Полный текст (191 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
وَذهب أَبُو بكر بن فورك وَغَيره إِلَى اشْتِرَاط انقراضهم؛ لِأَنَّهُ يلْزم مِنْهُ رُجُوع بعض من اتّفق مَعَهم كَمَا جرى لعَلي ﵁ وافقهم فِي عدم بيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد، ثمَّ - بعد ذَلِك - رأى بيعهنَّ، فَقَالَ لَهُ عُبَيْدَة السَّلمَانِي
стр. 142
رَأْيك فِي الْجَمَاعَة أحب إِلَيْنَا من رَأْيك وَحدك " فَدلَّ على اشْتِرَاط انقراضهم، وَإِلَّا: لم يجز لَهُ الرُّجُوع وخرق الْإِجْمَاع.
стр. 143
وَالأَصَح: الأول؛ لِأَن الانقراض لَو كَانَ شرطا: لأمتنع حُصُول الْإِجْمَاع؛ لِإِمْكَان أَن يرجع بَعضهم.
ورد قَول من اسْتدلَّ بقول عَليّ ب: أَن الْإِجْمَاع مُنْعَقد على عدم بيع أم الْوَلَد، وَلم يلتفتوا إِلَى أَي رَأْي وَاحِد؛ إِذْ لَا تَأْثِير لَهُ فِي خرق الْإِجْمَاع.
[الْإِجْمَاع السكوتي وحجية قَول الصَّحَابِيّ]
قَالَ: (وَالْإِجْمَاع يَصح بقَوْلهمْ، وفعلهم، وَبقول الْبَعْض، وَفعل الْبَعْض وانتشار ذَلِك، وسكوت البَاقِينَ عَنهُ، وَقَول الْوَاحِد من الصَّحَابَة لَيْسَ بِحجَّة على الْجَدِيد، وَفِي الْقَدِيم حجَّة) .
أَقُول: غَايَة مَا فِيهِ: أَن الْإِجْمَاع ينْعَقد بأفعالهم، كَمَا ينْعَقد بأقوالهم.
و" بقول الْبَعْض، وَفعل الْبَعْض " يُشِير إِلَى أَن بعض عُلَمَاء الْعَصْر إِذا ذَهَبُوا إِلَى قَول وَلم يخالفوهم الْآخرُونَ، أَو إِلَى فعل، وانتشر ذَلِك القَوْل أَو الْفِعْل وَسكت الْبَاقُونَ من غير إِنْكَار: كَانَ إِجْمَاعًا كَأَنَّهُمْ راضون بِهِ، وَلِهَذَا قَيده بالانتشار.
стр. 144
وَإِن لم ينتشر: فَلَيْسَ بِإِجْمَاع؛ لاحْتِمَال ذُهُول الْبَعْض عَنهُ.
وَأما قَول الْوَاحِد من الصَّحَابَة: [ف] لَيْسَ بِحجَّة فِي الْجَدِيد؛ لجَوَاز الْخَطَأ عَلَيْهِ.
وَذهب أَبُو حنيفَة إِلَى انه حجَّة.
وَلِهَذَا قدر جعل رد الْآبِق بِأَرْبَعِينَ درهما لأثر ابْن مَسْعُود.
وَقد قَالَ ﵇: (أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ، بِأَيِّهِمْ افتديتم اهْتَدَيْتُمْ) وَهَذَا
стр. 145
دَلِيل على وجوب الْأَخْذ بقول كل وَاحِد مِنْهُم.
وَبِه قَالَ الشَّافِعِي فِي الْقَدِيم وَالله أعلم.
[تَعْرِيف الْخَبَر، وأقسامه، وتعريف الْمُتَوَاتر]
قَالَ: (وَأما الْأَخْبَار: فَالْخَبَر: مَا يدْخلهُ الصدْق وَالْكذب، وَهُوَ يَنْقَسِم إِلَى:
آحَاد، ومتواتر، فالمتواتر: مَا يُوجب الْعلم، وَهُوَ: أَن يروي جمَاعَة لَا يَقع التواطؤ على الْكَذِب من مثلهم إِلَى أَن يَنْتَهِي إِلَى الْمخبر عَنهُ، وَيكون فِي الأَصْل عَن مُشَاهدَة، أَو سَماع، لَا عَن اجْتِهَاد وأخبار) .
أَقُول: لما فرغ من بَيَان الْإِجْمَاع: شرع فِي بَيَان الْأَخْبَار، وَهُوَ الْبَاب الثَّانِي عشر.
وَالْأَخْبَار هِيَ: طَرِيق ثُبُوت السّنة الشَّرِيفَة إِلَيْنَا.
وَقد اخْتلفُوا فِي رسم الْخَبَر: - فَذهب جمَاعَة إِلَى عدم رسمه؛ إِذْ الرَّسْم للتعريف، وَالْخَبَر مَعْرُوف بِنَفسِهِ؛
стр. 146
إِذْ كل وَاحِد من الْعُقَلَاء يفرق بَين " قَامَ زيد " وَبَين " قُم يَا زيد " فَهَذَا ظَاهر من غير رسم.
وَذهب الشَّيْخ ﵀ إِلَى رسمه بِأَنَّهُ [مَا] يدْخلهُ الصدْق وَالْكذب.
وَفِيه نظر؛ لِأَنَّهُمَا نَوْعَانِ للْخَبَر، وَهُوَ جنس لَهَا، وَلَا يجوز تَعْرِيف الْجِنْس بالنوع؛ لِأَن النَّوْع لَا يعرف إِلَّا بِالْجِنْسِ.
وَفِيه نظر آخر: أَن الْخَبَر قد لَا يحْتَمل الْكَذِب الْبَتَّةَ كَقَوْل الْقَائِل: " الله رَبنَا " و " مُحَمَّد نَبينَا " و " النَّار حارة "، وَمَا أشبه ذَلِك مِمَّا لَا يحْتَمل الْكَذِب.
وَمن الْأَخْبَار مَا لَا يكون إِلَّا كذبا كَقَوْل الْكفَّار: " اتخذ الله ولدا " أَو " صاحبا " أَو " ثَالِث ثَلَاثَة " تَعَالَى الله عَن ذَلِك، و " الْجُزْء أعظم من الْكل " فَهَذَا لم
стр. 147
يحْتَمل الصدْق الْبَتَّةَ.
وَقَوله: " وَهُوَ يَنْقَسِم إِلَى آحَاد ومتواتر " ورسم الْمُتَوَاتر بِمَا يُوجب الْعلم يَقِينا من غير ظن، وَلِهَذَا أَشَارَ إِلَى حَقِيقَة التَّوَاتُر بقوله: وَهُوَ أَن يروي جمَاعَة لَا يَقع التواطؤ على الْكَذِب من مثلهم عَن جمَاعَة مثلهم - أَيْضا - وَكَذَلِكَ دَائِما: فَمَتَى خلت طبقَة من الطَّبَقَات لم يكن متواتراً؛ لِأَن التَّوَاتُر: تواصل شَيْء بعد شَيْء من غير انحصار عدد، بل إِذا أَفَادَ الْخَبَر الْعلم يَقِينا علم كَمَال عدد
стр. 148
التَّوَاتُر.
وَذهب جمَاعَة إِلَى حصرهم:
مِنْهُم من قَالَ: أَرْبَعَة؛ لأَنهم أَكثر نِصَاب الشَّهَادَة.
وَمِنْهُم من قَالَ: اثْنَي عشر، متمسكون بقوله تَعَالَى ﴿وبعثنا مِنْهُم اثْنَي عشر نَقِيبًا﴾ [الْمَائِدَة الْآيَة: ١٢] .
وَمِنْهُم من قَالَ: سَبْعُونَ؛ لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قومه سبعين رجلا﴾ [الْأَعْرَاف الْآيَة: ١٥٥]
وَمِنْهُم من قَالَ: ثَلَاثمِائَة وَثَلَاثَة عشر رجلا كأصحاب بدر.
стр. 149
وَالظَّاهِر: مَا سبق.
وَقَوله: " عَن مُشَاهدَة أَو سَماع " يُشِير إِلَى شَرط التَّوَاتُر الْمُفِيد للْعلم: أَن يَنْتَهِي المخبرون إِلَى الْمخبر عَنهُ بمشاهدة لفعله، أَو سَماع لقَوْله مَعَ تَصْدِيق مَا سَمِعُوهُ، أَو شاهدوه.
فَلَو حصل لَهُم ذَلِك مِنْهُ بِظَنّ أَو اجْتِهَاد من أنفسهم: لم يفد الْعلم؛ لتطرق الظنون إِلَيْهِ، فَيخرج عَن التَّوَاتُر. وَالله أعلم.
[خبر الْآحَاد، تَعْرِيفه، تَعْرِيف الْمسند، والمرسل، حجية الْمُرْسل]
قَالَ: (والآحاد: الَّذِي يُوجب الْعَمَل، وَلَا يُوجب الْعلم، وينقسم إِلَى قسمَيْنِ: مُسْند، ومرسل، فَالْمُسْنَدُ: مَا اتَّصل إِسْنَاده، والمرسل: مَا لم يتَّصل إِسْنَاده، فَإِن كَانَ من مَرَاسِيل غير الصَّحَابَة فَلَيْسَ بِحجَّة، إِلَّا مَرَاسِيل سعيد بن الْمسيب،
стр. 150
فَإِنَّهَا فتشت فَوجدت مُسْنده، والعنعنة تدخل على الْإِسْنَاد) .
أَقُول: لما فرغ من أَخْبَار التَّوَاتُر: شرع [فِي] أَخْبَار الْآحَاد، ورسم الْآحَاد ب: الَّذِي يُوجب الْعَمَل، وَلَا يُوجب الْعلم؛ لِأَن خبر الْآحَاد ظَنِّي؛ لتطرق الْوَهم إِلَى الْآحَاد.
وَالْمرَاد بالآحاد: مَا لم يبلغُوا رُتْبَة التَّوَاتُر.
لَا أَن يروي وَاحِد عَن وَاحِد، بل لَو روى خَمْسَة عَن خَمْسَة وَلم تتواتر، أَو
стр. 151
خلق كثير عَن كثير، وَانْقطع بَين الروَاة - كَمَا سبق - كَانَ آحاداً.
وَإِنَّمَا أَوجَبْنَا الْعَمَل بِهِ؛ اقتداءاً بِأَصْحَابِهِ ﵃؛ لأَنهم كَانُوا إِذا اخْتلفُوا فِي وَاقعَة رجعُوا إِلَى قَول آحَاد الصَّحَابَة، وَلم يُنكر بَعضهم على بعض، وَلِهَذَا أَوجَبْنَا الْعَمَل بالآحاد: -
فَإِنَّهُم رجعُوا إِلَى الْغسْل من الْوَطْء من غير إِنْزَال بقول عَائِشَة، وَفِي
стр. 152
تَوْرِيث الْجدّة بقول الْمُغيرَة، وَمُحَمّد بن مسلمة.
وَغير ذَلِك.
стр. 153
ثمَّ قسم الْأَخْبَار [الآحادية] إِلَى قسمَيْنِ: " مُسْند " و " مُرْسل ".
ورسم الْمسند ب " مَا اتَّصل إِسْنَاده.
وَالْمرَاد بالاتصال: أَن يروي شخص عَن شخص إِلَى الْمخبر عَنهُ يُقَال: " أسْند الْخَبَر إِلَى فلَان: إِذا تَلقاهُ مِنْهُ.
بِخِلَاف الْمُرْسل، وَهُوَ: إِذا قَالَ التَّابِعِيّ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَلم يذكر من سَمعه مِنْهُ من الصَّحَابَة؛ إِذْ التَّابِعِيّ: لم يسمع من النَّبِي [ ﷺ ] شَيْئا.
وَكَذَا من لم يسم من روى عَنهُ فَهَذَا لَيْسَ بِمُسْنَد؛ لعدم اتِّصَاله.
стр. 154
فَأَما مَرَاسِيل الصَّحَابَة فحجة.
وَهُوَ: أَن يخبر من غير تعرضه للمخبر عَنهُ، سَوَاء كَانَ النَّبِي [ ﷺ ] ، أَو صَحَابِيّ مثله، لِأَن فِي الْغَالِب لَا يروي الصَّحَابِيّ إِلَّا مَا سَمعه من مثله، أَو من رَسُول الله [ ﷺ ] .
وَأما مَرَاسِيل غير الصَّحَابَة: فَذهب الشَّافِعِي إِلَى أَنَّهَا لَيست بِحجَّة؛ لِأَن
стр. 155
إهمال الرَّاوِي الْإِسْنَاد دَال على ضعفه.
وَذهب أَبُو حنيفَة وَمَالك إِلَى أَنه حجَّة؛ لِأَنَّهُ مَا حذفه إِلَّا تَزْكِيَة لقائله.
وَرُبمَا يذكر الشَّيْخ؛ لعدم التَّزْكِيَة.
стр. 156
ثمَّ اسْتثْنى الشَّيْخ - رَحمَه الله تَعَالَى - مَرَاسِيل سعيد.
ثمَّ عللها أَنَّهَا فتشت فَوجدت مسانيد.
وَفِي هَذَا التَّعْلِيل نظر فَكَأَن الْأَخْذ بالسند، لَا بِالْإِرْسَال، لَكِن نقُول: إِنَّمَا كَانَ يُرْسل عَن أبي هُرَيْرَة - فَقَط -، وَلَو ذكره لوَجَبَ الْعَمَل بِهِ، بِخِلَاف غَيره لَو سَمَّاهُ: فَيحْتَمل أَن يقبل، وَيحْتَمل أَن لَا يقبل.
قَوْله: " والعنعنة تدخل على الْإِسْنَاد " وَهُوَ: أَن يَقُول الرَّاوِي " عَن فلَان " من غير أَن يُسَمِّي شَيْخه.
لَكِن هَذِه العنعنة لَا تخرجه عَن الْإِرْسَال، بل إِن كَانَ الَّذِي رَوَاهُ عَنهُ يُمكن لقاه: فَهُوَ مُسْند، إِلَّا إِذا كَانَ الرَّاوِي مدلساً وَهُوَ: أَن يروي عَن رجل ضَعِيف مَشْهُور يُوهِمهُ على السَّامع. فَهَذَا لم يكن مُرْسلا، وَلَا مُسْندًا، وَلم يقبل وَالله أعلم.
стр. 157
[رِوَايَة غير الصَّحَابِيّ]
قَالَ: (وَإِذا قَرَأَ الشَّيْخ يجوز أَن يَقُول الرَّاوِي: " حَدثنِي " و " أَخْبرنِي "، وَإِن قَرَأَ هُوَ على الشَّيْخ: فَيَقُول: " أَخْبرنِي " وَلَا يَقُول: " حَدثنِي، وَإِن أجَازه الشَّيْخ من غير قِرَاءَة فَيَقُول الرَّاوِي: " أجازني "، أَو " أَخْبرنِي إجَازَة ".
أَقُول: لما فرغ من بَيَان الْأَخْبَار وأقسامه: شرع فِي بَيَان كَيْفيَّة الْمخبر بِمَا يرويهِ عَن شَيْخه:
فَإِن الشَّيْخ إِذا قَرَأَ عَلَيْهِ فَلهُ أَن يَقُول: " حَدثنِي "، و " أَخْبرنِي "، و " سمعته "، وَيكون صَادِقا فِي جَمِيع ذَلِك.
وَإِذا قَرَأَ هُوَ على شَيْخه، وَالشَّيْخ سَاكِت، فَيَقُول: " أَخْبرنِي " فَقَط؛
стр. 158
لِأَن سُكُوته إِقْرَار لَهُ فِيمَا سمع مِنْهُ.
وَإِن لم يقْرَأ الشَّيْخ، وَلَا هُوَ: فَلَا يجوز إِلَّا " أجازني "، أَو " أَخْبرنِي إجَازَة ".
وَفِيه دَلِيل على جَوَاز رِوَايَة الحَدِيث إجَازَة عِنْد الْمُتَأَخِّرين.
وَذهب قوم إِلَى عدم جَوَازهَا؛ لِأَنَّهَا لم تكن فِي الصَّدْر الأول. وَالله أعلم.
[تَعْرِيف الْقيَاس، وَذكر أقسامه]
قَالَ: (وَأما الْقيَاس: فَهُوَ رد الْفَرْع إِلَى الأَصْل فِي الحكم بعلة تجمعهما، وَهُوَ يَنْقَسِم إِلَى ثَلَاثَة أَقسَام: قِيَاس عِلّة، وَقِيَاس دلَالَة، وَقِيَاس شبه) .
стр. 159
أَقُول: لما فرغ من بَيَان الْأَخْبَار: شرع فِي الْقيَاس، وَهُوَ الْبَاب الثَّالِث عشر.
وأصل الْقيَاس فِي اللُّغَة: التَّقْدِير، يُقَال: " قست الثَّوْب بالذراع " إِذا قدرته بِهِ
وَقد رسم الْقيَاس برسوم:
أظهرها عِنْد الشَّيْخ: " رد الْفَرْع إِلَى الأَصْل فِي الحكم بعلة تجمعهما ".
стр. 160
يُشِير إِلَى إِمْكَان الْقيَاس وَهُوَ: لَا يحصل إِلَّا بِثَلَاثَة أَرْكَان: " أصل "، و " فرع " و " عِلّة بَينهمَا "؛ ليحكم على الْفَرْع بِمَا حكم على الأَصْل.
مِثَاله: بيع الْحِنْطَة بِمِثْلِهَا مُتَفَاضلا حَرَامًا اتِّفَاقًا للْحَدِيث، فقسنا عَلَيْهَا بيع الذّرة بِمِثْلِهَا مُتَفَاضلا؛ لِأَن الْعلَّة فِي تَحْرِيم التَّفَاضُل فِي الأَصْل هُوَ: الطّعْم، وَهُوَ مَوْجُود فِي الذّرة، فَحكم على الذّرة [ب] مَا حكم على الأَصْل؛ لعِلَّة بَينهمَا.
وَهَذَا دَلِيل ظَاهر على وجوب الْعَمَل بِالْقِيَاسِ.
стр. 161
وَبِه قَالَ جُمْهُور أهل السّنة.
وَذهب قوم إِلَى عدم الْعَمَل بِهِ.
وَبِه قَالَ دَاوُد الظَّاهِرِيّ.
مُتَمَسِّكِينَ بقوله تَعَالَى: ﴿مَا فرطنا فِي الْكتاب من شَيْء﴾ [الْأَنْعَام الْآيَة: ٣٨، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول﴾ [النِّسَاء الْآيَة: ٥٩] وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِن الظَّن لَا يُغني من الْحق شَيْئا﴾ [يُونُس الْآيَة: ٣٦]
стр. 162
واحتجزوا - أَيْضا - بِأَحَادِيث من السّنة، وَأجِيب عَن جَمِيعهَا وَالْحَمْد لله، فَلَا نطول فِيمَا لَا حَاجَة لنا فِيهِ.
إِنَّمَا اقْتصر على أَدِلَّة الْجُمْهُور وَالله الْمُسْتَعَان. أَقُول: من الْأَدِلَّة على وجوب الْعَمَل بِالْقِيَاسِ قَوْله تَعَالَى ﴿فاعتبروا يَا أولي الْأَبْصَار﴾ [الْحَشْر الْآيَة: ٢] فَإِن الِاعْتِبَار مُشْتَقّ من العبور، وَهُوَ الْمُجَاوزَة من شَيْء إِلَى آخر، وَهَذَا عين الْقيَاس؛ لِأَنَّهُ مُجَاوزَة الحكم من الأَصْل إِلَى الْفَرْع.
وَمِنْهَا: قصَّة معَاذ، وَأبي مُوسَى حِين أرسلهما قاضيين إِلَى الْيمن قَالَ:
стр. 163
لَهما: (بِمَ تقضيان؟) قَالَا: بِكِتَاب الله، قَالَ: (فَإِن لم تجداه؟) قَالَا: (بِسنة رَسُول الله - تَعَالَى -) قَالَ: (فَإِن لم تجداه؟) قَالَا: (نجتهد رَأينَا) فأقرهما على ذَلِك.
стр. 164
وَمِنْهَا: إِجْمَاع الصَّحَابَة على عدم الْإِنْكَار على من فعله فِي زمنهم كاختلافهم فِي تَوْرِيث الْجد والأكدرية، وَمن قَالَ لزوجته: أَنْت [عَليّ] حرَام فَكل مِنْهُم ذهب إِلَى قِيَاسه، وَعمل بِهِ، وَلم يُنكر غَيره عَلَيْهِ.
стр. 165
وَمِنْهَا الْعقل دَال على وجوب الْعَمَل بِالْقِيَاسِ، وَذَلِكَ أَن الحكم إِذا تعلق بِالْأَصْلِ: كَانَ تعلقه بالفرع أولى.
فَهَذِهِ أَدِلَّة من الْكتاب، وَالسّنة، وَالْإِجْمَاع، وَالْعقل وَالله أعلم.
[بَيَان أَقسَام الْقيَاس]
قَالَ: (فَقِيَاس الْعلَّة: مَا كَانَت الْعلَّة فِي مُوجبَة، وَقِيَاس الدّلَالَة هُوَ: الِاسْتِدْلَال بِأحد النظيرين على الآخر، وَهُوَ: أَن تكون الْعلَّة دَالَّة على الحكم، وَلَا تكون مُوجبَة، وَقِيَاس الشّبَه هُوَ: الْفَرْع المتردد بَين أصلين فَيلْحق بأكثرهما شبها) .
أَقُول: لما قسم الْقيَاس ثَلَاثَة إقسام - إِجْمَالا - شرع فِي تَفْصِيله، فَبَدَأَ بِقِيَاس الْعلَّة؛ لِأَنَّهَا أعظم أَرْكَان الْقيَاس.
وَغَايَة مُرَاد الشَّيْخ ﵀: أَن الْعلَّة الْمَوْجُودَة فِي الأَصْل لَا بُد أَن تكون فِي الْفَرْع؛ إِذا لَا يحسن عقلا أَن نقيس الْفَرْع عَلَيْهِ مَعَ خلو الْعلَّة.
стр. 166
مِثَاله: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَا تقل لَهما أُفٍّ وَلَا تنهرهما﴾ [الْإِسْرَاء الْآيَة: ٢٣] فَهَذَا التَّحْرِيم للإكرام لَهما، فقسنا على التأفيف الضَّرْب؛ إِذْ لَا يحسن تَحْرِيم التأفيف وَإِبَاحَة الضَّرْب.
وَكَذَا قيس على الزِّنَا اللواط، لِأَن الْعلَّة فِي الأَصْل: (الايلاج فِي فرج محرم، وَهِي مَوْجُودَة فِي اللواط.
وَكَذَا قيس على نَهْيه ﵇ عَن العوراء فِي الْأُضْحِية: العمياء؛ لِأَنَّهَا أَسْوَأ مِنْهَا؛ إِذْ لَا يحسن النَّهْي عَن العوراء، وَالْإِبَاحَة فِي العمياء مَعَ وجود الْعلَّة فيهمَا وَهُوَ " النَّقْص ".
وَأما قِيَاس الدّلَالَة كوجوب الزَّكَاة فِي مَال الصَّبِي؛ قِيَاسا على مَال الْبَالِغ؛
стр. 167
فَإِن الْعلَّة الجامعة بَينهمَا: دفع حَاجَة الْفَقِير بِجُزْء من المَال النامي.
وَهَذَا قريب - أَيْضا - من الْقيَاس الأول.
وَلِهَذَا بعض الْعلمَاء جَعلهمَا قِيَاسا وَاحِدًا؛ لِأَن الْفرق بَينهمَا خَفِي وَهُوَ الحكم، قد يجوز فِي الْعقل [أَن مَال الصَّبِي لَا تجب] فِيهِ الزَّكَاة بِهَذِهِ الْعلَّة، بل بعلة أُخْرَى.
و [لهَذَا قَالَ]﵀ أَن تكون الْعلَّة دَالَّة على الحكم [وَلَا تكون مُوجبَة أَي] : مقتضية للْحكم؛ لجَوَاز خلوها عَنهُ.
بِخِلَاف [الْقيَاس الأول فَلَا بُد] مِنْهَا.
стр. 168
وَأما قِيَاس الشّبَه، وَهُوَ: تردد الْفَرْع بَين أصلين - كَمَا ذكر الشَّيْخ ﵀ يلْحق بأكثرهما شبها.
[مِثَاله: " كَعبد] قتل عمدا " فضمانه مُتَرَدّد بَين اصلين وَهُوَ: " ضَمَان الْإِنْسَان " و " ضَمَان الْبَهَائِم "؛ لِأَنَّهُ يشبه الْإِنْسَان فِي الذَّات، والبهائم فِي الْملك.
فرجح الشَّافِعِي إِلْحَاقه بالبهائم، لِكَثْرَة شبهه بالبهائم، دون الْأَحْرَار؛ لكَونه يُبَاع، وَيُوقف، وَيُورث، وَضَمان أَجْزَائِهِ بِالنَّقْصِ.
وَذهب ابْن علية إِلَى إِلْحَاقه بالأحرار؛ تَغْلِيبًا للصورة.
стр. 169
وَمنع القَاضِي أَبُو بكر قِيَاس الشّبَه مُطلقًا لعدم تَمام الشّبَه بَين الأَصْل وَالْفرع.
ورد هَذَا القَوْل ب: أَنه لَا يشْتَرط تَسَاوِي الْأَوْصَاف بَينهمَا، بل إِذا وجد الشّبَه بِوَجْه: كفى. وَالله أعلم.
[بعض شُرُوط الْفَرْع وَالْأَصْل]
قَالَ: (وَمن شَرط الْفَرْع: أَن يكون مناسباً للْأَصْل، وَمن شَرط الأَصْل: أَن يكون ثَابتا بِدَلِيل مُتَّفق عَلَيْهِ بَين الْخَصْمَيْنِ) .
أَقُول: لما فرغ من تَعْرِيف الْقيَاس، وتقسيمه: شرع فِي بَيَان أَرْكَانه وَهُوَ: الْفرق بَين " الْفَرْع " و " الأَصْل " و " الْعلَّة " و " الحكم " فَقَالَ:
شَرط الْفَرْع: أَن يكون مناسباً للْأَصْل؛ إِذْ لَو لم يكن مناسباً فَلَا يجوز أَن يُقَاس عَلَيْهِ.
стр. 170
وَأَن الأَصْل لَا بُد أَن يكون قد ثَبت بِدَلِيل شَرْعِي مُتَّفق عَلَيْهِ مقدما على الْفَرْع؛ إِذْ لَو لم يثبت الأَصْل أَولا: لم يقس عَلَيْهِ كقياس الْأرز على الْحِنْطَة، فَإِن بيع الأَصْل بعضه بِبَعْض مُتَفَاضلا: ثَبت بِدَلِيل شَرْعِي فيقاس عَلَيْهِ الْأرز؛ لِأَنَّهُ مُنَاسِب للْأَصْل فِي الطّعْم، ومتأخر عَنهُ فَحكم عَلَيْهِ بِمَا حكم على الأَصْل. وَالله أعلم.
[بعض شُرُوط الْعلَّة وَحكم الأَصْل]
قَالَ: " وَمن شَرط الْعلَّة: أَن تطرد فِي معلولاتها، وَلَا تنْتَقض لَا لفظا، وَلَا معنى، وَمن شُرُوط الحكم: أَن يكون مثل الْعلَّة فِي النَّفْي وَالْإِثْبَات، وَالْعلَّة هِيَ: الجالبة للْحكم، وَالْحكم هُوَ: المجلوب لِلْعِلَّةِ) .
أَقُول: لما فرغ من تَعْرِيف الْفَرْع وَالْأَصْل: شرع فِي تَعْرِيف الْعلَّة وَالْحكم فَقَالَ: من شَرطهَا: الاطراد فِي معلولاتها أَي: لَا تخْتَص بِبَعْض الصُّور، دون
стр. 171
بعض، بل تكون مطردَة فِي الْجَمِيع، وَلَا تنْتَقض لفظا وَلَا معنى.
كَالْقَتْلِ - مثلا - بالمثقل عمدا: يُوجب الْقصاص؛ قِيَاسا على المحدد.
قيل: لم تطرد لِأَنَّهَا تنْتَقض لفظا وَهُوَ: عدم قتل الْوَالِد بولده. أُجِيب ب: أَن الِامْتِنَاع من الْقَتْل إِنَّمَا هُوَ بِوُجُود معنى قَامَ بِهِ وَهُوَ: حرمه الْأُبُوَّة يمْتَنع الِاسْتِيفَاء.
كَمَا أَن يمْتَنع إِذا كَانَ مُسْتَحقَّة صبي إِلَى الْبلُوغ.
وَلَا نقُول: سقط وجوب الْقَتْل بِعَدَمِ الِاسْتِيفَاء، وَإِنَّمَا تَأَخّر الِاسْتِيفَاء؛ لمَانع قَائِم فِي مُسْتَحقّه، وَهُوَ: " الصَّبِي فَكَانَت الْعلَّة مطردَة.
وَاحْترز بقوله: " وَلَا معنى " كَمَا لَو تعلق الحكم بِالْأَصْلِ لِمَعْنى، وَذَلِكَ الْمَعْنى قد يُوجد فِي غَيره، وَلَا يتبعهُ الحكم، كَمَا يُقَال: " إِنَّمَا جعلت الزَّكَاة فِي الْأَثْمَان دفعا لحَاجَة الْفَقِير ".
فَيُقَال: تنْتَقض هَذِه الْعلَّة بالجواهر؛ لِأَنَّهُ قد يحصل دفع الْحَاجة بِإِيجَاب الزَّكَاة فِيهَا، مَعَ أَنه لَا زَكَاة فِيهَا.
فَعلم أَن الْعلَّة لَا بُد أَن تكون مطردَة فِي جَمِيع أَنْوَاعهَا.
وَقَوله - فِي الحكم -: " شَرطه: " أَن يكون مثل الْعلَّة فِي النَّفْي وَالْإِثْبَات " وَاضح؛ لِأَنَّهُ تَابع لَهَا، فَإِن وجدت: وجد، وَإِن انْتَفَت: انْتَفَى، فَهُوَ مسَاوٍ لَهَا فِي الْوُجُوب والعدم.
стр. 172
وَقَوله: " وَالْعلَّة هِيَ: الجالبة للْحكم " زِيَادَة إِيضَاح لاتباع الحكم الْعلَّة فِي الْوُجُود والعدم، لِأَنَّهَا إِذا وجدت: وجد فَكَانَت جالبة لَهُ، وَهُوَ مجلوب لَهَا. وَالله أعلم.
[الأَصْل فِي الْأَشْيَاء]
قَالَ: (وَأما الْحَظْر وَالْإِبَاحَة: فَمن النَّاس من يَقُول: إِن أصل الْأَشْيَاء على الْحَظْر إِلَّا مَا أباحته الشَّرِيعَة، فَإِن لم يُوجد فِي الشَّرِيعَة مَا يدل على الْإِبَاحَة: يتَمَسَّك بِالْأَصْلِ، وَهُوَ الْحَظْر، وَمن النَّاس من يَقُول: بضد ذَلِك وَهُوَ: أَن الأَصْل فِي الْأَشْيَاء الْإِبَاحَة إِلَّا مَا حظره الشَّرْع، [وَمِنْهُم من قَالَ بالتوقف] وَمعنى اسْتِصْحَاب الْحَال أَن يستصحب الأَصْل عِنْد عدم الدَّلِيل الشَّرْعِيّ) .
أَقُول: لما فرغ من بَيَان الْقيَاس: شرع فِي بَيَان الْبَيَان الْحَظْر وَالْإِبَاحَة، وَهُوَ الْبَاب الرَّابِع عشر، وَكَانَا بَابَيْنِ فِي الأَصْل كالناسخ والمنسوخ، وَإِنَّمَا جمع بَينهمَا هُنَاكَ وَهنا؛ لِأَن الْكَلَام مُتَعَلق بهما - مَعًا - ومتردد بَينهمَا؛ لِأَن الْعلمَاء قد اخْتلفُوا فِي أصل الْأَشْيَاء قبل وُرُود الشَّرْع بحله، أَو حرمته، هَل تحمل على الْإِبَاحَة، أَو الْحَرَام أَو التَّوَقُّف؟
стр. 173
فَذهب أَبُو حنيفَة وَأَبُو الْعَبَّاس، وَأَبُو إِسْحَاق من الشَّافِعِيَّة، ومعتزلة الْبَصْرَة إِلَى الْإِبَاحَة؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى خلق الْأَشْيَاء لأجلنا، ولأغراضنا، وَمَا كَانَ لنا فَهُوَ مُبَاح؛ لِأَنَّهُ لم يَتَرَتَّب عَلَيْهِ مفْسدَة، وَلَا ضَرَر على مَالِكه، وَهُوَ الله - تَعَالَى -؛ قِيَاسا على الشَّاهِد، وَهُوَ الِانْتِفَاع بالاستظلال بجدار الْغَيْر، والاقتباس من ناره؛ إِذْ لَا ضَرَر على مَالِكهَا. فَكَذَا هُنَا.
وَذهب ابْن أبي هُرَيْرَة من الشَّافِعِيَّة، وَبَعض الشِّيعَة ومعتزلة
стр. 174
بَغْدَاد إِلَى الْحُرْمَة، لِأَن التَّصَرُّف فِي ملك الْغَيْر بِغَيْر إِذْنه قَبِيح؛ لِأَن الْأَشْيَاء - كلهَا - ملك الْبَارِي - تَعَالَى - فَلَا يجوز لأحد أَن يتَنَاوَل شَيْئا حَتَّى يرد الشَّرْع بِهِ كَمَا هُوَ فِي الشَّاهِد فِي حق الْمَخْلُوق.
وَذهب أَبُو الْحسن الْأَشْعَرِيّ وَأَبُو بكر الصَّيْرَفِي إِلَى التَّوَقُّف من غير تَحْرِيم، وَلَا إِبَاحَة قبل وُرُود الشَّرْع.
стр. 175
وَقَوله: " اسْتِصْحَاب الْحَال " إِلَى آخِره يُشِير إِلَى دَلِيل يرجع إِلَيْهِ عِنْد عدم الدَّلِيل الشَّرْعِيّ، وَهُوَ اسْتِصْحَاب الأَصْل الثَّابِت كَمَا لَو قيل هَل [يُوجد] صَلَاة وَاجِبَة زَائِدَة على الْخمس؟
قُلْنَا: لَا؛ لعدم الدَّلِيل الشَّرْعِيّ بِالزَّائِدِ. فَوَجَبَ التَّمَسُّك بِالْأَصْلِ، وَالله أعلم.
[التَّعَارُض وَالتَّرْجِيح]
قَالَ: (وَأما الْأَدِلَّة فَيقدم الْجَلِيّ على الْخَفي، والموجب للْعلم على الْمُوجب للظن، وَالْقِيَاس الْجَلِيّ على [الْقيَاس] الْخَفي، فَإِن وجد فِي النُّطْق مَا يُغير الأَصْل، وَإِلَّا: استصحب الْحَال) .
أَقُول: لما فرغ من الْحَظْر وَالْإِبَاحَة: شرع فِي كَيْفيَّة اسْتِعْمَال الْأَدِلَّة وَهُوَ: الْبَاب الْخَامِس عشر، فَأَشَارَ ﵀ إِلَى أَنه إِذا تعَارض دليلان على الْمُجْتَهد: قدم الْجَلِيّ على الْخَفي كَرِوَايَة عَائِشَة ﵂: (إِذا التقى الختانان فقد وَجب الْغسْل) ثمَّ قَالَت: فعلته أَنا وَرَسُول الله -[ ﷺ ]- فاغتسلنا.
стр. 176
فَهَذِهِ مُقَدّمَة على رِوَايَة أبي هُرَيْرَة حِين روى: (المَاء من المَاء) ؛ لِأَن أَزوَاجه أعلم بِهَذَا من الرِّجَال.
وَكَذَا يقدم الدَّلِيل الْمُوجب للْعلم على الْمُوجب للظن كالدليل من الْكتاب، وَالسّنة المتواترة على الْآحَاد؛ فَإِن سنَنه الآحادية لَا تفِيد إِلَّا ظنا، فَكَانَ الدَّلِيل الْقطعِي مقدما على الظني.
وَكَذَا يقدم دَلِيل النُّطْق على دَلِيل الْقيَاس؛ لِأَنَّهُ أقوى؛ فَإِن الدَّلِيل إِذا ورد من الْكتاب، أَو السّنة قدم على الْقيَاس؛ إِلَّا إِذا دلّ الْقيَاس على الْخُصُوص فَإِنَّهُ مقدم كَمَا سبق من حمل الْعُمُوم على الْخُصُوص.
стр. 177
وَكَذَا يقدم الْقيَاس الْجَلِيّ على الْقيَاس الْخَفي.
والجلي هُوَ: الَّذِي يفهم بديهياً عِنْد سَمَاعه من غير تَأمل كقياس الْعلَّة مقدم على قِيَاس الشّبَه، كَمَا سبق: أَن قِيَاس الشّبَه أخْفى مِنْهُ.
وَكَذَا يقدم الْقيَاس الَّذِي توَافق عِلّة أَصله أصولاً كَثِيرَة على مَا توَافق أصولاً قَليلَة.
وَأما قَوْله ﵀: " فَإِن وجد فِي النُّطْق مَا يُغير الأَصْل، وَإِلَّا: فيستصحب الْحَال " [ف] فِيهِ نظر؛ لِأَنَّهُ قيد اسْتِصْحَاب الْحَال بِعَدَمِ وجود النُّطْق - فَقَط -، بل لَا يجوز اسْتِصْحَاب الْحَال إِلَّا عِنْد عدم وجود النُّطْق والفهم وَالْقِيَاس وَالله أعلم
стр. 178
[شُرُوط الْمُفْتِي، أَو الْمُجْتَهد]
قَالَ: (وَمن شَرط الْمُفْتِي: أَن يكون عَالما بالفقه أصلا وفرعاً [خلافًا] ومذهباً، وَيكون كَامِل الْأَدِلَّة فِي الِاجْتِهَاد، عَارِفًا بِمَا يحْتَاج إِلَيْهِ فِي [استنباط] الْأَحْكَام من نَحْو، ولغة، وَمَعْرِفَة الرِّجَال، وَتَفْسِير الْآيَات الْوَارِدَة فِي الْأَحْكَام وَالْأَخْبَار الْوَارِدَة فِيهَا) .
أَقُول: لما فرغ من بَيَان الْأَدِلَّة: شرع فِي بَيَان شُرُوط الْمُفْتِي، وَهُوَ الْبَاب السَّادِس عشر، فَقَالَ: " من شُرُوط الْمُفْتِي: أَن يكون عَالما بالفقه أصلا وفرعاً ".
أما الْمُفْتِي: فَهُوَ اسْم فَاعل فِي أفتى يُفْتِي: إِذا بَين الْحق عِنْد السُّؤَال.
وَقَوله: " أَن يكون عَالما بالفقه " فِيهِ نظر؛ لِأَن الْفِقْه نتيجة الِاجْتِهَاد، فَلَو كَانَ الْفِقْه شرطا للمجتهد: لزم الدّور، لَكِن يجب أَن يكون عَالما بالأصول و [هِيَ] النُّصُوص من الْكتاب وَالسّنة الْمُتَعَلّقَة بِالْأَحْكَامِ دون المواعظ، والقصص، وَأُمُور الْآخِرَة؛ فَإِن الْمُفْتِي لَا يفْتَقر إِلَى مَعْرفَتهَا، بل يفْتَقر إِلَى معرفَة النُّصُوص؛ ليميز بَين
стр. 179
الظَّاهِر والمأول، والناسخ والمنسوخ، وَغير ذَلِك.
وَلَا يشْتَرط أَن يكون حَافِظًا لكتاب الله - تَعَالَى - وَلَا لمسائل الْأَحْكَام مِنْهُ، بل يَكْفِي الْعلم بهَا ليطلبها عِنْد مواقعها.
وَلَا [بُد] لَهُ من معرفَة الْقيَاس وأنواعه؛ ليميز مَا يجوز، وَمَا لَا يجوز.
وَلَا بُد أَن يكون عَالما بالفروع، وَهِي مسَائِل آحَاد تتَعَلَّق بهَا الْأَحْكَام؛ إِذْ لَا يشْتَرط أَن تكون الْأَحْكَام - كلهَا - بالتواتر، بل قد يحكم بالآحاد فِي بعض الصُّور؛ فَإِن عليا ﵁ أَخذ بقول الْمِقْدَاد - فَقَط - فِي نَجَاسَة الْمَذْي، وَعدم وجوب الْغسْل.
стр. 180
أَن يكون عَالما بِخِلَاف الْعلمَاء من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ، وَمن بعدهمْ.
وَلَا يشْتَرط معرفَة الْخلاف بَين الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة، بل أَن يكون عَالما بِمذهب من الْأَرْبَعَة ليفتي عَلَيْهِ ويقلده.
بِخِلَاف الْمُجْتَهد الْمُطلق فَذَلِك لَا يجوز لَهُ تَقْلِيد غَيره، بِخِلَاف الْمُفْتِي.
وَأَن يكون كَامِل الْأَدِلَّة، أَي: صَحِيح الذِّهْن بَصِير الْعقل بِحَيْثُ لَا يتشوش إِدْرَاكه عِنْد اخْتِلَاف الْأَدِلَّة وتعارضها؛ ليوثق بقوله، وَلَا يتهم.
следующие страницы →