← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 5990

الأنجم الزاهرات على حل ألفاظ الورقات

شمس الدين المارديني

Полный текст (191 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم [رب يسر يَا كريم] الْحَمد لله الَّذِي خلق الْعَالم من غير اقتباس، وَأرْسل سيد الْأَوَّلين والآخرين رَحْمَة لجَمِيع النَّاس، فأوضح الْكتاب وَالسّنة وأباح الِاجْتِهَاد وَالْقِيَاس؛ شَفَقَة لأمة لم تَجْتَمِع على مُخَالفَة الْحق بالانعكاس، صلى الله وَسلم عَلَيْهِ آنَاء اللَّيْل وأطراف النَّهَار وَعدد الأنفاس صَلَاة وَسلَامًا دائمين لَا ارتياب فيهمَا وَلَا إلتباس. وعَلى آله وَأَصْحَابه وأزواجه المطهرين من الأرجاس، وَسلم تَسْلِيمًا كثيرا. أما بعد: فقد سَأَلَني بعض الإخوان - حفظه الله تَعَالَى - أَن اشرح لَهُ " الورقات " الَّتِي للْإِمَام الْعَالم الْعَلامَة إِمَام الْحَرَمَيْنِ أبي الْمَعَالِي: عبد الله بن الشَّيْخ [أبي] مُحَمَّد ضِيَاء الدّين شرحاً متوسطاً وَاضحا بالأمثال والأدلة من غير إِشْكَال

стр. 2

وألفاظ غَرِيبَة، وَلَا لُغَات عَن الأفهام بعيدَة، وَلَا إيرادات غامضة. فَإِن هَذِه الْأَشْيَاء مِمَّا تشكل على الْمُبْتَدِي ويسبق عَمَّا بِهِ يَهْتَدِي، [وَإِنَّمَا قصدت بِهِ التَّذْكِرَة للمنتهي وإيضاحاً للمبتدي] وَإِن اضطررت إِلَى إِيرَاد آتِي بِهِ وَاضحا على مَا ستراه إِن شَاءَ الله - تَعَالَى - فِي مَوْضِعه ظَاهرا. مَعَ أَن الخواطر كليلة والهموم كَثِيرَة، والاستعدادات قَليلَة. فأجبته؛ حَيَاء لِكَثْرَة سؤله رَاغِبًا من الله الْإِجَابَة لدعائه. وَسَأَلت الله الْكَرِيم الْإِفَاضَة من بَحر إحسانه؛ إِذْ لَا ملْجأ فِي الْأُمُور إِلَّا إِلَيْهِ، وَلَا إتكال فِي الْأَنْعَام إِلَّا عَلَيْهِ. وأسأل النَّاظر إِلَيْهِ أَن يعْذر فِيمَا عساه أَن يعثر عَلَيْهِ؛ لِأَن الآراء مُخْتَلفَة والأقلام لم تكن عَن كتاب مُرْتَفعَة. وسميته ب: " الأنجم الزاهرات على حل أَلْفَاظ الورقات " وَمَا توفيقي إِلَّا بِاللَّه، عَلَيْهِ توكلت وَهُوَ حسبي وَنعم الْوَكِيل

стр. 3

[الْحَمد لَهُ] قَالَ ﵀ تَعَالَى: (الْحَمد لله رب الْعَالمين) أَقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق: إِنَّمَا صدر كِتَابَة - بعد الْبَسْمَلَة - بِالْحَمْد؛ إقتداء بِالْكتاب وَالسّنة: - فَإِنَّهُ تَعَالَى ذكر الْحَمد بعد الْبَسْمَلَة فِي الْفَاتِحَة وَغَيرهَا. وَأما السّنة: فقد حث النَّبِي -[ ﷺ ]- على الْبَسْمَلَة وَالْحَمْد فِي الِابْتِدَاء فَقَالَ ﵇: (كل أَمر ذِي بَال) أَي: شَأْن مُهِمّ (لَا يبتدى فِيهِ بِبسْم الله فَهُوَ أَبتر) أَي قَلِيل الْبركَة، وَرَوَاهُ ابْن عَبَّاس. وَفِي رِوَايَة لَهُ: " فَهُوَ أَجْذم "، وَفِي رِوَايَة: " بِالْحَمْد لله فَهُوَ أقطع " رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة.

стр. 4

وَالْمعْنَى وَاحِد. وَلِهَذَا جرت سنة السّلف وَالْخلف بتصدير الْحَمد فِي أَوَائِل تصانيفهم وَقد اخْتلفُوا فِي اللَّام الدَّاخِلَة على الْحَمد: - فَذهب الْأَكْثَرُونَ إِلَى أَنَّهَا للاستغراق؛ لِأَن الْحَمد لَهُ - تَعَالَى - حَقِيقَة على جَمِيع أَفعاله. وَيجوز أَن تكون للْعهد وَهُوَ: حَمده تَعَالَى نَفسه حِين خلق الْخلق. أَو حمد الْمَلَائِكَة. أَو الْأَنْبِيَاء ﵈ وعَلى الْقَوْلَيْنِ: الْحَمد هُوَ الثَّنَاء بِاللِّسَانِ على الْمَحْمُود مُطلقًا سَوَاء كَانَ عَن نعْمَة أَو غَيرهَا.

стр. 5

فعلى هَذَا: هُوَ أَعم من الشُّكْر؛ إِذْ الشُّكْر لَا يكون إِلَّا مُقَابلا للنعمة - فَقَط - وَالشُّكْر أَعم من وَجه آخر؛ لِأَنَّهُ ثَنَاء بِاللِّسَانِ وَالْقلب والجوارح. وَالْحَمْد بِاللِّسَانِ - فَقَط - فَكَانَ كل مِنْهُمَا عَاما من وَجه، وخاصاً من آخر: وَذَلِكَ بِحَسب المورد والمتعلق: - فمورد الْحَمد وَاحِد وَهُوَ اللِّسَان، ومتعلقه مُتَعَدد؛ لكَونه عَن نعْمَة وَغَيرهَا. ومورد الشُّكْر مُتَعَدد وَهُوَ اللِّسَان وَالْقلب والجوارح، ومتعلقة وَاحِد وَهُوَ النعم. وَإِنَّمَا أضيف الْحَمد لله دون سَائِر أَسْمَائِهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ اخْتصَّ بِهِ تَعَالَى دون

стр. 6

غَيره؛ لِأَن المخلوقين تشاركه فِي غَيره كالسميع والبصير وَغَيرهمَا، وَإِن كَانَت فِي غَيره تَعَالَى مجَازًا. وَكَذَا لَو قلت: " الْكَرِيم " أَو " الرَّحِيم " فقد اثْبتْ لَهُ تَعَالَى صفة وَاحِدَة. بِخِلَاف إِذا قلت: " يَا الله " فَهُوَ جَامع لجَمِيع أَسْمَائِهِ وَصِفَاته؛ لدلالته على الربوبية. وَإِن سقط مِنْهُ حرف فَهُوَ: لله، وَإِن سقط حرفان لَهُ، وَإِن سقط ثَلَاثَة فَهُوَ هُوَ. وَهُوَ غَايَة الْمَقْصُود بِخِلَاف سَائِر الْأَسْمَاء. وَأما " الرب " فيطلق وَيُرَاد بِهِ الْمَالِك؛ لِأَن رب الشَّيْء مَالِكه كرب الدَّار وَغَيرهَا. وَيُطلق على المصلح - أَيْضا - فَيُقَال: " رب الْأَدِيم " أَي: أصلحه. وَيُطلق على المربي. وَفِي الْجُمْلَة لَا تطلق لَفْظَة " الرب " من غير إِضَافَة إِلَّا على الله - تَعَالَى -

стр. 7

دون غير [وَأما مُضَافا فَيجوز إِطْلَاقهَا على غَيره] كَقَوْلِه تَعَالَى - حِكَايَة عَن يُوسُف ﵇: ﴿إِنَّه رَبِّي أحسن مثواي﴾ [سُورَة يُوسُف: ٢٣] وَكَذَلِكَ قَوْلهم: " رب النَّاقة وَالدَّار " وَغير ذَلِك. و" الْعَالمين " جمع عَالم، وَهُوَ: مَا سوى الله - تَعَالَى - من سَائِر الْمَخْلُوقَات. وَقيل: مَا فِيهِ حَيَاة وَقيل: غير ذَلِك.

стр. 8

[الصَّلَاة على النَّبِي وَآله وَصَحبه] قَالَ: (وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه أَجْمَعِينَ) . أَقُول: لما أثنى على الله - تَعَالَى - سَأَلَهُ الصَّلَاة على رَسُوله [ ﷺ ] ، لِأَن الصَّلَاة من الله: الرَّحْمَة. وَمن الْمَلَائِكَة: الاسْتِغْفَار. وَمن الْآدَمِيّين: التضرع وَالدُّعَاء. وَإِنَّمَا أعقب الصَّلَاة بعد الْحَمد؛ لِكَثْرَة اقتران اسْمه ﵇ مَعَ اسْمه تَعَالَى وَلِهَذَا جرت السّنة من السّلف وَالْخلف بِاتِّبَاع الصَّلَاة بعد الْحَمد فِي تصانيفهم - رَحِمهم الله تَعَالَى - وَإِنَّمَا سمي مُحَمَّدًا؛ لِكَثْرَة خصاله الحميدة.

стр. 9

وَنَبِيًّا؛ لنبوته، وَهُوَ الِارْتفَاع على سَائِر الْخلق. أَو الإنبائه وَهُوَ الْإِخْبَار للنَّاس عَن الله تَعَالَى. وَأما " الْآل " فأصله أهل لتصغيره على أهيل؛ لِأَن التصغير يرد الْأَشْيَاء إِلَى أَصْلهَا؛ لِأَن الْهَاء قلبت همزَة؛ لقرب مخرجهما، ثمَّ قلبت الْهمزَة ألفا؛ لانفتاح مَا قبلهَا فَصَارَ " آل " وَفِيه دَلِيل على جَوَاز إِضَافَة " الْآل " إِلَى مُضْمر. وَبِه قَالَ جُمْهُور الْعلمَاء وَأنْكرهُ الْكسَائي والنحاس.

стр. 10

والزبيدي وَقَالُوا: لَا يجوز إِضَافَته إِلَّا إِلَى مظهر فَلَا يُقَال إِلَّا " آل مُحَمَّد " وَاخْتلفُوا فِي " الْآل " على ثَلَاثَة أَقْوَال: - فَذهب الشَّافِعِي وَأَصْحَابه إِلَى أَنهم بَنو هَاشم وَبَنُو الْمطلب. وَقَالَ الْأَزْهَرِي وَغَيره من الْمُحَقِّقين: هم جَمِيع الْأمة.

стр. 11

وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ النَّوَوِيّ فِي " شرح مُسلم ". وَقيل: أهل بَيته وعترته. و" الصَّحَابَة " جمع صَاحب وَهُوَ: كل مُسلم رأى النَّبِي -[ ﷺ ]- وَلَو سَاعَة

стр. 12

وَبِه قَالَ جُمْهُور الْعلمَاء. وَقيل: من طَالَتْ صحبته. وَهُوَ الرَّاجِح عِنْد الْأُصُولِيِّينَ وَالله أعلم [تَقْدِيم الْكتاب] قَالَ: (وَبعد. فَهَذِهِ وَرَقَات تشْتَمل على أصُول الْفِقْه) . أَقُول: لما فرغ أَولا من الثَّنَاء على الله، وَالصَّلَاة على رَسُوله، وَآله وَصَحبه أَشَارَ إِلَى مَا هُوَ بصدده فَقَالَ: " وَبعد " أَي: أَقُول - بعد الْحَمد وَالصَّلَاة - مَا تشْتَمل عَلَيْهِ هَذِه الورقات.

стр. 13

وَهِي جمع قلَّة؛ لِأَنَّهَا جمع ورقة وَإِنَّمَا حصر الْأُصُول فِي وَرَقَات قَليلَة؛ تسهيلاً للمبتدي بِهِ، وَتَذْكِرَة للمنتهي عَنهُ. [بَيَان أَن أصُول الْفِقْه يتكون من جزأين] قَالَ: (وَهُوَ لفظ مؤلف من جزأين مفردين، أَحدهمَا الْأُصُول، وَالْآخر: الْفِقْه) : أَقُول: شرع يبين اسْم هَذَا الْعلم، فَقَالَ: " هُوَ لفظ مؤلف " أَي مركب. وَقيل: الْمركب غير الْمُؤلف؛ لِأَن الْمُضَاف، مؤلف ك " عبد الله " و " غُلَام زيد " وَمَا أشبههما. والمركب ك " بعلبك " و " خَمْسَة عشر " وَمَا أشبههما. وَقَوله: " من جزأين مفردين " يُشِير إِلَى أَن التَّأْلِيف قد يكون من جزأين مفردين كاسم هَذَا الْعلم؛ لِأَن " الْأُصُول " مُفْرد، و " الْفِقْه " كَذَلِك. فقد يكون من جملتين كَقَوْلِك: " إِن قَامَ زيد قُمْت " فَإِن مَعَ الْفِعْل وَالْفَاعِل جملَة و " قُمْت " جملَة أُخْرَى. لَكِن معرفَة الْمُؤلف متوقفة على معرفَة أَجْزَائِهِ، ثمَّ على معرفَة فَائِدَة النِّسْبَة بَين الْمُضَاف والمضاف إِلَيْهِ فشرع فِي تعريفهما.

стр. 14

[تَعْرِيف الأَصْل] قَالَ: (الأَصْل: مَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ غَيره) . أَقُول: إِنَّه ﵀ يُشِير إِلَى أَن لكل طَالب علم أَن يتَصَوَّر ذَلِك الْعلم أَولا عِنْد اشْتِغَاله بِهِ فَحِينَئِذٍ يحْتَاج إِلَى معرفَة حَده؛ لِأَن الْحَد يُفِيد التَّصَوُّر. فشرع يبين حد " الْأُصُول " و " الْفِقْه وَإِنَّمَا جمع الْأُصُول؛ ليعم الْكتاب وَالسّنة وَالْقِيَاس وَغَيرهَا. وَالْأَصْل فِي اللُّغَة: مَا يبْنى عَلَيْهِ غَيره. وَهَذَا أحسن مَا قيل فِي حَده.

стр. 15

وَفِي اصْطِلَاح أهل هَذَا الْفَنّ هُوَ الدَّلِيل. وَإِنَّمَا كَانَ الدَّلِيل أصلا؛ لانبناء الْأَحْكَام عَلَيْهِ، واستنباطها مِنْهُ. لَكِن سكت الشَّيْخ ﵀ عَن بَيَان فَائِدَة النِّسْبَة بَين الْمُضَاف والمضاف

стр. 16

إِلَيْهِ، لِأَنَّهُ لما شَرط معرفَة الجزأين: شَرط معرفَة النِّسْبَة بَينهمَا. أَقُول: لما كَانَ الأَصْل اسْم معنى، وَالْمعْنَى يفْتَقر إِضَافَته إِلَى آخر ليُفِيد اختصاصاً أَو غَيره فأضافة إِلَى الْفِقْه. [تَعْرِيف الْفَرْع] قَالَ: (وَالْفرع: مَا يبْنى على غَيره) . أَقُول: لما ذكر أَولا الأَصْل: ذكره بعده الْفَرْع اسْتِطْرَادًا؛ لِأَنَّهُ مَا يُقَابل الأَصْل إِلَّا الْفَرْع. وَلِهَذَا يُقَال للْمَذْهَب فرع الْأُصُول؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيّ عَلَيْهِ، ومرتب على قَوَاعِده. [تَعْرِيف الْفِقْه] قَالَ: (وَالْفِقْه: معرفَة الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة الَّتِي طريقها الِاجْتِهَاد) . أَقُول: لما فرغ من تَعْرِيف الْأُصُول أَخذ فِي تَعْرِيف الْجُزْء الثَّانِي وَهُوَ: الْفِقْه؛ لِأَن الْفِقْه فِي اللُّغَة: الْفَهم

стр. 17

وَفِي الِاصْطِلَاح مَخْصُوص بِمَعْرِِفَة الْأَحْكَام ... . إِلَى آخِره. وَإِنَّمَا قيد الْأَحْكَام بالشرعية؛ لتخرج الْأَحْكَام الْعَقْلِيَّة كَقَوْلِنَا: " الْحَرَكَة

стр. 18

والسكون لَا يَجْتَمِعَانِ فِي حَال وَاحِد وَلَا يرتفعان " لِأَن الشَّيْء الْوَاحِد إِمَّا أَن يكون سَاكِنا أَو متحركاً. وَكَذَا " الْبيَاض والسواد " و " النَّفْي الْإِثْبَات ". وَكَذَا قَوْلنَا: " الْكل أعظم من الْجُزْء ". فَإِن هَذِه الْأَشْيَاء تعرف بِالْعقلِ. بِخِلَاف الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة فَهِيَ لَا تعرف إِلَّا بِالنَّقْلِ كالتبييت شَرط فِي صَوْم رَمَضَان، وَأَن لَا زَكَاة فِي حلي مُبَاح، وَلَا فِي الْإِبِل إِذا لم تكن سَائِمَة.

стр. 19

فَهَذِهِ الْأَشْيَاء لَا تعرف إِلَّا بِالشَّرْعِ، لَا بِالْعقلِ. وَلِهَذَا لم يقل للعارف بِالْأَحْكَامِ الْعَقْلِيَّة: فَقِيه. وَقَوله: " الَّتِي طريقها الِاجْتِهَاد " أَرَادَ إِخْرَاج الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة القطعية الَّذِي يُشَارك فِي مَعْرفَتهَا الْعَام وَالْخَاص كَقَوْلِنَا: " الصَّلَوَات الْخمس وَاجِبَة " وَكَذَا: " الْحَج " و " إِن الزِّنَا محرم " وَكَذَا " السّرقَة ". فَلَا تتَوَقَّف معرفَة هَذِه على الِاجْتِهَاد، وَلَا يُقَال للعارف بهَا فَقِيه. وَإِنَّمَا الْفَقِيه هُوَ الْعَارِف بمسائل النّظر وَالِاجْتِهَاد الَّتِي لَيْسَ للعوام مِنْهَا سوى التَّقْلِيد.

стр. 20

فَإِن قيل: الْألف وَاللَّام الدَّاخِلَة على الْأَحْكَام لم يتَقَدَّم لَهَا ذكر لتَكون للْعهد وَلَا يجوز أَن تكون للاستغراق إِذْ مَا من أحد إِلَّا وَلَا بُد أَن يشذ عَنهُ شَيْء من الْأَحْكَام، فَحِينَئِذٍ يتَعَذَّر وجود فَقِيه وَاحِد. وَلَا يجوز أَن يحمل على الْحَقِيقَة؛ لِأَنَّهُ لَو حمل عَلَيْهَا لقيل لكل من عرف حكما وَاحِدًا: فَقِيه. وَلَيْسَ كَذَلِك على تعريفهم. وَالْجَوَاب: أَن الْأَحْكَام السَّبْعَة الْآتِي ذكرهَا وَإِن لم تذكر فَهِيَ معهودة عِنْد الْإِطْلَاق فَيصْرف إِطْلَاقهم الْأَحْكَام إِلَيْهَا وَالله أعلم.

стр. 21

[أَنْوَاع الْأَحْكَام] قَالَ: (الْأَحْكَام سَبْعَة: " الْوَاجِب " و " الْمَنْدُوب " و " الْمُبَاح " و " الْمَحْظُور " و " الْمَكْرُوه " و " الصَّحِيح " و " الْبَاطِل ") . أَقُول: إِنَّه أَخذ فِي عدد الْأَحْكَام الْمُتَعَلّقَة بِأَفْعَال الْمُكَلّفين وَهِي سَبْعَة على مَا اخْتَار - هَا هُنَا؛ لِأَن خطابة تَعَالَى الْمُتَعَلّق بِأَفْعَال الْمُكَلّفين فِي الْمُعَامَلَات وَغَيرهَا. فَإِن تعلق بهَا إِمَّا أَن يكون صَحِيحا أَو بَاطِلا؛ لِأَن الْمُعَامَلَات إِن كَانَت على الْوَجْه الشَّرْعِيّ تعلق الحكم بِصِحَّتِهَا وَإِلَّا ببطلانها. وَإِن تعلق الْخطاب بغَيْرهَا من أَفعَال الْمُكَلّفين فَلَا يَخْلُو: أَن يَقْتَضِي الطّلب،

стр. 22

أَو التّرْك. فَالْأول: إِن كَانَ لَازِما فَهُوَ الْوَاجِب كأمره تَعَالَى بِالصَّلَاةِ، وَالزَّكَاة وَالْحج وَغير ذَلِك. وَإِن لم يكن الطّلب لَازِما فَهُوَ الْمَنْدُوب كَسَائِر السّنَن. وَالثَّانِي وَهُوَ التّرْك؛ لِأَن الْخطاب إِذا اقْتضى التّرْك فَإِن كَانَ جَازِمًا فَهُوَ الْحَظْر أَي: الْحَرَام كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿لَا تقربُوا الزِّنَا﴾ [سُورَة الْإِسْرَاء: ٣٢] ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُم بَيْنكُم بِالْبَاطِلِ﴾ [سُورَة الْبَقَرَة: ١٨٨] ﴿وَلَا تقتلُوا النَّفس الَّتِي حرم الله إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [سُورَة الْإِسْرَاء: ٣٣] وَمَا أشبه ذَلِك. فَهَذَا خطاب يَقْتَضِي التّرْك جزما. وَإِن لم يقتض التّرْك جزما [فمكروه كَقَوْلِه ﵇: (لَا صَلَاة لِجَار الْمَسْجِد إِلَّا فِي الْمَسْجِد) ، وَكَذَا الِاسْتِنْجَاء بِالْيَمِينِ، وَالْكَلَام] على الْغَائِط وَالسَّلَام على الْآكِل، وَالْمُصَلي، وَالْقَاضِي حَاجته، وَمَا أشبه ذَلِك. وَإِن أذن فِي فعله من غير حث، أَو خير بَين فعله وَتَركه فَهُوَ مُبَاح كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَإِذا حللتم فاصطادوا﴾ [سُورَة الْمَائِدَة: ٢] فَهُوَ [للتَّخْيِير] ؛ إِذْ لَا يجب الصَّيْد عِنْد الْإِحْلَال من الْإِحْرَام، وَلَا يسن فَحمل على الْإِبَاحَة. وَكَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذا قضيت الصَّلَاة فَانْتَشرُوا فِي الأَرْض﴾ [سُورَة الْجُمُعَة: ١٠] وَمَا أشبههما.

стр. 23

وَمِنْهُم من جعل الْأَحْكَام خَمْسَة؛ لِأَن الصَّحِيح فِي حكم الْمُبَاح، وَالْبَاطِل فِي حكم الْمَحْظُور وَالله أعلم.

стр. 24

[تَعْرِيف الْوَاجِب] قَالَ: (الْوَاجِب مَا يُثَاب على فعله ويعاقب على تَركه) . أَقُول: لما فرغ من تَقْسِيم الْأَحْكَام شرع فِي تَعْرِيف الْأَفْعَال الْمُتَعَلّقَة بهَا فرسمه أَولا؛ لِأَنَّهُ أصل بِالنِّسْبَةِ إِلَى بَاقِي الْأَحْكَام. فَأصل الْوَاجِب فِي اللُّغَة: السُّقُوط؛ لِأَن السَّاقِط يلْزم مَكَانَهُ، فَسُمي اللازام الَّذِي لَا خلاص مِنْهُ وَاجِبا. ويرسم الْوَاجِب فِي اصْطِلَاح أهل هَذَا الْفَنّ [ب] " مَا يُثَاب فَاعله،

стр. 25

ليخرج " الْحَرَام " و " الْمَكْرُوه " و " الْمُبَاح " فَإِن هَؤُلَاءِ لَا يُثَاب فاعلهم. قَوْله: " ويعاقب تَاركه " ليخرج " الْمَنْدُوب "؛ فَإِنَّهُ يُثَاب على فعله، لَكِن لَا يُعَاقب على تَركه. فانطبق الرَّسْم على الْوَاجِب كالصلوات الْخمس، وَصَوْم رَمَضَان وَالْحج [وَغَيرهَا لتحَقّق] الوصفين فِيهِ وهما: " الثَّوَاب على الْفِعْل " و " الْعقَاب على التّرْك " وَالله أعلم. [تَعْرِيف الْمَنْدُوب] قَالَ: (وَالْمَنْدُوب: مَا يُثَاب على فعله وَلَا يُعَاقب على تَركه) . أَقُول: لما فرغ من رسم الْوَاجِب: شرع فِي رسم الْمَنْدُوب؛ ليميزه عَن أقسامه. فَقَالَ: " الْمَنْدُوب: مَا يُثَاب على فعله " كالسنن مثلا؛ فَإِنَّهُ يُثَاب على فعلهَا. وَخرج بِهَذَا الْقَيْد " الْمَحْظُور " و " الْمَكْرُوه و " الْمُبَاح " فَإِنَّهُ لَا يُثَاب على فعلهم.

стр. 26

و [ب] قَوْله: " وَلَا يُعَاقب على تَركه " خرج الْوَاجِب. وانطبق الرَّسْم على الْمَنْدُوب لتحَقّق الوصفين وهما: " الثَّوَاب على الْفِعْل، و " عدم الْعقَاب على التّرْك ". وَيُسمى الْمَنْدُوب أَيْضا " نَافِلَة " و " سنة " وَالله أعلم. [تَعْرِيف الْمُبَاح] قَالَ: (والمباح: مَا لَا يُثَاب على فعله وَلَا يُعَاقب على تَركه) أَقُول: لما فرغ من رسم الْوَاجِب وَالْمَنْدُوب شرع فِي رسم الْمُبَاح فَقَالَ: مَا لَا يُثَاب على فعله وَلَا يُعَاقب على تَركه " وَفِيه دَلِيل على أَن صل الْمُبَاح الاتساع وَمِنْه يُقَال: " بحبوحة الْجنَّة " وَهُوَ: مَا اتَّسع مِنْهَا. وَقد وسع على الْمُكَلف فِيهِ؛ إِذْ لَا يُعَاقب على فعله وَتَركه، وَلَا يُثَاب عَلَيْهِمَا

стр. 27

فَخرج " الْوَاجِب " و " الْمَنْدُوب " بقوله " لَا يُثَاب على فعله "؛ لِأَنَّهُ يُثَاب على فعلهمَا. وَكَذَا " الْحَرَام " و " الْمَكْرُوه " فَإِنَّهُ لَا يُثَاب على فعلهمَا. وَخرج بقوله: " وَلَا يُعَاقب على تَركه " الْوَاجِب؛ فَإِنَّهُ يُعَاقب على تَركه. وانطبق الرَّسْم على الْمُبَاح؛ لتحَقّق الوصفين وهما: " عدم الثَّوَاب " و " [عدم] الْعقَاب فِيهِ " وَالله أعلم. [تَعْرِيف الْمَحْظُور] قَالَ: (والمحظور مَا يُثَاب على تَركه، ويعاقب على فعله) . أَقُول: لما فرغ من رسم الْأَحْكَام الثَّلَاثَة: شرع فِي الرَّابِع وَهُوَ " الْحَرَام "؛ لِأَن أصل الْحَظْر: الْمَنْع، وَلِهَذَا يُقَال لكل مَا يمْنَع الْمَاشِيَة من الْخُرُوج: " حَظِيرَة " وَالْحرَام مَمْنُوع مِنْهُ شرعا كَالزِّنَا، وَشرب الْخمر، وَمَا أشبههما.

стр. 28

وَقَوله: " مَا يُثَاب على تَركه " ليخرج " الْوَاجِب "؛ فَإِنَّهُ لَا يُثَاب على تَركه، بل يُعَاقب كَمَا سبق وَخرج " الْمُبَاح " أَيْضا، إِذْ لَا يُثَاب على تَركه. وَكَذَا " الْمَنْدُوب "؛ فَإِنَّهُ لَا يُثَاب على تَركه - أَيْضا - وَقَوله: " ويعاقب على فعله " يخرج " الْوَاجِب "؛ فَإِنَّهُ لَا يُعَاقب على فعله، بل يُثَاب على فعله. وَكَذَا " الْمَنْدُوب "؛ فَإِنَّهُ لَا يُعَاقب على فعله، بل يُثَاب على فعله. وَكَذَا " الْمُبَاح "؛ فَإِنَّهُ لَا يُعَاقب على فعله وَكَذَا " الْمَكْرُوه "؛ فَإِنَّهُ لَا يُعَاقب على فعله. وَقد انطبق الرَّسْم على الْمَحْظُور؛ لتحَقّق الصفتين وهما: " وجود الثَّوَاب على تَركه " و " وجود الْعقَاب على فعله " وَهَذَا إِذا تَركه؛ لامتثال الْأَمر والتقرب إِلَى الله - تَعَالَى - فَإِنَّهُ يُثَاب على تَركه. أما إِذا تَركه لعدم وُصُوله إِلَيْهِ، أَو من غير نِيَّة لامتثال الْأَمر فَلَيْسَ لَهُ ثَوَاب على تَرِكَة. وَالله أعلم.

стр. 29

[تَعْرِيف الْمَكْرُوه] قَالَ: (وَالْمَكْرُوه مَا يُثَاب على تَركه، وَلَا يُعَاقب على فعله) . أَقُول: لما فرغ من رسم الْأَحْكَام الْأَرْبَعَة شرع فِي رسم الْخَامِس وَهُوَ: الْمَكْرُوه. وَهُوَ مُشْتَقّ من الْكَرَاهَة؛ لِأَنَّهُ كلما نهى عَنهُ الشَّرْع تَنْزِيها فَهُوَ مَكْرُوه. وَقد سبق لَهُ أَمْثِلَة فِي تَقْسِيم الْأَحْكَام. ثمَّ رسمه ب " مَا يُثَاب على تَركه ". وَكَذَا إِذا كَانَ التّرْك بِقصد التَّقَرُّب إِلَى الله - تَعَالَى - كَمَا سبق - أَيْضا - فِي رسم الْحَرَام. وَقَوله: " مَا يُثَاب على تَركه " يخرج " الْوَاجِب "؛ فَإِنَّهُ لَا يُثَاب على تَركه، بل يُعَاقب. وَكَذَا يخرج " الْمَنْدُوب " و " الْمُبَاح "؛ فَإِنَّهُ لَا يُثَاب على تَركهمَا. وَأخرج الْحَرَام بقوله: " وَلَا يُعَاقب على فعله "؛ فَإِن الْحَرَام يُعَاقب على فعله وانطبق الرَّسْم على الْمَكْرُوه لتحَقّق الصفتين وهما: " الثَّوَاب على ترك فعله " و " عدم الْعقَاب على فعله " وَالله أعلم.

стр. 30

[تَعْرِيف الصَّحِيح] قَالَ: (وَالصَّحِيح: مَا يعْتد بِهِ وَيتَعَلَّق بِهِ النّفُوذ) . أَقُول: لما فرغ من رسم الْأَحْكَام الْخَمْسَة غير الْمُتَعَلّقَة بالمعاملات: شرع فِي رسم الحكم السَّادِس الْمُتَعَلّق بالمعاملات وَهُوَ: الصَّحِيح؛ لِأَن الْعُقُود إِذا أفادت الْمَقْصُود الشَّرْعِيّ سميت صَحِيحا كَالْبيع - مثلا - إِذا أَفَادَ الْملك، وَالنِّكَاح إِذا أَفَادَ حل الْوَطْء وَمَا أشبههما فَإِن الْعُقُود الشَّرْعِيَّة يعْتد بهَا، وَمَا يعْتد بِهِ يُوصف بِالصِّحَّةِ وَيكون نَافِذا. فَلَو اكْتفى بِإِحْدَى اللَّفْظَيْنِ: كَانَ أولى؛ لِأَن الرسوم مَبْنِيَّة على الِاقْتِصَار من غير ترادف. وَالله أعلم.

стр. 31

تَعْرِيف الْبَاطِل قَالَ: (وَالْبَاطِل: مَا لَا يتَعَلَّق بِهِ النّفُوذ وَلَا يعْتد بِهِ) . أَقُول: لما فرغ من رسم الصَّحِيح الْمُتَعَلّق بالمعاملات شرع فِي رسم مَا يُقَابله فِيهَا وَهُوَ الْبَاطِل، وَيُقَال لَهُ الْفَاسِد - أَيْضا -؛ إِذْ لَا فرق بَينهمَا عندنَا. وَفرق بَينهمَا أَبُو حنيفَة وَقَالَ: كل مَا لم يشرع بِأَصْلِهِ وَوَصفه فَبَاطِل كَبيع الملاقيح - وَهُوَ: مَا فِي بطُون

стр. 32

الْأُمَّهَات فَإِنَّهُ لم يشرع بِأَصْلِهِ، وَلَا وَصفه؛ لِأَن من أصل الْمَبِيع: أَن يكون مَوْجُودا عِنْد العقد، وَمن وَصفه: أَن يكون مَقْدُورًا على تَسْلِيمه، وهما منتفيان هُنَا. وَمَا شرع بِأَصْلِهِ دون وَصفه كالربا فَإِنَّهُ مَشْرُوع فِي أَصله؛ لِأَن بيع الْجِنْس بِالْجِنْسِ مَشْرُوع، لَكِن الصّفة منتفية هُنَا؛ لوُجُود الزِّيَادَة فيسمى هَذَا عِنْده فَاسِدا. وَكَذَا نِكَاح العَبْد الْحرَّة بِشَرْط أَن تكون رقبته صَدَاقهَا، فَإِن النِّكَاح مَشْرُوع دون الْوَصْف. وَكَذَا مخالعة الصَّغِيرَة وَنَحْو ذَلِك. وَمَا بَطل من أَصله يُسمى بَاطِلا. وَفِي الْجُمْلَة: فَهَذِهِ الْعُقُود - كلهَا - سَوَاء قُلْنَا ببطلانها أَو فَسَادهَا فَلَا تفِيد الْمَقْصُود، وَلَا يعْتد بهَا. وَلَو اقْتصر الشَّيْخ - رَحمَه الله تَعَالَى - على أحد اللَّفْظَيْنِ لَكَانَ أولى، كَمَا سبق فِي الصَّحِيح وَالله أعلم.

стр. 33

[الْفرق بَين الْفِقْه وَالْعلم] قَالَ: (وَالْفِقْه أخص من الْعلم) . أَقُول: لما فرغ من تَقْسِيم الْأَحْكَام وتعريفها شرع فِي الْفرق بَين " الْفِقْه " و " الْعلم ". فَقَالَ: " الْفِقْه أخص من الْعلم " وَهُوَ كَذَلِك؛ لِأَن الْفِقْه هُوَ: معرفَة الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة - فَقَط. بِخِلَاف الْعلم فَإِنَّهُ يُطلق على الْفِقْه والنحو والْحَدِيث وَغَيرهَا فَكَانَ الْفِقْه نوعا مِنْهَا وَلِهَذَا يُقَال: " كل فقه علم "، وَلَا يُقَال " كل علم فقه " وَالله أعلم. [تَعْرِيف الْعلم] قَالَ: (وَالْعلم: معرفَة الْمَعْلُوم على مَا هُوَ بِهِ) . أَقُول: لما فرغ من تَعْرِيف الْفِقْه شرع فِي حد الْعلم. وَبِه قَالَ جمَاعَة من الْعلمَاء.

стр. 34

وَذهب آخَرُونَ إِلَى أَن الْعلم لَا يحد؛ لِأَن الْأَشْيَاء - كلهَا - لَا تعرف إِلَّا بِالْعلمِ، وَالْحَد يكْشف عَن حَقِيقَة الْمَحْدُود: فَلَو حد الْعلم فَلَا يَخْلُو أَن يحد بِهِ، أَو بِغَيْرِهِ. فَإِن حد بِغَيْرِهِ: كَانَ محالاً؛ لِأَن الْعلم لَا ينْكَشف بِغَيْرِهِ وَإِن حد بِهِ: فَهُوَ - أَيْضا - محَال؛ لِأَنَّهُ لَا يعرف الشَّيْء بِنَفسِهِ. وَظَاهر كَلَام الشَّيْخ يَقْتَضِي الْحَد هُنَا. وَفِي كِتَابه الْمُسَمّى ب " الْبُرْهَان ": أَن الْعلم لَا يحد. وَالْمرَاد بِالْعلمِ هُوَ الَّذِي يعرف الْأَشْيَاء على مَا هِيَ كَمَا أَن النَّار حارة، وَالْحجر جامد، وَالسَّمَاء مُرْتَفعَة، وَأَن الْإِنْسَان نَاطِق، وَمَا أشبه ذَلِك؛ لِأَن معرفَة هَذِه الْأَشْيَاء لَا تحْتَمل غير مَا فِي علم الْإِنْسَان، بل هِيَ فِي الْخَارِج على مَا هِيَ فِي الذِّهْن، وَلِهَذَا قيد الْعلم بِمَعْرِِفَة الْمَعْلُوم على مَا هُوَ بِهِ وَالله أعلم

стр. 35

[تَعْرِيف الْجَهْل] قَالَ: (وَالْجهل تصور الشَّيْء على خلاف مَا هُوَ بِهِ) . أَقُول: لما فرغ من حد الْعلم شرع فِي حد الْجَهْل؛ لِأَنَّهُ يُقَابل الْعلم. وَالْجهل على قسمَيْنِ: - بسيط وَهُوَ: عدم الْعلم بالشَّيْء الْغَائِب كالجهل بِمَا فِي الْبحار من الْحَيَوَانَات، وَمَا تَحت الْأَرْضين، وَمَا فِي غَد وَنَحْو ذَلِك، فالجهل فِي هَذِه الْأَشْيَاء وَاحِد - وَلِهَذَا قيل لَهُ: " جهل بسيط ". وَالْمرَاد هُنَا هُوَ الْجَهْل الْمركب وَهُوَ: تصور الشَّيْء على خلاف مَا هُوَ بِهِ كاعتقاد المجسمة أَن الْبَارِي ﷻ جسم. والمعتزلة أَنه تَعَالَى لَا يرى فِي الْآخِرَة. فَهَذَا جهل مركب من جزأين: - أَحدهمَا: عدم الْعلم. وَالثَّانِي: اعْتِقَاد غير مُطَابق. وَالله أعلم.

стр. 36

[تَعْرِيف الْعلم الضَّرُورِيّ] قَالَ: (الْعلم الضَّرُورِيّ: مَا لم يَقع عَن نظر واستدلال. كَالْعلمِ الْوَاقِع بِإِحْدَى الْحَواس الْخمس الَّتِي هِيَ: حاسة السّمع، وَالْبَصَر، والشم والذوق واللمس، أَو بالتواتر. أَقُول: لما فرغ من حد الْعلم أَولا أردفه بِالْجَهْلِ اسْتِطْرَادًا؛ لِأَنَّهُ يُقَابله، ثمَّ شرع فِي تَقْسِيم الْعلم، وانه يَنْقَسِم إِلَى ضَرُورِيّ وَغَيره. وَالْمرَاد بِالْعلمِ هُنَا: الْحَادِث، لَا الْعلم الْقَدِيم؛ فَإِن علمه تَعَالَى لَا يُقَال لَهُ: " ضَرُورِيّ " وَلَا " اكْتِسَاب ". بِخِلَاف علم الْعباد؛ فَإِن الْأَشْيَاء إِذا علمت بِأحد الْحَواس من غير نظر واستدلال كَمَا لَو سمع نهيق حمَار: علم أَنه صَوته، وَكَذَا صَهِيل الْفرس. وَكَذَا من رأى لوناً أَبيض أَو أسود، أَو مس جسما علم أَنه ناعم، أَو خشن، أَو شم رَائِحَة علم أَنَّهَا طيبَة أَو كريهة، أَو ذاق طَعَاما: علم أَنه حامض أَو مر. فَإِن هَذِه الْأَشْيَاء يعلمهَا الْإِنْسَان بديهيا من غير نظر واستدلال، وَلَا يُمكن اندفاعها عَن علمه، بل بِمُجَرَّد حُصُول الصَّوْت فِي الْأذن أدْرك مَعْنَاهُ. وَكَذَا فتح الحدقة فِيمَا يُمكن رُؤْيَته. وَكَذَا ملاقاة بشرة الملموس، وَكَذَا نشق الْهوى للرائحة.

стр. 37

وَكَذَا اتِّصَال المذوق إِلَى اللِّسَان. فَإِن هَذِه الْأَشْيَاء تعلم بالحواس الْخمس. ثمَّ أعقبهم بالتواتر أَي: يُشِير إِلَى أَن من الْعلم الضَّرُورِيّ لَا يُدْرِكهُ بالحواس، بل بالتواتر كعلمنا بِبَلَد لم نره، بل علم يَقِينا بالتواتر، وكعلمنا. بِالْمَلَائِكَةِ والأنبياء، وَالْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَغير ذَلِك. وَلنَا قسم سَابِع تدْرك بِهِ الْأَشْيَاء من غير نظر واستدلال كعلمنا أَن الْبيَاض والسواد لَا يَجْتَمِعَانِ فِي مَحل وَاحِد، وَأَن الْجُزْء أقل من الْكل، وَأَن الشَّيْء الْوَاحِد لَا يكون مَعْدُوما مَوْجُودا فِي حَال وَاحِد. فَإِن هَذِه الْأَشْيَاء - كلهَا - تعلم ضَرُورَة من غير نظر واستدلال وَالله أعلم. [تَعْرِيف الْعلم المكتسب، وَالنَّظَر، وَالِاسْتِدْلَال وَالدَّلِيل] قَالَ: (وَالْعلم المكتسب: مَا يَقع عَن نظر واستدلال. وَالنَّظَر هُوَ: الْفِكر فِي حَال المنظور فِيهِ. وَالِاسْتِدْلَال: طلب الدَّلِيل. وَالدَّلِيل: هُوَ المرشد إِلَى الْمَطْلُوب) .

стр. 38

أَقُول: لما فرغ من تَعْرِيف الْعلم الضَّرُورِيّ شرع فِي [تَعْرِيف] الْعلم المكتسب، وَهُوَ: الَّذِي لَا تعلم الْأَشْيَاء الْمَطْلُوبَة [إِلَّا بِنَظَر] واستدلال. وَلَو اقْتصر على أحد اللَّفْظَيْنِ كفى؛ لِأَن النّظر - فِي الْحَقِيقَة - هُوَ الطّلب، وَالِاسْتِدْلَال كَذَلِك. لَكِن رُبمَا جمع بَينهمَا زِيَادَة إِيضَاح. وَلِهَذَا فسر كل وَاحِد مِنْهُمَا بتفسير فِي الظَّاهِر، وَإِن كَانَت الْحَقِيقَة وَاحِدَة: فَقَالَ: - النّظر هُوَ: الْفِكر فِي حَال المنظور فِيهِ. وَالِاسْتِدْلَال: طلب الدَّلِيل، كَأَنَّهُ يُشِير إِلَى أَن النّظر أَعم من الِاسْتِدْلَال وَلِهَذَا عرفه بالفكر فِي حَال المنظور فِيهِ؛ لِأَن الْفِكر قد يكون من جِهَة مَا يصدق بِهِ وَيحكم عَلَيْهِ كَقَوْلِنَا: " الرِّبَا حرَام " و " الْمُتْعَة حرَام " و " الِاسْتِئْجَار على الوطي حرَام " فَهَذِهِ عُقُود علم تَحْرِيمهَا بالفكر وَالِاسْتِدْلَال وَحكم عَلَيْهَا. وَقد يكون الْفِكر من جِهَة تصور مَا وَلَا يحكم عَلَيْهِ، وَذَلِكَ لعدم الِاسْتِدْلَال، فَكَانَ الْفِكر أَعم، وَالِاسْتِدْلَال أخص؛ لوُجُوده فِي أحد الفكرين.

стр. 39

ثمَّ فسر الِاسْتِدْلَال بِطَلَب الدَّلِيل المرشد إِلَى الْمَطْلُوب، فَكَأَنَّهُ جعل الِاسْتِدْلَال طلب الدَّلِيل المرشد إِلَى الْمَقْصُود سَوَاء اتَّصل إِلَى الْمَقْصُود بطرِيق قَطْعِيّ أَو ظَنِّي عِنْد الْفُقَهَاء. وَفرق المتكلمون بَين مَا يُوصل إِلَى الْمَقْصُود أَن يكون بطرِيق قَطْعِيّ أَو ظَنِّي، فَمَا أوصل بطرِيق قَطْعِيّ يُسمى دَلِيلا، وَإِلَّا يُسمى أَمارَة وَالله أعلم [تَعْرِيف الظَّن] قَالَ: (وَالظَّن: تَجْوِيز أَمريْن أَحدهمَا أظهر من الآخر) . أَقُول: لما ذكر رسم الْأُصُول، ورسم الْفِقْه، ورسم الْعلم الَّذِي بِهِ يتَوَصَّل إِلَى معرفتهما: شرع فِي الْفرق بَين " الظَّن " و " الشَّك " اللَّذين بهما يتَوَصَّل أَيْضا إِلَى معرفَة الْأُصُول وَالْفِقْه فَقَالَ: - الظَّن: تَجْوِيز أَمريْن أَحدهمَا أظهر من الآخر كَمَا لَو هبت الرِّيَاح وتغيمت

стр. 40

السَّمَاء فِي الشتَاء فَإِن الرَّاجِح من هذَيْن الِاحْتِمَالَيْنِ وُقُوع الْمَطَر، وَهُوَ الظَّن. والطرف المرجوع الْمُقَابل للراجح يُسمى وهما وَالله أعلم. [تَعْرِيف الشَّك] قَالَ: (وَالشَّكّ: تَجْوِيز أَمريْن لامزية لأَحَدهمَا على الآخر) . أَقُول: لما فرغ من تَعْرِيف الظَّن الَّذِي هُوَ الطّرف الرَّاجِح أَخذ فِي بَيَان مَا يَسْتَوِي طرفاه من غير تَرْجِيح كَمَا لَو تَيَقّن الْوضُوء وَالْحَدَث، ثمَّ جهل السَّابِق مِنْهُمَا. فَإِن غلب عَلَيْهِ تقدم أحد الْأَمريْنِ سمى الْغَالِب ظنا، وَالثَّانِي وهما. وَإِن اسْتَوَى الطرفان من غير تَرْجِيح سمي شكا. وَهَذَا فِي اصْطِلَاح أهل هَذَا الْفَنّ. وَإِلَّا فَفِي اللُّغَة لَا فرق بَين الظَّن وَالشَّكّ، وَبِه قَالَ الْخَلِيل ابْن أَحْمد.
следующие страницы →