← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 5989

شرح نخبة الفكر للقاري

الملا على القاري

Полный текст (700 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

(وَمن ذَلِك قَوْله:) أَي الصَّحَابِيّ: (كُنَّا نَفْعل كَذَا) أَي فِي زمن النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، [أَي مِمَّا يَحْتَمِل الْمَرْفُوع] وَهَذَا مثل مَا تقدم مِثَالا لِلْمَرْفُوعِ من التَّقْرِير حكما قَول الصَّحَابِيّ: إِنَّهُم كَانُوا يَفْعَلُونَ فِي زمَان النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم كَذَا، وَإِلَيْهِ أَشَارَ المُصَنّف [بقوله] : (فَلهُ حكم الرّفْع أَيْضا كَمَا تقدم) فَيكون هَذَا تنظيراً لَا تمثيلاً، فَلم يرد عَلَيْهِ أنَّ عَدَّ هَذَا من الصِّيَغ المحتملة - وَذَلِكَ من الْمَرْفُوع حكما - لَا يخلوا من تحكم. قَالَ محشٍ: ولعلهم يفرقون بَين: " كنّا نَفْعل "، وَبَين: " كُنَّا نَفْعل فِي زمن النَّبِي ﵊ ". ثمَّ رَأَيْت التلميذ ذكر فِي حَاشِيَته أَنه قَالَ المُصَنّف: كُنَّا نَفْعل كَذَا، أحطّ رُتْبَة من قَوْلهم: " كُنَّا نَفْعل فِي عهد النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم "، لِأَن هَذَا وَإِن أوردهُ محتجاً بِهِ يحْتَمل أَن يُرِيد الْإِجْمَاع، أَو تَقْرِير النَّبِي ﵊، فالاحتجاج صَحِيح. وَفِي كَونه من التَّقْرِير التَّرَدُّد. انْتهى. وَلِهَذَا لَهُ حكم الرّفْع عِنْد الْحَاكِم، وَالْإِمَام فَخر الدّين الرَّازِيّ، وَمَوْقُوف عِنْد جُمْهُور من الْمُحدثين، وَأَصْحَاب الْفِقْه وَالْأُصُول، وَكَذَا عِنْد ابْن الصّلاح والخطيب. (وَمن ذَلِك أَن يحكم الصَّحَابِيّ على فعل من الْأَفْعَال بِأَنَّهُ طَاعَة لله أَو لرَسُوله،

стр. 457

أَو مَعْصِيّة) هَذَا قريب مِمَّا مر من الْإِخْبَار عَمَّا يحصل بِفِعْلِهِ ثَوَاب [مَخْصُوص] أَو عِقَاب مَخْصُوص، لَكِن ذَكَرَ [هُنَا] الطَّاعَة وَالْمَعْصِيَة اللَّتَان تفضيان فِي الْجُمْلَة إِلَيْهِمَا بدلهما، وَلم يعْتَبر قيد الْخُصُوص، فهما متغايران. (كَقَوْل عَمَّار:) بِفَتْح مُهْملَة، وَتَشْديد مِيم، (" مَن صَامَ الْيَوْم الَّذِي يُشَكّ) بِصِيغَة الْمَجْهُول، (فِيهِ) أَي فِي أَنه ظن شعْبَان، أَو رَمَضَان، (فقد عصى أَبَا الْقَاسِم [ ﷺ ] ") كنيته صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم باسم وَلَده الْقَاسِم. (فَلهَذَا) أَي فَلهَذَا النَّوْع، (حكم الرّفْع أَيْضا) أَي مِمَّا تقدم؛ (لِأَن الظَّاهِر أَن ذَلِك مِمَّا تلقَّاهُ) أَخذه الصَّحَابِيّ (عَنهُ ﵊ . ( [الْمَوْقُوف] ) (أَو يَنْتَهِي غَايَة الْإِسْنَاد) أَي يبلغ آخِره الَّذِي هُوَ الْغَرَض الْأَعْلَى والغاية القصوى، فاندفعت المناقشة الْمَذْكُورَة، والمسامحة المسطورة (إِلَى الصَّحَابِيّ) / أَي وَاحِد من الصَّحَابَة كالمهاجري والأنصاري، (كَذَلِك، أَي مثل مَا [١٤٤ - أ] تقدم فِي كَون اللَّفْظ) أَي لفظ الحَدِيث، (يَقْتَضِي التَّصْرِيح) جعل التَّصْرِيح هُنَا مفعول يَقْتَضِي وَقَوله: (بِأَن الْمَنْقُول هُوَ / ١٠١ - أ / من قَول

стр. 458

الصَّحَابِيّ، أَو من فعله، أَو من تَقْرِيره) مُتَعَلق بالتصريح بِخِلَافِهِ هُنَاكَ، فَإِن التَّصْرِيح [هُنَاكَ] حَال، أَو تَمْيِيز، وأنْ مَعَ مدخوله مفعول ل: يَقْتَضِي، ومآل الْمَعْنى وَاحِد. (وَلَا يَجِيء فِيهِ) أَي فِي هَذَا الْمقَام، (جمع مَا تقدم) لعدم شُمُوله لما ثَبت حكما أَنه قَول الصَّحَابِيّ، أَو فعله أَو تَقْرِيره. ولِمَا ذَكَرَ أخراً وَهُوَ: أَن يحكم الصَّحَابِيّ على فعل من الْأَفْعَال بِأَنَّهُ طَاعَة لله وَرَسُوله أَو مَعْصِيّة. (بل معظمه) أَي أَكْثَره وَهُوَ التَّصْرِيح، فَإِذا قيل: عَن الصَّحَابِيّ عِنْد ذكر الحَدِيث: يرفعهُ أَو نَحوه، فَهُوَ مَرْفُوع أَيْضا كَمَا إِذا قيل عَن الصَّحَابِيّ، صرح بذلك النَّوَوِيّ. (والتشبيه لَا تشْتَرط فِيهِ الْمُسَاوَاة من كل جِهَة) وَفِي نُسْخَة: من كل وَجه، أَي بل فِيمَا يقْصد. (ولمّا كَانَ هَذَا الْمُخْتَصر شَامِلًا لجَمِيع أَنْوَاع عُلُوم الحَدِيث) ، الْإِضَافَة بَيَانِيَّة، أَي وَمن عُلُوم الحَدِيث معرفَة الروَاة، (استطردت [مِنْهُ] إِلَى تَعْرِيف

стр. 459

الصَّحَابِيّ) قيل هَذِه الْعبارَة غير ظاهرةِ الْمَعْنى، وَالْأَحْسَن أَن يَقُول بدلهَا: أوردت تَعْرِيف الصَّحَابِيّ بالاستطراد. (مَن هُوَ) الظَّاهِر مَا هُوَ، لِأَن كلمة مَا للسؤال عَن الْمَاهِيّة دون مَنْ وَالْأَحْسَن أَن يَقُول: إِنَّه هُوَ على أَن يكون بَدَلا من تَعْرِيف الصَّحَابِيّ، وَالْحَاصِل: أَنِّي عرّفت الصَّحَابِيّ من هُوَ ليحصل معرفَة الصَّحَابَة كمعرفة غَيرهم من الروَاة، وَإِلَّا فالتعريف من المبادئ لَا من الْمسَائِل، وَلذَا قيل: الْمُلَازمَة غير ظَاهِرَة [١٤٤ - ب] وَكَانَ الأولى أَن يَقُول: ولَمَّا أنْجَرَّ الْكَلَام إِلَى ذكر الصَّحَابِيّ، فعرفته، وَكَذَا الْحَال فِي التَّابِعِيّ، (فَقلت) : ( [تَعْرِيف الصَّحَابِيّ] ) (وَهُوَ) أَي الصَّحَابِيّ، (مَن لَقِي) بِكَسْر الْقَاف، أَي رأى (النَّبِي ﵊ أَو رَآهُ النَّبِي ﵊ حَال كَونه (مؤمِناً بِهِ) أَي بِالنَّبِيِّ صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، وَبِمَا جَاءَ بِهِ من عِنْد الله تَعَالَى قَالَ السخاوي: دخل فِيهِ من رَآهُ وآمن بِهِ من الْجِنّ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة

стр. 460

السَّلَام بُعِثَ إِلَيْهِم قطعا، وهم مكلَّفون، وَفِيهِمْ العصاة والطائعون، وَلذَا قَالَ ابْن حَزْم فِي الْأَقْضِيَة من المُحَلَّى: قد أعلمنَا الله تَعَالَى أنّ نَفرا من الْجِنّ آمنُوا وَاسْتَمعُوا الْقُرْآن من النَّبِي عَلَيْهِ وَالصَّلَاة وَالسَّلَام، فهم صحابة فضلاء، وَحِينَئِذٍ يتَعَيَّن ذكر من عُرِف مِنْهُم فِي الصَّحَابَة، وَلَا الْتِفَات لإنكار ابْن الْأَثِير على أبي مُوسَى المَديني تَخْرِيجه فِي الصَّحَابَة لبَعض من عَرَفه مِنْهُم، فَإِنَّهُ لم يسْتَند فِيهِ إِلَى حجَّة. (وَمَات على الْإِسْلَام) أَي إِجْمَاعًا، (وَلَو تخللت) وصلية، (رِدَّة) أَي ارتداد وَكفر (فِي الْأَصَح) أَي على مُقْتَضى مَذْهَب الشَّافِعِي، وَمن تبعه من أَن الارتداد لَا يبطل الْأَعْمَال إِلَّا بِمَوْتِهِ على الْكفْر. وَأما فِي مَذْهَبنَا الْمُقَرّر من أَن الرِّدَّة تبطل ثَوَاب جَمِيع الْأَعْمَال وَلَو رَجَعَ إِلَى / ١٠١ - ب / الْإِسْلَام، وَأَنه يجب عَلَيْهِ إِعَادَة الْحَج فَإِنَّهُ فرض عمري، فَتبْطل صحبته بِالرّدَّةِ، فَلَا يكون صحابياً إِلَّا أَن حصلت لَهُ رُؤْيَة ثَانِيَة، وَعَلِيهِ الإِمَام مَالك وَسَيَأْتِي زِيَادَة بَيَان لهَذَا، / وَالْعجب من شَارِح حَنَفِيّ مَشْهُور بِأَنَّهُ عَلاَّمة حَيْثُ لم يعرف مذْهبه، وَقَالَ: أَي على [١٤٥ - أ] الْأَصَح الَّذِي ذهب إِلَيْهِ الْجُمْهُور من الْمُحدثين والأصوليين وَغَيرهم. قَالَ: وَقد ذكر المُصَنّف قيدا لَا بُد مِنْهُ وَلم يذكرهُ الْجُمْهُور وَهُوَ قَوْله: " مَاتَ على الْإِسْلَام " لِئَلَّا يلْزم أَن يكون من مَاتَ على الرَّدة معدوداً من الصَّحَابَة.

стр. 461

قلت: وَإِنَّمَا تَركه الْجُمْهُور لكَمَال الظُّهُور، بل فِي الْحَقِيقَة إِنَّمَا ذكره ليترتب عَلَيْهِ: وَلَو تخللت رِدَّة على الْأَصَح، [لكنه موهم أَن يكون على الْأَصَح] قيدا للمسألتين، فَدَفَعته بِقَوْلِي فِي الأول: أَي إِجْمَاعًا. (وَالْمرَاد باللقاء) أَي الملاقاة، (مَا هُوَ أَعم من المجالسة والمماشاة) وَكَذَا من المكالمة والمبايعة (ووصول أَحدهمَا إِلَى الآخر وَإِن لم يكالمه) أَي أَحدهمَا الآخر. (وَيدخل فِيهِ) أَي فِي اللُّقِيّ بِالْمَعْنَى الْأَعَمّ الشَّامِل للوصول، أَو فِي التَّعْرِيف، (رُؤْيَة أَحدهمَا الآخر) وَلَو لَحْظَة لشرف منزلَة مطالعة طلعة النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم الَّذِي هُوَ أفضل من الكبريت الْأَحْمَر فِي التَّأْثِير، فَكَأَنَّهُ كَمَا صرح بِهِ بَعضهم إِذا رَآهُ مُسلم، أَو رأى مُسلما لَحْظَة طُبع قلبه على الاسْتقَامَة فِي الدّين لِأَنَّهُ بِإِسْلَامِهِ متهيئ للقبول، فَإِذا قَابل ذَلِك النُّور الْعَظِيم أشرق عَلَيْهِ فَظهر أَثَره على قلبه وجوارحه، وَالْمرَاد رُؤْيَته فِي حَال حَيَاته وَإِلَّا فَلَو رَآهُ بعد مَوته قبل دَفنه [فَفِيهِ] خلاف. (سَوَاء كَانَ ذَلِك) أَي الْوُصُول، أَو مَا ذكر من الرُّؤْيَة، (بِنَفسِهِ أَو بِغَيْرِهِ) أَي سَوَاء كَانَ بالاستقلال بِأَن يقْصد رُؤْيَته على حِدة، أَو بالتبعية ووسيلة الْغَيْر وَسَوَاء كَانَ ينظر إِلَيْهِ قصدا، أَو قصد رُؤْيَة غَيره وَرَآهُ تبعا [١٤٥ - ب] بِوُقُوع نظره

стр. 462

عَلَيْهِ اتِّفَاقًا من غير قصد، وَإِلَّا فالرؤية بِالْغَيْر مِمَّا لَا معنى لَهُ، أَو يُقَال مَعْنَاهُ: سَوَاء كَانَ رُؤْيَة أَحدهمَا للْآخر بِنَفسِهِ بِأَن يكون هُوَ نَفسه باعثاً على الرُّؤْيَة، أَو كَانَ بِغَيْرِهِ بِأَن يكون الْبَاعِث ذَلِك الْغَيْر. قَالَ التلميذ: قَوْله: بِغَيْرِهِ أَي بِأَن يكون صَغِيرا فَيحمل إِلَى النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم. (وَالتَّعْبِير " باللُّقِي " أولى من قَول بَعضهم: " الصَّحَابِيّ من رأى النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم ") وَإِنَّمَا قَالَ: أولى لِأَنَّهُ يُمكن أَن يُرَاد بِالرُّؤْيَةِ فِي قَول بَعضهم بِنَاء على الْغَالِب، أَو يُقَال: المُرَاد بِالرُّؤْيَةِ الملاقاة، بِحَيْثُ لَو كَانَ لَهُ بصر لرآه كَمَا هُوَ الْمُسْتَعْمل فِي الْعرف. وَبَعْضهمْ هُوَ: أَبُو عَمْرو بن الصّلاح على مَا قَالَه التلميذ، وَقَالَ الْعِرَاقِيّ: هَكَذَا أطلقهُ كثير من أهل / ١٠٢ - أ / الحَدِيث، ومرادهم بذلك مَعَ زَوَال الْمَانِع من الرُّؤْيَة كالعمى. انْتهى. وعَلى كل تَقْدِير فتعريف المُصَنّف أولى (لِأَنَّهُ) أَي قَول بَعضهم (يُخرج) أَي بِنَاء على الظَّاهِر، (ابْن أم مَكْتُوم) أَي الْأَعْمَى الَّذِي نزل فِي حَقه ﴿عبس وَتَوَلَّى﴾ ، قيل: يخرج إِمَّا من الْإِخْرَاج، فالابن مَنْصُوب، أَو من الْخُرُوج وَالِابْن مَرْفُوع، وَلَكِن لَفْظَة " بِهِ " أَي بِهَذَا القَوْل مُقَدّر حينئذٍ فالأوّل أولى. (وَنَحْوه وَمن العُميان،) بِضَم الْعين، (وهم) أَي وَالْحَال أَنهم (صحابة بِلَا تردد) أَي بِلَا خلاف وَشك.

стр. 463

قَالَ المُصَنّف: الَّذِي اخترته أخيراً أَن / قَول مَن قَالَ: رأى النَّبِي ﵊ لَا يَرِدُ عَلَيْهِ الْأَعْمَى لِأَن المُرَاد بِالرُّؤْيَةِ مَا هُوَ أَعم من الرُّؤْيَة بِالْقُوَّةِ أَو بِالْفِعْلِ، وَالْأَعْمَى فِي قُوَّة مَن يرى بِالْفِعْلِ، وَإِن عرض مَانع من الرُّؤْيَة بِالْفِعْلِ وَهُوَ الْعَمى. قَالَ [١٤٦ - أ] تِلْمِيذه: اخْتِيَار مجَاز بِلَا قرينَة لَا عِبْرَة بِهِ. قلت: الْعرف قرينَة مَعْرُوفَة، بل قيل: الْمجَاز الْمُسْتَعْمل أولى من الْحَقِيقَة اللُّغَوِيَّة، وَيُمكن أَن ينزل الْفِعْل الْمُتَعَدِّي منزلَة اللَّازِم، وَيُقَال: المُرَاد بَمن رأى النَّبِي ﵊ مَن حصل لَهُ رُؤْيَة النَّبِي ﵊، وَهُوَ يَشْمَل الطَّرفَيْنِ وَإِنَّمَا اخْتَارُوا لفظ من رأى النَّبِي ﵊ [دون من رَآهُ النبيُّ ﵊ لِأَنَّهُ الْأَغْلَب، وَهُوَ الْأَنْسَب بالأدب، وَالْأَقْرَب إِلَى الطّلب، وَلِهَذَا قَالَ صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم] : " طُوْبَى لِمَنْ رَآنِي وآمن بِي، وطُوْبَى لَمَن رأى من رَآنِي " فَاكْتفى صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم بِمُجَرَّد [الرُّؤْيَة من غير] اعْتِبَار التَّمْيِيز والصحبة وَالرِّوَايَة كَمَا قَالَ بَعضهم. (واللُّقِيّ فِي هَذَا التَّعْرِيف كالجنس) إِنَّمَا قَالَ كالجنس، وكالفصل لِكَوْنِهِمَا من

стр. 464

الْأَعْرَاض الْعَامَّة، فَيشْمَل الْمَحْدُود وَغَيره، (وَقَوْلِي: " مُؤمنا بِهِ " كالفصل) أَي بِاعْتِبَار جزئه الأول. (يُخْرجُ من حصل لَهُ اللِّقَاء الْمَذْكُور لَكِن فِي حَال كَونه كَافِرًا،) أَي لم يُؤمن بِأحد من الْأَنْبِيَاء كالمشركين، وَكَانَ الأولى أَن يتْرك قَوْله: " بِهِ " لقَوْله: (وَقَوْلِي " بِهِ "، فصل ثَان يُخرح من لقِيه مُؤمنا، لَكِن بِغَيْرِهِ مِن الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام) أَي كَأَهل الْكتاب. قَالَ التلميذ: إِن كَانَ المُرَاد بقوله: مُؤمنا بِغَيْرِهِ أَنه مُؤمن بِأَن ذَلِك الْغَيْر نَبِي، وَلم يُؤمن بِمَا جَاءَ بِهِ كَأَهل الْكتاب من الْيَهُود الْيَوْم، فَهَذَا لَا يُقَال لَهُ مُؤمن، فَلم يدْخل فِي الْجِنْس، فَيحْتَاج إِلَى إِخْرَاجه بفصل وَحِينَئِذٍ لَا يَصح أَن [١٤٦ - ب] يكون هَذَا فصلا، وَإِنَّمَا هُوَ لبَيَان مُتَعَلق الْإِيمَان، وَإِن كَانَ المُرَاد مُؤمنا بِمَا جَاءَ بِهِ غَيره من الْأَنْبِيَاء، فَذَلِك مُؤمن بِهِ إِن كَانَ لقاؤه بعد الْبعْثَة، وَإِن كَانَ قبلهَا فَهُوَ مُؤمن بِأَنَّهُ سيبعث، فَلَا يَصح أَن يكون فصلا لما ذكره بعد هَذَا. قلت: نَخْتَار شِقاً آخر وَهُوَ [أَن] المُرَاد بِهِ مَن آمن بِغَيْرِهِ من الْأَنْبِيَاء مُجملا، وَلم يطلع على مَا جَاءَ بِهِ الْأَنْبِيَاء مفصلا كأكثر أهل الْكتاب جهلا، وَأما غَيرهم مِمَّن يكون كفرهم بِهِ صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم عِناداً، فقد خرج بِالْفَصْلِ / ١٠٢ - ب / الأول، وَهُوَ قَوْله: مُؤمنا.

стр. 465

(لَكِن هَل يخرج) أَي الْفَصْل الثَّانِي، (مَن لَقِيه مُؤمنا بِأَنَّهُ سيبعث وَلم يدْرك البِعثة؟) بِكَسْر الْمُوَحدَة كَبحِيْرى الراهب؟ (فِيهِ نظر) أَي تردد كَمَا صرح بِهِ النَّوَوِيّ، فَمن أَرَادَ اللِّقَاء حَال نبوته حَتَّى لَا يكون مثله صحابياً عِنْده يخرج عَنهُ، وَمن أَرَادَ أَعم من ذَلِك يدْخل وَلَا وَجه لإخراجه كَمَا ذهب إِلَيْهِ الْبَعْض، وَاعْترض عَلَيْهِ بِأَن هَذَا الشَّخْص غير دَاخل فِي الْجِنْس فَكيف يُخرجهُ؟ وَأجِيب بِأَن هَذَا إِنَّمَا يَصح إِذا أُرِيد بِالنَّبِيِّ [النَّبِي] من حَيْثُ إِنَّه [نَبِي] ، وَأما إِذا أُرِيد ذَاته، فَلَا يَصح بِالنِّسْبَةِ إِلَى من رأى ذَاته قبل الْبعْثَة [وَلم يره بعد الْبعْثَة] ، نعم يَصح بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُصدق بِهِ وَلم ير ذَاته / أصلا. قَالَ التلميذ: قَوْله: فِيهِ نظر، أَي مَحل تَأمل. قَالَ المُصَنّف: قلت مرجحا أحد جَانِبي هَذَا التَّرَدُّد: أَن الصُّحْبَة وَعدمهَا من الْأَحْكَام الظَّاهِرَة، فَلَا تحصل إِلَّا عِنْد حُصُول مقتضيها فِي الظَّاهِر، وحصوله فِي [١٤٧ - أ] الظَّاهِر يتَوَقَّف على الْبعْثَة. انْتهى. وَهُوَ معنى مَا قيل فِي وَجه النّظر لِأَن الْمُؤمن فِي الْعرف لَا يُطلق على من يصدق بِأَنَّهُ سيبعث وَلم يُؤمن بِهِ حَال الْبعْثَة، لَكِن فِيهِ بحث لِأَن كلامنا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُصدق بِأَنَّهُ سيبعث وَمَات قبل الْبعْثَة. (وَقَوْلِي: " وَمَات على الْإِسْلَام " فصل ثَالِث يخرج من ارْتَدَّ بعد أَن لقِيه مُؤمنا، وَمَات على الرِّدَّة كعبيد الله) بِالتَّصْغِيرِ (ابْن جحش) بِفَتْح جِيم، وَسُكُون مُهْملَة، (وَابْن خطل) بِفَتْح مُعْجمَة، فمهملة، قتل وَهُوَ مُتَعَلق بِأَسْتَارِ الْكَعْبَة. قَالَ

стр. 466

السخاوي: وَمقيس بن صبَابَة، بِفَتْح الْمُهْملَة، وَفِي حَاشِيَة التلميذ: قَالَ المُصَنّف: وَكَذَا من رُوِيَ عَنهُ ثمَّ مَاتَ مُرْتَدا بعد وَفَاته كربيعة بن أُميَّة بن خلف، فَإِنَّهُ لقِيه مُؤمنا وروى عَنهُ وَاسْتمرّ إِلَى خلَافَة عمر وارتد وَمَات على الرِّدَّة. انْتهى. قَالَ السخاوي: وَمَا وَقع لِأَحْمَد فِي مُسْنده من ذكره حَدِيث ربيعَة بن أُميَّة بن خلف الجُمَحِي، وَهُوَ مِمَّن أسلم فِي الْفَتْح وَشهد مَعَ النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم حجَّة الْوَدَاع، وَحدث عَنهُ بعد مَوته ثمَّ لحقه الخذلان، فلحق فِي خلَافَة عمر بالروم وَتَنصر بِسَبَب شَيْء أغضبهُ، يُمكن تَوْجِيهه بِعَدَمِ الْوُقُوف على قصَّة ارتداده. وَقد قَالَ شَيخنَا مَا نَصه: وَإِخْرَاج حَدِيث مثل هَذَا يَعْنِي مُطلقًا فِي المسانيد وَغَيرهَا مُشكل، وَلَعَلَّ من أخرجه لم يقف على قصَّة ارتداده. (وَقَوْلِي: " وَلَو تخللت ردة ") مُبْتَدأ وَخَبره قَوْله: (أَي بَين لقِيه) أَي قَوْله: لَو تخللت ردة مُفَسّر بقولنَا: لَو تخللت [ردة] بَين لقِيه [١٤٧ - ب] (وَله مُؤمنا بِهِ، وَبَين مَوته على الْإِسْلَام) وتصحف قَوْله: على الْإِسْلَام على / ١٠٣ - أ / شَارِح بقوله: ﵇، فَقَالَ: بل بعده أَيْضا كَمَا يشْعر بِهِ قَوْله: أم بعده. (فَإِن اسْم الصُّحْبَة بَاقٍ لَهُ) أَي غير بَاطِل عِنْد الشَّافِعِيَّة خلافًا للحنفية، (سَوَاء رَجَعَ إِلَى الْإِسْلَام فِي حَيَاته) أَي النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، (أم بعد مَوته، سَوَاء لَقيه ثَانِيًا) حَيْثُ يعود لَهُ اسْم الصُّحْبَة بالتجدد اتِّفَاقًا (أم لَا) خلافًا

стр. 467

لنا، وَأغْرب محشٍ مَعَ كَونه حنفياً فاصلاً حَيْثُ قَالَ: قَوْله: لقِيه ثَانِيًا أم لَا مِمَّا لَا حَاجَة إِلَيْهِ لفهمه من قَوْله: أم بعد [مَوته. انْتهى] وَوجه الغرابة مَعَ قطع النّظر عَن معرفَة الْمَذْهَب فِي الرِّدَّة أَنه لَا يفهم من قَوْله: أم بعد مماته [أَنه] لقِيه ثَانِيًا أم [لَا] فِي حَال حَيَاته. (وَقَوْلِي: " فِي الْأَصَح " إِشَارَة إِلَى الْخلاف فِي الْمَسْأَلَة،) قَالَ تِلْمِيذه: أَي فِي مَسْأَلَة الارتداد. انْتهى. وَسَيَجِيءُ بَيَانه. وَأغْرب شَارِح وَجعل المُرَاد بِالْمَسْأَلَة مَسْأَلَة تَعْرِيف الصَّحَابَة، وَيدل على بطلَان قَوْله قولُه: (وَيدل على رُجْحَان الأول) أَي الْمَفْهُوم من الْأَصَح الْمُقَابل للصحيح، أَو الضَّعِيف الَّذِي هُوَ الثَّانِي، وَهُوَ الْأَصَح عِنْده، (قصَّة الأشْعَث بن قيس، فَإِنَّهُ كَانَ مِمَّن ارْتَدَّ وأُتِي) أَي جِيءَ (بِهِ إِلَى أبي بكر الصّديق ﵁ أَسِيرًا) أَي / مأسوراً مُقَيّدا، (فَعَاد إِلَى الْإِسْلَام فَقَبِل) أَي أَبُو بكر (مِنْهُ ذَلِك) أَي الْإِسْلَام (وَزَوَّجَهُ) أَي أَبُو بكر. (أُخْته) أَي لِمَا رأى مِن حُسن إِسْلَامه. (وَلم يتَخَلَّف أحد عَن ذكره) أَي الْأَشْعَث (فِي الصَّحَابَة، وَلَا عَن تَخْرِيج

стр. 468

أَحَادِيثه فِي المسانيد [١٤٨ - أ] وَغَيرهَا) . فِيهِ أَنه كَانَ يَنْبَغِي أَن لَا يكون فِي الْمَسْأَلَة خلاف مَعَ أَنه خلاف ذَلِك، فَلَعَلَّ من ذكره فِي الصَّحَابَة غَفَل عَن ارتداده، أَو لكَونه فِي طبقَة الصَّحَابَة. وَمن خرّج حَدِيثه فَيحْتَمل أَن يكون عَن جهل بِحَالهِ، أَو روى حَدِيثه الَّذِي نُقل عَن غَيره من الصَّحَابَة، أَو على قَول مَن يجوز التَّحَمُّل فِي الْكفْر وَالْأَدَاء فِي الْإِسْلَام، وَإِلَّا فقد صرح فِي شَهَادَات " الوَلْوَالِجيَّة " من كتب الْحَنَفِيَّة: أَنه يبطل مَا رَوَاهُ الْمُرْتَد لغيره من الحَدِيث، فَلَا يجوز للسامع مِنْهُ أَن يرويَه عَنهُ بعد رِدته. وَقَالَ الْحلَبِي فِي " حَاشِيَة شِفَاء القَاضِي ": أخرج للأشْعَث هَذَا الْأَئِمَّة [السِّتَّة] وَأحمد فِي الْمسند، وَقد صرح بِأَنَّهُ صَحَابِيّ، وَهَذَا إِنَّمَا يتمشى عِنْد من يَقُول: إِن الرِّدة إِنَّمَا تُحبط بِشَرْط أَن تتصل بِالْمَوْتِ، أما مَن يَقُول: إِن الرِّدة تُبطل وَإِن لم تتصل [بِالْمَوْتِ] فَلَا يعدو هَذَا القَوْل قَول أبي حنيفَة، وَفِي عبارَة الشَّافِعِي مَا يدل على هَذَا، كَذَا قَالَه بعض مشايخي، لَكِن الَّذِي حَكَاهُ الرَّافِعِيّ عَن الشَّافِعِي: إِنَّهَا إِنَّمَا تُحبط بِشَرْط اتصالها للْمَوْت وَالله سُبْحَانَهُ أعلم. هَذَا، وَقد بَقِي قيود أخر لَا بُد من بَيَانهَا، وتصدى السخاوي للتعرض بشأنها حَيْثُ قَالَ - وَلَو أَطَالَ -: وَهل يدْخل / ١٠٣ - ب / من رَآهُ مَيتا قبل أَن يدْفن كَمَا وَقع لأبي ذُؤَيب الهُذَلي الشَّاعِر إِن صَحَّ؟ قَالَ الْعِزّ بن جَمَاعَة: لَا على الْمَشْهُور. وَقَالَ شَيخنَا: إِنَّه مَحل نظر وَالرَّاجِح عدم الدُّخُول، وَإِلَّا يُعَدّ من اتّفق أَن

стр. 469

يرى جسده المكرم وَهُوَ فِي قَبره الْمُعظم، وَلَو فِي هَذِه الْأَعْصَار، كَذَلِك من كُشِف لَهُ عَنهُ من الْأَوْلِيَاء فَرَآهُ كَذَلِك على طَرِيق الْكَرَامَة، إِذْ حجَّة من أثبت الصُّحْبَة لمَن رَآهُ قبل دَفنه أَنه مُسْتَمر [١٤٨ - ب] الْحَيَاة، وَهَذِه الْحَيَاة لَيست دنيوية وَإِنَّمَا هِيَ أخروية لَا تتَعَلَّق بهَا أَحْكَام الدُّنْيَا، فَإِن الشُّهَدَاء أَحيَاء، وَمَعَ ذَلِك الْأَحْكَام الْمُتَعَلّقَة [بهم] بعد الْقَتْل جَارِيَة لَهُم على سَنَن غَيرهم من الْمَوْتَى. انْتهى. قَالَ العلائي: إِنَّه لَا يبعد أَن يُعطى حكم الصُّحْبَة لشرف مَا حصل لَهُ من رُؤْيَته صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم قبل دَفنه وَصلَاته عَلَيْهِ، قَالَ: وَهُوَ أقرب من عدّ المعاصر الَّذِي لم يره أصلا فيهم، أَو الصَّغِير الَّذِي وُلد فِي حَيَاته. وَقَالَ الْبَدْر الزَّرْكَشِيّ: ظَاهر كَلَام ابْن عبد الْبر يعمّ، لِأَنَّهُ أثبت الصُّحْبَة لمن أسلم فِي حَيَاته وَإِن لم يره، يَعْنِي فَيكون مَن رَآهُ قبل الدّفن أولى. وَجزم البُلْقِيني بِأَنَّهُ يعد صحابياً لحُصُول شرف الرُّؤْيَة [لَهُ] وَإِن فَاتَهُ السماع، قَالَ: وَقد ذكره فِي الصَّحَابَة الذَّهَبِيّ فِي " التَّجْرِيد "، وَمَا جنح إِلَيْهِ شَيخنَا من تَرْجِيح عدم دُخُوله قد سبقه إِلَيْهِ الزَّرْكَشِيّ، فَقَالَ: الظَّاهِر أَنه غير صَحَابِيّ. انْتهى. وعَلى هَذَا فيزاد فِي التَّعْرِيف: " قبل انْتِقَاله من الدُّنْيَا "، وَكَذَلِكَ لَا يدْخل من رَآهُ فِي / الْمَنَام كَمَا جزم بِهِ البُلْقِيني، ثمَّ شَيخنَا، وَإِن كَانَ قد رَآهُ حَقًا، فَذَلِك فِيمَا يرجع إِلَى الْأُمُور المعنوية لَا الْأَحْكَام الدُّنْيَوِيَّة حَتَّى لَا يجب أَن يعْمل بِمَا أمره [بِهِ] فِي تِلْكَ الْحَالة. بل جزم البُلْقِيني بِعَدَمِ دُخُول مَن رَآهُ لَيْلَة الْإِسْرَاء، يَعْنِي من الْأَنْبِيَاء وَالْمَلَائِكَة.

стр. 470

عَلَيْهِم السَّلَام مِمَّن لم يبرز إِلَى عَالم الدُّنْيَا، وَبِهَذَا الْقَيْد دخل فيهم عِيسَى بن مَرْيَم ﵇ وَلذَا ذكر الذَّهَبِيّ فِي تجريده، وَتَبعهُ شَيخنَا وَوَجَّهَهُ باختصاصه عَن غَيره من الْأَنْبِيَاء بِكَوْنِهِ رُفع على أحد الْقَوْلَيْنِ [١٤٩ - أ] حَيا، وبكونه ينزل إِلَى الأَرْض فَيقْتل الدَّجَّال وَيحكم بشريعة مُحَمَّد صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، فبهذه الثَّلَاثَة يدْخل فِي تَعْرِيف الصَّحَابَة. قلت: وَلذَا قيل: فِي الصَّحَابَة رجل شَاب أفضل من الشَّيْخَيْنِ وَغَيرهمَا. قَالَ: وَجعل بَعضهم دُخُول الْمَلَائِكَة فيهم، وَهُوَ مَبْنِيّ على أَنه [هَل] كَانَ مَبْعُوثًا إِلَيْهِم أم لَا؟ وعَلى الثَّانِي مَشى الحَلِيمي، وأقرّه الْبَيْهَقِيّ فِي الشُّعب، بل نقل الْفَخر الرَّازِيّ فِي " أسرار التَّنْزِيل " الْإِجْمَاع عَلَيْهِ قَالَ شَيخنَا: وَفِي صِحَة بِنَاء دُخُولهمْ فِي الصَّحَابَة على هَذَا الأَصْل نظر لَا يخفى. وَمَا قَالَه ظَاهر، لَكِن خَالفه فِي الْفَتْح حَيْثُ مَشى على الْبناء الْمشَار إِلَيْهِ / ١٠٤ - أ /. وَهل يدْخل من رَآهُ من مؤمني أهل الْكتاب قبل الْبعْثَة الشَّرِيفَة كزيد بن عَمْرو بن نُفيل الَّذِي قَالَ فِيهِ النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم: " إِنَّه يُبعَث أمة وَحده " الظَّاهِر: لَا، وَبِه جزم شَيخنَا فِي مُقَدّمَة الْإِصَابَة، وَزَاد فِي التَّعْرِيف الْمَاضِي " بِهِ " ليخرجه، فَإِنَّهُ مِمَّن لقِيه مُؤمنا بِغَيْرِهِ، على أَن لقائلٍ ادِّعَاء الِاسْتِغْنَاء عَن التَّقْيِيد " بِهِ " بِإِطْلَاق وصف النُّبُوَّة، إِذْ المُطْلَق يحمل على الْكَامِل.

стр. 471

هَذَا، مَعَ أنّ شَيخنَا قد ترْجم لَهُ فِي إِصَابَته تبعا للبَغَويّ وَابْن مَنَده وَغَيرهمَا. وَترْجم ابْن الْأَثِير للقاسم ابْن النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم؛ بل وللطاهر وَعبد الله أَخَوَيْهِ فِي الْقسم الثَّانِي من الْإِصَابَة، وَمُقْتَضَاهُ أَن يكون لَهُم رُؤْيَة، لكنه ذكر أَخَاهُم الطِّيب فِي الثَّالِث مِنْهَا، وَفِيه نظر خُصُوصا وَقد جزم هِشَام بن الْكَلْبِيّ بِأَن عبد الله والطاهر وَالطّيب وَاحِد اسْمه عبد الله، والطاهر وَالطّيب لقبان، ثمَّ هَل [١٤٩ - ب] يشْتَرط فِي كَونه مُؤمنا بِهِ أَن تقع رُؤْيَة لَهُ بعد الْبعْثَة، فَيُؤمن بِهِ حِين يرَاهُ؟ أَو يَكْفِي كَونه مُؤمنا بِهِ أَنه سيبعث كَمَا فِي بَحِيرَى الراهب وَغَيره مِمَّن مَاتَ قبل أَن يَدْعُو النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم [إِلَى الْإِسْلَام] . قَالَ شَيخنَا: إِنَّه مَحل احْتِمَال، وذَكَرِ بَحِيرى فِي الْقسم الرَّابِع من الْإِصَابَة لكَونه كَانَ قبل الْبعْثَة، وَأما وَرَقة فَذكره فِي الْقسم الأول لكَونه كَانَ بعْدهَا قبل الدعْوَة، مَعَ أَنه لم يجْزم بِصُحْبَتِهِ بل قَالَ: وَفِي إِثْبَاتهَا نظر، على أَن " شرح النخبة " ظَاهرهَا اخْتِصَاص التَّوَقُّف بمَن لم يُدرك الْبعْثَة، فَإِنَّهُ قَالَ: وَقَوْلِي: " بِهِ " هَل يخرج مَن لَقِيَه مُؤمنا بِأَنَّهُ سيبعث وَلم يُدرك الْبعْثَة؟ فِيهِ نظر. (تَنْبِيهَانِ) أَي هَذَانِ قَولَانِ مُنبهان لمن غَفَل عَنْهُمَا (أَحدهمَا: لاخفاء) أَي

стр. 472

لكَمَال ظُهُوره، لَا شكّ (فِي رُجْحَان رُتْبَة من لَازمه [ ﷺ ] وَقَاتل) الْأَظْهر أَن يَقُول: أَو قَاتل (مَعَه) / أَي حَقِيقَة أَو حكما. (أَو قتل) أَي مَعَه، أَو فِي عصره، وأو للتنويع، أَو بِمَعْنى بل، (تَحت رايته) أَي عَلَم نصرته ولواء مِلته (على مَن لم يلازمه،) أَي أصلا. (أَو لم يَحْضُر مَعَه مشهداً) أَي من مشَاهد الْغَزْو، (وعَلى مَن كلّمه يَسِيرا) أَي زَمنا يَسِيرا، أَو كلَاما قَلِيلا، (أَو ماشاه قَلِيلا،) أَي من المماشاة، (أَو رَآهُ على بُعد) أَي على مَسَافَة بعيدَة، (أَو فِي حَال الطفولية،) أَي الْخَارِجَة عَن حد التَّمْيِيز والمعرفة، (وَإِن كَانَ شرف الصُّحْبَة حَاصِلا للْجَمِيع) أَي فِي الْجُمْلَة، وَإِن وصلية. ( [مُرْسَلُ الصَّحَابي] ) (ومَن لَيْسَ لَهُ مِنْهُم) أَي من الصَّحَابَة بَيَان لمَن، (سَماع مِنْهُ) أَي من النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، (فَحَدِيثه مُرْسل من حَيْثُ الرِّوَايَة) ، قَالَ [١٥٠ - أ] المُصَنّف: هُوَ مَقْبُول بِلَا خلاف، وَالْفرق بَينه وَبَين التَّابِعِيّ - حَيْثُ اختُلف فِيهِ مَعَ اشتراكهما فِي احْتِمَال الرِّوَايَة عَن التَّابِعين - أَن احْتِمَال رِوَايَة / ١٠٤ - ب / الصَّحَابِيّ عَن التَّابِعِيّ [بعيدَة بِخِلَاف احْتِمَال رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ] فَإِنَّهَا لَيست بعيدَة. قَالَ التلميذ: قَالَ المُصَنّف: ويُلْغَز بِهِ فَيُقَال: حَدِيث مُرْسل يحْتَج بِهِ بالِاتِّفَاقِ.

стр. 473

( [مَفْهُوم الصُّحْبَة] ) (وَهُمْ مَعَ ذَلِك معدودون فِي الصَّحَابَة لما نالوه) أَي حصل لَهُم (من شرف الرُّؤْيَة) الأولى: من شرف اللُّقِيِّ على مَا تقدم. ثمَّ اعْلَم أَن الْمَسْأَلَة خلافية، فَقَالَ أَحْمد بن حَنْبَل، وَمثله للْبُخَارِيّ فِي صَحِيحه: مَن صَحبه ﵊ سَنَةً أَو شهرا، أَو يَوْمًا، أَو سَاعَة، أَو رَآهُ، فَهُوَ من الصَّحَابَة، وَلَا يدْخل فِيهِ الْأَعْمَى الَّذِي جَاءَ إِلَى النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم مُسلما وَلم يَصْحَبهُ وَلم يجالسه. وَقَالَ أَصْحَاب الْأُصُول: هُوَ مَن طَالَتْ مُجَالَسَته لَهُ على طَرِيق التبع [لَهُ] وَالْأَخْذ عَنهُ، فَلَا يدْخل مَن وَفَدَ عَلَيْهِ وَانْصَرف بِدُونِ مُكْث، وَقَالَ الآمِدي: الْأَشْبَه أَن الصَّحَابِيّ من رَآهُ، وَحَكَاهُ عَن أَحْمد بن حَنْبَل، وَأكْثر أَصْحَابنَا، وَاخْتَارَهُ ابْن الْحَاجِب لِأَن الصُّحْبَة نعم الْقَلِيل وَالْكثير. قَالَ أَبُو بكر بن الطّيب [الباقلاني] : لَا خلاف بَين أهل اللُّغَة أَن الصَّحَابِيّ مُشْتَقّ من الصُّحبة، جارٍ على كل مَن صَحِب غَيره قَلِيلا أَو كثيرا، وَهَذَا يُوجب فِي حكم اللُّغَة أجزاءه على من صحب النَّبِي ﵊ وَلَو سَاعَة، قَالَ: وَمَعَ هَذَا فقد تقرر للْأمة عرفٌ فِي أَنهم لَا يستعملونه إِلَّا فِيمَن كُثَرت صُحْبته، وَكَذَا قَالَ الْخَطِيب أَيْضا: لَا خلاف بَين أهل اللُّغَة أَن الصُّحبة الَّتِي اشْتُقِّ مِنْهَا الصَّحَابِيّ لَا تحدّ بِزَمن، بل تَشْمَل صُحْبَةَ سنة، وصُحْبَة سَاعَة.

стр. 474

وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي مُقَدّمَة " شرح مُسلم " عقيب كَلَام القَاضِي أبي بكر: وَبِه يُستدل على تَرْجِيح [١٥٠ - ب] مَذْهَب الْمُحدثين، فَإِن هَذَا الإِمَام قد نقل عَن أهل اللُّغَة أَن الِاسْم يتَنَاوَل صُحبة سَاعَة، وَأكْثر أهل الحَدِيث قد نقلوا الِاسْتِعْمَال فِي الشَّرْع، وَالْعرْف على وَفق اللُّغَة، فَوَجَبَ الْمصير إِلَيْهِ. قَالَ السخاوي: إِلَّا أَن الْإِسْلَام لَا يُشْتَرط فِي اللُّغَة، وَالْكفَّار لَا يدْخلُونَ فِي اسْم الصُّحْبَة بالِاتِّفَاقِ، وَيُمكن أَن يُقَال: [إِن] مُرَاده بِالنَّقْلِ على وَفق اللُّغَة بِحَسب الْقلَّة وَالْكَثْرَة، لَا بِحَسب جَمِيع مَا هُوَ الْمُعْتَبر فِي اللُّغَة. وَحكي عَن سعيد بن الْمسيب / أَنه لَا يَعُد صحابياً إِلَّا مَن أَقَامَ مَعَ رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم سنة، أَو سنتَيْن أَو غزا مَعَه غَزْوَة أَو غزوتين. وَوَجهه، أَن لصحبته صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم شرفاً [عَظِيما] ، فَلَا يُنال إِلَّا باجتماع يظْهر فِيهِ الخُلق المطبوع عَلَيْهِ الشَّخْص كالغزو الْمُشْتَمل على السّفر الَّذِي هُوَ قِطْعَة من سقر، والسَنة الْمُشْتَملَة على الْفُصُول الْأَرْبَعَة الَّتِي بهَا يخْتَلف المِزاج، وعورض بِأَنَّهُ ﵊ لشرف مَنْزِلَته أعطي كلُ مَن رَآهُ حكم الصُّحْبَة، وَأَيْضًا يلْزم أَن لَا يُعدّ جرير بن عبد الله وَنَحْوه صحابياً، وَلَا خلاف / ١٠٥ - أ / فِي أَنه صَحَابِيّ ( [طرق معرفَة الصُّحْبَة] ) (ثَانِيهمَا: يعرف كَونه صحابياً بالتواتر) كَأبي بكر الصّديق المَعْني بقوله

стр. 475

تَعَالَى: ﴿إِذْ يَقُول لصَاحبه لَا تحزن إِن الله مَعنا﴾ وَسَائِر العشَرة، ذكره السخاوي. لَكِن الْفرق بَين الصَّديق وَغَيره أَن من أنكر صُحْبَة الصّديق كَفر لاستلزام إِنْكَار صحبته إِنْكَار نَص الْقُرْآن الْمجمع على أَنه هُوَ المُرَاد بِهِ، بِخِلَاف مَن أنكر صُحْبَة غَيره، فَإِنَّهُ لَا يكفر. (أَو الاستفاضة) ذَكَره لما سبق من الْفرق بَين المستفيض والمتواتر، وَالْمرَاد [١٥١ - أ] بهَا هُنَا فَوق الشُّهْرَة وَلذَا قَالَ: (أَو الشُّهْرَة،) بِنَاء على أَن الْمُغَايرَة بَينهمَا بِأَن المستفيض يكون فِي ابْتِدَائه [وانتهائه] سَوَاء، وَالْمَشْهُور أَعم من ذَلِك. قَالَ السخاوي: أَي الشُّهْرَة القاصرة عَن التَّوَاتُر، وَهِي الاستفاضة على رَأْي، كعُكاشة بن مِحْصن، وضِمَام بن ثَعْلبَة، وَغَيرهمَا. انْتهى. وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بالشهرة الشُّهْرَة عِنْد الْمُحدثين (أَو بِإِخْبَار بعض الصَّحَابَة) أَي بِأَنَّهُ صَحَابِيّ كَشَهَادَة أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ لَحَمَمَة لما مَاتَ مبطوناً بِأَن النَّبِي ﵊ حكم لَهُ بِالشَّهَادَةِ، كَذَا قَالَه شَارِح. انْتهى. وَفِيه نظر لاحْتِمَال أَن يكون الضميرُ لَهُ، أَو لمن مَاتَ مبطوناً على مَا ورد فِي الْخَبَر من عُمُومه.

стр. 476

(أَو بعض ثِقَات التَّابِعين،) أَي بِذكر عدُول التَّبَع إِيَّاه فِي الصَّحَابَة رِوَايَة أَو كِتَابَة. (أَو بإخباره عَن نَفسه بِأَنَّهُ صَحَابِيّ،) قَالَ التلميذ: قَيده ابْن الصّلاح بِأَن يكون مَعْرُوف الْعَدَالَة، وَكَذَا ابْن الْحَاجِب، وَغَيره. (إِذا كَانَ دَعْوَاهُ ذَلِك،) مَنْصُوب على المفعولية أَي ادِّعاء مَا ذكر من كَونه من الصَّحَابَة، لَا أَنه مَرْفُوع على الْبَدَلِيَّة لِأَنَّهُ حينئذٍ كَانَ يُنَاسب أَن يَقُول: إِذا كَانَت دَعْوَاهُ تِلْكَ، أَي تِلْكَ الدَّعْوَى (تدخل تَحت الْإِمْكَان) . قَالَ السخاوي: يرد عَلَيْهِ أَن دَعْوَاهُ حِينَئِذٍ قادحة فِي عَدَالَته. اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال: يجوز أَن يكون مُسْتَند دَعْوَاهُ غَلَبَة ظَنّه فِي المرئي، وَقد أطلق ابْن الصّلاح والخطيب، وَقَالَ الْعِرَاقِيّ: لَا بُد من التَّقْيِيد بِمَا يدْخل تَحت الْإِمْكَان، فَإِنَّهُ لَو ادَّعَاهُ بعد مُضِيّ مئة سنة من حِين وَفَاته صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، فَإِنَّهُ لَا يُقبل وَإِن كَانَ قد ثبتَتْ عَدَالَته قَبْلَ ذَلِك، لقَوْله [ ﷺ ] فِي الحَدِيث الصَّحِيح: أَرأيتكم ليلتكُم هَذِه؟ فَإِنَّهُ على رَأس مئة سنة لَا يبْقى أحد مِمَّن على ظهر الأَرْض " يُرِيد انخرام ذَلِك الْقرن قَالَ ذَلِك صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم فِي سنة وَفَاته. قَالُوا: وَهُوَ وَاضح جلي

стр. 477

( [نِهَايَة زمن الصَّحَابَة] ) قَالَ [١٥١ - ب] السخاوي: / وَنَحْوه قَول شَيخنَا: وَأما الشَّرْط الثَّانِي: وَهُوَ المعاصرة، فَيعْتَبر بِمُضِيِّ مئة سنة وَعشر سِنِين من هِجْرَة النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم [لقَوْله [ ﷺ ]] / ١٠٥ - ب / فِي آخر عمره لأَصْحَابه: " أَرَأَيْتَكم ليلتكم هَذِه؟ فَإِنَّهُ على رَأس مئة سنة مِنْهَا، لَا يبْقى على وَجه الأَرْض - مِمَّن هُوَ الْيَوْم عَلَيْهَا - أحد " رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم [من حَدِيث ابْن عمر، وَزَاد مُسلم] من حَدِيث جَابر أَن ذَلِك كَانَ قبل مَوته صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم بِشَهْر: " أقسِم بِاللَّه مَا على وَجه الأَرْض مِن نَفْس مَنْفُوسَةٍ الْيَوْم تَأتي عَلَيْهَا مئة سنة وَهِي حَيَّة يَوْمئِذٍ " قَالَ: ولهذه النُّكْتَة لم يصدق الْأَئِمَّة أحدا أدعى الصُّحْبَة بعد الْغَايَة الْمَذْكُورَة، وَقد ادَّعَاهَا جمَاعَة، فكذبوا وَكَانَ آخِرهم رتَن الْهِنْدِيّ، لِأَن الظَّاهِر كذبهمْ فِي

стр. 478

دَعوَاهُم. قَالَ السخاوي: قيل فِيهِ دلَالَة على موت خضر ﵇، وَأجِيب عَنهُ بِأَن الخَضِر كَانَ حِينَئِذٍ من سَاكِني الْبَحْر، فَلم يدْخل فِي الْعُمُوم. وَقيل معنى الحَدِيث: لَا يبْقى مِمَّن تَرَوْنَهُ أَو تعرفونه، فَهُوَ عَام أُرِيد بِهِ الْخُصُوص. وَقَالُوا خرج عَنهُ عِيسَى ﵇ مَعَ كَونه حَيا لِأَنَّهُ فِي السَّمَاء لَا فِي الأَرْض. (وَقد استشْكَل هَذَا الْأَخير) وَهُوَ إخْبَاره عَن نَفسه بِأَنَّهُ صَحَابِيّ، (جمَاعَة) أَي من الْمُحدثين، (من حَيْثُ إِن دَعْوَاهُ ذَلِك) أَي كَونه صحابياً، (نَظِير دَعْوَى من قَالَ: أَنا عدل، وَيحْتَاج) أَي جَوَاز مثل هَذَا الَّذِي يَقْتَضِي الدّور، (إِلَى تَأمل) أَو يحْتَاج جَوَاب هَذَا الاستشكال إِلَى تَأمل أَي نظر دَقِيق، وفكر عميق لِأَنَّهُ لَا يظْهر فِي بادئ الرَّأْي. وَأغْرب شَارِح حَيْثُ قَالَ: وَهَذَا الاستشكال غير ظَاهر بل يحْتَاج إِلَى تَأمل. انْتهى. لَكِن أَقُول: مَحل هَذَا الاستشكال إِذا كَانَ الْمُدَّعِي مَجْهُول [١٥٢ - أ] الْحَال، وَأما إِذا كَانَ ظَاهر الْعَدَالَة قَبْل الدَّعْوَى فَلَا إِشْكَال، فَكَمَا يُقبل خبر الْعدْل فِي رِوَايَته، يقبل قَوْله فِي ادِّعَاء رُؤْيَته، وَالله أعلم بحقيقته. ( [التَّابِعِيّ] ) (أَو يَنْتَهِي) بِالنّصب، (غَايَة الْإِسْنَاد) فِيهِ الْمُسَامحَة السَّابِقَة قَالَ التلميذ لفظ

стр. 479

غَايَة زَائِدَة كَمَا تقدم، (إِلَى التَّابِعِيّ، وَهُوَ: مَن لِقي الصَّحَابِيّ كَذَلِك) أَي لَقي الصَّحَابِيّ لُقِياً مثل اللقي الْمَذْكُور، وَالْمعْنَى أَن التَّابِعِيّ هُوَ من لَقِي الصَّحَابِيّ مُؤمنا بِالنَّبِيِّ صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، وَلَو تخللت رِدّة فِي الْأَصَح، وَلما كَانَ قَول؟ ؟ : كَذَلِك مُتَعَلقا بقوله: مُؤمنا أَيْضا، قَالَ: (وَهَذَا) أَي الْمشَار إِلَيْهِ بذلك، (مُتَعَلق باللُّقي وَمَا ذكر مَعَه) أَي من الْقُيُود الْمَذْكُورَة فِي تَعْرِيف الصَّحَابِيّ، (إِلَّا قيد الْإِيمَان بِهِ) أَي بِالنَّبِيِّ صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم حَال لقِيه، فَلَو رأى التَّابِعِيّ - وَهُوَ كَافِر - صحابياً ثمَّ أسلم وَمَات على الْإِسْلَام يكون تابعياً، كَذَا قيل، ويأباه ظَاهر قَوْله: (وَذَلِكَ) أَي الْإِيمَان، (خَاص بِالنَّبِيِّ صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم،) وَحَاصِل كَلَامه: أَن لفظ كَذَلِك، لَا يُرَاد بِهِ التَّشْبِيه فِي اللقي فَقَط، بل فِي اللقي وَمَا ذكر مَعَه سوى قيد الْإِيمَان، لِأَن الْإِيمَان مِمَّا يخْتَص بِهِ دون غَيره لِأَنَّهُ / ١٠٦ - أ / أحد ركني الْإِيمَان، فَلَو أَرَادَ الْمَعْنى الأول لقَالَ: / ذَلِك أَي قيد الْإِيمَان خَاص بِالنِّسْبَةِ إِلَى الصَّحَابِيّ فَتَأمل. وتوضيحه أَنه إِن أَرَادَ أَن الْإِيمَان بِالنَّبِيِّ صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم لَيْسَ بِشَرْط فِي التَّابِعِيّ حِين ملاقاته للصحابي، فَذَلِك غير ظَاهر، [وَإِن أَرَادَ أَن

стр. 480

الْإِيمَان لَيْسَ بِشَرْط، فَذَلِك ظَاهر] بل لَا يجوز أَن يُقَال ذَلِك لَكِن لَا يلْزم من اعْتِبَار قَوْله: مُؤمنا بِهِ الْمَذْكُور فِي تَعْرِيف الصَّحَابِيّ أَن لَا اعْتِبَار للْإيمَان بِالنَّبِيِّ صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم فِي التَّابِعِيّ. هَذَا، وَقَالَ التلميذ: قَوْله: وَذَلِكَ خَاص، خُصُوصِيَّة بِالْعقلِ لَا بِاللَّفْظِ، قلت خُصُوصِيَّة [١٥٢ - ب] بِاللَّفْظِ أَيْضا عقلا ونقلاً. (وَهَذَا) أَي التَّعْرِيف للتابعي، (هُوَ الْمُخْتَار) . قَالَ الْعِرَاقِيّ: وَعَلِيهِ عمل الْأَكْثَرين. وَقد أَشَارَ النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم إِلَى الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ بقوله: " طُوبَى لمن رَآنِي وآمن بِي، وطُوبى لمن رأى من رَآنِي " الحَدِيث، فَاكْتفى فيهمَا بِمُجَرَّد الرُّؤْيَة. قلت: وَبِه ينْدَرج الإِمَام الْأَعْظَم فِي سلك التَّابِعين، فَإِنَّهُ قد رأى أنس بن مَالك، وَغَيره من الصَّحَابَة على مَا ذكره الشَّيْخ الْجَزرِي فِي " أَسمَاء رجال الْقُرَّاء "، وَالْإِمَام التُّوربِشتي فِي " تحفة المسترشدين "، وَصَاحب " كشف الْكَشَّاف " فِي سُورَة الْمُؤمنِينَ، وَصَاحب " مرْآة الْجنان "، وَغَيرهم من الْعلمَاء المتبحرين، فَمن نفى أَنه تَابِعِيّ، فإمَّا من التتبع الْقَاصِر، أَو التعصب الفاتر. (خلافًا لمن اشْترط فِي التَّابِعِيّ طول الْمُلَازمَة،) أَي الْغَالِبَة مِنْهَا السماع كالخطيب، فَإِنَّهُ قَالَ: التَّابِعِيّ من صحب الصَّحَابِيّ. قَالَ ابْن الصّلاح: ومطلقه مَخْصُوص بالتابعي بِإِحْسَان. انْتهى. وَالظَّاهِر مِنْهُ طول الْمُلَازمَة، إِذْ الِاتِّبَاع بِإِحْسَان لَا يكون بِدُونِهِ.

стр. 481

(أَو صُحْبَة السماعٍ،) أَي صُحْبَة مصحوبة بِالسَّمَاعِ، فَلَو صَحِبَهُ وَلم يسمع مِنْهُ الحَدِيث لَا يكون تابعياً، وتصحف الصُّحْبَة بِالصِّحَّةِ على شَارِح فَقَالَ: كَابْن حبَان فَإِنَّهُ اشْترط أَن يكون رَآهُ فِي سنّ من يحفظ عَنهُ، فَإِن كَانَ صَغِيرا لم يحفظ عَنهُ، فَلَا عِبْرَة لرُؤْيَته كخلف بن خَليفَة، فَإِنَّهُ عدّه فِي اتِّبَاع التَّابِعين، وَإِن كَانَ رأى عَمْرو بن حُريث لكَونه صَغِيرا. انْتهى. وَمحل هَذَا الْكَلَام كُله بعد قَوْله: (أَو التَّمْيِيز) أَي سِن التَّمْيِيز [وَهُوَ] : الْأَرْبَعَة أَو الْخَمْسَة مِمَّا قيل فِيهِ: إِنَّه أقل سِنِي صِحَة السماع، وَأما قَول الشَّارِح: أَن يكون من المتميزين الَّذين تصح نِسْبَة الرُّؤْيَة إِلَيْهِم، فَغير ظَاهر. [١٥٣ - أ] . هَذَا، وَالْمَفْهُوم من كَلَام الْعِرَاقِيّ أَن الْمُخَالف لِلْجُمْهُورِ اثْنَان حَيْثُ قَالَ فِي الْمَتْن: (والتَّابِعُ اللاَّقِي لِمَنْ قَدْ صَحِبا ... وللخَطِيب حَدِّهُ: أنْ يَصْحَبَا) وَقَالَ فِي الشَّرْح: التَّابِعِيّ من رأى الصَّحَابِيّ، لَكِن ابْن حِبان يشْتَرط / ١٠٦ - ب / أَن يكون رَآهُ فِي سنّ من يحفظ عَنهُ إِلَى آخر مَا ذَكرْنَاهُ سَابِقًا فعلى هَذَا مآل صُحْبَة السماع والتمييز وَاحِد، وَلم يُفْهَم مِنْهُ شَرط صُحْبَة السماع، بل مطلقه وَمُطلق التَّمْيِيز أَيْضا، فَتَأمل. ( [المُخَضْرمَون] ) (وَبَقِي بَين الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ طبقَة) أَي جمَاعَة متفقة فِي عصر وَاحِد من

стр. 482

الْمُسلمين، (اخْتلف) أَي اخْتلف عُلَمَاء أَسمَاء الرِّجَال (فِي إلحاقهم بِأَيّ الْقسمَيْنِ) أَي قسمي الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ، يَعْنِي بذكرهم مَعَ هَؤُلَاءِ /، (وهم) : (المخضرمون) بِالْخَاءِ وَالضَّاد المعجمتين، وَفتح الرَّاء على أَنه اسْم مفعول من خُضِرم عَمَّا أدْركهُ أَي قطع، وَقيل: بِكَسْر الرَّاء من خضرم آذان الْإِبِل قطعهَا، كَمَا حكى الْحَاكِم عَن بعض مشايخه، وَذَلِكَ أَن أهل الْجَاهِلِيَّة مِمَّن أسلم كَانُوا يُخَضرِمون آذان الْإِبِل ليَكُون عَلامَة لإسلامهم إِن أُغير عَلَيْهِم، أَو حوربوا. قَالَ السخاوي: وَهَذَا مُحْتَمل للكسر من أجل أَنهم خضرموا آذان الْإِبِل، وللفتح من أجل أَنهم خضرموا أَي قطعُوا عَن نظائرهم، أَي من الْمُسلمين حَيْثُ عاصروا الصَّحَابَة، وَلم يحصل لَهُم رُؤْيَة النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم وَاقْتصر ابْن خَلِّكَان على كسر الرَّاء لَكِن مَعَ إهمال الْحَاء، وَأغْرب فِي ذَلِك، وَنَصه: قد سُمِع: مُخضْرِم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَكسر الرَّاء. انْتهى. (الَّذين أدركوا الْجَاهِلِيَّة) صغَارًا [كَانُوا] أَو كبارًا فِي حَيَاة رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم. والجاهلية مَا قبل الْبعْثَة، سُمُّوا بذلك لِكَثْرَة جهالتهم، وَقيل: مَا قبل فتح مَكَّة لزوَال أَمر الْجَاهِلِيَّة حِين خطب رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم يَوْم الْفَتْح وأبطل أُمُور الْجَاهِلِيَّة، إِلَّا مَا كَانَ من [١٥٣ - ب] سِقَايَة الْحَاج، وسدانة الْكَعْبَة. (وَالْإِسْلَام) أَي فِي حَيَاته صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، أَو بعده. وخصهم ابْن قتُيبة بِمن أدْرك الْإِسْلَام فِي الكَبر ثمَّ أسلم بعد النَّبِي عَلَيْهِ

стр. 483

الصَّلَاة وَالسَّلَام كجُبير بن نُفَير، فَإِنَّهُ أسلم وَهُوَ بَالغ فِي خلَافَة أبي بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَبَعْضهمْ بِمن اسْلَمْ فِي حَيَاته صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم كزيد بن وهبٍ، فَإِنَّهُ رَحل إِلَى النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم فَقبض النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ فِي الطَّرِيق، وَكَذَا وَقع لقيس بن أبي حَازِم، وَأبي مُسلم الْخَولَانِيّ، وَأبي عبد الله الصنَابحي، مَاتَ النَّبِي ﵊ قبل قدومهم بِليَال، وَأقرب من هَؤُلَاءِ سُويد بن غَفلة قدم حِين نُفضَت الْأَيْدِي من دَفنه صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم على الْأَصَح فِي الْأَخيرينِ. ذكره السخاوي. (وَلم يرَوا النَّبِي ﵊ أَو رَأَوْهُ لَكِن الْإِسْلَام، وَقد عد المخضْرمين مُسلم عشْرين نفسا، قَالَ النَّوَوِيّ: وهم أَكثر. هَذَا وَلَا يخفى أَن المخضرمين من التَّابِعين / ١٠٧ - أ / وَلَيْسوا من الصَّحَابَة قطعا لأَنهم لم يروه، فَقَوله: " بَينهمَا طبقَة " بِاعْتِبَار الْعَصْر وَالزَّمَان لَا باخْتلَاف الرُّتْبَة والشأن، فَالَّذِي ألحقهم بالصحابة نَظَر إِلَى أَنهم كَانُوا فِي عصرهم، ومدار الطَّبَقَة عَلَيْهِ، وَالَّذِي ألحقهم بالتابعين نظر إِلَى أَنهم فِي رتبتهم، وَإِن كَانُوا متقدمين على طبقتهم. وَأما قَول محشٍ: كَون المخضرمين بَين الصَّحَابِيّ والتابعي إِنَّمَا هُوَ عِنْد الْقَوْم نظرا [إِلَى اخْتلَافهمْ فِي تَفْسِير الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ، وَأما بِالنّظرِ] إِلَى تَعْرِيف الشَّيْخ لَهما، فهم من التَّابِعين، فمردود لما عرفت [أَن] الِاخْتِلَاف فِي اشْتِرَاط رُؤْيَته صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم للصحابي وَإِنَّمَا الِاخْتِلَاف فِي اشْتِرَاط طول الْمُلَازمَة، وَحُضُور الْمُقَاتلَة، وَلذَا قيل: إِن اشتقاق المخضرمين / من قَوْلهم: لَحْمٌ مُخَضْرم [١٥٤ - أ] لَا يُدْرَى ذكر أَو أُنْثَى، لترددهم بَين الطبقتين أَي الصَّحَابَة

стр. 484

للمعاصرة، وَبَين التَّابِعين لعدم الرُّؤْيَة. إِذا عرفت ذَلِك (فَعدهم) أَي ذكرهم (ابْن عبد الْبر فِي الصَّحَابَة) أَي فِي طبقتهم، وَفِي أثْنَاء ترجمتهم مَعَ أَنهم لَيْسُوا مِنْهُم، وَلما كَانَت عبارَة المُصَنّف مُوهِمَة قَالَ تِلْمِيذه: الأولى أنْ يَقُول: فعدّهم مَعَهم لما سَيَأْتِي من أَنه لم يَعُدهم مِنْهُم. انْتهى وَفِيه أَنه لَا فرق فِي الْإِيهَام بَين عدهم فيهم، وَبَين عدهم مَعَهم كَمَا لَا يخفى (وَادّعى عِياضٌ وَغَيره أنّ ابْن عبد الْبر يَقُول: إِنَّهُم صحابة) لِأَنَّهُ لمّا عدهم [فِيمَا بَين الصَّحَابَة] توهَّموا مِنْهُ أَنه جعلهم صحابة. (وَفِيه) أَي فِي ادعائه (نَظر) قَالَ تِلْمِيذه: لقَائِل أنْ يَقُول: أَنْت صرحت بِأَنَّهُ عدهم فيهم، فَمَا ورد على عِيَاض فَهُوَ واردٌ على ظَاهر عبارتك، فَكَانَ الأولى مَا قُلْنَا: انْتهى. وَقُلْنَا: إِن مَا قلت مثل عبارَة المُصَنّف، وَإِن [كلا] مِنْهُمَا يُوهم خلاف الْمَقْصُود، وَلَكِن الظَّاهِر [من] عدهم فيهم أَو مَعَهم الْمُغَايرَة بَينهم، فَأَيْنَ هَذَا التَّوَهُّم النَّاشِئ من الْعبارَة من ادِّعَاء عِيَاض صَرَاحَة كَونهم من الصَّحَابَة حَتَّى يَرِدَ [على] عبارَة المُصَنّف [مَا] يرد على ادِّعَاء عِيَاض؟ (لِأَنَّهُ) أَي ابْن عبد الْبر، (أفْصح) أَي صرّح وأوضح، (فِي خطْبَة كِتَابه) أَي معتذراً عَن ذَلِك، (بِأَنَّهُ إِنَّمَا أوردهم) أَي المُخضرمين فِي طبقَة الصَّحَابَة، وَذكرهمْ

стр. 485

مَعَهم، (ليَكُون كِتَابه جَامعا) أَي حاوياً لَهُم ولأشباههم لَا لكَوْنهم صحابة، (مستوعباً لأهل الْقرن الأول) أَي من أهل الْإِسْلَام، أَي سَوَاء تشرفوا بِرُؤْيَتِهِ ﵊ كالصحابة، أَو حُرِموا من هَذِه السَّعَادَة كالمُخَضْرمين. فَالصَّوَاب أنّهم من التَّابِعين، وَإِنَّمَا الْخلاف فِي أَنهم [١٥٤ - ب] معدودون من كبار التَّابِعين / ١٠٧ - ب / أَو من صغارهم بِنَاء على الِاكْتِفَاء بِرُؤْيَة الصَّحَابِيّ، أَو على طول الْمُلَازمَة. (وَالصَّحِيح أَنهم معدودون فِي كبار التَّابِعين،) أَي مُطلقًا لإدراك شرف زَمَانه صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم ولِكبر سنهم الْمُقْتَضِي أَن يَكُونُوا من الكبراء بِخِلَاف صغَار التَّابِعين، فَإِنَّهُم لَيْسُوا على مِنْوال ذَلِك وَالظَّاهِر أَنهم كلهم أدركوا الصَّحَابَة، وَلذَا جزم المُصَنّف بِمَا ذكره، فَانْدفع مَا قَالَ محشٍ فِيهِ: إِنَّه يحْتَمل أَن يكون بعض المخضرمين لم يلق صحابياً أصلا، فَلَا يصدق عَلَيْهِ تَعْرِيف التَّابِعِيّ كَمَا لَا يصدق عَلَيْهِ تَعْرِيف الصَّحَابِيّ. انْتهى. وَقد علمتَ أَن هَذَا مُجَرّد احْتِمَال عَقْلِي. (سَوَاء عُرِفَ) أَي اشْتهر، (أَن الْوَاحِد) أَي، (مِنْهُم كَانَ مُسلما فِي زمن النَّبِي ﵊ كالنجاشي) بِفَتْح النُّون، وَتَخْفِيف الْيَاء على الْأَصَح، وكأويس

стр. 486

القَرني، فَإِنَّهُ سيد التَّابِعين على مَا ورد فِي حَقه. (أَو لَا) أَي أَو لم يعرف أَنه كَانَ مُسلما فِي زَمَنه ﵊، بِمَعْنى لم يشْتَهر لكنه كَانَ مُسلما فِي نفس الْأَمر، وَإِنَّمَا قُلْنَا هَذَا ليَصِح كَونه من المخضرمين لَا من الصَّحَابَة، وَلَا التَّابِعين، فَإِنَّهُ بِالْإِسْلَامِ السَّابِق يتَمَيَّز عَن التَّابِعِيّ، وبعدم الرُّؤْيَة ينحط عَن مرتبَة الصَّحَابِيّ فَتَأمل، فَإِنَّهُ مَحل زلل. (لَكِن) اسْتِدْرَاك من قَوْله: وَالصَّحِيح ... الخ، (إِن ثَبت أَن / النَّبِي ﵊ لَيْلَة الْإِسْرَاء كشف لَهُ عَن جَمِيع من فِي الأَرْض فَرَآهُمْ) أَي تَفْصِيلًا لَا مُجملا. قَالَ التلميذ: قيل: [إِن] الَّذِي ذكره المُصَنّف فِيمَا تقدم من أَن الصُّحْبَة من الْأَحْكَام الظَّاهِرَة يدل على أَنه لَو ثَبت لَا بدل على الصُّحْبَة، لِأَن مَا فِي عَالم الْغَيْب لَا يكون حكمه حكم مَا فِي عَالم الشَّهَادَة. قلت: [١٥٥ - أ] الْحق أَن الْأُمُور الْحَاصِلَة لَهُ صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم بالكشف حكمهَا حكم الْأُمُور الْحَاصِلَة لَهُ بالعيان، وَلَا علاقَة لما ذكره فِي الصُّحْبَة بِهَذَا لِأَن ذَلِك فِي الظَّاهِر الَّذِي يُقَابل الِاعْتِقَاد وَالله سُبْحَانَهُ أعلم. (فَيَنْبَغِي أَن يُعَدَّ مَن كَانَ مُؤمنا بِهِ) أَي مِنْهُم، (فِي حَيَاته صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم إِذْ ذَاك) أَي وَقت الْإِسْرَاء وَهُوَ ظرف لقَوْله: مُؤمنا بِهِ، وغَفَل عَن هَذَا الْقَيْد محشٍ حَيْثُ قَالَ: الْوَاجِب أَن يعد فِي الصَّحَابَة من كَانَ مُؤمنا بِهِ فِي هَذِه اللَّيْلَة لَا فِي حَيَاته مُطلقًا، لجَوَاز أَن يكون إيمَانه بعد هَذِه اللَّيْلَة وَلم يلاق النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، فَلَا تكون الرُّؤْيَة حَال كَونه مُؤمنا بِهِ فَلَا يكون صحابياً،

стр. 487

ولجواز أَن يَمُوت مُؤمنا غير ملاقٍ لَهُ قبل تِلْكَ اللَّيْلَة. انْتهى. وَلَعَلَّ قَوْله: إِذْ ذَاك لم يكن فِي نُسْخَة كَمَا وجدنَا بعض النّسخ / ١٠٨ - أ / خَالِيا مِنْهُ، وَهُوَ مُلْحق فِي أصلنَا مصحح عَلَيْهِ، وعَلى كل تَقْدِير، فَهُوَ المُرَاد سَوَاء يكون مَذْكُورا أَو مُقَدرا. (وَإِن لم يلاقه) أَي فِي عَالم الدُّنْيَا، (فِي الصَّحَابَة) أَي فِي جُمْلَتهمْ معدودين مِنْهُم حَقِيقَة وَلَا يخفى أَن الْقَيْد الْأَخير مُسْتَدْرَك، إِذْ الْكَلَام فِي مَن لم يلاقه، وَالْأَظْهَر أَنه أَرَادَ: وَإِن لم تقع الملاقاة والرؤية من جَانب ذَلِك الْوَاحِد على مَا هُوَ الأَصْل من نِسْبَة الملاقاة للأدنى إِلَى الْأَعْلَى، وَإِنَّمَا وَقع الملاقاة هُنَا ابْتِدَاء من جَانِبه صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم فَقَط، كَمَا هُوَ ظَاهر بمعاونة مقَام الْإِسْرَاء وَلذَا قَالَ: (لحُصُول الرُّؤْيَة من جَانِبه ﵊ وَإِنَّمَا يلْزم من لُقِيّ أَحدهمَا لُقِي الآخر بِأَن يَكُونَا كِلَاهُمَا فِي عَالم المُلك والملكوت، وَبِهَذَا ينْدَفع قَول [١٥٥ - ب] التلميذ قَوْله: وَإِن لم يلاقه لَيْسَ بجيد، لِأَنَّهُ تقدم لَهُ أَن اللُّقيّ يصدق بِرُؤْيَة أَحدهمَا الآخر، فَكَانَ الأولى أَن يَقُول: وَإِن لم يجْتَمع مَعَه. انْتهى. وَأَنت تعلم أَن الِاجْتِمَاع يرفع مَادَّة النزاع. ( [تَلْخِيص الْمَرْفُوع، وَالْمَوْقُوف، والمقطوع] ) (فالقسم الأول مِمَّا تقدم ذكره من الْأَقْسَام الثَّلَاثَة وَهُوَ) أَي الْقسم الأول، (مَا يَنْتَهِي) أَي حَدِيث يصل، (إِلَى النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم غَايَة الْإِسْنَاد) أَي نِهَايَة إِسْنَاد رجال ذَلِك الحَدِيث، وَفِي نُسْخَة: إِلَيْهِ وَهُوَ تَكْرِير وتوكيد لقَوْله: إِلَى النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم.

стр. 488

(وَهُوَ الْمَرْفُوع) ، قَالَ محشٍ: إِن هَذَا هُوَ قسم الْإِسْنَاد لَا الْمَتْن، فَقَوله: غَايَة الْإِسْنَاد من وضع الظَّاهِر مَوضِع الضَّمِير، ويشعر بذلك قَوْله فِيمَا بعد: [مَا يَنْتَهِي إِلَى الصَّحَابِيّ] . مَا يَنْتَهِي إِلَى التَّابِعِيّ. انْتهى. وَفِيه أَن الْمَرْفُوع، وَالْمَوْقُوف، والمقطوع من أَوْصَاف متن الحَدِيث لَا إِسْنَاده، فَيتَعَيَّن مَا حررناه. غَايَته أَنه أورد فِيمَا سبق لفظ الْغَايَة فِي الْأَخيرينِ، وَترك فِي الأول، وَهُنَاكَ ترك فِي الْأَخيرينِ وَذكر / فِي الأول تفننا، وَقَالَ التلميذ: لفظ غَايَة زَائِد [كَمَا تقدم] انْتهى. وتعدد مِنْهُ هَذَا الِاعْتِرَاض وَهُوَ مَدْفُوع بِمَا ذكرنَا هُنَا، وَبِمَا تقدم وَالله سُبْحَانَهُ أعلم. وَيُؤَيّد مَا ذَكرْنَاهُ من أَن المُرَاد بِهِ هَهُنَا أَقسَام الْمَتْن الْحَاصِل من أَقسَام الْإِسْنَاد قَوْله: (سَوَاء كَانَ ذَلِك الِانْتِهَاء) أَي انْتِهَاء إِسْنَاد ذَلِك الحَدِيث، (بِإِسْنَاد مُتَّصِل) وَهُوَ أَعم من أَن يكون مَرْفُوعا، أَو مَوْقُوفا، (أوْ لَا) بِأَن يكون مُنْقَطِعًا، كَمَا أَن الْمَرْفُوع أَعم من أَن يكون أَضَافَهُ إِلَيْهِ صَحَابِيّ، أَو تَابِعِيّ، أَو من بعدهمَا حَتَّى يدْخل فِيهِ قَول المصنفين وَلَو تَأَخَّرُوا: قَالَ رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، على مَا ذكره السخاوي. [١٥٦ - أ] . فَهَذَا دَلِيل صَرِيح على أَن الْمَرْفُوع حَقِيقَة نعت متن الحَدِيث، / ١٠٨ - ب /

стр. 489

وَقد يُطلق على مَجْمُوع الْمَتْن والإسناد أَو على الْأَخير مجَازًا، فَبَطل قَول الْمحشِي فِي الْعبارَة مُسَامَحَة، فإنّ هَذِه الْأَسْمَاء إِنَّمَا هِيَ للمتن وَقد جعله للإسناد. انْتهى وَبِأَن المسميات الثَّلَاث ينظر فِيهَا إِلَى مَا يُشْعر بِهِ أسماؤها، فَالْمَرْفُوع إِلَى الْإِضَافَة الشَّرِيفَة خَاصَّة، والمتصل إِلَى الِاتِّصَال، والمسند إِلَيْهِمَا مَعًا. (وَالثَّانِي الْمَوْقُوف، وَهُوَ مَا يَنْتَهِي) أَي حَدِيث يَنْتَهِي إِسْنَاده (إِلَى الصَّحَابِيّ) مُتَّصِلا كَانَ أَو مُنْقَطِعًا. (وَالثَّالِث الْمَقْطُوع، وَهُوَ) عِنْد الْإِطْلَاق (مَا يَنْتَهِي إِلَى التَّابِعِيّ ومَن دون التَّابِعِيّ من أَتبَاع التَّابِعين فَمن بعدهمْ، فِيهِ أَي فِي التَّسْمِيَة) أَي فِي اشْتِرَاك التَّسْمِيَة (مثله) بِالرَّفْع على أَنه خبر الْمَوْصُول، (أَي مثل مَا يَنْتَهِي إِلَى التَّابِعِيّ) .

стр. 490

قَالَ التلميذ: فِي هَذَا صرف الضَّمِير إِلَى خلاف من هُوَ لَهُ، فَإِنَّهُ فِي قَوْله: فِيهِ للمقطوع، وَفِي: مثله للتابعي لَا للمقطوع، فعلى ظَاهره يصير أَن من دون التَّابِعين مثل الْمَقْطُوع، وَلَا يخفى مَا فِيهِ، فَكَانَ الأولى أَن يَقُول: فِيهِ أَي فِي الْمَقْطُوع مثله أَي مثل التَّابِعِيّ فِي أنّ مَا يَنْتَهِي إِلَيْهِ يُسمى مَقْطُوعًا. انْتهى. وَفِيه أنّ معنى كَلَام المُصَنّف: حَدِيث من دون التَّابِعِيّ مثل الْمَقْطُوع، وَهُوَ حَدِيث التَّابِعِيّ فِي التَّسْمِيَة، وَلَا مَحْذُور فِيهِ أصلا لَا لفظا وَلَا معنى، وَتَقْدِير الْمُضَاف كثير لصِحَّة المبنى، يدل على مَا ذَكرْنَاهُ قَوْله: (فِي تَسْمِيَة جَمِيع ذَلِك مَقْطُوعًا) حَيْثُ أعَاد ذَلِك توضيحاً، وَإِلَى الْمَقْصُود تَلْوِيحًا، وَحَاصِله أَن قَوْله: مثل مَا يَنْتَهِي إِلَى [١٥٦ - ب] التَّابِعِيّ تَفْسِير لقَوْله: فِيهِ مثله، لَا لمثله فَقَط لِأَنَّهُ ذكر فِي التَّفْسِير قَوْله: فِي تَسْمِيَة جَمِيع ذَلِك مَقْطُوعًا، نعم بِظَاهِرِهِ يلْزم تَشْبِيه من دون التَّابِعِيّ بِالْإِسْنَادِ المنتهي إِلَى التَّابِعِيّ، ويندفع بالمضاف الْمُقدر، فَكَانَ الأولى رَجَعَ الضَّمِير فِي مثله إِلَى التَّابِعِيّ، أَو يَقُول من أول الْأَمر: وَمَا يَنْتَهِي إِلَى مَنْ دون التَّابِعِيّ مثله، أَي مثل مَا يَنْتَهِي إِلَى التَّابِعِيّ. هَذَا وَرجع الضَّمِير الْمَذْكُور فِي قَوْله: " فِيهِ " إِلَى التَّسْمِيَة، إِمَّا بِتَأْوِيل الْإِطْلَاق، أَو بِاعْتِبَار التَّسْمِيَة بِمَعْنى الْمُسَمّى مصدرا ميمياً، أَو لِأَن الْمصدر يذكر وَيُؤَنث. (وَإِن شِئْت قلت) أَي فِي التَّابِعين وَمن دونه، (موقوفُ على فلَان) مثل: وَقَفَهُ مَعْمَر على همّام، وَوَقَفَهُ مَالك على نَافِع. / فِي الْخُلَاصَة: الْمَرْفُوع مَا أضيف إِلَى النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم خَاصَّة من قَول، أَو فعل، أَو تَقْرِير، [سَوَاء كَانَ] مُتَّصِلا أَو مُنْقَطِعًا، هَذَا هُوَ الْمَشْهُور. وَفِي " الْجَوَاهِر ": قيل [هُوَ] مَا

стр. 491

أُخَبر بِهِ الصَّحَابَة خَاصَّة عَن فعله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، أَو قَوْله. وَأَيْضًا فِي " الْخُلَاصَة ": الْمَوْقُوف عِنْد الْإِطْلَاق مَا رُوِيَ عَن الصَّحَابِيّ من قَول أَو فعل أَو نَحْو ذَلِك، مُتَّصِلا أَو مُنْقَطِعًا. وَقد يسْتَعْمل فِي / ١٠٩ - أ / غير الصَّحَابِيّ مُقَيّدا مثل: وَقفه معمر على همام والمقطوع مَا جَاءَ من التَّابِعين من أَقْوَالهم وأفعالهم مَوْقُوفا عَلَيْهِم، وَاسْتَعْملهُ الشَّافِعِي، وَأَبُو الْقَاسِم الطَّبَرَانِيّ فِي الْمُنْقَطع. والمنقطع: هُوَ الَّذِي لم يتَّصل إِسْنَاده على أَي وَجه كَانَ، سَوَاء تُرِك الرَّاوِي من أول الْإِسْنَاد، أَو وَسطه أَو آخِره، إِلَّا أَنه أَكثر مَا يُوصف بالانقطاع رِوَايَة [١٥٧ - أ] من دون التَّابِعِيّ [عَن الصَّحَابِيّ] . انْتهى كَلَامه. وَقد خصّه المُصَنّف فِيمَا سبق بِمَا يكون التّرْك فِي آخر إِسْنَاده بِشَرْط عدم التوالي، وَحَاصِل كَلَامه هُنَا: أَنَّك إِن اسْتعْملت الْمَوْقُوف فِيمَا جَاءَ عَن التَّابِعين، وَمن بعدهمْ، فقيده بهم فَقل: مَوْقُوف على عَطاء، أَو على طَاوُوس أَو نَحْو ذَلِك. (فحصلت التَّفْرِقَة فِي الِاصْطِلَاح بَين الْمَقْطُوع، والمنقطع) تَفْرِيع على قَوْله: وَالثَّالِث الْمَقْطُوع ... الخ وَالْفرق بَينهمَا بِاعْتِبَار مَا ذكر فِي هَذَا الْكتاب، وَإِنَّمَا هُوَ المباينة كَمَا هُوَ الظَّاهِر من ظَاهر الْعبارَة، وَأما بِاعْتِبَار مَا ذكر فِي الْخُلَاصَة، فعموم من وَجه، فَإِن الْمَقْطُوع مَا يَنْتَهِي إِلَى التَّابِعِيّ سَوَاء سقط من إِسْنَاده شَيْء أم لَا، والمنقطع مَا سقط من إِسْنَاده شَيْء، انْتهى إِلَى التَّابِعِيّ أم لَا، وَحَاصِل كَلَامه أَنه حصل التَّفْرِقَة فِي الِاصْطِلَاح الْمُعْتَبر عِنْده مِمَّا ذُكر هُنَا من تَعْرِيف الْمَقْطُوع، وَمن

стр. 492

أَنه [من] مبَاحث الْمَتْن مَعَ [مَا] ذكر سَابِقًا فِي مبَاحث الْإِسْنَاد من تَعْرِيف الْمُنْقَطع، وَأَنه من مبَاحث الْإِسْنَاد. (فالمنقطع من مبَاحث الْإِسْنَاد كَمَا تقدم) وَفِيه نظر لِأَن مَا تقدم أَن الْمُنْقَطع هُوَ الْمَتْن الَّذِي سقط من أخر إِسْنَاده بِشَرْط عدم التوالي، فَمَا ظهر من عبارَة المُصَنّف عكس مَا ادَّعَاهُ، حَيْثُ ظهر مِنْهَا فِيمَا سبق أَن الْمُنْقَطع من مبَاحث الْمَتْن، وَظهر هُنَا أَن الْمَقْطُوع من مبَاحث الْإِسْنَاد لكنه مُسَامَحَة كَمَا تقدم. (والمقطوع من مبَاحث الْمَتْن كَمَا ترى) بِالْخِطَابِ على صِيغَة الْمَعْلُوم أَو بالغيبة على صِيغَة الْمَجْهُول، يَعْنِي أَنه يُقَال: سَنَد مُنْقَطع، وَحَدِيث مَقْطُوع. (وَقد أطلق بَعضهم هَذَا فِي مَوضِع هَذَا) أَي الْمَقْطُوع فِي مَوضِع الْمُنْقَطع، [١٥٧ - ب] (وَبِالْعَكْسِ) أَي فِي بعض أخر بعكسه، (تجوزا عَن الِاصْطِلَاح) أَي تجاوزا عَنهُ إِلَى إِرَادَة الْمَعْنى اللّغَوِيّ. (وَيُقَال) أَي قَلِيلا (للأخيرين، أَي الْمَوْقُوف والمقطوع: الْأَثر) . وَاعْلَم أَن الْفُقَهَاء يستعملون الْأَثر فِي كَلَام السّلف، وَالْخَبَر فِي حَدِيث الرَّسُول صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، وَقيل: الْخَبَر والْحَدِيث [مَا جَاءَ] [عَن] النَّبِي صلى الله تَعَالَى

стр. 493

عَلَيْهِ وَسلم، والأثر أَعم مِنْهُمَا، وَهُوَ الْأَظْهر. ( [الْمسند] ) (والمسند / ١٠٩ - ب /) اسْم مفعول من الْإِسْنَاد (فِي قَول أهل الحَدِيث:) أَي فِي إِطْلَاقهم، (هَذَا حَدِيث مُسْند هُوَ) ضمير فصل / (مَرْفُوع صَحَابِيّ) مَرْفُوع مُضَاف على الخبرية، (بِسَنَد ظَاهره الِاتِّصَال) . (فَقولِي: " مَرْفُوع " كالجنس) أَي يَشْمَل الْمَحْدُود وَغَيره. (وَقَوْلِي: " صَحَابِيّ " كالفصل يخرج) بِضَم الْيَاء، وَكسر الرَّاء، (مَا رَفعه التَّابِعِيّ) بِأَن قَول: قَالَ رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، (فَإِنَّهُ مُرْسل، أَو من دونه) [أَي دون التَّابِعِيّ] (فَإِنَّهُ معضل) أَرَادَ بِكَوْنِهِ مَرْفُوع الصَّحَابِيّ أَن لَا يتْرك الصَّحَابِيّ فِي الْإِسْنَاد وَاحِدًا، وبمرفوع التَّابِعِيّ أَن يتْرك التَّابِعِيّ الصَّحَابِيّ من الْوسط، وبمرفوع من دون التَّابِعِيّ أَن يتْرك هُوَ التَّابِعِيّ والصحابي [أَيْضا من الْوسط] . (أَو مُعَلّق) قيل: أَو لمنع الْخُلُو، وَإِلَّا فقد مر أَنه يُمكن اجْتِمَاعهمَا، وَقيل: إِنَّه معضل أَن كَانَ السَّاقِط اثْنَيْنِ فَصَاعِدا مَعَ التوالي، ومعلق إِن كَانَ السَّاقِط من مبادئ السَّنَد، يَعْنِي رَفعه صنف من المصنفين الَّذِي مِنْهُ مبدأ الْإِسْنَاد. هَذَا، وَالْأولَى أَن يذكر الْمُنْقَطع أَيْضا.

стр. 494

(وَقَوْلِي: " ظَاهره الِاتِّصَال " [يخرح] مَا ظَاهره الِانْقِطَاع) كالمرسل الْجَلِيّ، وَكَذَا يخرج مَا يُسَاوِي احْتِمَال الِاتِّصَال والانقطاع بِحَسب الظُّهُور والخفاء، (وَيدخل) [من الإدخال] ، (مَا فِيهِ الِاحْتِمَال) أَي احْتِمَال الِاتِّصَال والانقطاع، [١٥٨ - أ] كالمرسل الْخَفي لَكِن يَنْبَغِي أَن يكون الِاتِّصَال أرجح ليصدق التَّعْرِيف. (وَمَا يُوجد) أَي يدْخل أَيْضا مَا يُوجد (فِيهِ حَقِيقَة الِاتِّصَال من بَاب الأولى) يَعْنِي إِذا كَانَ مَا ظَاهره مُتَّصِلا دَاخِلا فِي التَّعْرِيف، فَمَا كَانَ فِي الْحَقِيقَة مُتَّصِلا كَانَ دُخُوله فِي التَّعْرِيف أولى، وَلَيْسَ المُرَاد أَن مَا تُوجد فِيهِ حَقِيقَة الِاتِّصَال دَاخل فِيمَا ظَاهره الِاتِّصَال، لِأَن مَا يكون مُتَّصِلا حَقِيقَة يُمكن أَن يكون مُنْقَطِعًا ظَاهرا، وَأَنت خَبِير بِأَن دُخُول بعض الْأَفْرَاد فِي التَّعْرِيف بطرِيق الْأَوْلَوِيَّة غير مستحسن. (وَيفهم من التَّقْيِيد بالظهور، أَن الِانْقِطَاع الْخَفي كعنعنة المدلس، والمعاصر الَّذِي لم يثبت لقبه) وَهُوَ الْمُرْسل الْخَفي. قَالَ السخاوي: وَغَيرهمَا مِمَّا ظَاهره الِاتِّصَال، وَقد يفتش فيوجد مُنْقَطِعًا. (لَا يخرج الحَدِيث عَن كَونه مُسْندًا لإطباق الْأَئِمَّة) أَي اتِّفَاق أَئِمَّة الحَدِيث (الَّذِي خَرجُوا) بتَشْديد الرَّاء بِمَعْنى أخرجُوا، (المسانيد) أَي أحاديثها (على ذَلِك) أَي على مَا ذَكرْنَاهُ مفصلا. وَاعْلَم أَنه قَالَ الْخَطِيب: الْمسند مَا اتِّصَال سَنَده

стр. 495

من رُوَاته إِلَى منتهاه، وَأكْثر مَا يسْتَعْمل فِي مَا جَاءَ عَن النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم دون غَيره. وَقَالَ الْحَاكِم: هُوَ مَا اتَّصل سندا مَرْفُوعا إِلَى النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم. وَقَالَ ابْن عبد الْبر: هُوَ مَا رفع إِلَى النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم مُتَّصِلا كَانَ أَو مُنْقَطِعًا. فَهَذِهِ / ١١٠ - أ / ثَلَاثَة أَقْوَال، وعَلى كل قَول مِنْهَا فَالْمُسْنَدُ يَنْقَسِم إِلَى صَحِيح، وَحسن، وَضَعِيف. ذكره ابْن جمَاعَة فِي " منهل الروي فِي أصُول الحَدِيث النَّبَوِيّ ". (وَهَذَا التَّعْرِيف مُوَافق لقَوْل الْحَاكِم: الْمسند مَا رَوَاهُ الْمُحدث عَن شيخ يظْهر سَمَاعه مِنْهُ، وَكَذَا شَيْخه عَن شَيْخه مُتَّصِلا إِلَى صَحَابِيّ إِلَى رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم) [١٥٨ - ب] وَفِيه أَنه إِن أُرِيد بِقَيْد ظُهُور السماع مَا يتَبَادَر مِنْهُ، وَهُوَ أَنه يسمع مِنْهُ وَيكون سَمَاعه مِنْهُ ظَاهرا، فالتعريف مَخْصُوص بِمُتَّصِل السَّنَد، فَلَا يدْخل فِيهِ مَا فِيهِ الِاحْتِمَال والمدلس والمرسل الْخَفي، فَيَنْبَغِي أَن يُرَاد بالموافقة بَينه وَبَين تَعْرِيف الْحَاكِم الْمُوَافقَة فِي الْجُمْلَة بِالْإِضَافَة إِلَى التعريفين، فَإِن أوفقيته بِالنِّسْبَةِ [إِلَى تَعْرِيف] ابْن / عبد الْبر أظهر من أَن يخفي.
следующие страницы →