Полный текст (191 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
للنَّهْي صيغا.
أَقُول: تَأتي صِيغَة لثمان معَان:
للتَّحْرِيم نَحْو: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا﴾ [سُورَة آل عمرَان: ١٣٠]
وَالْكَرَاهَة كَقَوْلِه ﵇: " لَا تفعلي هَذَا " أَي: لما نهاها عَن المشمس.
стр. 72
وللتحقير كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَلَا تَمُدَّن عَيْنَيْك﴾ [سُورَة الْحجر: ٨٨]
ولبيان الْعَافِيَة كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَلَا تحسبن الله غافلا﴾ [سُورَة إِبْرَاهِيم: ٤٢]
وللدعاء كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿لَا تُؤَاخِذنَا﴾ [سُورَة الْبَقَرَة: ٢٨٦]
ولليأس كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿لَا تعتذروا﴾ [سُورَة التَّحْرِيم: ٧]
وللإرشاد كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿لَا تسألوا عَن أَشْيَاء﴾ [سُورَة الْمَائِدَة: ١٠١] . وللتسلية كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَلَا تحزن عَلَيْهِم﴾ [سُورَة النَّحْل: ١٣٧] وَالله أعلم.
стр. 73
[تَعْرِيف الْعَام]
قَالَ: (وَأما الْعَام: فَهُوَ: مَا عَم شَيْئَيْنِ فَصَاعِدا، من قَوْلك: " عممت زيدا وعمراً بالعطايا، و " عممت جَمِيع النَّاس بالعطايا ") .
أَقُول: لما فرغ من بَيَان الْبَاب الثَّالِث: شرع فِي الرَّابِع وَهُوَ: الْعَام، وَإِنَّمَا سمي عَاما؛ لِكَثْرَة الْأَفْرَاد الَّذِي يدل عَلَيْهَا، وَلِهَذَا يُقَال: " عَم الْجَرَاد الْبِلَاد " أَي: كثر فِيهَا.
وَقَوله: " مَا عَم شَيْئَيْنِ فَصَاعِدا " لتخرج أَسمَاء الْعدَد كالخمسة وَالْعشرَة - مثلا - فَلَا تسمي عَاما؛ لانحصارهما وَإِن دلا على أَفْرَاد لَكِن منحصرة؛ فَإِن الْخَمْسَة لَا تتَنَاوَل شَيْئا زَائِدا عَلَيْهَا، وَكَذَا الْعشْرَة وَنَحْوهمَا من الْأَعْدَاد فَبَانَت أَنَّهَا لَيست من أَلْفَاظ الْعُمُوم.
بِخِلَاف قَوْلك " عممت زيدا وعمراً بالعطايا " و " جَمِيع النَّاس " إِذْ لَا حصر للنَّاس وَالله أعلم.
стр. 74
[صِيغ الْعُمُوم]
قَالَ: (وَأَلْفَاظه: الِاسْم الْوَاحِد الْمُعَرّف بِالْألف وَاللَّام، وَالْجمع الْمُعَرّف بهما، والأسماء المبهمة ك " من " فِيمَن يعقل، و " مَا " فِيمَا لَا يعقل، و " أَي " فِي الْجَمِيع، و " أَيْن " فِي الْمَكَان و " مَتى " فِي الزَّمَان " و " مَا " فِي الِاسْتِفْهَام وَالْجَزَاء وَغَيره، و " لَا " فِي النكرات كَقَوْلِك: " لَا رجل فِي الدَّار ") .
أَقُول: لما فرغ من رسم الْعَام: شرع فِي صِيغَة، فَذكر من صيغه ثَلَاثَة أَلْفَاظ: -
أَحدهَا: الِاسْم الْوَاحِد الْمُعَرّف.
وَالثَّانِي " الْجمع الْمُعَرّف.
وَالثَّالِث الْأَسْمَاء المبهمة.
ثمَّ قسم الْأَسْمَاء المبهمة إِلَى سَبْعَة أَقسَام.
وسأوضحها وَاحِدًا [وَاحِدًا] إِن شَاءَ الله - تَعَالَى - من غير تَطْوِيل، تسهيلاً من غير ذكر الْخلاف فِيهَا وَبِاللَّهِ الْمُسْتَعَان.
أما الِاسْم الْوَاحِد كَقَوْلِك: " الرجل أفضل من الْمَرْأَة " و " الدِّينَار خير من
стр. 75
الدِّرْهَم " فهما من أَلْفَاظ الْعُمُوم، لِأَن المُرَاد بهَا جنس الرِّجَال، وَالدَّنَانِير، لَا بعض أفرادهما.
وَأما الْجمع الْمُعَرّف كَقَوْلِك: " الرِّجَال " و " وَالْفُقَهَاء " وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْركين﴾ [سُورَة التَّوْبَة: ٥] وَكَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذين يُحَاربُونَ الله﴾ [سُورَة الْمَائِدَة: ٣٣] ف " الْمُشْركُونَ " و " الَّذين " من الْعُمُوم؛ لصِحَّة اسْتثِْنَاء الْجمع الْمُنكر مِنْهُ كَقَوْلِك: " اقْتُلُوا الْمُشْركين إِلَّا مُشْركي أهل الْكتاب "
стр. 76
" وَجَاءَنِي الرِّجَال إِلَّا رجَالًا "؛ وَالْفُقَهَاء إِلَّا فُقَهَاء " فَعلم أَن الْمُعَرّف أَعم من الْجمع الْمُنكر.
وَأما الْأَسْمَاء المبهمة فَمِنْهَا: -
" من " وتختص بِمن يعقل كَقَوْلِك: " من دخل دَاري فَلهُ دِرْهَم " فعمت كل عَاقل دخل سَوَاء كَانَ حرا أَو عبدا، ذكرا أَو أُنْثَى؛ لإِطْلَاق اللَّفْظ عَلَيْهِم.
وَمِنْهَا: " مَا " و " أَي " فهما يعمان من يعقل، وَمن لَا يعقل تَقول: " لَا
стр. 77
أملك مَا فِي يَد زيد شَيْئا " فَيكون عَاما فِيمَن يعقل، وَمن لَا يعقل كالعبيد وَالْإِمَاء والمباع والأثمان.
وَكَذَا إِذا قلت " أَي عبد جَاءَنِي من عَبِيدِي فَهُوَ حر " عَم الْجَمِيع، فَأَيهمْ جَاءَ عتق و " أَي الْأَشْيَاء أردْت أَعطيتك " كَانَ عَاما فِي جَمِيع مَا يملك.
وَمِنْهَا: " أَيْن " فَهِيَ تفِيد الْعُمُوم تَقول: " أَيْن كنت كنت مَعَك " فَعم كل مَكَان كَانَ فِيهِ وَلَا يتَعَيَّن مَكَان دون مَكَان.
وَمِنْهَا: " مَتى " فَهِيَ تفِيد الْعُمُوم فِي الزَّمَان كَمَا إِذا قلت: " مَتى جئتني أكرمتك " فَلَا يتَعَيَّن عَلَيْهِ الْإِتْيَان فِي وَقت من الْأَوْقَات، بل عَم، حَتَّى فِي أَي وَقت جَاءَ تعين الْإِكْرَام.
وَمِنْهَا: " مَا " فَهِيَ تفِيد الْعُمُوم فِي الِاسْتِفْهَام، وَالْخَبَر، وَالْجَزَاء، وَالنَّفْي تَقول: - " مَا تصنع؟ " فَيَقُول الْمُخَاطب " أصنع شَيْئا " ف " مَا " الأولى عَام فِي
стр. 78
الِاسْتِفْهَام، وَالثَّانيَِة عَام فِي الْأَخْبَار.
وَفِي الْجَزَاء: " مَا تصنع أصنع ".
وَفِي النَّفْي: " مَا جَاءَك من أحد " فَهِيَ عَام فِي النَّفْي.
وَمِنْهَا -: " لَا " فَإِنَّهَا تفِيد الْعُمُوم فِي النكرات كَمَا مثل الشَّيْخ - رَحمَه الله تَعَالَى -: " لَا رجل فِي الدَّار "، و " لَا أحد فِي الْمَسْجِد " فَأفَاد أَنه لم يكن فِيهَا أحد من جنس الرِّجَال وَالله أعلم
[الْعُمُوم من صِفَات الْأَلْفَاظ، وَالْفِعْل لَا عُمُوم لَهُ]
قَالَ: (والعموم من صِفَات النُّطْق، فَلَا يجوز دَعْوَى الْعُمُوم فِي الْأَفْعَال، وَمَا يجْرِي مجْراهَا) .
أَقُول: يُشِير إِلَى أَن الْعُمُوم لَا يكون إِلَّا فِي الملفوظ، فَلَا يُؤْخَذ من الْأَفْعَال كَمَا يُقَال: إِنَّه عَلَيْهِ [السَّلَام] " جمع فِي السّفر بَين صَلَاتَيْنِ " فَلَا يُؤْخَذ من
стр. 79
فعله الْعُمُوم؛ لِأَن السّفر قد يكون طَويلا وَقد يكون قَصِيرا، فَعلم أَن الْفِعْل لَا يُفِيد الْعُمُوم بل لابد من النُّطْق.
стр. 80
وَكَذَا مَا يجْرِي مجْرى الْأَفْعَال كالقضايا، فَإِنَّهَا لَا تدل على الْعُمُوم، بل لَا بُد من تَقْيِيده كَمَا ورد أَنه ﵇ " قضى بِالشُّفْعَة للْجَار " فَلَا يحمل على الْعُمُوم، إِنَّمَا هِيَ للشَّرِيك - فَقَط -
وَكَذَا " قضى بِشَاهِد وَيَمِين " فَلَا يحمل على الْعُمُوم؛ لِأَنَّهُ فِي بعض الْأَشْيَاء، دون بعض وَالله أعلم.
стр. 81
[المُرَاد بالخاص، والتخصيص]
قَالَ: (وَالْخَاص يُقَابل الْعَام، والتخصيص تَمْيِيز بعض الْجُمْلَة) .
أَقُول: لما فرغ من بَيَان الْبَاب الرَّابِع وَهُوَ: الْعَام أَخذ فِيمَا يُقَابله، وَهُوَ: الْخَاص.
وَلِهَذَا لم يرسمه، بل اختصر على رسم الْعَام؛ لِأَنَّهُ يُقَابله.
فَإِذا قيل فِي رسم الْعَام هُوَ: مَا عَم شَيْئَيْنِ فَصَاعِدا: قيل فِي رسم الْخَاص: هُوَ: مَالا يعم شَيْئَيْنِ فَصَاعِدا. أَو مَالا يَقْتَضِي استغراق الْجِنْس، فَإِن الْعَام يَقْتَضِيهِ.
стр. 82
وَقَوله: " والتخصيص: تَمْيِيز بعض الْجُمْلَة " يُشِير إِلَى حَقِيقَة التَّخْصِيص وَهُوَ: إِخْرَاج شَيْء قد دخل فِي الْجُمْلَة كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْركين﴾ [سُورَة التَّوْبَة: ٥] فَهَذَا عَام، فَخرج مِنْهُ المعاهدون؛ إِذْ لَا يجوز قَتلهمْ.
وَكَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمن شهد مِنْكُم الشَّهْر فليصمه﴾ [سُورَة الْبَقَرَة: ١٨٥] فَهُوَ عَام ثمَّ خرج مِنْهُ الْمَرِيض وَالْمُسَافر؛ إِذْ لَا يجب عَلَيْهِمَا الصَّوْم بِرُؤْيَتِهِ
وَكَذَا إِخْرَاج بعض الْبيُوع عَن بعض؛ لِأَنَّهُ ﵇ " نهى عَن بيع
стр. 83
الرطب " فَكَانَ عَاما؛ لأجل عله الرِّبَا، ثمَّ رخص فِي الْعَرَايَا وَهِي بيع الرطب فِي رُؤُوس النّخل بِالتَّمْرِ على وَجه الأَرْض.
فَهَذَا إِخْرَاج شَيْء معِين فِي جملَة عَامَّة. وَالله أعلم.
стр. 84
[أَقسَام الْمُخَصّص، وأنواع الْمُتَّصِل]
قَالَ: (وَهُوَ يَنْقَسِم إِلَى مُتَّصِل ومنفصل: فالمتصل: الِاسْتِثْنَاء وَالشّرط، وَالتَّقْيِيد بِالصّفةِ) .
أَقُول: لما فرغ من تَعْرِيف الْخَاص: أَخذ فِي تقسيمه إِلَى مُنْفَصِل، ومتصل، ثمَّ بَدَأَ بالمتصل وقسمه إِلَى ثَلَاث - إِجْمَالا -: -
الأول: الِاسْتِثْنَاء كَقَوْلِك: " اكرم الْفُقَهَاء إِلَّا زيدا " ف " زيد " خص بِالِاسْتِثْنَاءِ من عُمُوم الْإِكْرَام.
الثَّانِي: الشَّرْط كَقَوْلِك: " اكرم الْفُقَهَاء إِذا جاءوك " فَخص إكرامهم بِالشّرطِ وَهُوَ الْمَجِيء.
الثَّالِث: التَّقْيِيد بِالصّفةِ كَقَوْلِك: " أكْرم الْفُقَهَاء الحافظين لكتاب الله - تَعَالَى، فَخص إكرامهم بِصفة وَهِي: الْحِفْظ لكتاب الله - تَعَالَى - وَالله أعلم.
стр. 85
[الْمُخَصّص الْمُتَّصِل الأول: الِاسْتِثْنَاء تَعْرِيف الِاسْتِثْنَاء، وَبَيَان بعض شُرُوطه]
قَالَ: (وَالِاسْتِثْنَاء: إِخْرَاج مَا لولاه لدخل فِي الْعَام، وَإِنَّمَا يَصح بِشَرْط أَن يبْقى من الْمُسْتَثْنى مِنْهُ شَيْء، وَمن شَرطه: أَن يكون مُتَّصِلا بالْكلَام) .
أَقُول: لما ذكر أَقسَام الْمُخَصّص الْمُتَّصِل إِجْمَالا: شرع فِي بَيَانهَا فرسم الِاسْتِثْنَاء [ب] : إِخْرَاج مَا لولاه لدخل فِي الْعَام كَقَوْلِك: " لَهُ عَليّ خَمْسَة إِلَّا ثَلَاثَة " فلولا الِاسْتِثْنَاء لَوَجَبَتْ الْخَمْسَة.
стр. 86
ثمَّ ذكر لصِحَّة الِاسْتِثْنَاء شرطين: -
أَحدهمَا: انه لَا يكون مُسْتَغْرقا للمستثنى مِنْهُ كَمَا لَو قَالَ: لَهُ عَليّ خَمْسَة إِلَّا خَمْسَة " فَهُوَ محَال؛ لِأَنَّهُ نفي مَا أثبت أَولا.
لَكِن اخْتلفُوا فِي نفس الِاسْتِثْنَاء: هَل يشْتَرط أَن يكون أقل من نصف الْمُسْتَثْنى مِنْهُ أَو أَكثر؟
فَذهب الْجُمْهُور إِلَى انه لَا فرق بل لَو قَالَ: " لَهُ عَليّ عشرَة إِلَّا وَاحِدًا " صَحَّ وَلَزِمَه تِسْعَة.
وَكَذَا لَو قَالَ: " إِلَّا تِسْعَة ": لزمَه وَاحِد.
وَذَهَبت الْحَنَابِلَة إِلَى أَنه لَا بُد من الزِّيَادَة على النّصْف كَقَوْلِك " لَهُ عَليّ عشرَة إِلَّا سِتَّة ".
стр. 87
وَذهب القَاضِي أَبُو بكر إِلَى النَّقْص كَقَوْلِك: " إِلَّا أَرْبَعَة ".
وَالشّرط الثَّانِي: أَن يكون الِاسْتِثْنَاء مُتَّصِلا بالمستثنى مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ جُزْء من الْمُسْتَثْنى مِنْهُ.
وَنقل جَوَاز الِانْفِصَال مِنْهُ عَن ابْن عَبَّاس حَتَّى لَو قَالَ: " لَهُ عَليّ عشرَة " ثمَّ
стр. 88
قَالَ بعد سَاعَة أَو أَكثر: " إِلَّا كَذَا ": صَحَّ.
وَالْجُمْهُور على خِلَافه
بل غلطوا النَّاقِل عَن ابْن عَبَّاس؛ ذَلِك لقُوَّة علمه باللغة وَغَيرهَا؛ لِأَنَّهُ يلْزم عدم انْعِقَاد يَمِين، واستقرار إِقْرَار
стр. 89
لجَوَاز الِاسْتِثْنَاء فِيمَا بعد وَالله أعلم
стр. 90
[جَوَاز تَقْدِيم الْمُسْتَثْنى على الْمُسْتَثْنى مِنْهُ، وَجَوَاز الِاسْتِثْنَاء من الْجِنْس وَغَيره]
قَالَ: (وَيجوز تَقْدِيم الِاسْتِثْنَاء على الْمُسْتَثْنى مِنْهُ، وَيجوز الِاسْتِثْنَاء من الْجِنْس وَغَيره) .
أَقُول: لما فرغ من رسم الِاسْتِثْنَاء وشروطه: شرع فِيمَا يجوز فِيهِ من تَقْدِيم
стр. 91
الْمُسْتَثْنى مِنْهُ كَقَوْلِك: " مَا قَامَ إِلَّا زيدا أحد ".
وَمِنْه قَول الْكُمَيْت: -
(وَمَالِي إِلَّا آل أَحْمد شيعَة ... )
: ... . .
وَكَذَا فِيمَا يجوز الِاسْتِثْنَاء من غير الْجِنْس الِاسْتِثْنَاء مِنْهُ كَقَوْلِك: " لَهُ عَليّ
стр. 92
مَائه دِرْهَم إِلَّا ثَوَابه ".
وَمنعه آخَرُونَ وَقَالُوا: لَا يستحسن أَن يُقَال: رَأَيْت النَّاس إِلَّا حمارا؛ إِذْ الْحمار لم يكن من النَّاس.
وَاحْتج الْقَائِلُونَ بِجَوَازِهِ بقوله تَعَالَى ﴿فَسجدَ الْمَلَائِكَة كلهم أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيس﴾ [سُورَة الْحجر: ٣٠] وَلم يكن من الْمَلَائِكَة بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلَّا إِبْلِيس كَانَ من الْجِنّ﴾ [سُورَة الْكَهْف: ٥٠] وَالله أعلم.
стр. 93
[الْمُخَصّص الْمُتَّصِل الثَّانِي: الشَّرْط]
قَالَ: (وَالشّرط يجوز أَن يتَقَدَّم على الْمَشْرُوط) .
أَقُول: لما فرغ من الِاسْتِثْنَاء الَّذِي هُوَ أحد أَقسَام الْخَاص الْمُتَّصِل شرع فِي الْقسم الثَّانِي وَهُوَ: الشَّرْط، فَذكر جَوَاز تَقْدِيمه على الْمَشْرُوط فَهُوَ كَمَا قَالَ:
لَكِن فِي الشَّرْط اللَّفْظِيّ كَمَا لَو قَالَ: " أَنْت طَالِق إِذا دخلت الدَّار " أَو " إِذا دخلت الدَّار فَأَنت طَالِق "؛ إِذْ لَا فرق بَينهمَا.
وَكَذَا إِذا قَالَ لعَبْدِهِ: " أَنْت حر إِن دخلت الدَّار " أَو " إِن دخلت الدَّار فَأَنت حر فَهَذَا يجوز تَقْدِيم الشَّرْط وتأخيره.
بِخِلَاف الشَّرْط الوجودي؛ إِذْ لَا يجوز تَأْخِيره كالطهارة للصَّلَاة وَدخُول الْوَقْت. وَالله أعلم.
стр. 94
[الْمُخَصّص الْمُتَّصِل الثَّالِث: الصّفة]
قَالَ: (والمقيد بِالصّفةِ يحمل عَلَيْهِ الْمُطلق كالرقبة قيدت بِالْإِيمَان فِي بعض الْمَوَاضِع، وأطلقت فِي الْبَعْض، فَيحمل الْمُطلق على الْمُقَيد) .
أَقُول: لما فرغ من الشَّرْط الَّذِي هُوَ الْقسم الثَّانِي من أَقسَام الْخَاص الْمُتَّصِل: شرع فِي الثَّالِث وَهُوَ الْخَاص الْمُقَيد بِالصّفةِ؛ لِأَن اللَّفْظ إِذا ورد مُطلقًا من غير تَقْيِيد، ثمَّ ورد مُقَيّدا حمل الْمُطلق على الْمُقَيد سَوَاء كَانَا فِي حكم وَاحِد كتحرير الرَّقَبَة فِي الْقَتْل فقيدت فِي بعض الْمَوَاضِع دون بعض فَحمل الْمُطلق على الْمُقَيد.
وَإِمَّا إِذا [كَانَ] اللَّفْظ الْمُطلق والمقيد فِي حكمين كَالْقَتْلِ وَالظِّهَار فَإِن الرَّقَبَة وَردت فِي الظِّهَار مُطلقَة، وَفِي الْقَتْل مُقَيّدَة بِالْإِيمَان.
فَذهب الشَّافِعِي إِلَى وجوب الْحمل؛ احْتِيَاطًا لِلْخُرُوجِ عَن الْعهْدَة يَقِينا.
стр. 95
وَذهب أَبُو حنيفَة وَآخَرُونَ إِلَى عدم الْحمل؛ لِأَن كل وَاحِد من الْحكمَيْنِ مُغَاير للْآخر، فَلَا يجب حمل أَحدهمَا على الآخر وَالله أعلم.
[تَخْصِيص الْكتاب بِالْكتاب، وَالْكتاب بِالسنةِ]
قَالَ: (يجوز تَخْصِيص الْكتاب بِالْكتاب، وَالْكتاب بِالسنةِ) .
أَقُول: لما فرغ من بَيَان الْخَاص الْمُتَّصِل وتقسيمه، شرع فِي بَيَان الْخَاص الْمُنْفَصِل؛ لِأَن الْعَام الْمُخَصّص قد يكون بِدَلِيل قَطْعِيّ كالكتاب وَالسّنة المتواترة وَالْإِجْمَاع، أَو بِدَلِيل ظَنِّي كالقياس، وَالسّنة الَّتِي لَيست متواترة.
стр. 96
ثمَّ ذكر جَوَاز تَخْصِيص الْكتاب بِالْكتاب، وبالسنة.
وَزَاد غَيره الْإِجْمَاع فَإِنَّهُ يخصص الْكتاب؛ لِأَنَّهُ قَطْعِيّ يلْحق بهما.
стр. 97
فتخصيص الْكتاب بِالْكتاب كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَة قُرُوء﴾ [سُورَة الْبَقَرَة: ٢٢٨] فَهَذَا عَام خصصه قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأولَات الْأَحْمَال أجهلن أَن يَضعن حَملهنَّ﴾ [سُورَة الطَّلَاق: ٤]
وَكَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿فانكحوا مَا طَابَ لكم من النِّسَاء﴾ [سُورَة النِّسَاء: ٣] خصصه قَوْله تَعَالَى: ﴿حرمت عَلَيْكُم أُمَّهَاتكُم﴾ [سُورَة النِّسَاء: ٢٣] .
وَتَخْصِيص الْكتاب بِالسنةِ كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُم الله فِي أَوْلَادكُم﴾ [سُورَة النِّسَاء: ١١] خصصه قَوْله ﵇: " الْقَاتِل لَا يَرث ".
стр. 98
و " نَحن لَا الْأَنْبِيَاء لَا نورث ".
وَتَخْصِيص الْكتاب بِالْإِجْمَاع كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَالَّذين يرْمونَ أَزوَاجهم﴾ [سُورَة النُّور: ٦] عَام فِي الْحر وَالْعَبْد، خصصه الْإِجْمَاع: أَن العَبْد لَا يضْرب ثَمَانِينَ، بل أَرْبَعِينَ وَالله أعلم.
стр. 99
[تَخْصِيص السّنة بِالْكتاب، وَتَخْصِيص السّنة بِالسنةِ، وَتَخْصِيص الْكتاب وَالسّنة بِالْقِيَاسِ]
قَالَ: (وَالسّنة بِالْكتاب، وَالسّنة بِالسنةِ، والنطق بِالْقِيَاسِ، ونعني بالنطق قَوْله تَعَالَى، وَقَول رَسُوله ﵇) .
أَقُول: يُشِير الشَّيْخ ﵀ إِلَى أَنه كَمَا جَازَ تَخْصِيص الْكتاب بِالْكتاب، وَالسّنة جَازَ تَخْصِيص السّنة بِالْكتاب كَقَوْلِه ﵇: (لَا يقبل الله صَلَاة من أحدث حَتَّى يتَوَضَّأ) خصها قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن كُنْتُم مرضى أَو على سفر﴾ [سُورَة الْمَائِدَة: ٦] إِلَى قَوْله: ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ .
وَتَخْصِيص السّنة بِالسنةِ كنهيه ﵇ أَولا عَن بيع الرطب ثمَّ رخص فِي بيع الْعَرَايَا فَخص ﵇ مَسْأَلَة الْعَرَايَا من عُمُوم نَهْيه أَولا.
وَتَخْصِيص النُّطْق بِالْقِيَاسِ، ثمَّ فسر النُّطْق بِالْكتاب وَالسّنة فَهَذِهِ مَسْأَلَة قد
стр. 100
اخْتلف فِيهَا وَهِي: هَل يجوز تَخْصِيص الْكتاب وَالسّنة بِالْقِيَاسِ أم لَا؟ .
فَذهب أَبُو حنيفَة وَعِيسَى بن أبان والكرخي إِلَى عدم.
стр. 101
الْجَوَاز؛ لِأَن دليلهما قَطْعِيّ، وَالْقِيَاس ظَنِّي فَلَا يخصصهما إِلَّا إِذا خصا بقطعي مثلهمَا.
وَذهب جُمْهُور الشَّافِعِيَّة إِلَى جَوَاز تخصيصهما بِالْقِيَاسِ؛ لِأَن الْقيَاس
стр. 102
والعموم دليلان فَوَجَبَ حمل الْأَعَمّ على الْأَخَص.
وَأَيْضًا: اختصاصهما بِالْقِيَاسِ فِيهِ عمل بالدليلين، وَهُوَ أولى من إِلْغَاء أَحدهمَا وَهُوَ الْقيَاس، وَالله أعلم.
[تَعْرِيف الْمُجْمل وَالْبَيَان]
قَالَ: (والمجمل: مَا يفْتَقر إِلَى الْبَيَان، وَالْبَيَان: إِخْرَاج الشَّيْء من حيّز الْإِشْكَال إِلَى حيّز التجلي) .
أَقُول: [لما فرغ من بَيَان بَاب الْخَاص شرع فِي الْبَاب السَّادِس وَهُوَ] الْمُجْمل، ثمَّ عرفه تعريفا حسنا؛ لِأَن الْمُجْمل فِي اصْطِلَاح الْفُقَهَاء: كل لفظ لَا
стр. 103
يعلم المُرَاد مِنْهُ عِنْد إِطْلَاقه بل يتَوَقَّف على الْبَيَان كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿ثَلَاثَة قُرُوء﴾ [سُورَة الْبَقَرَة: ٢٢٨] ؛ لِأَن الْقُرْء لفظ مُجمل يحْتَمل " الطُّهْر " و " الْحيض ".
فبينته الشَّافِعِيَّة بِالطُّهْرِ.
стр. 104
وبينته الْحَنَفِيَّة بِالْحيضِ.
وَكَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿أَن تذبحوا بقرة﴾ [سُورَة الْبَقَرَة: ٦٧] فَهَذَا اللَّفْظ مُجمل لجنس الْبَقر، وَالْمرَاد من الْجِنْس بقرة مُعينَة تفْتَقر إِلَى لفظ آخر يُخرجهَا من حيّز الْإِشْكَال إِلَى الْجَلِيّ فبينها تَعَالَى.
وَاخْتلفُوا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ [سُورَة الْمَائِدَة: ٦]
فَذَهَبت الْمَالِكِيَّة إِلَى أَنه لَيْسَ بمجمل؛ لِأَن الْبَاء للإلصاق، فَوَجَبَ الْمسْح.
стр. 105
بِالرَّأْسِ، وَالرَّأْس اسْم لجميعه، فَوَجَبَ مسح الْجَمِيع.
وَذهب الْجُمْهُور إِلَى إجماله؛ لاحْتِمَال أَن تكون الْبَاء للتَّبْعِيض فبينه ﵇ بمسح بعض رَأسه. وَالله أعلم.
стр. 106
[المُرَاد بالمبين]
قَالَ: (والمبين هُوَ النَّص لَا يحْتَمل إِلَّا معنى وَاحِدًا، وَقيل: مَا تَأْوِيله تَنْزِيله، وَهُوَ مُشْتَقّ من المنصة الَّتِي تجلى عَلَيْهَا الْعَرُوس [وَهُوَ الْكُرْسِيّ]
أَقُول: لما فرغ من الْمُجْمل: شرع فِي بَيَان الْمُبين وَهُوَ الْبَاب السَّابِع فرسمه بِأَنَّهُ النَّص الَّذِي لَا يحْتَمل إِلَّا معنى وَاحِدًا.
وَهُوَ: الَّذِي لَا يتَطَرَّق إِلَيْهِ احْتِمَال آخر.
وَذَلِكَ النَّص الْمُبين: إِمَّا من كتاب، أَو سنة: -
كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿إِنَّهَا بقرة صفراء فَاقِع لَوْنهَا﴾ [سُورَة الْبَقَرَة: ٦٩] فَهَذَا لفظ لَا يحْتَمل غَيره.
وَكَذَا قَوْله ﵇: (فِيمَا سقت السَّمَاء الْعشْر) فَإِنَّهُ مُبين لقَوْله تَعَالَى:
стр. 107
﴿وَآتوا حَقه يَوْم حَصَاده﴾ [سُورَة الْأَنْعَام: ١٤١]
وَكَذَا أَفعاله ﵇ فِي الصَّلَوَات، وَالْحج مبينَة لقَوْله [تَعَالَى] : و ﴿أقِيمُوا الصَّلَاة﴾ [سُورَة الْبَقَرَة: ٤٣] وَلقَوْله: ﴿وَللَّه على النَّاس حج الْبَيْت﴾ [سُورَة آل عمرَان: ٩٧] فَإِنَّهُ ﵇ بَينهمَا تبيينا لَا يحْتَمل الزِّيَادَة وَلَا النُّقْصَان.
وَلِهَذَا رسم الْمُبين - بِفَتْح الْيَاء - بِالنَّصِّ الَّذِي لَا يحْتَمل إِلَّا معنى وَاحِدًا.
وَأَشَارَ إِلَى أَن بعض الْعلمَاء رسم النَّص بِمَا تَأْوِيله تنزيلة وَهُوَ قريب مِمَّا ذكره الشَّيْخ وَالله أعلم.
وَقَوله: " وَهُوَ مُشْتَقّ من المنصة الَّتِي تجلى عَلَيْهَا الْعَرُوس " يُشِير إِلَى أَن النَّص فِي إيضاحه يشبه الْعَرُوس الْجَالِسَةُ على مُرْتَفع لَا تخفى على أحد، وَلَا يحْتَمل أَن تكون غَيرهَا هِيَ، فَكَذَلِك النَّص فِي ظُهُوره الَّذِي لَا يحْتَمل إِلَّا معنى وَاحِدًا. لَكِن فِي قَوْله نظر؛ إِذْ جعل النَّص مشتقا من المنصة، وَلَا شكّ أَن المنصة مفعلة؛ لِأَنَّهَا اسْم آله وَهُوَ: مصدر فاشتقاقها مِنْهُ، لَا بِالْعَكْسِ. وَالله أعلم
стр. 108
[تَعْرِيف الظَّاهِر]
قَالَ: (وَالظَّاهِر: مَا يحْتَمل أَمريْن أَحدهمَا أظهر من الآخر، ويؤل الظَّاهِر بِالدَّلِيلِ وَيُسمى ظَاهرا، والعموم قد تقدم شَرحه) .
أَقُول: لما فرغ من بَيَان الْمُبين: شرع فِي بَيَان الظَّاهِر وَهُوَ الْبَاب الثَّامِن.
يُشِير فِي هَذَا الْبَاب إِلَى أَن النَّص إِذا ورد يحْتَمل أموراً فالراجح مِنْهَا يُسمى ظَاهرا.
ثمَّ أَشَارَ إِلَى أَن الظَّاهِر قد لَا يحمل على ظَاهره بل إِذا أول صَار ظَاهرا كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَالسَّمَاء بنيناها بأيد﴾ [سُورَة الذاريات: ٤٧] فَالظَّاهِر: أَنَّهَا بنيت بأيد مُتعَدِّدَة؛ ن لِأَنَّهَا جمع يَد، وَهُوَ محَال فِي حَقه تَعَالَى فأولت بِالْقُوَّةِ فَصَارَ النَّص ظَاهرا بالتأويل.
وَكَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لم يذكر اسْم الله عَلَيْهِ﴾ [سُورَة الْأَنْعَام: ١٢١] فَهَذَا ظَاهر فِي تَحْرِيم مَتْرُوك الْبَسْمَلَة فَأول بِذكر الشَّرِيك، وَهُوَ: إِذا ذبح لغير الله
стр. 109
فَظهر النَّص بالتأويل
وَقَوله: " والعموم قد تقدم [شَرحه] ، يُشِير إِلَى أَن دَلَائِل الْعُمُوم من بَاب الظَّاهِر، وَقد تقدم الْكَلَام على الْعُمُوم، فَلَا حَاجَة لإعادته وَالله أعلم.
[أَفعَال الرَّسُول ﵇ مُخْتَصَّة بِهِ إِن دلّ على ذَلِك دَلِيل]
قَالَ: (وَالْأَفْعَال: فعل صَاحب الشَّرْع، فَلَا يَخْلُو أَن تكون على [وَجه] الْقرْبَة، أَو الطَّاعَة، فَإِن دلّ دَلِيل على اخْتِصَاصه بِهِ حمل عَلَيْهِ) .
стр. 110
أَقُول: لما فرغ من بَيَان الظَّاهِر، شرع فِي بَيَان أَفعاله ﵇ وَهُوَ الْبَاب التَّاسِع.
وَأَرَادَ بِهَذَا الْبَاب بَيَان أَحْكَام أَفعاله وانقسامها إِلَى أَنَّهَا تَارَة تكون خَاصَّة بِهِ كالوصال فِي الصّيام، ونكاحه من غير ولي وَغير ذَلِك وَاخْتلفُوا فِي الْأَفْعَال الَّتِي لم تخْتَص بِهِ، بل هِيَ تشريع لأمته على ثَلَاثَة أَقْوَال: _
مِنْهُم من جعله على الْوُجُوب.
وَمِنْهُم من جعله على النّدب.
وَمِنْهُم جعله على الْإِبَاحَة على مَا يَأْتِي إيضاحه - إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
следующие страницы →