُوَ الْحَاصِل بالاستدلال. وَالْمرَاد من الِاسْتِدْلَال هُوَ الْكسْب، لِئَلَّا يخْتَص بالتصديق. وَلَو ترك قَوْله: يُفِيد، وأتى بدل الِاسْتِدْلَال [الْكسْب] أولى. وَقيل: أَقَامَ الإفادة مُقَام الاستفادة تسامحاً، لِأَن الإفادة سَبَب الاستفادة، ومفضية إِلَيْهَا. وَهَذَا كَمَا قيل فِي قَوْله تَعَالَى ﴿مَا مَنعك أَلا تسْجد﴾ أَن الْمَعْنى: مَا دعَاك إِلَى ترك السُّجُود؟ لِأَن الْمَنْع عَن السُّجُود دَاع إِلَى نقيضه. فَإِن قلت: يرد عَلَيْهِ أَن مَا ذكر هُوَ الضَّرُورِيّ بِالْمَعْنَى الْمُقَابل للنظري، لَا بِالْمَعْنَى الْمَذْكُور، قلت: قَوْله: يُفِيد الْعلم، لَيْسَ تعريفاً بل هُوَ حكم. (وَأَن الضَّرُورِيّ) عطف على إِذْ الضَّرُورِيّ، فَإِن فِي معنى لِأَن الضَّرُورِيّ. (يحصل لكل سامع، والنظري لَا يحصل إِلَّا لمن فِيهِ) وَفِي نُسْخَة: إِلَّا لمن لَهُ (أَهْلِيَّة النّظر)

стр. 69

(وَإِنَّمَا أبهَمْتُ) أَي أَنا. (شُرُوط الْمُتَوَاتر) وَفِي نُسْخَة: التَّوَاتُر، وَهِي الشُّرُوط الْأَرْبَعَة المنضافة إِلَى الْخَامِس (فِي الأَصْل) أَي فِي الْمَتْن، وبينتها فِي الشَّرْح. وَأغْرب شَارِح حَيْثُ قَالَ: بِأَن لم يبين أَحْوَال تِلْكَ الْكَثْرَة من الْعَدَالَة وَغَيرهَا. (لِأَنَّهُ) أَي الْمُتَوَاتر. (على هَذِه الْكَيْفِيَّة) أَي الْمَذْكُورَة فِي الشَّرْح. وَقَول شَارِح: أَي أَحْوَال الْكَثْرَة، غير مُسْتَقِيم. (لَيْسَ من مبَاحث علم الْإِسْنَاد) ، فِي الْجَوَاهِر: أصُول الحَدِيث علم بأصولٍ تعرف بهَا أَحْوَال حَدِيث الرَّسُول [ ﷺ ] من حَيْثُ صحةُ النقلِ عَنهُ، وَضَعفه، [٢٢ - ب] والتحمل، وَالْأَدَاء. (إِذْ علم الْإِسْنَاد يُبْحَثُ فِيهِ عَن صِحَة الحَدِيث) المرادُ من الصِّحَّة هُنَا: مَعْنَاهَا اللّغَوِيّ ليشْمل الْحسن أَيْضا، فَإِن الْحسن بالاصطلاح منافٍ للصِّحَّة (أَو ضَعْفه ليُعْمَل بِهِ) أَي فِي غير الضَّعِيف. (أَو يتْرك) أَي الْعَمَل بِهِ فِي الضَّعِيف إِلَّا فِي الْفَضَائِل (من حَيْثُ) مُتَعَلق ب: يبْحَث.

стр. 70

(صفاتُ الرِّجال) أَي رجال إِسْنَاد الحَدِيث من الْعَدَالَة والضبط وَغَيرهمَا. (وصِيَغ الْأَدَاء) بِكَسْر الصَّاد وَفتح التَّحْتِيَّة، جمع صِيغَة، وَهِي: سَمِعت، وَحدثنَا، وَأخْبرنَا، وَنَحْوهَا. ( [الْمُتَوَاتر: لَا يبْحَث عَن رِجَاله] ) (والمتواتر لَا يُبْحثُ عَن رِجَاله) أَي عَن صفاتهم. (بل يجب الْعَمَل بِهِ من غير بحث) لإيجابه اليقينَ، وَإِن ورد عَن الفسَّاق بل عَن / ١٨ - أ / الفكرة، فَلَا يَرِدُ مَا قَالَ محشِ فِيهِ: إِن رِجَاله يجب أَن يكون بِحَيْثُ أحالت الْعَادة ... الخ فيبحث عَن رِجَاله أَيْضا قَالَ التلميذ: هَذَا يُؤَيّد مَا قُلْنَاهُ من أَنه لَا دخل لصفات المخبرين فِي بَاب التَّوَاتُر، فاحفظ، فَسَيَأْتِي مَا يُحال بِهِ علينا. (فَائِدَة) : أَي هَذِه فَائِدَة عَظِيمَة يجب أَن تحفظ ليتميز الْمُتَوَاتر عَن غَيره. (ذكر ابْن الصّلاح) وَهُوَ الإِمَام الْجَلِيل المتفَق على جلالته فِي هَذَا الْفَنّ. (أَن مِثَال الْمُتَوَاتر على التَّفْسِير الْمُتَقَدّم) أَي الْمَذْكُور فِي ضمن الْمَتْن وَالشَّرْح. (يَعِزّ وجودهُ) أَي يَقِلُّ بِحَيْثُ لَا يكَاد يُوجد. (إِلَّا أَن يُدعَى) بِصِيغَة الْمَجْهُول. (ذَلِك) أَي الْمُتَوَاتر. وَقيل: يَعِزّ بِمَعْنى يعْدم، فالاستثناء مُنْقَطع، أَي لَكِن ادِّعَاء التَّوَاتُر

стр. 71

مُمكن. (فِي حَدِيث " مَنْ كَذب عَليّ مُتَعَمدا فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار ") لرِوَايَة أَزِيد من مئة صَحَابِيّ لَهُ، وَفِيهِمْ الْعشْرَة المبشرة، ثمَّ لم تزل رُوَاته فِي أزدياد مَعَ اجْتِمَاع الشُّرُوط فِيهِ. (وَمَا ادَّعَاهُ) أَي ابْن الصّلاح (من الْعِزَّة) أَي الْقلَّة، وَمن: بَيَان ل: مَا (مَمْنُوع، وَكَذَا مَا ادَّعَاهُ غَيره) كَابْن حبَان والحَازِمي. (من الْعَدَم لِأَن ذَلِك) أَي كلا من الادعائين (نَشأ عَن قِلّة الِاطِّلَاع على كَثْرَة الطّرق، وأحوال الرِّجَال [٢٣ - أ] وصفاتهم) عطف تَفْسِير. قَالَ التلميذ: تقدم أَن التَّوَاتُر لَيْسَ من مبَاحث علم الْإِسْنَاد، وَأَنه لَا يُبْحَث عَن رِجَاله، وَحِينَئِذٍ فَلَو سُلم قِلةُ اطلاعِ مَن ذكرهم المُصَنّف على أَحْوَال الرِّجَال، وصفاتهم، لم يُوجب مَا ذكره بقوله: (الْمُقْتَضِيَة لإبعاد الْعَادة) الأولى لإحالة الْعَادة. (أَن يتواطؤا على الْكَذِب أَو) أَن. (يحصل) أَي الْكَذِب.

стр. 72

(مِنْهُم اتِّفَاقًا) وَقد أُجِيب بأنّ ذَلِك إِنَّمَا ذُكر لتأكيد عدم تواطئهم على الْكَذِب، وَلَيْسَ بِشَرْط فِي الْمُتَوَاتر. كَذَا فِي " التَّلْوِيح ". فَقَوله: / الْمُقْتَضِيَة صفة لكلٍ من كَثْرَة الطّرق، وأحوال الرِّجَال. وَالْأَظْهَر: أَن صِفَات الرِّجَال عِنْده أَيْضا قد تُؤثر فِي حُصُول التَّوَاتُر، فَإِنَّهَا كَثْرَة معنوية كَمَا سبق عَنهُ أَن الصِّفَات قد تقوم مقَام الذَّات (وَمن أحسن مَا يُقَرَّر بِهِ كونُ الْمُتَوَاتر مَوْجُودا وجودَ كثرةٍ فِي الْأَحَادِيث) أَي وجودا كثيرا، بِإِضَافَة الْمَوْصُوف إِلَى الصّفة، مفعول مُطلق لموجود. (أَن الْكتب الْمَشْهُورَة) بِفَتْح أَن، مُبْتَدأ خَبره وَمن أحسن. (المتداولة بأيدي أهل الْعلم شرقاً وغرباً) قَالَ التلميذ: لقَائِل أَن يَقُول: الْبَحْث فِي وجود الْمُتَوَاتر لَا فِي إِمْكَان وجوده (المقطوعَ) ، بِالنّصب (عِنْدهم بِصِحَّة نسبتها إِلَى مصنفيها) قَالَ التلميذ: إنْ سَلُمَ الْقطع فَهُوَ بِنَفس النِّسْبَة / ١٨ - ب / لَا بِصِحَّتِهَا على مَا لَا يَخفَى. أَقُول: وَفِيه أَيْضا أَن هَذَا إِنَّمَا يُثبِتُ التَّوَاتُر الْمَعْنَوِيّ، لَا اللَّفْظِيّ، وَالْكَلَام فِيهِ. وَغَايَة مَا يُفِيد بِوُجُود التَّوَاتُر اللَّفْظِيّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى صَاحب الْكتاب، كالبخاري مثلا لَا مَا بعده إِلَى النَّبِي [ ﷺ ] ، بل ومَن حدث من غَالب المصنفين لَا يبلغ مبلغا تحيل الْعَادة تواطؤهم على الْكَذِب.

стр. 73

(إِذا) خبرُ أنّ. (اجْتمعت) أَي الْكتب. (على إِخْرَاج حَدِيث وتعددت طرقه تعدداً تُحِيل العادةُ تواطؤهم على الْكَذِب ... إِلَى آخر الشُّرُوط، أَفَادَ) أَي الِاجْتِمَاع الْمَفْهُوم من قَوْله: إِذا اجْتمعت. (العلمَ اليقينيّ بِصِحَّة نسبته إِلَى قَائِله) . قَالَ التلميذ [٢٣ - ب] : دَعْوَى مُجَرّدَة، فَلَا تفِيد فِي مَحل النزاع. (وَمثل ذَلِك فِي الْكتب الْمَشْهُورَة كثير) قَالَ السخاوي: ذكر شَيخنَا من الْأَحَادِيث الَّتِي وُصِفَتْ بالتواتر: حديثَ " الشَّفَاعَة "، " والحوض "، وأنّ عدد رواتهما من الصَّحَابَة زَاد على الْأَرْبَعين. وَمِمَّنْ وصفهما بذلك عِياض فِي " الشفا ". وَحَدِيث: " مَنْ بنى لله مَسْجِدا "، " ورؤية الله فِي الْآخِرَة "

стр. 74

و " الْأَئِمَّة من قُرَيْش "، وَكَذَا ذَكَر عِياض فِي " الشفا " حَدِيث " حَنين الجِذْع ". وَابْن حَزْم: حَدِيث: " النَّهْي عَن الصَّلَاة فِي مَعَاطِن الإِبل "، و " عَن اتِّخَاذ الْقُبُور مَسَاجِد ". وَابْن عبد البرّ: حَدِيث " اهْتَزّ الْعَرْش لمَوْت سَعْد بن مُعَاذ "، وَغَيره، وَحَدِيث: " انشِقَاق الْقَمَر ". [والنُّزُول] . وَابْن

стр. 75

بَطّال: حَدِيث: " النَّهْي عَن الصَّلَاة بعد الصُّبْح، وَبعد الْعَصْر " وَالشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِي قَالَ بعد ذكر الْأَحَادِ يث المروية عَن النَّبِي [ ﷺ ] فِي غسل الرجلَيْن لَا يُقَال إِنَّهَا أَخْبَار آحَاد لِأَن مجموعها أَفَادَ تَوَاتر مَعْنَاهُ. وَكَذَا ذكر غَيره فِي التَّوَاتُر الْمَعْنَوِيّ: " كشجاعة عليّ " و " جُود حَاتِم "، و " أَخْبَار الدجّال ". انْتهى. وَفِيه: أنّ المانعين إِنَّمَا منعُوا التَّوَاتُر اللَّفْظِيّ، والمثْبِتين جَوّزوا التَّوَاتُر الْمَعْنَوِيّ، فَالْخِلَاف لَفْظِي وَالله أعلم. وَبِه انْدفع مدافعة التلميذ للشَّيْخ. ثمَّ جملَة الْفَائِدَة وَقعت مُعْتَرضَة بَين المتعاطفين حَيْثُ قَالَ: (وَالثَّانِي:) أَي من الْأَقْسَام الْأَرْبَعَة ( [الْآحَاد] ) (وَهُوَ أول أَقسَام الْآحَاد) أَي الْمُقَابلَة للمتواتر، (مَا) مَوْصُولَة، أَو مَوْصُوفَة. أَي حَدِيث (لَهُ طرق محصورة) أَي أَسَانِيد مُعينَة. (بِأَكْثَرَ من اثْنَيْنِ) بِأَن يروي جمَاعَة: ثَلَاثَة أَو أَكثر عَن جمَاعَة، يَعْنِي كلّ مِنْهُم عَن شَيْخه. وَقَالَ السخاوي: أَي عَن بعض رُوَاته، أَو فِي جَمِيع / طبقاته
следующие страницы →