Полный текст (700 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
مُمكن. (فِي حَدِيث " مَنْ كَذب عَليّ مُتَعَمدا فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار ") لرِوَايَة أَزِيد من مئة صَحَابِيّ لَهُ، وَفِيهِمْ الْعشْرَة المبشرة، ثمَّ لم تزل رُوَاته فِي أزدياد مَعَ اجْتِمَاع الشُّرُوط فِيهِ.
(وَمَا ادَّعَاهُ) أَي ابْن الصّلاح (من الْعِزَّة) أَي الْقلَّة، وَمن: بَيَان ل: مَا (مَمْنُوع، وَكَذَا مَا ادَّعَاهُ غَيره) كَابْن حبَان والحَازِمي. (من الْعَدَم لِأَن ذَلِك) أَي كلا من الادعائين (نَشأ عَن قِلّة الِاطِّلَاع على كَثْرَة الطّرق، وأحوال الرِّجَال [٢٣ - أ] وصفاتهم) عطف تَفْسِير. قَالَ التلميذ: تقدم أَن التَّوَاتُر لَيْسَ من مبَاحث علم الْإِسْنَاد، وَأَنه لَا يُبْحَث عَن رِجَاله، وَحِينَئِذٍ فَلَو سُلم قِلةُ اطلاعِ مَن ذكرهم المُصَنّف على أَحْوَال الرِّجَال، وصفاتهم، لم يُوجب مَا ذكره بقوله: (الْمُقْتَضِيَة لإبعاد الْعَادة) الأولى لإحالة الْعَادة. (أَن يتواطؤا على الْكَذِب أَو) أَن. (يحصل) أَي الْكَذِب.
стр. 72
(مِنْهُم اتِّفَاقًا) وَقد أُجِيب بأنّ ذَلِك إِنَّمَا ذُكر لتأكيد عدم تواطئهم على الْكَذِب، وَلَيْسَ بِشَرْط فِي الْمُتَوَاتر. كَذَا فِي " التَّلْوِيح ". فَقَوله: / الْمُقْتَضِيَة صفة لكلٍ من كَثْرَة الطّرق، وأحوال الرِّجَال. وَالْأَظْهَر: أَن صِفَات الرِّجَال عِنْده أَيْضا قد تُؤثر فِي حُصُول التَّوَاتُر، فَإِنَّهَا كَثْرَة معنوية كَمَا سبق عَنهُ أَن الصِّفَات قد تقوم مقَام الذَّات
(وَمن أحسن مَا يُقَرَّر بِهِ كونُ الْمُتَوَاتر مَوْجُودا وجودَ كثرةٍ فِي الْأَحَادِيث) أَي وجودا كثيرا، بِإِضَافَة الْمَوْصُوف إِلَى الصّفة، مفعول مُطلق لموجود. (أَن الْكتب الْمَشْهُورَة) بِفَتْح أَن، مُبْتَدأ خَبره وَمن أحسن. (المتداولة بأيدي أهل الْعلم شرقاً وغرباً) قَالَ التلميذ: لقَائِل أَن يَقُول: الْبَحْث فِي وجود الْمُتَوَاتر لَا فِي إِمْكَان وجوده (المقطوعَ) ، بِالنّصب (عِنْدهم بِصِحَّة نسبتها إِلَى مصنفيها) قَالَ التلميذ: إنْ سَلُمَ الْقطع فَهُوَ بِنَفس النِّسْبَة / ١٨ - ب / لَا بِصِحَّتِهَا على مَا لَا يَخفَى. أَقُول: وَفِيه أَيْضا أَن هَذَا إِنَّمَا يُثبِتُ التَّوَاتُر الْمَعْنَوِيّ، لَا اللَّفْظِيّ، وَالْكَلَام فِيهِ. وَغَايَة مَا يُفِيد بِوُجُود التَّوَاتُر اللَّفْظِيّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى صَاحب الْكتاب، كالبخاري مثلا لَا مَا بعده إِلَى النَّبِي [ ﷺ ] ، بل ومَن حدث من غَالب المصنفين لَا يبلغ مبلغا تحيل الْعَادة تواطؤهم على الْكَذِب.
стр. 73
(إِذا) خبرُ أنّ. (اجْتمعت) أَي الْكتب. (على إِخْرَاج حَدِيث وتعددت طرقه تعدداً تُحِيل العادةُ تواطؤهم على الْكَذِب ... إِلَى آخر الشُّرُوط، أَفَادَ) أَي الِاجْتِمَاع الْمَفْهُوم من قَوْله: إِذا اجْتمعت. (العلمَ اليقينيّ بِصِحَّة نسبته إِلَى قَائِله) . قَالَ التلميذ [٢٣ - ب] : دَعْوَى مُجَرّدَة، فَلَا تفِيد فِي مَحل النزاع.
(وَمثل ذَلِك فِي الْكتب الْمَشْهُورَة كثير) قَالَ السخاوي: ذكر شَيخنَا من الْأَحَادِيث الَّتِي وُصِفَتْ بالتواتر: حديثَ " الشَّفَاعَة "، " والحوض "، وأنّ عدد رواتهما من الصَّحَابَة زَاد على الْأَرْبَعين. وَمِمَّنْ وصفهما بذلك عِياض فِي " الشفا ". وَحَدِيث: " مَنْ بنى لله مَسْجِدا "، " ورؤية الله فِي الْآخِرَة "
стр. 74
و " الْأَئِمَّة من قُرَيْش "، وَكَذَا ذَكَر عِياض فِي " الشفا " حَدِيث " حَنين الجِذْع ". وَابْن حَزْم: حَدِيث: " النَّهْي عَن الصَّلَاة فِي مَعَاطِن الإِبل "، و " عَن اتِّخَاذ الْقُبُور مَسَاجِد ". وَابْن عبد البرّ: حَدِيث " اهْتَزّ الْعَرْش لمَوْت سَعْد بن مُعَاذ "، وَغَيره، وَحَدِيث: " انشِقَاق الْقَمَر ". [والنُّزُول] . وَابْن
стр. 75
بَطّال: حَدِيث: " النَّهْي عَن الصَّلَاة بعد الصُّبْح، وَبعد الْعَصْر " وَالشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِي قَالَ بعد ذكر الْأَحَادِ يث المروية عَن النَّبِي [ ﷺ ] فِي غسل الرجلَيْن لَا يُقَال إِنَّهَا أَخْبَار آحَاد لِأَن مجموعها أَفَادَ تَوَاتر مَعْنَاهُ. وَكَذَا ذكر غَيره فِي التَّوَاتُر الْمَعْنَوِيّ: " كشجاعة عليّ " و " جُود حَاتِم "، و " أَخْبَار الدجّال ". انْتهى.
وَفِيه: أنّ المانعين إِنَّمَا منعُوا التَّوَاتُر اللَّفْظِيّ، والمثْبِتين جَوّزوا التَّوَاتُر الْمَعْنَوِيّ، فَالْخِلَاف لَفْظِي وَالله أعلم. وَبِه انْدفع مدافعة التلميذ للشَّيْخ. ثمَّ جملَة الْفَائِدَة وَقعت مُعْتَرضَة بَين المتعاطفين حَيْثُ قَالَ: (وَالثَّانِي:) أَي من الْأَقْسَام الْأَرْبَعَة
( [الْآحَاد] )
(وَهُوَ أول أَقسَام الْآحَاد) أَي الْمُقَابلَة للمتواتر، (مَا) مَوْصُولَة، أَو مَوْصُوفَة. أَي حَدِيث (لَهُ طرق محصورة) أَي أَسَانِيد مُعينَة. (بِأَكْثَرَ من اثْنَيْنِ) بِأَن يروي جمَاعَة: ثَلَاثَة أَو أَكثر عَن جمَاعَة، يَعْنِي كلّ مِنْهُم عَن شَيْخه. وَقَالَ السخاوي: أَي عَن بعض رُوَاته، أَو فِي جَمِيع / طبقاته
стр. 76
( [الْمَشْهُور والمستفيض] )
(وَهُوَ الْمَشْهُور) قيل جملَة: وَهُوَ أول أَقسَام الْآحَاد، لَا تحمل على الثَّانِي، فَالْأولى أَن يُقَال: وَالثَّانِي مَاله طرقٌ محصورة بِأَكْثَرَ من اثْنَيْنِ، وَهُوَ أول أَقسَام الْآحَاد، وَيتْرك الْوَاو من قَوْله: وَهُوَ الْمَشْهُور.
وَأجِيب بِأَن قَوْله: مَاله طرق ... الخ، خبر لقَوْله: وَالثَّانِي، وَإِن كَانَ الْخَبَر فِي الْمَتْن هُوَ قَوْله [٢٤ - أ] : الْمَشْهُور. وَقَوله ١٩ - أ /: وَهُوَ أول أَقسَام الْآحَاد، جملَة مُعْتَرضَة بَين الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر، فَظهر حسن الْوَاو فِي قَوْله: وَهُوَ الْمَشْهُور. وَالْأَظْهَر أنّ الثَّانِي مُبْتَدأ خَبره الْمَشْهُور على مَا فِي الْمَتْن، وَهُوَ أول ... الخ جملَة مُعْتَرضَة، وَمَا لَهُ طرق بدلّ من: أول أَقسَام، وَأعَاد وَهُوَ، لطول الْفَصْل.
(عِنْد الْمُحدثين) احْتِرَاز عَن الْمَشْهُور على أَلْسِنَة الْعَامَّة. (سُمِّي بذلك لوضوحه) أَي شهرته لكَون رُوَاته أَكثر من اثْنَيْنِ.
(وَهُوَ المستفيض على رَأْي جمَاعَة) لَفظه رَأْي فِي الْمَتْن منِّونٌ، وَفِي الشَّرْح مُضَاف، وَهُوَ غير مُستحسن فِي المزج، لَكِن لمّا كَانَ الكتابان بِمَنْزِلَة وَاحِدَة
стр. 77
سَاغَ، وَمَعَ هَذَا كَانَ الأولى أَن يَقُول: لجَماعَة. (من أَئِمَّة الْفُقَهَاء) من تبعيضية، أَو بَيَانِيَّة. وَالْمرَاد من أَئِمَّة الْفُقَهَاء: الأصوليون فِي الْفِقْه مِنْهُم كَمَا يُستفاد من إِضَافَة الْأَئِمَّة إِلَى الْفُقَهَاء الْمَقْصُود بهم عُلَمَاء الْفُرُوع، فالإضافة بِمَعْنى اللَّام.
(سُمِّي) أَي النَّوْع الثَّانِي وَهُوَ الْمَشْهُور (بذلك) أَي بالمستفيض (لانتشاره) أَي اشتهاره بَين الروَاة، (من فاض المَاء) أَي كثُر حَتَّى سَالَ على طرف الْوَادي.
(يفِيض فيضاً) قَالَ فِي " شمس الْعُلُوم ": أَي زَاد حَتَّى خرج من جَوَانِب الْإِنَاء. وَفِي " التَّاج ": استفاض الْخَبَر أَي شاع، واستفاض الْوَادي شَجرا إِذا اتَّسع وَكثر شَجَره.
(وَمِنْهُم) أَي من أَئِمَّة الْفُقَهَاء، أَو من الْمُحدثين، أَو من مجموعهم. (من غَايَرَ) أَي أظهر الْمُغَايرَة. (بَين المستفيض، وَالْمَشْهُور بأنّ المستفيضَ يكون) أَي انحصار كَثْرَة طرقه. (فِي ابْتِدَائه وانتهائه) وَزَاد السخاوي: وَفِي مَا بَينهمَا، فَكَانَ الأولى أَن يَقُول المُصَنّف: من ابْتِدَائه إِلَى انتهائه. (سَوَاء، وَالْمَشْهُور أعمّ من ذَلِك) أَي مِمَّا ذكر وَغَيره، بِحَيْثُ يَشْمَل مَا كَانَ أَوله مَنْقُولًا عَن الْوَاحِد كَحَدِيث " إنّما الْأَعْمَال ". وَإِن انتقد ابْن الصّلاح فِي التَّمْثِيل بِهِ، وَلَا انتقاد بِالنّظرِ لما اقْتصر عَلَيْهِ فِي تَعْرِيفه، إِذْ الشُّهْرَة فِيهِ نِسبية. وَقد ثَبت عَن أبي إِسْمَاعِيل الهَرَويّ أَنه كتبه عَن سبع مئة رجل عَن يحيى بن سعيد. واعتنى الْحَافِظ [٢٤ - ب] أَبُو الْقَاسِم بن مَنْدَه بِجَمْعِهِمْ وترتيبهم بِحَيْثُ جمع نَحْو النّصْف من ذَلِك ذكره السخاوي.
стр. 78
(وَمِنْهُم مَن غاير على كَيْفيَّة أُخْرَى) وَهِي أَن المستفيض: مَا تلَّقته الأمّة دون اعْتِبَار عدد، وَلذَا قَالَ أَبُو بكر الصَّيْرَفِي: إِنَّه هُوَ والمتواتر بِمَعْنى وَاحِد. قَالَ السخاوي: وَنَحْوه قَول شَيخنَا فِي المستفيض. (وَلَيْسَ) أَي المستفيض. (من مبَاحث هَذَا الْفَنّ) يَعْنِي كَمَا فِي الْمُتَوَاتر لما مر أَنه لَا يُبْحَث فِيهِ عَن صِحَة الرِّجَال، وضعفهم، بِخِلَاف الْمَشْهُور، فَإِنَّهُ قد اعتُبر فِيهِ هَذَا الْعدَد الْمَخْصُوص. وَالْأَظْهَر أَن مَا تَلقاهُ [عُلَمَاء] الْأمة بالقَبول، كَحَدِيث البُخَارِيّ، وَهُوَ أَعم من الْمُتَوَاتر وَغَيره.
(ثمَّ الْمَشْهُور يُطْلَق) ، أَي كثيرا (على مَا حُرِّر) ، أَي ذُكِر وقُرِّر. (هَهُنَا) / ١٩ - ب / وَفِي نُسْخَة: [هُنَا،] بِدُونِ هَاء التَّنْبِيه. (وعَلى مَا اشْتهر) / أَي وَقد يُطلق أَيْضا على حَدِيث اشْتهر (على الْأَلْسِنَة) أَي ألسنةِ الْعَوام.
(فيشتمل) أَي الحَدِيث بِالْإِطْلَاقِ الثَّانِي (على مَاله) وَفِي نُسْخَة صَحِيحَة: فَيشْمَل مَاله (إِسْنَاد وَاحِد فَصَاعِدا) أَي مَا لم يجْتَمع فِيهِ شُرُوط الْمُتَوَاتر وَالْمَشْهُور عِنْد الخَواص. (بل) يُطَلق أَي كثيرا بِالْإِطْلَاقِ الثَّانِي (على مَا لَا يُوجد لَهُ)
стр. 79
وَفِي نُسْخَة صَحِيحَة: بل مَالا يُوجد لَهُ. (إِسْنَاد) أَي ثَابت سَوَاء كَانَ لَهُ إِسْنَاد مَوْضُوع، أَو لَا يكون لَهُ أصل.
(أصلا) ، مثل السخاوي: ب " عُلَمَاء أمتِي كأنبياء بني إِسْرَائِيل " و " وُلِدْتُ فِي زمن الْملك العَادل كِسرى ". و " تَسْلِيم الغزالة فقد اشْتهر على الْأَلْسِنَة فِي "
стр. 80
المدائح النَّبَوِيَّة. انْتهى. وَقد جمعت غالبه فِي جُزْء مِمَّا اتّفق عَلَيْهِ الْحفاظ على أَنه مَوْضُوع أَو لَا أصل لَهُ، وَمِنْه مَا اشْتهر على أَلْسِنَة الْعلمَاء، وتنازع فِي مَعْنَاهُ الْفُضَلَاء: " حُبَّ الهِرَّة من الْإِيمَان ". وَأما حَدِيث " الغزالة " فقد تَبع السخاويُّ ابنَ كثير فِي أَنه لَا أصل لَهُ، وَالصَّحِيح أَنه ثَابت لِأَنَّهُ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من طرق، وَضَعفه جمَاعَة من الْأَئِمَّة لَكِن طرقه يُقَوي بَعْضهَا بَعْضًا، وَذكره القَاضِي [٢٥ - أ]
стр. 81
عِياض أَيْضا فِي الشفا، وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيم فِي الدَّلَائِل، لَكِن بِإِسْنَاد فِيهِ مَجَاهِيل، وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ ضَعِيف أَو حسن لَا مَوْضُوع، وَلَا مِمَّا لَا أصل لَهُ. وَقد نقل الْقُسْطَلَانِيّ عَن السخاوي أَيْضا أَنه قَالَ: لكنه ورد فِي الْجُمْلَة فِي عدَّة أَحَادِيث يَتَقوى بَعْضهَا بِبَعْض، أوردهَا شيخ الْإِسْلَام ابْن حجر الْعَسْقَلَانِي وَالله أعلم.
( [الْعَزِيز] )
(وَالثَّالِث: الْعَزِيز، وَهُوَ أَن لَا يرويهِ) الْأَظْهر هُوَ مَا لَا يرويهِ.
(أقل من اثْنَيْنِ عَن اثْنَيْنِ) قَالَ السخاوي: فَيشْمَل مَا وجد فِي بعض طبقاته ثَلَاثَة فَأكْثر انْتهى. لأنّ تواليَ رِوَايَة اثْنَيْنِ فَقَط عَن اثْنَيْنِ فَقَط لَا تكَاد تُوجد، وَلذَا نُوقِشَ فِي عبارَة الشَّرْح فَقيل: الأولى أَن يَقُول: وَهُوَ مَا يرد بِاثْنَيْنِ فِي بعض الْمَوَاضِع، وَلَا يرد بِأَقَلّ فِي مَوضِع حَتَّى لَا يصدق على الْمُتَوَاتر وَالْمَشْهُور. وَأَيْضًا يرد على مَا قَالَ: أَنه يُتَوهَّم مِنْهُ أنّ اثنينية الْمَرْوِيّ عَنهُ شَرط، وَيَنْبَغِي أَن لَا يرد، فَلَو قَالَ: أقل من اثْنَيْنِ عَن أقل من اثْنَيْنِ لم يلْزم ذَلِك.
стр. 82
ثمَّ أعلم أنّ الْعَزِيز اختُلف فِي تَفْسِيره فَقَالَ ابْن مَنْدَه - وَقَررهُ ابْن الصّلاح وَالنَّوَوِيّ -: أَنه مَا يرويهِ اثْنَان، أَو ثَلَاثَة، فعلى هَذَا يكون بَينه وَبَين الْمَشْهُور عُمُوم وخصوص من وَجه، وخَص بَعضهم الْمَشْهُور بِالثَّلَاثَةِ، والعزيز بالاثنين، وَاخْتَارَهُ المُصَنّف، وَلذَا قَالَ فِيمَا سبق: أَو بهما فَقَط.
(وسُمِّي) أَي الحَدِيث الْمَذْكُور (بذلك) أَي بالعزيز (إِمَّا لقلّة وجوده) فَإِنَّهُ يُقَال: عَزّ الشَّيْء يعِزُّ بِكَسْر الْعين فِي الْمُضَارع عِزّاً وعزازة إِذا قلّ / ٢٠ - أ / بِحَيْثُ لَا يكَاد يُوجد. (وَإِمَّا لكَونه عَزّ) من قَوْلهم: عَزّ يَعزُّ بِفَتْح الْعين فِي الْمُضَارع عِزاً وعَزازة أَيْضا، إِذا اشْتَدَّ وَقَوي، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿فعززنا بثالث﴾ أَي قويناهما بِهِ.
(أَي قوي) أَي الحَدِيث، (لمجيئه) بلام الْعلَّة، وَفِي نُسْخَة: بمجيئه أَي [٢٥ - ب] بِسَبَب وُرُود ذَلِك الحَدِيث بِعَيْنِه (من طَرِيق) أَي إِسْنَاد (آخر) وَفِي نُسْخَة: أُخْرَى، بِنَاء على أنّ الطَّرِيق كالسبيل يذكَّر ويؤنثُ على مَا فِي كتب اللُّغَة
(وَلَيْسَ) أَي وَكَون الحَدِيث عَزِيزًا لَيْسَ (شرطا للصحيح) إذِ الصَّحِيح / مَا وُجِد لَهُ إِسْنَاد صَحِيح، وَلَو وَاحِدًا على الصَّحِيح. (خلافًا لمَن زَعمه وَهُوَ) أَي مَن زَعمه (أَبُو عَليّ الجُبَّائي) بِضَم الْجِيم، وَتَشْديد الْمُوَحدَة، وهمزة قبل يَاء النِّسْبَة (من الْمُعْتَزلَة) أَي من جُمْلَتهمْ، بل من أئمتهم.
(وَإِلَيْهِ) أَي إِلَى هَذَا القَوْل، (يوْمئ) - بِسُكُون الْوَاو، وهمزة فِي آخِره
стр. 83
ويدلّ أَي يُشِير (كَلَام الْحَاكِم أبي عبد الله فِي " عُلُوم الحَدِيث ") اسْم كتاب لَهُ، (حَيْثُ قَالَ:) أَي فِيهِ (الصَّحِيح هُوَ الَّذِي يرويهِ) وَفِي نُسْخَة: الصَّحِيح أَن يرويهِ (الصَّحَابِيّ) أَرَادَ بِهِ الْجِنْس. وَلذَا قَالَ: (الزائل عَنهُ) أَي الْمُرْتَفع عَن الصَّحَابِيّ (اسْم الْجَهَالَة) أَرَادَ بهَا ضد الْمعرفَة التامّة الْمُعْتَبرَة فِي حد الصَّحِيح، (بِأَن يكون لَهُ) أَي للصحابي. وَقيل: للْحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ الصَّحَابِيّ، (راويان ثمَّ يتداوله) أَي يتناوبه فِي الرِّوَايَة عَنهُ (أهل الحَدِيث) أَي الحُذّاق من الْمُحدثين (إِلَى وقتنا) أَي فِي كل طبقَة وَهُوَ يُؤَيّد أنّ ضمير لَهُ للْحَدِيث، كَمَا يقوِّيه قَوْله:
(كَالشَّهَادَةِ على الشَّهَادَة) أَي كتداول الشَّهَادَة على الشَّهَادَة، بِأَن يكون لكل شاهدِ أصلٍ شَاهِدَا فرعٍ، فَإِنَّهُ يجب فِي الشَّهَادَة على الشَّهَادَة بِأَن يكون لكلٍ من الشَّاهِدين شَاهِدَانِ على شَهَادَته. وَمِمَّا يُؤَيّد أَن ضمير لَهُ للصحابي، أنّ قَوْله: بِأَن يكون تفسيرٌ لقَوْله: الزائل عَنهُ اسْم الْجَهَالَة، ثمَّ إِذا كَانَ ضمير لَهُ للصحابي كَمَا
стр. 84
هُوَ الظَّاهِر فَلَا تكون اثنينية الصَّحَابِيّ مُعْتَبرَة فِي الصَّحِيح، فُيشْكِل الِاعْتِذَار الْآتِي عَن تفرُّد عمر فِي الْجَواب وَإِن جعل للْحَدِيث على مَا قيل دفعا لهَذَا الْإِيرَاد فَلم يظْهر وَجه [٢٦ - أ] تَخْصِيص السُّؤَال بتفرد عَلْقَمَةَ عَن عمر، لَكِن الْأَمر يسهل.
وَسَيَجِيءُ لهَذَا مزِيد تَحْقِيق، ومزية تدقيق، وَقد أَشَارَ المُصَنّف إِلَى ضعف احْتِمَال الضَّمِير للْحَدِيث بقوله: وَإِلَيْهِ يُومِئ كَلَام الْحَاكِم، وتوضيحه أنّ كَلَام الْحَاكِم يحْتَمل احْتِمَالَيْنِ.
أَحدهمَا: أَن يكون الضَّمِير فِي قَوْله: أَن يكون لَهُ راويان راجعان إِلَى الحَدِيث، وَيكون الْبَاء فِي قَوْله: بِأَن يكون بِمَعْنى مَعَ، فعلى هَذَا: الصَّحِيح الَّذِي رَوَاهُ عَن الصَّحَابِيّ الْمَشْهُور بالرواية راويان، وَرَوَاهُ عَن هذَيْن الروايين أَرْبَعَة وهَلُمّ جَرّاً، وَلَا يخفي بُعْدُهُ.
وَثَانِيهمَا: أَن يكون الضَّمِير رَاجعا إِلَى الصَّحَابِيّ، فعلى هَذَا: الصَّحِيح الَّذِي / ٢٠ - ب / رَوَاهُ الصَّحَابِيّ الْمَشْهُور بِأَن يكون لَهُ راويان وَإِن كَانَ يروي الحَدِيث عَنهُ أَحدهمَا، وَكَذَا لكلِّ مَن يروي عَنهُ راويان، وَإِن كَانَ يروي الحَدِيث عَنهُ أَحدهمَا. وَيكون الْغَرَض من هَذَا الشَّرْط تَزْكِيَة الراويين، واشتهار ذَلِك الحَدِيث بصدوره عَن قوم مشهورين بِالْحَدِيثِ وَالرِّوَايَة عَن مشهورين بهما. وَهَذَا هُوَ الظَّاهِر، وَهُوَ الْمُعْتَمد عِنْد أهل الحَدِيث على الصَّحِيح.
стр. 85
(وصرّح القَاضِي أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ فِي " شرح البُخَارِيّ " بأنّ ذَلِك) أَي كَون الحَدِيث لَهُ راويان، (شَرط البُخَارِيّ) أَي تَصْحِيحه، أَو فِي صَحِيحه.
(وَأجَاب) أَي القَاضِي (عمَا) أَي عَن اعْتِرَاض (أُورِد عَلَيْهِ) أَي على البُخَارِيّ بِفَرْض صِحَّته، أَو على القَاضِي لتصريحه بذلك (من ذَلِك) أَي من أجل هَذَا الِاشْتِرَاط (بِجَوَاب) مُتَعَلق ب: أجَاب، (فِيهِ) أَي / فِي جَوَابه (نظر) أَي تَأمل وَبحث، (لِأَنَّهُ) أَي القَاضِي (قَالَ) أَي فِي جَوَابه عَمَّا يَرِد عَلَيْهِ.
(فَإِن قيل: حَدِيث " الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ ") أَي مَعَ كَونه صَحِيحا بِلَا نزاع.
(فردٌ) أَي مُنْفَرد فِي طبقَة الصَّحَابَة، وَالتَّابِعِينَ. وبيَّنه بقوله: (لم يروه) أَي ذَلِك الحَدِيث (عَن عمر) رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
(إِلَّا عَلْقَمَة! قَالَ: قُلْنَا: قد خطب [٢٦ - ب] بِهِ عمر على الْمِنْبَر بِحَضْرَة الصَّحَابَة) أَي بحضورهم عِنْد منبره، (فلولا أَنهم يعرفونه) أَي الحَدِيث (لأنكروه) فِيهِ: أَنه لَا يلْزم من سكوتهم وَعدم إنكارهم وجود سماعهم، وَعدم تفرد عمر كَمَا لَا يخفى، مَعَ أَنه لَو سُلِّم أَنه يلْزم من سكوتهم عدم تفرد عمر لَا نُسَلِّم أَنه يلْزم عدم تفرد عَلْقَمَة كَمَا هُوَ ظَاهر.
وَلذَا، قَالَ التلميذ: حَاصِل السُّؤَال: أَنه لم يروه عَن عمر إِلَّا وَاحِد
стр. 86
وَحَاصِل الْجَواب: أَنه قد رَوَاهُ عمر وَغَيره، فَلَا يحسن هَذَا الْجَواب للسؤال بِوَجْه. قلت: قد يُوَجَّه بِأَن خُطبة عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ مَا كَانَت خَالِيَة عَن حُضُور التَّابِعين، فبالنسبة إِلَى التَّابِعِيّ بل إِلَى صَحَابِيّ لم يسمع من النَّبِي ﵊ يخرج [عَلْقَمَة] عَن التفرد، وبالنسبة إِلَى الصَّحَابَة الَّذِي سَمِعُوهُ من النَّبِي ﵊ على تَقْدِير سماعهم يخرج عمر عَن التفرد. وَلَعَلَّه خاطبهم وَقَالَ: أما سمعتموه، أَو وَقد سَمِعْتُمْ رَسُول الله ﵊، قَالَ كَذَا، فَحِينَئِذٍ عدم إنكارهم معرفةٌ بِالْحَدِيثِ وتصريح بِالْمَقْصُودِ، هَذَا مَا خطر لي بالخاطر الفاتر وَالله أعلم بالسرائر والظواهر.
فَيكون حَاصِل كَلَام القَاضِي: جَوَابا عَن سؤالين: أَحدهمَا مَذْكُور وَالْآخر مُقَدّر. بل يُمكن أَن السُّؤَال يتَوَجَّه على وَجه يَرِد على تفرُّدِ عمر وعلقمة جَمِيعًا بِأَن يُقَال: المُرَاد من قَوْله: فردٌ أَنه فَرد بِالنِّسْبَةِ إِلَى رَاوِيه الأول، وَهُوَ عمر، وَمن قَوْله: لم يروه، أَنه فَرد بِالنِّسْبَةِ إِلَى عَلْقَمَة، نعم، يبْقى / ٢١ - أ / عَلَيْهِ تفرد مَن بعد عَلْقَمَة؛ وَلذَا قَالَ المُصَنّف:
(كَذَا قَالَ) أَي القَاضِي فِي الْجَواب عَن السُّؤَال الْوَارِد عَلَيْهِ.
(وتُعُقِّب) بِصِيغَة الْمَجْهُول أَي اعْترض عَلَيْهِ، مِن تَعَقَّبْتُ الرجل [٢٧ - أ] إِذا أَخَذته بذنبٍ صَدَرَ مِنْهُ. وَقيل التعُّقب إبِْطَال الْكَلَام، مِن تَعَقَّب على فلَان إِذا مَشى على ممشاه، وَجعل عَقِبه مَوْضُوع عَقِبه كَأَنَّهُ أخْرَبَ أَثَر مَشْيه فِي طَرِيقه، أَي وأبطل جَوَابه.
стр. 87
(بِأَنَّهُ لَا يلْزم من كَونهم سكتوا عَنهُ أَن يَكُونُوا سَمِعُوهُ من غَيره) وَقد سبق مَا يفِيدهُ.
(وبأنَّ هَذَا لَو سُلِّم فِي تفرُّد عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ مُنِع فِي تفرد عَلْقَمَة عَنهُ) يَعْنِي لَو سُلِّم أنّ هَذَا الْجَواب يمْنَع تفرد عمر، لَكِن لَا يمْنَع تفرد عَلْقَمَة. وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَن التفرد مَمْنُوع كَمَا يُتَوَهّم من ظَاهر الْعبارَة. وَقَالَ التلميذ: ظَاهر التعقب أَنه على اشْتِرَاط التَّعَدُّد فِي الصَّحَابِيّ. وَظَاهر كَلَام الْحَاكِم، وَابْن الْعَرَبِيّ أَنه لَا يشْتَرط التَّعَدُّد فِي الصَّحَابِيّ، وَإِنَّمَا يشْتَرط فِي مَن بعده. أَقُول: قد خفت الْمُؤْنَة وحَقّتْ المعونة.
(ثمَّ تفرد مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم) أَي ثمَّ منع فِي تفرده. (بِهِ) أَي بِهَذَا الحَدِيث (عَن عَلْقَمَة، ثمَّ تفرد يحيى بن سعيد) أَي منع فِي تفرده. (بِهِ) أَي بِالْحَدِيثِ. (عَن مُحَمَّد) أَي ابْن إِبْرَاهِيم، ثمَّ اشْتهر عَن يحيى / حَتَّى كتبه عَنهُ سبع مئة. (على مَا هُوَ) أَي الْمَنْع الْمَذْكُور، أَو التفرد المسطور بِنَاء على مَا هُوَ (الصَّحِيح الْمَعْرُوف) أَي الْمَشْهُور. (عِنْد الْمُحدثين) وَلَعَلَّه أَرَادَ بِهِ الْجُمْهُور. قَالَ الْحَاكِم: لم يَصح هَذَا الحَدِيث عَن النَّبِي ﵊ إِلَّا من رِوَايَة عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَلَا عَن عمر إِلَّا من رِوَايَة عَلْقَمَة، [وَلَا عَن عَلْقَمَة] إِلَّا من رِوَايَة مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم، وَلَا عَن مُحَمَّد إِلَّا من رِوَايَة يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ، وَعَن يحيى انْتَشَر.
وروى عَنهُ أَكثر من مئتي إِنْسَان أَكْثَرهم أَئِمَّة. فَلِذَا قَالَ الْأَئِمَّة: لَيْسَ هُوَ
стр. 88
متواتر، وَإِن كَانَ مَشْهُورا عِنْد الْخَاصَّة والعامة، لِأَن فَقَدَ شَرط التَّوَاتُر فِي أَوله كَذَا فِي " شرح مُسلم ". قلت: وَكَذَا فَقَدَ شَرط الْمَشْهُور المصطَلَحِ فِي أَوله كَمَا سبق. قَالَ البِقَاعي فِي " النُكَت الوَفِيّة بِمَا فِي شرح الألفية ": قَوْله: وَتعقب ... الخ، [٢٧ - ب] غير مُصِيب للمِحَزِّ أَي المِقْطَع من الحَزِّ، وَهُوَ الْقطع.
وَالصَّوَاب فِي تعقبه أَن يُقَال: أَنْت فرضت أَن الْمُعْتَرض أورد عَلَيْك تفرُّد عَلْقَمَة بِهِ عَن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ثمَّ أجبْت بِمَا ظَنَنْت أَنه يَنْفِي تفرُّد عمر بِهِ، فَلَا أَنْت أجبْت عَمَّا أوردهُ السَّائِل، وَلَا أصبت فِيمَا ظَنَنْت، فَإِن سكُوت المُخْبَر عِنْد إِخْبَار مخبِره لَهُ لقَبُول للْخَبَر، لَا لكَونه شَاركهُ فِي رِوَايَته عَمَّن رَوَاهُ عَنهُ. انْتهى. وَقد عرفتَ مَا فِيهِ، ودُفع مَا يُنَافِيهِ.
ثمَّ لما أحسَّ المُصَنّف بِمَا قد يرد عَلَيْهِ من سُؤال مُتَضَمّن لاعتراض بِأَن يُقَال: إنّ الحَدِيث رُوِيَ عَن غير عَلْقَمَة، وَمِنْه غير مُحَمَّد، وَمِنْه غير يحيى، فَلَا يكونُونَ متفردين فَأجَاب / ٢١ - ب / بقوله:
(وَقد وَردت لَهُم) أَي للمتفردين فِي ذَلِك الحَدِيث. (متابَعَات) بِفَتْح الْمُوَحدَة، وَهِي جمع المتابَعَة، وَيَأْتِي مَعْنَاهَا فِي محلهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى. (لَا يعْتَبر) أَي الحَدِيث (بهَا) أَي بِتِلْكَ المتابَعات. قَالَ التلميذ: أَفَادَ المُصَنّف فِي تَقْرِيره هَذَا بِأَن هَذَا إِشَارَة إِلَى أَن المتابعات الَّتِي وَردت لهَذَا الحَدِيث لَا تُخْرِجه
стр. 89
عَن كَونه فَردا. (لِضعْفِهَا، وَكَذَا نُسَلِّم) يحْتَمل أَن يكون من تَتِمَّة كَلَام المتعقب، أَو من زِيَادَة إِفَادَة الْمُؤلف. (جوابَه) أَي جَوَاب القَاضِي. (فِي غير حَدِيث عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ) أَي فِي الْأَحَادِيث الَّتِي تفرَّد [بهَا] غير عمر من الصَّحَابَة، وَغير عَلْقَمَة من التَّابِعين وأتباعهم مِمَّا أوردهُ البُخَارِيّ وَغَيره من أَرْبَاب الصِّحَاح.
(قَالَ ابْن رُشَيد:) بِصِيغَة التصغير. (وَلَقَد كَانَ يَكْفِي القَاضِي) مَنْصُوب على أَنه مَفْعُوله. (فِي بطلَان مَا ادّعى، أَنه) أَي عدم التفرد أَو الْعَزِيز وَهُوَ بدل من مَا. (شَرط البُخَارِيّ) أَي كَمَا قيل. (أول حَدِيث) مَرْفُوع على أَنه فَاعل يَكْفِي. (مَذْكُور فِيهِ) أَي فِي البُخَارِيّ يَعْنِي فَإِنَّهُ مَرْوِيّ بالآحاد، وَهُوَ حَدِيث: " الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ " فَإِنَّهُ من أَوَائِل حَدِيث البُخَارِيّ وَلَيْسَ المُرَاد [٢٨ - أ] أَنه أول حَقِيقِيّ، فَإِنَّهُ هُوَ حَدِيث بَدْء الْوَحْي. قَالَ البِقاعي: وَكَذَا آخر حَدِيث مَذْكُور فِيهِ وَهُوَ: " كلمتان خفيفتان على اللِّسَان ". فَإِن أَبَا هُرَيْرَة تفرد بِهِ عَن النَّبِي [ ﷺ ] . [وَتفرد بِهِ عَنهُ أَبُو زُرْعَة، وَتفرد بِهِ عَنهُ عُمَارة بن القَعْقَاع] ، وَتفرد بِهِ عَنهُ مُحَمَّد بن الفُضَيل، وَعنهُ انْتَشَر فَرَوَاهُ عَنهُ إشْكَاب، وَغَيره.
стр. 90
(وادَّعى ابْن حِبّان) بِكَسْر الْحَاء، وَتَشْديد الْمُوَحدَة (نقيض دَعْوَاهُ) أَي ضد دَعْوَى القَاضِي (فَقَالَ) أَي ابْن حِبّان: (إِن رِوَايَة اثْنَيْنِ عَن اثْنَيْنِ) أَي وَهَكَذَا (إِلَى أَن يَنْتَهِي) أَي إِسْنَاد الحَدِيث. (لَا تُوجد) أَي تِلْكَ الرِّوَايَة فِي الحَدِيث الصَّحِيح، أَو فِي مُطلق الحَدِيث (أصلا) أَي لَا قَليلَة، وَلَا كَثِيرَة.
(قلت:) قَائِله المُصَنّف (إِن أَرَادَ) أَي ابنُ حِبّان (أَن رِوَايَة اثْنَيْنِ فَقَط عَن اثْنَيْنِ فَقَط لَا تُوجد أصلا، فَيمكن) أَي عقلا، ونقلاً (أنْ يُسَلّم) أَي مَا أَرَادَ بِهِ.
(وَأما صُورَة الْعَزِيز الَّتِي حررناها) أَي ذكرنَا حدّها، وقررناها. (فموجودة بِأَن لَا يرويهِ أقلّ من اثْنَيْنِ) [عَمَّن أقل وَفِي نُسْخَة:] (عَن أقل من اثْنَيْنِ) حقّ الْعبارَة تَأْخِير قَوْله: فموجودة إِلَى هُنَا، وَأما على كَلَامه فتقديره: فَهِيَ مَوْجُودَة، وَهِي جملَة مُعْتَرضَة بَين المبيِّن، والمبين.
(ومثاله:) أَي مِثَال الْعَزِيز على مَا قَرَّرْنَاهُ، أَو مِثَال مَا حررناه. وَالْمرَاد بالمثال الصُّورَة الْجُزْئِيَّة الَّتِي هِيَ فَرد من مَفْهُوم الْقَاعِدَة الْكُلية. (مَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ) أَي البخاريُّ، وَمُسلم كِلَاهُمَا. (من حَدِيث أَنس وَالْبُخَارِيّ) أَي وَحده / ٢٢ - أ /. (من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله [ ﷺ ] قَالَ: " لَا يُؤْمِن أَحَدُكُم ") أَي حَقِيقَة الْإِيمَان، أَو كَمَاله.
стр. 91
(حَتَّى أكونَ أحَبّ إِلَيْهِ من وَالدِهِ وَوَلَدِه ") أَي حبا اختيارياً مُسْتَندا إِلَى الْإِيمَان الحاصلِ من الِاعْتِقَاد، لَا حُبَّاً طبعياً، لِأَن حُبّ الْإِنْسَان نفسَه ووالدَه وولدَه مركوزٌ فِي الطَّبْع خارجٌ عَن حد الِاسْتِطَاعَة. وَالْمعْنَى لَا يصدّق بِي حَتَّى يُفدي فِي طَاعَتي نفسَه، ويُؤثِر على هَوَاهُ رضائي، وَإِن كَانَ [٢٨ - ب] فِيهِ هلاكُهُ (الحَدِيث) بِتَثْلِيث الْمُثَلَّثَة. وَتَمَامه: " والناسِ أَجْمَعِينَ ".
(وَرَوَاهُ) أَي الحَدِيث كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ (عَن أنس ﵁، قتادَة وَعبد الْعَزِيز بن صُهَيب) بِالتَّصْغِيرِ. (وَرَوَاهُ عَن قَتَادة شُعبة، وَسَعِيد، وَرَوَاهُ عَن عبد الْعَزِيز إِسْمَاعِيل بن عُلَيّة) بِضَم الْعين، وَفتح اللَّام، وَتَشْديد التَّحِيَّة (وعبدُ الوَارِث) .
(وَرَوَاهُ عَن كلٍ) أَي كل من الراويين المذكورَين. (جمَاعَة) أَي أَكثر من اثْنَيْنِ. هَذَا، وَكَأَنَّهُ لم يذكر رُوَاة أبي هُرَيْرَة اكْتِفَاء بِمَا ذكر من رُوَاة أنس، أَو لعدم تعدد رُوَاته فَحِينَئِذٍ يُقَال: إنْ كَانَ الْمُعْتَبر فِي العِزّة اثنينية الصَّحَابِيّ، وَأَن يكون لكل مِنْهُمَا راويان وَهَكَذَا، يَنْبَغِي أَن يبين رَاوِي أبي هُرَيْرَة أيضاُ. وَإِن لم تعْتَبر فَمَا
стр. 92
الْحَاجة إِلَى ذكر أبي هُرَيْرَة ﵁؟ وَالظَّاهِر: أنّ تعدد الصَّحَابِيّ غير مُعْتَبر فِي العِزّة؛ لأنّ هَذَا الحَدِيث عزيزٌ عِنْد مُسلم مَعَ أَن صحابيه وَاحِد.
( [الْغَرِيب] )
(وَالرَّابِع الْغَرِيب وَهُوَ مَا) أَي حَدِيث بِحَسب إِسْنَاده. (يتفرد بروايته شخص وَاحِد) أَي عَن كل وَاحِد من الثِّقَات، وَغَيرهم. (فِي أَي مَوضِع وَقع التفرد بِهِ من السَّنَد) [أَي من مَوَاضِع السَّنَد] . وَفِي نُسْخَة: فِي السَّنَد أَي فِي طُرُق السَّنَد الَّذِي فِيهِ الصَّحَابِيّ أَو التَّابِعِيّ، أَو فِي أَثْنَائِهِ. (على مَا سيُقَسَّم إِلَيْهِ) أَي فِي بحث الغَرابة.
(الْغَرِيب الْمُطلق) خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف. (والغريب النِسْبيّ) بِكَسْر النُّون، وَسُكُون السِّين، عطف عَلَيْهِ. وَالْجُمْلَة بَيَان لما سيُقَسَّم، / وفاعله عَائِد إِلَى الْغَرِيب. وَلَو قَالَ: من الْغَرِيب ... الخ لَكَانَ أوضح، وَفِي بعض النّسخ: على مَا سيُقَسَّم إِلَى الْغَرِيب الْمُطلق ... الخ فَمَا مَصْدَرِيَّة.
стр. 93
(وَكلهَا أَي الْأَقْسَام الْأَرْبَعَة الْمَذْكُورَة) وَهِي الْمُتَوَاتر، وَالْمَشْهُور، والعزيز، والغريب. (سوى الأول) أَي الْقسم الأول. (وَهُوَ الْمُتَوَاتر آحَاد) بِهَمْزَة ممدودة أَي يُسمى آحاداً، جمع أحد، فَفِي الْقَامُوس [٢٩ - أ] الأحَدُ بِمَعْنى الْوَاحِد، جمعه آحَاد، أَو لَيْسَ لَهُ جمع. وَيُقَال: لَيْسَ للْوَاحِد تَثْنِيَة، وَلَا للاثنين وَاحِد من جنسه وَذكر الطِّيبي عَن الْأَزْهَرِي أَنه قَالَ: سُئِلَ أَحْمد بن يحيى عَن الْآحَاد أَنه جمع أَحَد فَقَالَ: معَاذ الله لَيْسَ للأحد جمع / ٢٢ - ب /. وَلَا يَبْعُد أَن يُقَال: إِنَّه جمع وَاحِد، كالأشهاد جمع شَاهد.
(وَيُقَال لكلِّ مِنْهَا) أَي من الْآحَاد. (خبر وَاحِد) بِالْإِضَافَة بِقَرِينَة خبر الْوَاحِد، فَيكون حمل الْآحَاد على نفس الْأَقْسَام الثَّلَاثَة بالتسامح، فإنّ الآحادَ الرواةُ لَا الْمَرْوِيّ، وَيحْتَمل أَن يُقَال: الْمُضَاف مَحْذُوف فِي الْكَلَام أَي خبر آحَاد.
( [تَعْرِيف الْآحَاد وأقسامه] )
(وَخبر الْوَاحِد فِي اللُّغَة: مَا يرويهِ شخص وَاحِد، وَفِي الِاصْطِلَاح) أَي اصْطِلَاح المحدِّثين:
(مَا لم يَجْمَع شروطَ التَّوَاتُر) وَفِي نُسْخَة: الْمُتَوَاتر أَي كل خبر لم ينْتَه إِلَى التَّوَاتُر سَوَاء رَوَاهُ وَاحِد، أَو اثْنَان، أَو جمَاعَة. ويسمّى أَيْضا خبرَ الْوَاحِد بِاعْتِبَار أقلّ الْمَرَاتِب، أَو اعْتِبَار اشْتِمَال مَا فِي الْمَرَاتِب على الْوَاحِد، أَو بِاعْتِبَار إفادته الظنّ
стр. 94
كَخَبَر الْوَاحِد. أَو تَسْمِيَة الْكل بِخَبَر الْآحَاد بِاعْتِبَار الْبَعْض، أَو سُمِّي الْغَرِيب خبرَ الْوَاحِد لوحدة رَاوِيه فِي بعض الْمَوَاضِع.
وَأما الْمَشْهُور، والعزيز فَإِنَّمَا سُمِّيا بِهِ لمشابهتهما الْغَرِيب فِي عدم شُرُوط التَّوَاتُر. قَالَ التلميذ: الَّذِي تحصّل أَن الخَبر يَنْقَسِم إِلَى متواتر، وآحاد.
وأنّ الْآحَاد: مَشْهُور، وعزيز، وغريب.
وأنّ الْمَشْهُور: مَا رُوِيَ مَعَ حصر عدد بِمَا فَوق الِاثْنَيْنِ.
وأنّ الْعَزِيز: هُوَ الَّذِي لَا يرويهِ أقل من اثْنَيْنِ.
وأنّ الْغَرِيب: هُوَ الَّذِي يتفرد بِهِ شخص وَاحِد فِي أيّ موضعٍ وَقع التفرد بِهِ. وَقد تقدم أنّ خلاف الْمُتَوَاتر قد يَرِدُ بِلَا حصر عدد، فَهُوَ خَارج عَن الْأَقْسَام غيرُ مَعْرُوف الِاسْم. انْتهى.
وَالظَّاهِر: أَنه يسمّى بالمشهور الَّذِي هُوَ فردٌ من أَفْرَاد الْآحَاد لقَولهم: الْآحَاد مَا لم ينْتَه إِلَى التَّوَاتُر. غَايَته أَن يكون مَشْهُورا لغوياً، ولقلته ونُدرته لم يوضع لَهُ اسْم على حِدة، فالمناقشة [٢٩ - ب] لفظية لَا حقيقتة.
(وفيهَا أَي فِي الْآحَاد) أَي فِي جُمْلَتهَا خَاصَّة إِذْ لَا شكّ فِي قبُول التَّوَاتُر (المقبول) وَهُوَ مَا يُوجد فِيهِ صفة الْقبُول من عَدَالَة الرَّاوِي وَضَبطه. (وَهُوَ مَا يجب الْعَمَل بِهِ) قَالَ التلميذ: هَذَا حكم المقبول، وَهُوَ أَثَره الْمُتَرَتب عَلَيْهِ، فَلَا يَصح تَعْرِيفه بِهِ بل هُوَ الَّذِي ترجّح صدقُ المخبِر بِهِ، لقَوْله فِي الْمَرْدُود: هُوَ الَّذِي لم يَرْجُح ... الخ وَهُوَ يَشْمَل المستور، والمختلَفَ فِيهِ بِلَا تَرْجِيح، فاحفظ هَذَا فَرُبمَا يَأْتِي مَا يُخَالِفهُ. قلت: هَذَا تَعْرِيف بالخاصة فَهُوَ رَسْمٌ.
وَقَوله: (عِنْد الْجُمْهُور) احْتِرَاز عَن الْمُعْتَزلَة، فَإِنَّهُم أَنْكَرُوا وجوبَ الْعَمَل
стр. 95
بالآحاد، وَكَذَا القَاشَانِي، والرافضة، وَابْن دَاوُد. وَقَوْلهمْ مَرْدُود، لإِجْمَاع الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ على وجوبِ الْعَمَل بالآحاد بِدَلِيل مَا نُقل عَنْهُم من الِاسْتِدْلَال / بِخَبَر الْوَاحِد، وعملهم بِهِ فِي الوقائع الْمُخْتَلفَة الَّتِي لَا تكَاد تُحصى. وَقد تكَرر ذَلِك مرّة بعد أُخْرَى وشاع وذاع بَينهم وَلم يُنكِر عَلَيْهِم أحد، وَإِلَّا لَنُقِلَ، وَذَلِكَ يُوجب الْعلم / ٢٣ - أ / العادي باتفاقهم كالقول الصَّرِيح.
( [تَعْرِيف الْمَرْدُود] )
(وفيهَا) أَي فِي الْآحَاد. (الْمَرْدُود: وَهُوَ الَّذِي لم يَرْجُح صدقُ المخبِر) بِكَسْر الْبَاء (بِهِ) أَي بالْخبر سَوَاء رجح كذبه بِأَن غلب على الظَّن كذبه، أَو لم يرجح صدقه وَلَا كذبه، فكلُّ مِنْهُمَا مَرْدُود، أما الأول: فَظَاهر. وَأما الثَّانِي: فَلِأَنَّهُ فِي حكم الْمَرْدُود كَمَا سَيَجِيءُ. (لتوقف الِاسْتِدْلَال بهَا) أَي بالآحاد. (على الْبَحْث عَن أَحْوَال رواتها) من الْعَدَالَة، والضبط وَنَحْوهمَا. (دون الأول) أَي الْقسم الأول. (وَهُوَ الْمُتَوَاتر) لعدم توقف الِاسْتِدْلَال بِهِ على الْبَحْث الْمَذْكُور، لِأَن مَدَاره على التكثير غير المحصور، وَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك
(فكله) ضَمِيره رَاجع إِلَى الْمُتَوَاتر لِأَنَّهُ أقرب، أَو إِلَى الأول لِأَن الأَصْل. أَي فَجَمِيع أَفْرَاده أَو أَنْوَاعه. (مَقْبُول) أَي قَبولاً قَطْعِيا لَا ظنياً [٣٠ - أ] . (لإفادته) أَي الْخَبَر الْمُتَوَاتر. (الْقطع) أَي الْجَزْم. (بِصدق مخبره) أَي مخبِر الْمُتَوَاتر. وَكَأن تَوْحِيد الْمخبر بِاعْتِبَار الْقَوْم، أَو الحزب، أَو الْجمع، أَو على أَن الْإِضَافَة جنسية (بِخِلَاف غَيره) أَي غير خبر الْمُتَوَاتر.
(من أَخْبَار الْآحَاد) من بَيَانِيَّة أَي بِخِلَاف غير الْمُتَوَاتر الَّذِي هُوَ خبر الْآحَاد،
стр. 96
فَإِنَّهُ يتَوَقَّف الِاسْتِدْلَال بِهِ على الْبَحْث عَن أَحْوَال رُوَاته فحينئذٍ يُقبل بعضه، ويُردُّ بعضه على مَا سبق من وصف المقبول والمردود.
قيل: إنْ جُعل قَوْله: لِتَوقُف عِلّة للانحصار الْمَفْهُوم من تَقْدِيم فِيهَا على مَا هُوَ الظَّاهِر، يكون قَوْله: دون الأول قيدا للتوقف بِحَذْف الْمُضَاف، أَي دون الِاسْتِدْلَال بِالْأولِ. وعَلى هَذَا يَنْبَغِي أَن يُؤَخر قَوْله: فكله مَقْبُول، عَن قَوْله: لإفادته، لِأَنَّهُ تَعْلِيل لعدم توقف الِاسْتِدْلَال بالمتواتر على الْبَحْث الْمَذْكُور.
ومقبولية كُله مترتبة على هَذِه الإفادة، وَإِن جُعل عِلّة لانقسام الْآحَاد إِلَى المقبول والمردود لَا للانحصار، كَانَ قَوْله: دون، قيدا ل: فِيهَا أَي لَا يَنْقَسِم الأول. وعَلى هَذَا يحْتَمل الْفَاء فِي قَوْله: فكله مَقْبُول أَن يكون تَفْسِيرا لهَذَا الحكم وتعليله. وعَلى هَذَا قَوْله: لإفادته تَعْلِيل للقَبول لَكِن لَا يظْهر لتقديم الْخَبَر أَي فِيهَا فَائِدَة إِذْ قصد الاهتمام غير مُنَاسِب بالْمقَام كَمَا لَا يخفى على ذَوي الأفهام. وَأَيْضًا لم يكن على هَذَا تعرض لعِلَّة عدم انقسام الْمُتَوَاتر. انْتهى وَنسب إِلَى التلميذ، لَكِن مَا وَجَدْنَاهُ فِي حَاشِيَته المؤلَّفَة. وَقد علمت أَن الأول هُوَ الْمُخْتَار كَمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ فِي أثْنَاء حل كَلَام الشَّيْخ.
(لَكِن إنمّا وَجَبَ الْعَمَل) أَي دون الِاعْتِقَاد. (بالمقبول مِنْهَا) أَي من الْآحَاد. (لِأَنَّهَا) تَعْلِيل لما يُفهم من قَوْله: وَلَكِن إِنَّمَا وَجب الْعَمَل بالمقبول مِن انقسام الْآحَاد إِلَى المقبول وَغَيره، على وَجه يكون إِشَارَة إِلَى وَجه عِلّة توقف الِاسْتِدْلَال بهَا / ٢٣ - ب / على الْبَحْث للانقسام، أَو الانحصار على مَا وَقع [٣٠ - ب] فِي الْمَتْن إِشَارَة إِلَى وَجه وجوب الْعَمَل بالمقبول مِنْهَا، وَهُوَ أنّ الْآحَاد.
стр. 97
(إِمَّا إِن يُوجد فِيهَا) إِي فِي رجالها /. (أصل صفة الْقبُول، وَهُوَ) أَي الأَصْل الْمَذْكُور. (ثُبُوت صدق النَّاقِل) المُرَاد ثُبُوت صدقه مُطلقًا لَا بِالنّظرِ إِلَى خُصُوص هَذَا الْخَبَر، وَإِلَّا لَكَانَ صدق الْخَبَر مَجْزُومًا بِهِ، وَكَذَا الْكَلَام فِي ثُبُوت الْكَذِب. (أَو أصل صفة الرَّد، وَهُوَ ثُبُوت كذب النَّاقِل) قَالَ التلميذ: هَذَا يُخَالف مَا فِي تَفْسِير الْمَرْدُود، أَي حَيْثُ يَشْمَل الْقسمَيْنِ. (أَو لَا) أَي لَا يُوجد أحد من الثبوتين. (فَالْأول:) أَي ثُبُوت صدق النَّاقِل (يغلب) بتَشْديد اللَّام، وفاعله رَاجع إِلَى الْمُبْتَدَأ، وَيجوز فتح الْيَاء مَعَ تَخْفيف اللَّام. والعائد إِلَى الْمُبْتَدَأ مَحْذُوف أَي يغلب بِهِ. (على الظَّن ثُبُوت صدق الْخَبَر) أَي صدقه فَهُوَ من بَاب وضع الظَّاهِر مَوضِع الضَّمِير. (لثُبُوت صدق نافله فَيُؤْخَذ بِهِ) أَي يعْمل بِهِ، وَيقبل خبر ناقله. وَإِنَّمَا قَالَ: يغلب لِأَن ثُبُوت صدق النَّاقِل من حَيْثُ هُوَ لَا يسْتَلْزم صدقه فِي الْخُصُوص. (وَالثَّانِي:) أَي ثُبُوت كذب النَّاقِل (يغلب على الظَّن) ثُبُوت (كذب الْخَبَر لثُبُوت كذب ناقله، فيطرح) أَي الْخَبَر عَن الْعَمَل، ومرتبة الْقبُول.
стр. 98
(وَالثَّالِث:) وَهُوَ عدم وجود أحد الثبوتين.
(إِن وُجِدت) فِيهِ (قرينَة) أَي حَالية، أَو دلَالَة خارجية (تُلْحِقُه) بِضَم التَّاء وَكسر الْحَاء أَي: توصله.
(بِأحد الْقسمَيْنِ) أَي: المقبول والمردود.
(الْتحق) أَي بِأَحَدِهِمَا، (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم تُوجد قرينَة تلْحقهُ بِأَحَدِهِمَا، (فيُتوقف) بِضَم الْيَاء (فِيهِ) أَي فِي شَأْنه من الْعَمَل بِهِ، أَو التّرْك، أَو من القَبول، والرّد. وَيُؤَيّد الأول قَوْله:
(وَإِذا توقف عَن الْعَمَل بِهِ صَار كالمردود) أَي مشابهاً للمردود لعدم الْعَمَل بِهِ، وَالْقَبُول لَهُ لَكِن (لَا لثُبُوت صفة الرَّد) لما تقدم أَنه مِمَّا لم يُوجد فِيهِ أحد الثبوتين. (بل لكَونه لم تُوجد فِيهِ صفة توجب الْقبُول) وَبِه ينْدَفع [٣١ - أ] مَا قيل: تَعْرِيف الْمَرْدُود: وَهُوَ الَّذِي لم يَرْجُح صدق المخبِر بِهِ، صَادِق عَلَيْهِ فِيمَا يُفِيد التَّشْبِيه لِأَن المُرَاد من الْمَرْدُود مَا وجد فِيهِ صفة الرَّد لَا مَعْنَاهُ الاصطلاحي. (وَالله أعلم) .
قَالَ التلميذ: ظَاهر سَوْق كَلَام الشَّيْخ أنّ قَوْله: لِأَنَّهَا ... الخ، دَلِيل وجوب الْعَمَل بالمقبول، وَلَيْسَ كَذَلِك، وَإِنَّمَا هُوَ دَلِيل انقسامها إِلَى المقبول، والمردود. وَلَو كَانَ لي من الْأَمر شَيْء لَقلت بعد قَوْله: " الأول ": فإنْ وجِد فيهم مَا يغلب ظن صدقهم، فَالْأول، وَإِلَّا فَإِن ترجح عدم الصدْق، فَالثَّانِي، وَإِن تَسَاوِي الطرفان، فالثالث. قلت: قَالَ الله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ لكَ من الأمرِ شَيْء﴾ فَلَو قَالَ كَمَا
стр. 99
قلت / ٢٤ - أ / لفاتنا مَا ذكره من الْفَوَائِد المنطوية تَحت عِبَارَته، والفرائد المحتوية لمسالك إِشَارَته.
(وَقد يَقع فِيهَا، أَي فِي أَخْبَار الْآحَاد) أَي المفيدة للِظنّ. (المنقسمة إِلَى مَشْهُور، وعزيز، وغريب مَا يُفِيد الْعلم) قَالَ القَاضِي فِي " شرح مُخْتَصر ابْن الحَاجِب ": اخْتلف فِي خبر الْوَاحِد الْعدْل، وَالْمُخْتَار أَنه يُفِيد الْعلم بانضمام الْقَرَائِن. وَقَالَ قوم: يحصل بالقرائن، وبغيرها أَيْضا، ويطّرد أَي كلما حصل خبر الْوَاحِد حصل الْعلم. وَقَالَ قوم: لَا يطرِد، أَي قد يحصل الْعلم بِهِ لَكِن لَيْسَ كلما حصل، حصل الْعلم بِهِ. وَقَالَ الْأَكْثَر: لَا يحصل الْعلم بِهِ لَا بِقَرِينَة، وَلَا بِغَيْر قرينَة. انْتهى. / وَالْمرَاد بِهِ الْعلم اليقيني.
وَالْوَجْه الْمُخْتَار أَنه إِذا أَخبَر ملك بِمَوْت ولد لَهُ مشرفٍ على الْمَوْت، فانضم إِلَيْهِ الْقَرَائِن من صُرَاخ، وجنازة، وَخُرُوج المُخَدَّرَات على حَال مُنكرَة غير مُعْتَادَة دون موت مثله، كَذَا خُرُوج الْملك، وأكابر مَمْلَكَته، فإنّا نقطع بِصِحَّة ذَلِك الْخَبَر ونعلم بِهِ موت الْوَلَد نجد ذَلِك من أَنْفُسنَا وجداناً ضَرُورِيًّا لَا يتَطَرَّق إِلَيْهِ الشَّك. وَاعْترض عَلَيْهِ بأنّ الْعلم ثَمّة لَا يحصل بالْخبر بل بالقرائن كالعِلم بخَجَل الخَجِل، [بِكَسْر الْجِيم [٣١ - ب] وبفتح الْخَاء وَالْجِيم] ، ووَجَل الوَجِل
стр. 100
وَأجِيب بِأَنَّهُ حصل بالْخبر بضميمة الْقَرَائِن، إِذْ لَوْلَا الْخَبَر لجوَّزنا موت شخص آخر، وَفِيه أَنه لَوْلَا الْقَرَائِن لما حصل الْعلم بِمُجَرَّد الْخَبَر، بل لَو قَامَت الْقَرَائِن على خلاف الْخَبَر كأنّ قَالَ ملك: مَاتَ وَلَدي، وَلم يكن لَهُ ولد مَرِيض وَلم يدْخل عَلَيْهِ طَبِيب، وَلم يظْهر آثَار الْحزن، وأصوات الْبكاء على مَا جرى بِهِ الْعَادة، وَلم تخرج جنَازَته، وأمثال ذَلِك، فإنّ الْقَرَائِن تنْقَلب حينئذٍ وَتصير سَببا لتكذيبه. وَوجه قَول الْأَكْثَرين أَنه لَا يُفِيد الْعلم مُطلقًا، وَإِنَّمَا يُفِيد الظَّن، وَإِن دليلكم على امْتنَاع إِفَادَة الْعلم بِلَا قرينَة هُوَ لُزُوم تنَاقض المعلومين إِذا أخبر شخصان بأمرين متناقضين يَأْبَى كَونه مُفِيدا لَهُ بِقَرِينَة لُزُوم تنَاقض المعلومين هُنَا أَيْضا
وَأجِيب بِأَنَّهُ لَا يُنَافِي الْخَبَر مَعَ الْقَرَائِن لِأَن ذَلِك إِذا حصل فِي قَضِيَّة امْتنع عَادَة أَن يحصل مثله فِي نقضهَا، وَفِيه أَن الْكَلَام فِي الْخَبَر مَعَ قطع النّظر عَن الْقَرَائِن وجودا وعدماً. وَلَا شكّ أَن يُفِيد الْعلم الظني، وَالله تَعَالَى أعلم.
(النظري) قيل فِي إِسْنَاد النظري إِلَيْهِ مُسَامَحَة، فَإِن الْحَاصِل بِالنّظرِ إِنَّمَا هُوَ خبر آخر، وَهُوَ أنّ هَذَا وَاقع، وصادق لِأَنَّهُ أخبر بِهِ صَادِق عَن صَدُوق وَمَا هُوَ كَذَلِك، فَهُوَ وَاقع. وَفِيه أَن الْمُتَوَاتر أَيْضا يُفِيد الْعلم النظري بِهَذَا الْمَعْنى. (بالقرائن) مُتَعَلق ب: يُفِيد. (على الْمُخْتَار) أَي بِنَاء على القَوْل الَّذِي اخْتَارَهُ الْمُحَقِّقُونَ كَمَا تقدم.
(خلافًا لمن أَبَى ذَلِك) أَي مَا ذكر من / ٢٤ - ب / الْمُخْتَار مِمَّن سبق ذكرهم. وَقَالَ تِلْمِيذه: الْمُخْتَار خلاف هَذَا الْمُخْتَار كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه. قلت: وَلما سبق عنوانه.
стр. 101
(وَالْخلاف) أَي الِاخْتِلَاف السَّابِق. (فِي التَّحْقِيق) أَي فِي النّظر الدَّقِيق. (لَفْظِي) قَالَ تِلْمِيذه: التَّحْقِيق خلاف هَذَا التَّحْقِيق كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه. قلت: وَلما سبق برهانه. قَالَ [٣٢ - أ] الشَّيْخ بعد تَسْلِيمه: أنّ الِاتِّفَاق حَاصِل على أنّ الْآحَاد إِنَّمَا يُفِيد الظَّن لَا الْيَقِين.
(لِأَن من جَوّز إِطْلَاق الْعلم) أَي على الْمَعْنى الْعَام المتناول للظن قَالَ غير متواتر مُفِيد للْعلم وَلَكِن (قَيَّدَهُ بِكَوْنِهِ نظرياً) وَفِيه أَنه يُوهم أَن للتَّقْيِيد دخلا فِي كَون النزاع لفظياً. (وَهُوَ) أَي النظري هُوَ (الْحَاصِل عَن الِاسْتِدْلَال) وَهُوَ عِنْده لَا يُفِيد إِلَّا الظَّن، والقرائن مقوية مُؤَكدَة للظن، وَلَا ترقّيه إِلَى مرتبَة الْقطع، فالعلم النظري هُوَ الظَّن الْقوي أطلق عَلَيْهِ الْعلم النظري.
(وَمن أَبى الْإِطْلَاق) أَي إِطْلَاق الْعلم عَلَيْهِ. (خص لفظ الْعلم) أَي الْمُطلق المنصرف إِلَى الْفَرد الْأَكْمَل وَهُوَ اليقيني الْقطعِي. (بالمتواتر، وَمَا عداهُ) أَي غير الْمُتَوَاتر كُله (عِنْده) أَي الآبي / (ظَنِّي) فالنزاع عَائِد إِلَى الْإِرَادَة من لفظ الْعلم لَكِن الأولى للْمُصَنف أَن يَقُول: وَمَا عداهُ لَا يُسَمِّيه بِالْعلمِ حَتَّى يظْهر كَون النزاع لفظياً.
(لكنه) أَي من أَبى، (لَا يَنْفِي) أَي لَا يمْنَع (أنّ مَا احتُفّ) بِضَم التَّاء وَتَشْديد الْفَاء، أَي خبر اقْترن، (بالقرائن) الْبَاء مثل الْبَاء فِي قَوْلك: ضرب زيد بِعَمْرو، فَإِن الْقَرَائِن فَاعل معنى بِقَرِينَة قَوْله فِيمَا بعد: احتف بِهِ قَرَائِن، وَلِأَن الْخَبَر أصل، والقرائن عوارض فَهُوَ بِسَبَب حُصُولهَا (أرجح) أَي أقوى.
стр. 102
(مِمَّا خلا عَنْهَا) أَي عَن الْقَرَائِن. وَحَاصِل كَلَامه: أنّ مَن قَالَ: بِأَن خبر الْوَاحِد يُفِيد الْعلم أَرَادَ أَنه يُفِيد الْعلم النظري المستفادَ بِالنّظرِ فِي الْقَرَائِن لَا بِنَفس خبر الْآحَاد بِدُونِ النّظر فِي الْقَرَائِن. ومَن قَالَ: بِأَنَّهُ لَا يُفِيد الْعلم إِلَّا الْمُتَوَاتر، وَخبر الْوَاحِد لَا يُفِيد إِلَّا الظَّن أَرَادَ أَنه بِدُونِ الْقَرَائِن لَا يُفِيد إِلَّا الظَّن. وَلَا يَنْفِي أَن مَا احتف بالقرائن أرجح مِمَّا عداهُ بِحَيْثُ يترقى عَن مرتبَة إِفَادَة الظَّن إِلَى إِفَادَة الْعلم، فَيكون الْخلاف [٣٢ - ب] لفظياً.
وَأَنت قد علمت مَذْهَب كل من الْفَرِيقَيْنِ ودليلهم، وَهُوَ يدل على أنّ النزاع بَينهم معنوي، وَهُوَ الْحق لأَنهم قَالُوا: إِن خبر الْوَاحِد قد يُفِيد الْيَقِين فَلَا يبعد أَن يُفِيد الْقطع. وَمن أَبى الْإِطْلَاق صرح بأنّ مَا عدا الْمُتَوَاتر عِنْده ظنّي، فَالْخِلَاف تحقيقي. وَلِهَذَا قَالَ تِلْمِيذه: نعم، وَمَعَ كَونه أرجح لَا يُفِيد الْعلم.
فَالْحَاصِل عِنْد من يَقُول: الْآحَاد لَا يُفِيد الْعلم: أنّ الدَّلِيل الظني على طَبَقَات، وَلَيْسَ مِنْهَا مَا يُفِيد. انْتهى يَعْنِي والقرائن الْخَارِجَة لَا دخل لَهَا فِي نفس الْخَبَر إِذْ يخْتَلف الحكم باختلافها على مَا قدمْنَاهُ. / ٢٥ - أ /.
( [أَنْوَاع الْخَبَر المُحْتفِّ بالقرائن] )
(وَالْخَبَر المحتفّ بالقرائن أَنْوَاع:) أَي باخْتلَاف مَرَاتِب الْقَرَائِن لصِحَّته
(مِنْهَا:) أَي من جملَة أَنْوَاعه (مَا أخرجه الشَّيْخَانِ،) أَي كِلَاهُمَا (فِي صَحِيحَيْهِمَا) احْتِرَاز من غَيرهمَا من كتبهما (مِمَّا لم يبلغ حد التَّوَاتُر) أَي على تَقْدِير
стр. 103
أَن يُوجد فيهمَا مَا يصل إِلَى حد التَّوَاتُر. فمِن تبعيضية، ويُحتمل أَن تكون بَيَانِيَّة ل: مَا.
(فَإِنَّهُ احتف بِهِ) أَي بِمَا أخرجه الشَّيْخَانِ (قَرَائِن) أَي مقويات خارجية مَعَ قطع النّظر عَن تصحيحهما.
(مِنْهَا:) أَي من الْقَرَائِن.
(جلالتهما) أَي عَظمَة مرتبتهما بِكَمَال احتياطهما فِي شروطهما، والتزامهما الصِّحَّة فِي كِتَابَيْهِمَا (فِي هَذَا الشَّأْن) أَي فِي هَذَا الْفَنّ، (وتقدمهما) أَي وَمِنْهَا تقدمهما (فِي تَمْيِيز الصَّحِيح) أَي من غَيره (على غَيرهمَا) أَي من أَصْحَاب الصِّحَاح مُتَعَلق ب: تقدمهما (وتلقي الْعلمَاء) أَي وَمِنْهَا تلقيهم، وتَلَقُّنهم، وَأَخذهم (لكتابَيْهما بالقَبول) أَي اعتقاداً، أَو عملا. (وَهَذَا التلقي وَحده) أَي بِانْفِرَادِهِ من بَين الْقَرَائِن (أقوى فِي إِفَادَة الْعلم) أَي النظري. (من مُجَرّد كَثْرَة الطّرق) أَي من غَيرهمَا. (القاصرة عَن التَّوَاتُر) أَي لم تبلغ حد التَّوَاتُر.
قَالَ ابْن الصّلاح: مَا أخرجه الشَّيْخَانِ مَقْطُوع بِصِحَّتِهِ: وَالْعلم اليقيني النظري وَاقع بِهِ خلافًا لمن نفى ذَلِك محتجاً بِأَنَّهُ لَا يُفِيد بِأَصْلِهِ إِلَّا الظَّن. وَإِنَّمَا تَلَقَّتْهُ الْأمة بالقَبول [٣٣ - أ] لِأَنَّهُ يجب عَلَيْهِم الْعَمَل بِالظَّنِّ، وَالظَّن قد يُخطئ وَقد كنت أميل إِلَى هَذَا وَأَحْسبهُ قَوِيا ثمَّ بَانَ لي أنّ الْمَذْهَب الَّذِي / اخترناه أَولا
стр. 104
هُوَ الصَّحِيح، لِأَن ظن مَن هُوَ مَعْصُوم من الْخَطَأ لَا يُخطئ. وَالْأمة فِي إجماعها معصومة من الْخَطَأ، وَلِهَذَا كَانَ الْإِجْمَاع الْمَبْنِيّ على الِاجْتِهَاد أَي الَّذِي مُسْتَنده الْقيَاس حجَّة مَقْطُوعَة بهَا، وَأكْثر إجماعات الْعلمَاء كَذَلِك. قَالَ النَّوَوِيّ: مَا ذكره ابْن الصّلاح خلاف مَا قَالَه الْمُحَقِّقُونَ وَالْأَكْثَرُونَ، فَإِنَّهُم قَالُوا: أَحَادِيث الصَّحِيحَيْنِ الَّتِي لَيست بمتواترة إِنَّمَا تفِيد الظَّن، فَإِنَّهَا آحَاد، والآحاد إِنَّمَا يُفِيد الظنّ على مَا تقرر. وَلَا فرق بَين البُخَارِيّ، وَمُسلم وَغَيرهمَا فِي ذَلِك وتلقي الْأمة إِنَّمَا أَفَادَ وجوب الْعَمَل بِمَا فيهمَا من غير توقف على النّظر فِيهِ بِخِلَاف غَيرهمَا.
فَلَا يعْمل بِهِ حَتَّى ينظر وَيُوجد فِيهِ شَرط الصَّحِيح. وَلَا يلْزم من إِجْمَاع الْعلمَاء على الْعَمَل بِمَا فِيهَا إِجْمَاعهم على الْقطع بِأَنَّهُ كَلَام النَّبِي ﵊.
وَحكي تَغْلِيظ مقَالَة ابْن الصّلاح، عَن ابْن بَرْهان، وَكَذَا عابه ابْن عبد السَّلَام. وَسَيَأْتِي فِي كَلَام ابْن الهُمَام مَا يَرُدُّ عَلَيْهِ. وانتصَرَ لِابْنِ الصّلاح
стр. 105
المُصَنّف، وَمن قبله شيخُهُ البُلقيني تبعا لِابْنِ تَيْميَّة.
وَحِينَئِذٍ فيُفرّق بَين الْمُتَوَاتر، والآحاد بأنّ الْعلم فِي ذَلِك ضَرُورِيّ يشْتَرك فِيهِ / ٢٥ - ب / الْعَالم وَغَيره، وَفِي هَذَا نَظَرِي لَا يحصل إِلَّا للْعَالم بِالْحَدِيثِ المتبحِّر فِيهِ، الْعَالم بأحوال الروَاة، المطلع على الْعِلَل، وَكَون غَيره لَا يحصل لَهُ الْعلم بِصدق ذَلِك لَا يَنْفِي حُصُوله، كَذَا قيل.
وَفِيه أَنه لَو كَانَ كَذَلِك لما وَقع الِاخْتِلَاف بَين الْمُجْتَهدين مَعَ أَن كثيرا من الْأَحَادِيث فيهمَا ممّا يَقْتَضِي التَّنَاقُض، فَكيف يُفِيد الْعلم الْقطعِي؟ وَلما استشعر المُصَنّف اعتراضاً بِأَنَّهُ قد يُوجد الحَدِيث الضَّعِيف فيهمَا قَالَ:
(إِلَّا أنّ هَذَا) أَي مَا ذكر من [٣٣ - ب] كَون التلقي قرينَة، وَكَونه أقوى من مُجَرّد كَثْرَة الطّرق. (يخْتَص بِمَا لم ينتقده) أَي لم يزيفه، مِن نَقَدْتُ الدَّرَاهِم، وانتقدتها إِذا أخرجتُ مِنْهَا الزَّيفَ، وَالْمعْنَى: لم يعْتَرض عَلَيْهِ. (أحد من الْحفاظ) كالدَّارَ قُطْنِي وَغَيره.
(مِمَّا فِي الْكِتَابَيْنِ) لفقد الْإِجْمَاع على التلقي. قَالَ تِلْمِيذه: وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَن الْعلمَاء لم يتلقوا كل مَا فِي الْكِتَابَيْنِ بالقَبول. انْتهى. وَهَذَا كَمَا اسْتَثْنَاهُ ابْن الصّلاح حَيْثُ قَالَ: سِوى أحرفٍ يسيرةٍ تكلم عَلَيْهَا الْحفاظ وَهِي مَعْرُوفَة. قَالَ السخاوي: وتزيد على مئتي حَدِيث. قَالَ النَّوَوِيّ: إِنَّه أجَاب عَنْهَا آخَرُونَ. قَالَ السخاوي: يَعْنِي كَمَا أفرده الْعِرَاقِيّ فِي تأليف عدمت مُسَوَّدَتُه قبل أَن يبيضها.
стр. 106
وتكفل شَيخنَا فِي مُقَدّمَة " شرح البُخَارِيّ " بِمَا فِيهِ من ذَلِك. وَالْمولى الْعِرَاقِيّ بِمَا فِي " مُسلم ". وَقَالَ البِقَاعي: فِي " النكت الوفية ": قَالَ شَيخنَا الدَّارَقُطْنِيّ: ضُعّف من أحاديثهما مئتين وَعشرَة، يخْتَص البُخَارِيّ بِثَمَانِينَ، واشتركا فِي ثَلَاثِينَ، وَانْفَرَدَ مُسلم بمئة. قَالَ: وَقد ضعف غَيره أَيْضا غير هَذِه الْأَحَادِيث.
وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي خطْبَة " شرح صَحِيح البُخَارِيّ ": إنّ مَا ضُعّف من أحاديثهما مَبْنِيّ على علل لَيست بقادحة. قَالَ: فَكَأَنَّهُ مَال إِلَى أَنه لَيْسَ فيهمَا ضَعِيف. وَكَلَامه فِي خطْبَة " شرح مُسلم " يَقْتَضِي تَقْرِير قَول من ضعف. قَالَ شَيخنَا: وأظن هَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مقَام الرجلَيْن، وَأَن الشَّيْخ يرفع عَن البُخَارِيّ، ويقرر على مُسلم انْتهى.
وَبِالْجُمْلَةِ هَذَا مُسْتَثْنى من التلقي / لاخْتِلَاف الْعلمَاء فِيهِ. ويفيد أَنه لَا بُد من النّظر للمجتهد فِي رجالهما حَتَّى يظْهر الْمَعْلُول من غَيره. وَهَذَا يُعَكر على مَا قَالَ النَّوَوِيّ عَن الْأَكْثَرين: أَن تلقي الْأمة إِنَّمَا أَفَادَ وجوب الْعَمَل بِمَا فيهمَا من غير توقف على النّظر فيهمَا بِخِلَاف غَيرهمَا، فَلَا يُعمل بِهِ حَتَّى ينظر، وَيُوجد فِيهِ شَرط الصَّحِيح انْتهى.
وَهُوَ بِظَاهِرِهِ غير مُسْتَقِيم، لِأَن مُرَاده إِن كَانَ أَعم من الْمُجْتَهد وَغَيره، [٣٤ - أ] فَفِيهِ أنَّ الْمُجْتَهد لَا يجب عَلَيْهِ أنْ يقلّد غَيره. وَإِن كَانَ مَقْصُوده الْمُقَلّد، فَلَيْسَ لَهُ إِلَّا أَن يتبع مجتهده، اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال: مُرَاده الْمُقَلّد الْمُجْتَهد فِي
стр. 107
الْمَذْهَب، فَإِنَّهُ إِذا لَم يَرَ نَصّاً عَن إِمَامه / ٢٦ - أ / فَلهُ أَن يُقَلّد الشَّيْخَيْنِ فِي تصحيحهما، وَيَبْنِي عَلَيْهِ مَسْأَلَة فرعية.
(وَبِمَا) أَي وَيخْتَص أَيْضا بِمَا. (لم يَقع التجاذب) أَي التخالف كَمَا فِي نُسْخَة، وَالْمرَاد التَّعَارُض. (بَين مدلوليه مِمَّا وَقع فِي الْكِتَابَيْنِ) قَالَ تِلْمِيذه: لقَائِل أَن يَقُول: لَا حَاجَة إِلَى هَذَا لِأَن الْكَلَام فِي إِفَادَة الْعلم بالْخبر لَا فِي إِفَادَة الْعلم بمضمونه. انْتهى. وَالظَّاهِر أَنه إِنَّمَا احْتَاجَ إِلَى اسْتثِْنَاء ذَلِك لِأَنَّهُ لمّا ادَّعى أنّ الْعلم اليقيني يحصل بِمَا فِي الْكِتَابَيْنِ وَلَا شكّ أنّ فيهمَا مَا يُوجب التناقص، فاضطر إِلَى هَذَا القَوْل ليتمّ مَقْصُوده.
لَكِن بَقِي شَيْء، وَهُوَ أَنه إِذا كَانَ مَدْلُول مَا فِي الْكِتَابَيْنِ مُخَالفا لما ذكره غَيرهمَا من الْخَبَر المحتفّ بالقرائن يَنْبَغِي أنّ لَا يُفِيد شَيْء مِنْهُمَا الْعلم. وَلم يتَعَرَّض المُصَنّف لذَلِك، وَيُمكن أَن يتَكَلَّف، وَيحمل كَلَامه على مَا يَشْمَلهُ بِأَدْنَى اعتناء وَيُشِير إِلَيْهِ قَوْله:
(حَيْثُ لَا تَرْجِيح) بِأَن يكون أَحدهمَا نَاسِخا، وَالْآخر مَنْسُوخا، أَو بِأَن يكون لأحد مدلولية تقوّ بمدلول حَدِيث آخر.
(لَا لِاسْتِحَالَة أَن يُفِيد المتناقضان الْعلم بصدقهما من غير تَرْجِيح لأَحَدهمَا على الآخر) أَي فَإِذا رُجح أَحدهمَا كَانَ الرَّاجِح هُوَ الْمُفِيد للظن الْقوي لَا غير. (وَمَا عدا ذَلِك) أَي مَا ذكر من الاستثنائين. (فالإجماع حَاصِل على تَسْلِيم صِحَّته) أَي وَكَونه أرجحَ فِي إِفَادَة الْعلم.
стр. 108
(فَإِن قيل: إنّما اتَّفقُوا على وجوب الْعَمَل بِهِ) أَي بِمَا فِي الْكِتَابَيْنِ. (لَا على صِحَّته) قَالَ تِلْمِيذه: وَحَاصِل السُّؤَال أَنهم اتَّفقُوا على وجوب الْعَمَل، وَهُوَ لَا يسْتَلْزم صِحَة الْجَمِيع بِالْمَعْنَى المصطلحِ عَلَيْهِ، لِأَن الْعَمَل يجب بالحَسَن كَمَا يجب بِالصَّحِيحِ، فَحِينَئِذٍ لَا يلْزم أَن يكون [٣٤ - ب] الِاتِّفَاق على الصِّحَّة. انْتهى.
وَبِالْجُمْلَةِ نقضّ تفصيلي أَي دليلك لَا يثبت المدّعَى، فَإِنَّهُ إِنَّمَا يدل على وجوب الْعَمَل، وَذَلِكَ غير مستلزِم للصِّحَّة، وَلَا يدل دليلك على الصِّحَّة. وَمعنى قَوْله:
(منعناه) أَي منعنَا عدم دلَالَته على الصِّحَّة. وَقَالَ تِلْمِيذه أَي منعنَا قَوْله: لَا على صِحَّته.
وَحَاصِل مَا ذكره من السَّنَد الْآتِي: أنّ معنى تلقِّي الْعلمَاء بالقَبول مزيتهما بِاعْتِبَار الصِّحَّة. وَقَالَ بعض الْفُضَلَاء: هَذَا السُّؤَال مُعَارضَة، وبيانها أنّ الشَّارِح اسْتدلَّ على أَن الْإِجْمَاع حَاصِل على تَسْلِيم صِحَة مَا عدا الْمَذْكُور بِثَلَاثَة أَدِلَّة: التلقي وأخَوَيْه، وَاسْتدلَّ الْمعَارض بِأَنَّهُم لم يتفقوا إِلَّا على قبُوله وَوُجُوب الْعَمَل بِهِ، وَمَا يجب الْعَمَل بِهِ لَا يجب أَن يكون صَحِيحا. وَهَذِه الْمُقدمَة مطوية، وَالْمَنْع رَاجع إِلَى الْمُقدمَة الأولى بِاعْتِبَار حصرها، وَهَذَا هُوَ الْأَقْرَب.
وَقيل: هَذَا السُّؤَال / منع للمقدمة القائلة: الْإِجْمَاع حَاصِل على تَسْلِيم صِحَة مَا عدا الْمَذْكُور، أَي لَا نسلم ذَلِك لِأَنَّهُ لَيْسَ الْإِجْمَاع إِلَّا على وجوب / ٢٦ - ب / الْعَمَل بِهِ. وَقَوله: منعناه منع لهَذَا السَّنَد الَّذِي ذكره الْمَانِع بِلَا
стр. 109
حَاجَة إِلَيْهِ، وَأَنت تعلم أنّ هَذَا الْمَنْع لَا يجدي بطائل، فَالْأولى أَن يتْرك قَوْله: منعناه، وَيذكر سَنَده إِثْبَاتًا للمقدمة الممنوعة مَعَ أنّ فِيهِ نظرا، لِأَن قَوْله: الْإِجْمَاع حَاصِل على صِحَّته نتيجةٌ، وَالْمَنْع إِنَّمَا يكون على الدَّلِيل. قَالَ المُصَنّف:
(وَسَنَد الْمَنْع أَنهم متفقون على وجوب الْعَمَل بِكُل مَا صَحَّ، وَلَو لم يُخرجهُ الشَّيْخَانِ، فَلم يبْق) هَذَا إِنَّمَا يتَفَرَّع بملاحظة مُقَدّمَة أُخْرَى، وَهِي أَن الْإِجْمَاع حَاصِل على أَن لَهما مزية.
(لِلصَّحِيحَيْنِ فِي هَذَا مزية، وَالْإِجْمَاع) الْأَظْهر أَن يَقُول: فالإجماع.
(حَاصِل على أنّ لَهما مزية فِيمَا يرجع إِلَى نفس الصِّحَّة) قيل فِيهِ [٣٥ - أ] : إِنَّه لَا يلْزم من ذَلِك الِاتِّفَاق الْإِجْمَاع على صِحَة مَا فِي الْكِتَابَيْنِ، فَإِنَّهُ يجوز أَن يتَّفق الْجَمِيع على وجوب الْعَمَل بِالصَّحِيحِ، وَلَا يكون جَمِيع مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ صَحِيحا، وَتَكون المزية بِاعْتِبَار وجوب الْعَمَل بِجَمِيعِ مَا فيهمَا صَحِيحا أَو غَيره.
وَقَالَ التلميذ: وَحَاصِل الْجَواب: أنّ لِلشَّيْخَيْنِ مزية فِيمَا خرَّجاه وَمَا حَسُن أَو صَحَّ وَجب الْعَمَل بِهِ وَإِن لم يكن من مرويهما، فَيلْزم أنّ مَا أَخْرجَاهُ أَعلَى الحَسَن، وَأَعْلَى الصَّحِيح، فَيلْزم من الِاتِّفَاق على وجوب الْعَمَل بِمَا فيهمَا مَعَ مزيتهما الِاتِّفَاق على صِحَّته. هَذَا مَا أمكنني فِي تَقْرِير هَذَا الْمحل.
وَأما الْعبارَة، فَإِذا نظرت إِلَيْهَا تجدها تنبئ عَن ملائمة الطَّبْع السَّلِيم. انْتهى. فالمنع بِمَعْنى الدّفع مَحْمُول على مَعْنَاهُ اللّغَوِيّ لَا على مَا هُوَ المصطلح عِنْد أَرْبَاب
стр. 110
المناظرة، وَهُوَ طلب الدَّلِيل إِذْ المنعُ لَا يتوجّه على الْمَنْع.
(وَمِمَّنْ صرَّح بإفادة مَا خرجه) بتَشْديد الرَّاء، أَي أخرجه، وَذكره (الشَّيْخَانِ الْعلم النظري) أَي المستلزم أَن يكون صَحِيحا. (الأُسْتَاذُ) بِضَم الْهمزَة بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة مُعَرَّبُ الْمُهْملَة، وَكَأَنَّهُ مَأخوذ من قَول الْعَرَب: اسْتَادُوا بني فلَان: قتلوا سيدهم، فَيرجع إِلَى مَا معنى السَّيِّد (أَبُو إِسْحَاق) أَي إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم.
(الإسْفَرَايِيني) نِسْبَة إِلَى إسفراين، بِكَسْر الْهمزَة، وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة، وَفتح الْفَاء وَالرَّاء، وَكسر الْيَاء التَّحْتِيَّة، وَبعدهَا نون، بَلْدَة بخُرَاسَان بنواحي نَيْسَابور فِي منتصف الطَّرِيق إِلَى جُرْجَان. وَهُوَ من أَئِمَّة الْمُتَكَلِّمين كَمَا فِي نُسْخَة.
(وَمن أَئِمَّة الحَدِيث أَبُو عبد الله) وَفِي نُسْخَة: عبد الله.
(الحُمَيْدِي) بِالتَّصْغِيرِ نِسْبَة إِلَى جده الْأَعْلَى، وَهُوَ الأندَلُسِيّ القُرْطُبِي.
(وَأَبُو الْفضل بن طَاهِر، وَغَيرهمَا) بل ألحق ابْن طَاهِر بذلك مَا كَانَ على شَرطهمَا. قيل فِيهِ: إِنَّه لما ذكر أَن الْإِجْمَاع حَاصِل على وجوب الْعَمَل بهما لَا فَائِدَة فِي عدد معِين مِمَّن صرح بذلك. وَالْأَظْهَر [٣٥ - ب] أَنه إِشَارَة إِلَى مَا جوز إِطْلَاق الْعلم النظري على مَا أخرجه الشَّيْخَانِ، فَيُفِيد بِالضَّرُورَةِ / ٢٧ - أ / القَوْل بِصِحَّتِهِ كَمَا سبق الْإِيمَاء منا إِلَيْهِ.
следующие страницы →