Полный текст (191 стр.). Показаны 176–191 · переход к 181.
стр. 176
فَهَذِهِ مُقَدّمَة على رِوَايَة أبي هُرَيْرَة حِين روى: (المَاء من المَاء) ؛ لِأَن أَزوَاجه أعلم بِهَذَا من الرِّجَال.
وَكَذَا يقدم الدَّلِيل الْمُوجب للْعلم على الْمُوجب للظن كالدليل من الْكتاب، وَالسّنة المتواترة على الْآحَاد؛ فَإِن سنَنه الآحادية لَا تفِيد إِلَّا ظنا، فَكَانَ الدَّلِيل الْقطعِي مقدما على الظني.
وَكَذَا يقدم دَلِيل النُّطْق على دَلِيل الْقيَاس؛ لِأَنَّهُ أقوى؛ فَإِن الدَّلِيل إِذا ورد من الْكتاب، أَو السّنة قدم على الْقيَاس؛ إِلَّا إِذا دلّ الْقيَاس على الْخُصُوص فَإِنَّهُ مقدم كَمَا سبق من حمل الْعُمُوم على الْخُصُوص.
стр. 177
وَكَذَا يقدم الْقيَاس الْجَلِيّ على الْقيَاس الْخَفي.
والجلي هُوَ: الَّذِي يفهم بديهياً عِنْد سَمَاعه من غير تَأمل كقياس الْعلَّة مقدم على قِيَاس الشّبَه، كَمَا سبق: أَن قِيَاس الشّبَه أخْفى مِنْهُ.
وَكَذَا يقدم الْقيَاس الَّذِي توَافق عِلّة أَصله أصولاً كَثِيرَة على مَا توَافق أصولاً قَليلَة.
وَأما قَوْله ﵀: " فَإِن وجد فِي النُّطْق مَا يُغير الأَصْل، وَإِلَّا: فيستصحب الْحَال " [ف] فِيهِ نظر؛ لِأَنَّهُ قيد اسْتِصْحَاب الْحَال بِعَدَمِ وجود النُّطْق - فَقَط -، بل لَا يجوز اسْتِصْحَاب الْحَال إِلَّا عِنْد عدم وجود النُّطْق والفهم وَالْقِيَاس وَالله أعلم
стр. 178
[شُرُوط الْمُفْتِي، أَو الْمُجْتَهد]
قَالَ: (وَمن شَرط الْمُفْتِي: أَن يكون عَالما بالفقه أصلا وفرعاً [خلافًا] ومذهباً، وَيكون كَامِل الْأَدِلَّة فِي الِاجْتِهَاد، عَارِفًا بِمَا يحْتَاج إِلَيْهِ فِي [استنباط] الْأَحْكَام من نَحْو، ولغة، وَمَعْرِفَة الرِّجَال، وَتَفْسِير الْآيَات الْوَارِدَة فِي الْأَحْكَام وَالْأَخْبَار الْوَارِدَة فِيهَا) .
أَقُول: لما فرغ من بَيَان الْأَدِلَّة: شرع فِي بَيَان شُرُوط الْمُفْتِي، وَهُوَ الْبَاب السَّادِس عشر، فَقَالَ: " من شُرُوط الْمُفْتِي: أَن يكون عَالما بالفقه أصلا وفرعاً ".
أما الْمُفْتِي: فَهُوَ اسْم فَاعل فِي أفتى يُفْتِي: إِذا بَين الْحق عِنْد السُّؤَال.
وَقَوله: " أَن يكون عَالما بالفقه " فِيهِ نظر؛ لِأَن الْفِقْه نتيجة الِاجْتِهَاد، فَلَو كَانَ الْفِقْه شرطا للمجتهد: لزم الدّور، لَكِن يجب أَن يكون عَالما بالأصول و [هِيَ] النُّصُوص من الْكتاب وَالسّنة الْمُتَعَلّقَة بِالْأَحْكَامِ دون المواعظ، والقصص، وَأُمُور الْآخِرَة؛ فَإِن الْمُفْتِي لَا يفْتَقر إِلَى مَعْرفَتهَا، بل يفْتَقر إِلَى معرفَة النُّصُوص؛ ليميز بَين
стр. 179
الظَّاهِر والمأول، والناسخ والمنسوخ، وَغير ذَلِك.
وَلَا يشْتَرط أَن يكون حَافِظًا لكتاب الله - تَعَالَى - وَلَا لمسائل الْأَحْكَام مِنْهُ، بل يَكْفِي الْعلم بهَا ليطلبها عِنْد مواقعها.
وَلَا [بُد] لَهُ من معرفَة الْقيَاس وأنواعه؛ ليميز مَا يجوز، وَمَا لَا يجوز.
وَلَا بُد أَن يكون عَالما بالفروع، وَهِي مسَائِل آحَاد تتَعَلَّق بهَا الْأَحْكَام؛ إِذْ لَا يشْتَرط أَن تكون الْأَحْكَام - كلهَا - بالتواتر، بل قد يحكم بالآحاد فِي بعض الصُّور؛ فَإِن عليا ﵁ أَخذ بقول الْمِقْدَاد - فَقَط - فِي نَجَاسَة الْمَذْي، وَعدم وجوب الْغسْل.
стр. 180
أَن يكون عَالما بِخِلَاف الْعلمَاء من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ، وَمن بعدهمْ.
وَلَا يشْتَرط معرفَة الْخلاف بَين الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة، بل أَن يكون عَالما بِمذهب من الْأَرْبَعَة ليفتي عَلَيْهِ ويقلده.
بِخِلَاف الْمُجْتَهد الْمُطلق فَذَلِك لَا يجوز لَهُ تَقْلِيد غَيره، بِخِلَاف الْمُفْتِي.
وَأَن يكون كَامِل الْأَدِلَّة، أَي: صَحِيح الذِّهْن بَصِير الْعقل بِحَيْثُ لَا يتشوش إِدْرَاكه عِنْد اخْتِلَاف الْأَدِلَّة وتعارضها؛ ليوثق بقوله، وَلَا يتهم.
стр. 181
وَيحْتَمل أَنه أَرَادَ بكامل الْأَدِلَّة مَا يذكرهُ - بعد - مِمَّا يحْتَاج إِلَيْهِ فِي [استنباط] الْأَحْكَام من النَّحْو، واللغة، إِلَى آخِره، فَيعلم من النَّحْو والتصريف مَا يحْتَاج - فَقَط - لَا غوامضه وشواهده، وَمن اللُّغَة مَا تَدْعُو الْحَاجة إِلَيْهِ من آيَات الْأَحْكَام الَّتِي فِي الْكتاب وَالسّنة.
وَلَا بُد من معرفَة الرِّجَال؛ ليَأْخُذ بِرِوَايَة الْعدْل، دون الْمَجْرُوح، لَكِن لَو أَخذ. من الصَّحِيحَيْنِ: جَازَ الِاقْتِصَار عَلَيْهِمَا من غير معرفَة رجالهما.
وَلَا بُد أَن يكون عَالما بتفسير الْآيَات وَالْأَخْبَار الْوَارِدَة فِي الْأَحْكَام؛ ليتَمَكَّن بالإفتاء مِنْهَا وَالله أعلم.
[مَا يشْتَرط فِي المستفتي]
قَالَ: (وَمن شَرط المستفتي: أَن يكون من أهل التَّقْلِيد، فيقلد الْمُفْتِي فِي الْفَتْوَى،
стр. 182
وَلَيْسَ للْعَالم أَن يُقَلّد، وَقيل: يُقَلّد) .
أَقُول: لما فرغ من بَيَان الْمُفْتِي: شرع فِي بَيَان المستفتي، وَهُوَ الْبَاب السَّابِع عشر.
فَقَوله: " من شَرط المستفتي: أَن يكون من أهل التَّقْلِيد " احْتِرَاز عَمَّن اجْتمعت فِيهِ شَرَائِط الِاجْتِهَاد، فَلَا يجوز لَهُ أَن يُقَلّد.
بِخِلَاف الْعَاميّ فَيجوز لَهُ أَن يَأْخُذ دينه من غَيره؛ إِذا لَو كلف النَّاس - كلهم -[بِالِاجْتِهَادِ] : لبطلت مَعَايشهمْ بِسَبَب اشتغالهم بأدوات الِاجْتِهَاد.
وَقَوله: " فيقلد الْمُفْتِي " يُشِير إِلَى مَسْأَلَتَيْنِ:
إِحْدَاهمَا: انه لَا يجوز للعامي أَن يُقَلّد كل أحد، بل لمن يكون أَهلا للتقليد،
стр. 183
ليخرج عَن الْعهْدَة، ويتحملها الْمُفْتِي.
وَالثَّانيَِة: أَنه لَا يجوز أَن يُقَلّد الْعَالم بِمُجَرَّد فعله؛ لاحْتِمَال أَن يكون ترخص فِيهِ: وَذَلِكَ بِأَن يرى الْعَاميّ الْعَالم يفعل شَيْئا، فَلَا يقلده فِيهِ، بل يسْأَل عَنهُ: إِن أفتاه بِهِ جَازَ، وَإِلَّا: فَلَا.
وَقَوله: " وَقيل: يُقَلّد " يُشِير إِلَى أَن الْعَالم يجوز لَهُ التَّقْلِيد فِيمَا أشكل عَلَيْهِ.
وَبِه قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل، وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه، وسُفْيَان
стр. 184
الثَّوْريّ.
وَالْأول: أظهر لِأَنَّهُ مُكَلّف بِالنّظرِ وَالِاسْتِدْلَال. وَالله أعلم
стр. 185
[تَعْرِيف التَّقْلِيد]
قَالَ: (والتقليد: قبُول قَول الْقَائِل من غير حجَّة، فعلى هَذَا: قبُول قَوْله ﵇ يُسمى تقليداً، وَمِنْهُم من قَالَ: التَّقْلِيد: هُوَ قبُول قَول الْقَائِل وَأَنت لَا تَدْرِي من أَيْن قَالَ، فَإِن قُلْنَا: إِنَّه ﵇ كَانَ يَقُول بِالْقِيَاسِ فَيجوز أَن يُسمى قَوْله ﵇ تقليداً) .
أَقُول: لما فرغ من بَيَان الْمُفْتِي والمستفتي: شرع فِي بَيَان التَّقْلِيد، وَهُوَ الْبَاب الثَّامِن عشر، ثمَّ رسمه.
ثمَّ رسمه ب: أَنه قبُول المستفتي قَول الْمُفْتِي من غير ذكر دَلِيل.
ثمَّ قَالَ: " فعلى هَذَا " أَي: فعلى هَذَا التَّعْرِيف يُسمى قبُول قَوْله ﵇ تقليداً؛ لِأَنَّهُ ﵇ رُبمَا أَخذ بِالِاجْتِهَادِ فِي الْأُمُور تَارَة، وبالوحي أُخْرَى.
стр. 186
وَبِهَذَا قَالَ جُمْهُور الشَّافِعِيَّة.
وَمنع آخَرُونَ وَقَالُوا: لَا يجوز لَهُ الِاجْتِهَاد؛ لِأَنَّهُ مَا كَانَ ينْطق عَن الْهوى إِن هُوَ إِلَّا وَحي يُوحى، فَعلم أَنه ﵇ لم يَأْخُذ إِلَّا عَن وَحي
стр. 187
فَلم يكن قبُول قَوْله تقليداً؛ إِذْ لم يكن عَن اجْتِهَاد مِنْهُ.
وَلِهَذَا قَالَ: وَمِنْهُم من قَالَ: هُوَ قبُول قَول الْقَائِل، وَلَا تَدْرِي من أَيْن قَالَ، وَقد علمنَا من أَيْن قَالَ، وَهُوَ الْوَحْي.
فعلى هَذَا التَّعْرِيف لَا يُسمى قبُول قَوْله ﵇ تقليداً، وَالله أعلم.
[حَقِيقَة الِاجْتِهَاد، وَمَسْأَلَة تصويب الْمُجْتَهد]
قَالَ: (وَأما الِاجْتِهَاد: فَهُوَ بذل الوسع فِي بُلُوغ الْغَرَض، فالمجتهد إِن كَانَ كَامِل الْأَدِلَّة [فِي الِاجْتِهَاد] فَإِن اجْتهد فِي الْفُرُوع وَأصَاب فَلهُ أَجْرَانِ، وَإِن اجْتهد وَأَخْطَأ فَلهُ أجر وَاحِد، وَمِنْهُم من قَالَ: كل مُجْتَهد فِي الْفُرُوع مُصِيب) .
أَقُول: لما فرغ من بَيَان رسم التَّقْلِيد: شرع فِي بَيَان الِاجْتِهَاد، وَهُوَ الْبَاب التَّاسِع عشر، وَهُوَ ختم الْأَبْوَاب.
فَقَوله: " بذل الوسع فِي بُلُوغ الْغَرَض " أَي: فِي إِدْرَاك الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة.
стр. 188
وَقَوله: " كَامِل الْأَدِلَّة " أَي: يُشِير إِلَى مَا سبق من شُرُوط الْمُجْتَهد.
فَإِذا كَانَ كَذَلِك واجتهد فَأصَاب: كَانَ لَهُ أَجْرَانِ: أجر الِاجْتِهَاد وَأجر الْإِصَابَة وَإِن أَخطَأ: كَانَ لَهُ أجر؛ لامتثال أمره ﵇، وَلَا إِثْم عَلَيْهِ
стр. 189
وَمِنْهُم من قَالَ: كل مُجْتَهد مُصِيب.
وَهَذَا ضَعِيف؛ لِاجْتِمَاع النقيضين فِي مَسْأَلَة وَاحِدَة وهما: النَّفْي، وَالْإِثْبَات قبل الِاجْتِهَاد، بل لَا بُد أَن يكون الْمُصِيب وَاحِدًا، إِذْ لَا يجوز أَن تكون الْمَسْأَلَة الْوَاحِدَة منفية ثَابِتَة. وَالله أعلم.
[قَول كل مُجْتَهد مُصِيب فِي الْأُصُول لَا يجوز]
قَالَ: (وَلَا يجوز أَن يُقَال: كل مُجْتَهد فِي الْأُصُول مُصِيب؛ لِأَن ذَلِك يُؤَدِّي إِلَى تصويب أهل الضَّلَالَة من النَّصَارَى وَالْمَجُوس، وَالْكفَّار والملحدين) .
أَقُول: لما فرغ من بَيَان جَوَاز الِاجْتِهَاد فِي الْمسَائِل الفروعية: شرع فِي بَيَان عدم الِاجْتِهَاد فِي الْمسَائِل الْأُصُولِيَّة؛ لِأَنَّهَا اعتقاديه
стр. 190
وَلَو جَازَ الِاجْتِهَاد فِيهَا لَأَدَّى إِلَى تصويب من أَخطَأ من الْملَل كَقَوْل النَّصَارَى بالصليب، وَالْمَجُوس بالظلمة والنور لخلق الْعَالم، والكافرين الْمُخَالفين فِي التَّوْحِيد، وَبَعثه ﵇، الْمُلْحِدِينَ الْقَائِلين بِعَدَمِ خلق الْأَفْعَال.
وَهَذَا بَاطِل، تَعَالَى الله عَمَّا يَقُولُونَ علوا كَبِيرا.
وَنقل عَن عبيد الله بن الْحسن الْعَنْبَري: جَوَاز الِاجْتِهَاد فِي الْأُصُول.
وَالظَّاهِر من إِطْلَاقه [إِنَّه] أَرَادَ الْخلاف الْوَاقِع بَين أهل الْقبْلَة كالخلاف الْوَاقِع بَين الأشعرية فِي ثُبُوت الْأَفْعَال لله تَعَالَى عِنْد الأشعرية دون الْمُعْتَزلَة. ورؤيته تَعَالَى فِي الْآخِرَة، وَغير ذَلِك. فَهُوَ جَائِز عَنهُ، وَقَالَ: هم معذورون، لِأَنَّهُ قصدُوا تَعْظِيمه تَعَالَى.
стр. 191
وَالْحق: مَا سبق؛ لِأَن الْملَل - أَيْضا - مَا قصدُوا - بزعمهم - إِلَّا الْحق وتعظيمه تَعَالَى.
وَالدَّلِيل على بطلَان مَا قَالَ: إِنْكَار الصَّحَابَة على المبتدعة، والقدرية، والخوارج، وَلم ينكروا عَمَّن خَالف بَعضهم بَعْضًا فِي الْفُرُوع وَالله أعلم. [وَالْحَمْد لله وَحده] [وَصلى الله على سيد الْأَوَّلين والآخرين مُحَمَّد وعَلى آله وَصَحبه أَجْمَعِينَ، وَسلم تَسْلِيمًا دَائِما إِلَى يَوْم الدّين، يَوْم يقوم النَّاس لرب الْعَالمين] .