← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 5989

شرح نخبة الفكر للقاري

الملا على القاري

Полный текст (700 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

فِي الأول: " وَلَا تنافسوا "، وَإِنَّمَا هُوَ فِي الحَدِيث الثَّانِي. (الرَّابِع: أَن يَسُوق) أَي / راو، أَو مُحدث (الْإِسْنَاد) أَي إِسْنَاد حَدِيث فَقَط، (فيَعْرض لَهُ عَارض) أَي فَلَا يذكر متن الحَدِيث لما يقطعهُ عَنهُ قَاطع، (فَيَقُول كلَاما من قِبَل نَفسه، فيظن بعض مَنْ سَمعه) أَي ذَلِك الرَّاوِي، وَهُوَ المطعون بالمخالفة، (أَن الْكَلَام هُوَ متن ذَلِك الْإِسْنَاد، فيرويه عَنهُ كَذَلِك) أَي على أَنه متن ذَلِك الْإِسْنَاد. وَبِهَذَا التَّقْرِير الْمُوَافق لتحرير [١٠٩ - ب] السخاوي يظْهر مِنْهُ أَنه لَا ذكر لمتن الحَدِيث فِي الْقسم الرَّابِع من مدرج الْإِسْنَاد، فَلَا / ٨٧ - أ / يصدق تَعْرِيف مدرج الْمَتْن عَلَيْهِ، فَلَا يرد عَلَيْهِ مَا قيل: من أَن تَعْرِيف مدرج الْمَتْن غيرُ مَانع لدُخُول الْقسم الرَّابِع من مدرج الْإِسْنَاد فِيهِ. (هَذِه) أَي الْوُجُوه الْأَرْبَعَة، (أَقسَام مُدْرَج الْإِسْنَاد) أما الثَّلَاثَة الأول، فَظَاهر، وَأما الْأَخير، فتغيير السِّيَاق بِاعْتِبَار أَن سِيَاق الْإِسْنَاد يَقْتَضِي أَن يذكر الحَدِيث بعده، لَا كلَاما مِن قِبَل نَفسه. (وَأما مدرج الْمَتْن: فَهُوَ أَن يَقع فِي الْمَتْن كَلَام) أَي وَلَيْسَ لَهُ إِسْنَاد، (لَيْسَ مِنْهُ) أَي لَيْسَ ذَلِك الْكَلَام من جملَة ذَلِك الْمَتْن. وَحَاصِله: أَن يذكر الرَّاوِي - صحابياً أَو غَيره - كلَاما لنَفسِهِ أَو غَيره، فيرويه مَنْ بَعْدَهُ مُتَّصِلا بِالْحَدِيثِ من غير فصل يتَمَيَّز عَنهُ، بِأَن يعزوه لقائله صَرِيحًا أَو كنايه، فَيَتوَهَّم مَنْ لَا يعرف حَقِيقَة الْحَال أَنه من الحَدِيث. وَحَقِيقَته على مَا صرح بِهِ

стр. 352

السخاوي: إِضَافَة الشَّيْء لغير قَائِله. قَالَ محشي: هَذَا التَّعْرِيف لمدرج الْمَتْن أَعم من تَعْرِيفه الْخَارِج من عبارَة الْمَتْن. إِذْ قَوْله: كَلَام لَيْسَ مِنْهُ، أَعم من أَن يكون من كَلَام نَفسه أَو غَيره، من الصَّحَابَة وَمن بعدهمْ، إِلَّا أَن يُخَصّ بِكَلَام غَيره، وَإِنَّمَا ذكر هَذَا الْكَلَام لُيفَرَّقَ بَين مدرج الْمَتْن ومدرج الْإِسْنَاد من الْقسم الرَّابِع. وَحَاصِله: أَن الْقسم الرَّابِع من مدرج الْإِسْنَاد يكون بِتَمَامِهِ مِمَّا يظُن أَنه حَدِيث مُسْتَقل. وَأما مدرج الْمَتْن فيظن أَنه جُزْء من الحَدِيث. (فَتَارَة يكون) أَي إدراج الْمَتْن (فِي أَوله) مِثَاله: مَا رَوَاهُ الْخَطِيب من رِوَايَة أبي قطَن وشَبَابَة، فروياً عَن شُعْبَة، عَن مُحَمَّد بن زِيَاد، عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم: " أَسْبِغُوا الْوضُوء، ويل لِلْأَعْقَابِ من النَّار ". فَقَوله: أَسْبغُوا الْوضُوء، من قَول [١١٠ - أ] أبي هُرَيْرَة، وَصِلَ بِالْحَدِيثِ فِي أَوله، كَذَلِك وَرَوَاهُ البُخَارِيّ فِي " صَحِيحه " عَن آدم بن إِيَاس، عَن شُعْبَة، عَن مُحَمَّد بن زِيَاد، عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: أَسْبغُوا [الْوضُوء] ، فَإِن أَبَا الْقَاسِم [ ﷺ ] [قَالَ] : " ويل لِلْأَعْقَابِ من النَّار ". قَالَ الْخَطِيب: وهِمَ أَبُو قطنٍ وشَبَابَة فِي روايتهما هَذَا الحَدِيث عَن شُعْبَة على مَا سقنا، وَذَلِكَ أَن قَوْله: أَسْبغُوا، من كَلَام أبي هُرَيْرَة، وَقَوله: " ويل لِلْأَعْقَابِ من النَّار " من كَلَام النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم.

стр. 353

(وَتارَة فِي أَثْنَائِهِ) ، مِثَاله: مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي " سنَنه " من رِوَايَة عبد الحميد بن جَعْفَر، عَن هِشَام بن عُرْوَة، عَن أَبِيه، عَن بُسْرَة بنت صَفْوَان قَالَت: سَمِعت رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: " مَنْ مَسَّ ذَكَرَه أَو أُنَثَيْيه أَو رُفْغَيْه فَليَتَوَضَّأ ". قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: كَذَا رَوَاهُ عبد الحميد، عَن هِشَام، وَوهم فِي ذكر الأنْثَيَيْنِ والرُفْغ / وإدراجه ذَلِك فِي حَدِيث بُسْرَة. قَالَ: وَالْمَحْفُوظ أَن ذَلِك من قَول عُرْوَة. انْتهى. وَفِي " النِّهَايَة ": من السّنة نتف الرُّفغين، أَي الإبطين. وَإِذا التقى الرفغان وَجب الْغسْل، أَي أصُول الفخذين / ٧٨ - ب / وَالرَّاء تضم وتفتح. انْتهى. وَالظَّاهِر أَن الْمَعْنى الثَّانِي هُوَ المُرَاد هُنَا. (وَتارَة فِي آخِره) مِثَاله: مَا روى أَبُو خَيْثَمَة زهيرُ بن مُعَاوِيَة، عَن الْحسن بن الحُرّ، عَن الْقَاسِم بن مُخَيْمِرَة عَن عَلْقَمَة، عَن عبد الله بن مَسْعُود: أَن رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم علَّمه التَّشَهُّد فِي الصَّلَاة فَقَالَ: " قل: التَّحِيَّات لله " فَذكر حِين قَالَ: أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله، وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله: فَإِذا قلت هَذَا، فقد قضيت صَلَاتك، إِن شِئْت أَن تقوم فَقُمْ، وَإِن شِئْت أَن تقعد فَاقْعُدْ. كَذَا رَوَاهُ أَبُو خَيْثَمة، فأدرج فِي الحَدِيث قَوْله: فَإِذا قلت ... الخ

стр. 354

وَإِنَّمَا هُوَ من كَلَام ابْن مَسْعُود لَا من [١١٠ - ب] كَلَام النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم. وَمن الدَّلِيل عَلَيْهِ أَن الثِّقَة عبد الرَّحْمَن بن ثَابت بن ثَوْبَان رَوَاهُ عَن ابْن الحًرِّ الْمَذْكُور هَكَذَا. وَاتفقَ حُسَيْن الْجعْفِيّ، وَابْن عجلَان وَغَيرهمَا فِي روايتهم عَن الْحسن بن الحًرِّ على ترك هَذَا الْكَلَام فِي آخر الحَدِيث، مَعَ اتِّفَاق كل من روى التَّشَهُّد عَن عَلْقَمَة وَغَيره عَن ابْن مَسْعُود على ذَلِك. وَرَوَاهُ شَبَابة عَن أبي خَيْثَمَة فوصله أَيْضا. (وَهُوَ) أَي مَا يَقع فِي الآخر هُوَ (الْأَكْثَر) وقوعاً أَو اسْتِعْمَالا، فَيكون بِمَعْنى الأشهَر، (لِأَنَّهُ يَقع بعطف جملَة على جملَة) يَعْنِي وَهُوَ حِينَئِذٍ يكون غَالِبا فِي الآخر، وَبِه انْدفع مَا قَالَ محشي: وَفِيه أَن الظَّاهِر أَنه دَلِيل لقَوْله: أَكثر، وَيرد عَلَيْهِ أَنه لَا نسلم أَن الآخر دَائِما يكون بعطف كَلَام مُسْتَقل على آخر مثله، بل رُبمَا يكون بعطف مُفْرد على مُفْرد، بل بِلَا عطف، وَلَو سلم أَن الْأَخير يَقع بعطف الْجُمْلَة [على الْجُمْلَة] وَلَا يَقع بعطف الْمُفْرد أَو بِدُونِ الْعَطف، فَلَا نسلم أَن الْوَاقِع بعطف الْجُمْلَة [على الْجُمْلَة] يدل إِلَى الأكثرية، مَعَ أَن الأول وَالثَّانِي يقعان بعطف الْجُمْلَة أيضاَ. انْتهى. وَإِنَّمَا قُلْنَا: بِوُقُوع الْعَطف حسب الْغَالِب فِي الْوَاقِع، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يُمكن استقلاله عَن اللَّفْظ السَّابِق، فيتميز من لفظ الحَدِيث، بِخِلَاف مَا إِذا كَانَ بِغَيْر جملَة. وَلِهَذَا قَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد: إِنَّمَا يكون الإدراج بِلَفْظ تَابع يُمكن استقلاله

стр. 355

عَن اللَّفْظ السَّابِق، وَاسْتشْكل - أَي ابْن دَقِيق الْعِيد - على الْأَوَّلين فَقَالَ: وَمِمَّا يضعف أَن يكون مدرجا فِي أثْنَاء لفظ رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم لَا سِيمَا إِن كَانَ مقدَّماً على اللَّفْظ الْمَرْوِيّ، أَو مَعْطُوفًا عَلَيْهِ بواو الْعَطف، كَمَا لَو قَالَ: " مَن مس أُنْثَييه وذَكَرَه فَليَتَوَضَّأ "، بِتَقْدِيم لفظ: " الْأُنْثَيَيْنِ " على " الذَكَر "، فههنا يضعف الإدراج لما [١١١ - أ] فِيهِ من اتِّصَال هَذِه اللَّفْظَة بالعامل الَّذِي هُوَ من لفظ رَسُول الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم. وَقَالَ المُصَنّف: لَا مَانع من الحكم على مَا فِي الأول، وَالْآخر، أَو الْوسط بالإدراج، إِذا قَامَ / ٧٩ - أ / الدَّلِيل الْمُؤثر غَلَبَة الظَّن. (أَو بدَمج مَوْقُوف) أَي أَو كَانَت الْمُخَالفَة بِسَبَب دمج، وَأظْهر لَفْظَة كَانَت / فِي الشَّرْح فِي الْأَقْسَام الْآتِيَة دون هَذَا لطول الْعَهْد هُنَاكَ. فِي " الْقَامُوس " درج: مَشى، والمَدْرَج: المَسلَك، ودَمَجَ: دخل فِي الشَّيْء واستحكم فِيهِ. انْتهى. وَالظَّاهِر أَنه تفنن فِي الْعبارَة، وَالتَّحْقِيق أَن الدَّمج أَدخل فِي الخفاء من الدرْج، كَمَا أَن المزج أَدْخَلُ مِنْهُمَا فِي المخالطة، بِحَيْثُ يصير المازج والممزوج كشيء وَاحِد، بِحَيْثُ لَا يُمكن التَّفْرِقَة بَينهمَا أصلا. (من كَلَام الصَّحَابَة،) من بَيَانِيَّة لموقوف، (أَو من بعدهمْ) بِفَتْح الْمِيم، عطفا على الصَّحَابَة، وَفِيه تسَامح من بَاب عُمُوم الْمجَاز، وَإِلَّا، فَالْمَوْقُوفُ هُوَ مَا يُروى

стр. 356

عَن الصَّحَابَة لَا من بعدهمْ، فإنْ قلت: قد يُطلق [الْمَوْقُوف] إِلَى مَا يُروى عَن غير الصَّحَابَة، قلت: إِنَّمَا يُطلق عَلَيْهِ مُقَيّدا، فَيُقَال: حَدِيث كَذَا، [وَقفه] فلَان على عَطاء، أَو على طَاوُوس، وَإِمَّا إِذا أطلق، فَيخْتَص بالصحابة. (بمرفوع) مُتَعَلق بدمج، (من كَلَام النَّبِي،) أَي من حَدِيثه، (صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم،) أَي قولا أَو فعلا، (من غير فصل) أَي تَمْيِيز وتفرقة بَين الْمَوْقُوف، وَالْمَرْفُوع، بِمَا يدل على مغايرتهما. قَالَ المُصَنّف: الْبَاء يُحْتَمَل أَن تكون بِمَعْنى من، أَو بِمَعْنى مَعَ، وَقَالَ تِلْمِيذه: أما اسْتِعْمَالهَا بِمَعْنى مَعَ، فورد نَحْو: ﴿اهبط بِسَلام﴾ ، ﴿وَقد دخلُوا بالْكفْر﴾ وَأما بِمَعْنى من، فَلم أَقف عَلَيْهِ. قلت: قد ورد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يشرب بهَا عباد الله﴾ وَقد جعلهَا صَاحب " الْقَامُوس " بِمَعْنى التَّبْعِيض؛ وَكَذَا ذكره الْمُغنِي، لَكِن الْأَظْهر أَن الْبَاء هُنَا " فِي " لما فِي " الْقَامُوس " من أَن الدُّمُوج هُوَ الدُّخُول [١١١ - ب] فِي الشَّيْء. (فَهَذَا هُوَ مدرج الْمَتْن) سُمّي بِهِ لِأَنَّهُ أدرج فِي الْمَتْن شَيْء، فَهُوَ مُدْرَج فِيهِ، ثمَّ حذف الْجَار، وأوصل الْفِعْل، وَيدل عَلَيْهِ قَوْله فِيمَا بعد: مِمَّا أُدرِج فِيهِ. (ويُدْرَك الإدراج) أَي يعرف، بأَرْبعَة أَشْيَاء:

стр. 357

(بورود رِوَايَة مفصِّلة) بِكَسْر الصَّاد، أَي مبينَة (للقدر المدرج مِمَّا) أَي من حَدِيث (أدرج فِيهِ) أَي المدرج، أَو فِيهِ نَائِب الْفَاعِل، ومثاله: مَا ذكر آنِفا [أَي من أَن] شَبَابَة رَوَاهُ عَن أبي خَيْثَمَة ففصله. (أَو بالتنصيص) أَي بالتصريح (على ذَلِك) أَي الإدراج أَو المدرج، (من الرَّاوِي) ، أَي نَفسه كَحَدِيث ابْن مَسْعُود: سَمِعت رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: " من جعل لله ندا دخل النَّار " وَقَالَ: وَأُخْرَى أقولها وَلم أسمعها مِنْهُ، " من مَاتَ لَا يَجْعَل لله ندا دخل الْجنَّة ". (أَو من بعض الْأَئِمَّة المطلعين) أَي على ذَلِك كَحَدِيث التَّشَهُّد. (أَو باستحالة كَون النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم يَقُول ذَلِك) وَهُوَ أَعْلَاهَا ك: " وَدِدْتُ أَنِّي شَجَرَة تُعضَد "، وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَوْلَا الجهادُ فِي سَبِيل الله، وبِرُّ أُمِّي،

стр. 358

لأحببت أَن أَمُوت / ٧٩ - ب / وَأَنا مَمْلُوك ". وَأعلم أَن مَا ذكر من الْوُجُوه الْأَرْبَعَة لمعْرِفَة الإدراج، غير مُخْتَصّ بإدراج الْمَتْن إِلَّا الرَّابِع، كَمَا لَا يخفى على المتأمل الْكَامِل فِي كَلَامه. (وَقد صنف الْخَطِيب فِي المدرج كتابا) أَي عَظِيما شهيراً سَمَّاهُ " الفَصْل للوَصْلِ المدرج فِي النَّقْل "، (ولخصته) أَي اختصرته بِحَذْف الزَّوَائِد، مُرَتبا على الْأَبْوَاب مَعَ زِيَادَة علل وَغَيره، (وزدت عَلَيْهِ) أَي على الملخص، وَهُوَ خُلَاصَة الْفَوَائِد (قدر مَا ذكر مرَّتَيْنِ، أَو) / أَي بل (أَكثر) وَسَماهُ " تقريب الْمنْهَج بترتيب المُدْرَجِ ". (وَللَّه الْحَمد.) أَي على هَذِه الزِّيَادَة طلبا للمزيد، وَاعْلَم أَنهم قَالُوا: الإدراج بأقسامه حرَام، لما فِيهِ من التلبيس، والتدليس، وَإِن كَانَ بعضه أخف من بعض، كتفسير لَفظه [١١٢ - أ] غَرِيبَة مثل المُزَابَنَة، والمُخَابَرَة، والعَرايَا وَنَحْوهَا مِمَّا

стр. 359

فعله الزُّهْرِيّ، وَغَيره من الْأَئِمَّة، بل لَا يظْهر التَّحْرِيم فِي مثله، لَا سِيمَا فِي الْمُتَّفق عَلَيْهِ، وَقَول ابْن السَّمْعَانِيّ وَغَيره: والمتعمد لَهُ سَاقِط الْعَدَالَة، وَمِمَّنْ يحرِّف الكَلِمَ عَن موَاضعه، وَهُوَ مُلْحق بالكذابين، يحمل على مَا عداهُ، وَقد ذكرنَا من المُصَنّف، وَمن ابْن دَقِيق الْعِيد مَا يدل على جَوَازه فِي الْجُمْلَة. (أَو إِن كَانَت الْمُخَالفَة بِتَقْدِيم وَتَأْخِير، أَي فِي الْأَسْمَاء) أَي غَالِبا لقَوْله بُعيد هَذَا: وَقد يَقع الْقلب فِي الْمَتْن أَيْضا، وَأما مَا قَالَه شَارِح: لَعَلَّه قيّد بِهِ لِمَا أَنه بصدد بَيَان الطعْن فِي الرَّاوِي، فَغير صَحِيح لِأَن الطعْن فِي الْمَرْوِيّ طعن فِي الرَّاوِي، [والطعن فِي الرَّاوِي] طعن فِي الْمَرْوِيّ، بل هَذَا دون ذَاك؛ إِذْ قد يُوجد الْمَرْوِيّ صَحِيحا مَعَ كَون الرَّاوِي مطعوناً (كمرة بن كَعْب، وَكَعب بن مُرة) بِضَم ميمٍ، وَتَشْديد رَاء، أَرَادَ مثلا يكون الْوَاقِع فِي الْإِسْنَاد كَعْب بن مرّة، فيغلط الرَّاوِي وَيَقُول بدله: مُرَّة بن كَعْب، فَهُوَ سَهْو وَغلط من الرَّاوِي، وَإِنَّمَا نَشأ هَذَا الْوَهم مِنْهُ؛ (لِأَن اسْم أَحدهمَا اسْم أبي الآخر) . ( [المقلوب] ) (فَهَذَا) أَي مَا وجد فِيهِ ذَلِك التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير (وَهُوَ المقلوب) أَي قسم من

стр. 360

أقسامه، وَأما مَا قَالَ شَارِح: من أَن المقلوب مَا يكون اسْم أحد الروايين، اسْم أبي الآخر مَعَ كَونهمَا من طبقَة وَاحِدَة، فَيجْعَل الرَّاوِي سَهوا، مَا هُوَ لأَحَدهمَا لآخر كَذَا ذكره السخاوي فِي " شرح التَّقْرِيب "، فالمصنف ترك قيدَ طبقَة وَاحِدَة، وقيدَ السَّهو، فاعتراضه مَدْفُوع، لِأَنَّهُ أَرَادَ مَا يعمهما، فالترك أولى كَمَا لَا يخفى، وَيحمل كَلَام السخاوي على قسم مِن أقسامه لَا أنّ المقلوب منحصر فِيهِ، لظُهُور بُطْلَانه كَمَا سَيَأْتِي من بَيَانه. (وللخطيب فِيهِ) أَي فِي هَذَا النَّوْع الْمُسَمّى بالمقلوب، (كتابُ) بِغَيْر تَنْوِين مُضَاف إِلَيْهِ، (" رافعِ الارتياب) [١١٢ - ب] فِي المقلوب من الْأَسْمَاء والأنساب " وَهُوَ اسْم كتاب للخطيب ذكره الْجَزرِي، وَأما مَا ذكره / ٨٠ - أ / شَارِح فِي قَوْله: كتاب - أَي - سَمَّاهُ - مفخم، فمبني على أَنه منون، وَأَن التَّنْوِين للتعظيم، وَقد عرفت مَا فِيهِ. للمقلوب أَقسَام أُخر أُدرج بَعْضهَا فِي قسم الْإِبْدَال كَمَا سَيَأْتِي لما أَنه أنسب بِهِ. قَالَ شَارِح: وبيَّن بَعْضهَا فِي ضمن بَيَانه، وَترك بَعْضهَا، وَهُوَ أَن يكون الحَدِيث مَشْهُورا بِرَاوٍ، فَيجْعَل مَكَانَهُ راوٍ آخر فِي طبقته ليصير بذلك غَرِيبا مرغوباً فِيهِ، كَحَدِيث مَشْهُور بسالم، فَجعل مَكَانَهُ نَافِع، وَمِمَّنْ كَانَ يفعل ذَلِك من الوضَّاعين: حمَّاد بن عَمرو النصِيبي، وَإِسْمَاعِيل بن أبي حَيَّة اليسع، وبُهلُول بن عُبَيْد الْكِنْدِيّ، قلت: كل الصَّيْد فِي جَوف الفَرَا، فَإِنَّهُ يصدق عَلَيْهِ الْإِبْدَال مَعَ اخْتِلَاف

стр. 361

الْأَغْرَاض. (وَقد يَقع الْقلب فِي الْمَتْن) أَي فِي نَفسه وأثنائه (أَيْضا كَحَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ عِنْد مُسلم) فَمُسلم رَوَاهُ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ مقلوباً، وَعَن غَيره على الأَصْل / وَلَو قَالَ: فِي بعض طرق مُسلم لَكَانَ أوضح، (فِي السَّبْعَة) أَي فِي شَأْنهمْ (الَّذين يُظُّلهم الله فِي ظِلِّ عَرْشه، فَفِيهِ) أَي فَفِي ذَلِك الحَدِيث بِاعْتِبَار بعض أَلْفَاظه، أَو فِي مُسلم بِاعْتِبَار بعض طرقه. (" وَرجل تصدَّق بِصَدقَة أخفاها حَتَّى لَا تعلم يمينُه مَا تنْفق شِماله "، فَهَذَا) أَي هَذَا الحَدِيث، (مِمَّا انْقَلب) أَي مَتنه (على أحد الروَاة، وَإِنَّمَا هُوَ) أَي الْمَتْن الصَّحِيح: (" حَتَّى لَا تعلم شِمَاله) أَي يسَار الْمُنفق، على إِرَادَة غَايَة الْمُبَالغَة فِي الْإخْفَاء، أَو المُرَاد بِهِ مَنْ على شِمَاله، بِذكر الْمحل وَإِرَادَة الْحَال تجوزاً، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار﴾ فِي وَجه. (مَا تنْفق يَمِينه ") إِذْ الْمَعْلُوم من السُّنَّة إِضَافَة الْإِعْطَاء إِلَى الْيُمْنَى (كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ) أَي كَمَا فِي طرق البُخَارِيّ، وَبَعض طرق مُسلم [١١٣ - أ] فَلَا يُنَافِي مَا سبق أَنه عِنْد مُسلم.

стр. 362

( [المَزيد فِي مُتَّصِل الْأَسَانِيد] ) (أَو أَن كَانَت الْمُخَالفَة بِزِيَادَة راوٍ فِي أثْنَاء الْإِسْنَاد، ومَن لم يَزِدْها أتقنُ مِمَّن زَادهَا) قَوْله: أتقن، من الإتقان، كأفيدُ من الإفادة، وأبلغ من الْمُبَالغَة، أَي أَكثر إتقاناً وإفادة ومبالغة، وأفعل التَّفْضِيل مِمَّا ماضيه على أَرْبَعَة أحرف عِنْد سِيبَوَيْهٍ قِيَاس، وَعند غَيره سَماع، كَذَا فِي " الموشّح ". (فَهَذَا هُوَ الْمَزِيد فِي مُتَّصِل الْأَسَانِيد) وَهُوَ أَن يزِيد الرَّاوِي فِي إِسْنَاد حديثٍ رجلا أَو أَكثر وهْماً مِنْهُ وغَلَطاً، مِثَاله: مَا رُوِيَ عَن عبد الله بن الْمُبَارك قَالَ: حَدثنَا سُفْيَان عَن عبد الرَّحْمَن بن يزِيد بن جَابر قَالَ: حَدثنِي بٌ سْر بن عبيد الله

стр. 363

قَالَ: سَمِعت أَبَا إِدْرِيس يَقُول: سَمِعت واثِلَة بن الأسْقَع يَقُول: سَمِعت أَبَا مَرْثَد الغَنَويّ يَقُول: سَمِعت النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: " لَا تجلسوا على الْقُبُور، وَلَا تُصَلُّوا إِلَيْهَا " فذكرُ سفيانَ وَأبي إِدْرِيس فِي هَذَا زِيَادَة ووَهَم، أمّا أَبُو إِدْرِيس، فَنَسَبَ الْوَهم فِيهِ إِلَى ابْن الْمُبَارك؛ / ٨٠ - ب / لِأَن جمَاعَة من الثِّقَات رَوَوْه عَن ابْن جَابر، عَن بُسْر، عَن وَاثِلة، وَلم يذكرُوا أَبَا إِدْرِيس بَين بُسْر ووَاثِلَة، وصرَح بَعضهم بِسَمَاع بُسْر من وَاثِلة. قَالَ أَبُو حاتِم الرَّازِيّ: كثيرا مَا يحدث بُسْر عَن أبي إِدْرِيس، فوَهِم ابْن الْمُبَارك وَظن أَن هَذَا مِمَّا رَوَاهُ عَنهُ وَاثِلة، وَلَيْسَ كَذَلِك، بل هُوَ مِمَّا سَمعه بُسْر من وَاثِلة. وَأما سُفْيَان فَوَهم فِيهِ من دون ابْن الْمُبَارك لِأَن جمَاعَة ثقاتٍ رَوَوْه عَن ابْن الْمُبَارك، عَن ابْن جَابر بِلَا وَاسِطَة، وصرّح بَعضهم بِلَفْظ الْإِخْبَار بَينهمَا. (وَشَرطه [١١٣ - ب] أَن يقعَ التصريحُ بِالسَّمَاعِ) أَي فِي رِوَايَة مَن لم يزدها، (فِي مَوضِع الزِّيَادَة) لَكِن ترجح جَانب الْحَذف بِقَرِينَة دَالَّة على الْوَهم كَمَا ذكره ابْن

стр. 364

الصّلاح فِي " الْمُقدمَة "، والجزري فِي " الْهِدَايَة "، فَانْدفع مَا قَالَ بَعضهم فِيهِ: إِنَّه على تَقْدِير التَّصْرِيح بِالسَّمَاعِ، لَا يتَعَيَّن الْمَزِيد، لجَوَاز أَن يكون الرَّاوِي سمع من رجل، وَهُوَ من شخص، ثمَّ سمع ذَلِك الرَّاوِي من ذَلِك الشَّخْص نَفسه. وَأما قَول شَارِح: هُوَ أَن يَجِيء رِوَايَة بِوَاسِطَة رَاوِيَيْنِ اثْنَيْنِ، وَأُخْرَى بحذفه مَعَ التَّصْرِيح فِي كل مِنْهُمَا بِالسَّمَاعِ، فَغير صَحِيح لما سبق. (وإلاّ) أَي وَإِن لم يَقع التَّصْرِيح بِالسَّمَاعِ / الْمَذْكُور، (فَمَتَى كَانَ مُعَنْعناً) بِصِيغَة الْمَفْعُول، وَهِي صِيغَة مصنوعة لَا مَوْضُوعَة كالبسملة والحمدلة، أَي فَمَتَى كَانَ الْإِسْنَاد بِلَفْظ عَن فلَان [عَن فلَان] (مثلا) أَي وَنَحْوه مِمَّا يحْتَمل عدم الِاتِّصَال، (ترجحت الزِّيَادَة) فَعلم أَن حَدِيث الثِّقَة كَانَ مُنْقَطِعًا لَا مُتَّصِلا، وَإِن كَانَ مُحْتملا قبل هَذِه الزِّيَادَة. فَإِن قيل: إِن كَانَ السَّنَد الْخَالِي عَن الزَّائِد بِلَفْظ: عَن، احْتمل أَن يكون مُرْسلا، وَإِن كَانَ بِلَفْظ السماع وَنَحْوه، احْتمل أَن يكون سَمِعَه مرّة عَن رجل عَنهُ، ثمَّ سَمعه مِنْهُ، فَلَا يتَحَقَّق الْوَهم! فَالْجَوَاب: أنّ الظَّاهِر من مثل هَذَا أَن يَذْكُر السَماعَين، فلمّا لم يذكرهما، حُمِل على الزِّيَادَة. وَأَيْضًا قد يُوجد قرينَة تدل على أَنه وَهْم كَمَا ذَكرْنَاهُ عَن أبي حَاتِم وَهُوَ الْمَفْهُوم من " الْمُقدمَة "، فَالزِّيَادَة حِينَئِذٍ مرادف الْغَلَط، والسهو خَارج عَمَّا يُقَال من أنّ زِيَادَة الثِّقَة مَقْبُولَة، وَأما قَول شَارِح: ترجحت الزِّيَادَة وَيعْمل بِالْإِسْنَادِ الْمُثبت، وَيجْعَل الآخر مُنْقَطِعًا أَو مُرْسلا، أَو نَحْو ذَلِك لِأَن زِيَادَة الثِّقَة مَقْبُولَة كَمَا سبق، فمردود.

стр. 365

( [المُضْطَرِب] ) (أَو إِن كَانَت الْمُخَالفَة بإبداله، أَو الرَّاوِي) أَشَارَ إِلَى أَن الْإِبْدَال مُضَاف إِلَى الْفَاعِل، وَالْمَفْعُول مَحْذُوف، أَي الشَّيْخ الْمَرْوِيّ عَنهُ، أَو بَعْضًا من الْمَرْوِيّ، فَيكون [١١٤ - أ] شَامِلًا لمضطرب الْمَتْن أَيْضا. قَالَ تِلْمِيذه: أَي بإبدال الشَّيْخ الْمَرْوِيّ عَنهُ، كَأَن يروي اثْنَان حَدِيثا فيرويه أَحدهمَا عَن شيخ، وَالْآخر / ٨١ - أ / عَن آخر، ويتفقا فِيمَا بعد ذَلِك الشَّيْخ. وَقَالَ السخاوي: كَأَن يروي اثْنَان أَو أَكثر، رِوَايَة وَاحِدَة مرّة على وَجه، وَأُخْرَى على آخر مُخَالف لَهُ. (وَلَا مرجِّح لإحدى الرِّوَايَتَيْنِ على الْأُخْرَى) وَأما إِن ترجحت إِحْدَاهمَا بِأَن يكون راويهما أحفظ، أَو أَكثر صُحْبَة للمروي عَنهُ، أَو غير ذَلِك، فَالْحكم للراجحة وَلَا يكون حِينَئِذٍ مضطرباً. (فَهَذَا) أَي مَا وَقع فِيهِ ذَلِك، (هُوَ المضطرِب) بِكَسْر الرَّاء اسْم فَاعل من اضْطربَ كَمَا ذكره السخاوي. (وَهُوَ) أَي الِاضْطِرَاب، (يَقع فِي الْإِسْنَاد غَالِبا) وَيلْزم مِنْهُ أَن يكون الحَدِيث ضَعِيفا، لإشعاره بِأَن لم يُضْبَط على مَا ذكره الْجَزرِي

стр. 366

(وَقد) للتقليل، (يَقع فِي الْمَتْن) أَي فَقَط. (لكنْ قلّ أَن يَحكم المحدثُ على الحَدِيث بِالِاضْطِرَابِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الِاخْتِلَاف فِي الْمَتْن دون الْإِسْنَاد) اسْتِدْرَاك عَمَّا يُتَوَهَّم أَنه يجوز أَن يكون قَلِيلا فِي نَفسه، وَكَثِيرًا بِاعْتِبَار حكم الْمُحدث بِهِ، فَانْدفع مَا قيل: إِن التقليل يفهم من قَوْله: غَالِبا، وَكَذَا من قد فِي قَوْله: وَقد يَقع فِي الْمَتْن، فَلَا يحسن اسْتِعْمَاله، قَالَ التلميذ: قَوْله: قلّ أَن يحكم الْمُحدث ... الخ؛ لِأَن تِلْكَ وَظِيفَة الْمُجْتَهد فِي الحكم. انْتهى. وَفِيه أَن الْمُحدث من جملَة الْمُجْتَهدين بل رُبمَا يعْتَمد بعض الْمُجْتَهدين على حكم الْمُحدث فِي الحَدِيث بِالصِّحَّةِ وَعدمهَا. هَذَا، وَمِثَال المضطرب فِي الْإِسْنَاد مَا روينَاهُ فِي سنَن أبي دَاوُد وَابْن مَاجَه، من رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن أُميَّة، عَن أبي عَمرو بن مُحَمَّد بن حُرَيْثٍ، عَن جَدِّه حُرَيْث، عَن أبي هُرَيْرَة عَن رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم: [١١٤ - ب] " إِذا صلى أحدُكُم / فليجعل تِلْقَاء وَجهه شَيْئا " الحَدِيث. وَفِيه: " فَإِذا لم يَجدْ عَصا ينْصِبُها بَين يَدَيْهِ، فليخُطَّ خَطّاً ". قد اخُتلِف فِيهِ على إِسْمَاعِيل اخْتِلَافا كثيرا، فَرَوَاهُ بِشْر بن المُفَضَّل،

стр. 367

ورَوْح بن الْقَاسِم عَن إِسْمَاعِيل هَكَذَا، وَرَوَاهُ سُفيان الثَّوْريّ عَنهُ، عَن أبي عَمرو بن حُرَيث عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة ﵁، وَرَوَاهُ حُمَيْد بن الأَسْوَد عَن إِسْمَاعِيل، عَن أبي عَمرو بن مُحَمَّد بن حُرَيث بن سُلَيم، عَن أَبِيه، عَن أبي هُرَيْرَة ﵁. وَرَوَاهُ وُهَيْب [بن خَالِد] وَعبد الْوَارِث عَن إِسْمَاعِيل، عَن أبي عَمْرو بن حُريث [عَن جَدِّه حُرَيث] . وَقَالَ عبد الرَّزَّاق: عَن ابْن جُريج سمع إِسْمَاعِيل [بن أُميَّة] عَن حُريث بن عمّار، عَن أبي هُرَيْرَة، وَفِيه من الِاضْطِرَاب أَكثر من هَذَا. قَالَ ابْن عُيَيْنَة: لم نجِدْ شَيْئا نَشد بِهِ هَذَا الحَدِيث. وَمِثَال المضطرب فِي الْمَتْن، حَدِيث فَاطِمَة بنت قَيْس، قَالَت: سَأَلت أَو سُئِلَ النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم عَن الزَّكَاة، فَقَالَ: " إِن فِي المَال لَحقا سوى الزَّكَاة ". فَهَذَا الحَدِيث قد اضْطربَ لَفظه وَمَعْنَاهُ، فَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ هَكَذَا من رِوَايَة شريك عَن أبي حَمْزَة عَن الشَّعْبي عَن فَاطِمَة، وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من / ١٨ - ب / هَذَا الْوَجْه بِلَفْظ: " لَيْسَ فِي المَال حق سوى الزَّكَاة ". فَهَذَا

стр. 368

الِاضْطِرَاب لَا يحْتَمل التَّأْوِيل، وَقَول الْبَيْهَقِيّ: لَا يَحْفَظُ لهَذَا اللَّفْظ الثَّانِي إِسْنَادًا، مَرْدُود بِمَا رَوَاهُ ابْن مَاجَه هَكَذَا ذكره الْجَزرِي. لَكِن قَوْله لَا يَحتمل التَّأْوِيل، فِيهِ بحث، إِذْ يُمكن حمل النَّفْي على الْحق الْوَاجِب الشَّرْعِيّ، وَالْإِثْبَات على الْوُجُوب الْعرفِيّ من الضِّيَافَة، وإعارة الماعون، وَالْمَال فِي النَّفْي يُرَاد بِهِ الْمَعْهُود الَّذِي يجب فِيهِ الزَّكَاة، وَفِي الْإِثْبَات جنس المَال الَّذِي يجب فِيهِ نَفَقَة ذَوي الْأَرْحَام وَنَحْوهَا [١١٥ - أ] ، مَعَ أَن الْقَاعِدَة المقرَّرَة أَن الْإِثْبَات مُقَدِّمٌ على النَّفْي عِنْد الْمُعَارضَة. ويَقْرب مِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتى المَال على حبه ذَوي الْقُرْبَى واليتامى وَالْمَسَاكِين وَابْن السَّبِيل والسائلين وَفِي الرّقاب وَأقَام الصَّلَاة وَآتى الزَّكَاة﴾ قَالَ الْبَيْضَاوِيّ: يحْتَمل أَن يكون الْمَقْصُود مِنْهُ، وَمن قَوْله: ﴿وَآتى المَال﴾ الزَّكَاة الْمَفْرُوضَة، وَلَكِن الْفَرْض من الأول بَيَان مصارفها، وَمن الثَّانِي أَدَاؤُهَا، والحث عَلَيْهَا، وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد بِالْأولِ، نوافلَ الصَّدقَات، أَو حقوقاً كَانَت فِي المَال سوى الزَّكَاة. انْتهى. وَيُؤَيّد الْأَخير مَا روى ابْن أبي حَاتِم أَنه قَالَ ﵊: " فِي المَال حق سوى الزَّكَاة، ثمَّ قَرَأَ ﴿لَيْسَ الْبر﴾ " إِلَى قَوْله: ﴿وَفِي الرّقاب﴾ . وَقد قَالَ ابْن الصّلاح: وَقد يَقع الِاضْطِرَاب فِي الْمَتْن، وَهُوَ مَا اخْتلف الرِّوَايَات فِيهِ، فيرويه بَعضهم على وَجه، وَبَعْضهمْ على وَجه آخر مُخَالف لَهُ، وَلَا

стр. 369

يتَرَجَّح إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ على الْأُخْرَى، وَلَا يُمكن الْجمع بَينهمَا، فَإِن ترجحت، بِأَن يكون راويها أحفظ، أَو أَكثر صُحْبَة للمروي عَنهُ [لَا] سِيمَا إِذا كَانَ ولدهَ أَو قريبَه، أَو مَوْلَاهُ أَو بلِديّه، أَو غير ذَلِك من وُجُوه التَّرْجِيح الْمُعْتَمد، كَكَوْنِهِ حِين التَّحَمُّل بَالغا، أَو سَمَاعه من لفظ شَيْخه، فَالْحكم للراجح وَلَا يكون الحَدِيث حِينَئِذٍ / مضطرباً، وَكَذَا إِن أمكن الْجمع بِحَيْثُ يُمكن أَن يكون الْمُتَكَلّم معبِّراً باللفظين فَأكْثر عَن معنى واحدٍ، أَو يحمل كل مِنْهُمَا على حَالَة لَا تنَافِي الْأُخْرَى وَإِنَّمَا كَانَ الِاضْطِرَاب مُوجبا لضعف الحَدِيث لإشعاره بِعَدَمِ ضبط الرَّاوِي، أَو رُوَاته الَّذِي هُوَ شَرْط الْقبُول، وَهُوَ مَحْمُول على وُقُوع الْإِبْدَال فِي السَّنَد، أَو الْمَتْن مِنْهُ سَهوا أَو خطأ. (وَقد يَقع الْإِبْدَال عمدا لمن يُرَاد اختبار حفظه) الظَّاهِر [١١٥ - ب] أَنه صلَة للامتحان الَّذِي هُوَ عِلّة تعمُّد الْإِبْدَال، فَكَانَ حَقه تَأَخره عَن قَوْله: (امتحاناً) أَي لمن يُرَاد امتحانه امتحاناً (من فَاعله) أَي فَاعل الْإِبْدَال، جعله المُصَنّف من أَقسَام الْإِبْدَال وَإِن جعله غَيره من أَقسَام الْقلب، لقلَّة مناسبته بِالْقَلْبِ، كَذَا قَالَه شَارِح، وَالْأَظْهَر عِنْدِي أنّ مناسبته بِالْقَلْبِ أقوى / ٨٢ - أ /، فَإِنَّهُ يُفِيد الْعَكْس بِخِلَاف الْإِبْدَال، كَمَا يظْهر وَجهه فِي الْمِثَال، وَلذَا جعله السخاوي من أَقسَام الْمركب، وَهُوَ مَا رُكِّب مَتنه لإسناد [آخر] لم يكن لَهُ، لِأَن الْمَقْصُود بِالذَّاتِ هُنَا تركيب إِسْنَاد متن لمتن آخر، [لَا إِبْدَال إِسْنَاد بِإِسْنَاد آخر من غير أَن

стр. 370

يُلَاحظ] تركيبه. قلت: وَمَعَ هَذَا، يُلَاحظ فِي الْقلب معنى زَائِد على هَذَا و [هُوَ] تركيب متن آخر [لإسناد آخر] ، فَانْدفع مَا قَالَ الشَّارِح: إنّ الْأَنْسَب مَا فعله السخاوي. وَأما قَول الشَّارِح: مِثَاله حَدِيث رَوَاهُ جرير بن حَازِم عَن ثَابت البُنَانّي عَن أنس ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم: " إِذا أُقِيمَت الصَّلَاة فَلَا تقوموا حَتَّى تَرَوْني "، فَهَذَا حَدِيث انْقَلب إِسْنَاده على جرير بن حَازِم لِأَن هَذَا الحَدِيث مَشْهُور ليحيى بن كثيرٍ عَن عبد الله بن أبي قَتَادة، عَن أَبِيه، عَن النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، فخطأ فَاحش من الشَّارِح، لِأَن الْكَلَام فِي الْإِبْدَال عمدا امتحاناً، وَلذَا قَالَ المُصَنّف: (كَمَا وَقع للْبُخَارِيّ والعُقَيْلي) بِضَم عين، وَفتح قَاف، (وَغَيرهمَا) أَي مِمَّن وَقع الْإِبْدَال عمدا فِي حَقهم امتحاناً لمعْرِفَة ضبطهم وحفظهم، أما البُخَارِيّ، فقد رُوِيَ أَنه لما أَتَى بَغْدَاد، سمع بِهِ أَصْحَاب الحَدِيث، فَاجْتمعُوا وعَمَدوا إِلَى مئة حَدِيث فقلبوا متونها وأسانيدها، وَجعلُوا متن هَذَا الْإِسْنَاد لإسناد آخر، وَإسْنَاد هَذَا الْمَتْن لمتن آخر، وانتخبوا عشرَة من الرِّجَال [١١٦ - أ] ودفعوا لكل مِنْهُم عشرَة مِنْهَا وتواعدوا كلهم على الْحُضُور بِمَجْلِس البُخَارِيّ، فَلَمَّا حَضَرُوا وَاطْمَأَنَّ الْمجْلس بأَهْله البغداديين ومَن انْضَمَّ إِلَيْهِم من الغرباء من أهل خُرَاسَان وَغَيرهم، تقدم إِلَيْهِ وَاحِد من الْعشْرَة وَسَأَلَهُ من أَحَادِيثه وَاحِدًا وَاحِدًا، البُخَارِيّ يَقُول لَهُ فِي

стр. 371

كل مِنْهَا: لَا أعرفهُ، وَفعل الثَّانِي كَذَلِك إِلَى أَن استوفى العشرةُ المئة؛ وَهُوَ لَا يزِيد فِي كل مِنْهَا على قَوْله: لَا أعرفهُ. وَكَانَ الْفُقَهَاء مِمَّن حضر، يلْتَفت بَعضهم إِلَى بعض وَيَقُولُونَ: فَهِم الرجل، وَمن كَانَ مِنْهُم غير ذَلِك يقْضِي عَلَيْهِ بِالْعَجزِ، وَالتَّقْصِير، وقِلة الْفَهم لكَونه عِنْده - لمقْتَضى عدم تَمْيِيزه - حَيْثُ لم يعرف وَاحِدًا من مئة، وَلما فهم البُخَارِيّ ﵀ من قرينَة الْحَال / انتهاءهم من مسألتهم، الْتفت إِلَى السَّائِل الأول وَقَالَ لَهُ: سَأَلت عَن حَدِيث كَذَا، وَصَوَابه كَذَا، إِلَى آخر أَحَادِيثه، وَهَكَذَا الْبَاقِي فردّ المئة إِلَى حكمهَا الْمُعْتَبر قبل [الْقلب] ، فأقرَّ لَهُ النَّاس بِالْحِفْظِ، وأذعَنُوا لَهُ بِالْفَضْلِ، وعُلُو الْمحل والمنزلة فِي هَذَا الشَّأْن. وَأما العُقَيلي، فَذكر مَسلَمة بن الْقَاسِم فِي تَرْجَمته أَنه كَانَ لَا يُخْرجُ أَصله لمن يَجِيئهُ من أَصْحَاب الحَدِيث بل يَقُول لَهُ: اقْرَأ فِي كتابك، فأنكرنا [- أهل الحَدِيث - ذَلِك فِيمَا بَيْننَا عَلَيْهِ] وَقُلْنَا: إِمَّا أَن يكون من أحفظ / ٨٢ - ب / النَّاس، أَو من أكذبهم، ثمَّ عَمَدنا إِلَى كتابةِ أَحَادِيث من رِوَايَته، بعد أَن بدّلنا مِنْهَا ألفاظاً، وزدنا فِيهَا ألفاظاً، وَتَركنَا مِنْهَا أَحَادِيث صَحِيحَة، وَآتَيْنَاهُ بهَا، والتمسنا مِنْهُ سماعهَا، فَقَالَ لي: اقْرَأ، فقرأتها عَلَيْهِ، فَلَمَّا انْتَهَيْت إِلَى الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان، فَطِن وَأخذ مني الْكتاب، فَألْحق فِيهِ بِخَطِّهِ النَّقْص، وَضرب على الزِّيَادَة وصححها كَمَا كَانَت. ثمَّ قَرَأَهَا علينا [فانصرفنا] وَقد طابت أَنْفُسنَا،

стр. 372

وَعلمنَا أَنه من أحفظ النَّاس، ذكره السخاوي. (وَشَرطه) أَي الْإِبْدَال عمدا، (أَن لَا يسْتَمر عَلَيْهِ) أَي لَا يبْقى المبدَلُ على [١١٦ - ب] صورته لِئَلَّا يُظَن أَنه ورد كَذَلِك عَن رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم. (بل يَنْتَهِي) أَي بَقَاء الْإِبْدَال (بانتهاء الْحَاجة) وَهِي الامتحان، (فَلَو وَقع الإبدالُ عمدا لَا لمصلحةٍ) أَي مُعْتَبرَة كالامتحان، (بل للإغراب مثلا) أَي وَنَحْوه مِمَّا لَيْسَ فِيهِ مصلحَة شَرْعِيَّة، (فَهُوَ من أَقسَام الْمَوْضُوع، وَلَو وَقع غَلطا، فَهُوَ من المقلوب أَو المُعَلّل) أَي مَا وَقع فِيهِ ذَلِك الْإِبْدَال من أقسامه. وَقَالَ السخاوي: بل كالموضوع، وَصَاحب الْخُلَاصَة جعله من أَقسَام المقلوب حَيْثُ قَالَ: هُوَ نَحْو حَدِيث مَشْهُور عَن سَالم، جُعل عَن نَافِع، ليصير بذلك [غَرِيبا] مرغوباً فِيهِ. وَهَذَا يدل على أَن المقلوب لَا يخْتَص بِمَا فِيهِ التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير، فاللاحق يُنَافِي السَّابِق إِلَّا أَن يكون للمقلوب مَعْنيانِ. ( [المُصَحَّف والمُحَرَّف] ) (أَو إِن كَانَت الْمُخَالفَة بتغيير حرف) أَي بِسَبَب التَّلَفُّظ بتغيير حرف، (أَو

стр. 373

حُرُوف) أَي اثْنَيْنِ فَصَاعِدا (مَعَ بَقَاء صُورَة الْخط فِي السِّياق) أَي سِيَاق اللَّفْظ، وَأبْعد محشٍ حَيْثُ قَالَ: أَي سِيَاق الْإِسْنَاد. وَقَالَ التلميذ: لَا يظْهر لهَذَا السِّيَاق كثير معنى. انْتهى. ثمَّ تَغْيِير الْحُرُوف إِمَّا حَقِيقَة، كَمَا فِي تَغْيِير النُقْط، أَو مجَازًا، كَمَا فِي تَغْيِير الشَّكْل، فَإِن المغير حَقِيقَة إِنَّمَا هُوَ ذَلِك الْعَارِض، فَانْدفع مَا قَالَ التلميذ وَيخرج من الشَّرْح نظره فِي الْمَتْن، لِأَن صَرِيح الشَّرْح أَن الْمَحْذُوف مَا وَقع التَّغْيِير فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى حَرَكَة الْحُرُوف، وصريح الْمَتْن، أَن يكون بتغيير الْحُرُوف، وَلَيْسَ كَذَلِك، فالباء بَاء، سَوَاء كَانَت مَضْمُومَة أَو مَفْتُوحَة أَو مَكْسُورَة، إِن كَانَ المُرَاد أَعم من تَغْيِير الذَّات والهيئة، فَمَا وَجهه، انْتهى. وَوَجهه مَا بَينا، مَعَ مَا تقدم من أَن الْمَتْن وَالشَّرْح جعلا مؤلفاً وَاحِدًا، فَلَا مُغَايرَة بَينهمَا، بل يتحد مآلهما وَلَو تعدد حَالهمَا [١١٧ - أ] . (فَإِن كَانَ ذَلِك) أَي التَّغْيِير (بِالنِّسْبَةِ إِلَى النقطة) وَفِي نُسْخَة: إِلَى النَّقط من نَقَطْتُّ الْكتاب نَقْطَاً / وَضَعْتُ عَلَيْهِ النُّقْطَة. (فالمُصَحِّف) اسْم مفعول من التَّصْحِيف، وَهُوَ أَعم من أَن يكون مَعَه تَغْيِير

стр. 374

إِعْرَاب أم لَا. (وَإِن كَانَ) أَي ذَلِك التَّغْيِير، (بِالنِّسْبَةِ إِلَى الشكل) أَي الحركات / ٨٣ - أ / والسكنات، من شَكَلْت الْكتاب، قيدته بالإعراب. (فالمُحَرَّف) وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿يحرفُونَ الْكَلم عَن موَاضعه﴾ وَفِي آيَة ﴿من بعد موَاضعه﴾ ، أَي مراتبه اللائقة بِهِ. فمثال المُصَحَّف: حَدِيث: " من صَامَ رَمَضَان، وأَتْبَعهُ سِتاً من شَوَّال " صحفه أَبُو بكر الصُّوليّ فَقَالَ: " شَيْئا " بالشين الْمُعْجَمَة وَالْيَاء. وَمِثَال المحرِّف: كَحَدِيث جَابر ﵁: " رُمِيَ أُبَيٌّ يَوْم الْأَحْزَاب على أَكْحَلِه فكواه رَسُول الله [ ﷺ ] "، صحّفه غُنْدَر وَقَالَ فِيهِ: أَبِي، بِالْإِضَافَة، وَإِنَّمَا هُوَ أُبيّ [بن] كَعْب. وَأَبُو جَابر كَانَ قد اسْتشْهد قبل ذَلِك بأحُد، كَذَا ذكره الْجَزرِي. وَجعل صَاحب الْخُلَاصَة المُصَحَّف أقساماً: مِنْهَا مَا يكون محسوساً بالبصر، إِمَّا فِي الْإِسْنَاد، كَمَا صحّف يحيى بن معِين مُرَاجِم بالراء الْمُهْملَة، وَالْجِيم، بمزَاحم، بالزاي والحاء الْمُهْملَة. أَو فِي الْمَتْن، كَمَا صحف أَبُو بكر

стр. 375

الصُّوليّ سِتا بشيئاً. وَمِنْهَا مَا يكون محسوساً [بِالسَّمْعِ] . أما فِي الْإِسْنَاد، كتصحيف عَاصِم الْأَحول بِوَاصل الأحدب. قَالَ الرَّازِيّ: ظَنِّي أَن هَذَا من تَصْحِيف [السّمع لَا من تَصْحِيف] الْبَصَر، لعدم الِاشْتِبَاه بِالْكِتَابَةِ، وَأما فِي الْمَتْن، كتصحيف الدَّجاجة بِالدَّال بالزُّجَاجَة بالزاي. وَمِنْهَا مَا يكون معنى، كَمَا تُوُهِّم مِمَّا ثَبت فِي الصَّحِيح " أَن رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم صّلى إِلَى عَنَزَة "، وَهِي حَرْبة تُنصَب بَين يَدَيْهِ أَنه [ ﷺ ] صلّى إِلَى قَبيلَة بني عنزة. انْتهى. وَابْن الصّلاح وَغَيره سمّى الْقسمَيْنِ محرّفاً، وَلَا مُشَاحَّة فِي الِاصْطِلَاح. وَالْفرق أدق عِنْد أَرْبَاب الْفَلاح. (وَمَعْرِفَة هَذَا [١١٧ - ب] النَّوْع) أَي من التَّغْيِير الْمُشْتَمل على الْقسمَيْنِ. وَقَالَ التلميذ: قَوْله: وَمَعْرِفَة هَذَا النَّوْع: أَي الْمُصحف والمحرف. انْتهى. وَفِيه من الْمُسَامحَة مَا لَا يخفى.

стр. 376

( [مهمَّة) أَي أَمر مُهِمّ أوقع الْعلمَاء فِي الاهتمام بِهِ] ، (وَقد صنف فِيهِ العَسْكَرِيّ والدَّارَقُطْنِيّ وَغَيرهمَا) كالخطابي، وَابْن الْجَوْزِيّ، (وَأكْثر مَا يَقع) مَا مَصْدَرِيَّة، أَي أَكثر وُقُوعه كَائِن (فِي الْمُتُون، وَقد يَقع فِي الْأَسْمَاء الَّتِي فِي الْأَسَانِيد) أَي من أَسمَاء رجال طرق الْمُتُون، وألقابهم وأنسابهم. (وَلَا يجوز تعمُّد تَغْيِير صُورَة الْمَتْن) الْمَقْصُود بِبَيَان حَال التَّصْحِيف والتحريف، وَأما النَّقْص والإبدال، فاستطرادي (مُطلقًا) أَي سَوَاء فِي الْمُفْردَات أَو المُرَكّبات، قَالَه التلميذ. وَالْأَظْهَر أَن المُرَاد بقوله مُطلقًا، أَي لَا بِتَقْدِيم وَلَا بِتَأْخِير، وَلَا بِزِيَادَة، وَلَا نقص بِحرف فَأكْثر، وَلَا بإبدال حرف فَأكْثر بِغَيْرِهِ، وَلَا مشدَّد بمخفَّف، أَو عَكسه. (وَلَا الِاخْتِصَار مِنْهُ بِالنَّقْصِ، وَلَا إِبْدَال اللَّفْظ المرادِف بِاللَّفْظِ المرادِف لَهُ) . لَا يخفى أَن المرادف فِي الْمَتْن عطف على النَّقْص، وَلَكِن بِاعْتِبَار حذف الْمُضَاف وَهُوَ الْإِتْيَان، وَفِي الشَّرْح صفة اللَّفْظ / ٨٣ - ب / المقدَّر، فأسلوب عبارَة الْمَتْن يدل على أَن النَّقْص، وإتيان المرادف، تَفْصِيل / لتغيير الْمَتْن، وَالْمعْنَى: لَا يجوز تعمد تَغْيِير الْمَتْن بِشَيْء من هذَيْن الْوَجْهَيْنِ. (إِلَّا لعالم) الخ، وَقد غَيَّر الأسلوب فِي الشَّرْح، حَيْثُ زَاد قَوْله: مُطلقًا، وَزَاد قَوْله: وَلَا الِاخْتِصَار مِنْهُ، بَين قَوْله: مُطلقًا وَبَين قَوْله: بِالنَّقْصِ فَاحْتَاجَ حِينَئِذٍ إِلَى تَقْدِير: لَا إِبْدَال اللَّفْظ، ليَكُون عطفا على الِاخْتِصَار، فَصَارَ الْمَعْنى: لَا يجوز تعمُّد

стр. 377

تَغْيِير صُورَة الْمَتْن مُطلقًا، أَي أصلا لَا لعالم وَلَا لغيره، وَلَا يجوز الِاخْتِصَار بِالنَّقْصِ وَلَا الْإِبْدَال بالمرادف إِلَّا لعالم. فَيَنْبَغِي أَن يُرَاد بتغيير صُورَة الْمَتْن معنى لَا يَشْمَل الِاخْتِصَار بِالنَّقْصِ، [١١٨ - أ] وَلَا الْإِبْدَال بالمرادف، مثل تَغْيِير الْحُرُوف بالنقط، وتغيير حركاتها، وسكناتها كَمَا مَّر فِي التَّصْحِيف والتحريف. ومَثَّل التَّغْيِير بِزِيَادَة لفظ أَجْنَبِي فِي أثْنَاء الْمَتْن، ومَثَّلَ إِبْدَال اللَّفْظ بِاللَّفْظِ الْأَجْنَبِيّ الْغَيْر المرادف. وَالْحَاصِل، أَنه لَا يجوز مَا ذكر إِلَّا لعالم (بمدلولات الْأَلْفَاظ) أَي مَعَانِيهَا اللُّغَوِيَّة (وَبِمَا يُحِيل) من أَحَالهُ غَيره، أَي بِمَا يُغيَّر (الْمعَانِي) كَأَنَّهُ عطف تَفْسِير، لذا أَتَى بِالْوَاو العاطفة فِي الشَّرْح. (على الصَّحِيح فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ) أَي مَسْأَلَة اخْتِصَار الحَدِيث، وَمَسْأَلَة الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى، فَإِنَّهُمَا جائزتان للْعَالم الْمَذْكُور بِنَاء على القَوْل الصَّحِيح، خلافًا لمن خَالف فيهمَا. وَأما غير الْعَالم، فَلَا يجوز لَهُ [ذَلِك] بِاتِّفَاق الْعلمَاء. رُوِيَ أنّ بعض أَصْحَاب الحَدِيث رُئي فِي الْمَنَام وَكَأَنَّهُ قُدَّ من شفته أَو لِسَانه بِشَيْء، فَقيل لَهُ فِي ذَلِك؟ فَقَالَ: لفظةٌ من حَدِيث رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم غيَّرتُها ففُعِل بِي هَذَا. قَالَ: وَكَثِيرًا مَا يَقع مَا يتوهَّمُه كثير من أهل الْعلم خطأ، وَرُبمَا غيّره وَيكون صَحِيحا، وَإِن خَفي وجههُ، واستُغرب وُقُوعه، لَا سِيمَا فِيمَا يُنكَر من حَيْثُ الْعَرَبيَّة،

стр. 378

وَذَلِكَ لتشعُّب لغاتها. ( [اخْتِصَار الحَدِيث] ) (أما اخْتِصَار الحَدِيث) الخ مَعَ قَوْله: وَأما الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى ... الخ، تَفْصِيل للمسألتين، وكونهما جائزتين فِي الصَّحِيح كَمَا ذكرنَا. (فالأكثرون على جَوَازه بِشَرْط أَن يكونَ الَّذِي يختصرهُ عَالما) اخْتلف الْعلمَاء فِي جَوَاز الِاقْتِصَار على بعض الحَدِيث، وَحذف بعضه على أَقْوَال: أَحدهَا: الْمَنْع مُطلقًا، بِنَاء على معنى الرِّوَايَة [بِالْمَعْنَى] ، لما فِيهِ من التَّصَرُّف فِي الْجُمْلَة. وَثَانِيها: الْجَوَاز مُطلقًا. وَثَالِثهَا: أَنه إِن لم يكن رَواه هُوَ أَو غَيره على التَّمام مرّة أُخْرَى لم يجز، وَإِلَّا جَازَ، وَسَيَجِيءُ بَيَانه. وَرَابِعهَا: وَهُوَ الصَّحِيح الَّذِي ذهب إِلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ، وَاخْتَارَهُ [١١٨ - ب] ابْن الصّلاح، والتفصيلُ، وَهُوَ منع الْجَوَاز من غير الْعَالم، وَالْجَوَاز مِنْهُ سَوَاء جوَّزنا الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى أم لَا، وَسَوَاء رَوَاهُ هُوَ أَو غَيره على التَّمام [مرّة أُخْرَى] أم لَا.

стр. 379

(لِأَن الْعَالم لَا يَنْقص من الحَدِيث إِلَّا مَا لَا تعلُّق لَهُ) أَي / ٨٤ - أ / للمنقوص والمحذوف (بِمَا يُبْقيه) بِالتَّخْفِيفِ، ويُشَدَّد أَي بِمَا يتْرك (مِنْهُ) أَي من الحَدِيث، (بِحَيْثُ لَا تخْتَلف الدّلَالَة وَلَا يخْتل الْبَيَان) أَي الحكم، (حَتَّى يكون) أَي لَا يخْتَلف، حَتَّى لَو اخْتلف لَكَانَ (الْمَذْكُور والمحذوف بِمَنْزِلَة خبرين) أَي منفصلين. (أَو يدل / مَا ذَكَرَه على مَا حَذَفه) لَيْسَ عطفا على " مَا " فِي حَيِّز حَتَّى كَمَا لَا يخفى، بل هُوَ عطف بِحَسب الْمَعْنى على حَيِّز " إِلَّا " فِي قَوْله: إِلَّا مَا لَا تعلق ... الخ، وَالْمعْنَى: أَن الْعَالم لَا يُنقِص إِلَّا إِذا لَا يتَعَلَّق الْمَحْذُوف بِمَا يبقيه، أَو إِلَّا إِذا يدل ... الخ، وَيجوز أَن يكون قَوْله: أَو يدل، عطفا على قَوْله: لَا تعلق لَهُ ... الخ، عطف الفعلية على الاسمية، وَيكون قَوْله: مَا حذفه، من وضع الظَّاهِر مَوضِع [الضَّمِير] الْعَائِد إِلَى " مَا " الْمقدرَة قبل قَوْله: يدل. (بِخِلَاف الجاهِل) حَيْثُ لَا يجوز لَهُ اخْتِصَار؛ (فَإِنَّهُ) أَي الْجَاهِل، (قد يُنْقِص مَا لَهُ تعلُّق) أَي ضَرُورِيّ يفْسد بِتَرْكِهِ الْمَعْنى. (كتركه الِاسْتِثْنَاء) أَي فِي نَحْو قَوْله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم: " لَا يُبَاع الذَّهَب بِالذَّهَب إِلَّا سَوَاءً بسَواء "، فَإِنَّهُ لَا يجوز حذفه بِلَا خلاف، وَفِي مَعْنَاهُ ترك

стр. 380

الْغَايَة نَحْو قَوْله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم: " لَا تُبَاعُ الثَّمَرَةُ حَتَّى تُزْهِيَ ". قيل: وَهَذَا الْجَوَاز للْعَالم إِنَّمَا هُوَ إِذا ارْتَفَعت مَنْزِلَته عَن التُهَمَة، فَأَما من رَوَاه تامّاً فخاف إِن رَوَاهُ ثَانِيًا نَاقِصا، أَن يُتَّهم بِزِيَادَة فِيمَا رَوَاهُ أَولا، أَو بنسيانٍ لِغَفْلَتِه وقلةِ ضَبطه فِيمَا رَوَاهُ ثَانِيًا، فَلَا يجوز لَهُ النُّقْصَان ثَانِيًا، وَكَذَا لَا يجوز للمتهم ابْتِدَاء [١١٩ - أ] الاقتصارُ على بعضه، إِذا كَانَ قد تعيَّن عَلَيْهِ أَدَاؤُهُ بِتَمَامِهِ، لِئَلَّا يخرج بذلك عَن حَيَّز الِاحْتِجَاج. وَأما تقطيع مُصَنف الحَدِيث الواحدّ، وتفريقه فِي الْأَبْوَاب للاحتجاج بِهِ فِي الْمحَال المتفرقة المتنوعة، فَهُوَ إِلَى الْجَوَاز أقرب، وَقد فعله الْأَئِمَّة: كمالكٍ، وَأحمد، وَأبي دَاوُد، وَالنَّسَائِيّ، وَغَيرهم. وَحكى الخَلاَّل عَن أَحْمد أَنه يَنْبَغِي أَن لَا يفعل، وَكَذَا حكى عَنهُ أَنه قَالَ: يَنْبَغِي أَن يحدث بِالْحَدِيثِ وَلَا يغيِّره. وَقَالَ ابْن الصّلاح: لَا يَخْلُو ذَلِك عَن كَرَاهَة. قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: وَفِي قَوْله نظر، وَلَعَلَّ وَجهه أَنه لَا فرق بَين الرِّوَايَة والاحتجاج كَمَا يُشْعِر بِهِ كَلَام السخاوي فِي شرح التَّقْرِيب، وَهَذَا احتجاج، والاحتجاج بِبَعْض الحَدِيث جَائِز؛ لدلالته على الحكم المستقل.

стр. 381

( [الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى] ) (وَأما الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى) إِشَارَة إِلَى إِبْدَال اللَّفْظ بمرادفة، (فَالْخِلَاف فِيهَا شهير، وَالْأَكْثَر) أَي من أهل الحَدِيث وَالْفِقْه وَالْأُصُول، وَمِنْهُم الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة، (على الْجَوَاز) أَي بِالشّرطِ الْمَذْكُور (أَيْضا) أَي كَمَا فِي اخْتِصَار الحَدِيث. (وَمن أقوى حججهم) أَي أدلتهم، (الْإِجْمَاع على جَوَاز شرح الشَّرِيعَة) أَي أَحْكَامهَا من الْكتاب وَالسّنة، (للعجم) وهم مَا عدا / ٨٤ - ب / الْعَرَب (بلسانهم) أَي بلغاتهم الْمُخْتَلفَة من الفارسية، والتركية، والهندية، لقَوْله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم: " بلِّغوا عني " و " ليُبلِّغ الشاهدُ مِنْكُم الغائبَ ". (للعارف بِهِ) أَي بِمَا ذكر من اللِّسَانين. (فَإِذا جَازَ الْإِبْدَال بلغَة أُخْرَى، فجوازه باللغة الْعَرَبيَّة أولى) أَي وبالقبول أحْرى، فِيهِ أَنه يجوز، بل يجب أَن يكون الْإِبْدَال بلغَة للضَّرُورَة [وَلَا ضَرُورَة]

стр. 382

هُنَا، وَأما مَا قَالَ شَارِح من أَن الْإِبْدَال بلغَة أُخْرَى قد يكون بِدُونِ الضَّرُورَة، كالتفاسير الفارسية، تؤلف لمن يُحسن الْعَرَبيَّة وَغَيرهَا، فَغير مَقْبُول، إِذْ أصل وضع كتب الشَّرِيعَة بِلِسَان العجمية، [إِنَّمَا / هُوَ] لتفهيم من لَا يحسن الْعَرَبيَّة، وَإِلَّا فَلَا وَجه للعدول عَنْهَا وَقد ورد النَّهْي [١١٩ - ب] عَن التَّكَلُّم بِغَيْر الْعَرَبيَّة لمن يُحسِنها، إِلَّا على سَبِيل الضَّرُورَة. وَأما قَوْله: وَقد رُوي عَن غير وَاحِد من الصَّحَابَة التَّصْرِيح بذلك، أَي بِأَن الْإِبْدَال بلغَة أُخْرَى بِدُونِ الضَّرُورَة جَائِز، فَمَمْنُوع ومحتاج إِلَى بَيَان ذَلِك. وَأما قَوْله: وَيدل عَلَيْهِ أَيْضا رِوَايَة الصَّحَابَة وَمن بعدهمْ الْقِصَّة الْوَاحِدَة بِأَلْفَاظ مُخْتَلفَة، فمدفوع بِأَنَّهُ إِمَّا مَحْمُول على تعدد الْوَاقِعَة، أَو على نقل الْمَعْنى بِالضَّرُورَةِ. وَقد ورد فِي الْمَسْأَلَة التَّصْرِيح بِأَن التَّغْيِير لَا يجوز إِلَّا للضَّرُورَة، وَهُوَ مَا رَوَاهُ ابْن مَنْدَه فِي " معرفَة الصَّحَابَة "، من حَدِيث عبد الله بن سُلَيْمَان اللَّيْثِيّ قَالَ: قلت: يَا رَسُول الله إِنِّي أسمع مِنْك الحَدِيث لَا أَسْتَطِيع أَن أؤديه كَمَا أسمعُ مِنْك، أُزِيدُ حرفا أَو أُنِقص حرفا، فَقَالَ [ ﷺ ] : " إِذا لم تُحِلوا حَرَامًا، وَلم تحرموا حَلَالا، وأصبتم الْمَعْنى، فَلَا بَأْس ". فَذكر ذَلِك لِلْحسنِ فَقَالَ: لَوْلَا هَذَا مَا حَدثنَا.

стр. 383

وَمن الْغَرِيب أَن الشَّارِح جعل هَذَا الحَدِيث مُتَمَسَّكاً لِمُدَّعَاه، وغَفَل عَن الْقُيُود من عدم الِاسْتِطَاعَة، وَوُجُود الْإِصَابَة، وَمَا فِي مَعْنَاهُ، ثمَّ مَعَ هَذَا قَالَ: " فَلَا بَأْس "، فَتَأمل هَذَا مَعَ قَوْله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم " نَضَّر الله امْرأ سمع مَقَالَتي فوعاها، وأداها كَمَا سَمِعها ". وَقد قلَّ رِوَايَة المتورعين من الصَّحَابَة كالصَّديق، وَعَن التَّابِعين كإمامنا الْأَعْظَم، وَمن الأتباع كبعض الْمَشَايِخ، خوفًا من وَعِيد: " من كذب عليّ مُتَعَمدا فَليَتَبَوَّأ مقعدَه من النَّار ". (وَقيل: إِنَّمَا يجوز فِي الْمُفْردَات) أَي لظُهُور ترادفها، فتغييره يسير، (دون المركَّبات) أَي لاحتياجها إِلَى زِيَادَة تَغْيِير. (وَقيل: إِنَّمَا يجوز لِمَن يستحضُر اللَّفْظ، ليتَمَكَّن من التَّصَرُّف فِيهِ) وضَعْفه ظَاهر. (وَقيل: إِنَّمَا يجوزُ لمن كَانَ يحفظ الحَدِيث فنسِي لفظَه، وبقيَ معناهُ مرتسِماً) أَي منتقِشاً (فِي ذِهنه، فَلهُ أَن يرويهِ بِالْمَعْنَى، لمصْلحَة تَحْصِيل الحُكم

стр. 384

مِنْهُ) [١٢٠ - أ] لَو قيل: فَعَلَيهِ أَن يرويهِ، لَا يبعد، خُصُوصا إِذا كَانَت الرِّوَايَة / ٨٥ - أ / منحصرة [فِيهِ] . (بِخِلَاف مَن كَانَ مستحضِراً للفظهِ) أَي للفظ الحَدِيث الصَّادِر من مِشكاة صدر النُّبُوَّة، المنعوت بِأَنَّهُ لَا ينْطق عَن الْهوى، وَهَذَا القَوْل عِنْدِي هُوَ الأوْلَى، [حَتَّى من الأوْلى] ، لِأَن الْمَرْء وَلَو كَانَ فِي غَايَة من الفصاحة والبلاغة، لَا ينْهض إِلَى التَّعْبِير عَن أَلْفَاظ من أُوتِيَ جَوَامِع الكَلِم بِمَا يُؤَدِّي مَعَانِيهَا أجمع، بِحَيْثُ لَا يزِيد وَلَا ينقص، بل لَا يتَصَوَّر أَن يكون مُسَاوِيا لَهَا فِي الْجلاء والخفاء، لَا سِيمَا وَهُوَ مفوتٌ للتبرُّك بِأَلْفَاظ صَاحب الشَّرِيعَة، ومُفتحٌ لأبواب الشَّك والشُّبهة فِي موارد السُّنة. وَلذَا ذهب قوم من أهل الحَدِيث وَالْأُصُول إِلَى أَنه [لَا] تجوز الرِّوَايَة إِلَّا بِلَفْظِهِ، فَهُوَ الْمَرْوِيّ عَن ابْن سِيرِين وَغَيره من المحتاطين فِي دين الله، مِمَّن يَشْتَرِطه، بل رَوَاهُ ابْن السَّمعاني عَن ابْن عمر. وَقيل: لَا يجوز فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، وَلَا يجوز فِي حَدِيث غَيره، وَهُوَ مَرْوِيّ عَن مَالك، وَلَعَلَّه رأى التهوين فِي ذَلِك / قيدهُ بَعضهم بِمَا إِذا لم يكن مِمَّا تُعُبِّد بِلَفْظِهِ، وَلَا هُوَ من جَوَامِع الكَلِم. (وَجَمِيع مَا تقدم يتَعَلَّق بِالْجَوَازِ وعدمهِ) وَهَذَا تَوْطِئَة لقَوْله: (وَلَا شكَّ أنّ

стр. 385

الأولى إِيرَاد الحَدِيث) أَي مُطلقًا (بألفاظهِ دونَ التصرُّف فِيهِ) أَي فِي الحَدِيث، كَمَا قَالَه الْحسن وَغَيره؛ وَلذَا كَانَ ابْن مَهْدي كَمَا حَكَاهُ عَنهُ أَحْمد، أَنه يتوقى كثيرا ويحبُّ أَن يحدث بالألفاظ فَقَط. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: الَّذِي اسْتمرّ عَلَيْهِ أَكثر الْمَشَايِخ أَن ينقلوا الرِّوَايَة كَمَا وصلت، وَلَا يغيروها فِي كتبهمْ. (قَالَ القَاضِي عِيَاض: يَنْبَغِي) يكون بِمَعْنى يجب، (سدّ بَاب الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى) أَي مُطلقًا، أَو بِلَا ضَرُورَة، وَيُؤَيّد الأول قَوْله: (لِئَلَّا يتسلّط) أَي يجترئ. (من لَا يحسنُ) [١٢٠ - ب] أَي الْعَرَبيَّة وَصِحَّة الْبَدَلِيَّة (مِمَّن يَظُنّ) بِصِيغَة الْفَاعِل أَي يغلب على ظَنّه (أَنه يًحْسِن) . قَالَ تِلْمِيذه: أَي يِرِى نَفسه أَنه يُحسن، وَلَيْسَ كَذَلِك، أَي [وَالْحَال أَنه] لَيْسَ كَذَلِك. وَقَالَ محشٍ: قَوْله: مِمَّن يظنّ ... الخ بَيَان لقَوْله: لمن لَا يحسن، وَلَفظ يُظن مَجْهُول، أَي من لَا يُحسن فِي الْوَاقِع حَال كَونه مِمَّن يَظنه الناسُ أَنه يُحسن، بِخِلَاف مَن لَيْسَ للنَّاس فِي شَأْنه حُسن ظن، إِذْ لَا يَقبل [النَّاس] رِوَايَته، وَلَا يلتفتون إِلَى نَقله، فَلَا يُؤثر تَغْيِيره زِيَادَة [فَسَاد] ، وَلَا يَقع لَهُ تسلط. انْتهى. [وتكلفه مِمَّا لَا يخفى] ، وَالْأول أولى لما فِيهِ من إِشَارَة لَطِيفَة إِلَى جرْأَة التَّغْيِير إِنَّمَا هُوَ مِمَّن يكون جهلُه مركبا، وَلَا يُفَرِّق بَين لفظهِ وَلَفظ صَاحب الْوَحْي، بل يلْزم مِنْهُ أَنه فضَّل كلامَه على كَلَامه، وَهَذَا غَايَة الحماقة، بل خَارج عَن حَيِّز

стр. 386

الدِّيانة. / ٨٥ - ب / (كَمَا وقَع لكثيرٍ من الروَاة قَدِيما وحديثاً) أَي من الْأَزْمِنَة الْمُتَقَدّمَة، والمتأخرة. قَالَ السخاوي: ولكنْ كادَ الجوازُ أَن يكون إِجْمَاعًا! قلت: فليحملْ على محلِّ الضَّرُورَة جمعا بَين الْأَدِلَّة، وتوفيقاً بَين كَلَام النَقَلة. (وَالله الموفِّق) . ( [غَرِيب الحَدِيث] ) (فإنْ خَفَي الْمَعْنى) أَي معنى الْأَلْفَاظ الْمَوْضُوعَة، وذِكْر هَذَا الْكَلَام استطرادي بِأَدْنَى مُنَاسبَة. والخفاءُ: تَارَة بِاعْتِبَار لفظ الحَدِيث مفرَداً، وَتارَة بِاعْتِبَارِهِ مركبا وَسَيَأْتِي بَيَان الثَّانِي وبيانُ الأول قَوْله: (بِأَن كَانَ اللَّفْظ مُسْتَعْملا بقِلّة) أَرَادَ بِهِ غَرِيب الحَدِيث، وَهُوَ مَا جَاءَ فِي الْمَتْن من لفظ غامض بعيدٍ عَن الْفَهم لِقِلّة اسْتِعْمَال هـ، (احْتِيجَ إِلَى الْكتب المصنفة فِي شرح الْغَرِيب) ، وَهُوَ فنٌ مُهِمّ يَقبح جهلُه للمحدثين خُصُوصا، وللعلماء عُمُوما، وَيجب أَن يُتَثَّبتَ فِيهِ ويُتَحَرَّى. سُئِلَ الإِمَام أَحْمد عَن حرف من غَرِيب الحَدِيث، قَالَ: سلوا أَصْحَاب الْغَرِيب، فَإِنِّي أكره أَن أتكلَّم فِي قَول رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم بِالظَّنِّ. وَنَظِيره مَا رُوِيَ عَن إِبْرَاهِيم [١٢١ - أ] التَّيمِيّ: أَن أَبَا بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ سُئل عَن قَوْله تَعَالَى: ﴿وَفَاكِهَة وَأَبا﴾ فَقَالَ: " أيّ سماءٍ

стр. 387

تُظِلُّني وأيّ أَرض تُقِلُّني إِذا قلت فِي كتاب الله تَعَالَى مَا لَا أعلم ". (ككتاب أبي عُبيد) بِالتَّصْغِيرِ، (الْقَاسِم بن سلاَّم) بِفَتْح مُهْملَة، وَتَشْديد لَام، توفّي سنة أَربع وَعشْرين ومئتين. (وَهُوَ) أَي كِتَابه مَعَ أَنه تَعب / فِيهِ جدا، فَإِنَّهُ أَقَامَ فِيهِ أَرْبَعِينَ سنة، بِحَيْثُ استقصى وأجاد بِالنِّسْبَةِ لمن قَبْله. (غير مرتَّب) لَكِن وَقع من أهل الْعلم بموقع جليل، وَصَارَ قدوةً فِي هَذَا الشَّأْن. وَلم يزل النَّاس يَنْتَفِعُونَ بكتابه. وَعمل أَبُو سعيد الضريرُ كتابا فِي التعقب عَلَيْهِ. (وَقد رتبه الشَّيْخ موفق الدِّين بن قُدَامَة) بِضَم قَاف، وَتَخْفِيف دَال مُهْملَة، (على الْحُرُوف) أَي على تَرْتِيب الْحُرُوف كَمَا فِي الصِّحاح وَغَيره، (وأجمعُ مِنْهُ) أَي من كتاب ابْن سَلاّم، وَهُوَ أنسب، أَو من كتاب ابْن قدامَة، وَهُوَ أقرب، (كتاب أبي عُبيد الهَرَويّ) أَي الحنبليّ، (وَقد اعتنى بِهِ) أَي بِكِتَاب الهَرَويّ، (الحافظُ أَبُو مُوسَى المَدِيني) بِفَتْح فَكسر، (فَنقبَ) بتَشْديد الْقَاف، أَي فتش (عَلَيْهِ) مُتَعَلق ب: مُعْتَرضًا، على سَبِيل التَّضْمِين لِأَن التنقيب يتَعَدَّى بفي. قَالَ تَعَالَى: ﴿فَنقبُوا فِي الْبِلَاد﴾ وأصل التنقيب: التفتيش عَن الشَّيْء، والبحث عَنهُ.

стр. 388

(واستدرك) أَي زَاد عَلَيْهِ بأَشْيَاء. (وللزمخشري كتاب اسْمه " الْفَائِق "، حسن التَّرْتِيب) قَالَ محش: فِيهِ مَا فِيهِ، لَكِن يحْتَاج فِيهِ إِلَى التَّنْبِيه. (ثمَّ جمع الْجَمِيع ابْن الْأَثِير فِي " النِّهَايَة "، وَكتابه أسهل الْكتب تناولا) أَي أخذا واستنباطا فِي الْمَعْنى الْمَقْصُود لما يذكر / ٨٦ - أ / فِيهِ لفظ الحَدِيث غَالِبا، (مَعَ إعواز قَلِيل فِيهِ) مصدر أعوزه، أَي أحوجه يَعْنِي: مَعَ فقدان اسْتِيفَاء فِي مَوَاضِع قَليلَة، وَقد لخصه شيخ مَشَايِخنَا الْجلَال السُّيُوطِيّ رَحمَه الله تَعَالَى وَزَاد أَشْيَاء، وَسَماهُ " الدّرّ النثير فِي تَلْخِيص نِهَايَة ابْن الْأَثِير ". وَهُوَ كتاب لَا يَسْتَغْنِي عَنهُ الطَّالِب. (وَإِن كَانَ اللَّفْظ مُسْتَعْملا بِكَثْرَة [١٢١ - ب] لَكِن فِي مَدْلُوله) أَي مَعْنَاهُ الْمَقْصُود فِي الدّلَالَة على الْمَطْلُوب، وَهُوَ الْمُسْتَفَاد من مَدْلُوله التركيبي، (دقة) أَي خَفَاء، (احْتِيجَ إِلَى الْكتب المصنفة فِي شرح مَعَاني الْأَخْبَار) بِفَتْح الْهمزَة، (وَبَيَان الْمُشكل) عطف على " شرح الريب " متْنا، وعَلى " شرح " شرحا، وَقَوله: (مِنْهَا) أَي من الْأَخْبَار أَو مَعَانِيهَا. (وَقد أَكثر الْأَئِمَّة من التصانيف فِي ذَلِك كالطحاوي) من الْحَنَفِيَّة،

стр. 389

(والخطابي، وَابْن عبد الْبر) من الْمَالِكِيَّة، (وَغَيرهم) وَقد سبق أَن الإِمَام الشَّافِعِي قد سبقهمْ، وَذكر جملَة مِنْهَا فِي جُزْء فِي كِتَابه " الْأُم ". ( [الْجَهَالَة وسببها] ) (ثمَّ الْجَهَالَة بالراوي) أَي بِذَاتِهِ أَو صِفَاته، (وَهِي) أَي الْجَهَالَة، (السَّبَب الثَّامِن فِي الطعْن) أَي من أَسبَاب الطعْن فِي الروَاة. (وسببها) الْأَظْهر ترك الْوَاو، ليَكُون على وفْق قَوْله فِيمَا سبق: ثمَّ الْمُخَالفَة ... الخ، وَفِيمَا سَيَأْتِي: ثمَّ سوء الْحِفْظ، وَيُمكن أَن يكون الْوَاو شرحا، ومزجها الْكتاب بمتن الْكتاب، لعدم التَّمْيِيز بَينهمَا على وَجه الصَّوَاب. (أَمْرَانِ) : (أَحدهمَا أَن الرَّاوِي) قَالَ محش: فِي الْحمل مُسَامَحَة، وَفِيه أَن الْمُطَابقَة ظَاهره. (قد تكْثر نعوته) كَأَنَّهُ أَرَادَ بالنعوت مَا يدل على الذَّات، سَوَاء كَانَ بِاعْتِبَار معنى أَو لَا، وَلذَا قَالَ: (من اسْم أَو كنية، أَو لقب، [أَو صفته] أَو حِرْفَة نِسْبَة) وَفِي نُسْخَة: أَو نسب، وَسَيَجِيءُ تَفْصِيله، وأو هَذِه / مَانِعَة الْخُلُو، فَانْدفع مَا قيل: إِن الأصوب هُوَ الْوَاو ليَكُون الْمَجْمُوع بَيَان النعوت، لِأَنَّهَا بأنواعها بَيَان لَهَا، وَقيل: المُرَاد من أَسمَاء أَو كنى وألقاب ... الخ، وَيرد عَلَيْهِ أَنه يخرج مَا إِذا كَانَ لَهُ اسْم وَاحِد، وكنية وَاحِدَة، ولقب وَاحِد، مَعَ وجود الْجَهَالَة هُنَاكَ، فَلَا ينْحَصر سَبَب الْجَهَالَة فِي الْأَمريْنِ. وَيرد على الْوَجْهَيْنِ، أَنه لَا يجوز عد الِاسْم نعتا إِلَّا بِأَن

стр. 390

يُقَال: المُرَاد مُسَمّى بِالِاسْمِ. (فيشتهر) أَي الرَّاوِي، (بِشَيْء مِنْهَا) أَي من النعوت، (فيذكر) [أَي الرَّاوِي] ، (بِغَيْر مَا اشْتهر بِهِ) أَي من النعوت [١٢٢ - أ] مِمَّا يعلم بِهِ، فَيخرج عَن التَّدْلِيس، (لغَرَض) مُتَعَلق ب: يذكر، (من الْأَعْرَاض) أَي لأي غَرَض مِنْهَا كَكَوْنِهِ مكثرا للْحَدِيث عَنهُ مثلا. (فيظن) بِصِيغَة الْمَعْلُوم أَي الظَّان أَو بِصِيغَة الْمَجْهُول وَهُوَ الْأَظْهر، أَي فيظن الرَّاوِي (أَنه آخر) أَي غَيره من الروَاة، (فَيحصل الْجَهْل بِحَالهِ) وَبعد هَذَا مَا تَنْتفِي / ٨٦ - ب / جهالته. (وصنفوا فِيهِ أَي فِي هَذَا النَّوْع) أَي فِي بَيَان هَذَا النَّوْع، وَقيل: أَي فِي شَأْن إِزَالَة هَذَا النَّوْع، وَبعده لَا يخفى، (الموضح) بِالتَّخْفِيفِ وَيجوز تشديده (لأوهام الْجمع والتفريق) من إِضَافَة الْمصدر إِلَى الْمَفْعُول، أَي جمع الصِّفَات فِي رجل وتفريقها بِحَيْثُ يُوجد كل مِنْهَا فِي رجل آخر، وَالْمرَاد بالموضح اسْم جنس لكلّ مَا صُنِّف فِي هَذَا النَّوْع، أَي مَا يُوضح أوهاماً ناشئة من اجْتِمَاع التَّفْرِيق فِيهِ، وذكرِ [حَال] وَاحِد مِنْهَا، فَلَا يرد مَا وهم محشٍ حَيْثُ قَالَ: [الموضح] اسْم كتاب
следующие страницы →