Полный текст (191 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
[تَعْرِيف الْعلم الضَّرُورِيّ]
قَالَ: (الْعلم الضَّرُورِيّ: مَا لم يَقع عَن نظر واستدلال.
كَالْعلمِ الْوَاقِع بِإِحْدَى الْحَواس الْخمس الَّتِي هِيَ: حاسة السّمع، وَالْبَصَر، والشم والذوق واللمس، أَو بالتواتر.
أَقُول: لما فرغ من حد الْعلم أَولا أردفه بِالْجَهْلِ اسْتِطْرَادًا؛ لِأَنَّهُ يُقَابله، ثمَّ شرع فِي تَقْسِيم الْعلم، وانه يَنْقَسِم إِلَى ضَرُورِيّ وَغَيره.
وَالْمرَاد بِالْعلمِ هُنَا: الْحَادِث، لَا الْعلم الْقَدِيم؛ فَإِن علمه تَعَالَى لَا يُقَال لَهُ: " ضَرُورِيّ " وَلَا " اكْتِسَاب ".
بِخِلَاف علم الْعباد؛ فَإِن الْأَشْيَاء إِذا علمت بِأحد الْحَواس من غير نظر واستدلال كَمَا لَو سمع نهيق حمَار: علم أَنه صَوته، وَكَذَا صَهِيل الْفرس.
وَكَذَا من رأى لوناً أَبيض أَو أسود، أَو مس جسما علم أَنه ناعم، أَو خشن، أَو شم رَائِحَة علم أَنَّهَا طيبَة أَو كريهة، أَو ذاق طَعَاما: علم أَنه حامض أَو مر.
فَإِن هَذِه الْأَشْيَاء يعلمهَا الْإِنْسَان بديهيا من غير نظر واستدلال، وَلَا يُمكن اندفاعها عَن علمه، بل بِمُجَرَّد حُصُول الصَّوْت فِي الْأذن أدْرك مَعْنَاهُ.
وَكَذَا فتح الحدقة فِيمَا يُمكن رُؤْيَته.
وَكَذَا ملاقاة بشرة الملموس، وَكَذَا نشق الْهوى للرائحة.
стр. 37
وَكَذَا اتِّصَال المذوق إِلَى اللِّسَان.
فَإِن هَذِه الْأَشْيَاء تعلم بالحواس الْخمس.
ثمَّ أعقبهم بالتواتر أَي: يُشِير إِلَى أَن من الْعلم الضَّرُورِيّ لَا يُدْرِكهُ بالحواس، بل بالتواتر كعلمنا بِبَلَد لم نره، بل علم يَقِينا بالتواتر، وكعلمنا. بِالْمَلَائِكَةِ والأنبياء، وَالْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَغير ذَلِك.
وَلنَا قسم سَابِع تدْرك بِهِ الْأَشْيَاء من غير نظر واستدلال كعلمنا أَن الْبيَاض والسواد لَا يَجْتَمِعَانِ فِي مَحل وَاحِد، وَأَن الْجُزْء أقل من الْكل، وَأَن الشَّيْء الْوَاحِد لَا يكون مَعْدُوما مَوْجُودا فِي حَال وَاحِد.
فَإِن هَذِه الْأَشْيَاء - كلهَا - تعلم ضَرُورَة من غير نظر واستدلال وَالله أعلم.
[تَعْرِيف الْعلم المكتسب، وَالنَّظَر، وَالِاسْتِدْلَال وَالدَّلِيل]
قَالَ: (وَالْعلم المكتسب: مَا يَقع عَن نظر واستدلال.
وَالنَّظَر هُوَ: الْفِكر فِي حَال المنظور فِيهِ.
وَالِاسْتِدْلَال: طلب الدَّلِيل.
وَالدَّلِيل: هُوَ المرشد إِلَى الْمَطْلُوب) .
стр. 38
أَقُول: لما فرغ من تَعْرِيف الْعلم الضَّرُورِيّ شرع فِي [تَعْرِيف] الْعلم المكتسب، وَهُوَ: الَّذِي لَا تعلم الْأَشْيَاء الْمَطْلُوبَة [إِلَّا بِنَظَر] واستدلال.
وَلَو اقْتصر على أحد اللَّفْظَيْنِ كفى؛ لِأَن النّظر - فِي الْحَقِيقَة - هُوَ الطّلب، وَالِاسْتِدْلَال كَذَلِك.
لَكِن رُبمَا جمع بَينهمَا زِيَادَة إِيضَاح.
وَلِهَذَا فسر كل وَاحِد مِنْهُمَا بتفسير فِي الظَّاهِر، وَإِن كَانَت الْحَقِيقَة وَاحِدَة: فَقَالَ: -
النّظر هُوَ: الْفِكر فِي حَال المنظور فِيهِ.
وَالِاسْتِدْلَال: طلب الدَّلِيل، كَأَنَّهُ يُشِير إِلَى أَن النّظر أَعم من الِاسْتِدْلَال وَلِهَذَا عرفه بالفكر فِي حَال المنظور فِيهِ؛ لِأَن الْفِكر قد يكون من جِهَة مَا يصدق بِهِ وَيحكم عَلَيْهِ كَقَوْلِنَا: " الرِّبَا حرَام " و " الْمُتْعَة حرَام " و " الِاسْتِئْجَار على الوطي حرَام " فَهَذِهِ عُقُود علم تَحْرِيمهَا بالفكر وَالِاسْتِدْلَال وَحكم عَلَيْهَا.
وَقد يكون الْفِكر من جِهَة تصور مَا وَلَا يحكم عَلَيْهِ، وَذَلِكَ لعدم الِاسْتِدْلَال، فَكَانَ الْفِكر أَعم، وَالِاسْتِدْلَال أخص؛ لوُجُوده فِي أحد الفكرين.
стр. 39
ثمَّ فسر الِاسْتِدْلَال بِطَلَب الدَّلِيل المرشد إِلَى الْمَطْلُوب، فَكَأَنَّهُ جعل الِاسْتِدْلَال طلب الدَّلِيل المرشد إِلَى الْمَقْصُود سَوَاء اتَّصل إِلَى الْمَقْصُود بطرِيق قَطْعِيّ أَو ظَنِّي عِنْد الْفُقَهَاء.
وَفرق المتكلمون بَين مَا يُوصل إِلَى الْمَقْصُود أَن يكون بطرِيق قَطْعِيّ أَو ظَنِّي، فَمَا أوصل بطرِيق قَطْعِيّ يُسمى دَلِيلا، وَإِلَّا يُسمى أَمارَة وَالله أعلم
[تَعْرِيف الظَّن]
قَالَ: (وَالظَّن: تَجْوِيز أَمريْن أَحدهمَا أظهر من الآخر) .
أَقُول: لما ذكر رسم الْأُصُول، ورسم الْفِقْه، ورسم الْعلم الَّذِي بِهِ يتَوَصَّل إِلَى معرفتهما: شرع فِي الْفرق بَين " الظَّن " و " الشَّك " اللَّذين بهما يتَوَصَّل أَيْضا إِلَى معرفَة الْأُصُول وَالْفِقْه فَقَالَ: -
الظَّن: تَجْوِيز أَمريْن أَحدهمَا أظهر من الآخر كَمَا لَو هبت الرِّيَاح وتغيمت
стр. 40
السَّمَاء فِي الشتَاء فَإِن الرَّاجِح من هذَيْن الِاحْتِمَالَيْنِ وُقُوع الْمَطَر، وَهُوَ الظَّن.
والطرف المرجوع الْمُقَابل للراجح يُسمى وهما وَالله أعلم.
[تَعْرِيف الشَّك]
قَالَ: (وَالشَّكّ: تَجْوِيز أَمريْن لامزية لأَحَدهمَا على الآخر) .
أَقُول: لما فرغ من تَعْرِيف الظَّن الَّذِي هُوَ الطّرف الرَّاجِح أَخذ فِي بَيَان مَا يَسْتَوِي طرفاه من غير تَرْجِيح كَمَا لَو تَيَقّن الْوضُوء وَالْحَدَث، ثمَّ جهل السَّابِق مِنْهُمَا.
فَإِن غلب عَلَيْهِ تقدم أحد الْأَمريْنِ سمى الْغَالِب ظنا، وَالثَّانِي وهما.
وَإِن اسْتَوَى الطرفان من غير تَرْجِيح سمي شكا.
وَهَذَا فِي اصْطِلَاح أهل هَذَا الْفَنّ.
وَإِلَّا فَفِي اللُّغَة لَا فرق بَين الظَّن وَالشَّكّ، وَبِه قَالَ الْخَلِيل ابْن أَحْمد.
стр. 41
وَإِنَّمَا ميز الشَّيْخ ﵀ بَينهمَا؛ إِشَارَة لأقسام تردد على الْعلم، وَلها مدْخل فِي الْمَذْهَب فَتَارَة يتَوَصَّل إِلَى معرفَة أصُول الْفِقْه بِالْعلمِ، وَتارَة بِالظَّنِّ، وَتارَة بِالشَّكِّ وَالله أعلم.
[تَعْرِيف أصُول الْفِقْه]
قَالَ: (وأصول الْفِقْه طرقه على سَبِيل الْإِجْمَال، وَكَيْفِيَّة الِاسْتِدْلَال بهَا [وَمعنى قَوْلنَا: كَيْفيَّة الِاسْتِدْلَال بهَا تَرْتِيب الْأَدِلَّة فِي التَّرْتِيب والتقديم وَالتَّأْخِير وَمَا يتبع ذَلِك من أَحْكَام الْمُجْتَهدين] .
أَقُول: لما فرغ من بَيَان الْأُصُول، وَبَيَان الْفِقْه وَبَيَان مَا يحْتَاج إِلَيْهِ فِي هَذَا الْفَنّ (من الْعلم) و (الظَّن) و (الشَّك) و (النّظر) و (الدَّلِيل) شرع فِي بَيَان معنى قَوْله: " أصُول الْفِقْه " فَإِن التَّرْكِيب الإضافي لَا يُفِيد إِلَّا لنسبة تكون بَين الْمُضَاف والمضاف إِلَيْهِ.
وَقد سبق أَنه لَا بُد للمتكلم بهما من معرفَة كل وَاحِد مِنْهُمَا مُنْفَردا، ثمَّ تعلم النِّسْبَة بَينهمَا، ثمَّ يضيف أَحدهمَا إِلَى الآخر.
كَمَا إِذا تصورنا الْغُلَام - مثلا - ثمَّ زيدا، ثمَّ علمنَا أَنه ملكه، فَهَذِهِ نِسْبَة تفِيد إِضَافَة الْغُلَام إِلَى زيد فَكَذَا من عرف " الأَصْل " و " الْفِقْه " فَلَا يعلم معنى التَّرْكِيب حَتَّى يشْرَح لَهُ مَأْخَذ الشَّيْخ ﵀ فِي شرح معنى التَّرْكِيب الَّذِي هُوَ علم لهَذَا الْفَنّ فَقَالَ:
стр. 42
أصُول الْفِقْه: " طرْقَة على سَبِيل الْإِجْمَال " أَي: دلائله مجملة. " وَإِنَّمَا قيد دلائله بالإجمال ليخرج الْفِقْه؛ لِأَن دلائله مفصله.
وَالْمرَاد بالدلائل: مَا يتَوَصَّل بهَا إِلَى إِثْبَات الْأَحْكَام كالإجماع، وَالْقِيَاس، وَالْأَخْبَار.
وَقَوله: " وَكَيْفِيَّة الِاسْتِدْلَال " يُشِير إِلَى حَال الْمُجْتَهد إِلَى أَنه مَعَ معرفَة الْأَدِلَّة لَا بُد لَهُ من معرفَة كَيْفيَّة الِاسْتِدْلَال كحمل الْمُطلق على الْمُقَيد، وَتَقْدِيم الْخَاص على الْعَام، وَالنَّظَر فِي الْمسَائِل الغامضة وَغير ذَلِك مِمَّا يَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ وَاضحا إِن شَاءَ الله - تَعَالَى -.
وغايته: أَن أصُول الْفِقْه يشْتَمل على الْإِجْمَال، وطرق الْفِقْه، وَكَيْفِيَّة اسْتِعْمَالهَا، وَحَال الْمُجْتَهد، وَالله أعلم.
стр. 43
[أَبْوَاب أصُول الْفِقْه]
قَالَ: (وَمن أَبْوَاب أصُول الْفِقْه: " أَقسَام الْكَلَام " و " الْأَمر " و " النَّهْي " و " الْعَام " و " الْخَاص "، " والمجمل " و " الْمُبين " و " الظَّاهِر " و " المؤل " و " الْأَفْعَال " و " النَّاسِخ والمنسوخ " و " الْإِجْمَاع " و " الْقيَاس " و " الْأَخْبَار "، و " الْحَظْر " و " الْإِبَاحَة " و " تَرْتِيب الْأَدِلَّة " و " صفة الْمُفْتِي والمستفتي " و " أَحْكَام الْمُجْتَهدين ") .
أَقُول: لما فرغ من بَيَان أصُول الْفِقْه، وَبَيَان مَا يتَوَصَّل إِلَى معرفَة الْأُصُول من علم وَظن وَشك وَغير ذَلِك: شرع فِي عدد أبوابه إِجْمَالا، ثمَّ يفصله بَابا بَابا إِلَى آخر ورقاته على مَا ستراه إِن شَاءَ الله وَاضحا.
[بَيَان مَا يتركب مِنْهُ الْكَلَام]
[قَالَ: (فَأَما أَقسَام الْكَلَام فَأَقل مَا يتركب مِنْهُ الْكَلَام اسمان، أَو اسْم وَفعل، أَو اسْم وحرف، أَو حرف وَفعل) ] .
أَقُول: لما فرغ من عد الْأَبْوَاب أَخذ فِي تَفْصِيل مَعَانِيهَا على التَّرْتِيب فَبَدَأَ بأقسام الْكَلَام وَأَنه ينْعَقد من اسْمَيْنِ مثل: " زيد قَائِم " وَهَذَا لَا خلاف فِيهِ بَين الْعلمَاء.
стр. 44
وَمن اسْم وَفعل مثل: " زيد قَامَ ": أَو " يقوم " وَهَذَا كَذَلِك لَا خلاف بَينهم فِيهِ.
وَاخْتلفُوا فِي انْعِقَاده من حرف وَاسم مثل " يَا زيد ":
فَذهب الْجِرْجَانِيّ إِلَى انْعِقَاده.
وَذهب الْجُمْهُور إِلَى أَنه مَا انْعَقَد الْحَرْف مَعَ الِاسْم إِلَّا لما نَاب عَن الْفِعْل وَهُوَ: " أَدْعُو " أَو " أنادي ".
وَكَذَا اخْتلفُوا فِي انْعِقَاده من حرف وَفعل: -
فَذهب قوم إِلَى انْعِقَاده مثل: " لم يقم " و " مَا قَامَ ".
وَذهب الْجُمْهُور إِلَى عدم انْعِقَاده بهما، وَإِنَّمَا انْعَقَد لوُجُود الضَّمِير الَّذِي فِي الْفِعْل؛ لِأَن تَقْدِيره: " لم يقم هُوَ " و " مَا قَامَ هُوَ " وَالله أعلم.
стр. 45
[انقسام الْكَلَام بِاعْتِبَار مَدْلُوله]
قَالَ: (وَالْكَلَام يَنْقَسِم إِلَى أَمر، وَنهى، وَخبر، واستخبار) .
أَقُول: لما فرغ من تَقْسِيم الْكَلَام إِجْمَالا أَخذ فِي تَقْسِيم مَعَانِيه؛ لِأَن الْكَلَام لَا يَخْلُو:
أَن يُرَاد بِهِ الْفِعْل، أَو التّرْك أَو الْإِعْلَام.
فَالْأول: هُوَ الْأَمر.
وَالثَّانِي: النَّهْي.
وَالثَّالِث: هُوَ الْخَبَر مثل " قَامَ زيد " أَو " زيد قَامَ ".
وَكَذَا الاستخبار مثل " هَل قَامَ زيد؟ " أَو " هَل زيد قَائِم؟ " وَالله أعلم.
[انقسام الْكَلَام بِحَسب الِاسْتِعْمَال وتعريف الْحَقِيقَة]
قَالَ: (وَمن وَجه آخر إِلَى حَقِيقَة ومجاز، فالحقيقة: مَا بَقِي على مَوْضُوعه، وَقيل: مَا اسْتعْمل فِيمَا اصْطلحَ عَلَيْهِ من المخاطبة) .
أَقُول: لما قسم الْكَلَام إِلَى أَمر أَو نهي: شرع فِي تقسيمه من وَجه آخر إِلَى حَقِيقَة ومجاز فَقَالَ.
[الْحَقِيقَة] : مَا بَقِي على مَوْضُوعه. أَي: على أصل وَضعه الأول.
стр. 46
فَإِن لفظ " الْأسد وضعوها للحيوان المفترس، وَكَذَا " الْبَحْر " للْمَاء الْكثير، فَإِذا نقل للرجل الشجاع، والكريم كَانَا مجارين.
وَأعلم أَن الشَّيْخ ﵀ رسم الْحَقِيقَة برسمين: -
أَحدهمَا: مَا بَقِي على مَوْضُوعه - فَهَذَا رسم يُفِيد أَن كل لفظ نقل عَن مَوْضِعه اللّغَوِيّ إِلَى آخر فَهُوَ مجَاز سَوَاء كَانَ النَّاقِل الشَّرْع، أَو الْعرف، أَو الْوَاضِع الأول. وَهَذَا هُوَ المُرَاد بالرسم الأول.
وَأما الرَّسْم الثَّانِي فَقَالَ: مَا اسْتعْمل فِيمَا اصْطلحَ عَلَيْهِ من المخاطبة فَهَذَا رسم يُفِيد أَن كل لفظ اسْتعْمل فِيمَا اصْطلحَ عَلَيْهِ عِنْد التخاطب فَهُوَ حَقِيقَة كلفظة " الصَّلَاة " - مثلا -: -
فَإِن كَانَ الْخطاب باصطلاح اللُّغَة كَانَت حَقِيقَة؛ فَإِن لَفْظَة " الصَّلَاة " وضعت أَولا فِي اللُّغَة للدُّعَاء، فَإِذا نقلت واستعملت فِي الْعِبَادَة الْمَعْرُوفَة كَانَت مجَازًا. وَإِن كَانَ الْخطاب باصطلاح الشَّرْع كَانَت حَقِيقَة؛ لِأَن لَفْظَة الصَّلَاة وضعت أَولا فِي الشَّرْع لِلْعِبَادَةِ الْمَعْرُوفَة، فَإِذا نقلت واستعملت فِي الدُّعَاء كَانَت مجَازًا. وَكَذَا لَفْظَة " دَابَّة " إِذا أطلقت، وَكَانَ الْخطاب باصطلاح اللُّغَة فَهِيَ حَقِيقَة فِي جَمِيع مادب، ومجاز فِي ذَوَات الْأَرْبَع.
وَإِذا كَانَ الْخطاب باصطلاح الْعرف كَانَ الْأَمر بِالْعَكْسِ وَالله أعلم.
стр. 47
[تَعْرِيف الْمجَاز]
قَالَ: (وَالْمجَاز: مَا تجوز بِهِ عَن مَوْضُوعه) .
أَقُول: لما فرغ من رسم الْحَقِيقَة شرع فِي رسم الْمجَاز، لَكِن رسمه رسماً وَاحِدًا مَعَ أَن لَهُ رسمان مقابلان للرسمين الْمَذْكُورين فِي الْحَقِيقَة:
فعلى الرَّسْم الأول يُقَال: الْمجَاز هُوَ: مَا اسْتعْمل فِي غير مَوْضُوعه الأول. وعَلى الرَّسْم الثَّانِي يُقَال: هُوَ مَا اسْتعْمل فِي غير مَا اصْطلحَ عَلَيْهِ فِي المخاطبة.
وَإِنَّمَا اقْتصر على أحد الرسمين؛ اكْتِفَاء بِمَا قدم فِي رسم الْحَقِيقَة؛ لِأَن الْمجَاز مُقَابل الْحَقِيقَة وَإِنَّمَا سمي الْمجَاز مجَازًا؛ لمجاوزته عَن مَوْضِعه الأول. وَالله أعلم.
стр. 48
[أَقسَام الْحَقِيقَة]
قَالَ: (فالحقيقة إِمَّا لغوية أَو شَرْعِيَّة، أَو عرفية) .
أَقُول لما فرغ من رسم الْحَقِيقَة وَالْمجَاز شرع فِي تقيسمهما.
فَبَدَأَ بِالْحَقِيقَةِ أَولا؛ لِأَنَّهَا أصل، وَقسمهَا إِلَى ثَلَاثَة أَقسَام: حَقِيقَة لغوية كلفظة " الصَّلَاة للدُّعَاء
وَحَقِيقَة شَرْعِيَّة كلفظة " الصَّلَاة " على الْعِبَادَة الْمَعْرُوفَة.
وَحَقِيقَة عرفية كلفظة " الدَّابَّة " على ذَوَات القوائم الْأَرْبَع.
لَكِن أَجمعُوا على وجود الحقيقتين: (اللُّغَوِيَّة والعرفية) .
وَاخْتلفُوا فِي الشَّرْعِيَّة: _
فَذهب القَاضِي أَبُو بكر إِلَى منعهَا، وَقَالَ: هِيَ هِيَ حقائق لغوية فَسرهَا الشَّرْع
стр. 49
وجوزها الشَّيْخ وَجعلهَا قسما ثَالِثا.
وَذهب الْجُمْهُور إِلَى أَنَّهَا أَلْفَاظ مجازاة لغوية، فاشتهرت فِي معَان شَرْعِيَّة اشتهارا حَتَّى كَادَت أَن تكون حَقِيقَة وَالله أعلم.
[أَقسَام الْمجَاز]
قَالَ: (وَالْمجَاز إِمَّا أَن يكون بِزِيَادَة كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾
أَو نُقْصَان كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿واسأل الْقرْيَة﴾ أَي: أهل الْقرْيَة أَو اسْتِعَارَة كَقَوْلِه: ﴿جداراً يُرِيد أَن ينْقض﴾ ، أَو بِالنَّقْلِ كالغائط فِيمَا يخرج من الْإِنْسَان) .
أَقُول: لما فرغ من تَقْسِيم الْحَقِيقَة شرع فِي تَقْسِيم الْمجَاز على سَبِيل الْإِيضَاح. وَلِهَذَا مثل لكل قسم مِثَالا فَقَالَ: -
الْمجَاز إِمَّا أَن يكون بِزِيَادَة أَي: فِي لفظ الْحَقِيقَة كَقَوْلِه تَعَالَى: (لَيْسَ كمثله
стр. 50
شَيْء﴾ [سُورَة الشورى: ١١) فالكاف زَائِدَة للتَّأْكِيد؛ لِأَنَّهُ لَو كَانَ اللَّفْظ على حَقِيقَته لزم نَفْيه تَعَالَى عَن ذَلِك، وَإِثْبَات غَيره تَعَالَى وَهَذَا بَاطِل؛ لِأَن المُرَاد من الْآيَة إِثْبَات وحدانيته، وَنفي مَا يضاده؛ إِذْ لَو لَهُ مثل لشاركه فِي الْآلهَة، تَعَالَى الله عَن ذَلِك علوا كَبِيرا.
وَالْمجَاز بِالنُّقْصَانِ. مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿واسأل الْقرْيَة﴾ [سُورَة يُوسُف: ٨٢] فَإِن قرينَة الْحَال تدل على أَن السُّؤَال لَا يكون إِلَّا لمن يعقل وَأَن الْقرْيَة لَا تعقل، فَكَانَ السُّؤَال لَهَا مجَازًا، وَفِي الْحَقِيقَة إِنَّمَا هُوَ لأَهْلهَا كَمَا مثله الشَّيْخ ﵀
وَأما الْمجَاز بالاستعارة مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿جداراً يُرِيد أَن ينْقض﴾ [سُورَة الْكَهْف: ٧٧] فَلَا شكّ أَن الْإِرَادَة فِي الْحَقِيقَة لمن لَهُ حَيَاة، والجدار جماد، والجماد لَا إِرَادَة لَهُ لَكِن لما أشرف على الانهدام استعير لَهُ الْإِرَادَة.
وَمن هَذَا الْقسم قَول الْقَائِل: " أحيتني رُؤْيَة زيد " فَإِن الْإِحْيَاء فِي الْحَقِيقَة لله - تَعَالَى - لَكِن لما وجد الرَّائِي غَايَة السرُور والابتهاج بِرُؤْيَة زيد بِحَيْثُ ضاهت حَيَاة الَّتِي بهَا وجود الْإِنْسَان استعير للرؤية الْحَيَاة.
وَأما الْمجَاز بِالنَّقْلِ كالغائط فِيمَا يخرج من الْإِنْسَان، فَإِن لَفْظَة " الْغَائِط " إِنَّمَا وضعت فِي اللُّغَة أَولا لمَكَان منخفض من الأَرْض يقْصد عِنْد الْحَاجة؛
стр. 51
ليستتر بِهِ فَنقل اسْم الْمَكَان، وَجعل كِنَايَة عَن الْخَارِج، واشتهر بِحَيْثُ لَا يتَبَادَر عِنْد الْإِطْلَاق فِي الإفهام إِلَّا هُوَ، دون الْمَكَان وَالله أعلم.
[تَعْرِيف الْأَمر، وَبَيَان صِيغَة إفعل على مَاذَا تدل ؟]
قَالَ: (وَالْأَمر: استدعاء الْفِعْل بالْقَوْل مِمَّن هُوَ دونه على سَبِيل الْوُجُوب.
وصيغته: " إفعل " عِنْد الْإِطْلَاق والتجرد عِنْد الْقَرِينَة يحمل عَلَيْهِ إِلَّا مَا دلّ دَلِيل على أَن المُرَاد النّدب أَو الْإِبَاحَة [فَيحمل عَلَيْهِ] .
أَقُول: لما فرغ من تَقْسِيم الْبَاب الأول وَهُوَ الْكَلَام ، شرع فِي الثَّانِي وَهُوَ: الْأَمر.
وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي رسم الْأَمر: -
فَذهب جمَاعَة من الْمُتَأَخِّرين إِلَى عدم جَوَاز رسمه؛ لِأَن الْأَمر مَعْلُوم بديهياً لكل عَاقل، فَلَا يفْتَقر للتعريف، لِأَن كل مُكَلّف يفرق بَين " قَامَ " و " قُم ".
وَذهب جمَاعَة من الْمُتَقَدِّمين إِلَى جَوَاز رسمه وَمِنْهُم الشَّيْخ - رَحمَه الله تَعَالَى - فَقَالَ هُوَ: استدعاء الْفِعْل بالْقَوْل مِمَّن هُوَ دونه.
стр. 52
فَقَوله: " استدعاء الْفِعْل " ليخرج النَّهْي؛ لِأَنَّهُ استدعاء التّرْك على مَا يَأْتِي إِن شَاءَ الله - تَعَالَى -
وَقَوله: " بالْقَوْل " لتخرج الْإِشَارَة؛ فَإِنَّهَا لَيست بقول.
وَقَوله: " مِمَّن هُوَ دونه " ليخرج من هُوَ مثله أَو أَعلَى مِنْهُ؛ فَإِن الْأَمر لمثله لَا يُسمى أمرا، بل يُسمى التماساً.
وَكَذَا إِذا كَانَ للأعلى فَلَا يُسَمِّي أمرا، بل يُسمى دُعَاء وتضرعاً. وَقَوله: " على سَبِيل الْوُجُوب " ليخرج الْأَمر على سَبِيل النّدب وَالْإِبَاحَة؛ لِأَن الْأَمر إِذا ورد بِلَفْظ " إفعل " حمل على الْوُجُوب عِنْد الْإِطْلَاق والتجرد عَن قرينه تخرجه عَن الْوُجُوب كَقَوْلِه تَعَالَى " ﴿إِذا نُودي للصَّلَاة من يَوْم الْجُمُعَة فَاسْعَوْا إِلَى ذكر الله وذروا البيع﴾ [سُورَة الْجُمُعَة: ٩] وَقَوله تَعَالَى: ﴿أقِم الصَّلَاة﴾ [سُورَة الْإِسْرَاء: ٧٨] وَمَا أشبه ذَلِك فَهَذَا يحمل على الْوُجُوب؛ لعدم قرينَة تخرجه عَنهُ.
بِخِلَاف قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأشْهدُوا إِذا تبايعتم﴾ [سُورَة الْبَقَرَة: ٢٨٢] فقد دلّ دَلِيل
стр. 53
على عدم وُجُوبه؛ لبيعه ﵇ من غير إِشْهَاد، فَحملت الصِّيغَة على النّدب.
وَكَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا حللتم فاصطادوا﴾ [سُورَة الْمَائِدَة: ٢ ﴿فَإِذا قضيت الصَّلَاة فَانْتَشرُوا﴾ [سُورَة الْجُمُعَة: ١٠] فالإجماع مُنْعَقد على عدم جوب الِاصْطِيَاد عِنْد الْإِحْلَال، وعَلى عدم الانتشار عِنْد قَضَاء الصَّلَاة وَالله أعلم.
[هَل الْأَمر يَقْتَضِي التّكْرَار ؟]
قَالَ: (وَلَا يَقْتَضِي التّكْرَار على الصَّحِيح إِلَّا إِذا دلّ عَلَيْهِ دَلِيل) .
أَقُول: لما فرغ من رسم الْأَمر، وتقسيمه إِلَى وجوب وَندب وَإِبَاحَة شرع فِي بَيَان مَا يتَعَلَّق بِهِ الْأَمر هَل يجب تكراره؟ أم يخرج الْمَأْمُور بِهِ مِنْهُ بِمرَّة وَاحِدَة؟
فَذهب الشَّيْخ إِلَى عدم التّكْرَار كَالْحَجِّ - مثلا - إِلَّا إِذا دلّ دَلِيل على تكراره
стр. 54
كَالزَّكَاةِ فَإِنَّهُ ﵇ كَانَ يبْعَث سعاته كل سنة.
وَذهب آخَرُونَ إِلَى تكراره، مِنْهُم أَبُو إِسْحَاق الأسفراييني.
стр. 55
وَفِيه قَول ثَالِث وَهُوَ: التَّوَقُّف؛ لِأَن الْأَمر مُشْتَرك بَين أَن يكون للتكرار أَولا حَتَّى يُبينهُ الشَّارِع أَو الْإِجْمَاع.
ولهذه الْأَقْوَال قَالَ: لَا يَقْتَضِي التّكْرَار على الْأَصَح.
وَهَذَا الْخلاف فِي الْمُطلق.
وَأما الْمُقَيد بِوَقْت كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿أقِم الصَّلَاة لدلوك الشَّمْس﴾ [سُورَة الْإِسْرَاء: ٧٨] ، وَكَذَا الصَّوْم لرؤية هِلَال رَمَضَان فَإِنَّهُ يَقْتَضِي التّكْرَار وَالله أعلم.
стр. 56
[هَل الْأَمر يَقْتَضِي الْفَوْر أَو لَا .]
قَالَ: (وَلَا يَقْتَضِي الْفَوْر، لِأَن الْفَرْض مِنْهُ إِيجَاد الْفِعْل من غير اخْتِصَاص بِالزَّمَانِ الأول، دون الزَّمَان الثَّانِي) .
أَقُول: لما فرغ من بَيَان الْأَمر الْمُطلق [وَبَين] أَنه لَا يَقْتَضِي التّكْرَار على الْأَصَح: شرع فِي بَيَان أَنه لَا يَقْتَضِي الْفَوْر - أَيْضا -؛ لِأَن مُقْتَضى الْأَمر إِيجَاد الْفِعْل وَلَو مرّة وَاحِدَة من غير اخْتِصَاص بِالزَّمَانِ الأول، دون الثَّانِي، بل فِي أَي زمَان وجد فِيهِ أَجْزَأَ.
стр. 57
وَذهب أَبُو إِسْحَاق الإِسْفِرَايِينِيّ إِلَى الْفَوْرِيَّة.
وَبِه قَالَت الْحَنَفِيَّة، وَذكروا وُجُوهًا كَثِيرَة تدل على الْفَوْرِيَّة لَا يَلِيق إيرادها فِي هَذَا الْمُخْتَصر.
وَأجِيب عَن جَمِيعهَا وَالْحَمْد لله.
وَهَذَا فِي الْأَمر الْمُطلق.
فَأَما الْأَمر الْمُقَيد بِوَقْت أَو سَبَب فَلَا يَقْتَضِي الْفَوْر، بل يجوز التَّأْخِير كَالصَّلَاةِ إِذا أخرت إِلَى آخر الْوَقْت، وَقَضَاء الصَّوْم إِذا فَاتَ وَالله أعلم.
стр. 58
[مَا لَا يتم الْأَمر إِلَّا بِهِ]
قَالَ: (وَالْأَمر بإيجاد الْفِعْل أَمر بِهِ، وَبِمَا لَا يتم، الْفِعْل إِلَّا بِهِ كالأمر بِالصَّلَاةِ أَمر بِالطَّهَارَةِ المؤدية إِلَيْهَا) .
أَقُول: لما فرغ من تَقْسِيم الْأَمر وَمَا يَقْتَضِيهِ من عدم التّكْرَار والفور شرع فِي بَيَان: مَا لَا يتم الْأَمر إِلَّا بِهِ فَهُوَ أَيْضا أَمر كَالصَّلَاةِ - مثلا - فَإنَّا أمرنَا بهَا وَلَا شكّ أَنَّهَا لَا تصح من غير طَهَارَة.
وَهَذَا من قَول الْفُقَهَاء مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ الْوَاجِب فَهُوَ وَاجِب كالأمر بِالصَّلَاةِ أَمر بِالطَّهَارَةِ؛ إِذْ لَا تصح إِلَّا بهَا.
وَكَذَا كل وَاجِب تتَوَقَّف صِحَّته على غَيره.
стр. 59
وَلِهَذَا نَظِير فِي الحسيات كأمر السَّيِّد عَبده بِرَفْع سقف، أَو صعُود إِلَى سطح فَلَا بُد للْعَبد من أَن يُهَيِّئ شَيْئا من جِدَار، أَو مرقاة وَغَيرهمَا ليتوصل إِلَى امْتِثَال الْأَمر فَكَأَنَّهُ لما أمره بالصعود والارتفاع أمره بِمَا يتَوَصَّل بِهِ إِلَيْهَا.
فَلَمَّا كَانَ هَذَا مَعْلُوم فِي الحسيات كَانَ مثله فِي الشرعيات وَالله أعلم.
[حكم من فعل الْمَأْمُور بِهِ]
قَالَ: (وَإِذا فعل خرج الْمَأْمُور عَن الْعهْدَة) .
أَقُول: إِن الشَّيْخ ﵀ يُشِير إِلَى أَن الْمُكَلف إِذا أَتَى بِمَا أَمر بِهِ خرج عَن الْعهْدَة وَهِي: سُقُوطه عَنهُ.
لَكِن فِي الْمَسْأَلَة خلاف بَين الْأُصُولِيِّينَ وَبَين الْفُقَهَاء: -
فَذهب الأصوليون إِلَى أَن غَايَة الْعِبَادَة: امْتِثَال الْأَمر.
وَقَالَ الْفُقَهَاء: غايتها سُقُوطهَا.
وَتظهر فَائِدَة الْخلاف فِي من ظن الطَّهَارَة وَصلى، ثمَّ بَان مُحدثا صحت
стр. 60
صلَاته عِنْد الْأُصُولِيِّينَ؛ لامتثال الْأَمر.
خلافًا للفقهاء؛ لِأَن غايتها: سُقُوطهَا، وَلم تسْقط عَنهُ.
وَكَذَا لَو ظن الْقبْلَة فَظهر خلَافهَا وَالله أعلم
[من لَا يدْخل فِي الْأَمر]
قَالَ: (وَمَا لَا يدْخل فِي الْأَمر: النَّائِم، والساهي، وَالصَّبِيّ، وَالْمَجْنُون) .
أَقُول: لما بَين أَن الْأَمر للمكلف: شرع فِي بَيَان مَا خرج عَن الْخطاب كالنائم
стр. 61
والساهي؛ لِأَن شَرط الْخطاب: الْفَهم وَهُوَ مَفْقُود فيهمَا.
فَإِن قيل: فَإِنَّهُ ﵇ شرع سُجُود السَّهْو للساهي.
وَأوجب على النَّائِم مَا أتْلفه حَال النّوم.
فَهَذَا دَلِيل على أَنَّهُمَا داخلان فِي الْخطاب.
стр. 62
قُلْنَا: لم يَكُونَا داخلين؛ لارْتِفَاع الْقَلَم عَنْهُمَا؛ فَإِذا زَالَ مَا بهما أمرا بتدارك مَا فاتهما عِنْد الْغَفْلَة.
وَأما الصَّبِي وَالْمَجْنُون لم يدخلا؛ لظَاهِر قَوْله ﵇: (رفع الْقَلَم عَن ثَلَاثَة) فعد النَّائِم، وَالصَّبِيّ، وَالْمَجْنُون وَالله أعلم.
стр. 63
[الْكفَّار مخاطبون بِفُرُوع الشَّرِيعَة]
قَالَ: (وَالْكفَّار مخاطبون بِفُرُوع الشَّرَائِع، وَبِمَا لَا تصح إِلَّا بِهِ وَهُوَ: الْإِسْلَام؛ لقَوْله تَعَالَى: - حِكَايَة عَن الْكفَّار - ﴿قَالُوا لم نك من الْمُصَلِّين﴾ . .)
أَقُول: لما فرغ من بَيَان الْمجمع على خُرُوجهمْ شرع فِيمَا اخْتلف الأصوليون فيهم، وهم الْكفَّار: -
فَذهب أَبُو حنيفَة إِلَى عدم خطابهم بِفُرُوع الشَّرَائِع.
وَاحْتج بِأَنَّهُ لَو كَانُوا مخاطبين بهَا فَلَا يَخْلُو أَن يكون قبل الْإِسْلَام، أَو بعده.
فَإِن قُلْتُمْ: قبله فَهُوَ محَال؛ لعدم صِحَة الْعِبَادَات من الْكَافِر.
" وَإِن قُلْتُمْ بعده فَكَذَلِك؛ لإِجْمَاع الْعلمَاء أَن لَا يُؤمر الْكَافِر بعد الْإِسْلَام بِمَا فَاتَهُ فِي حَالَة الْكفْر، وَلَا يُؤَاخذ بارتكاب مَا فعله من الْمُحرمَات.
стр. 64
وَذهب آخَرُونَ [إِلَى] أَنهم مخاطبون بالمنهيات، دون الْعِبَادَات.
وَاحْتَجُّوا بِأَن الْكَافِر يتَصَوَّر مِنْهُ [الِانْتِهَاء] عَن المنهيات فِي حَالَة الْكفْر.
بِخِلَاف الْعِبَادَات فَعلم أَنهم لم يَكُونُوا مخاطبين بهَا.
وَذهب الشَّافِعِي إِلَى انهم مخاطبون بالأوامر والنواهي.
وَاحْتج بَان الْخطاب مُتَعَلق بِكُل بَالغ عَاقل، وهما موجودان فِي الْكَافِر فهم
стр. 65
مخاطبون بهَا، لَكِن لَا تصح إِلَّا بِالْإِسْلَامِ كَالصَّلَاةِ؛ فَإِن الْمُؤمن مُخَاطب بهَا لَكِن كَمَا سبق لَا بُد من الطَّهَارَة، فَالْأَمْر بهَا أَمر بِالطَّهَارَةِ - كَمَا سبق -.
وَكَذَا الْكَافِر أمره بِالْعبَادَة أَمر بِالْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ من لوازمها؛ إِذْ لَا تصح إِلَّا بِهِ.
وَقد جَاءَ مَا يُؤَيّد هَذَا وَهُوَ قَوْله تَعَالَى - حِكَايَة عَن جَوَاب سُؤَالهمْ -: ﴿مَا سلككم فِي سقر قَالُوا لم نك من الْمُصَلِّين وَلم نك نطعم الْمِسْكِين وَكُنَّا نَخُوض مَعَ الخائضين﴾ .
فَهَذَا دَلِيل على تَضْعِيف الْعَذَاب بترك المأمورات، وَهِي الصَّلَاة وَالزَّكَاة، وارتكاب المنهيات وَهِي: الْخَوْض مَعَ الخائضين فِيمَا نهوا عَنهُ، وَإِنَّمَا يكون عذَابا زَائِدا على عَذَاب الْكفْر.
وعَلى الأول إِنَّمَا يَكُونُوا معذبين على الْكفْر - فَقَط - وَالله أعلم.
стр. 66
[هَل الْآمِر بالشَّيْء نهي عَن ضِدّه ؟]
قَالَ: (وَالْأَمر بالشَّيْء نهي عَن ضِدّه) .
أَقُول: لما فرغ من بَيَان من يتَعَلَّق بِهِ الْخطاب، وَمن لَا يتَعَلَّق بِهِ: شرع فِي حَقِيقَته فَقَالَ: الْأَمر بالشَّيْء نهي عَن ضِدّه كَمَا: إِذا قدر على كلمة حق لتخليص مظلوم فَهُوَ مَأْمُور بهما، وَإِذا كَانَ مَأْمُورا بهما فَهُوَ مَنْهِيّ عَن ضدهما، وَهُوَ: التّرْك لكلمة الْحق وتخليص الْمَظْلُوم.
وَمثله فِي الحسيات كَمَا لَو أَمر بِالْقيامِ فَهُوَ مَنْهِيّ عَن أضداده، وَهُوَ الْقعُود والإتكاء. وَالله أعلم.
стр. 67
[النَّهْي أَمر بضده، وتعريف النَّهْي]
قَالَ: (وَالنَّهْي أَمر بضده وَهُوَ: استدعاء التّرْك بالْقَوْل مِمَّن هُوَ دونه على سَبِيل الْوُجُوب) .
أَقُول: لما فرغ من رسمي الْبَابَيْنِ وهما: " الْكَلَام " و " الْأَمر ". شرع فِي الْبَاب الثَّالِث وَهُوَ: النَّهْي فرسمه بِأَنَّهُ استدعاء التّرْك. إِلَى آخِره؛ لِأَنَّهُ يُقَابل الْأَمر؛ لِأَنَّهُ لما رسم الْأَمر بِأَنَّهُ استدعاء الْفِعْل رسم النَّهْي بِأَنَّهُ استدعاء التّرْك؛ لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا استدعاء لِلْأَمْرِ بِالْفِعْلِ، أَو لتَركه.
وَقَوله: " بالْقَوْل " لتخرج الْإِشَارَة؛ لِأَنَّهَا لم تكن بالْقَوْل وَقَوله " على سَبِيل الْوُجُوب " ليخرج التضرع فَإِنَّهُ لَيْسَ أمرا على سَبِيل الْوُجُوب، وَذَلِكَ كَمَا أَن العَبْد إِذا سَأَلَ سَيّده: أَن لَا يكلفه غير طاقته، وَأَن لَا يفتنه عِنْد مَوته، وَمَا أشبه ذَلِك. فَلَا يُقَال لهَذَا نهي، وَلَا على سَبِيل الْوُجُوب.
стр. 68
[النَّهْي يدل على فَسَاد الْمنْهِي عَنهُ]
قَالَ: (وَيدل على فَسَاد الْمنْهِي عَنهُ) .
أَقُول: إِن الشَّيْخ ﵀ يُشِير إِلَى أَن النَّهْي عَن الشَّيْء يَقْتَضِي فَسَاده؛ لِأَن الشَّارِع ناه عَن الْمَفَاسِد، آمُر بالمصالح كالنهي عَن الصَّلَاة مَعَ النَّجَاسَة أَو لغير الْقبْلَة، وَالْبيع بِمَا فِي أَرْحَام الْإِنَاث وحبل الحبلة وَهُوَ ولد الْوَلَد.
فالنهي عَن هَذِه الْأَشْيَاء يدل على فَسَادهَا وَالله أعلم.
стр. 69
[مَعَاني صِيغَة " إفعل "، وَصِيغَة " لَا تفعل "]
قَالَ: (وَترد صِيغَة الْأَمر، وَالْمرَاد بهَا الْإِبَاحَة، أَو التهديد، أَو التَّسْوِيَة، أَو التكوين) .
أَقُول: يُشِير إِلَى صِيغ أَمر تَأتي، وَلم تكن للْوُجُوب: -
أَحدهَا: للْإِبَاحَة كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَإِذا حللتم فاصطادوا﴾ [سُورَة الْمَائِدَة: ٢]
وَالثَّانيَِة: للتهديد كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُم﴾ [سُورَة فصلت: ٤٠]
стр. 70
وَالثَّالِثَة: للتسوية كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿اصْبِرُوا أَو لَا تصبروا﴾ [سُورَة الطّور: ١٦]
وَالرَّابِعَة للتكوين كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿كونُوا قردة﴾ [سُورَة الْبَقَرَة: ٦٥] و ﴿يَا نَار كوني بردا﴾ [سُورَة الْأَنْبِيَاء: ٦٩] انْتهى كَلَام الشَّيْخ ﵀، وَلم يذكر
стр. 71
للنَّهْي صيغا.
أَقُول: تَأتي صِيغَة لثمان معَان:
للتَّحْرِيم نَحْو: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا﴾ [سُورَة آل عمرَان: ١٣٠]
وَالْكَرَاهَة كَقَوْلِه ﵇: " لَا تفعلي هَذَا " أَي: لما نهاها عَن المشمس.
стр. 72
وللتحقير كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَلَا تَمُدَّن عَيْنَيْك﴾ [سُورَة الْحجر: ٨٨]
ولبيان الْعَافِيَة كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَلَا تحسبن الله غافلا﴾ [سُورَة إِبْرَاهِيم: ٤٢]
وللدعاء كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿لَا تُؤَاخِذنَا﴾ [سُورَة الْبَقَرَة: ٢٨٦]
ولليأس كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿لَا تعتذروا﴾ [سُورَة التَّحْرِيم: ٧]
وللإرشاد كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿لَا تسألوا عَن أَشْيَاء﴾ [سُورَة الْمَائِدَة: ١٠١] . وللتسلية كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَلَا تحزن عَلَيْهِم﴾ [سُورَة النَّحْل: ١٣٧] وَالله أعلم.
стр. 73
[تَعْرِيف الْعَام]
قَالَ: (وَأما الْعَام: فَهُوَ: مَا عَم شَيْئَيْنِ فَصَاعِدا، من قَوْلك: " عممت زيدا وعمراً بالعطايا، و " عممت جَمِيع النَّاس بالعطايا ") .
أَقُول: لما فرغ من بَيَان الْبَاب الثَّالِث: شرع فِي الرَّابِع وَهُوَ: الْعَام، وَإِنَّمَا سمي عَاما؛ لِكَثْرَة الْأَفْرَاد الَّذِي يدل عَلَيْهَا، وَلِهَذَا يُقَال: " عَم الْجَرَاد الْبِلَاد " أَي: كثر فِيهَا.
وَقَوله: " مَا عَم شَيْئَيْنِ فَصَاعِدا " لتخرج أَسمَاء الْعدَد كالخمسة وَالْعشرَة - مثلا - فَلَا تسمي عَاما؛ لانحصارهما وَإِن دلا على أَفْرَاد لَكِن منحصرة؛ فَإِن الْخَمْسَة لَا تتَنَاوَل شَيْئا زَائِدا عَلَيْهَا، وَكَذَا الْعشْرَة وَنَحْوهمَا من الْأَعْدَاد فَبَانَت أَنَّهَا لَيست من أَلْفَاظ الْعُمُوم.
بِخِلَاف قَوْلك " عممت زيدا وعمراً بالعطايا " و " جَمِيع النَّاس " إِذْ لَا حصر للنَّاس وَالله أعلم.
стр. 74
[صِيغ الْعُمُوم]
قَالَ: (وَأَلْفَاظه: الِاسْم الْوَاحِد الْمُعَرّف بِالْألف وَاللَّام، وَالْجمع الْمُعَرّف بهما، والأسماء المبهمة ك " من " فِيمَن يعقل، و " مَا " فِيمَا لَا يعقل، و " أَي " فِي الْجَمِيع، و " أَيْن " فِي الْمَكَان و " مَتى " فِي الزَّمَان " و " مَا " فِي الِاسْتِفْهَام وَالْجَزَاء وَغَيره، و " لَا " فِي النكرات كَقَوْلِك: " لَا رجل فِي الدَّار ") .
أَقُول: لما فرغ من رسم الْعَام: شرع فِي صِيغَة، فَذكر من صيغه ثَلَاثَة أَلْفَاظ: -
أَحدهَا: الِاسْم الْوَاحِد الْمُعَرّف.
وَالثَّانِي " الْجمع الْمُعَرّف.
وَالثَّالِث الْأَسْمَاء المبهمة.
ثمَّ قسم الْأَسْمَاء المبهمة إِلَى سَبْعَة أَقسَام.
وسأوضحها وَاحِدًا [وَاحِدًا] إِن شَاءَ الله - تَعَالَى - من غير تَطْوِيل، تسهيلاً من غير ذكر الْخلاف فِيهَا وَبِاللَّهِ الْمُسْتَعَان.
أما الِاسْم الْوَاحِد كَقَوْلِك: " الرجل أفضل من الْمَرْأَة " و " الدِّينَار خير من
стр. 75
الدِّرْهَم " فهما من أَلْفَاظ الْعُمُوم، لِأَن المُرَاد بهَا جنس الرِّجَال، وَالدَّنَانِير، لَا بعض أفرادهما.
وَأما الْجمع الْمُعَرّف كَقَوْلِك: " الرِّجَال " و " وَالْفُقَهَاء " وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْركين﴾ [سُورَة التَّوْبَة: ٥] وَكَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذين يُحَاربُونَ الله﴾ [سُورَة الْمَائِدَة: ٣٣] ف " الْمُشْركُونَ " و " الَّذين " من الْعُمُوم؛ لصِحَّة اسْتثِْنَاء الْجمع الْمُنكر مِنْهُ كَقَوْلِك: " اقْتُلُوا الْمُشْركين إِلَّا مُشْركي أهل الْكتاب "
следующие страницы →