← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 598

آداب التربية في تراث الآل والأصحاب

أحمد الجابري

Полный текст (200 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وهذه الأمثلة من العبادات المذكورة؛ كالوضوء، والصلاة، والخطابة، ليس المراد بها هنا الحصر، وإنما المراد: ضرب المثل بذكر طريقة التعليم والتربية. وجميع آداب الإسلام وأوامره سائرة على ذات النهج، وإن كان الرسول ﷺ لم يحدِّد لها زمنًا معينًا كالصلاة؛ فكلها تحتاج إلى تعويدٍ مبكِّر، وكلها تحتاج بعد فترة من الوقت إلى الإلزام بها بالحسم إن لم يتعوَّدها الصغير من تلقاء نفسه (١). حسنًا! نلج الآن إلى ما نمهِّد له؛ وهو: أنه بمثل هذه الطرق والأساليب المستخدَمة في التنشئة الإيمانية، تعامل الصحب والآل مع صغارهم، في مختلف أشكال العبادة؛ كالصلاة، والصيام، والحج، وقراءة القرآن، والدعاء، وغير ذلك، وفيما يلي -إن شاء الله- نستعرض صورًا من هذه النماذج التطبيقية التي وصلت إلينا من سيرهم وأخبارهم.

стр. 72

التربية التعبُّدية في تراث الآل والأصحاب تفعل العبادة لله في نفس الصغير فعلًا عجيبًا، فهي تُشعره بالاتصال بالله جلَّ وعلا، وتهدئ من ثوراته النفسية، وتلجم انفعالاته الغضبية، فتجعله سويًا مستقيمًا، إذ كثافة الشهوات ضعيفة في تلك الفترة، مما يجعل روحه تتجاوب أكثر فأكثر بمناجاة الله، ويأخذ الخشوع المساحة الكبرى من جسده، وهو يرتل آية أو يسمعها، أو هو واقف في الصلاة أو ساجد فيها، وهو يسمع أذان الإفطار ليبدأ الطعام والشراب، بعد أن صام يومه، وهناك أسرار كثيرة للعبادة لا تُعدُّ ولا تُحصى، تؤثِّر في الطفل مما يزيد في قوته ونشاطه. وبذلك تفضل التربية الإسلامية عن أي تربية كانت (١). وليس ثمَّ خلافٌ على أنَّ الطفولة والصغر ليست مرحلةَ تكليف، وإنما هي مرحلة إعداد وتدريب وتعويد؛ للوصول إلى مرحلة التكليف عند البلوغ، ليسهل على المسلم أداء الواجبات والفرائض، وليكون على أتم الاستعداد لخوض غمار الحياة بكل ثقة وانطلاق. كما قال أبو العلاء المعرّي:

стр. 73

ويَنشأُ ناشئُ الفتيانِ، مِنّا ... على ما كانَ عَوّدَهُ أبُوه وما دانَ الفتى بحِجًا (١)، ولكن ... يُعَلّمُهُ التّدَيّنَ أقرَبُوه يقول البيهقي: "وهذا شعار الصالحين ومن سلف من المسلمين، يعودون صبيانهم الصوم والصلاة والخير، حتى يتعوَّدوا ذلك" (٢). وقال المهلَّب: "فى هذا الباب وضوء الصبيان وصلاتهم، وشهودهم الجماعات فى النوافل والفرائض، وتدريبهم عليها قبل وجوبها عليهم؛ ليبلغوا إليها وقد اعتادوها وتمرنوا فيها" (٣). وإلى هذا المعنى أشار عبدالله بن مسعود في نصيحته الثمينة للآباء والمربين: «حافظوا على أولادكم في الصلاة، وعلموهم الخير، فإنما الخير عادة» (٤).

стр. 74

فتعويد الأطفال على العبادة من الصغر، وتدريبهم عليها؛ طريقٌ مجرَّب منصوحٌ به من الصحب والسلف. بل فوق ذلك: كان عمر بن الخطاب ﵁ يرى أن الصغير الذي لم يجرِ عليه القلم تُكتَبُ حسناته، ولا تُكتب عليه سيئاته (١). وهذا دافعٌ آخر للآباء والمربين للإقدام على تعويد الصغير على العبادة وممارستها قبل البلوغ. وسيرًا من الصحب والآل الكرام، على منهاج خير الأنام، ﵊، فقد عنوا بتنشئة صغارهم على العبادة، تدريبًا وتعليمًا، أمرًا ونهيًا، إشهادًا وتلقينًا، كما يتضح من هذه النماذج التي بين أيدينا في أصناف العبادة المختلفة؛ ومنها: - الوضوء: مع أن تعليمه لم يُنصَّ عليه بصيغة الأمر كما وقع في شأن الصلاة؛ إلا أنه مما يُفهم بداهة، لكونها لا تُقبل إلا به، ما لم يكن ثمَّ عذرٌ بتركه. وقد سلك الصحب والآل في تعليمه صغارهم كلا الطريقين: النظري، والعملي.

стр. 75

فأما التعليم العملي عن طريق القدوة والمثال: فها هي إحدى الصحابيات صفية بنت أبي عُبيد ﵂، تتوضأ أمام غلام صغير، فيحفظ وضوءها، ليحدِّث به بعد ذلك إمامًا كمالك في زمانه. يقول نافع مولى ابن عمر: رأيت صفية بنت أبي عبيد توضأت وأنا غلام «فإذا أرادت أن تمسح رأسها سلخت الخمار» (١). ومن آل بيته ﷺ : يُحدثنا أبو جعفر الباقر، عن أبيه زين العابدين علي بن الحسين، أن أباه الحسين بن علي قال له: دعاني أبي علي بوضوء، فقربته له، فبدأ فغسل كفيه ثلاث مرات قبل أن يدخلهما في وضوئه، ثم مضمض ثلاثًا، واستنثر ثلاثًا، ثم غسل وجهه ثلاث مرات، ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاثًا، ثم اليسرى كذلك، ثم مسح برأسه مسحة واحدة، ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاثًا، ثم اليسرى كذلك، ثم قام قائمًا، فقال: «ناولني». فناولته الإناء الذي فيه فضل وضوئه، فشرب من فضل وضوئه قائمًا. فعجبتُ، فلما رآني قال: «لا تعجب؛ فإني رأيت أباك النبي ﷺ يصنع مثل ما رأيتني صنعت، يقول لوضوئه هذا، وشرب فضل وضوئه قائمًا» (٢).

стр. 76

وهذا آخَرٌ من صحبه ﷺ لا يكتفي بتعليم صبي من أقاربه، أو غلام من بيته، بل يجمع صبيان قومه جميعًا، مع الكبار من الرجال والنساء؛ ليعلمهم جميعًا الوضوء قبل الصلاة. إنه أبو مالك الأشعري ﵁. خرج إلى قومه؛ فنادى فيهم أن يجتمعوا، بنسائهم وأبنائهم، ليعلمهم صلاة النبي ﷺ ووضوءه، فاجتمع القوم، وجمعوا نساءهم وأبناءهم، فتوضأ وأراهم كيف يتوضأ، فأحصى الوضوء إلى أماكنه (١). ولا شكَّ أن رؤية الصغير لوضوء الكبير له أثر عظيم في تعليمه، وتطبيقه له بشكل عملي صحيح، خاصَّة إذا ما تابع الكبير تقليد الصغير وعمله ليصحِّحَ له إن وقع منه خطأ. وأما التعليم النظري عن طريق التلقين: فمن أمثلته: ما وقع من الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ ابنِ عَفْراء ﵂، إذ جاءها عبدالله ابن محمد بن عقيل بن أبي طالب ليسألها عن وضوء النبي ﷺ ؛ فلقنته إيَّاه نظريًّا. قال عبدالله: دخلت على الربيع بنت عفراء، فقالت: من أنت؟ قلت: أنا عبدالله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب.

стр. 77

قالت: فمن أمُّك؟ قلتُ: رَيْطة بنت علي -أو: فلانة بنت علي بن أبي طالب-. قالت: مرحبا بك يا ابن أختي. قلتُ: جئتك أسألك عن وضوء رسول الله ﷺ ؟ قالت: كان رسول الله ﷺ يصلنا ويزورنا، وكان يتوضأ في هذا الإناء -أو: في مثل هذا الإناء - وهو نحو من مد. ثم ذكرت صفة وضوئه ﷺ (١). ولننتقل الآن إلى عمود الإسلام، والتي كان الوضوء تمهيدًا لها، لنرى كيف اهتم بها الصحب والآل تعليمًا وتربية مع صغارهم: - الصلاة: يتحدث علماء التربية عن أن الصلاة ليست فقط عبادة تربط الصغير منذ نشأته بربه، وتعوده على اللجوء إليه في جميع أحواله، وإنما لها بعدٌ تربوي آخر عندهم، فهي: "من الضوابط التي تعود النفس على أداء

стр. 78

عمل معين في وقت معين، وتلك إحدى وسائل الضبط. كما أنها تعود النفس على التزام الجد فترة من الوقت، وتلك أيضًا إحدى وسائل الضبط. فوق ما ينبغي لها من خشوع وتطهر وتنظف ورعاية. وكلها ضوابط تعود النفس من الداخل على ضبط الشهوات" (١). ولقد مرَّ بنا آنفًا نصيحة ابن مسعود للوالدين والمربين: «حافظوا على أولادكم في الصلاة، وعلموهم الخير، فإنما الخير عادة» (٢). وعقد البيهقي بابًا في كتابه «السنن الكبرى» لأجل هذا المعنى بعنوان: "باب ما على الآباء والأمهات من تعليم الصبيان أمر الطهارة والصلاة" (٣). ولعظم هذا الركن من أركان الإسلام؛ فقد أولاه الصحب والآل مزيد اهتمام ورعاية، وتوجيه وعناية، فتارة يأمرون، وتارة يصححون، وقد يجمعون صغارهم ليدربوهم، وربما إلى المساجد اصطحبوهم. وها هي آثارهم على ذلك شاهدة، وللأنظار ماثلة، ومن ذلك أنهم: ١ - يعلمون صغارهم الصلاة، ويأمرونهم بها في سنٍّ معين: مرَّ معنا آنفًا في صدر هذا الفصل التوقيت الزمني الذي حدَّه النبي ﷺ

стр. 79

لأمر الصبي بالصلاة، وما كان لأصحابه وآله أن يخالفوه، بل هم أولى الناس باتباعه وتنفيذ أمره. هذا حوارٌ بين اثنين من آل بيته ﷺ ، وناقله من نسلهما، يُبين التزامهم بالتوقيت النبوي المحدد لتعليم الصغير الصلاة: يقول حسين بن علي بن الحسين: دخل علينا أبي علي بن حسين ومعه محمد بن علي أبو جعفر, وأنا وجعفر في حائط لنا نلعب، فقال أبي لمحمد: «كم أتى على ابنك جعفر؟» قال: سبع سنين. قال: «فمُرْه بالصلاة» (١). وقد ذكر بعض الأطباء المتخصَّصين في التربية أن الصغير لا يكون مستعدًّا للالتزام بالصلاة -وهي الكتاب الموقوت- قبل بلوغه سبع سنوات، حيث يبلغ عندها مفهوم الزمن لديه درجة من النضج كافية للبدء في أمره بالصلاة خمس مرات في اليوم، مضيفين أن الصغير الذي لم يتكون لديه مفهوم واضحٌ للزمن يعيش يومه وكأنه يعيش في

стр. 80

فلاة بلا معالم تحدد الاتجاهات فيها، نعم، يعيش فيها سعيدًا، لكنه كالتائه، وهكذا بالنسبة للزمن يعيش فيه، لكنه تائه، فإن أُمر بالصلاة في أوقاتها: لم يستطع استيعاب علاقة كل صلاة بوقتها، ولم يدرك سبب اختلاف كل واحدة عن الأخرى من حيث اسمها (الفجر، الظهر، العصر، المغرب، العشاء)، فوقت كل صلاة ملمحٌ أساسٌ في إعطائها هويتها المميِّزة لها (١). لكن صيغة الأمر تختلف عن مطلق التعليم، نعم، كانوا ينتظرون هذا العمر للأمر، أما مطلق التعليم نفسه: فكانوا يبتدؤونه قبل ذلك. فهذا عبدالله بن عمر ﵁ كان يقول: «يُعلَّم الصبيُ الصلاةَ إذا عرف يمينه من شماله» (٢). وهذا من باب التعويد كما مرَّ معنا آنفًا. ٢ - يوقظونهم للصلاة من غير إيجاب: فهي محاولة أخرى لتعويدهم على تعظيم هذه العبادة، وتقديمها على الراحة والدعة، حتى وإن قام فلم يأت بالصلاة على وجهها، لكن تحقق المراد في هذه المرحلة، ومن هذا الفعل؛ وهو: التعظيم. كان عبدالله بن عباس ﵁ يقول لأهل بيته: «أيقظوا الصبي

стр. 81

يصلي، ولو سجدة» (١)! لكن هذه المحاولة لإيقاظهم تجللها الرحمة والشفقة، فإذا ما أبى الصبي الاستيقاظ؛ فليُترك من غير تشديد ولا نكير. فهذا عمر بن الخطَّاب ﵁ يمرُّ بامرأة وهي توقظ صبيًّا لها ليصلي صلاة الصبح، لكنَّ الصبي يتلكأ، ويغلبه الكسل والنوم، والمرأة تحاول، بل ربما رآها عمر تشتد على الصغير؛ فيقول لها معلِّما، وعلى الصغير مشفقًا: «دعيه، لا تُعنِّيه، فإنها ليست عليه حتى يعقلها» (٢). ولأجل هذا، ولخشية بعض الصحب والآل ألا يستجيب الصغار للاستيقاظ، أو أن يغلبهم النوم -في ليل أو نهار- على بعض الصلوات؛ اختاروا لهم طريقة أخرى للمحافظة عليها وعدم تركها؛ وهي: الجمع بينها. فهذا جعفر الصادق، ينقل عن والده الباقر، أن والده زين العابدين

стр. 82

الحسين بن علي كان يأمر الصبيان أن يصلوا الظهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء جميعًا، فيُقال له: يصلون الصلاة لغير وقتها؟! فيقول: «هذا خير من أن يناموا عنها» (١). ٣ - يعلمونهم الصلاة بشكل عملي، وبصورة تطبيقية على أنفسهم: ها هو أحدهم يعود من المدينة النبوية إلى قومه، فينادي فيهم ليجمعهم، رجالًا ونساءً، وصغارًا؛ ليُعلمهم الصلاة بصفتها وهيئتها تعليما عمليًّا؛ إنه: أبو مالك الأشعري ﵁. يقول عبدالرحمن بن غنم: إن أبا مالك الأشعري جمع قومه فقال: «يا معشر الأشعريين اجتمعوا واجمعوا نساءكم، وأبناءكم أعلمكم صلاة النبي ﷺ التي صلى لنا بالمدينة». فاجتمعوا، وجمعوا نساءهم وأبناءهم، فتوضأ وأراهم كيف يتوضأ، فأحصى الوضوء إلى أماكنه حتى لما أن فاء الفيء، وانكسر الظل قام، فأذن فصفَّ الرجال في أدنى الصف، وصف الولدان خلفهم، وصف النساء خلف الولدان، ثم أقام الصلاة، فتقدم فرفع يديه وكبر، فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة، يُسرُّهما، إلى آخر صفة الصلاة.

стр. 83

فلما قضى صلاته أقبل إلى قومه بوجهه، فقال: «احفظوا تكبيري، وتعلموا ركوعي وسجودي؛ فإنها صلاة رسول الله ﷺ التي كان يصلي لنا كذي الساعة من النهار» (١). ٤ - يصلون أمامهم لتعليمهم بالقدوة والمثال: يختلف هذا الفعل عن سابقه: في أن الطريق السابق يعمد فيه المربي إلى الصبي ويقصده فيحضره ويريه الفعل، ويطلب منه أن يصنع مثله، أما هنا: فإنه لا يكلمه، ولا يطلب منه أن يقلده؛ إنما يكتفي فقط أن يفعل أمامه، ويتركه يشاهده، ثم إن بدا للصبي أن يسأل عن شيء سأل فأجابه. والقدوة الصالحة من أعظم المعينات على تكوين العادات الطيبة، حتى إنها لتيسر معظم الجهد في كثير من الحالات، ذلك أن الطفل يحب المحاكاة من تلقاء نفسه، وأطفال المسلمين يحاكون أبويهم في الصلاة حتى من قبل أن يتعلموا النطق! فتصبح سهلة عليهم لاحقًا. هذا جعفر الصادق، يرمق صلاةً معينة لوالده الباقر سنين عددًا،

стр. 84

وهي صلاة ركعتي الفجر؛ ليعطي وصفًا بعد ذلك لمن بعده قائلًا: «ما رأيت أبي يصليهما قط، إلا وكأنه يبادر حاجة» (١). وهذا مصعب بن سعد بن أبي وقَّاص، يراقب أيضًا صلاة والده سعد ﵁، فيلحظ اختلافًا في الهيئة بين حالها في المسجد، وحالها بينهم في بيته؛ فيسأل ليتعلَّم. يقول مصعب: كان أبي إذا صلى في المسجد تجوز وأتم الركوع والسجود، وإذا صلى في البيت أطال الركوع والسجود والصلاة! قلت: يا أبتاه! إذا صليت في المسجد جوَّزت، وإذا خلوت في البيت أطلت؟ قال: «يا بني! إننا أئمة يقتدى بنا» (٢). وظاهرٌ من هذين الأثرين أن الآباء كانت لهم عبادة في بيوتهم، لا يراها إلا صغارهم وآل بيتهم، فيتعلمونها منهم، عن طريق القدوة والمشاهدة. ولربما غفل الصغار عن المتابعة؛ فيحاول الوالد أن يلفت الانتباه لفعله، دون أن يناديهم أو يكلمهم. كما كان يفعل عبدالله بن مسعود ﵁ في بيته، إذ كان «يُسمع

стр. 85

قراءته أهل الدار من الليل» (١). ٥ - يقدمونهم للإمامة إن كانوا جديرين بها: بين زمانٍ يتقاتل فيه الكبار -بغير حقٍّ أحيانًا- على موضع الإمامة، وآخر يتراجع فيه الكبار ليقدموا صغارهم الحفَّاظ للإمامة؛ بونٌ كبير، تظهر آثاره فيما يأتي من جيل. لك أن تتخيل أن صبيًّا فقيرًا لم يبلغ من العمر إلا ست أو سبع سنين، يقدِّمه قومه، وفيهم الوالد، والجد، وصاحب المكانة، وصاحب المال؛ لكنه أحفظ القوم وأقرؤهم؛ فقدَّموه عن طيب نفسٍ منهم. كيف سيكون أثر ذلك في نفس الصبي؟ وكيف ستكون علاقته بالصلاة بعد ذلك، هو وسائر أبناء جيله وعمره؟ إنه عمرو بن سلِمة الجرمي، يحكي للتابعين واقعته الشهيرة، وقصته المثيرة؛ فيقول لهم: كنا بماء ممر الناس، وكان يمر بنا الركبان فنسألهم: ما للناس، ما للناس؟ ما هذا الرجل؟ فيقولون: يزعم أن الله أرسله، أوحى إليه، أو: أوحى الله بكذا، فكنت أحفظ ذلك الكلام، وكأنما يقر في صدري، وكانت العرب تلوم بإسلامهم الفتح، فيقولون: اتركوه وقومه، فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق، فلما كانت وقعة أهل الفتح، بادر كل قوم بإسلامهم، وبدر أبي قومي بإسلامهم، فلما

стр. 86

قدم قال: جئتكم -والله- من عند النبي ﷺ حقا، فقال: «صلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلوا صلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم، وليؤمكم أكثركم قرآنا». قال عمرو: «فنظروا فلم يكن أحد أكثر قرآنا مني، لما كنت أتلقى من الركبان، فقدموني بين أيديهم، وأنا ابن ست أو سبع سنين، وكانت علي بردة، كنت إذا سجدت تقلصت عني، فقالت امرأة من الحي: ألا تغطوا عنا است قارئكم؟ فاشتروا فقطعوا لي قميصا، فما فرحت بشيء فرحي بذلك القميص» (١). ولم يكن هذا الفعل خاصًّا بقبيلة عمرو وحدها، بل حتى في المدينة النبوية، وُجد أمثال هذا الصنيع. تقول أمُّ المؤمنين عائشة ﵂: «كنا نأخذ الصبيان من الكتاب ليقوموا بنا في شهر رمضان, فنعمل لهم القلية (٢) , والخشكنانج (٣)» (٤).

стр. 87

٦ - يصححون لهم أخطاءهم فيها: فلم تتوقف مسؤلية الوالدين ولا المربين عند في التعليم عند إلقاء الأمر فقط؛ بل تمتد للنظر في الفعل وتقويمه وتصحيحه، والتدخل إن احتيج لهذا. هذا عبدالله بن عمر ﵁، يصلي ابنه ذات يوم بجواره فيقلِّده في شيء؛ لكن ابن عمر يتدخل ليعدِّل له فعله الذي قلَّده فيه، مبيِّنًا له سبب ذلك. يقول عبدالله بن عبدالله بن عمر: صلى ابن عمر فتربَّع، ففعلتُ ذلك، وأنا حديث السن، فقال: «ولم تفعل ذلك؟» قلتُ: فإنك تفعله. قال: «إنها ليست من سنة الصلاة، ولكن سنة الصلاة أن تثني اليسرى، وتنصب اليمنى». ثم بيَّن له سبب مخالفته لتلك السنة واعتذاره عنها بقوله: «إني لا يحملني رجلاي» (١). ويمر عمر بن الخطاب ﵁ على ابن له وهو يصلي، لكن يلفت

стр. 88

انتباه عمر فعلٌ خاطئ صنعه الابن، وهو: أن رأسه معقوص (١) أثناء الصلاة؛ وقد نهى النبي ﷺ عن مثل هذا (٢)، فما كان من عمر إلا أن بادر بتغيير هذا الفعل، وتعديل هذا الخطأ؛ فجبذه حتى صرعه (٣). وشبيه بموقف عمر مع ولده، موقف حذيفة بن اليمان ﵁ مع ولده، فعن مجاهد أنه قال: مر حذيفة بابنه وهو يصلي، وله ضفرتان قد عقصهما، فدعا بشفرة فقطع بإحداهما، ثم قال: «إن شئت فاصنع الأخرى كذا، وإن شئت فدعها» (٤).

стр. 89

وتفاعلهم مع الأبناء والصغار وتصحيحهم لهم أثناء أدائهم الصلاة كثيرٌ منتشر، ومن ذلك أيضًا: أن عمر بن الخطاب ﵁ مرَّ بفتى وهو يصلي، فقال له: «فتى، يا فتى» ثلاثًا، حتى رأى عمر أنه قد عرف صوته: «تقدَّم إلى السارية، لا يتلعب الشيطان بصلاتك، فلست برأي أقوله، ولكن سمعته من رسول الله ﷺ » (١). ٧ - يصحبونهم إلى المساجد لربطهم بها، وتعويدهم على الجماعات: لا شكَّ أن هذا الاصطحاب منوطٌ بتمييز الصغار، حتى لا يكون ضرره أكبر من نفعه، وحتى لا تُقدَّم منفعةٌ خاصَّة -وهي: منفعة الصغير- على المنفعة العامَّة -وهي: منفعة عموم المصلين-. وقد مرَّ معنا آنفًا كيف أن صبيًّا صغيرًا ذا ستِّ أو سبع سنوات كان يؤمُّ قومه في الصلاة، وما حكته عائشة ﵂ من تقديم الصغار للإمامة في تروايح رمضان، وهذا واضحٌ وصريحٌ في شهودهم الجماعات، ودخولهم المساجد. كما استنبط العلماء من قول النبي ﷺ : «إني لأقوم في الصلاة أريد أن أطول فيها، فأسمع بكاء الصبي، فأتجوز في صلاتي كراهية أن أشقَّ على أمِّه» (٢)، أن بعض الصحابة كانوا يحضرون أولادهم معهم

стр. 90

إلى المسجد صغارًا (١). وأصرح من هذا: ما ورد في حديث الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ ابنِ عَفْراء ﵂، في صيام عاشوراء، وفيه: «فكنا نصومه ونصومه صبياننا الصغار منهم إن شاء الله، ونذهب (بهم) إلى المسجد» (٢). ولربما اجتمع عددٌ من هؤلاء الصغار في المسجد وقت الصلاة، فيرى بعض الصحابة ألا يوقفهم جميعًا بجوار بعضهم البعض، كما كان يصنع حذيفة بن اليمان ﵁، إذ «كان يفرق بين الصبيان في الصف، أو في الصلاة» (٣). - الصيام: يُعدُّ الصيام -بصفة خاصة من بين العبادات- عملية ضبط قوية فعَّالة، تتمثل فيها بشكل بارز إحدى وسائل الإسلام في التربية عن طريق الضبط. ففي الصيام يمتنع الإنسان -مختارًا- عن كثير من لذائذه المباحة، ويتعود -في إصرار وقوة- أن يرتفع على الرغبة، ويحقق كيانه بذلك الارتفاع.

стр. 91

كما أنَّ الصوم عبادة روحية جسدية في وقت واحد، يتعلم منها الصغير الإخلاص الحقيقي لله، ومراقبته وحده في السر، وتتربى إرادة الطفل بالبعد عن الطعام رغم الجوع، وعن الماء رغم العطش (١). وعبادةٌ بهذا القدر في الإسلام، مع كونها أحد أركانه؛ لم يكن الصحب والآل ليفوتهم محاولة تدريب أبنائهم وصغارهم عليها، وقد عَنْوَن البخاري في صحيحه لما ورد في هذا الباب بقوله: "باب صوم الصبيان" (٢). ومن أشهر ما ورد في هذا الباب: ما حكته الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ ابنِ عَفْراء ﵂ في شأن صيام عاشوراء؛ حيث قالت: "أرسل رسول الله ﷺ غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار، التي حول المدينة: «من كان أصبح صائما، فليتم صومه، ومن كان أصبح مفطرا، فليتم بقية يومه» فكنا بعد ذلك نصومه، ونُصوِّم صبياننا الصغار منهم إن شاء الله، ونذهب إلى المسجد، فنجعل لهم اللعبة من العهن، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناها إياه عند الإفطار (أي: حتى يكون عند الإفطار) " (٣). بل من شهرة هذا الأمر عندهم: احتجَّ به عمر بن الخطَّاب ﵁ على

стр. 92

من خالف الفريضة، وارتكب المحرَّم، وأفطر في نهار رمضان من الكبار. يقول عبدالله بن أبي الهذيل: أُتي عمرُ بشيخ شرب الخمر في رمضان، فلما رُفع إليه عثر، فقال: «على وجهك -أو: بوجهك- (للمِنْخَرين للمِنْخَرين)، (في رمضان) وصبياننا صيام؟ فضربه الحدَّ، (ثمانين)، وكان إذا غضب على إنسان سيَّره إلى الشام، فسيَّره إلى الشام» (١). وقبل أن ننتقل إلى عبادة أخرى من التي ربَّى الصحب والآل صغارهم عليها؛ نؤكِّد على أنه ليست الصلاة والصيام فقط هما اللذان يضبطان سلوك المرء ورغباته، بل كل عبادة هي في الحقيقة ضبط لشهوة من الشهوات، وتعويد للنفس أن تضبط مشاعرها وتضبط سلوكها، وتختار طريقها بين مختلف الطرق، تختار طريق الحقِّ والإحسان والإخلاص. - الزكاة: وهل على الصغير زكاة؟! ربما يطرأ هذا السؤال على أذهان البعض حين يُطالع لأول وهلة عنوان هذه العبادة ضمن ما ربَّى عليه الصحب والآل صغارهم، والجواب: أنَّ الصغير إذا صارت له ذمَّة ماليَّةٌ مستقلة خاصَّة؛ فهنا صار على أمواله

стр. 93

زكاة، يؤدِّيها عنه وليُّه (١)؛ وبهذا يتربَّى الصغار على تعظيم هذه الشعيرة، وأهمية أدائها. يُضافُ إلى هذا: أن بعض أصناف الزكاة فُرضت على الصغير والكبير من المسلمين، فيؤدِّيها عن الصغير وليُّه، كما هو الشأن في زكاة الفطر، وهذا أيضًا له أثره في نفوسهم. يقول عبدالله بن عمر ﵄: «فَرَضَ رسولُ الله ﷺ زكاة الفطر صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير على العبد والحرّ، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تؤدَّى قبل خروج الناس إلى الصلاة» (٢). وأما عن أداء الزكاة من أموال الصغار أنفسهم: فهذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ كان يلي أموال أيتام أبي رافع، فلما دفعها إليهم وجدوها ناقصة! فأتوا عليًّا فأخبروه, فقال: «أحسبتم زكاتها»؟ قالوا: لا. فحسبوا زكاتها فوجدوها سواء, فقال علي: «كنتم ترون أن يكون عندي مال لا أزكيه؟!» (٣).

стр. 94

وعلى منوال علي: نسجت أمُّ المؤمنين عائشة ﵂، إذ كانت تزكي أموال أيتامٍ لها، كانوا في حجرها (١).

стр. 95

- الحج والعمرة: ليُعلَم ابتداءً: أن أئمة الفتوى اتفقوا على سقوط فرض الحج عن الصبى حتى يبلغ، إلا أنه إذا حُجَّ به كان له تطوعًا عند جمهور العلماء (١). فالحج شأنه في حق الصبي شأن الصوم والصلاة، يُعوَّد عليه، ليتهيأ للتكليف الذي ينتظره عند بلوغه؛ فلا يجده صعبًا أو شاقًّا عليه، وإنما يجده سهلًا مألوفًا لديه. والحج -كما هو معروف- يجمع مشقَّات العبادات كلها، بالإضافة إلى أنه يجمع لذتها جميعًا. وهو عبادة بدنية ومالية في آن واحد، فإذا ما حجَّ الصبي؛ فهذه بشارة على سلوك الطاعة مستقبلًا إن شاء الله تعالى. ولأن هذه العبادة تختلف عن سابقتها في الزمان، والمكان، والأعمال، والتنظير فيها لا يجدي كبير نفعٍ؛ فكان سبيل التعليم الأنجع فيها: الممارسة والتطبيق، ومن ثمَّ اصطحب الصحب والآل صغارهم معهم ليعوِّدوهم، ويعلِّموهم. وقد بوَّب البخاريُّ في «صحيحه» لمثل هذا بقوله: "باب حجِّ الصبيان" (٢).

стр. 96

يقول الشافعيُّ: "إن الله بفضل نعمته أثاب الناس على الأعمال أضعافها، ومَنَّ على المؤمنين بأن ألحق بهم ذرياتهم، ووفر عليهم أعمالهم فقال: ﴿ألحقنا بهم ذرياتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء﴾، فلما مَنَّ على الذراري بإدخالهم جنته بلا عمل؛ كان أن مَنَّ عليهم بأن يكتب لهم عمل البر في الحج، وإن لم يجب عليهم من ذلك المعنى" (١). في طريقها للحج: اصطحبت المرأة صغيرها معها، لعلها أرادت أن تُعلِّمه المناسك، وأن تريه المشاهد في سنٍّ مبكرة، بيد أن سؤالًا كان في ذهنها لم تجد من يجيبها عنه، إذ لم يبلغها فيه خبر، وبينما هي مع قومها إذ وصلوا مكانًا يُقال له الرَّوْحاء، قابلوا رجلًا مع أصحاب له، فبادرهم بالسؤال: «من القوم؟» قالوا: المسلمون، ثم بادلوه السؤال بسؤال: من أنت؟ قال: «رسول الله». عند ذلك فزعت المرأة، ورفعت صبيَّها ليراه رسول الله ﷺ ، ولا ندري أيهما كان أسبق، رؤية النبي ﷺ لصغيرها؟ أم سماعه لسؤالها الذي شقَّ جمع القوم: ألهذا حَجٌّ؟ فأجابها ﷺ بما أثلج صدرها، وطمأن قلبها، وشجَّعها على المضيِّ قُدُمًا فيما لأجله تحمَّلت عناء الصبر على صبيِّها: «نعم، ولكِ أجر» (٢). فيا لسعادتها بإجابة جاءت فوق ما كانت ترجو وتتمنَّى.

стр. 97

إذا كان هذا شأنَ امرأة لم تكن من سكَّان المدينة، ولا أكثرت من صحبة النبي ﷺ ، فكيف سيكون حال أصحابه وآله، ممن شاهدوه وصحبوه وتعلموا منه؟! هذا أحد صغار آل بيته في زمانه، خرج به أهله في حجة النبي ﷺ ليشهدها معهم، يقول عن نفسه، واصفًا بعض مشاهده مع ابن عمِّه رسول الله ﷺ : «أقبلت راكبًا على حمار أتان وقد ناهزت الاحتلام -أي: قاربت البلوغ-، ورسول الله ﷺ يصلي بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف، وأرسلت الأتان ترتع، فدخلت في الصف، فلم ينكر ذلك علي» (١). ويقول أيضًا عن حكمٍ خاصِّ تعرَّض له مع أهله، وصار عامَّا في شأن من شابههم: «بعثني -أو: قدمني- النبي ﷺ في الثَّقَل (٢) -أو: في الضَّعَفَةِ- من جَمْعٍ بليل» (٣). إنه الغلام الفقيه: عبدالله بن عباس ﵁. ومن أصحابه ﷺ من حرص على صغاره كحرص آل العباس على

стр. 98

ابن عباس، وإن لم يذكروا هم فعلهم ويحدثوا به؛ إلا أن الصغير افتخر به لما كبر، وصار يحكيه؛ فقال عن نفسه: «حُجَّ (١) بي مع رسول الله ﷺ وأنا ابن سبع سنين» (٢). إنه: السائب بن يزيد ﵁. ولم يكن حفاظهم على هذا لأجل وجود رسول الله ﷺ فقط بينهم، بدليل أنهم واظبوا عليه بعد رحيله ﵊، كما وقع مع عبدالله بن عمر ﵁. يصحبه نافع مولاه في مشهد حجه مع صبيانه وصغاره؛ فيرى مشهدًا ينقله عنه، يقول: "كان ابن عمر يحج بصبيانه، فمن استطاع منهم أن يرمي رمى، ومن لم يستطع رمى عنه" (٣). فما أحسن تعليمهم لصبيانهم، وما أجمل شفقتهم ورحمتهم بصغارهم!

стр. 99

- قراءة القرآن: قبل أن نذكر تربية الصحب والآل لصغارهم على حفظ القرآن، ينبغي علينا أن نُشير إشارة هامة إلى أمر قد يغيب عن بعض أذهان الآباء والمربين؛ ألا وهو: أن للصغير مراحل معينة يجب علينا أن نتركه ليعيشها بتفاصيلها وطبيعتها، دون أن نقيِّده بشيء يصيبه بالملل، أو يجعله ينفر منه؛ ومن أمثلة ذلك: إجبار الصغار على حفظ القرآن في سنٍّ صغيرٍ لا يميزون معه، وإن كانت هناك حالات تختلف باختلاف طبيعة أصحابها. يقول سعيد بن جُبير متحدِّثًا عن طائفة الصحابة والآل: «كانوا يحبون أن يكون يقرأ الصبي بعد حين» (١). وعلَّق الحافظ ابن حجر على أثر سعيد بقوله: "وكلام سعيد بن جبير يدل على أنه يُستحبُّ أن يُترَك الصبي أوَّلًا مُرفَّهًا، ثم يؤخذ بالجد على التدريج. والحق أن ذلك يختلف بالأشخاص، والله أعلم" (٢). وممن كان يترك صغاره دون تعلُّمِ القرآن حتى يميزوا: عمر بن الخطاب ﵁.

стр. 100

يقول عنه ولده عاصم بن عمر: "كان عمر لا يأمر بنيه بتعليم القرآن، إن كان أحد منكم متعلِّمًا فليتعلم من المفصَّل فإنه أيسر" (١). فاستفيد من ذلك: أن الصبي كان يُعلَّم القرآن عند التمييز، ويُبدأ معه من المفصَّل، وهو الذي تقل آياته، ويكثر الفصل بين سوره لقصرها، كما فُعل مع أحد آل البيت؛ وهو: عبدالله بن عباس ﵁. يقول عن نفسه: «توفي رسول الله ﷺ وأنا ابن عشر سنين، وقد قرأتُ المحكَم». فقال له سعيد بن جبير: وما المحكم؟ قال: «المفصَّل» (٢). والعلة في البدء معهم حال التمييز وعدم الانتظار حتى البلوغ؛ أنه أدعى إلى ثبوته ورسوخه عنده، كما يُقال: "التعلُّم في الصغر؛ كالنقش في الحجر" (٣). ولذا حرص الصحب والآل على تعليم الصبيان القرآن، وبوَّب البخاري في «صحيحه» لهذا المعنى؛ فقال: "باب تعليم الصبيان القرآن" (٤). ومن هنا تعدَّدت أساليبهم في تعليم الصبيان القرآن: فتارة يحضُّون على ذلك بالثناء والتشجيع؛ كقول ابن عباس ﵁

стр. 101

في الصغير الذي قرأ القرآن قبل بلوغه: «من قرأ القرآن قبل أن يحتلم؛ فقد أوتي الحكم صبيًّا» (١). وتارة يستخدمون التلقين والتحفيظ إذا ميَّز الطفل، كما مرَّ معنا قبل قليل، ويوصون الآباء ببعض السور خاصة من القرآن، ليعلموها صغارهم. هذا عكرمة مولى ابن عباس، يشهد وصية من هذه الوصايا وينقلها؛ فيقول: قال عبدالله بن عباس ﵁ لرجل: «ألا أطرفك بحديث تفرح به»؟ قال الرجل: بلى، يا أبا عباس، رحمك الله. قال: «اقرأ ﴿تبارك الذي بيده الملك﴾، واحفظها، وعلِّمها أهلك، وجميع ولدك، وصبيان بيتك، وجيرانك. فإنها المنجية، وهي المجادلة تجادل وتخاصم يوم القيامة عند ربها لقارئها، وتطلب إلى ربها أن ينجيه من النار إذا كانت في جوفه، وينجي الله بها صاحبها من عذاب القبر» (٢).

стр. 102

ومن الأساليب التي استخدموها أيضًا: إشهاد الصغار لدعاء ختم القرآن. هذا أنس بن مالك ﵁: «كان إذا ختم القرآن: جمع أهله وولده؛ فدعا لهم» (١). ولربما «أشفى على ختم القرآن من الليل، فيبقي سورة حتى يصبح؛ فيختمه عند عياله» (٢). وهذا تعليم بالقدوة والمثال، فضلًا عن إشهادهم لموضع بركة وخير. - الدعاء: «الدعاء هو العبادة» (٣). إذا كان هذا كلامَ رسول الله ﷺ بهذا اللفظ الجامع الموجز عن

стр. 103

الدعاء، فلنا أن نتصوَّر كيف سيكون حرص الصحب والآل على تعلميه أولادهم، وصغارهم. لم يتوقَّف تعليمهم لصغارهم عند حدِّ جمعهم وقت ختم القرآن كما مرَّ، بل ربما جمعوهم في الأوقات التي علموا استجابة الدعاء عندها؛ ليشهدوهم الدعاء، عمليًّا وتطبيقيًّا. سمع عبدالله بن عمرو يومًا رسول الله ﷺ يقول: «للصائم عند إفطاره دعوة مستجابة»، فكان ابن عمرو إذا أفطر دعا أهله وولده ودعا (١). ولربما رفع بعضهم صوته بالدعاء ليعلِّمه ولده، كما صنع أبو بكرة ﵁. راقب أبا بكرة ولدُه عبدُالرحمن، فلاحظ أنه يدعو بدعاء معيَّنٍ في وقت معين يوميا، فسأله عن سر ذلك؛ فقال: يا أبت! إني أسمعك تدعو كل غداة: «اللهم عافني في بدني، اللهم عافني في سمعي، اللهم عافني في بصري، لا إله إلا أنت، تعيدها ثلاثًا، حين تصبح، وثلاثًا حين تمسي»؟! فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يدعو بهن فأنا أحب أن أستن بسنته (٢).

стр. 104

ولربما عمدوا إلى تلقينهم الدعاء وتحفيظهم إياه، كما كان يفعل سعد بن أبي وقاص ﵁. يقول عمرو بن ميمون الأودي: كان سعد يعلم بنيه هؤلاء الكلمات كما يعلم المعلم الغلمان الكتابة، ويقول: إن رسول الله ﷺ كان يتعوَّذُ منهن دبر الصلاة: «اللهم إني أعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، وأعوذ بك من عذاب القبر» (١). - الجهاد: يرى والده وهو يتجهز للخروج مع النبي ﷺ للجهاد والغزو، ولربما ساعد أمه في تجهيز أبيه، هذا ديدنٌ مشترك بين جلِّ صغار الصحب والآل، الذين عاصروا جزءا من حياة النبي ﷺ ، لكن بعض الآباء لم يكتفوا بهذه المشاهدة، أو المشاركة على استحياء، فوصلوا لمرحلة أكبر من هذا؛ وهي: اصطحابهم معهم إلى المعارك! ومن أوائل هؤلاء: عمر بن الخطاب ﵁ -. يقول ولده عبدالله: «جاء بي أبي يوم أحد إلى النبي ﷺ وأنا ابن أربع عشرة، فلم يجزني النبي ﷺ !

стр. 105

ثم جاء بي يوم الخندق، وأنا ابن خمس عشرة ففرض لي رسول الله ﷺ » (١). ومنهم أيضًا: الزبير بن العوام ﵁ -. يقول عروة ولده: إن أصحاب رسول الله ﷺ ، قالوا للزبير يوم اليرموك: ألا تشد (٢) فنشد معك؟ فقال: «إني إن شددت كذبتم (٣)»، فقالوا: لا نفعل، فحمل عليهم حتى شق صفوفهم، فجاوزهم وما معه أحد، ثم رجع مقبلًا، فأخذوا بلجامه، فضربوه ضربتين على عاتقه، بينهما ضربة ضربها يوم بدر. قال عروة: «كنت أدخل أصابعي في تلك الضربات ألعب وأنا صغير». قال عروة: «وكان معه عبدالله بن الزبير يومئذ، وهو ابن عشر سنين، فحمله على فرس ووكَّل به رجلاً» (٤). وهذه الطريقة في التربية والتعويد على الجهاد ليست متاحةً لكل

стр. 106

الصغار، وإنما الأمر يختلف باختلاف طبائعهم، لكن الملفت هنا في فعل الزبير مع ولده: أنه خشي عليه أن تحرضه نفسه على الهجوم على العدو وتقليد والده وهو في هذه السن؛ لذلك وكَّل به رجلًا! يقول الحافظ: "وكأن الزبير آنس من ولده عبدالله شجاعة وفروسية فأركبه الفرس، وخشي عليه أن يهجم بتلك الفرس على ما لا يطيقه؛ فجعل معه رجلًا ليأمن عليه من كيد العدو إذا اشتغل هو عنه بالقتال" (١). ومن شابه أباه فما ظلم!

стр. 107

الفصل الثالث التربية الأخلاقية

стр. 108

قَبَسٌ نَبَويّ «إنما بُعثت لأتمِّمَ صالح الأخلاق» (١). هكذا أعلنها النبيُّ ﷺ موجَزَة بليغة، للدنيا كلها، صغيرها وكبيرها، ذكرها وأنثاها، ولم يكتفِ بهذا البيان البديع فحسب؛ بل كانت أخلاقه ﷺ وتعاملاته مع الجميع مثالًا عمليًّا، وتجسيدًا حيًّا لمقولته، ولم يكتفِ بذلك: حتى نشر تلك الأخلاق وعلمَّها الصغار والكبار. لما تزوَّج بأمِّ سلمة، كانت ابنتها زينب صغيرة معها، فلربما جاءت أمَّها والنبي ﷺ عندها يغتسل في بيتها، فتصرفها أم سلمة عنها بإرسالها للنبي ﷺ ، فتذهب الصغيرة لتدخل عليه وهو يغتسل، فلا تمنعه شفقته عليها، ورحمته بها، من أن يعلمها ويؤدبها على خُلُق الحياء، وهي في هذا السن؛ فينضح الماء في وجهها، ويقول لها: «ارجعي» (٢).

стр. 109

فانتفعت بتعليمه، ونضحه؛ فلم يزل ماء الشباب في وجهها حتى كبرت (١)! وفي بيت أم سلمة: لا يزال تعليمه للصغار قائمًا، فكان للصبي كما كانت للفتاة نصيبٌ من تهذيب الأخلاق وغرسها، فهذا عُمر بن أبي سلمة، أخو زينب، يجلس على الطعام مع رسول الله ﷺ ، لكنه لم يتعلَّم كيف يأكل في وجود الكبار، وما الآداب التي ينبغي أن يراعيها، فكانت يده تطيش في الصَّحفة، ويأكل من نواحيها، فجاد النبي ﷺ عليه بالتعليم، ولم يمنعه صغر سنه من أن يوجهه؛ فقال له: «يا غُلام! سمِّ الله، وكُل بيمينك، وكُل مما يليك». فانتفع عمر بتلك النصيحة باقي عمره كله؛ حتى أنه ذكر ذلك لما بلغ وقال: فما زالت تلك طِعْمتي بعد (٢). ولم يكن اهتمامه ﷺ بتعليم الصغار وتوجيههم خاصًّا بأهل بيته، أو من هم في حِجْرِه، بل كان كل من يقابله أو يعرض له، وتسنح الفرصة بالتربية والتوجيه؛ لا يتأخر عنه بشيء.

стр. 110

هذا غلامٌ من غلمان الأنصار، شأنه شأن الصغار، لا يكترث بأفعاله وتصرفاته، ويفعل ما يحلو له ويخطر بباله، يتحرك في بساتين المدينة، فإذا ما أحسَّ بجوع؛ التقط الحجر، ورمى النخل، فأسقط ما أسقط من التمر، وأكل! ضاق به أصحاب البساتين، فأخذوه وانطلقوا به إلى النبي ﷺ ، فكيف واجه تلك المشكلة؟ لم يقل للشاكين والمتضررين: إنه غلامٌ صغير، لا يفقه، دعوه حتى يكبر! لا، لم يفعل. ولم يعنِّف الغلام على سوء فعله، وجنايته على حق غيره، بلا مراعاة لسنِّه، لا، لم يفعل. وإنَّما نَظَر إلى الغلام الصغير، وسأله في رفق أمام من أحضروه: «يا رافع! لم ترمي نَخْلَهم؟» فأجاب الغلام ببراءة وعفوية الصغار: الجوع يا رسول الله، أريد أن آكل. فنصحه بما يسدُّ حاجته، ولا يؤذي غيره؛ فقال له: «فلا ترمِ النخل، وكُلْ ما يسقط في أسافلها». هكذا أدَّبه بعدم التعدِّي على حقِّ غيره، وسمح له بما تحتاج إليه نفسه، ولم يكتفِ بذلك؛ بل أَشْعَره مع النصح، بالشفقة والحب؛ فمسح رأسه، ودعا له: «اللهم أشبع بطنه» (١).
следующие страницы →