← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 5989

شرح نخبة الفكر للقاري

الملا على القاري

Полный текст (700 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

الدِّيانة. / ٨٥ - ب / (كَمَا وقَع لكثيرٍ من الروَاة قَدِيما وحديثاً) أَي من الْأَزْمِنَة الْمُتَقَدّمَة، والمتأخرة. قَالَ السخاوي: ولكنْ كادَ الجوازُ أَن يكون إِجْمَاعًا! قلت: فليحملْ على محلِّ الضَّرُورَة جمعا بَين الْأَدِلَّة، وتوفيقاً بَين كَلَام النَقَلة. (وَالله الموفِّق) . ( [غَرِيب الحَدِيث] ) (فإنْ خَفَي الْمَعْنى) أَي معنى الْأَلْفَاظ الْمَوْضُوعَة، وذِكْر هَذَا الْكَلَام استطرادي بِأَدْنَى مُنَاسبَة. والخفاءُ: تَارَة بِاعْتِبَار لفظ الحَدِيث مفرَداً، وَتارَة بِاعْتِبَارِهِ مركبا وَسَيَأْتِي بَيَان الثَّانِي وبيانُ الأول قَوْله: (بِأَن كَانَ اللَّفْظ مُسْتَعْملا بقِلّة) أَرَادَ بِهِ غَرِيب الحَدِيث، وَهُوَ مَا جَاءَ فِي الْمَتْن من لفظ غامض بعيدٍ عَن الْفَهم لِقِلّة اسْتِعْمَال هـ، (احْتِيجَ إِلَى الْكتب المصنفة فِي شرح الْغَرِيب) ، وَهُوَ فنٌ مُهِمّ يَقبح جهلُه للمحدثين خُصُوصا، وللعلماء عُمُوما، وَيجب أَن يُتَثَّبتَ فِيهِ ويُتَحَرَّى. سُئِلَ الإِمَام أَحْمد عَن حرف من غَرِيب الحَدِيث، قَالَ: سلوا أَصْحَاب الْغَرِيب، فَإِنِّي أكره أَن أتكلَّم فِي قَول رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم بِالظَّنِّ. وَنَظِيره مَا رُوِيَ عَن إِبْرَاهِيم [١٢١ - أ] التَّيمِيّ: أَن أَبَا بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ سُئل عَن قَوْله تَعَالَى: ﴿وَفَاكِهَة وَأَبا﴾ فَقَالَ: " أيّ سماءٍ

стр. 387

تُظِلُّني وأيّ أَرض تُقِلُّني إِذا قلت فِي كتاب الله تَعَالَى مَا لَا أعلم ". (ككتاب أبي عُبيد) بِالتَّصْغِيرِ، (الْقَاسِم بن سلاَّم) بِفَتْح مُهْملَة، وَتَشْديد لَام، توفّي سنة أَربع وَعشْرين ومئتين. (وَهُوَ) أَي كِتَابه مَعَ أَنه تَعب / فِيهِ جدا، فَإِنَّهُ أَقَامَ فِيهِ أَرْبَعِينَ سنة، بِحَيْثُ استقصى وأجاد بِالنِّسْبَةِ لمن قَبْله. (غير مرتَّب) لَكِن وَقع من أهل الْعلم بموقع جليل، وَصَارَ قدوةً فِي هَذَا الشَّأْن. وَلم يزل النَّاس يَنْتَفِعُونَ بكتابه. وَعمل أَبُو سعيد الضريرُ كتابا فِي التعقب عَلَيْهِ. (وَقد رتبه الشَّيْخ موفق الدِّين بن قُدَامَة) بِضَم قَاف، وَتَخْفِيف دَال مُهْملَة، (على الْحُرُوف) أَي على تَرْتِيب الْحُرُوف كَمَا فِي الصِّحاح وَغَيره، (وأجمعُ مِنْهُ) أَي من كتاب ابْن سَلاّم، وَهُوَ أنسب، أَو من كتاب ابْن قدامَة، وَهُوَ أقرب، (كتاب أبي عُبيد الهَرَويّ) أَي الحنبليّ، (وَقد اعتنى بِهِ) أَي بِكِتَاب الهَرَويّ، (الحافظُ أَبُو مُوسَى المَدِيني) بِفَتْح فَكسر، (فَنقبَ) بتَشْديد الْقَاف، أَي فتش (عَلَيْهِ) مُتَعَلق ب: مُعْتَرضًا، على سَبِيل التَّضْمِين لِأَن التنقيب يتَعَدَّى بفي. قَالَ تَعَالَى: ﴿فَنقبُوا فِي الْبِلَاد﴾ وأصل التنقيب: التفتيش عَن الشَّيْء، والبحث عَنهُ.

стр. 388

(واستدرك) أَي زَاد عَلَيْهِ بأَشْيَاء. (وللزمخشري كتاب اسْمه " الْفَائِق "، حسن التَّرْتِيب) قَالَ محش: فِيهِ مَا فِيهِ، لَكِن يحْتَاج فِيهِ إِلَى التَّنْبِيه. (ثمَّ جمع الْجَمِيع ابْن الْأَثِير فِي " النِّهَايَة "، وَكتابه أسهل الْكتب تناولا) أَي أخذا واستنباطا فِي الْمَعْنى الْمَقْصُود لما يذكر / ٨٦ - أ / فِيهِ لفظ الحَدِيث غَالِبا، (مَعَ إعواز قَلِيل فِيهِ) مصدر أعوزه، أَي أحوجه يَعْنِي: مَعَ فقدان اسْتِيفَاء فِي مَوَاضِع قَليلَة، وَقد لخصه شيخ مَشَايِخنَا الْجلَال السُّيُوطِيّ رَحمَه الله تَعَالَى وَزَاد أَشْيَاء، وَسَماهُ " الدّرّ النثير فِي تَلْخِيص نِهَايَة ابْن الْأَثِير ". وَهُوَ كتاب لَا يَسْتَغْنِي عَنهُ الطَّالِب. (وَإِن كَانَ اللَّفْظ مُسْتَعْملا بِكَثْرَة [١٢١ - ب] لَكِن فِي مَدْلُوله) أَي مَعْنَاهُ الْمَقْصُود فِي الدّلَالَة على الْمَطْلُوب، وَهُوَ الْمُسْتَفَاد من مَدْلُوله التركيبي، (دقة) أَي خَفَاء، (احْتِيجَ إِلَى الْكتب المصنفة فِي شرح مَعَاني الْأَخْبَار) بِفَتْح الْهمزَة، (وَبَيَان الْمُشكل) عطف على " شرح الريب " متْنا، وعَلى " شرح " شرحا، وَقَوله: (مِنْهَا) أَي من الْأَخْبَار أَو مَعَانِيهَا. (وَقد أَكثر الْأَئِمَّة من التصانيف فِي ذَلِك كالطحاوي) من الْحَنَفِيَّة،

стр. 389

(والخطابي، وَابْن عبد الْبر) من الْمَالِكِيَّة، (وَغَيرهم) وَقد سبق أَن الإِمَام الشَّافِعِي قد سبقهمْ، وَذكر جملَة مِنْهَا فِي جُزْء فِي كِتَابه " الْأُم ". ( [الْجَهَالَة وسببها] ) (ثمَّ الْجَهَالَة بالراوي) أَي بِذَاتِهِ أَو صِفَاته، (وَهِي) أَي الْجَهَالَة، (السَّبَب الثَّامِن فِي الطعْن) أَي من أَسبَاب الطعْن فِي الروَاة. (وسببها) الْأَظْهر ترك الْوَاو، ليَكُون على وفْق قَوْله فِيمَا سبق: ثمَّ الْمُخَالفَة ... الخ، وَفِيمَا سَيَأْتِي: ثمَّ سوء الْحِفْظ، وَيُمكن أَن يكون الْوَاو شرحا، ومزجها الْكتاب بمتن الْكتاب، لعدم التَّمْيِيز بَينهمَا على وَجه الصَّوَاب. (أَمْرَانِ) : (أَحدهمَا أَن الرَّاوِي) قَالَ محش: فِي الْحمل مُسَامَحَة، وَفِيه أَن الْمُطَابقَة ظَاهره. (قد تكْثر نعوته) كَأَنَّهُ أَرَادَ بالنعوت مَا يدل على الذَّات، سَوَاء كَانَ بِاعْتِبَار معنى أَو لَا، وَلذَا قَالَ: (من اسْم أَو كنية، أَو لقب، [أَو صفته] أَو حِرْفَة نِسْبَة) وَفِي نُسْخَة: أَو نسب، وَسَيَجِيءُ تَفْصِيله، وأو هَذِه / مَانِعَة الْخُلُو، فَانْدفع مَا قيل: إِن الأصوب هُوَ الْوَاو ليَكُون الْمَجْمُوع بَيَان النعوت، لِأَنَّهَا بأنواعها بَيَان لَهَا، وَقيل: المُرَاد من أَسمَاء أَو كنى وألقاب ... الخ، وَيرد عَلَيْهِ أَنه يخرج مَا إِذا كَانَ لَهُ اسْم وَاحِد، وكنية وَاحِدَة، ولقب وَاحِد، مَعَ وجود الْجَهَالَة هُنَاكَ، فَلَا ينْحَصر سَبَب الْجَهَالَة فِي الْأَمريْنِ. وَيرد على الْوَجْهَيْنِ، أَنه لَا يجوز عد الِاسْم نعتا إِلَّا بِأَن

стр. 390

يُقَال: المُرَاد مُسَمّى بِالِاسْمِ. (فيشتهر) أَي الرَّاوِي، (بِشَيْء مِنْهَا) أَي من النعوت، (فيذكر) [أَي الرَّاوِي] ، (بِغَيْر مَا اشْتهر بِهِ) أَي من النعوت [١٢٢ - أ] مِمَّا يعلم بِهِ، فَيخرج عَن التَّدْلِيس، (لغَرَض) مُتَعَلق ب: يذكر، (من الْأَعْرَاض) أَي لأي غَرَض مِنْهَا كَكَوْنِهِ مكثرا للْحَدِيث عَنهُ مثلا. (فيظن) بِصِيغَة الْمَعْلُوم أَي الظَّان أَو بِصِيغَة الْمَجْهُول وَهُوَ الْأَظْهر، أَي فيظن الرَّاوِي (أَنه آخر) أَي غَيره من الروَاة، (فَيحصل الْجَهْل بِحَالهِ) وَبعد هَذَا مَا تَنْتفِي / ٨٦ - ب / جهالته. (وصنفوا فِيهِ أَي فِي هَذَا النَّوْع) أَي فِي بَيَان هَذَا النَّوْع، وَقيل: أَي فِي شَأْن إِزَالَة هَذَا النَّوْع، وَبعده لَا يخفى، (الموضح) بِالتَّخْفِيفِ وَيجوز تشديده (لأوهام الْجمع والتفريق) من إِضَافَة الْمصدر إِلَى الْمَفْعُول، أَي جمع الصِّفَات فِي رجل وتفريقها بِحَيْثُ يُوجد كل مِنْهَا فِي رجل آخر، وَالْمرَاد بالموضح اسْم جنس لكلّ مَا صُنِّف فِي هَذَا النَّوْع، أَي مَا يُوضح أوهاماً ناشئة من اجْتِمَاع التَّفْرِيق فِيهِ، وذكرِ [حَال] وَاحِد مِنْهَا، فَلَا يرد مَا وهم محشٍ حَيْثُ قَالَ: [الموضح] اسْم كتاب

стр. 391

وَلَفظ صنفوا لَا يلائمه، وَالْأَظْهَر صنف، وَيُؤَيّد مَا قُلْنَا غير لفظ صنفوا قَوْله: (أَجَاد) أَي أحسن (فِيهِ) أَي فِي بَيَان هَذَا النَّوْع الْمُسَمّى بالموضح، (الْخَطِيب وَسَبقه إِلَيْهِ) إِلَخ لعدم إِمْكَان سبق اثْنَيْنِ فِي اسْم كتاب لوَاحِد، ثمَّ هُوَ يحْتَمل السَّبق الزماني والرتبي. (عبد الْغَنِيّ) قَالَ التلميذ: هُوَ ابْن سعيد المِصْري انْتهى. وَفِي نُسْخَة: (ابْن سعيد الْمصْرِيّ وَهُوَ الأزديّ) . قيل: سمى كِتَابه " إِيضَاح الْإِشْكَال "، وَهُوَ لَا يُفِيد الْإِشْكَال، لِأَنَّهُ مَا خرج عَن كَونه موضحاً، لِأَنَّهُ مصدر بِمَعْنى الْفَاعِل، أَو أُرِيد بِهِ الْمُبَالغَة، كَرجل عدل، (ثمَّ الصُّورِيّ) وَقَالَ التلميذ: هُوَ تلميذ عبد الْغَنِيّ. وَشَيخ الْخَطِيب. انْتهى. قيل: لَكِن مَا أَجَاد فِيهِ كالخطيب، وَهُوَ ظَاهر، لِأَن هَذَا دأب الْمُتَأَخِّرين لَكِن الْفضل للمتقدم، وَلَعَلَّ الشَّيْخ أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن الْكل صنفوا فِيهِ " الموَضَّح " [١٢٢ - ب] ، وَإِن كَانَ هَذَا الِاسْم لكتاب الْخَطِيب، كَمَا حُكيَ أَن بعض الْعلمَاء صنف كتابا فِي ثَلَاثِينَ سنة، ثمَّ أحد من تلاميذه هذبه ورتبه، فِي ثَلَاث سِنِين، فَصَارَ أحسن، فَأَرَادَ بِهِ الِاسْتِحْسَان من أهل مجْلِس عَرَض عَلَيْهِم الْكِتَابَيْنِ، فَقَالَ لَهُ بعض الظرفاء: إِنَّمَا صنّفت أَنْت هَذَا الْكتاب فِي ثَلَاث وَثَلَاثِينَ سنة، فلولا مُصَنفه لما بَلَغْته. (وَمن أمثلته:) أَي هَذَا النَّوْع: (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بِشْر) بِكَسْر مُوَحدَة، فَسُكُون مُعْجمَة، (الكَلْبي) اشْتهر بِهَذَا الِاسْم وَالنّسب لكنه (نسبه بَعضهم) أَي الروَاة (إِلَى جدّه فَقَالَ: مُحَمَّد بن بِشْر / وَسَماهُ بَعضهم حمّاد بن السَّائِب) أَي بِنَاء

стр. 392

على أَن لَهُ اسْمَيْنِ، أَو على أَن الحَماد لقب لَهُ. (وكنَّاه) بِالتَّشْدِيدِ، (بَعضهم: أَبَا النَّصر) بالصَّاد الْمُهْملَة، (وَبَعْضهمْ: أَبَا سعيد وَبَعْضهمْ: أَبَا هِشَام) بِنَاء على إِضَافَة إِلَى أحد أَوْلَاده. (فَصَارَ يظُن) بِصِيغَة الْمَجْهُول، (أَنه) أَي مَا ذكر بِاعْتِبَار مَا صدق عَلَيْهِ، (جمَاعَة وَهُوَ وَاحِد) أَي وَالْحَال أَنه وَاحِد. (وَمن لَا يعرف حَقِيقَة الْأَمر فِيهِ) أَي فِي حَال الْمُسَمّى بِهَذِهِ الْأَسْمَاء. قَالَ التلميذ: وَهُوَ أَن هَذِه مسميات لمسمى وَاحِد (لَا يعرف شَيْئا من ذَلِك) أَي الْمَذْكُور من الْأَسْمَاء غير الأول المشتهر بِهِ، فيلتبس عَلَيْهِ الْحَال. ( [الوُحْدَانِ] ) (وَالْأَمر الثَّانِي: أَن الرَّاوِي / ٨٧ - أ / قد يكون مُقِلاً من الحَدِيث) أَي من رِوَايَته أَو من التحديث بِهِ، (فَلَا يَكْثُرُ الْأَخْذ) أَي أَخذ الحَدِيث (عَنهُ) أَي عَن الرَّاوِي فَيصير مَجْهُول الذَّات. (وَقد صنفوا فِيهِ) أَي فِي هَذَا النَّوْع، أَو فِيمَن قَلَّ الْأَخْذ عَنهُ، (الوُحْدَانِ)

стр. 393

بِضَم الْوَاو، وَسُكُون الْمُهْملَة، جمع الْوَاحِد وَالْمرَاد من الوُحْدَانِ، المؤلفات الَّتِي فِي شَأْن المُقلِّ من الحَدِيث. وَهَذَا يُؤَيّد مَا ذَكرْنَاهُ فِي المُوضِح، كَمَا يقوّيه المُبهمات. (وَهُوَ) أَي الْمقل، وَأغْرب شَارِح حَيْثُ قَالَ: أَي هَذَا النَّوْع (من لم يَروِ عَنهُ إِلَّا وَاحِد) أَي من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ، [١٢٣ - ب] ومنَ بعدهمْ. قيل: فُسِّرَ المُقِلّ بِمن لم يرو ... الخ، وَإِن كَانَ بَينهمَا عُمُوم من وَجه بِحَسب الظَّاهِر لاجتماعهما فِيمَا كَانَ حَدِيث الرَّاوِي وَاحِدًا لم يرو عَنهُ إِلَّا وَاحِد، وَصدق مُقِل الحَدِيث بِدُونِ الثَّانِي فِيمَا إِذا كَانَ الحَدِيث وَاحِدًا رَوَاهُ كَثِيرُونَ عَنهُ، وَصدق الثَّانِي بِدُونِ المُقِل، فِيمَا إِذا كَانَ الحَدِيث كثيرا والراوي وَاحِدًا، لِأَن إقلالَ الحَدِيث يُعَد سَببا للْجَهَالَة، وَهِي إِنَّمَا تحصل بتفرد الرَّاوِي، سَوَاء كثر الحَدِيث أم لَا، وَلَا تحصل مَعَ كَثْرَة الروَاة، وَإِن كَانَ الحَدِيث وَاحِدًا. وَفِي " الْمُقدمَة ": بَلغنِي عَن يُوسُف بن عبد الله الأندلسي وِجَادةً قَالَ: كل من لم يروِ عَنهُ إِلَّا رجل وَاحِد، فَهُوَ عِنْدهم مَجْهُول، إِلَّا أَن يكون رجلا مَشْهُورا فِي غير حمل الْعلم، كاشتهار مَالك بن دِينَار بالزُّهد، وعَمرو بن مَعْدِي كَرِب بالنجدة، أَي الشجَاعَة، (وَلَو سمي) قيد لقَوْله: قد يكون مُقِلاً. (فمِمَن جمعه مُسلم) أَي فِي كِتَابه الْمُسَمّى كتاب " المُنْفَرِدات والوُحدان " (وَالْحسن بن سُفيان وَغَيرهمَا) . وَاعْلَم أَن المقلّ قد يكون مُسَمّى أَو غير مُسَمّى

стр. 394

وَيفهم ذَلِك من [لَو] الوصلية الدَّالَّة على أنّ الْجَزَاء الأول بنقيض الشَّرْط، فَيجب أَن يحمل قَوْله: (أوْ لَا يسمّى) على مَن لَا يكون مُقِلاً، وَيجْعَل عطفا على قَوْله: قد يكون مقلاً؛ لِئَلَّا يصير لَغوا مستدركاً، ثمَّ هُوَ على بِنَاء الْمَجْهُول ونائب الْفَاعِل قَوْله: (الرَّاوِي) وَكَانَ الْأَنْسَب أَن يَقُول: أَو الرَّاوِي لَا يُسمى. بِتَقْدِير الرَّاوِي قبل قَوْله: لَا يُسمى كَمَا قَالَ فِيمَا قيل: الرَّاوِي قد يكون مُقِلاً، وليصير أبعد من الْعَطف على قَوْله: سُمَّي، وَالْأَمر فِيهِ سهل، (اختصاراً) عِلّة (من الرَّاوِي) مُتَعَلق بِهِ. (عَنهُ) أَي عَن الرَّاوِي الأول، (كَقَوْلِه: أَخْبرنِي فلَان أَو شيخ، أَو رجلُ، أَو بَعضهم، أَو ابْن فلَان) وَهَذَا للْعلم من الْخَارِج بِأَن شيخ الْمُبْهم مثلا لَيْسَ إِلَّا وَاحِد. (ويستدل / [١٢٣ - ب] على معرفَة اسْم الْمُبْهم بوروده من طَرِيق آخر مُسَمّى) هَذَا يدل على أنَّ من لَا يُسمى مَجْهُول، وَإِن لم يُقِل، فَهَذَا دَلِيل آخر على أَنه لَا يجوز عطف قَوْله: لَا يُسمى، على قَوْله سُمَّي، فَإِنَّهُ يلْزم تَخْصِيصه بالمقلّ حِينَئِذٍ، / ٨٧ - ب / وَحَاصِل مَا تَقْتَضِي عبارَة الشَّرْح والمتن، أَن تكون مُوجبَات الْجَهَالَة أَرْبَعَة، لَا اثْنَان، الأول: كَثْرَة النعوت، وَالثَّانِي: الإقلال، أَي عدم الرِّوَايَة، إِلَّا وَاحِد. وَالثَّالِث: عدم التَّسْمِيَة. وَالرَّابِع: أَن يروي عَنهُ اثْنَان فَصَاعِدا، وَلم يوثق وَلم نجد لعبارته تَأْوِيلا.

стр. 395

( [المُبهم] ) (وصنفوا فِيهِ) قَالَ تِلْمِيذه: أَي فِيمَن أُبِهم. (المبهمات) أَي المصنفات الَّتِي صنفوها فِيمَن لَا يُسمى، أَو أبهم فِي الحَدِيث إِسْنَادًا أَو متْنا من الرِّجَال وَالنِّسَاء، وَهُوَ فن جليل ألَّف فِيهِ غير وَاحِد من الْحفاظ، وَكتاب أبي الْقَاسِم بن بَشْكُوال أجمع مُصَنف فِيهِ. (وَلَا يقبل حَدِيث الْمُبْهم مَا لم يسم) أَي من طَرِيق آخر؛ (لأنّ شَرط قبُول الْخَبَر عَدَالَة رُوَاته) وَكَذَا ضبطهم.

стр. 396

وَمن أبهم اسْمه) أَي وَصفه، (لَا تعرف عينه) أَي ذَاته، (فَكيف عَدَالَته؟ !) أَي فَلَا يعرف كَونه ثِقَة. (وَكَذَا لَا يقبل خَبره) أَي حَدِيثه، وَهُوَ تفنن فِي الْعبارَة حَيْثُ قَالَ مرّة: حَدِيثه، وَمرَّة: خَبره. (وَلَو أبهم) على بِنَاء الْمَجْهُول، (بِلَفْظ التَّعْدِيل، كَأَن يَقُول الرَّاوِي عَنهُ:) أَي عَن الْمَجْهُول: (أَخْبرنِي الثِّقَة؛ لِأَنَّهُ) تَعْلِيل لقَوْله: لَا يقبل، أَي لِأَن الْمَجْهُول الْمَرْوِيّ عَنهُ، (قد يكون ثِقَة عِنْده، مجروحا عِنْد غَيره) قَالَ التلميذ: يلْزم من هَذَا، تَقْدِيم الْجرْح المتوهم على التَّعْدِيل الثَّابِت، وَهُوَ خلاف النّظر، وَقد تقدم على أَنه لَو عرف جرح فِيهِ كَانَ مُخْتَلفا فِيهِ، لَيْسَ بمردود. انْتهى. قلت: الِاخْتِلَاف فرع مَعْرفَته، وَالْكَلَام هُنَا إِنَّمَا هُوَ فِي الْمَجْهُول، وَالْحكم على الْمَجْهُول بِكَوْنِهِ عدلا أَيْضا مَجْهُول، فَلهَذَا خَبره غير مَقْبُول، فَتَأمل فَإِن كَلَامه مَدْخُول. فَإِن قلت: [١٢٤ - أ] الظَّاهِر من عبارَة الْمَتْن أَن الْوَاو هُوَ الدَّاخِلَة

стр. 397

على لَو الوصلية، فَمَا وَجه جعل لَو شَرْطِيَّة بِحَذْف الْجَزَاء، وَجعل الْمَجْمُوع عطفا على مَا قبله؟ قلت: لَعَلَّ وَجهه أَن الحكم الأول: - أَي عدم قبُول حَدِيث الْمُبْهم، إِذا لم يكن بِلَفْظ التَّعْدِيل - اتفاقي. وَالثَّانِي: - أَي عدم قبُول حَدِيث الْمُبْهم بِلَفْظ التَّعْدِيل - اختلافي. وَقَوله: على الْأَصَح، قيد [لَهُ] ، فَلَو أبقى عبارَة الْمَتْن على ظَاهره، توهم أَن الْمَجْمُوع اختلافي. وَقَوله: على الْأَصَح قيد لَهما، وَلِهَذَا قَالَ: (وَهَذَا) أَي الحكم الثَّانِي، (على الْأَصَح فِي الْمَسْأَلَة) أَي مَسْأَلَة حَدِيث الْمُبْهم. (وَلِهَذَا النُّكْتَة) وَهِي الْعلَّة الْمُتَقَدّمَة، (لم يقبل الْمُرْسل وَلَو أرْسلهُ الْعدْل) وصلية، (جَازِمًا بِهِ) أَو حَال كَون الْعدْل قَاطعا بإرساله فِي أَنه فِي حكم إيصاله. (لهَذَا الِاحْتِمَال بِعَيْنِه) أَي لهَذِهِ النُّكْتَة الْمُوجبَة لعدم قبُول خبر الْمُبْهم بِلَفْظ التَّعْدِيل، وَهُوَ احْتِمَال أَن يكون مجروحا، وَذكره تَأْكِيد، وَإِلَّا فيغني عَنهُ قَوْله فِيمَا قبل: وَلِهَذَا النُّكْتَة. (وَقيل: يقبل تمسكا بِالظَّاهِرِ، إِذْ الْجرْح على خلاف الأَصْل، وَقيل: إِن كَانَ الْقَائِل عَالما) أَي مُجْتَهدا، كمالك، وَالشَّافِعِيّ، وَنَحْوهمَا مِمَّن يُمَيّز بَين / الثِّقَة / ٨٨ - أ / وَغَيره. قَالَ التلميذ: مثل قَول الشَّافِعِي: أَخْبرنِي الثِّقَة. (أَجْزَأَ ذَلِك فِي حق من يُوَافقهُ فِي مذْهبه) أَي كفى هَذَا التَّعْدِيل فِي حق

стр. 398

مقلديه فِي مذْهبه، وَعلله ابْن الصّلاح بِأَنَّهُ لَا يُورد ذَلِك احتجاجا بالْخبر على غَيره، بل يذكر لأَصْحَابه قيام الْحجَّة عِنْده على الحكم، وَقد عرف من روى عَنهُ وَاخْتَارَهُ إِمَام الْحَرَمَيْنِ، وَرجحه الرَّافِعِيّ فِي " شرح الْمسند ". (وَهَذَا) أَي القَوْل الْأَخير، (لَيْسَ من مبَاحث عُلُوم الحَدِيث) أَي وَإِنَّمَا ذكره اسْتِطْرَادًا، وموافقة للمقام اسْتِشْهَادًا. (وَالله الْمُوفق) . ( [مَجْهُول الْعين] ) (فَإِن سمي الرَّاوِي) أَي وَوَثَّقَهُ، (وانفراد راو وَاحِد بالرواية عَنهُ، فَهُوَ مَجْهُول [١٢٤ - ب] الْعين) وَهَذَا أحد قسمي الْمقل من الحَدِيث الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ هُنَاكَ بقوله: وَلَو سمي. وَإِنَّمَا ذكره هُنَا تَوْطِئَة لقَوْله الْآتِي: أَو اثْنَان، وَإِلَّا فيكفيه أَن يَقُول فِيمَا قبل: وَقد يكون مقلا، وَهُوَ مَجْهُول الْعين. وَتَسْمِيَة الرَّاوِي الْمُنْفَرد الْمُسَمّى بِالْمَجْهُولِ الْعين مُجَرّد اصْطِلَاح. قَالَ التلميذ: فِي مَجْهُول الْعين [خَمْسَة أَقْوَال صحّح بَعضهم عدم الْقبُول.

стр. 399

انْتهى. وَقَالَ الْجَزرِي: مَجْهُول الْعين] : كل من لم يعرفهُ الْعلمَاء، وَلم يعرف حَدِيثه [إِلَّا من جِهَة راو وَاحِد] قَالَه الْخَطِيب. وَقَالَ ابْن عبد الْبر: [كل] من لم يرو عَنهُ إِلَّا وَاحِد، فَهُوَ مَجْهُول عِنْدهم، إِلَّا أَن يكون مَشْهُورا بِغَيْر حمل الْعلم، كمالك بن دِينَار فِي الزّهْد، وَعَمْرو بن معدي كرب فِي النجدة. قَالَ الْخَطِيب: وَأَقل مَا يرفع الْجَهَالَة أَن يروي [عَن الرجل] اثْنَان [فَصَاعِدا] من الْمَشْهُورين بِالْعلمِ. قَالَ الْحَافِظ أَبُو عَمْرو - يَعْنِي ابْن الصّلاح - مُعْتَرضًا عَلَيْهِمَا: قد خرج البُخَارِيّ عَن مرداس بن مَالك الْأَسْلَمِيّ، وَلم يرو عَنهُ إِلَّا قيس بن أبي حَازِم، وَخرج مُسلم عَن ربيعَة بن كَعْب، وَلم يرو عَنهُ غير أبي سَلمَة، فَدلَّ على خُرُوجه من الْجَهَالَة بِرِوَايَة وَاحِد. وَأجِيب بِأَن مرداسا وَرَبِيعَة صحابيان، وَالصَّحَابَة كلهم عدُول، فَلَا يضر الْجَهْل بأعيانهم، وَبِأَن الْخَطِيب شَرط [فِي الْجَهَالَة] عدم معرفَة الْعلمَاء، وَهَذَانِ مشهوران عِنْد أهل الْعلم، فَلم يُخَالف البُخَارِيّ، وَمُسلم نقل الْخَطِيب. انْتهى. والمرداس من أهل بيعَة الرضْوَان، وَرَبِيعَة من أهل الصّفة على مَا فِي " الْخُلَاصَة ". وَلَعَلَّ المُصَنّف اخْتَار قَول ابْن عبد الْبر، لما أَنه لَا يتَوَهَّم فِيهِ الْإِشْكَال حَتَّى يحْتَاج إِلَى دفع السُّؤَال.

стр. 400

(كالمبهم) أَي فِي الحكم، يَعْنِي: فَلَا يقبل حَدِيث مَجْهُول الْعين كالمبهم، (إِلَّا أَن يوثقه) بِالتَّشْدِيدِ، أَي يُزَكِّيه أحد من أَئِمَّة الْجرْح وَالتَّعْدِيل، (غير من ينْفَرد عَنهُ على الْأَصَح، كَذَا) أَي الحكم على الْأَصَح إِذا زَكَّاهُ (من ينْفَرد) [وَفِي نُسْخَة: من انْفَرد] (عَنهُ) . قَالَ التلميذ: [١٢٥ - أ] هَذَا اخْتِيَار ابْن الْقطَّان، وَقيد الموثق بِكَوْنِهِ من أَئِمَّة الْجرْح و / ٨٨ - ب / التَّعْدِيل، وَقد أهمله المُصَنّف، ثمَّ يُقَال: إِن كَانَ الَّذِي انْفَرد عَنهُ راو وَاحِد من التَّابِعين، يَنْبَغِي أَن يقبل خَبره، وَلَا يضرّهُ مَا ذكر؛ لأَنهم قبلوا الْمُبْهم من الصَّحَابَة، وقبلوا مُرْسل الصَّحَابِيّ، وَقَالُوا: كلهم عدُول. وَاسْتدلَّ الْخَطِيب فِي " الْكِفَايَة " على ذَلِك بِحَدِيث: " خير الْقُرُون قَرْني ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ " وَهَذَا الدَّلِيل بِعَيْنِه جَار فِي التَّابِعِيّ، فَيكون / الأَصْل الْعَدَالَة إِلَى أَن يقوم دَلِيل الْجرْح، وَالْأَصْل لَا يتْرك للاحتمال، وَالله أعلم. (إِذا كَانَ متأهلا لذَلِك) أَي لتزكيته، فَحِينَئِذٍ يخرج عَن اسْم الْجَهَالَة، وَهُوَ مُخْتَار أبي الْحسن بن الْقطَّان كَمَا سبق. قَالَ التلميذ: وَقد يُقَال مَا الْفرق بَين من ينْفَرد عَنهُ، وَبَين غَيره حَتَّى يشْتَرط تأهل غير الْمُنْفَرد للتوثيق دون الْمُنْفَرد؟ ! انْتهى. وَالصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ أَكثر الْعلمَاء من أهل الحَدِيث وَغَيرهم، أَنه لَا يقبل مُطلقًا، وَقيل: يقبل مُطلقًا، وَقيل: إِن كَانَ الْمُنْفَرد بالرواية عَنهُ لَا يروي إِلَّا عَن عدل، كَابْن

стр. 401

مهْدي، وَيحيى بن سعيد، قبل وَإِلَّا فَلَا، وَقيل: إِن كَانَ مَشْهُورا فِي غير الْعلم كالزهد، والشجاعة، يخرج عَن اسْم الْجَهَالَة، وَيقبل حَدِيثه وَإِلَّا فَلَا. ( [مَجْهُول الْحَال = المستور] ) هَذَا، (أَو إِن روى [عَنهُ] اثْنَان فَصَاعِدا وَلم يوثق) ، قَالَ التلميذ: قيدهما ابْن الصّلاح بكونهما عَدْلَيْنِ، حَيْثُ قَالَ: وَمن روى عَنهُ عَدْلَانِ [وَعَيناهُ] فقد ارْتَفَعت عَنهُ هَذِه الْجَهَالَة، أَعنِي جَهَالَة الْعين. وَقَالَ الْخَطِيب: أقل مَا يرفع الْجَهَالَة [عَنهُ] رِوَايَة اثْنَيْنِ مشهورين بِالْعلمِ، وَالْمُصَنّف أهمل ذَلِك. انْتهى. ثمَّ الظَّاهِر من إِظْهَار " إِن "، أَنه مَعْطُوف على: سمى، فَلَا يظْهر اعْتِبَار التَّسْمِيَة هَهُنَا لَا وجود وَلَا عدما، بل الظَّاهِر حِينَئِذٍ هُوَ الْإِطْلَاق، وَيحْتَمل أَن يَجْعَل عطفا على قَوْله: انْفَرد، بِأَن يقدر [١٢٥ - ب] لَفْظَة روى، كَمَا هُوَ ظَاهر عبارَة الْمَتْن، فَيكون التَّقْدِير: أَو إِن سمي وَرُوِيَ عَنهُ اثْنَان، بِدُونِ كلمة " إِن "، فَيلْزم اعْتِبَار التَّسْمِيَة فِيهِ أَيْضا، وَهَذَا مِمَّا يدل على اعْتِبَار التَّسْمِيَة، فِيهِ أَن مُطلق الرَّاوِي الْمُنْفَرد مَجْهُول الْعين، سمي أَو لم يسم، فَذكر التَّسْمِيَة فِيهِ مشْعر بِاعْتِبَارِهِ فِيمَا هُوَ تَوْطِئَة لَهُ، لَكِن لَا يعلم حَال: " اثْنَان فَصَاعِدا، و [لم] يوثق " مَعَ تَسْمِيَتهَا.

стр. 402

(فَهُوَ مَجْهُول الْحَال) أَي من الْعَدَالَة وضدها، مَعَ عرفان عينه بِرِوَايَة عَدْلَيْنِ عَنهُ، ذكره السخاوي. [وَحَاصِله: أَن جَهَالَة الْعين ارْتَفَعت بِرِوَايَة اثْنَيْنِ، لِأَنَّهُ مَا لم يوثق بِهِ يبْقى مَجْهُول الْحَال] . (وَهُوَ المستور) الظَّاهِر أَنه أدرج فِيهِ قسمي مَجْهُول الْحَال، وسمى كلا مِنْهُمَا مَسْتُورا، [وَإِن كَانَ ابْن الصّلاح وَغَيره سمى الْأَخير مَسْتُورا لوُجُود السّتْر فِي كل مِنْهُمَا] وهما مَجْهُول الْعَدَالَة الظَّاهِرَة، والبطانة. [ومجهول الْعَدَالَة الْبَاطِنَة دون الظَّاهِرَة] . وَالْمرَاد بالباطنة مَا فِي نفس الْأَمر، وَهِي الَّتِي ترجع إِلَى أَقْوَال المزكين، وبالظاهرة مَا يعلم من ظَاهر الْحَال. (وَقد قبل رِوَايَته) أَي المستور، (جمَاعَة) مِنْهُم أَبُو حنيفَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، (بِغَيْر قيد) يَعْنِي بعصر دون عصر ذكره السخاوي. وَقيل: أَي بِغَيْر قيد التوثيق وَعَدَمه، وَفِيه أَنه إِذا وثق خرج عَن كَونه مَسْتُورا، فَلَا يتَّجه قَوْله: بِغَيْر قيد. وَاخْتَارَ هَذَا القَوْل، ابْن حبَان تبعا للْإِمَام الْأَعْظَم؛ إِذا الْعدْل عِنْده: من لَا يعرف فِيهِ الْجرْح، قَالَ: وَالنَّاس فِي أَحْوَالهم على الصّلاح وَالْعَدَالَة حَتَّى يتَبَيَّن مِنْهُم مَا يُوجب الْقدح، وَلم يُكَلف النَّاس مَا غَابَ عَنْهُم، وَإِنَّمَا كلفوا الحكم للظَّاهِر، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تجسسوا﴾ وَلِأَن [أَمر] الْأَخْبَار مَبْنِيّ على الظَّن، و (إِن بعض الظَّن

стр. 403

إِثْم﴾ ، وَلِأَنَّهُ يكون غَالِبا عِنْد من يتَعَذَّر عَلَيْهِ معرفَة الْعَدَالَة [١٢٦ - أ] فِي الْبَاطِن، فاقتصر فِيهَا على معرفَة ذَلِك فِي الظَّاهِر، [وتفارق الشَّهَادَة، فَإِنَّهَا تكون عِنْد الْحُكَّام وَلَا يتَعَذَّر عَلَيْهِم ذَلِك فَاعْتبر فِيهَا الْعَدَالَة فِي الظَّاهِر] / وَالْبَاطِن. قَالَ ابْن الصّلاح: يشبه أَن يكون الْعَمَل على هَذَا الرَّأْي، فِي كثير من كتب الحَدِيث الْمَشْهُورَة، فِي غير وَاحِد من الروَاة الَّذين تقادم الْعَهْد بهم، وتعذرت الْخِبْرَة الْبَاطِنَة بهم، فاكتفي بظاهرهم، وَقيل: إِنَّمَا قبل أَبُو حنيفَة ﵀ فِي صدر الْإِسْلَام حَيْثُ كَانَ الْغَالِب على النَّاس الْعَدَالَة، فَأَما الْيَوْم فَلَا بُد من التركيز لغَلَبَة الْفسق، وَبِه قَالَ صَاحِبَاه أَبُو يُوسُف، وَمُحَمّد. وَحَاصِل الْخلاف: أَن المستور من الصَّحَابَة، وَالتَّابِعِينَ وأتباعهم، يقبل بِشَهَادَتِهِ صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم لَهُم بقوله: " خير الْقُرُون قَرْني، ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ " وَغَيرهم لَا يقبل إِلَّا بتوثيق، وَهُوَ تَفْصِيل حسن. (وردهَا) أَي رِوَايَة المستور، (الْجُمْهُور) وَقَالُوا: لَا تقبل رِوَايَة المستور، للْإِجْمَاع على أَن الْفسق يمْنَع الْقبُول، فَلَا بُد من ظن عَدمه وَكَونه عدلا، وَذَلِكَ مغيب عَنَّا، وَقيل: إِن كَانَ الراويان أَو الروَاة عَنهُ مِمَّن لَا يروي عَن غير عدل قبل، وَإِلَّا فَلَا.

стр. 404

(وَالتَّحْقِيق أَن رِوَايَة المستور، وَنَحْوه) أَي من الْمُبْهم ومجهول الْعين (مِمَّا فِيهِ الِاحْتِمَال) أَي احْتِمَال الْعَدَالَة وضدها، (لَا يُطلق القَوْل بردهَا وَلَا بقبولها) وَلَعَلَّ هَذَا مُقَيّد بِمَا عدا السّلف، (بل هِيَ) أَي رِوَايَته، (مَوْقُوفَة) أَي عَن الحكم بهَا. (إِلَى استبانة حَاله) أَي ظُهُورهَا من التوثيق وَغَيره، (كَمَا جزم) أَي بِالْوَقْفِ (إِمَام الْحَرَمَيْنِ) وَرَأى أَنا إِذا كُنَّا نعتقد على شَيْء، يَعْنِي مِمَّا لَا دَلِيل فِيهِ بِخُصُوصِهِ، بل للجري على الْإِبَاحَة الْأَصْلِيَّة، فروى لنا مَسْتُور تَحْرِيمه، أَنه يجب الانكفاف عَمَّا كُنَّا نستحله إِلَى تَمام الْبَحْث عَن حَال الرَّاوِي، قَالَ: وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوف من عَادَتهم وشيمهم، وَلَيْسَ ذَلِك حكما مِنْهُم بالحظر الْمُرَتّب على [١٢٦ - ب] الرِّوَايَة، وَإِنَّمَا هُوَ توقف فِي الْأَمر، فالتوقف عَن الْإِبَاحَة يتَضَمَّن الانحجاز، وَهُوَ فِي معنى الْحَظْر، وَذَلِكَ مَأْخُوذ من قَاعِدَة فِي التشريعة ممهدة وَهِي: التَّوَقُّف عِنْد بَدو ظُهُور الْأَمر إِلَى استبانتها، فَإِذا ثبتَتْ الْعَدَالَة، فَالْحكم بالرواية / ٨٩ - ب / إِذْ ذَاك، وَلَو فرض فارض التباس حَال الرَّاوِي، واليأس عَن الْبَحْث عَنْهَا بِأَن يروي مَجْهُول ثمَّ يدْخل فِي غمار النَّاس، ويعز العثور عَلَيْهِ، فَهُوَ مسالة اجتهادية عِنْدِي، وَالظَّاهِر أَن الْأَمر إِذا انْتهى إِلَى الْيَأْس [لم يجب الانكفاف،] وانقلبت الْإِبَاحَة كَرَاهِيَة،، كَذَا ذكره السخاوي.

стр. 405

(وَنَحْوه) مُبْتَدأ أَي نَحْو القَوْل بِالْوَقْفِ؛ (قَول ابْن الصّلاح فِيمَن جرح بِجرح غير مُفَسّر) أَي غير معِين ومبين، بِأَن لم يذكر سَببه، بل اقْتصر فِيهِ على مُجَرّد فلَان ضَعِيف، اَوْ نَحوه، وَأَنت خَبِير بِأَن هَذَا إِنَّمَا يكون فِيمَا يبْنى على الْيَقِين لَا على الظَّن الْغَالِب، وَهَذَا مِمَّا يبْنى على الظَّن كَمَا مر. ( [الْبِدْعَة وَرِوَايَة المبتدعه] ) (ثمَّ الْبِدْعَة، وَهِي السَّبَب التَّاسِع من أَسبَاب الطعْن فِي الرَّاوِي وَهِي) أَي الْبِدْعَة، (إِمَّا أَن تكون بمكفر) ضبط بِالتَّشْدِيدِ أَي بِمَا ينْسب صَاحبه إِلَى الْفِكر، وَفِي / " تَحْقِيق الحسامي ": قَوْلهم: يكفر جاحده، بِإِسْكَان الْكَاف أَي ينْسب إِلَى الْكفْر، من أكفره إِذا دَعَاهُ كفرا، وَمِنْه " لَا تكفرُوا أهل قبلتكم "، وَأما بِالتَّشْدِيدِ، فَغير ثَابت رِوَايَة، وَإِن كَانَ جَائِزا لُغَة، قَالَ الْكُمَيْت يُخَاطب رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، وَأهل بَيته: (وَطَائِفَة قد أكفروني بحبكم ... وَطَائِفَة قَالُوا: مسئ ومذنب) (وَمَالِي إِلَّا آل أَحْمد شيعَة ... وَمَالِي إِلَّا مشعب الْحق مشعب)

стр. 406

كَذَا فِي " الْمغرب ". (كَأَن يعْتَقد مَا يسْتَلْزم الْكفْر) وَهُوَ بِظَاهِرِهِ أَعم مِمَّا اتّفق على التَّكْفِير بهَا كالقول بحلول الإلهية فِي عَليّ وَنَحْوه، أَو اخْتلف فِي التفكير بهَا [١٢٧ - أ] كالقول بِخلق الْقُرْآن، قَالَ التلميذ: فِي التَّكْفِير باللازم كَلَام لأهل الْعلم، وَقد قَالَ الشَّيْخ مُحي الدّين فِي " التَّقْرِيب والتيسير ": من كفر ببدعة، لم يحْتَج بِهِ بالِاتِّفَاقِ، وَمن لم يكفر قيل: لَا يحْتَج بِهِ مُطلقًا، وَقيل يحْتَج بِهِ إِن لم يكن مِمَّن يَسْتَحِيل الْكَذِب فِي نصْرَة مذْهبه، أَو لأهل مذْهبه، وَحكي هَذَا [عَن] الشَّافِعِي، وَقيل: يحْتَج بِهِ إِن لم يكن دَاعِيَة [إِلَى بدعته] ، وَلَا يحْتَج بِهِ إِن كَانَ دَاعِيَة، وَهَذَا هُوَ الْأَظْهر الأعدل، وَقَول الْكثير أَو الْأَكْثَر. وَضعف الأول باحتجاج صَاحِبي الصَّحِيحَيْنِ، وَغَيرهم بِكَثِير من المبتدعة غير الدعاة. (أَو بمفسق) أَرَادَ بِالْفِسْقِ غير الْكفْر بِقَرِينَة الْمُقَابلَة، وَإِلَّا فالفسق أَعم، وَالْمعْنَى أَن بدعته تنسبه إِلَى الْفسق، وَهُوَ الْخُرُوج عَن الطَّاعَة بالاعتقاد الْفَاسِد. (فَالْأول) وَهُوَ من تَقْتَضِي بدعته التَّكْفِير، (لَا يقبل صَاحبهَا الْجُمْهُور) قدم الْمَفْعُول اهتماما بِشَأْنِهِ، إِذْ الْمَقْصُود عدم مقبوليته من أَي شخص كَانَ.

стр. 407

(وَقيل: يقبل) بِصِيغَة الْمَفْعُول، (مُطلقًا) أَي سَوَاء اعْتقد حل الْكَذِب لنصرته [أَو لَا، وَكَانَ] الأولى تَأْخِير هَذَا القَوْل عَن قَوْله: (وَقيل: إِن كَانَ لَا يعْتَقد حل الْكَذِب لنصرة مقَالَته) / ٩٠ - أ / أَي الاعتقادية فِي مذْهبه، (قبل) يَعْنِي وَإِن استحله كالخطابية لم يقبل، وهم قوم ينسون إِلَى أبي الْخطاب، وَهُوَ رجل كَانَ بِالْكُوفَةِ يعْتَقد أَن عليا الْإِلَه الْأَكْبَر، وجعفر الصَّادِق الْإِلَه الْأَصْغَر، تَعَالَى الله عَمَّا يَقُول الظَّالِمُونَ علوا كَبِيرا، وَأَخذه الله نكال الْآخِرَة وَالْأولَى، كَذَا فِي " مشكلات الْقَدُورِيّ ". هَذَا، وَلم يحك ابْن الصّلاح فِيهِ خلافًا، وَصرح بِعَدَمِ الْخلاف النَّوَوِيّ وَغَيره، والخطيب يَحْكِي الْخلاف عَن جمَاعَة من أهل الْعقل، والمتكلمين. قَالَ الْجَزرِي: لَا تقبل رِوَايَة المبتدع ببدعة مكفرة بالِاتِّفَاقِ، وَأما المبتدع [١٢٧ - ب] بغَيْرهَا، فَفِيهِ ثَلَاثَة، أَقْوَال. انْتهى. وَهُوَ الصَّحِيح. (وَالتَّحْقِيق أَنه لَا يرد كل مكفر ببدعة، لِأَن كل طَائِفَة تَدعِي أَن مخالفيها مبتدعة، وَقد تبالغ فتكفر مخالفيها، فَلَو أَخذ ذَلِك) أَي الرَّد، (على الْإِطْلَاق) بِأَن يُرَاد كل مَا يكفر، (لاستلزم تَكْفِير جَمِيع الطوائف) وَفِيه أَنه لَا يلْزم ذَلِك إِلَّا

стр. 408

فِي وَقت الْمُبَالغَة، فَهَذَا أَيْضا لَيْسَ على الْإِطْلَاق. وَقَالَ شَارِح: وَأَنت خَبِير بِأَن الْمُعْتَبر مَا هُوَ فِي نفس الْأَمر من الْبِدْعَة المكفرة، لَا عِنْد الْمُخَالف، فَلَا يلْزم تَكْفِير أهل الْحق، وَلَا رد روايتهم. انْتهى. والأصوب أَن / يَقُول: لَا يسْتَلْزم رد جَمِيع الطوائف، إِذْ هُوَ الْمُتَرَتب على أَخذ الرَّد على الْإِطْلَاق لَا مَا ذكره، وَأَيْضًا هُوَ الْمَقْصُود من سوق الْكَلَام وَحِينَئِذٍ، لَا يَتَرَتَّب مَحْذُور، وَلَا يَتَأَتَّى مَحْظُور، فَلَا يقبل قَول جَمِيع المبتدعة، كَمَا لَا يقبل خبر الفسقة، بل هم أولى بِعَدَمِ الْقبُول، لِأَن فسقهم أقبح، وتعصبهم أوضح. (فَالْمُعْتَمَد) أَي فَالْقَوْل الْمُعْتَمد، (أَن الَّذِي ترد رِوَايَته، من أنكر) أَي الرَّد الْقطعِي الَّذِي مُوجبه الْبِدْعَة، لَيْسَ إِلَّا لمن أنكر (أمرا متواترا من الشَّرْع مَعْلُوما من الدّين بِالضَّرُورَةِ) أَي مِمَّا يعلم بطرِيق الْيَقِين، لاشتهاره بِكَوْنِهِ من الدّين، كالصلوات الْخمس، وَالْحج، لِأَنَّهُ يعلم ببديهة الْعقل، كَمَا تقرر فِي علم الْكَلَام. وَإِنَّمَا قيدنَا الرَّد بالقيود الْمُتَقَدّمَة، لِأَنَّهُ الرَّد لَيْسَ بمنحصر فِيمَا ذكر، وَقَوْلنَا: الْقطعِي، إِشَارَة إِلَى أَن من لم يُنكر مَا تَوَاتر من الشَّرْع - إِذا لم يكن ضابطا ورعا - يرد أَيْضا، كَمَا يدل عَلَيْهِ قَوْله الْآتِي: فَأَما من لم يكن ... إِلَخ. (وَكَذَا من اعْتقد عَكسه) أَي من لم يكتف بِمُجَرَّد الْإِنْكَار بل اعْتقد عَكسه،

стр. 409

فَإِنَّهُ أولى بِالرَّدِّ كَمَا لَا يخفى، وَأما قَول محش: فَإِن الْإِنْكَار الْمَذْكُور، والاعتقاد الْمَذْكُور، متلازمان لِأَن إِنْكَار أَمر [١٢٨ - أ] يسْتَلْزم اعْتِقَاد نقيضه، وَبِالْعَكْسِ، فَمَمْنُوع، إِذْ يحْتَمل التَّوَقُّف وَالتَّفْصِيل، والاعتقادُ الثَّالِث خَارج عَنْهُمَا. (فَأَما من لم يكن بِهَذِهِ الصّفة) أَي الْمَذْكُورَة من الْبِدْعَة الَّتِي تَردُّ رِوَايَته لإنكاره الْمَعْلُوم من الدّين بِالضَّرُورَةِ. (وانضم إِلَى ذَلِك) / ٩٠ - ب / أَي مَا ذكر من عدم الرَّد، (ضبطُه لما يرويهِ مَعَ ورعه) الأولى ترك ذكر ورعه، فَإِنَّهُ لَا يشْتَرط فِي الْقبُول، فَيحمل عِبَارَته على الْعَطف التفسيري. (وتقواه، فَلَا مَانع من قبُوله) أَي مَعَ مُجَرّد كَونه من أهل الْبدع، وَفِيه أَنه فسر التَّقْوَى فِي بَيَان تَعْرِيف الصَّحِيح، بالاجتناب من الْأَعْمَال السَّيئَة من شرك أَو فسق أَو بِدعَة، فَلَا يجْتَمع التَّقْوَى مَعَ الْكفْر والبدعة. وَيُمكن أَن يكون المُرَاد بالتقوى الْمَعْنى، الْعرفِيّ مِنْهُ، أَي الاجتناب عَن الْأَفْعَال السَّيئَة الظَّاهِرَة، وَلَا مُنَافَاة بَينه وَبَين الْبِدْعَة فِي الِاعْتِقَاد، أَو يُقَال: المُرَاد بالتقوى مَا عدا الْبِدْعَة، بِقَرِينَة السِّيَاق، فَإِن الْكَلَام فِي الْبِدْعَة. (وَالثَّانِي وَهُوَ) أَي صَاحبه، (من لَا تَقْتَضِي بدعته التَّكْفِير أصلا) أَي لَا اتِّفَاقًا وَلَا اخْتِلَافا، (وَقد اختُلَف أَيْضا فِي قبُوله ورده) أَي على ثَلَاثَة أقاويل.

стр. 410

(فَقيل: يُردُّ مُطلقًا) أَي سَوَاء كَانَ دَاعيا إِلَى بدعته أوْ لَا، وَسَوَاء كَانَ مُعْتَقدًا حل الْكَذِب لنصرة مقَالَته أم لَا. وَهَذَا القَوْل محكي عَن مَالك وَغَيره، لِأَنَّهُ فَاسق ببدعته. وَاتَّفَقُوا على رد الْفَاسِق بِغَيْر تَأْوِيل، فَيلْحق بِهِ المتأوِّل إِذْ لَا يَنْفَعهُ التَّأْوِيل. (وَهُوَ بعيد) قَالَ ابْن الصّلاح: وَهُوَ بعيد مباعد للشائع عَن أَئِمَّة الحَدِيث، فَإِن كتبهمْ طافحة بالرواية عَن المبتدعة غير الدعاة. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ كثير من أَحَادِيثهم فِي الشواهد وَالْأُصُول. انْتهى. وَلَا يبعد عدم اطلَاع الْمُحدثين على بدعتهم وهم معذورون فِي ذَلِك لخفاء مَا فِي [١٢٨ - ب] الْبَاطِن من اعْتِقَاد السوء، وَالْحكم بِالظَّاهِرِ من مُلَازمَة التَّقْوَى. / (وَأكْثر مَا عُلِّلَ بِهِ) أَي أَكثر مَا يُقَال فِي تَعْلِيله والاستدلالِ عَلَيْهِ، (أَن فِي الرِّوَايَة عَنهُ) أَي عَن المبتدع، (ترويجاً لأَمره وتنويهاً) أَي تفخيماً (بِذكرِهِ) أَي وَهُوَ وَاجِب الإهانة، واعتُرض عَلَيْهِ بِأَن هَذَا دليلٌ وَاحِد، فَمَا معنى كثرته فضلا عَن أكثريته؟ ! وَأجِيب بِأَن أكثريته بِاعْتِبَار كَثْرَة المستدلين، وَكَثْرَة استدلالاتهم وتلفظهم فِيمَا بَينهم، فَلَو قَالَ: - بدل قَوْله: أَكثر - أقوى، لَكَانَ أولى (وعَلى هَذَا) إِشَارَة إِلَى الِاعْتِرَاض على مَا علل. (فَيَنْبَغِي أَن لَا يُروى عَن مُبْتَدع شَيْء يُشَارِكهُ فِيهِ غير مُبْتَدع) وَفِيه أَن هَذَا قد يجوز لأجل التقوية كَمَا فِي التوابع والشواهد، وَلَعَلَّ مَا وَقع فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من هَذَا الْقَبِيل، بِخِلَاف غَيره.

стр. 411

وَحَاصِله: أَن المُرَاد بالترويج والتنويه فِيمَا إِذا لم يُشَارِكهُ غير مُبْتَدع أَكثر وَأَشد مِمَّا إِذا شَاركهُ، وَهَذِه الْمرتبَة من الترويج والتنويه قَبِيح يَنْبَغِي أَن لَا يفعل، لَا مُطلق الترويج والتنويه قَبِيح، وَهِي المُرَاد فِي الدَّلِيل. / ٩١ - أ / (وَقيل تقبل مُطلقًا) أَي سَوَاء كَانَ دَاعيا أم لَا، لَكِن بِشَرْط أَن يكون متقياً، لِأَن تدينه وَصدق لهجته الَّذِي عَلَيْهِ مدَار الرِّوَايَة يمنعهُ عَن الْكَذِب. (إِلَّا أَن) وَفِي نُسْخَة: إِذا (اعْتقد حِلّ الْكَذِب كَمَا تقدم) أَي فَحِينَئِذٍ لَا يقبل، وَهُوَ ظَاهر، لِأَن حِلّ الْكَذِب يُنَافِي قبُول الرِّوَايَة، وَعَزاهُ بَعضهم إِلَى الإِمَام الشَّافِعِي لقَوْله: أقبل شَهَادَة [أهل] الْأَهْوَاء إِلَّا الخَطَّابِية، لأَنهم يَرَوْن الشَّهَادَة بالزور لموافقيهم، وَفِيه أَنه إِذا اعْتقد حل الْكَذِب صَار كَافِرًا، والمفروض [أَن] بدعته لَيْسَ مِمَّا يَقْتَضِي الْكفْر. هَذَا، وَقَالَ الْحَافِظ السُّيُوطِيّ فِي " الدِّرَايَة شرح النقاية ": إِن المبتدع إنْ كُفِر [١٢٩ - أ] فَوَاضِح أَن لَا يقبل، إِن لم يُكْفر قُبِل، وَإِلَّا لَأَدَّى إِلَى رد كثير من أَحَادِيث الْأَحْكَام مِمَّا رَوَاهُ الشِّيعَة والقَدَرِيَّة وَغَيرهم، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ من روايتهم مَا لَا يُحْصى، وَلِأَن بدعتهم مقرونةٌ بالتأويل مَعَ مَا هم عَلَيْهِ من الدّيانَة والصيانة، والتحرز عَن الْخِيَانَة، نعم، سابّ الشَّيْخَيْنِ والرافضةُ لَا يُقبَلون كَمَا جزم بِهِ الذَّهَبِيّ

стр. 412

فِي أول الْمِيزَان، قَالَ: مَعَ أَنه لَا يعرف مِنْهُم صَادِق بل الْكَذِب شعارهم، والتقية والنفاق دِثَارُهُم. (وَقيل: يقبل مَن لم يكن دَاعِيَة) أَي دَاعيا (إِلَى بدعته) وَالتَّاء للنَّقْل من الوصفية إِلَى الاسمية، لِأَنَّهُ جُعِل فِيمَا بَينهم اسْما لمن يَدْعُو إِلَى بدعته، وتعديته ب: " إِلَى " بِاعْتِبَار مَعْنَاهُ الْأَصْلِيّ، وَقيل: يُمكن أَن تكون التَّاء للْمُبَالَغَة، وَالْمرَاد الْمَعْنى الوصفي وَحِينَئِذٍ لَا إِشْكَال فِي تعلق إِلَى، لَكِن يرد عَلَيْهِ أَن ذَلِك مَخْصُوص بِصِيغَة الْمُبَالغَة مثل علاَّمة. وَيُمكن أَن يُقَال: إِن الداعية مصدر كالطاغية، وَإِن الْمُبَالغَة مستفادة من

стр. 413

الْحمل كَرجل عدل، مَعَ زِيَادَة [تَاء] الداعية إِلَى ذَلِك، وَإِنَّمَا قيد بالمبالغة لِأَن كل صَاحب بِدعَة يَدْعُو بِلِسَان الْحَال إِلَى بدعته. وَالْمرَاد هُنَا مَنْ يُظهِره بِلِسَان القال فَهُوَ مبالغ بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيره. (لِأَن) هَذَا تَعْلِيل لما يتضمنه الْكَلَام الْمَذْكُور من أَنه لَا يقبل من كَانَ دَاعِيَة؛ / لِأَن (تَزْيِين بدعته) ورغبته فِي اتِّبَاع النَّاس لأهويته، (قد يحملهُ) أَي يَبْعَثهُ (على تَحْرِيف الرِّوَايَات) أَي فِي اللَّفْظ، (وتسويتها على مَا يَقْتَضِيهِ مذْهبه) أَي فِي الْمَعْنى، وَقد ورد: " حُبُّكَ الشَّيْء يُعمِي ويُصِمّ " وَفِيه: أَنه إِنَّمَا يُفِيد التَّعْلِيل الْمَذْكُور عدم قبُول من كَانَ دَاعِيَة إِذا روى مَا يُقَوي مذهَبه، وَالْمَقْصُود أَنه مَرْدُود مُطلقًا، وَإِلَّا، فَغير الداعية من المبتدعة إِذا [١٢٩ - ب] روى مَا يقوِّي مذْهبه يرد، كَمَا سَيذكرُهُ بعيد ذَلِك، وَلَو أُريد بِمَا يَقْتَضِي مذْهبه / ٩١ - ب / مَا لَا يُنَافِيهِ لَا يدْفع الشُّبْهَة.

стр. 414

(وَهَذَا) أَي القَوْل الْأَخير فِي الشَّرْح، وَهُوَ الْمَذْكُور فِي الْمَتْن لَا غير (فِي الْأَصَح) . قَالَ ابْن الصّلاح: وَهَذَا الْمَذْهَب أعدل الْمذَاهب وأولاها، وَهُوَ قَول الْأَكْثَر من الْعلمَاء. وَقَالَ الجرزي: قيل إِن كَانَ دَاعِيَة لمذهبه لم يقبل [وَإِلَّا قبل] ، وَهَذَا الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَر وَهُوَ الْمُخْتَار، وَنقل ابْن حِبَّان اتِّفَاقهم عَلَيْهِ. (وَأغْرب ابْن حبَّان) أَي أَتَى بقول غَرِيب، (فادّعى الِاتِّفَاق على قبُول غير الداعية) . قَالَ محشِ: وَهَذَا الْكَلَام مُتَعَلق بِمَا قبله وَمَا بعده، فإنّ معنى قَوْله: (من غير تَفْصِيل) بَين أَن يكون دَاعيا أم لَا، وَبَين أَن يكون رَاوِيا لما يُقَوي مذْهبه أوْلا. انْتهى. وَهُوَ غير صَحِيح لما تقدم عَنهُ من نقل الجرزي، فَالصَّوَاب أَن معنى قَوْله: من غير تَفْصِيل: بَين مَا يقوى بدعته، وَمَا لَا يُقَوي. (نعم، الْأَكْثَر على قبُول غير الدَّاعِي) أَي مُطلقًا فَيحمل اتفاقُهم فِي قَوْله، على اتِّفَاق الْأَكْثَر. (إِلَّا إِن رَوَى) أَي من لم يكن دَاعِيَة، نظرا إِلَى الْمَتْن، أَو غير الدَّاعِي، نظرا إِلَى الشَّرْح ومآلهما وَاحِد، (مَا يُقَوي) بِالتَّشْدِيدِ أَي يُؤَيّد (بدعته، فَيُرَدُّ) أَي حِينَئِذٍ (على الْمَذْهَب الْمُخْتَار) . قَالَ ابْن حبَان فِي تَرْجَمَة جَعْفَر بن سُلَيْمَان الضُّبَعي من ثقاته: لَيْسَ بَين

стр. 415

أهل الحَدِيث من أَئِمَّتنَا خلافٌ أَن الصدوق المتقن إِذا كَانَ فِيهِ بِدعَة، وَلم يكن يَدْعُو إِلَيْهَا أَن الِاحْتِجَاج بأخباره جَائِز، فَإِذا دَعَى إِلَيْهِ سقط الِاحْتِجَاج بأخباره. وَلَيْسَ صَرِيحًا فِي الِاتِّفَاق لَا مُطلقًا، وَلَا بِخُصُوص الشَّافِعِيَّة، وَلَكِن الَّذِي اقْتصر عَلَيْهِ ابْن الصّلاح فِي العزوِ لَهُ الشق الثَّانِي، فَقَالَ: قَالَ ابْن حبَان: الداعية إِلَى الْبدع، لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ عِنْد أَئِمَّتنَا قاطبة، لَا أعلم بَينهم فِيهِ اخْتِلَافا، على أَنه مُحْتَمل أَيْضا لإِرَادَة الشَّافِعِيَّة على [١٣٠ - أ] مَا ذكره السخاوي (وَبِه) أَي بِهَذَا الْمَذْهَب الْمُخْتَار، (صرح الْحَافِظ أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن يَعْقُوب الجُوزَجَاني) بِضَم جِيم، وَسُكُون وَاو، وَفتح زَاي، (شيخ أبي دَاوُد والنسَائي) وَالْأولَى إِلْحَاق أبي دَاوُد فِي الشَّرْح بعد تَمام الْمَتْن، وَلَعَلَّه قُدِّم لتقدم رتبته (فِي كِتَابه) أَي الجُوزَجاني، وَفِي نُسْخَة فِي كتاب (" معرفَة الرِّجَال ") قَالَ محشٍ اسْم كتاب. انْتهى. وَهُوَ أَنه يحْتَمل الْجَرّ على الْبَدَلِيَّة، وَالرَّفْع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، وَالنّصب، بِتَقْدِير أَعنِي، أَو يَعْنِي، وَهُوَ يُؤَيّد نُسْخَة فِي كِتَابه بِالْإِضَافَة إِلَى / الضَّمِير. (فَقَالَ فِي وصف الروَاة: فَمنهمْ) أَي الروَاة غير الْكَفَرَة والداعية (زائغ) أَي مُبْتَدع مائل (عَن الْحق - أَي عَن السّنة -) أَي عَن الْحق الْمَفْهُوم من السّنة، وَإِنَّمَا

стр. 416

قَيده بهَا لِأَن أَكثر زيغهم لأجل عدولهم عَن السّنة المبينة لما فِي الْكتاب. (صَادِق اللهجة) أَي اللِّسَان أَو الْكَلَام، وَالْمرَاد بهَا / ٩٢ - أ /. قَالَ السخاوي: قد جرى فِي النَّاس حَدِيثه لكنه مخذول فِي بدعته، مَأْمُون فِي رِوَايَته. (فَلَيْسَ فِيهِ) أَي فِي حَقه وَفِي شَأْن رِوَايَته إِذا كَانَ عدلا، (حِيلَة) أَو لَيْسَ فِي دَفعه علاج، (إِلَّا أَن يُؤْخَذ من حَدِيثه مَا لَا يكون مُنْكرا) وَقد تقدم تَعْرِيفه، (إِذا لم يقو) أَي لم يُؤَيّد (بِهِ) أَي بنقله (بدعته) وَأما إِذا كَانَ يقويها بِهِ فَلَا، لأَنا لَا نَأْمَن عَلَيْهِ من غَلَبَة الْهوى. (انْتهى) . قَالَ التلميذ: ظَاهر هَذَا قبُول رِوَايَة المبتدع إِذا كَانَ ورعا فِيمَا عدا الْبِدْعَة، ضابطا صَادِقا سَوَاء كَانَ دَاعِيَة أَو غير دَاعِيَة، إِلَّا فِيمَا يتَعَلَّق ببدعته. (وَمَا قَالَه) أَي الْجوزجَاني، (مُتَّجه) بتَشْديد الْفَوْقِيَّة، أَي حسن مُتَوَجّه مَقْبُول، (لِأَن الْعلَّة الَّتِي بهَا يرد حَدِيث الداعية) وَهِي أَن تَزْيِين بدعته يحملهُ على تَحْرِيف الرِّوَايَات، وتسويتها على مَا يَقْتَضِي مذْهبه، (وَارِدَة فِيمَا إِذا كَانَ ظَاهر الْمَرْوِيّ [١٣٠ - ب] يُوَافق مَذْهَب المبتدع، وَلَو لم يكن دَاعِيَة، وَالله سُبْحَانَهُ أعلم) .

стр. 417

( [سوء الْحِفْظ] ) (ثمَّ سوء الْحِفْظ، وَهُوَ السَّبَب الْعَاشِر من أَسبَاب الطعْن، وَالْمرَاد بِهِ) أَي بِسوء الْحِفْظ، (من) وَفِي نُسْخَة: مَا، فَالضَّمِير فِي " بِهِ " رَاجع إِلَى سوء الْحِفْظ، (لم يرجح) بتثبيت الْجِيم [أَي لم يغلب] (جَانب إِصَابَته على جَانب خطئه) . قَالَ محش: هَذَا تَكْرِير لما سبق من قَوْله: وَهِي عبارَة عَن أَن لَا يكون غلطه أقل من صَوَابه. انْتهى. يَعْنِي بل يكون غلطه أَكثر أَو مُسَاوِيا لصوابه، وَإِنَّمَا أَعَادَهُ مَعَ تفننه فِي الْعبارَة لطول الْفَصْل. قَالَ التلميذ: هَذَا يُنَافِي مَا تقدم من قَوْله: أَو سوء حفظه، وَهِي عبارَة عَمَّن يكون غلطه أقل من إِصَابَته، وَقد أصلحته بِلَفْظ: نَحوا من إِصَابَته، وَالله سُبْحَانَهُ أعلم. وَقَالَ المُصَنّف: وَفهم من " من لم يرجح " إِمَّا بِأَن يرجح جَانب خطئه أَو اسْتَويَا. قلت: وَهَذَا يُؤَيّد أَن قَوْله فِيمَا تقدم فِي حَده سوء الْحِفْظ: وَهِي عبارَة عَمَّن يكون خَطؤُهُ كإصابته، من النّسخ الصَّحِيحَة، بِخِلَاف أقل من إِصَابَته فَإِنَّهَا مُخَالفَة لما هُنَا، وَلَيْسَت بصحيحة من جِهَة الْمَعْنى؛ لِأَن الْإِنْسَان لَيْسَ بمعصوم من الْخَطَأ، فَلَا يُقَال فِيمَن وَقع لَهُ الْخَطَأ مرّة أَو مرَّتَيْنِ: إِنَّه سيئ الْحِفْظ، وَإِن كَانَ يصدق عَلَيْهِ أَن خطأه أقل من إِصَابَته، لِأَنَّهُ لم يصدق عَلَيْهِ أَنه لم ترجح إِصَابَته انْتهى كَلَامه.

стр. 418

وَهَذَا الْخَطَأ مَبْنِيّ على خطأ النُّسْخَة الَّتِي اعْتمد عَلَيْهَا التلميذ، وَإِلَّا فالنسخة الصَّحِيحَة الْمُعْتَمدَة فِيمَا تقدم: وَهِي عبارَة عَن أَن لَا يكون غلطه من إِصَابَته، بِصِيغَة النَّفْي، وَهُوَ المطابق لما هُنَا من حَيْثُ الْمَعْنى أَنه سَوَاء كَانَ مُسَاوِيا، أَو أَكثر، وَيدل على أَنه إِذا كَانَ غلطه [أقل] من الْإِصَابَة / أَو قَلِيلا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا، فَهُوَ مَقْبُول. وَقَالَ الشَّارِح وجيه الدّين الْهِنْدِيّ: اعْترض عَلَيْهِ أستاذي مَوْلَانَا أَبُو البركات بِأَنَّهُ قَالَ: أَولا فِي الْإِجْمَال، وَهِي / ٩٢ - ب / عبارَة عَمَّن يكون غلطه أقل من إِصَابَته، كلاميه [١٣١ - أ] تدافع إِلَّا أَن يكون لفظ " لم " هُنَا وَقع تصحيفا من النَّاسِخ، أَو زلَّة من الْقَلَم، قَالَ: ثمَّ أَخْبرنِي بعض إخْوَانِي أَنه سَأَلَ السخاوي عَنهُ فَقَالَ: وَقع لَفْظَة " لم " غَلطا من النَّاسِخ، وَأخرج نُسْخَة من عِنْده، وَلَيْسَ فِيهِ لَفْظَة لم. انْتهى. وَفِيه أبحاث: أما أَولا: فَلِأَنَّهُ بِهَذَا لم ينْدَفع التدافع لما عرفت من كَلَام التلميذ فِيهِ، ولكونه لَيْسَ نُسْخَة صَحِيحَة كَمَا قَرَّرْنَاهُ، وعَلى تَقْدِير صِحَّتهَا وَصِحَّة مَعْنَاهَا، فَلَا تطابق مَا سبق، كَمَا حررناه. وَأما ثَانِيًا: فَلِأَنَّهُ لَو كَانَ التَّعْرِيف هُنَا بِدُونِ " لم " لم يَصح كَلَام المُصَنّف هُنَا على مَا نَقله تِلْمِيذه عَنهُ: إِمَّا بِأَن يرجح جَانب خطئه أَو اسْتَويَا. وَأما ثَالِثا: فَقَوله تصحيفا من النَّاسِخ، فَلَا يَصح إِطْلَاق التَّصْحِيف على زِيَادَة

стр. 419

" لم " لَا لُغَة، وَلَا اصْطِلَاحا، وَقَوله: أَو زلَّة من الْقَلَم، أَي قلم المُصَنّف خطأ أَيْضا، فَإِن الْكَلَام بِوُجُود " لم " صَحِيح أَيْضا كَمَا قدمنَا، وَكَلَام المُصَنّف قد أيد مَا قَررنَا. وَإِنَّمَا الْخَطَأ من النَّاسِخ لَو ثَبت فِي نُسْخَة مُعْتَمدَة فِي الْإِجْمَال بترك " لَا " فَلَا تعجل وَتَأمل، فَإِنَّهُ مَحل الزلل، وموقع الخطل، وَالله الْمُوفق للْعلم وَالْعَمَل. ( [الشاذ] ) (وَهُوَ) أَي سوء الْحِفْظ (على قسمَيْنِ) : (إِن كَانَ لَازِما) أَي دَائِما غير منفك (للراوي فِي جَمِيع حالاته) أَي من غير عرُوض سَبَب لسوء حفظه فِي بعض أوقاته، (فَهُوَ) أَي الرَّاوِي الْمَذْكُور بل حَدِيثه، (الشاذ) ، وَفِيه أَن الْمُخْتَلط صفة الرَّاوِي على مَا يَقْتَضِيهِ كَثْرَة قَوْلهم: اخْتَلَط فلَان، وَهَذَا الْمَعْنى غير الْمعَانِي الْمَذْكُورَة للشاذ، وَلذَا قَالَ: (على رَأْي) وَهُوَ بِالتَّنْوِينِ، نظرا إِلَى الْمَتْن، وبتركه نظرا إِلَى الشَّرْح، فَإِنَّهُ مُضَاف إِلَى (بعض أهل الحَدِيث) وَكَأَنَّهُم أَرَادوا بالشاذ الْمُنْفَرد بِصفة. (الْمُخْتَلط) (أَو إِن كَانَ سوء الْحِفْظ طارئاً) أَي حَادِثا متجددا (على الرَّاوِي) أَي بِأَن صَار

стр. 420

سيئ الْحِفْظ، (إِمَّا لكبره) أَي لطول عمره، (أَو لذهاب [١٣١ - ب] بَصَره) وَقد كَانَ متعودا بِعُود النّظر فِي محفوظه إِلَى أَصله، فَلَا يرد أَن ذهَاب الْبَصَر مِمَّا يُقَوي الْحِفْظ لِسَلَامَةِ الخواطر الْحَادِثَة من النواظر. (أَو لاحتراق كتبه) أَو اغتراقها أَو استراقها. فَقَوله (أَو عدمهَا) تَعْمِيم بعد تَخْصِيص كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿فَإِن الله هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيل وَصَالح الْمُؤمنِينَ وَالْمَلَائِكَة بعد ذَلِك ظهير﴾ " فَانْدفع مَا قَالَ محش: الظَّاهِر أَنه مغن عَن قَوْله: أَو لاحتراق كتبه. انْتهى. وَفِيه أَن الأول إِذا كَانَ مغنيا عَن الثَّانِي قد يعد عَيْبا فِي التعريفات، لَا الْعَكْس، وَأما فِي غير التَّعْرِيف فَيجوز التَّخْصِيص بعد التَّعْمِيم أَيْضا كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَمَلَائِكَته وَرُسُله وَجِبْرِيل وميكال﴾ . وَيُرِيد بِالْعدمِ فقدان الْكتب بِمَعْنى أَنه كَانَ حَاصِلا لَهُ، فَصَارَ مَعْدُوما، لَا بِمَعْنى أَنه مَعْدُوما مُطلقًا، فَيصح قَوْله: (بِأَن كَانَ / ٩٣ - أ / يعتمدها فَيرجع إِلَى حفظه فسَاء) أَي حفظه وَهُوَ عِلّة لكَون ذهب الْبَصَر / واحتراق الْكتب، وَعدمهَا سَبَب لطريان سوء الْحِفْظ. (فَهَذَا) أَي الرَّاوِي الطَّارِئ عَلَيْهِ سوء الْحِفْظ، (هُوَ) ضمير فصل أَو مُبْتَدأ ثَان، (الْمُخْتَلط) بِكَسْر اللَّام، وَحَقِيقَته: فَسَاد الْعقل، وَعدم انتظام الْفِعْل

стр. 421

وَالْقَوْل، إِمَّا بخرف أَو ضَرَر أَو مرض، أَو عرض من موت ابْن، أَو سَرقَة مَال كالمسعودي، أَو ذهَاب كتب كَابْن لَهِيعَة، أَو احتراقها كَابْن الملقن. قَالَ ابْن الصّلاح: وَهَذَا فن عَظِيم مُهِمّ، لَا أعلم أحدا [أفرده بالتصنيف واعتنى بِهِ] مَعَ كَونه حَقِيقا بذلك جدا انْتهى. قَالَ السخاوي: وأفرد للمختلطين كتابا الْحَافِظ أَبُو بكر الْحَازِمِي حَسْبَمَا ذكره فِي تصنيفه " تحفة المستفيد ". وَلم يقف عَلَيْهِ ابْن الصّلاح. قَالَ: وَفَائِدَة ضبطهم، تَمْيِيز المقبول من غَيره. (وَالْحكم فِيهِ) أَي فِي الْمُخْتَلط أَو فِي حَدِيثه، (أَن مَا حدث بِهِ قبل الِاخْتِلَاط إِذا تميز) أَي لنا بِأَن علمنَا أَنه قبل الِاخْتِلَاط، وَإِلَّا فَهُوَ متميز فِي نَفسه [١٣٢ - أ] ، فَالْمَعْنى أَنه إِذا تميز عِنْد الْمُجْتَهد عَمَّا حدث بعد الِاخْتِلَاط، (قبل، وَإِذا لم يتَمَيَّز) أَي مَا حدث بِهِ، (توقف) بِصِيغَة الْمَجْهُول، (فِيهِ) أَي فِي حَدِيثه بِأَن لَا يقبل وَلَا يرد. (وَكَذَا من اشْتبهَ الْأَمر فِيهِ) أَي اشْتبهَ أَنه مختلط أم لَا، أَو لم يدر أحدث قبل الِاخْتِلَاط أَو بعده. قَالَ التلميذ: هَذَا اللَّفْظ فِيهِ إِيهَام، لِأَن ظَاهر السُّوق أَنه لحَدِيث

стр. 422

الْمُخْتَلط وَلَفْظَة " من " لمن يعقل، فَلَا يصلح للْحَدِيث، وَإِن استعملها فِيمَن يعقل، فَيكون قد انْتقل من الحَدِيث إِلَى الرَّاوِي، فَلَيْسَ بِظَاهِر، وَالله سُبْحَانَهُ أعلم. قلت: هَذَا أَمر سهل ومناقشة غير مرضية خُصُوصا من التلميذ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأُسْتَاذ، إِذْ يُمكن أَن يُقَال: التَّقْدِير وَكَذَا من اشْتبهَ الْأَمر فِيهِ يتَوَقَّف فِي حَدِيثه على أَن: من اشْتبهَ، مُبْتَدأ، خَبره مَحْذُوف، أَو يقدر مُضَاف، أَي وَكَذَا حَدِيث من اشْتبهَ الْأَمر فِيهِ يتَوَقَّف فِيهِ. (وَإِنَّمَا يعرف ذَلِك،) أَي مَا ذكر من الِاخْتِلَاط والتمييز والاشتباه، (بِاعْتِبَار الآخذين) أَي تتبع المتحملين (عَنهُ) أَي عَن الْمُخْتَلط بِلَا وَاسِطَة، ليعلم أَنهم مَتى أخذُوا، وَأَيْنَ أخذُوا، وَكَيف أخذُوا، فبالإضافة إِلَى الْمَفْعُول، فَمنهمْ من سمع قبل الِاخْتِلَاط فَقَط، [وَمِنْهُم من سمع بعده] ، وَمِنْهُم من سمع فِي الْحَالين مَعَ التَّمْيِيز، بِأَن قَالَ: سَمَاعي بَعْدَمَا اخْتَلَط أَو قبله كَمَا قَالَه الخليلي وَغَيره، فَمِمَّنْ اخْتَلَط فِي آخِره عَطاء، وَمن سمع مِنْهُ قبل الِاخْتِلَاط شُعْبَة وسُفْيَان الثَّوْريّ، وَمِمَّنْ سمع مِنْهُ بعد الِاخْتِلَاط جرير بن عبد الحميد، وَمِمَّنْ سمع مِنْهُ فِي الْحَالَتَيْنِ [مَعًا] أَبُو عوَانَة، فَلم يحْتَج بحَديثه. (وَمَتى توبع السَّيئ الْحِفْظ بمعتبر) أَي براو مُعْتَبر بِفَتْح الْمُوَحدَة وَكسرهَا على أَنه اسْم مفعول أَو فَاعل، (كَأَن يكون فَوْقه أَو مثله لَا دونه) قَالَ المُصَنّف: إِذا تَابع / ٩٣ - ب / السَّيئ الْحِفْظ شخص فَوْقه انْتِقَال بِسَبَب ذَلِك إِلَى دَرَجَة ذَلِك الشَّخْص، وينتقل ذَلِك الشَّخْص إِلَى أَعلَى من دَرَجَة نَفسه الَّتِي كَانَ فِيهَا، حَتَّى

стр. 423

يتَرَجَّح على [١٣٢ - ب] مساويه من غير مُتَابعَة من دونه. قَالَ تِلْمِيذه: المُرَاد بقوله: فَوْقه أَو مثله فِي الدرجَة من السَّنَد، لَا فِي الصّفة. انْتهى. وَقد تقدم معنى / الِاعْتِبَار وَمَا يتَعَلَّق بِهِ، وَالظَّاهِر أَن المُرَاد بالفوقية والمثلية [هُنَا] فِي الصّفة لَا فِي السَّنَد؛ لِأَنَّهُ على تَقْدِير مَا يَقُوله التلميذ، لَا يَصح كَلَام الشَّيْخ، انْتقل بِسَبَب ذَلِك إِلَى دَرَجَة ذَلِك الشَّخْص، فَتدبر مَعَ أَنه لَا منع من الْجمع. (وَكَذَا الْمُخْتَلط الَّذِي لَا يتَمَيَّز) أَي [مَا] حدث بِهِ. (وَكَذَا المستور) كَانَ حَقه [فِي الشَّرْح] أَن يَقُول بعد المستور: وَكَذَا الْمُخْتَلط الَّذِي لَا يتَمَيَّز كَمَا هُوَ ظَاهر، ثمَّ فِي عطفه على السَّيئ الْحِفْظ نظر؛ لِأَن الْمُخْتَلط قسم مِنْهُ كَمَا مر قبيل ذَلِك، وَإِن أُرِيد بالسيئ الْحِفْظ الْقسم الأول فَقَط، فَهُوَ تكلّف غير متبادر، قيل: إِن المُرَاد من السَّيئ الْحِفْظ الْمَعْنى اللّغَوِيّ. وَفِيه أَنه أَيْضا أَعم من الْمُخْتَلط، فَلَا وَجه للْعَطْف مَعَ أَنه أَيْضا غير متبادر، وَيُمكن أَن يُقَال إِن الْمُخْتَلط الَّذِي تميز لَا يحْتَاج فِي قبُوله إِلَى مُتَابعَة، فَلَا يجوز إِجْرَاء السَّيئ الْحِفْظ فِي الْمَتْن على إِطْلَاقه، فعطفَ الشارحُ عَلَيْهِ الْمُخْتَلط الْمَذْكُور ليعلم أَن المُرَاد بالسيئ الْحِفْظ الْقسم الأول. (والإسناد الْمُرْسل) بِكَسْر السِّين وَقيل بِفَتْحِهَا، (وَكَذَا المدلِّس) بِكَسْر اللَّام

стр. 424

[أَو بِفَتْحِهَا] (إِذا لم يُعرَف الْمَحْذُوف مِنْهُ) وَاعْلَم أَنه إِن كَانَ المرسَل والمدلس على صِيغَة الْمَفْعُول، ليَكُون صفة الْإِسْنَاد كَمَا فعل الشَّارِح حَيْثُ صرح بقوله: والإسناد ... يحْتَاج قَوْله: (صَار حَدِيثهمْ) إِلَى تكلّف بِأَن يُقَال: مَعْنَاهُ حَدِيث الْمُخْتَلط والمستور، وَحَدِيث رَاوِي الْمُرْسل والمدلس، وَإِن كَانَا على صِيغَة اسْم الْفَاعِل ليكونا صِفَتي الرَّاوِي، لم يحْتَج قَوْله: حَدِيثهمْ ... إِلَى تكلّف. قَالَ التلميذ: الأولى أَن يَقُول: صَار الحَدِيث، لِأَن الضَّمِير للمختلط والمستور والإسناد، فعلى مَا قَالَ يكون على وَجه التغليب أَو [١٣٣ - أ] تَقْرِير مُضَاف، وعَلى مَا قلت لَا يحْتَاج لذَلِك، وَالله سُبْحَانَهُ أعلم. قلت لَا يخفى عَن الِاحْتِيَاج لذَلِك كَذَلِك، لِأَن الألِف وَاللَّام حينئذٍ إِمَّا بدل عَن الْمُضَاف إِلَيْهِ، وَإِمَّا للْعهد، فَيدْخل الْمَذْكُور تَحت الملاحظة، فَيرجع الْإِشْكَال بِعَيْنِه مَعَ أَن عَادَة الْمحشِي وَالشَّارِح إصلاحُ كَلَام الماتن، لَا أَنه يَأْتِي بِعِبَارَة أُخْرَى، وَيَقُول هَذِه أحسن مِنْهُ، لِأَنَّهُ لَا يرد [عَلَيْهَا مَا يرد] عَلَيْهِ. وَحَاصِل الْكَلَام: أَنه قد صَار حَدِيثهمْ بعد حُصُول الْمُتَابَعَة الْمُعْتَبرَة (حسنا) أَي لغيره، (لَا لذاته بل وَصَفَهُ بذلك بِاعْتِبَار الْمَجْمُوع من المتابع) بِكَسْر الْمُوَحدَة،

стр. 425

(والمتابَع) بِفَتْحِهَا؛ (لِأَن / ٩٤ - أ / كل وَاحِد مِنْهُم احْتِمَال كَون رِوَايَته صَوَابا أَو غير صَوَاب) قَوْله احْتِمَال: مُبْتَدأ وَقَوله: (على حد سَوَاء) خَبره وَالْجُمْلَة خبر أنّ، وَلَك أَن تجْعَل احْتِمَال مَنْصُوبًا بَدَلا من كل وَاحِد، أَو مَنْصُوبًا على نزع الْخَافِض، أَي فِي احْتِمَال [كَونه] كَمَا فِي نُسْخَة، وَرَأَيْت فِي نُسْخَة: احْتِمَال بِصِيغَة الْمَاضِي، فَلَا إِشْكَال (فَإِذا جَاءَت من المعتبِرين) على صِيغَة اسْم فَاعل، أَو مفعول، (روايةٌ) فَاعل جَاءَت، (مُوَافقَة لأَحَدهم رجح) بِصِيغَة الْمَفْعُول، (أحد الْجَانِبَيْنِ من الِاحْتِمَالَيْنِ الْمَذْكُورين) أَي كَونهمَا صَوَابا أَو غير صَوَاب. (ودلّ ذَلِك) أَي التَّرْجِيح، (على أَن الحَدِيث) على تَقْدِير كَونه صَوَابا، (مَحْفُوظ، / فارتقى من دَرَجَة التَّوَقُّف إِلَى دَرَجَة الْقبُول، وَالله سُبْحَانَهُ أعلم) . قيل: يُشعر كَلَامه بِأَن الْأَنْوَاع الْمَذْكُورَة كلّها متوقفٌ فِيهَا، وَكَذَا قَوْله فِيمَا تقدم: لِأَن كل وَاحِد مِنْهُم ... الخ، صريحٌ فِي ذَلِك، وَفِيه تَأمل، لِأَن بعض أَقسَام السِّيئ الْحِفْظ مَقْبُول لَا توقف فِيهِ. انْتهى. وَلَك أَن تَقول: المُرَاد من السَّيئ الْحِفْظ، هُوَ الْقسم الأول كَمَا سبق فَتَأمل. ( [الْحسن لغيره] ) (مَعَ ارتقائه إِلَى دَرَجَة القَبول) أَي وَأَقل درجاته مرتبَة الْحسن إذِ الضَّعِيف
следующие страницы →