Полный текст (700 стр.). Показаны 666–700 · переход к 671.
стр. 666
فِي الْإِسْنَاد أَعلَى، أَو فِي معنى الحَدِيث وحَلّه أَحْرَى. وَقيل: لِسِنّه أَو زهذه وَغير ذَلِك من وُجُوه تَرْجِيحه، (بل يُرشِد) أَي أَي يدل الطَّالِب (إِلَيْهِ) أَي إِلَى الأولى مِنْهُ إِن اطلع عَلَيْهِ، فإنّ الدّين النَّصِيحَة، بِالْأولَى أَن لَا يحدث بِحَضْرَة من هُوَ أولى مِنْهُ بِالتَّحْدِيثِ.
(وَلَا يَتْرُك إسماع أحد لنِيَّة فَاسِدَة) أَي لَا يمْنَع من / تحديث أحد لكَونه غير صَحِيح النِّيَّة، فَإِنَّهُ قد يُرجى لَهُ صِحَّتهَا بعدُ لما قَالَ بعض السّلف: طلبنا الْعلم لغير الله فَأبى [الْعلم] أَن يكون إِلَّا لله. وَهَذَا هُوَ الْغَالِب فِي علم الْكتاب والسنّة بِأَن مآلهما ونتيجتهما لصاحبهما أَن يحسن حَاله، وَيخْتم بِالْحُسْنَى مآله.
(وَأَن يتَطَهَّر) طَهَارَة كَامِلَة من غسل أَو وضوء، ويتسوك، ويتطيب، ويُسَرِّح لحيته، وَيَتُوب إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ، ويتضرع لرَبه.
(وَيجْلس) أَي مُتَمَكنًا على صدر فرَاشه، (بوَقَار) أَي بِسُكُون وهيبة [٢١٣ - ب] .
(وَلَا يُحَدثُ قَائِما) أَي إِلَّا لضَرُورَة.
(وَلَا عَجِلاً) بِفَتْح فَكسر أَي: مستعجلاً فِي تلفظ الحَدِيث بِحَيْثُ يمْنَع السَّامع فهمَ بعضه، فَإِن كَلَامه ﵊ كَانَ فَصْلا، بل كَانَ أَحْيَانًا يكرره ثَلَاثًا فقد رُوِيَ عَن عَائِشَة ﵂: " لم يكن النَّبِي ﵊ يسْرد الحَدِيث كَسَرْدِكُمْ، إِنَّمَا / ١٤٧ - ب / كَانَ يحدث حَدِيثا لَو عدَّه العَادُّ لأحصاه ". أَو
стр. 667
الْمَعْنى وَلَا يحدث حَال كَونه متعجلاً فِي أَمر من أُمُوره، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يكون مَشْغُول البال فَرُبمَا يَقع لَهُ خلل فِي الْمقَال.
(وَلَا فِي الطَّرِيق) بِأَن يقْعد فِيهِ، أَو يقف أَو يمر.
(إِلَّا أَن اضطُر) بِضَم الطَّاء، وَيجوز كسر النُّون وضمه.
(إِلَى ذَلِك) أَي مَا ذكر من المنهيات. سَوَاء تكون الضَّرُورَة شَرْعِيَّة أَو عرفية. قَالَ الكازَرُوني شَارِح البُخَارِيّ: فقد رُوِيَ عَن مَالك بن أنس: كَانَ إِذا أَرَادَ أَن يحدث تَوَضَّأ وَجلسَ على صدر فرَاشه، وسرَّح لحيته، وَتمكن فِي جُلُوسه بَوقَار وهيبة، وَحدث؛ فَقيل لَهُ فِي ذَلِك؟ فَقَالَ أُحِبًّ أَن أعظِّم حَدِيث رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم وَلَا أحدث إِلَّا على طَهَارَة كَامِلَة. وَكَانَ يكره أَن يحدث فِي الطَّرِيق أَو هُوَ قَائِم أَو مستعجل. وَقَالَ: أحب أَن أتفهم مَا أُحَدِّث بِهِ عَن رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم. وَرُوِيَ عَنهُ أَيْضا أَنه كَانَ يغْتَسل لذَلِك ويتبخر، ويتطيب فَإِن رفع أحد صَوته زَجره وَقَالَ: قَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَرفعُوا أَصْوَاتكُم فَوق صَوت النَّبِي﴾ الْآيَة.
(وَأَن يُمْسِك) أَي يمْتَنع (عَن التحديث إِذا خشِي التَّغْيِير) أَي فِي لِسَانه
(أَو النسْيَان) أَي فِي حفظه وَضَبطه (لمَرض) أَي يخْتل بِهِ مزاجه وعقله، وَإِلَّا فقد تقدم أَن ابْن معَين حدَّث عِنْد نَزعه وَقَالَ: " مَن كَانَ آخر كَلَامه لَا إِلَه إِلَّا الله [دخل الْجنَّة "] ، وَقبض روحه قبل قَوْله: " دخل الْجنَّة " [٢١٤ - أ]
стр. 668
(أَو هَرَم) بِفتْحَتَيْنِ أَي كِبَرِ سِنِّ مؤدٍ إِلَى خرف قَالَ تَعَالَى: ﴿ومنكم من يرد إِلَى أرذل الْعُمر لكيلا يعلم من بعد علم شَيْئا﴾ لَكِن قَارِئ الْقُرْآن مَحْفُوظ عَنهُ، وَكَذَا الْمُحدث غَالِبا، وَالنَّاس فِي بُلُوغ هَذَا السن متفاوتون بِحَسب اخْتِلَاف أَحْوَالهم. وَضبط ابْن خَلاَّد سِن الهَرَم بالثمانين، قَالَ: وَالتَّسْبِيح وَالذكر [وتلاوة الْقُرْآن] أولى بأبناء الثَّمَانِينَ، فَإِن كَانَ عقله ثَابتا، ورأيه مجتمعاً يَعْرِفُ حديثَه وَيقوم بِهِ [و] تَحرَّى أَن يحدث احتساباً، رَجَوْت [لَهُ] خيرا كثيرا كالحضرمي [و] مُوسَى [و] عَبْدَانِ. فقد حدث بعْدهَا، بل حدث بعد المئة جمَاعَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فَمن بعدهمْ
قلت: قد حدث شَيْخي المُعْتَمَد فِي السنَد زبدة الْأَوْلِيَاء، وعمدة الْعلمَاء السَّيِّد زَكَرِيَّا وَيَقُول: عمري مئة وَعِشْرُونَ سنة، " فطُوَبى لمن طَال عمره، وحَسُنَ عمله " كَمَا ورد فِي السنَّة، ثمَّ الأولى / للمحدث أَن يتَّخذ مَجْلِسا لإملاء الحَدِيث، فَإِنَّهُ أَعلَى مَرَاتِب الرِّوَايَة عِنْد الْجُمْهُور، بِأَن يكون التحديث بِلَفْظ الشَّيْخ مَعَ تحريه وتدبره، وَكَون الطَّالِب يتلقنه مِنْهُ مَعَ تيقظه وَضَبطه، وتحققه مَا يسمعهُ ويكتبه، وَأَيْضًا الْإِمْلَاء فِي الْفَائِدَة أتم ولتحصيل الطالبين أَعم / ١٤٨ - أ / أَي (وَإِذا اتخذ مجْلِس الْإِمْلَاء أَن يكون لَهُ) كَانَ حَقه أَن يَقُول: [وَأَن يكون] لَهُ الخ إِذا اتخذ مجْلِس الْإِمْلَاء
стр. 669
ثمَّ قَوْله:
(مُسْتَملٍ) اسْم فَاعل من الاستملاء، وَفِي نُسْخَة: بتَشْديد اللَّام من الاستملال، فَإِن الْإِمْلَاء [والإملال] بِمَعْنى وَاحِد. قيل: وَهُوَ أول من يطْلب الحَدِيث من تلامذة الشَّيْخ. وَقيل: هُوَ مَن يكْتب أسامي حضّار الْمجْلس، وَالصَّوَاب: أَن المُرَاد بِهِ الْمبلغ للْحَدِيث إِذا كثر الْجمع، وَعند تكاثر الْجمع بِحَيْثُ لَا يكْتَفى بمستمل وَاحِد اتخذ مستمليين فَأكْثر. وَقَوله:
(يقظ) [٢١٤ - ب] بِفَتْح فَكسر أَي: متيقظ حَاضر الْقلب، حَافظ لفظ الحَدِيث من غير تغيُّر فِي بنائِهِ وَإِعْرَابه عَمَّا سمع من ممليه، وَيَنْبَغِي أَن يكون الْمُسْتَمْلِي عِنْد كَثْرَة النَّاس على مَوضِع مُرْتَفع من كرْسِي أَو نَحْو ذَلِك، وَإِلَّا فقائماً على قَدَمَيْهِ ليَكُون أبلغ للسامعين، وعَلى الْمُسْتَمْلِي أَن يبلِّغ لفظ المملي وإفهام مَن بلغه على بُعْدٍ وَلم يتفهمه، إِلَّا أنّ من يسمع لفظ الْمُسْتَمْلِي لَا تجوز لَهُ الرِّوَايَة عَن المملي إِلَّا أَن يبين الْحَال على وَجْهِ أَن سَمَاعه لذَلِك الحَدِيث أَو لبَعض [أَلْفَاظه] من الْمُسْتَمْلِي كَمَا فعله الإِمَام أَبُو بكر بن خُزَيْمَة، وَغَيره من الْأَئِمَّة، وَهَذَا هُوَ الْأَحْوَط، وَإِلَّا فَالَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَل أَن مَن سمع الْمُسْتَمْلِي دون سَماع المملي جَازَ أَن يرويهِ عَن المملي كالعرض سَوَاء، لِأَن الْمُسْتَمْلِي فِي حكم من يقْرَأ على الشَّيْخ ويعرض حَدِيثه، لَكِن يشْتَرط أَن يسمع الشيخُ المملي لفظ الْمُسْتَمْلِي كالقارئ عَلَيْهِ، وَمَعَ هَذَا فَلَيْسَ لمن لم يسمع لفظ المملي أَن يَقُول: سَمِعت فلَانا يَقُول.
واستحسنوا افْتِتَاح مجْلِس الْإِمْلَاء بِقِرَاءَة قَارِئ من الْقُرْآن الْعَظِيم آيَة أَو سُورَة تبركاً بالفرقان الْكَرِيم، فَإِذا فرغ الْقَارئ استنصت الْمُسْتَمْلِي أهل الْمجْلس إِذا
стр. 670
احْتِيجَ إِلَيْهِ لقَوْله ﵊ [" يَا جَريرُ استنصِتِ النَّاس ". ثمَّ بَسْمَلَ وَصلى على النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم] ثمَّ أقبل على الشَّيْخ الْمُحدث قَائِلا: مَن ذَكَرْتَ أَي من الشُّيُوخ أَو: مَا ذكَرْتَ أَي من الْأَحَادِيث رَحِمك الله أَو غفر الله لَك؟ وَإِذا انْتهى الْمُسْتَمْلِي فِي الْإِسْنَاد أَو فِي الحَدِيث إِلَى النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم اسْتُحِب لَهُ الصَّلَاة [عَلَيْهِ] رَافعا صَوته، وَإِذا انْتهى إِلَى ذكر الصَّحَابَة قَالَ ﵃، أَو رضوَان الله تَعَالَى عَلَيْهِم، وَأَن يفْتَتح الشَّيْخ مَجْلِسه [٢١٥ - أ] ويختتمه بتحميد الله تَعَالَى وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، وَالدُّعَاء بِمَا يَلِيق بِالْحَال.
(وينفرد الطَّالِب بِأَن يوقر الشَّيْخ) أَي يعظم مَن سمع مِنْهُ الحَدِيث وَأخذ مِنْهُ الْعلم لما رُوِيَ مَرْفُوعا لَيْسَ مِنا مَن لم يبَجِّل كَبِيرنَا، وَلم يرحم صَغِيرنَا، وَلم يعرف لعالمنا حَقه ".
(وَلَا يُضجره) بِضَم أَوله أَي لَا يوقعه فِي الضجر والملالة / ١٤٨ - ب / بِأَن يطوِّل عَلَيْهِ بل يَنْبَغِي للطَّالِب أَن لَا يتَعَدَّى [الْقدر] الَّذِي يُشِير الشَّيْخ إِلَيْهِ صَرِيحًا، أَو كِنَايَة أَو دلَالَة فَرُبمَا كَانَ ذَلِك سَبَب حرمَان / الطَّالِب، وَلَعَلَّه يكون مانعٌ للشَّيْخ من التَّطْوِيل، فَيحصل بِسَبَب اشْتِغَال قلبه خللٌ فِي التَّحْصِيل. وَقد قَالَ الزُّهْرِي: إِذا طَال الْمجْلس كَانَ للشَّيْطَان فِيهِ نصيب.
стр. 671
(ويرشد) أَي وَأَن يهدي (غَيره لما سَمعه،) أَي من الْعلم فَإِن كِتْمَانه لوم من فَاعله، ومذموم عَلَيْهِ صَاحبه، وَقد رُوِيَ فِيهِ وَعِيد شَدِيد من النَّبِي الْمُخْتَار صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم: " من كتم علما أُلْجِم بِلجَام من نَار ". وَإِنَّمَا يَقع فِيهِ جهلة الطّلبَة لظنهم بذلك أَنهم ينفردون بِهِ عَن أضرابهم، ويُرفعون بذلك على أقرانهم وأمثالهم، وَقد رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس رَضِي تَعَالَى عَنْهُمَا: " إخْوَانِي تناصحوا فِي الْعلم، وَلَا يكتم بَعْضكُم بَعْضًا، فَإِن خِيَانَة الرجل فِي عمله أشدٌ من خيانته فِي مَاله " ورُوِي عَن مَالك قَالَ: بركَة الحَدِيث إِفَادَة بَعضهم بعضاَ. وَنَحْوه عَن ابْن الْمُبَارك وَيحيى بن مَعِين، فَإِن الْجمع بَين الْكَمَال والتكميل بِالْعلمِ والتعليم صفة الْأَوْلِيَاء والأصفياء، " وَالْعُلَمَاء وَرَثَة الْأَنْبِيَاء ". وَفِي الحَدِيث العيسوي: مَن علم وَعمل، وَعلم يدعى فِي الملكوت عَظِيما.
أَقُول: وَيُسمى فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة كَرِيمًا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفقُونَ﴾ وَقَالَ [ ﷺ ] : " إِن علما لَا يُقَال بِهِ، ككنز لَا يُنفَق مِنْهُ ". وَلَا شكّ أنّ الْبَخِيل [كل الْبَخِيل] من لَا ينْفق مِمَّا لَا ينقص [٢١٥ - ب] بِالْإِنْفَاقِ بل يزِيد فِيهِ وَفِي غَيره بالِاتِّفَاقِ. وَمَا رُوِيَ أَنه فَعَل ذَلِك جمَاعَة من الْأَئِمَّة الْمُتَقَدِّمين
стр. 672
كشُعبة، وسُفْيَان الثَّوْريّ، [وهُشَيْم] وَاللَّيْث، وَابْن جُرَيْج، وسُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَابْن [لَهِيْعَة] ، وَعبد الرازق. قَالَ الْعِرَاقِيّ: فَالله سُبْحَانَهُ أعلم بمقاصدهم فِي ذَلِك.
(وَلَا يدع الاستفادة) أَي وَلَا يتْرك طلب الْعلم وَأَخذه مِمَّن هُوَ دونه فِي نسب أَو سنّ أَو غَيره.
(لحياء) فَإِن الْحيَاء يمْنَع الرزق، وَفِي رِوَايَة يمْنَع الْعلم، وَقد قَالَت عَائِشَة ﵂ مَرْفُوعا أَو مَوْقُوفا: " نِعم النِّسَاء [نسَاء] الْأَنْصَار، لم يكن يَمْنَعُهُنَّ الحَياء [أَن يَتَفَقَّهْنَ] فِي الدّين ".
(أَو تكبر) قَالَ تَعَالَى: ﴿سأصرف عَن آياتي الَّذين يتكبرون فِي الأَرْض بِغَيْر الْحق﴾ وَلِأَن من تكبر على نعْمَة حُرِم خيرَها. وَقد ذكر البُخَارِيّ عَن مُجَاهِد قَالَ: لَا يتَنَاوَل الْعلم مُسْتَحْي، وَلَا مُسْتَكْبِر. لِأَن الطَّالِب الصَّادِق كالمُحِبّ العاشق لَا يمنعهُ عَن مَطْلُوبه محبوبه عائق.
(وَيكْتب مَا سَمعه تَاما) أَي وَأَن يكْتب جَمِيع مَا وَقع لَهُ [من] سَماع كتاب أَو جُزْء أَو حَدِيث طَوِيل مُشْتَمل على فُصُول من الْكَلَام على / ١٤٩ - أ / وَجه الْكَمَال والتمام وَلَا ينتخبه، فَإِنَّهُ نقص فِي المرام وَرُبمَا يحْتَاج إِلَى رِوَايَة شَيْء مِنْهُ مِمَّا لم يكن فِيمَا انتخبه مِنْهُ، فيندم حَيْثُ لم يَنْفَعهُ النَّدَم. قَالَ ابْن الْمُبَارك: مَا انتخبتُ عِلْمَ عَالم قطّ إِلَّا نَدِمت. وَقَالَ: مَا جَاءَ مِن مُنْتَقٍ خيرٌ قطّ. وَقَالَ ابْن مَعِين:
стр. 673
صَاحب الانتخاب ينْدَم، وَصَاحب النّسخ لَا ينْدَم، فَإِن احْتَاجَ إِلَى الانتخاب لضيق وقته أَو لكَونه فِي الرحلة وَأَجَازَ الشَّيْخ بِهِ تولاه بِنَفسِهِ إِن كَانَ مُمَيّزا عَارِفًا بِمَا يصلح للانتخاب، وَإِلَّا اسْتَعَانَ بحافظ متيقظ فِي هَذَا الْبَاب.
(ويعتني) أَي يهتم [٢١٦ - أ] بإتقان مُشكل الْأَحَادِيث وإيقان الرِّوَايَات
(بالتقييد) أَي بتقييد مَا سَمعه من بنائِهِ وَإِعْرَابه، وَبَيَان حُرُوف هجائه، فَإِن الْعلم / صيدٌ وَالْكِتَابَة قيدٌ، وَلِئَلَّا يَقع فِي التَّصْحِيف وينقله على وَجه التحريف، فَمن كَلَامهم الْمَشْهُور: لَا تحملوا الْعلم عَن صَحَفي، وَلَا الْقُرْآن عَن [مُصْحَفي فَقيل] الصحفي [هُوَ] : الَّذِي يروي الْخَطَأ على قِرَاءَة الصُّحُف باشتباه الأحرف. وَقيل: إِن أصل هَذَا أَن قوما كَانُوا أخذُوا الْعلم من الصُّحُف من غير أَن ينقلوا فِيهِ من الْعلمَاء، فَكَانَ فِيمَا يرويهِ التَّغْيِير، فَقيل عِنْدهَا: قد صحفوا أَي روَوْه عَن الصُّحُف، فَهُوَ مصحّف. وَرُوِيَ عَن أبي العَيْنَاء قَالَ: حضرت بعض مَشَايِخ الحَدِيث من المغفلين فَقَالَ: عَن رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم عَن جِبْرَائِيل عَن الله عَن رجل ﴿فَنَظَرت، فَقلت: مَن هَذَا الَّذِي يصلح أَن يكون شيخ الله؟﴾ فَإِذا
стр. 674
هُوَ قد صحفه، وَإِذا هُوَ: . كَذَا ذكره الكازَرُوني شَارِح البُخَارِيّ، لَكِن فِي نظره وتردده أَن يكون أحدٌ شيخَ الله نظر ظَاهر لَا يخفى
وَرُوِيَ أنَّ شَيخا بالرَّيّ حدّث فَقَالَ: " احْتجم النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم وَأعْطى الحَجَّام آجرة " بِالْمدِّ، وَضم الْجِيم، وَتَشْديد الرَّاء والمثناة من فَوق وَإِنَّمَا هُوَ تصحيفُ " أَجْرَهُ " بِسُكُون الْجِيم، وبالهاء. وَرُوِيَ أَن أَمِير الْمُؤمنِينَ عليا رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ: أَلا إنّ خَرَاب بصرتكم هَذِه يكون بِالذبْحِ، فصحفوا وَقَالُوا: بِالرِّيحِ فَمَا أقلعوا عَن هَذَا التَّصْحِيف إِلَّا بعد مئتي سنة عِنْد معاينتهم أَمر الذّبْح وَرُوِيَ أَن عليا كَانَ رجلا غَبِيْنَاً بالغين الْمُعْجَمَة، فقرأه بَعضهم عِنيناً بِالْعينِ الْمُهْملَة، وَالنُّون، وَهُوَ خطأ فَاحش، والغَبِين وَهُوَ [٢١٦ - ب] الَّذِي يُغْبَن. وَقَالَ بَعضهم: عبيثاً بِكَسْر الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة فِي الأول، وبالمثلثة فِي الآخر أَي كَانَ يعبث كثيرا أَي يمزح، وَهَذَا أقرب معنى من الأول، وَهُوَ على وزن سِكِّيت وشريب.
وَقصد بعض / ١٤٩ - ب / أهل الحَدِيث شَيخا ليسمع مِنْهُ وَكَانَ فِي كِتَابه أَن رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: ﴿ادهِنوا غِبَّاً﴾ فَقَالَ: قَالَ
стр. 675
رَسُول الله [ ﷺ ] : " اذهَبُوا عَنَّا " بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة وَالْمُوَحَّدَة، وبالعين الْمُهْملَة بعْدهَا نون، وَهُوَ الْخَطَأ الْمُصحف. وصحف بَعضهم الحَدِيث الْمَشْهُور: " زُرْ غِبّاً تَزْدَدْ حُبَّاً " فَقَالَ: " زَرْعُنَا تَرَدَّد حِنَّا " ثمَّ قصّ قصَّة طَوِيلَة أَن قوما كَانُوا [لَا] يؤدون عُشر غلاّتهم، و [لَا] يتصدقون، فَصَارَ زرعهم كلهم حِناء.
(والضبط) أَي يضْبط مسموعه بالتكرار وَالْحِفْظ فِي صَدره، أَو تَفْصِيل أسانيده ومتونه فِي كِتَابه، فإنّ مَن اعتنى بجمعه دون إهماله يُرْجَى لَهُ فِي مُدَّة قَليلَة مُشَاركَة أَهله، وَزِيَادَة أفضاله. وَفِي كَلَام الشَّيْخ إِشَارَة لَطِيفَة بِأَن لَا يستعجل فِي طلب الْعلم، وَأَن يحفظ الحَدِيث على التدريج قَلِيلا قَلِيلا لما رُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: " مَن طلب الْعلم جملَة فَإِنَّهُ جملَة، فَإِنَّمَا يُدرك الْعلم حَدِيث أَو حديثان ". أَقُول: وَلَعَلَّه مقتبس من قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذين كفرُوا لَوْلَا نزل عَلَيْهِ الْقُرْآن﴾ ﴿جملَة وَاحِدَة كَذَلِك لنثبت بِهِ فُؤَادك ورتلناه ترتيلا﴾ ، وَقَوله : ﴿وقرآنا فرقناه لتقرأه على النَّاس على مكث﴾ . وَقَوله : ﴿لَا تحرّك بِهِ لسَانك لتعجل بِهِ﴾ . الْآيَات.
(ويذاكر) أَي مَعَ وَاحِد من شركائه، أَو غَيرهم. أَو بِنَفسِهِ بِأَن يتَذَكَّر.
стр. 676
(بمحفوظه ليرسَخ) / بِفَتْح السِّين، أَي يثبت [٢١٧ - أ] .
(فِي ذهنه) أَي فِي فهمه وَحفظه من جِهَة مَعْنَاهُ وَلَفظه، ليَكُون من الراسخين فِي الْعلم، والكاملين فِي الْحلم. وَقد رُوِيَ عَن عَليّ كرم الله تَعَالَى وَجهه قَالَ: " تَذَاكَرُوا هَذَا الحَدِيث وَلَا تغفلوا، يُدْرَس ". وَرُوِيَ عَن ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ: " تَذَاكَرُوا الحَدِيث، فَإِن حَيَاته مذاكرته. انْتهى. وَمَفْهُومه أَن مماته متاركته.
( [سِنُّ التَّحَمُّل وَالْأَدَاء] )
(وَمن المهم أَيْضا معرفَة سنّ التَّحَمُّل) أَي سَماع الحَدِيث وَأَخذه سَوَاء كَانَ بِنَفسِهِ أَو غَيره.
(وَالْأَدَاء) أَي سنّ أَدَاء مسموعه وَرِوَايَته. وَاخْتلف فِي سنّ التَّحَمُّل فَقَالَ الْجُمْهُور: أَقَله خمس سِنِين. وَقَالَ جمَاعَة من الْعلمَاء: يسْتَحبّ أَن يَبْتَدِئ بِسَمَاع الحَدِيث بعد ثَلَاثِينَ سنة. وَحكى مُحَمَّد بن جَلاَّد الرَّامَهُرْمُزِي فِي كِتَابه " المُحَدِّث الْفَاصِل: عَن أبي عبد الله الزُّبَيْرِي من الشَّافِعِيَّة أَنه قَالَ: يسْتَحبّ كَتْب الحَدِيث فِي الْعشْرين لِأَنَّهَا مُجْتَمع الْعقل. قَالَ: وأُحِب أَن يشْتَغل دونهَا بِحِفْظ الْقُرْآن والفرائض. وَقَالَ الثَّوْريّ: كَانَ الرجل إِذا أَرَادَ أَن يطْلب الحَدِيث تَعبَّد قبل ذَلِك
стр. 677
عشْرين سنة. كَذَا فِي " المنهل الروي فِي أصُول الحَدِيث النَّبَوِيّ ". وَقَالَ مُوسَى بن هَارُون: إِذا فرق بَين الْبَقَرَة وَالدَّابَّة، أَي بَين الْخُصُوص / ١٥٠ - أ / والعموم، وَالظَّاهِر أَنَّهَا النَّاقة وَإِنَّمَا صُحِّفتْ على النَّاسِخ، فَالْمُرَاد التَّفْرِقَة بَين حَيَوَان وحيوان وَهُوَ أدنى مَرَاتِب التَّمْيِيز، وَأما معرفَة الْعَام وَالْخَاص فَإِنَّمَا هِيَ مرتبَة الْخَواص. قَالَ السخاوي: سِن السماع التَّمْيِيز، كَأَن يعرف الْجَمْرَة من التمرة، وَيحصل غَالِبا فِي خَمْسَة، وَرُبمَا يتَخَلَّف بل قد يحصل قبلهَا. وَقَالَ الكازَروني شَارِح البُخَارِيّ: وبلغنا عَن إِبْرَاهِيم بن سعد الْجَوْهَرِي قَالَ [٢١٧ - ب] رَأَيْت صَبيا فِي أَربع سِنِين قد حُمِل إِلَى الْمَأْمُون وَقد قَرَأَ الْقُرْآن وَنظر فِي الرَّأْي غير أَنه إِذا جَاع بَكَى. وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد [بن عبد الرَّحْمَن] الْأَصْبَهَانِيّ: حفظت الْقُرْآن ولي خمس سِنِين، وحُمِلْتُ إِلَى أبي بكر بن المُقْرِي لأسْمع مِنْهُ ولي أَربع سِنِين، فَقَالَ بعض الْحَاضِرين: لَا تسمعوا لَهُ فِيمَا قَرَأَ فَإِنَّهُ صَغِير. فَقَالَ لي ابْن المقرِي: اقْرَأ سُورَة الْكَافِرُونَ فقرأتها وَلم أغلط فِيهَا، فَقَالَ ابْن المُقْرِي: اسمعوا لَهُ والعُهْدةُ عليّ:
(وَالأَصَح اعْتِبَار سنّ التَّحَمُّل بالتمييز) وَهُوَ: مَن فهم الْخطاب وَرَدَّ الْجَواب على وَجه الصَّوَاب. وَنَحْو ذَلِك، بِحَيْثُ ارْتَفع عَن حالِ مَن لَا يعقل مثله. قَالَ
стр. 678
النَّوَوِيّ والعراقي: إِن فَهِم الْخطاب ورد الْجَواب كَانَ مُمَيّزا صَحِيح السماع، وَإِن كَانَ لَهُ دون خمس، وَإِلَّا فَلَا يَصح سَمَاعه وَإِن كَانَ ابْن خمسين سنة.
(هَذَا فِي السماع) أَي دون الْحُضُور للبركة وَالْإِجَازَة بعد الْأَهْلِيَّة.
(وَقد جرت عَادَة الْمُحدثين) أَي خَلَفاً، وسَلَفاً وقديماً، وحديثاً.
(بإحضارهم الْأَطْفَال) أَي أَطْفَال أنفسهم وَغَيرهم مِمَّن لم يتأهل للسماع، بِقَرِينَة قَوْله: هَذَا فِي السماع.
(مجَالِس الحَدِيث) مفعول فِيهِ أَي رِوَايَته ودرايته ليحصل لَهُم من بركاته، فَإِنَّهُ عِنْد ذكر الصَّالِحين تنزل الرَّحْمَة، فَكيف عِنْد ذكر الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ / وأتباعهم من الْعلمَاء العاملين، وَذكر أَحَادِيث سيد الْعَالمين [ ﷺ ] .
(ويكتبون) أَي المحدثون (لَهُم) أَي للأطفال، (أَنهم حَضَرُوا) أَي الْمجْلس الْفُلَانِيّ.
(وَلَا بُد فِي مثل ذَلِك) أَي وَلَا بُد من اعْتِبَار الرِّوَايَة بعد الكِبَرِ لَهُم فِي مثل ذَلِك الْحُضُور حَال الطفولية والصغر.
(من إجَازَة المُسْمِع) بِكَسْر الْمِيم، أَي الشَّيْخ لَهُم للأطفال إجَازَة خَاصَّة أَو عَامَّة [٢١٨ - أ] لِأَن رِوَايَة الحَدِيث لَا تصح بِدُونِ السماع وَالْإِجَازَة، وَلَا سَماع هُنَا
стр. 679
فَلَا بُد من الْإِجَازَة، وَمنع قوم رِوَايَة الصَّبِي مُطلقًا. قَالَ الْعِرَاقِيّ: وَهُوَ خطأ مَرْدُود عَلَيْهِم لِأَن الحَسَنْينِ وَغَيرهمَا مِمَّن تحمل فِي حَال صباه، وقَبِل النَّاس روايتهم من غير / ١٥٠ - ب / فرق بَين مَا تَحملُوهُ قبل الْبلُوغ وَبعده، وَكَذَلِكَ كَانَ أهل الْعلم يُحضرون الصّبيان مجَالِس الْعلم ويَعْتَدُّون بروايتهم لذَلِك بعد الْبلُوغ. انْتهى. وَيفهم مِنْهُ أَن مُجَرّد إِحْضَار الْعلم للصبيان يسْتَلْزم اعتدادهم بروايتهم بعد الْبلُوغ وَلَو بِلَا إجَازَة، لكنه متعقب بِأَنَّهُ يُمكن أَن يكون الْحُضُور لأجل التمرين وَالْبركَة الْحَاصِلَة لأهل الْيَقِين.
(وَالأَصَح فِي سنّ الطّلب) أَي طلب علم الحَدِيث.
(بِنَفسِهِ) بالاشتغال بِكَتْبِه الحديثَ وتحصيله وَضَبطه، وَكَذَا الرحلة فِيهِ. قَالَ التلميذ: إِشَارَة إِلَى أَن الطَّالِب قد يكون بِغَيْرِهِ كالأطفال يُحْضِرُونهم الْمجَالِس.
(أَن يتأهل لذَلِك) أَي يستعد لما ذكرنَا من مُتَعَلَّقات الطّلب، لَا أَن يعرف علل الْأَحَادِيث والنكات، وَاخْتِلَاف الرِّوَايَات وَلَا أَن يعقل استنباط الْمعَانِي، [واستنباط] الدلالات، لِأَن هَذَا لَيْسَ شَرط الْأَدَاء فضلا عَن الطّلب، وَذَلِكَ يخْتَلف باخْتلَاف الْأَشْخَاص، وَلَيْسَ ينْحَصر فِي سُن مَخْصُوص. وَقَالَ أَبُو عبد الله بن أَحْمد الزُّبَيْرِيّ [واسْمه الزبير] بِضَم الزَّاي، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ أهل الْكُوفَة: يسْتَحبّ كتب الحَدِيث فِي الْعشْرين، وَقَالَ أهل الْبَصْرَة: فِي الْعشْرَة. وَقَالَ أهل الشَّام: فِي الثَّلَاثِينَ.
стр. 680
(وبصح تحمل الْكَافِر أَيْضا، إِذا أَدَّاهُ بعد إِسْلَامه) أَي كَمَا تُقْبَلُ شَهَادَته ومثاله: حَدِيث جُبير بن مُطْعِم الْمُتَّفق على صِحَّته " أَنه سمع النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم يقْرَأ فِي الْمغرب بِالطورِ " وَكَانَ [٢١٨ - ب] جَاءَ فِي فدَاء أُسَارَى بدر قبل أَن يُسْلِم، وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ " وَذَلِكَ أولَ مَا وَقَر الْإِيمَان فِي قلبِي ".
(وَكَذَا الْفَاسِق) أَي قبُول تحمله (من بَاب الأولى) أَي من تَحَمُّل الْكَافِر، (إِذا أَدَّاهُ بعد تَوْبَته) أَي من فسقه، (وَثُبُوت عَدَالَته) أَي وَبعد ظُهُورهَا بِظُهُور عَلَانِيَته، وَالله سُبْحَانَهُ أعلم بسريرته وَنِيَّته.
(وَأما الْأَدَاء فقد تقدم أَنه لَا اخْتِصَاص لَهُ بِزَمن معِين بل يُقَيَّد) زمنُ تَعَيُّنِه، (بالاحتياج) أَي باحتياج النَّاس إِلَيْهِ رِوَايَة أَو دراية.
(والتأهل لذَلِك) والمدار عَلَيْهِ كَمَا صرح بِهِ السُّيُوطِيّ فِي " الإتقان " فِي إقراء الْقُرْآن وَرِوَايَة الحَدِيث والإفتاء والتصنيف، أَي إنّ من لَهُ أَهْلِيَّة ذَلِك بِالِاسْتِحْقَاقِ التَّام وَقلة خطئه فِي المرام يجوز لَهُ أَن يتَصَدَّى، وَإِن لم يكن لَهُ إجَازَة، وَمن لم يكن أَهلا لذَلِك فَلَا تفيده وَلَو أَلْفَ إجَازَة وَسَمَاع وَرِوَايَة. قَالَ / التلميذ: هَذِه زِيَادَة
стр. 681
على مَا صَححهُ النَّوَوِيّ فِي التَّقْرِيب والتيسير حَيْثُ قَالَ: إِنَّه مَتى مَا احْتِيجَ إِلَى مَا عِنْده جلس لَهُ أَي لإسماعه، وتأديته ونشره وجوبا إِن تَعَيَّنَ عَلَيْهِ، واستحباباً إِن كَانَ ثَمَّ مثله فِي أَي سنّ كَانَ.
(وَهُوَ) أَي التأهل، (مُختلِف باخْتلَاف الْأَشْخَاص) أَي فَهْماً وحفظاً / ١٥١ - أ / ونطقاً، فَرُبمَا يكون صَغِيرا وَفتح الله عَلَيْهِ بفضله علما كثيرا، وَرُبمَا يكون كَبِيرا وأُغْلِقَ عَلَيْهِ شَيْئا يَسِيرا.
(وَقَالَ ابْن خَلاَّد: إِذا بلغ الْخمسين) أَي تأهل لذَلِك وتصدى للْأَدَاء لِأَنَّهَا انْتِهَاء [الكهولة، ومجتمع الأشد.
(وَلَا يُنْكَرُ) أَي الْأَدَاء عَلَيْهِ، (عِنْد الْأَرْبَعين) لِأَنَّهَا حد الاسْتوَاء،] ومنتهى الْكَمَال، وَعِنْدهَا يَنْتَهِي عزم الْإِنْسَان، ويتوفر عقله، وَيجوز درايته، وفساده ظَاهر عِنْد أهل الْيَقِين.
(وتُعُقِّب) أَي وَاعْترض عَلَيْهِ فِي ذَلِك ونوقض [٢١٩ - أ] (بَمن حَدَّثَ قبلهَا) قبل الْأَرْبَعين، (كمالك) إِمَام الْمُحدثين من الْأَئِمَّة الْمُتَقَدِّمين قَالَ المُصَنّف: وَأجِيب عَنهُ بِأَن مُرَاده إِذا لم يكن هُنَاكَ أَمر يَقْتَضِي التحديث، كَأَن لم يكن هُنَاكَ أمثل مِنْهُ، وَكَأن يكون قد صنف كتابا وَأُرِيد سَمَاعه مِنْهُ. قَالَ التلميذ: فَإِذا لم يكن هُنَاكَ مَا يُوجب التحديث مِمَّا ذُكِرَ فالسِّنُّ مُظِنَّةُ التأهل عِنْده، وَالله سُبْحَانَهُ أعلم.
стр. 682
( [كِتَابَة الحَدِيث] )
(وَمن المهم معرفَة صفة كِتَابَة الحَدِيث) اخْتلفت الصَّحَابَة والتابعون فِي كِتَابَة الحَدِيث، فكَرِهَهُ ابْن عمر، وَابْن مَسْعُود، وَزيد بن ثَابت، وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، وَأَبُو سعيد الخُدْرِي وَآخَرُونَ من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم أَجْمَعِينَ، لقَوْله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم: " لَا تكْتبُوا عني شَيْئا إِلَّا الْقُرْآن، ومَن كتب عني شَيْئا غير الْقُرْآن فَلْيَمْحُهُ ". أخرجه مُسلم. وجَوَّزَهُ أَو فعله جمَاعَة من الصَّحَابَة مِنْهُم: عمر، وَعلي، وَابْنه الْحسن، وَعبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ، وَأنس، وَجَابِر، وَابْن عَبَّاس، وَابْن عمر أَيْضا وَآخَرُونَ من السَّابِقين واللاحقين رضوَان الله تَعَالَى عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ، لقَوْله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم: " اكتُبُوا لأبي شاه ".
وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث عبد الله بن عمر وَقَالَ: كنت أكتب كل شَيْء أسمعهُ من رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم فَذكر الحَدِيث، وَفِيه أَنه ذُكِر للنَّبِي
стр. 683
صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ لَهُ: " اكْتُبْ ". وَقد اخْتلف فِي الْجَواب، فَقيل: إِن حَدِيث أبي سعيد مَنْسُوخ بِأَحَادِيث الْإِذْن وَالْكِتَابَة، وَكَانَ النَّهْي فِي أول الْأَمر لخوف اخْتِلَاطه بِالْقُرْآنِ، فَلَمَّا أَمِنَ ذَلِك أّذنَ فِيهِ، وَجمع بَعضهم بَينهمَا بِأَن النَّهْي فِي حق مَن وُثِقَ بحفظه وَخيف اتكاله على خطه إِذا كَتَبَ، وَالْإِذْن فِي حق من لَا يوثق بحفظه كَأبي شاهٍ الْمَذْكُور، وَحمل بَعضهم النَّهْي على كِتَابَة الحَدِيث مَعَ الْقُرْآن فِي [٢١٩ - ب] صحيفَة وَاحِدَة لأَنهم كَانُوا يسمعُونَ تَأْوِيل الْآيَة فَرُبمَا كتبوه مَعَه، فَنُهُوا عَن ذَلِك لخوف الِاشْتِبَاه.
(وَهُوَ) أَي صفة كِتَابَة الحَدِيث ونعته، (أَن يَكْتُبهُ) أَي الحَدِيث، وَكَذَا الْقُرْآن وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا (مُبَيَّناً) بِفَتْح التَّحْتِيَّة حَال من الْمَفْعُول، وَيُمكن كسرهَا على أَنه حَال من الْفَاعِل وَكَذَا قَوْله:
(مُفسَّراً) وَهُوَ عطف / بَيَان، أَو التَّبْيِين بِالنِّسْبَةِ إِلَى جَوْهَر الْحُرُوف، وَالتَّفْسِير بِاعْتِبَار عوارضها / ١٥١ - ب / من الشكل والنقط. قَالُوا: يسْتَحبّ إبانة الْخط وتحقيقه دون مَشْقِهٍ، وتعليقه، والمَشْق: خفَّة الْيَد وإرسالها مَعَ تَغْيِير الْحُرُوف، وَعدم إِقَامَة الْأَسْنَان. وَالتَّعْلِيق: هُوَ كَمَا قيل: خطّ الْحُرُوف الَّذِي يَنْبَغِي تفرقها، وإذهاب أَسْنَان مَا يَنْبَغِي إِقَامَة أَسْنَانه، وطمس مَا يَنْبَغِي إِظْهَار بياضه، لما قد ينشأ عَن كل مِنْهُمَا عدم التَّمَكُّن من قِرَاءَته غَالِبا.
(ويَشكُل) بِفَتْح حرف المضارعة، وَضم الْكَاف، أَي وَيعرف (المُشْكِل) أَي المغلَق (مِنْهُ) وَهُوَ الَّذِي لَا يفهمهُ كل أحد، وَإِنَّمَا يُدْرِكهُ الْعلمَاء، وَفِيه إِشَارَة
стр. 684
بطرِيق الْمَفْهُوم أَنه لَا يَشَكُل غير المُشكِل لِأَنَّهُ تَضْييع الْعُمر وتكثير الْعَمَل الدَّال على تقليل الْعلم. وَالْمرَاد بالشكل الحركات والسكنات، وَهِي أَعم من الحركات البنائية الصرفية، والإعرابية النحوية، فأو للتنويع فِي قَوْله:
(أَو ينقطه) أَي فِي المُشكِل مِنْهُ، أَو مُطلقًا لِأَن الْغَالِب فِيهِ الْإِشْكَال. قَالُوا: يسْتَحبّ لطَالب الْعلم ضبط كِتَابه بالنقط والشكل ليؤديه كَمَا سَمعه [لقَوْله] [ ﷺ ] : " نَضَّر الله أمرأ سمع مَقَالَتي فوعاها وأداها كَمَا سَمعهَا "، وَلما فِي الْخُلَاصَة عَن الأصْمَعِي يَقُول: إِن أخوف [مَا أَخَاف] على طَالب الْعلم إِذا لم يعرف النَّحْو أَن يدْخل فِي جملَة قَول النَّبِي ﵊ [٢٢٠ - أ] : " مَنْ كَذَبَ عليّ مُتَعَمدا فَليَتَبَوَّأ " مَقْعَده من النَّار " لِأَنَّهُ [ ﷺ ] لم يكن يَلْحَن، فمهما رويت عَنهُ ولحنت فِيهِ كذبت عَلَيْهِ، ثمَّ الشَّكْلُ: تَقْيِيد الْإِعْرَاب قَالَ الْجَوْهَرِي: شَكَلتُ الْكتاب إِذا قيدته بالإعراب. ثمَّ اخْتلفُوا هَل يقْتَصر على ضبط الْمُشكل من أَلْفَاظ الْمَتْن والإسناد، أَو يُضبط هُوَ وَغَيره؟ فَقَالَ عَليّ بن إِبْرَاهِيم الْبَغْدَادِيّ فِي كتاب " سِمات الْخط ورقومه ": إِن أهل الْعلم يكْرهُونَ الإعجام - بِكَسْر الْهمزَة - أَي النقط وَالْإِعْرَاب إِلَّا فِي الملتبس وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: النقط والشكل فِيمَا يشكل وَيشْتَبه.
وَقَالَ ابْن خَلاَّد: قَالَ أَصْحَابنَا: أما النقط فَلَا بُد مِنْهُ لِأَنَّهُ لَا يَضبط الْأَشْيَاء
стр. 685
المشكلة إِلَّا بِهِ. وَقَالُوا: إِنَّمَا يَشكُل مَا يشكل وَلَا حَاجَة إِلَى الشَكل مَعَ عدم الْإِشْكَال. [قَالَ:] وَقَالَ الْآخرُونَ: الأولى أَن يَشكُل الْجَمِيع. قَالَ القَاضِي عِيَاض: وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب لَا سِيمَا للمبتدئ وَغير المتبحر فِي الْعلم، فَإِنَّهُ [لَا] يُمَيّز مَا يُشْكِل، مِمَّا لَا يُشْكِل، وَلَا صوابَ وَجه الْإِعْرَاب للكلمة من خطئه. قَالَ أَبُو إِسْحَاق: أولى الْأَشْيَاء بالضبط أَسمَاء النَّاس لِأَنَّهُ لَا يدْخلهُ الْقيَاس، وَلَا قبله [وَلَا] بعده شَيْء يدل عَلَيْهِ [فيرتفع الالتباس] .
(وَأما صُورَة ضبط الْمُشكل، فَقَالَ القَاضِي] عِياض: رَسمُ الْمَشَايِخ وَأهل الضَّبْط فِي الْحُرُوف المشكلة والكلمات المشتبهة إِذا ضُبِطَت وصُحِّحَت فِي الْكتاب أَن يَرْسُم ذَلِك الْحَرْف المُشْكِل مُفردا فِي حَاشِيَة الْكتاب قُبالَة الْحَرْف / ١٥٢ - أ /، وَعلل ذَلِك بِأَن الِانْفِرَاد يرفع إِشْكَال الالتباس بضبط مَا فَوْقه [وَمَا] تَحْتَهُ من السطور، لَا سِيمَا مَعَ دقة الْكتاب وضيق الأسطر. وَذكر ابْن الصّلاح [نَحْوهُ] وَلم يتَعَرَّض لتقطيع حُرُوف الْكَلِمَة المشكلة الَّتِي تكْتب فِي هَامِش الْكتاب. وَقَالَ [٢٢٠ - ب] ابْن دَقِيق الْعِيد: وَمن عَادَة المتقنين أَن يبالغوا فِي إِيضَاح الْمُشكل، فَيُفَرِّقُوا حُرُوف الْكَلِمَة / فِي الْحَاشِيَة ويضبطوها حرفا حرفا
قَالَ الْعِرَاقِيّ: وَهُوَ حسن وَفَائِدَته أَنه يُظْهِر مُشكل الْحَرْف بكتابته مُفردا
стр. 686
فِي بعض الْحُرُوف كالنون، وَالْيَاء الْمُثَنَّاة من تَحت، بِخِلَاف مَا إِذا كُتبت الْكَلِمَة كلهَا والحرف الْمَذْكُور أَولهَا أَو وَسطهَا، وَأما ضبط الْحُرُوف الْمُهْملَة فقد اخْتلف فِيهِ. فَقيل: يَجْعَل تَحت الدَّال، وَالرَّاء، وَالسِّين، وَالصَّاد، والطاء، وَالْعين المهملات النقطة الَّتِي فَوق المعجَمَات، وَلَا بُد من اسْتثِْنَاء [الْحَاء] من ذَلِك لالِتِبَاسها بِالْجِيم. وَقيل: يَجْعَل فَوق الأحرف المهملات صُورَة هِلَال كقُلامة الظفر، مُضْجَعَةً على قَفاهُ، وَقيل: يُجعل تحتهَا حرف صَغِير مثلهَا وَعَلِيهِ عمل أهل الْمشرق والأندلس، وَيُوجد فِي كثير من الْكتب الْقَدِيمَة فَوق الأحرف الْمُهْملَة خطّ صَغِير كفتحة، وَرُبمَا نَشأ عَنهُ التباس حَيْثُ قَرَأَ بَعضهم رِضْوَان بِالْفَتْح أَي بِفَتْح الرَّاء، وَفِي بعض الْكتب تحتهَا مثل الْهمزَة.
(وَيكْتب) أَي وَأَن يكْتب الطَّالِب (السَّاقِط) أَي الْمَتْرُوك من أَصله (فِي الْحَاشِيَة الْيُمْنَى مَا دَامَ فِي السطر) أَي سطر السَّاقِط (بَقِيَّة) أَي من الْكِتَابَة، بِأَن يكون بعد السَّاقِط كلمة أَو أَكثر، (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن بَقِيَّة، بِأَن يكون السَّاقِط من آخر السطر.
(فَفِي الْيُسْرَى) أَي فَيكْتب فِي الْحَاشِيَة الْيُسْرَى، وَمَفْهُومه أَنه لَا يكْتب بَين الأسطر، وَهَذَا الحكم بِظَاهِرِهِ عَام فِي الصفحتين وَلَعَلَّه كَانَ دأب الْمُتَقَدِّمين أَن يجْعَلُوا طرفِي الأسطر متساويين فِي التَّوَسُّع، وَأما على الْمُعْتَاد فِي زَمَاننَا أَن
стр. 687
طرف الْحَاشِيَة الْيُمْنَى من الصفحة الأولى أوسع، عكس الصفحة الثَّانِيَة، فَيَنْبَغِي أَن يكون فِي الحكم تَفْصِيل فَتَأمل، فَإِنَّهُ مَوضِع زلل، ثمَّ [٢٢١ - أ] رَأَيْت فِي كَلَام القَاضِي عِيَاض تَصْرِيحًا بذلك وَالْحَمْد لله على ذَلِك.
وَاعْلَم أَنهم قَالُوا: إِن أهل الحَدِيث، وَالْكِتَابَة يسمون مَا سقط من أصل الْكتاب، فَألْحق بالحاشية، أَو بَين السطور باللّحَق بِفَتْح اللَّام والحاء الْمُهْملَة مَعًا، أَخْذاً من الْإِلْحَاق وَالزِّيَادَة، قَالَ الْجَوْهَرِي: اللَّحَق بِالتَّحْرِيكِ: شَيْء يُلْحَقُ بِالْأولِ.
وَقَالَ صَاحب المُحْكَم: اللَّحق الشَّيْء الزَّائِد. وَكَيْفِيَّة كِتَابَة مَا سقط من الْكتاب: أَن يخطّ من مَوضِع سُقُوطه فِي السطر خطا صاعداً مَعْطُوفًا إِلَى فَوق، مَعْطُوفًا / ١٥٢ - ب / بَين السطرين عطفةً يسيرَة إِلَى جِهَة حَاشِيَة اللَّحَق، وَقيل يمد العطفة من مَحل السُّقُوط إِلَى أول اللَّحَق، وَالْأول أولى لِئَلَّا يُسَوِّدَ الْكتاب، لَا سِيمَا عِنْد كَثْرَة الإلحاقات، ثمَّ يكْتب السَّاقِط فِي الْحَاشِيَة الْيُمْنَى إِن سقط من وسط السطر لاحْتِمَال أَن يطْرَأ فِي بَقِيَّة السطر آخر، فَيخرج إِلَى جِهَة الْيَسَار، فَلَو كَانَ خرج الأول إِلَيْهَا أَيْضا اشْتبهَ مَوضِع هَذَا السَّاقِط بِموضع السَّاقِط الآخر، وَإِن خرج للثَّانِي إِلَى الْيُمْنَى تقَابل طَرَفاً التخريجين، وَرُبمَا التقيا لقرب السقطين، فيظن أَن ذَلِك ضَرْبٌ على مَا بَينهمَا، وَإِن سقط بعد تَمام السطر يُكتب فِي الْيُسْرَى.
قَالَ القَاضِي عِيَاض، وَتَبعهُ ابْن الصّلاح لَا وَجه لذَلِك إِلَّا قُرب التَّخْرِيج
стр. 688
من اللَّحق، وَسُرْعَة لحاق النّظر بِهِ، وَلِأَنَّهُ أمنٌ [من] نقص يحدث بعده فَلَا / وَجه إِلَى تَخْرِيجه إِلَى الْيَمين، وَهَذَا أَي التَّخْرِيج لجِهَة الْيُسْرَى فِيمَا إِذا كَانَ السَّاقِط من الصفحة الْيُمْنَى حَيْثُ اتَّسع هَامِش الْيَسَار لطريقة الْمُتَقَدِّمين فِي التَّسْوِيَة بَين الهامشين، وَإِلَّا خَرَّجَه لجِهَة الْيُمْنَى. قَالَ الْعِرَاقِيّ: وَقد رَأَيْت ذَلِك فِي خطّ غير وَاحِد من أهل الْعلم، ثمَّ الأولى أَن يكْتب [٢٢١ - ب] السَّاقِط صاعداً إِلَى أَعلَى الورقة من أيّ جِهَة كَانَ، [لَا] نازلا بِهِ إِلَى أَسْفَلهَا [لاحْتِمَال حُدُوث سقط آخر، فَيكْتب إِلَى أَسْفَل] فَلَو كتب الأول إِلَى أَسْفَل لم يجد للساقط الثَّانِي موضعا بقابله فِي الْحَاشِيَة خَالِيا، وَيكْتب فِي انْتِهَاء اللَّحق " صَحَّ " فَقَط، وَقيل: يكْتب مَعَ " صَحَّ رَجَعَ "، وَفِيه تَطْوِيل، وَيكرهُ الْخط الدَّقِيق لِأَنَّهُ لَا ينْتَفع بِهِ فِي أحْوج مَا يكون إِلَيْهِ، وَهَذَا إِذا كَانَ بِغَيْر عذر، فَإِن كَانَ بِعُذْر كضيق [الْوَقْت] أَو قلَّة الرَّق الَّذِي يكْتب فِيهِ، أَو كَانَ رحّالاً فِي طلب الْعلم يُرِيد حمل كتبه مَعَه، فَيكون خَفِيفَة الْحمل فَلَا يكره لَهُ ذَلِك.
(وَصفَة عرضه) أَي وَمن المهم صفة عرضه، (وَهُوَ مُقَابلَته) أَي مُقَابلَة
стр. 689
الطَّالِب، أَو مسموعه وَلَو كَانَ من غَيره، (مَعَ الشَّيْخ المُسمِع) أَي الْمُحدث سَوَاء يكون مَعَه أَصله، [وَهُوَ الأولى، أَو لَا يكون مَعَه أَصله] . أَو لَا يكون مَعَه أصل أصلا، وَهُوَ حَافظ ضَابِط.
(أَو مَعَ ثِقَة غَيره) أَي غير المُسمع.
(أَو مَعَ نَفسه) أَي مَعَ أصل الشَّيْخ فِي الصُّورَتَيْنِ.
(شَيْئا فَشَيْئًا) أَي على جِهَة التدريج للِاحْتِيَاط فِي الْمُقَابلَة، وَهُوَ قيد للأخير، أَو قيد للْكُلّ. وَاعْلَم أنّ على الطَّالِب - كَمَا قَالُوا - مقابلةَ كِتَابه بِكِتَاب الشَّيْخ الَّذِي يرويهِ عَنهُ سَمَاعا، أَو إجَازَة، [أَو بِأَصْل أصلِ شَيْخه المقابَلِ بِهِ أصلُ شَيْخه، أَو بفرع مُقَابل] بِأَصْل السماع مُقَابلَة مُعْتَبرَة موثوقاً بهَا، أَو بفرع قوبل كَذَلِك على فرع، وَلَو كثر الْعدَد بَينهمَا، إِذْ الْغَرَض الْمَطْلُوب أَن يكون كتاب الطَّالِب مطابِقاً لأصل مَرْوِيَّه، وكتابِ شَيْخه، قَالَ القَاضِي عِيَاض: مُقَابلَة النُّسْخَة بِأَصْل الشَّيْخ مُتَعَيَّنةٌ لَا بُد مِنْهَا، وَأفضل الْعرض / ١٥٣ - أ / أَن يُقَابل كِتَابه بِنَفسِهِ مَعَ شَيْخه بكتابه حِين سمع من الشَّيْخ، أَو قرئَ عَلَيْهِ، لما فِيهِ من [٢٢٢ - أ] وجود الِاحْتِيَاط والاتقان من الْجَانِبَيْنِ، بِمَعْنى أَن كلا مِنْهُمَا أهل لذَلِك، فَإِن لم تَجْتَمِع هَذِه الْأَوْصَاف
стр. 690
نقص من مرتبته بِقدر مَا فَاتَهُ مِنْهُمَا.
وَقَالَ أَبُو الْفضل الجَارُودي: خير الْعرض مَا كَانَ مَعَ نَفسه، يَعْنِي حرفا حرفا لكَونه حِينَئِذٍ لم يُقَلّد غَيره، وَلم يَجْعَل بَينه وَبَين كتاب شَيْخه وَاسِطَة، وَهُوَ بذلك على ثِقَة ويقين من مطابقتهما. قَالَ ابْن الصّلاح: إِنَّه مذهبٌ مَتْرُوك، وَهُوَ من مَذَاهِب أهل التَّشْدِيد المرفوضة فِي عصرنا، وَصَحَّ عَدمه لَا سِيمَا والفكر يتشعب بِالنّظرِ فِي النسختين بِخِلَاف الأول. قَالَ السخاوي: وَالْحق كَمَا قَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد: إِن ذَلِك يخْتَلف، قُربّ مَن عَادَته - لمزيد يقظته وَحفظه - عدم السَّهْو عِنْد نظره فيهمَا، فَهَذَا مُقَابلَته مَعَ نَفسه أولى، أَو عَادَته - لجمود حركته، وَقلة حفظه -[السَّهْو] فَهَذَا مُقَابلَته مَعَ غَيره أولى. قلت: وَهَذَا هُوَ الْغَالِب على أَكثر النَّاس فِي مُعظم الْأَحْوَال.
(وَصفَة سَمَاعه) أَي وَمن المهم صفة / سَماع الطَّالِب، أَو سَماع الحَدِيث بِنَاء على إِضَافَة الْمصدر إِلَى فَاعله، أَو مَفْعُوله.
(بِأَن لَا يتشاغل بِمَا) الْبَاء الأولى بَيَانِيَّة، وَالثَّانيَِة سَبَبِيَّة مُتَعَلقَة بِالْفِعْلِ، أَي بِسَبَب شيءٍ.
(يُخِلُّ بِهِ من نَسخ) أَي كتابةٍ، و " من " بَيَان " مَا " يَعْنِي بِحَيْثُ يمْنَع مَعَه فَهْمَهُ لما يقْرَأ بِكَمَالِهِ، حَتَّى يكون الْوَاصِل إِلَى سَمَاعه كَأَنَّهُ صوتٌ غُفْلُ، وَيصِح إِذا كَانَ بِحَيْثُ لَا يمْتَنع مِنْهُ الْفَهم كقصة الدَّارَقَطُني أَنه حضر فِي حَداثته مجْلِس إِسْمَاعِيل
стр. 691
الصفار، فَجَلَسَ ينْسَخ جزأ كَانَ مَعَه، فَقَالَ لَهُ بعض الْحَاضِرين: لَا يَصح سماعك، وَأَنت تنسخ، فَقَالَ: فهمي للإملاء خلاف فهمك، ثمَّ قَالَ: تحفظ كم أمْلى الشَّيْخ من حَدِيث إِلَى الْآن؟ فَقَالَ الدَّارَقَطُني: أمْلى ثَمَانِيَة عشر [٢٢٢ - ب] حَدِيثا، فَوجدت كَمَا قَالَ، ثمَّ قَالَ: الحَدِيث الأول مِنْهَا عَن فلَان عَن فلَان، وَمَتنه كَذَا، وَلم يزل يذكر أَسَانِيد الْأَحَادِيث على ترتيبها فِي الْإِمْلَاء حَتَّى أَتَى إِلَى آخرهَا، فَعجب النَّاس مِنْهُ.
(أَو حَدِيث) أَي تَكَلُّمٍ بِكَلَام مَا، مِمَّا يمْتَنع مَعَه الْفَهم.
(أَو نُعَاس) وَهُوَ مُقَدّمَة النّوم الْمُسَمّى بِالسنةِ بِكَسْر السِّين، وَهُوَ نوم ضَعِيف غير مُخِل غَالِبا، فَلَا يكون قادحاً من الفَطِن، وَهَذَا التَّفْصِيل ذكره ابْن الصّلاح وَذهب الْأُسْتَاذ أَبُو إِسْحَاق الأسْفِراييني، وَإِبْرَاهِيم الحَرْبي وَغير وَاحِد من الْأَئِمَّة إِلَى منع الصِّحَّة مُطلقًا، وَهُوَ الْأَحْوَط ويقويه أَن الحكم للْأَكْثَر والأغلب، وَذهب مُوسَى بن هَارُون الحَمَّال إِلَى الصِّحَّة مُطلقًا، وَهُوَ بعيد جدا خُصُوصا حَال النّسخ إِلَّا نَادرا كَمَا سبق، وَقد رَأَيْت بعض مشايخي كَانَ يعلم الصغار، وَكَانُوا قَرِيبا من ثَلَاثِينَ، وَكَانَ يكْتب الْقُرْآن غيباً، ويُقْرِئهم، ويستمع لَهُم، وَذكر أَنه مَا وجدَ غَلطا فِي / ١٥٣ - ب / مصحفه الْمَكْتُوب تِلْكَ الْحَالة من أول الْقُرْآن إِلَى سُورَة الشُّعَرَاء.
(وَصفَة إسماعه) أَي إسماع الشَّيْخ، أَو الحَدِيث للْغَيْر.
(كَذَلِك) أَي بِأَن لَا يتشاغل بِمَا يخل بِهِ من نَسْخ، أَو حَدِيث، أَو نُعَاس على الِاخْتِلَاف الْمَذْكُور حَتَّى لَو لم يُجِلَّ بِهِ يَصح الإسماع كالنعاس الْخَفِيف، وَلِهَذَا كَانَ
стр. 692
المِزيُّ، وَالْمُصَنّف ينعسان حِين إسماعهما، ويَرُدَانِ على الْقَارئ، إِذا زَل، وَكَذَا وَقع [فِي] النّسخ مِنْهُمَا.
(وَإِن يكون) أَي وَصفَة الإسماع أَيْضا أَن يكون (ذَلِك) أَي الإسماع (من أَصله) أَي الشَّيْخ (الَّذِي سمع) أَي الطَّالِب.
(فِيهِ أَو من فرعٍ قوبل على أَصله) مقابلةَ ثقةٍ، وَلَيْسَ لَهُ أَن يحدَّث من أصل شَيْخه الَّذِي لم يسمع فِيهِ، أَو من نُسْخَة [كتبت من نُسْخَة] شَيْخه، وَلَو سَكَنَت نَفسه [١٢٣ - أ] إِلَيْهَا لِأَنَّهُ قد يكون فِيهَا زَوَائِد لَيست فِي نُسْخَة سَمَاعه إِلَّا أَن يكون لَهُ إجَازَة من الشَّيْخ بذلك الْكتاب، أَو بِسَائِر مروياته، فَحِينَئِذٍ تجوز الرِّوَايَة إِذْ لَيْسَ فِي أَكثر من رِوَايَة تِلْكَ الزِّيَادَات بِالْإِجَازَةِ لَا بِلَفْظ أخبرنَا، أَو حَدثنَا من غير الْإِجَازَة فِيهَا، وَهَذَا معنى قَوْله:
(فَإِن تعذُّر) أَي كلَّ من الأَصْل، وفرعه الْمُقَابل بِهِ بِأَن غَابَ عَنهُ الْكتاب بإعارة، أَو ضيَاع، أَو سَرقَة أَو نَحْو ذَلِك، فَلَا بُد من الْإِجَازَة كَمَا ذكره ابْن الصّلاح لجَوَاز الْمُخَالفَة والتغيير فِيهِ.
(فَلْيَجْبره) بِضَم الْمُوَحدَة أَي ليجبر الشَّيْخ نُقْصَان / الطَّالِب.
(بِالْإِجَازَةِ لِما خَالف) أَي لشَيْء خَالفه بِأَن نقل مَا لَيْسَ من سَمَاعه، أَو نقص عَنهُ أَو نقل بِلَفْظ آخر (إِن خَالف) أَي الطَّالِب مُخَالفَة مَا.
стр. 693
( [الرَّحْلَة للْحَدِيث] )
(وَصفَة الرَّحلة) بِكَسْر الرَّاء (فِيهِ) أَي وَمن المهم كَيْفيَّة الارتحال فِي طلب سَماع الحَدِيث، (حَيْثُ يَبْتَدِئ) أَي يَنْبَغِي أَن يبتدأ (بِحَدِيث أهل بَلَده فيستوعبه) أَي فَيَأْخذهُ جَمِيعًا، ويُحَصِّله بِكَمَالِهِ، (ثمَّ يرحل) بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة على سَبِيل الِاسْتِحْبَاب، (فَيحصل) بِالتَّشْدِيدِ
(فِي الرحلة مَا لَيْسَ عِنْده) والرحلة: شَدّ الرَّحل لأجل تَحْصِيل مَا لَيْسَ عِنْده من الْأَسَانِيد، والمتون وَغَيرهمَا، فقد رَحل جَابر بن عبد الله ﵁ مسيرَة شهر فِي حَدِيث وَاحِد، والتخصيص بشد الرحل لما هُوَ الْغَالِب فِيهَا، وللإيماء إِلَى أَن الْمسَافَة الْبَعِيدَة لَا تَمنعهُ مِنْهَا، وَإِلَّا فَلَو تَوجه مَاشِيا أَو فِي السَّفِينَة كَانَ محصلاً لهَذِهِ السّنة.
فَفِي الحَدِيث عَن كثير بن قيس قَالَ: كنت جَالِسا مَعَ أبي الدَّرْدَاء فِي مَسْجِد دمشق فَجَاءَهُ رجل فَقَالَ: يَا أَبَا الدَّرْدَاء [٢٢٣ - ب] إِنِّي جئْتُك من مَدِينَة الرَّسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، لحَدِيث بَلغنِي أَنَّك تحدثه عَن رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم مَا جِئْت لحَاجَة، قَالَ: فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: " منْ سلك طَرِيقا يطْلب فِيهِ علما / ١٥٤ - أ / سلك الله بِهِ طَرِيقا من طرق الْجنَّة، وَإِن الْمَلَائِكَة لَتَضعُ أَجْنِحَتهَا رضَا لطَالب الْعلم، وَإِن الْعَالم ليَسْتَغْفِر لَهُ من فِي السَّمَوَات وَمن فِي الأَرْض، وَالْحِيتَان فِي جَوف المَاء، وَإِن فضل الْعَالم على العابد كفضل الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر على سَائِر الْكَوَاكِب، وَإِن الْعلمَاء وَرَثَة الْأَنْبِيَاء، وَإِن الْأَنْبِيَاء لم يُوَرِّثوا دِينَارا وَلَا درهما، وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعلم، فَمن أَخذه أَخذ بحظ وافر " رَوَاهُ أَحْمد، وَالتِّرْمِذِيّ، وَأَبُو دَاوُد، وَابْن مَاجَه، والدارمي. قَالَ
стр. 694
الطَّيِّبِيّ: وتحديث أبي الدَّرْدَاء بِمَا حَدثهُ يحْتَمل أَن يكون مَطْلُوب الرجل بِعَيْنِه، وَأَن يكون بَيَانا أَن سَعْيه مشكور عِنْد الله تَعَالَى، وَلم يذكر هَهُنَا مَا هُوَ مَطْلُوبه، وَالْأول أغرب وَأقرب، وَالله سُبْحَانَهُ أعلم.
(وَيكون اعتناؤه) أَي وَيَنْبَغِي أَن يكون اهتمام الطَّالِب (بتكثير المسموع) أَي فِي الحَدِيث.
(أَكثر من اعتنائه بتكثير الشُّيُوخ) أَي والأسانيد لِأَن الْمَقْصُود الْأَصْلِيّ هُوَ الدارية لَا مُجَرّد الرِّوَايَة، نعم قد يحْتَاج إِلَى تَكْثِير الرِّوَايَة لتصحيح الدِّرَايَة، وَمن اقْتصر على تَكْثِير الشُّيُوخ دون المسموع محتجاً بِمَا قيل: ضَيَّعْ ورقة وَلَا تضيع شَيخا، فقد ضيع الأَصْل، وَقد قَالَ الْعلمَاء: تَحْصِيل الفُضول تَضْييع الْأُصُول.
( [صفة تصنيف الحَدِيث] )
(وَصفَة تصنيفه) أَي وَمن المهم معرفَة كَيْفيَّة تصنيف الطَّالِب، أَو تصنيف مسموعه، (وَذَلِكَ) أَي [٢٢٤ - أ] التصنيف، (إِمَّا على المسانيد) أَي ترتيبها.
(بِأَن يجمع مُسْند كل [صَحَابِيّ] على حِدة) بِكَسْر الْمُهْملَة، وَتَخْفِيف الثَّانِيَة، كعِدة أَي مُنْفَرِدَة بِأَن يجمع مَا عِنْده وَاحِدًا وَاحِدًا من غير نظر لصِحَّة وَضعف، ومناسبة بَاب، وَفصل، ومراعاة تَرْتِيب حُرُوف هجاء، وَغَيرهَا وَإِن اخْتلف
стр. 695
أَنْوَاع أَحَادِيثه فِي ذَلِك كمسند الإِمَام أَحْمد، / ومسانيد الإِمَام أبي حنيفَة، ومسند الإِمَام الشَّافِعِي، والدارمي وَغَيرهم، وهم الْأَكْثَرُونَ، وَمِنْهُم من يقْتَصر على الصَّالح [للحجة] كالضياء الْمَقْدِسِي.
(فَإِن شَاءَ رتبه) أَي مُسْنده (على سوابقهم) أَي مَن سبق من الصَّحَابِيّ فِي الْإِسْلَام، فأولاً يَبْتَدِئ بِأبي بكر، وَعلي، وَخَدِيجَة وبلال، وهَلُم جَراً، أَو فِي الْفضل، فَيبْدَأ بِالْعشرَةِ المبشرة، ثمَّ بِأَهْل بدر، ثمَّ بِأَهْل الْحُدَيْبِيَة، ثمَّ بِمن أسلم وَهَاجَر بَين الْحُدَيْبِيَة وَالْفَتْح، ثمَّ بَمن أسلم يَوْم الْفَتْح، ثمَّ يخْتم بأصاغر الصَّحَابَة سِناً كَأبي الطُّفَيْل، والسائب بن يزِيد، ثمَّ بِالنسَاء.
(وَإِن شَاءَ رتب) أَي مُسْنده (على حُرُوف المعجم) فِي أَسمَاء الصَّحَابَة كَأَن يَبْتَدِئ بِالْهَمْزَةِ، ثمَّ مَا بعْدهَا على ترتيبها، فيبتدأ بِأبي بكر، وَأنس وَنَحْوهمَا، ثمَّ بالبراء بن عَازِب، وبلال وَغَيرهمَا، وَأجْمع مَا صنف فِيهِ كَذَلِك المعجم الْكَبِير للطبراني غير مُتقيدٍ بالمقبول / ١٥٤ - ب /، وَغَيره. قَالَ ابْن الصّلاح:
(وَهُوَ اسهل تناولاً) وَالْأول أحسن، ثمَّ شيخ مَشَايِخنَا السُّيُوطِيّ رَحمَه الله تَعَالَى رتب جامعيه: الصَّغِير وَالْكَبِير على حُرُوف المعجم، بِاعْتِبَار أَوَائِل الْأَحَادِيث القولية كعمل ابْن طَاهِر فِي أَحَادِيث الْكَامِل لِابْنِ عَديّ، وَجعل الْأَحَادِيث الفعلية فِي جَامعه الْكَبِير مرتبَة على الْأَسَانِيد، وَمِنْهُم من [٢٢٤ - ب] رتب على الْكَلِمَات لكنه غير مُقَيّد بحروف المعجم مُقْتَصرا على أَلْفَاظ النُّبُوَّة فَقَط، كالشهاب و " الْمَشَارِق " للصغاني.
стр. 696
(أَو تصنيفه) بِالرَّفْع عطفا على ذَلِك (على الْأَبْوَاب الْفِقْهِيَّة) أَي الْأَبْوَاب الْمُشْتَملَة على أَحْكَام الْفِقْه كالمصابيح وفرعه، من غير تَقْيِيد فِي التَّبْوِيب إِلَى حُرُوف المعجم، وَمِنْهُم من رتب الْأَبْوَاب على الْحُرُوف كجامع الْأُصُول، وتيسير الْوُصُول، وتبعهما شَيخنَا مَوْلَانَا عَليّ المتقي، فبوب الجامعين للسيوطي على هَذَا الْمِنْهَاج.
(أَو غَيرهَا) أَي غير الْأَبْوَاب الْفِقْهِيَّة كالصحيحين، وَكتب السّنَن وَغَيرهَا، (بِأَن يجمع) أَي على التبويبين (فِي كل بَاب مَا ورد فِيهِ مِمَّا يدل على حُكمِهِ إثباباً، أَو نفيا) بِحَيْثُ يتَمَيَّز مَا يدْخل فِي الْجِهَاد مثلا عَمَّا يتَعَلَّق بالصيام، وَأهل هَذِه الطَّرِيقَة مِنْهُم من يتَقَيَّد بِالصَّحِيحِ كالشيخين، وَمِنْهُم من لم يتَقَيَّد بذلك كباقي الْكتب السِّتَّة.
(وَالْأولَى أَن يقْتَصر على مَا صَحَّ، أَو حسن، فَإِن جمع الْجَمِيع، فَليبين عِلّة الضَّعِيف) أَي سبَبه. قَالَ التلميذ: مثل الِانْقِطَاع وَالْوَقْف وَنَحْوهَا. فَقَالَ بعض من يَدعِي علم هَذَا الْفَنّ: ويبوب عَلَيْهِمَا، [قلت: لَيْسَ هَذَا من تَقْرِير مَا ذكر انْتهى. وَفِيه أَنه لَا شكّ أَن التَّبْوِيب عَلَيْهِمَا] أسهل للوصول إِلَيْهَا، وَيعْتَبر من تَقْرِير مَا ذكر اسْتِطْرَادًا، فَلَا تنَافِي لديهما.
стр. 697
(أَو تصنيفه) أَي فِي الطريقتين السابقتين كَمَا بِهِ النَّوَوِيّ.
(على العِلل) بِكَسْر الْعين جمع عِلّة، (فيذكر الْمَتْن وطرقه) أَي أسانيده.
(وَبَيَان اخْتِلَاف نَقَلته) بِفتْحَتَيْنِ جمع ناقل، وَكَانَ الأولى أَن يَقُول: وَيبين اخْتِلَاف نقلته فِيهِ، يَعْنِي بِحَيْثُ يَتَّضِح إرْسَال مَا يكون مُتَّصِلا، ووقف مَا يكون مَرْفُوعا، وَغير ذَلِك كَمَا فعل [٢٥٥ - أ] يَعْقُوب بن شيبَة فِي مُسْنده، وَهُوَ غَايَة مَا فِي بَابه، لكنه / لم يُكمل وَنَحْوه للدارقطني، كَمَا فعل ابْن أبي حَاتِم فِي علله المبوبة وَهِي أَعلَى مرتبَة من كَثْرَة الرِّوَايَة، فَإِن معرفَة الْعِلَل من أجل أَنْوَاع علم الحَدِيث حَتَّى قَالَ ابْن مهْدي: لأنْ أعرف عِلّة حَدِيث هُوَ عِنْدِي، أحب إليّ من [أَن] أكتب عشْرين حَدِيثا لَيْسَ عِنْدِي.
(وَالْأَحْسَن أَن يرتبها) أَي الْعِلَل، (على الْأَبْوَاب لِيسهُلَ تنَاولهَا) أَي أَخذهَا، وتحصيلها.
(أَو يجمعه) أَي تصنيفه بجمعه (على الْأَطْرَاف، فيذكر طرف الحَدِيث) أَي أول مَتنه (الدَّال على بَقِيَّته، وَيجمع أسانيده) أَي ذَلِك الحَدِيث.
(إِمَّا مستوعِباً / ١٥٥ - أ / بِكَسْر الْعين أَي مُسْتَوْفيا لتِلْك الْأَسَانِيد، وَلم يتَقَيَّد
стр. 698
بتخريج أسانيده الْمَذْكُورَة فِي كتب مَخْصُوصَة.
(وَإِمَّا متقيداً بكتب مَخْصُوصَة) أَي غير متقيد بالاستيعاب، وَالله سُبْحَانَهُ أعلم بِالصَّوَابِ.
( [سَبَب وُرُود الحَدِيث] )
(وَمن المهم معرفَة [سَبَب] الحَدِيث) أَي باعث وُرُوده، قَالَ التلميذ: يَعْنِي السَّبَب الَّذِي لأَجله حدث النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم بذلك الحَدِيث كَمَا فِي سَبَب نزُول الْقُرْآن الْكَرِيم انْتهى. وَفِيه فَوَائِد كَثِيرَة، وَإِن كَانَ الْعبْرَة بِعُمُوم اللَّفْظ لَا بِخُصُوص السَّبَب.
(وَقد صنف فِيهِ بعض شُيُوخ القَاضِي أبي يَعلى) بِفَتْح الْيَاء وَاللَّام.
(ابْن الْفراء) بِفَتْح الْفَاء، وَتَشْديد الرَّاء. بَائِع الفرو، أَو صانعه.
(الْحَنْبَلِيّ) مَنْسُوب إِلَى مَذْهَب الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل.
(وَهُوَ أَبُو حَفْص العكبري) بِضَم الْمُهْملَة، وَالْمُوَحَّدَة وَسُكُون الْكَاف فِيمَا بَينهمَا
(وَقد ذكر الشَّيْخ تَقِيّ الدّين بن دَقِيق الْعِيد: أَن بعض أهل عصره شرع فِي جمع ذَلِك) أَي سَبَب وُرُود الحَدِيث، (كَأَنَّهُ مَا رأى) أَي ابْن دَقِيق الْعِيد، أَو بعض أهل عصره، (تصنيف العُكبري [٢٢٥ - ب] مَذْكُور) وَيُمكن أَنه رَآهُ وَأَرَادَ زِيَادَة
стр. 699
على جمعه.
(وصنفوا) أَي الْعلمَاء، (فِي غَالب هَذِه الْأَنْوَاع) أَي أَكْثَرهَا، وَهِي زَائِدَة على الثَّمَانِينَ بل على المئة كَمَا ذكر السخاوي، (على مَا أَشَرنَا إِلَيْهِ) أَي إِلَى تصنيفهم.
(غَالِبا وَهِي أَي هَذِه الْأَنْوَاع الْمَذْكُورَة فِي هَذِه الخاتمة نَقْل مَحْضٌ) بالتوصيف، (ظَاهِرَة التَّعْرِيف) بِالْإِضَافَة.
(مستغنية عَن التَّمْثِيل) أَي عَن إتْيَان الْأَمْثِلَة لظهورها، وَعدم توقفها على معرفَة جزئياتها، وَفِي نُسْخَة زِيَادَة على الْمَتْن.
(وحصرها مُتَعسر) أَي إحصاء الْأَمْثِلَة أَو الْأَنْوَاع، (فَليُرَاجع) بِفَتْح الْجِيم (لَهَا) أَي للأنواع أَو للأمثلة (مبسوطاتها) أَي الْكتب المبسوطة، (ليحصل الْوُقُوف على حقائقها) أَي وَيظْهر الِاطِّلَاع على دقائقها، وَقد ذكرنَا نُبذة يسيرَة مُشْتَمِلَة على فَوَائِد كَثِيرَة، فَإِن مَا لَا يدْرك كُله لَا يتْرك بعضه، بل:
(حُب التناهي غَلَط ... وخيرٌ الْأُمُور الْوسط)
(وَالله سُبْحَانَهُ الْمُوفق) أَي للتحقيق، (وَالْهَادِي) أَي إِلَى سَوَاء الطَّرِيق.
(لَا إِلَه إِلَّا هُوَ) أَي لَيْسَ غَيره بالألوهية حقيق، (عَلَيْهِ توكلت) أَي فِي قبُول
стр. 700
عبادتي، (وَإِلَيْهِ أنيب) أَي أرجع فِي تقصيري ومعصيتي، (وحسبنا الله) أَي كافينا من الشرور، (وَنعم الْوَكِيل) / أَي هُوَ الموكول إِلَيْهِ الْأُمُور، (وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين) الَّذِي يحب من عباده الشكُور، (وَلَا حول) أَي عَن مَعْصِيَته، (وَلَا قُوَّة) أَي على / ١٥٥ - ب / طَاعَته، (إِلَّا بِاللَّه) أَي بمعونته.
(الْعلي الْعَظِيم، وَصلى الله تَعَالَى على سيدنَا ورسولنا مُحَمَّد النَّبِي الْكَرِيم) [وعَلى آله وَصَحبه، وَأَوْلَاده وأزواجه أَجْمَعِينَ] اللَّهُمَّ ارزقنا مُتَابَعَته فِي الدُّنْيَا، وشفاعته فِي العُقْبَى، ومرافقته فِي الرفيق الْأَعْلَى على الْوَجْه الأتم، وَالله تَعَالَى أعلم تمّ [نسخ هَذَا الْكتاب] بِمَكَّة المكرمة [٢٢٦ - أ] المشرفة المعظمة فِي سلك شهور سنة سِتّ بعد الْألف من هِجْرَة خير الْأَنَام على صَاحبهَا آلَاف تَحِيَّة وَألف سَلام، على يَد مُؤَلفه عَليّ الْقَارِي، الْمُحْتَاج إِلَى عَفْو ربه الْبَارِي، غفر ذنُوبه وَستر عيوبه [تمّ الْكتاب وَللَّه الْحَمد]