← Акыда

Акыда · id 599

مختصر المختصر في بيان عقيدة أهل السنة والأثر

عبد الهادي العمري

Полный текст (56 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مختصر المختصر في بيان عقيدة أهل السنة والأثر تأليف الدكتور عبد الهادي بن عوض العمري عضو الجمعية العلمية السعودية لعلوم العقيدة والأديان والفرق والمذاهب بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية الطبعة الأولى ١٤٤١ هـ - ٢٠١٩ م

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدِّمة "الحمدُ للهِ الذي جعل في كلِّ زمانٍ ثُلَّةً من أهلِ العلمِ يدعون من ضلَّ إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يُحيون بكتابِ الله الموتى، ويُبَصِّرون بنورِ الله أهل العمى، فكم من قتيلٍ لإبليسَ قد أحيوه! وكم من تائهٍ ضالٍّ هدوه! فما أحسن أثرهم على النَّاس وأقبح أثر النَّاس عليهم، ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، الذين عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا عنان الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، متفقون على مفارقة الكتاب، يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم، يتكلَّمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهَّال الناس بما يلبسون عليه فنعوذ بالله من فتن المضلِّين" (١). والصَّلاة والسَّلام على إمام المتقين، وقائد الغرِّ المحجَّلين نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين. أمَّا بعد: فلقد دأب نبيُّنا محمَّدٌ ﷺ على تقرير العقيدة منذ أن نُبِّئ بـ ﴿اقرأ﴾ وأُرسل بالمدثِّر، ولكن بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى وبعد مُضيِّ عصر الخلافة

стр. 4

الراشدة ظهرت الفرق المخالفة لما كان عليه ﷺ وأصحابه حتى التبس على كثيرٍ من النَّاس ما كان عليه هدي نبيِّها، وسلفها الصالح؛ بفعل أئمَّةٍ ضُلَّال، وسفهاء جُهَّال؛ فأصبح لزامًا على كلِّ من أراد النجاة لنفسه والسلامة لدينه أن يعلم ما يجلو به عن نفسه ذلك اللَّبس؛ ليتبيَّن له الحقُّ ويعمل على هدى ونور. ومن هنا بدأت فكرة هذه الورقات المختصرة لبيان عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة ومنهجهم المستقيم، وتمييزها عمَّا لبَّسه المخالفون، وانتهجه المبطلون. وبعد أن كتبتُ مباحثها، وراجعتُ مادَّتها وقع الاختيار على تسمية تلك الورقات بـ (مختصر المختصر في بيان عقيدة أهل السُّنَّة والأثر)، وجاءت في مقدِّمة، وفصلين، وخاتمة، ثم ثبت المصادر والمراجع، وفهرس الموضوعات. المقدِّمة: توطئة بين يدي البحث. الفصل الأول: التعريف بأهل السُّنَّة والجماعة. وفيه خمسة مباحث: المبحث الأول: تعريف أهل السُّنَّة لغةً واصطلاحًا. المبحث الثاني: تعريف السُّنَّة لغةً واصطلاحًا. المبحث الثالث: تعريف الجماعة لغةً واصطلاحًا. المبحث الرابع: نشأة مصطلح أهل السُّنَّة والجماعة. المبحث الخامس: أدلة التسمية بأهل السُّنَّة والجماعة.

стр. 5

الفصل الثاني: سمات أهل السُّنَّة والجماعة والجماعة. وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: الأسماء التي عُرف بها أهل السُّنَّة تمييزًا عن غيرهم. المبحث الثاني: خصائص أهل السُّنَّة والجماعة. المبحث الثالث: مصادر التلقِّي عند أهل السُّنَّة والجماعة. الخاتمة: وفيها تلخيصٌ لأهمِّ نتائج البحث. وأسال الله تعالى أن ينفع بهذا البحث كاتبه وقارئه، وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم.

стр. 6

الفصل الأول: التعريف بأهل السنة والجماعة وفيه خمسة مباحث: المبحث الأول: تعريف أهل السَّنَّة لغة واصطلاحا. المبحث الثاني: تعريف السَّنَّة لغة واصطلاحا. المبحث الثالث: تعريف الجماعة لغة واصطلاحا. المبحث الرابع: نشأة مصطلح أهل السَّنَّة والجماعة. المبحث الخامس: أدلة التسمية بأهل السَّنَّة والجماعة.

стр. 7

المبحث الأول: التعريف بأهل السُّنَّة أهل الشيء هم أخصُّ الناس به، ويأتي في المعنويات وفي المحسوسات يقال في اللُّغة: أهل الرجل: أخصُّ الناس به، وأهلُ البيت: سكَّانه، وأهل الأمر: ولاته، وأهل المذهب: مَن يدين به (١). وإذا أُطلق مصطلح أهل السُّنَّة فالمراد به أحد معنيين: المعنى الأول: معنى عامٌّ فيدخل فيه كل ما سوى الرافضة (٢)، من الطوائف المنتسبة للإسلام. فيقال المنتسبون للإسلام قسمان: أهل السُّنَّة والشيعة، كما بيَّن ذلك شيخ الإسلام ﵀: "هو المعنى المشهور عند العامَّة، فإنهم لايعرفون ضد السنِّي إلا الرافضي، فإذا قال أحدهم: أنا سنِّيٌّ فإنما معناه عندهم: لست رافضيًّا" (٣).

стр. 8

وقد ورد عن بعض السلف هذا المعنى، فقد سُئل سفيان الثوري ﵀ يا أبا عبد الله ما موافقة السُّنَّة؟ فقال: "القرآنُ كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود من قال غير هذا فهو كافر، والإيمان قولٌ وعملٌ ونيَّة يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ولا يجوز القول إلا بالعمل، ولا يجوز القول والعمل إلا بالنيَّة، ولا يجوز القول والعمل والنيَّة إلا بموافقة السُّنَّة. فقال شعيبٌ فقلتُ له: يا أبا عبد الله وما موافقة السُّنَّة؟: قال تقدمة الشيخين أبي بكر وعمر ﵄ " (١). المعنى الثاني: معنى خاصٌّ، وهو ما يقابل المبتدعة وأهل الأهواء، وهو الأكثر استعمالًا وعليه كتب الجرح والتعديل (٢). قال أبو حاتم الرازي ﵀ عما ما وُصِف به الإمام مالك ﵀ من أنه جمع بين السُّنَّة والحديث، فأجاب ﵀: "سمعت أحمد بن سنان الواسطي يقول: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: سفيان الثوري إمامٌ في الحديث، وليس بإمام في السُّنَّة، والأوزاعي إمامٌ في السُّنَّة وليس بإمامٍ في الحديث، ومالك إمامٌ فيهما جميعًا" (٣).

стр. 9

المبحث الثاني: تعريف السُّنَّة لغةً واصطلاحًا السُّنَّة في اللغة: مشتقَّةٌ من سنَّ الشيء: إذا أرسله، قال ابن فارس: «السين والنون أصلٌ واحدٌ مطرد، وهو جريان الشيء واطرادُهُ في سهولة، والأصل قولهم سَنَنْتُ الماءَ على وجهي أسُنُّهُ سَنًّا: إذا أرسلتُه إرسالًا» (١)، وهي الطريقة والسيرة (٢). قال الأزهري: السُّنَّة: الطريقة المحمودة المستقيمة، ولذلك قيل فلان من أهل السُّنَّة معناه: من أهل الطريقة المستقيمة المحمودة (٣). أما في اصطلاح المحدثين فهي: ما أُثر عن النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خَلْقيَّة أو خُلُقيَّة أو سيرة، سواءً كان قبل البعثة أو بعدها (٤). وفي اصطلاح الأُصوليين تُطلق السُّنَّة "على ما جاء منقولًا عن النَّبي

стр. 10

- ﷺ على الخصوص مما لم ينص عليه في الكتاب العزيز بل إنما نص عليه من جهته ﵊، كان بيانًا لما في الكتاب أولًا، وتطلق على ما جاء عن النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير" (١). وتطلق السُّنَّة في مقابلة البدعة، قال الشاطبي ﵀: "ويُطلق - أي لقب السُّنَّة- في مقابلة البدعة فيقال: فلانٌ على سُنَّة إذا عمل على وفق ما عليه النبي ﷺ كان ذلك مما نص عليه في الكتاب أولًا ويقال: فلان على بدعة: إذا عمل على خلاف ذلك" (٢). وقال ابن رجب ﵀: "السُّنَّة: هي الطريق المسلوك فيشمل ذلك التمسك بما كان عليه النبي ﷺ وخلفاؤه الراشدون من الاعتقادات والأعمال والأقوال، وهذه هي السُّنَّة الكاملة، ولهذا كان السلف قديمًا لايطلقون السُّنَّة إلا على ما يشمل ذلك كله، وروي ذلك عن الحسن، والأوزاعي، والفضيل بن عياض" (٣).

стр. 11

المبحث الثالث: تعريف الجماعة لغةً واصطلاحًا الجماعة في اللغة، من (جمع)، قال في الصَّحاح: "الجمعُ: مصدرٌ مؤكّد جَمَعتُ الشيء، وقد يكون اسمًا لجماعة الناس، والجمع على جموع ... " (١). وفي لسان العرب: "الجمعُ: اسمٌ لجماعةِ الناس، والجَمْعُ مصدرٌ مؤكّد جمعت الشيء والجمع: المجتمعون، وجمعه: جموع، والجماعة والجميع والمجْمع، كالجمع" (٢). وفي الاصطلاح: هي لزوم الحق ولو كنت وحدك (٣)، قال الإمام البربهاري ﵀ في تعريفه للجماعة:

стр. 12

"والجماعة ما اجتمع عليه أصحاب رسول الله ﷺ في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ " (١). وقال أيضًا: "والأساس الذي بيَّنا عليه الجماعة هم أصحاب محمد ﷺ ﵏ أجمعين وهم أهل السُّنَّة والجماعة" (٢). وقال العلامة عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف - بأبي شامه- "وحيث جاء الأمر بلزوم الجماعة فالمراد به لزوم الحق وأتباعة، وإن كان المستمسك بالحق قليلًا، والمخالف كثيرًا؛ لأن الحق هو الذي كانت عليه جماعة الجماعة الأولى من النبي ﷺ وأصحابه ﵃، ولانظر إلى كثرة أهل الباطل بعدهم" (٣). وقال القاضي ابن أبي العز الحنفي: "والجماعة جماعة المسلمين وهم الصحابة ﵃ والتابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين" (٤). ونلحظ أن هناك علاقةً وطيدةً بين مصطلح السُّنَّة ومصطلح الجماعة. قال ابن عباس ﵄ في قول الله تعالى: " ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ

стр. 13

وُجُوهٌ﴾ (١) "فأمَّا الذين ابيضَّت وجوههم فأهل السُّنَّة والجماعة" (٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "والبدعة مقرونة بالفرقة، كما أن السُّنَّة مقرونة بالجماعة، فيقال أهل السُّنَّة والجماعة؛ كما يقال أهل البدعة والفرقة" (٣).

стр. 14

المبحث الرابع: نشأة مصطلح أهل السُّنَّة والجماعة يرجع تاريخ إطلاق هذا اللفظ إلى صدر الإسلام عصر النبوة والقرون المفضَّلة، قال ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ (١): "فأما الذين ابيضت وجوههم فأهل السُّنَّة والجماعة وأولوا العلم، وأما الذين اسودَّت وجوههم فأهل البدع والضلالة" (٢). وقال الشيخ الدكتور محمد الخميس- حفظه الله-: "ومصطلح أهل السُّنَّة والجماعة مصطلحٌ قديم، ويُقصد به: المتمسِّكون بسُنَّة النبي ﷺ وأصحابه ﵃ وتابعيهم، المتمسكون بما كان عليه جماعة المسلمين في الصدر الأول، وقد استنبط هذا المصطلح من الأحاديث التي تحض على اتباع السُّنَّة والتمسك بها والأمر بلزوم الجماعة وترك التفرُّق والاختلاف، فمن ذلك قوله ﷺ : «افترقت اليهود والنصارى على إحدى وسبعين أو ثنتين وسبعين فرقة كلها في النار، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار، إلا واحدة وهي الجماعة» (٣)، فهذا أصل التسمية، وقد استعمل هذا المصطلح

стр. 15

عند السلف حيث كانوا يدوّنون ما ينقلونه من عقائد أهل السُّنَّة كالإمام أحمد وابنه عبد الله وابن أبي عاصم والخلال وغيرهم، وسُمي أهل السُّنَّة بذلك؛ لأنهم الآخذون بسُنَّة رسول الله ﷺ العاملون بها و بمقتضاها المتبعون لقول رسول الله ﷺ : «عليكم بسُنَّتي» (١)، وأما تسميتهم؛ فلأنهم اجتمعوا على الحق وأخذوا به" (٢). ولقد أُطلق هذا اللَّقب على كثيرٍ من أئمة السلف وسأذكر بعضًا منهم على سبيل المثال لا الحصر. قال أيوب السختياني: "إني أخبر بموت الرَّجل من أهل السُّنَّة وكأني أفقد بعض أعضائي". وقال أيضًا: "إن من سعادة الحدث والأعجمي أن يوفقهما الله لعالم من أهل السُّنَّة" (٣). وقال ابن جرير الطبري ﵀: "وأما الصواب من القول في رؤية المؤمنين

стр. 16

ربهم يوم القيامة وهو ديننا الذي ندين الله به، وأدركنا عليه أهل السُّنَّة والجماعة فهو أن أهل الجنة يرونه على ما صحَّت به الأخبار عن رسول ﷺ " (١). وذكر هذا أيضًا أبو جعفر أحمد بن محمد الطحاوي بقوله: "هذا ذكر بيان اعتقاد أهل السُّنَّة والجماعة" (٢).

стр. 17

المبحث الخامس: أدلة التسمية بأهل السُّنَّة والجماعة أما تسمية أهل السُّنَّة والجماعة بهذا الاسم فهي ثابتةٌ بالنصوص الشرعية. أولًا: من القرآن قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (١). قال الشيخ السعدي ﵀: هذه الآية فيها الحثُّ على التمسُّك بحبل الله الذي أوصله إليهم، وجعله السبب بينهم وبينه وهو دينه وكتابه، والاجتماع على ذلك وعدم التفرُّق، وأن يستديموا ذلك إلى الممات (٢). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٣). قال الشيخ السعدي ﵀: "دلَّت الآية الكريمة أن الدين يأمر بالاجتماع والائتلاف وينهى عن التفرُّق والاختلاف في أهل الدين وفي سائر مسائله الأصوليَّة والفروعيَّة" (٤).

стр. 18

وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (١). وجه دلالة الآية أن الله تعالى جمع بين مشاقة الرسول ﷺ وبين مخالفة سبيل المؤمنين في الوعيد، فلو كان اتباع غير سبيل المؤمنين مباحًا لما جمع بينه وبين المحظور ومتابعة غير سبيلهم تقع بمخالفة أقوالهم أو أفعالهم (٢). وقال تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ (٣). قال الشيخ السعدي ﵀ في بيان الاستدلال بالآية: "وهم المؤمنون بالله وملائكته ورسله، المستسلمون لربهم، المنيبون إليه، واتِّباع سبيلهم أن يسلك مسلكهم في الإنابة إلى الله " (٤). ثانيًا: من السُّنَّة عن معاوية بن أبي سفيان ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أهل الكتاب افترقوا في دينهم على اثنتين وسبعين ملة وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة -يعني الأهواء- كلها في النار إلا واحدة وهي: الجماعة

стр. 19

وإنه سيخرج في أمتي أقوامٌ تجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكَلَبُ (١) بصاحبه، لايبقى منه عرق ولا مفصل إلادخله" (٢). وفي هذا تشبَّيه من النبي ﷺ لحال الزائغين من أهل البدع في استيلاء تلك الأهواء عليهم، وذهابها في كلِّ وادٍ مُرْدي، وفي سريان تلك الضلالة منهم إلى الغير يدعونهم إليها، ثم تنفرهم من العلم، وامتناعهم من قبوله حتى يهلكوا جهلًا -بحال صاحب الكَلَب، وسريان تلك العلَّة في عروقه ومفاصله، وحصول شبه الجنون منه ثم تعديه إلى الغير- بعقره إياه، وتنفره من الماء، وامتناعه عنه حتى يهلك عطشًا (٣). وقال ﷺ لحذيفة بن اليمان ﵁: «تلزمُ جمَاعةَ المسلمين وإمامَهم» (٤).

стр. 20

وقوله: «تلزم جماعة المسلمين»، أُخذ منه لفظ: أهل السُّنَّة والجماعة، وذلك لكون الحق في جماعة المسلمين في الأغلب (١). وفي الصحيحين عن أنس ﵁ في قصة الثلاثة الذين جاءوا بيوت النبي ﷺ فقال أحدهم: أُصلي اليل أبدًا، وقال الآخر: أصوم الدهر ولا أفطر، وقال الآخر: أنا اعتزل النساء فلا أتزوج، فقال رسول الله ﷺ لهم: «أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكنِّي أصوم وأفطر وأُصلِّي وأرقد وأتزوج النساء فمنْ رغب عن سنَّتي فليس منِّي» (٢). وهذا دليلٌ على أنَّ المشروع هو الاقتصاد في الطاعات؛ لأن إتعاب النفس فيها والتشديد عليها يفضي إلى ترك الجميع، والدين يسر، ولن يشاد الدين أحدٌ إلا غلبه، والشريعة المطهَّرة مبنيَّةٌ على التيسير وعدم التنفير، وقوله: «فمن رغب عن سنَّتي فليس منِّي» المراد بالسُّنَّة: الطريقة، والرغبةُ: الإعراض، وأراد ﷺ أن التارك لهديه القويم المائل إلى الرهبانية خارج عن الاتباع إلى الابتداع (٣).

стр. 21

وهناك أصول من التزم بها كان من أهل السُّنَّة والجماعة، قيل لسهل ابن عبد الله التستري متى يعلم الرجل أنه على السُّنَّة والجماعة؟ قال: إذا عرف من نفسه عشر خصال: لا يترك الجماعة، لا يسب أصحاب النبي ﷺ ، لا يخرج على هذه الأمه بالسيف، ولا يكذِّب بالقدر، لا يشك في الإيمان، لا يماري في الدين، لا يترك الصلاة على من يتوب من أهل القبلة بالذنب، لا يترك المسح على الخفين، لا يترك الجمعة خلف كل والٍ جَار أوعدل (١). وقال الإمام أحمد ﵀: "أصول السُّنَّة عندنا: التمسُّك بما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ ... " (٢)، ثم ذكر جملة من عقائد السلف. ويقول ابن حزم ﵀: "وأهل السُّنَّة الذين نذكرهم أهل الحق، ومن عداهم فأهل البدعة، فإنهم الصحابة ﵃، ومن سلك نهجهم من خيار التابعين، ثم أصحاب الحديث ومن اتبعهم من الفقهاء جيلًا فجيلًا إلى يومنا هذا، ومن اقتدى بهم من العوام في شرق الأرض وغربها ﵏" (٣). وقال الأصبهاني بعد كلامه عن أهل الأهواء: "وأما أهل الحق فجعلوا

стр. 22

الكتاب والسُّنَّة إمامهم، وطلبهم الدين من قبَلهما، وما وقع لهم من معقولهم وخواطرهم عرضوه على الكتاب والسُّنَّة فإن وجدوه موافقًا لهما قبلوه، وشكروا الله حيث أراهم ذلك ووفقهم إليه، وإن وجدوه مخالفًا لهما تركوا ما وقع لهم، وأقبلوا على الكتاب والسُّنَّة، ورجعوا بالتهمة على أنفسهم" (١). وقال السجزي ﵀: "فأهل السُّنَّة: هم الثابتون على اعتقاد ما نقله إليهم السلف الصالح ﵏ عن الرسول ﷺ ؛ لأنهم ﵃ أئمة، وقد أُمرنا باقتفاء آثارهم واتباع سُنَّتهم، وهذا أظهر من أن يحتاج فيه إلى إقامة برهان، والأخذ بالسُّنَّة واعتقادها مما لامرية في وجوبه" (٢). وللإمام البربهاري ﵀ عبارة وَصَف بها أهل السُّنَّة فقال: "اعلم أن الإسلام هو السُّنَّة، والسُّنَّة هي الإسلام ولا يقوم أحدهما إلا بالآخر، فمن السُّنَّة لزوم الجماعة، ومن رغب غير الجماعة وفارقها فقد خلع ربقة (٣) الإسلام من عنقة وكان ضالًا مضلًا" (٤).

стр. 23

وفي تحديده لضابط صاحب السُّنَّة قال: "أصل اثنين وسبعين هوى: أربعة أهواء، فمن هذه الأربعة الأهواء تشعبت الاثنان وسبعون هوى: القدرية، والمرجئة، والشيعة، والخوارج، فمن قدَّم أبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا على أصحاب رسول الله ﷺ ولم يتكلَّم في الباقين إلا بخير ودعا لهم فقد خرج من التشيُّع أوله وآخره، ومن قال: الإيمان قولٌ وعملٌ يزيد وينقص فقد خرج من الإرجاء أوله وآخره، ومن قال: الصلاةُ خلف كلِّ برٍّ وفاجر، والجهاد مع كلِّ خليفة، ولم ير الخروج على السلطان بالسيف، ودعا لهم بالصلاح، فقدخرج من قول الخوارج أوله وآخره، ومن قال: المقادير كلُّها من الله خيرها وشرها، يضل من يشاء ويهدي من يشاء، فقد خرج من قول القدرية أوله وآخره وهو صاحب سُنَّة" (١). ووصفهم شيخ الإسلام ﵀ بأنهم وسط في سائر أبواب السُّنَّة؛ "لأنهم متمسِّكون بكتاب الله وسُنَّة رسول الله ﷺ وما اتفق عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان إلى يوم الدين" (٢). وقال أيضًا: «فمن قال بالكتاب و السُّنَّة والإجماع كان من أهل السُّنَّة والجماعة" (٣).

стр. 24

فمن سلم من البدع وتمسَّك بهدي النبي ﷺ كان من أهل السُّنَّة والجماعة. قال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: «فأهل السُّنَّة المحضة السالمون من البدع الذين تمسكوا بما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه في الأصول كلها، أصول التوحيد والرسالة والقدر ومسائل الإيمان وغيرها، وغيرهم من خوارج ومعتزلة وجهمية وقدرية ورافضة ومرجئة ومن تفرَّع عنهم كلهم من أهل البدع الاعتقادية" (١). ووصفهم الشيخ بكر أبو زيد ﵀ فقال: "أهل السُّنَّة والجماعة الذين درجوا على منهاج النبوة، ولم ينفصلوا عنها ولا لحظة واحدة لا باسم ولا برسم، فليس لهم شخص ينتمون إليه سوى منهاج النبوة (الكتاب والسُّنَّة) إذ الأصل لا يحتاج إلى سمة خاصة تميّزه، إنما الذي يحتاج إلى اسمٍ معيَّن هو الخارج من هذا الأصل من تلكم الجماعات التي انشقت من الأصل" (٢).

стр. 25

الفصل الثاني: سمات أهل السنة والجماعة وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: الأسماء التي عرف بما أهل السنة تمييزا عن غيرهم. المبحث الثاني: خصائص أهل السَّنَّة والجماعة. المبحث الثالث: مصادر التلقي عند أهل السَّنَّة والجماعة.

стр. 26

المبحث الأول: الأسماء التي عُرف بها أهل السُّنَّة تمييزًا عن غيرهم كان الصحابة ﵃ يتسمّون بما سمَّاهم الله ممتثلين قول الله تعالى: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (١)، بل كان السلف يحذرون من التسمِّي بغير الإسلام والسُّنَّة، قال ميمون بن مهران: "إياكم وكل اسم يسمَّى بغير الإسلام" (٢)، ولكن لما ظهرت البدع وتعددت فرق الضلال وأخذ كل صاحب بدعه يدعو إلى بدعته مع انتسابهم في الظاهر إلى الإسلام أصبح لزامًا على أهل الحق المتمسِّكين بهدي النبي ﷺ أن يُعرفوا بأسماء تميزهم عن أهل الأهواء والبدع، ومن تأمل أسماء أهل السُّنَّة وجدها تدلُّ على الإسلام، ولا ينتسبون لشخصيات كحال أهل البدع، كالجهمية نسبةً إلى الجهم، والزيدية نسبةً إلى زيد بن على بن الحسين، ... وغيرهم. فأسماء أهل السُّنَّة مستنبطة من الإسلام وسأذكر بعضًا من أسمائهم. ١ - الفرقة الناجية أُخذ هذا اللقب من قول النبي ﷺ لما سأله الصحابة ﵃ قالوا: يا رسول الله مَنْ الفرقة الناجية؟ قال رسول الله ﷺ : "إن أمتي ستفترق على اثنتين

стр. 27

وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة" (١). ويقول شيخ الإسلام في جوابه لسؤال عن حديث افتراق الأمه: "الحمد لله الحديث مشهور في السنن والمسانيد كسنن أبي داود، والترمذي والنسائي وغيرهم، وفي رواية قالوا: يا رسول الله مَنْ الفرقة الناجية؟ قال: «مَنْ كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي»، وفي رواية قال: «هي الجماعة يد الله على الجماعة» (٢). وعلى كل فإن التسمية سواء أُخذت من منطوق الحديث أو مفهومه فهي تسمية شرعية. ولقد عقد البغدادي بابًا في كتابه عَنْونَ له بـ (بيان أوصاف الفرقة الناجية، وتحقيق النجاة لها، وبيان محاسنها) (٣). ويقول الشيخ حافظ حكمي ﵀: "وقد أخبر الصادق المصدوق أن الفرقة الناجية هم من كان على مثل ما كان عليه هو وأصحابه وإنما تصلح هذه الصفة لحملتها وحُفَّاظها المنقادين لها المتمسِّكين بها، أعني بذلك أئمة الحديث وجهابذة السُّنَّة" (٤).

стр. 28

٢ - الطائفة المنصورة وهذا دلَّ عليه قول النبي ﷺ : «لاتزال طائفةٌ من أمَّتي منصورين لا يضرُّهم من خذلهم حتى تقوم الساعة» (١). وقال ﷺ : «لاتزال طائفةٌ من أمَّتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون» (٢). ٣ - أهل الحديث والأثر سُمُّوا بذلك لاشتغالهم بحديث رسول الله ﷺ وآثار صحابته ﵃، قال الإمام أحمد: دين النَّبي محمَّدٍ أخبارُ ... نعم المطيَّة للفتى آثارُ لا ترغبنَّ عن الحديثِ وآلِهِ ... فالرأيُ ليلٌ والحديثُ نهارُ (٣) وقال السَّفَّاريني ﵀: اعلم هديتَ أنَّه جاء الخبرْ ... عن النَّبي المقتفى خير البشرْ

стр. 29

بأنَّ ذي الأمة سوف تفترقْ ... بضعًا وسبعين اعتقادًا والمحقْ ما كان في نهجِ النَّبي المصطفَى ... وصحبه من غير زيغٍ وجفَا وليس هذا النصُّ جزمًا يعتبرْ ... في فرقةٍ إلا على أهلِ الأثرْ (١) وقال أيضًا: " ... الذين يأخذون عقيدتهم عن كتاب الله أو سنة نبيه ﷺ أو ما ثبت وصحَّ عن السلف الصالح من الصحابة ﵃ والتابعين" (٢). وهم في ذلك يجمعون بين رواية الحديث، واعتقاده والعمل به، قال ابن تيمية ﵀:"ونحن لا نعني بأهل الحديث: المقتصرين على سماعه أو كتابته أو روايته بل نعني بهم: كل من كان أحقَّ بحفظه، ومعرفته، وفهمه: ظاهرًا، وباطنًا، واتباعه: باطنًا وظاهرًا، وكذلك أهل القرآن، وأدنى خصلة في هؤلاء: محبَّة القرآن والحديث والبحث عنهما، وعن معانيهما، والعمل بما علموه من موجبهما ... " (٣). وقال أيضًا: "فهم أعلم الناس بأقواله ﷺ وأحواله، وأعظمهم تمييزًا

стр. 30

بين صحيحهما، وسقيمهما، وأئمتهم فقهًا فيها، وأهل معرفة بمعانيها، واتباع لها تصديقًا، وعملًا، وحبًّا وموالاة لمن والاها، وبغضًا ومعاداة لمن عاداها" (١). ٤ - الجماعة قال رسول الله ﷺ : «إن أهل الكتاب افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملَّة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملَّة كلها في النار إلا واحدة وهي: الجماعة وإنه سيخرج في أُمتي أقوام تجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكَلَب بصاحبه، لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله ... » (٢). وقال ابن أبي العز: "والجماعة جماعة المسلمين وهم الصحابة ﵃ والتابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين" (٣).

стр. 31

المبحث الثاني: خصائص أهل السُّنَّة والجماعة لأهل السُّنَّة خصائص كثيرة تميزهم عن أهل الأهواء والبدع منها: أولًا: أهل السُّنَّة لا يبدِّع بعضهم بعضًا بمجرَّد خطأ في الاجتهاد هذه المسألة من المسائل العظيمة التي قرَّرها أهل السُّنَّة والجماعة، وخالفوا فيها أهل البدع من الخوارج والمعتزلة ومن نحا نحوهم، والأدلة على ذلك مستفيضة من الوحيين وكلام العلماء. أولًا: من القرآن قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (١). ولقد أمر الله بتقواه بقدر الاستطاعه، قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٢).

стр. 32

وحرَّر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ هذه المسألة قائلًا: "دلَّت هذه النصوص على أنه لايكلِّف نفسًا ما تعجز عنه، خلافًا للجهمية المجبرة، ودلَّت على أنه لا يؤاخذ المخطئ والناسي خلافًا للقدرية والمعتزلة، وهذا فصل الخطاب في هذا الباب، فالمجتهد المستدل من إمام وحاكم وعالم وناظر ومفت وغير ذلك إذا اجتهد واستدل فاتقى الله ما استطاع كان هذا هو الذي كلفه الله إياه، وهومطيع لله مستحق للثواب إذا اتقاه ما استطاع، ولا يعاقبه الله البته خلافًا للجهمية المجبرة" (١). ثانيًا: من السُّنَّة حديث حذيفة ﵁ فيما رواه عن النبي ﷺ أنه قال: إن رجلًا حضره الموت لما أيس من الحياة أوصى أهله: إذا مت فاجمعوا لي حطبًا كثيرًا ثم أوروا نارًا حتى إذا أكلت لحمي وخلصت إلى عظمي فخذوها فاطحنوها فذروني في اليم في يومٍ حارٍّ- أو راح- (٢) فجمعه الله فقال: لم فعلت؟ قال: خشيتك، فغفر له" (٣).

стр. 33

قال الخطابي عند شرحه لهذا الحديث: "قد يستشكل هذا فيقال كيف يغفر له وهو منكر للبعث والقدرة على إحياء الموتى؟ والجواب: أنه لم ينكر البعث وإنما جهل فظن أنه إذا فُعل به ذلك لا يُعاد فلا يعذب، وقد ظهر إيمانه باعترافه بأنه إنما فعل ذلك من خشية الله" (١). وكذلك خالد بن ذكوان عن الربيع بنت معوذ ﵄ أنها قالت: "جاء النبي ﷺ يدخل حين بُني عليَّ فجلس على فراشي كمجلسك منِّي، فجعلت جويريات لنا يضربن بالدفِّ ويندبن من قُتل من آبائي يوم بدر إذ قالت إحداهن: وفينا نبيٌّ يعلم ما في غد، فقال: دعي هذا وقولي بالذي كنت تقولين" (٢). فعذر النبي ﷺ الجارية التي نسبت إليه علم الغيب. وهذا لا يعني عدم التنبيه على أخطاء العلماء ومناصحتهم، بل يكون النصح من عالم متمكّن في العلم وقصد ذلك ومراده بيان الحق مع احترام المخالف، ويكون الكلام منصبًّا على القول دون القائل، فإنه لا يتعرض له بشيءٍ إلا إذا دعت الحاجة لذلك، والله أعلم.

стр. 34

ثانيًا: أهل السُّنَّة يحسنون الظنَّ ويبغضون أهل البدع بقدر ما عندهم من البدع إن الله لم يجعل أحكام الدنيا على السرائر بل على الظواهرِ والسرائرُ تبعٌ لها، وأما أحكام الآخرة فعلى السرائرِ والظواهرٌ تبعٌ لها، فإذا أظهر المسلم سلامة الاعتقاد مع العمل بمقتضاه حُكم عليه بأنَّه من أهل السُّنَّة، وليس لنا أن ننقِّب عمَّا في قلبه. ذكر سعيد الخدري ﵁ قصَّة الرجل الذي راجع النبي ﷺ في الزكاة وقال له يا رسول الله: اتق الله ... أنَّ خالد بن الوليد ﵁ استأذن النَّبي ﷺ في ضرب عنقه قال النبي ﷺ : «لعلَّه أن يكون يصلي»، فقال خالد: وكم من مصلٍّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه، قال رسول الله ﷺ : «إني لم أومر أن أنقِّب قلوب الناس ولا أشقّ بطونهم» (١). فيجب على كل من نصح نفسه ألا يعامل الناس بغير ما ظهر منهم، امتثالًا لفعل النبي ﷺ واقتداءً بأصحابه ﵃ الذين جعلوا هذا أصلًا في تعاملهم مع غيرهم.

стр. 35

وفي حديث عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان يقول: «إنَّ أناسًا كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله ﷺ وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم فَمَنْ أظهر لنا خيرًا أمِنَّاهُ وقرَّبناهُ، وليس إلينا من سريرته شيء، الله يحاسب سريرته، ومَنْ أظهر لنا سوءًا لم نأْمَنْه ولم نصدِّقه وإن قال إن سريرته حسنه» (١). وفي الشق الآخر فأهل السُّنَّة يبغضون أهل البدع بقدر ما عندهم من البدع، وهذا أصلٌ عندهم متفرِّعٌ عن مسألة الإيمان، وهو أن الإيمان إذا ذهب بعضه لا يذهب كلُّه، وهم بذلك خالفوا أهل البدع كالجهمية، والمرجئة، والخوارج، والمعتزلة. وقرَّر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ هذه المسألة بقوله: "وإذا اجتمع في الرجل الواحد خيرٌ وشر، وفجورٌ وطاعةٌ ومعصية، وسُنَّةٌ وبدعة: استحق من الموالاة بقدر ما فيه من الخير، واستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر، فيجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكرام والإهانة، فيجتمع له من هذا وهذا كاللص الفقير تقطع يده لسرقته، ويعطى من بيت المال ما يكفيه لحاجته، هذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السُّنَّة والجماعة، وخالفهم الخوارج والمعتزلة ومن وافقهم عليه، فلم يجعلوا الناس لا مستحقًّا

стр. 36

للثواب فقط، ولامستحقًّا للعقاب فقط، وأهل السُّنَّة يقولون: إن الله يعذِّب بالنار من أهل الكبائر من يعذِّبه، ثم يخرجهم منها بشفاعة من يأذن له في الشفاعة، بفضل رحمته كما استفاضت بذلك السُّنَّة عن النبي ﷺ " (١). ثالثًا: اتفاق أهل السُّنَّة والجماعة في مسائل الاعتقاد مهما تباعدت ديارهم قال الأصبهاني ﵀: "ومما يدل على أن أهل الحديث أهل الحق أنك لو طالعت جميع كتبهم المصنَّفة من أولهم إلى آخرهم، قديمهم وحديثهم، مع اختلاف بلدانهم وزمانهم، وتباعد ما بينهم من الديار، وسكون كل واحد منهم قطرًا من الأقطار؛ وجدتهم في بيان الاعتقاد على وتيرة واحدة ونمط واحد، يجرون على طريقة لا يحيدون عنها، ولا يميلون فيها، قولهم في ذلك واحد، ونقلهم واحد، لا ترى فيهم اختلافًا، ولا تفرُّقًا في شيءٍ ما وإن قل، بل لو جمعت جميع ما جرى على ألسنتهم ونقلوه عن سلفهم، وجدته كأنه جاء عن قلبٍ واحد، وجرى على لسانٍ واحد، وهل على الحق دليلٌ أبين من هذا؟ " (٢). رابعًا: أهل السُّنَّة لا يكفِّرون مخالفيهم بغير دليل ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في أكثر من موضع من كتبه في

стр. 37

الرد على مَنْ قال بتكفير المتأولين: "وهذا القول لا يُعرف عن أحدٍ من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولا عن أحدٍ من أئمَّةِ المسلمين، وإنما هو في الأصل من أقوال أهل البدع الذين يبتدعون بدعةً ويكفِّرون من خالفهم كالخوارج والمعتزلة والجهمية" (١). وقال أيضًا: "والخوارج تكفِّر أهل الجماعة، وكذلك المعتزلة يكفِّرون مَنْ خالفهم، وكذلك الرافضة، ومن لم يكفَّر فسَّق، وكذلك أكثر أهل الأهواء يبتدعون رأيًا ويكفِّرون من خالفهم، وأهل السُّنَّة يتبعون الحق من ربهم الذي جاء به الرسول ﷺ ولا يكفِّرون من خالفهم فيه، بل هم أعلم بالحق وأرحم بالخلق" (٢). وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ ﵏ وقد سئل عمَّن كفَّر بعض مخالفيه: "والجواب أنِّي لا أعلمُ مستندًا شرعيًّا ولا برهانًا مرضيًّا يخالف ما عليه أئمَّة العلم من أهل السُّنَّة والجماعة، وهذه الطريقة هي طريقةُ أهل البدع والضلال" (٣).

стр. 38

خامسًا: حبهم لأهل السُّنَّة إحدى علامات أهل السُّنَّة حبهم لأئمة السُّنَّة وعلمائها، وأنصارها وأوليائها، وقد زيَّن الله قلوب أهل السُّنَّة ونوَّرها بحبِّهم لعلماء أهل السُّنَّة والجماعة. قال الحاكم أبو عبد الله الحافظ -أسكنه الله وإيانا الجنَّة- حدثنا محمد بن إبراهيم بن الفضل، حدثنا أحمد بن سلمة، قرأ علينا أبو رجاء قتيبة بن سعيد كتاب الإيمان له فكان في آخره: "فإذا رأيت الرَّجل يحب سفيان الثوري، ومالك بن أنس، والأوزاعي، وشعبه، وابن المبارك، وأبا الأحوص، وشريكًا، ووكيعًا، ويحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي، فاعلم أنه صاحب سنَّة" (١). سادسًا: يوجبون الطاعة للسلطان ويحرِّمون الخروج عليه قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٢). فهذه الآية صريحةٌ في وجوب طاعة ولي الأمر، وعدم الخروج عليه، فقد صحَّت الأخبار عن رسول الله ﷺ بالأمر بطاعة الأئمَّة والولاة فيما كان لله طاعة وللمسلمين مصلحة (٣).

стр. 39

وجاءت سنَّة النبي ﷺ مبيِّنة ومفصِّلة ومفسِّرة لهذا الأمر، فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني» (١). والخروج على السلطان خطير ويترتَّب عليها فساد عظيم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "ولعله لا يكاد يعرف طائفة خرجت على ذي سلطان إلا وكان في خروجها من الفساد ما هو أعظم من الفساد الذي أزالته" (٢). وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "تجب طاعة وليِّ الأمر ولو كان من أفسق عباد الله ؛ وذلك لعموم الأدلة الدالة على وجوب طاعة ولاة الأمور، والصبر عليهم وإن رأينا منهم ما نكره في أديانهم وعدلهم واستئثارهم، فإننا نسمع ونطيع فنؤدي الحق الذي أوجب الله علينا، ونسأل الله الحق الذي لنا، هكذا أمر النبي ﷺ ، وهكذا جرى عليه سلف هذه الأمة" (٣).

стр. 40

والخروج على وليِّ الأمر ليس مقصورًا على السلاح فقط، بل كل كلام أدَّى إلى تأجيج الرَّعية على الإمام فهو خروج. قال الشيخ صالح الفوزان -حفظه الله-: "الخروج على الإمام ليس مقصورًا على السلاح، بل الكلام في حقِّ وليِّ الأمر وسبابه خروجٌ وتحريضٌ عليه وسببُ فتنةٍ وشر، فالكلام لا يقل خطورةً عن السلاح ... ، فالخروج على الإمام يكون بالسلاح، ويكون بالكلام، ويكون بالاعتقاد، ولو لم يتكلم فإذا اعتقد أنه يجوز الخروج على ولي الأمر فقد شارك الخوارج في عقيدتهم" (١).
следующие страницы →