← Общие книги

Общие книги · id 60

مدخل إلى علوم الشريعة

عبد الرحمن بن عبد العزيز العقل

Полный текст (88 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، والصلاة والسلام على النبي الأكرم، وآله وصحبه ومن سار على نهجهم الأقوم. أما بعد: فهذه سطور مختصرة، وكلمات مقتضبة، أضعها بين يدي طالب العلم الراغب في تعلم أحكام الشريعة والمبتغي دراسة علومها، وهي مقدمات لا بدَّ منها لطالب العلم كي يكون على بصيرة ودراية بما يجب عليه قبل الشروع في الطلب، ويُسهلُ عليه نيل الأرب، وليبارك الله له في علمه، ويسدد على درب العلم خطاه، وقد جاءت هذه السطور على قسمين: القسم الأول: آداب طالب الحق وما ينبغي أن يتحلى به أثناء الطلب من صفات وخلال جميلة، وما يجب عليه أن يحاذره مما ينافي العلم ويعارضه. القسم الثاني: نبذة يسيرة عن علوم الشريعة، وأبرز أقسامها وثمرة دراستها، مع جملة من أهم المصطلحات في كل علم. ولا أنسى أن أشكر كل من ساهم في إخراج هذه الرسالة، والله أسأل أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه، وأن ينفع به عباده. وصلى الله على نبينا محمد. وكتبه د. عبد الرحمن بن عبد العزيز العقل عضو هيئة التدريس بكلية الشريعة جامعة القصيم

стр. 2

القسم الأول آداب طالب العلم

стр. 3

الأدب قبل الطلب: إن الأدب والتزام شيم أهل الأخلاق الحسنة هو جمال العلم، وقليلٌ من الأدب مع شيءٍ من العلم، خيرٌ من كثرة علمٍ مع ضعف أدب. وقد كان السابقون من الأئمة يتعلمون الأدب ويحرصون عليه كحرصهم على العلم نفسه أو أشد، وكانوا يتعلمون الأدب من أشياخهم كما يتعلمون العلم. قال الحسن بن إسماعيل: سمعت أبي يقول: «كان يجتمع في مجلس أحمد زهاء خمسة آلاف أو يزيدون، أقل من خمس مئة يكتبون، والباقون يتعلمون منه حسن الأدب، وحسن السمت» (١). وقال أبو بكر بن المطوعي: «اختلفتُ إلى أبي عبد الله أحمد بن حنبل، ثنتي عشرة سنة وهو يقرأ (المسند) على أولاده، ما كتبتُ منه حديثًا واحدًا؛ إنما كنتُ أنظر إلى هديه وأخلاقه وآدابه» (٢). وكان الأئمة يرون أن الأدب هو مفتاح العلم، وأن القليل منه خيرٌ من العلم الكثير الخالي من الأدب. قال شريك ﵀: «قليلٌ من الأدب خيرٌ، مِن كثيرٍ مِن العلم» (٣). وقال مخلد بن الحسين ﵀: «نحنُ إلى قليلٍ مِن الأدب أحوج مِنَّا إلى كثيرٍ مِن الحديث» (٤).

стр. 4

وكذلك كان ابن المبارك (١)، والليث بن سعد (٢) يقولان هذا الكلام لطلاب العلم. والموفق كلما ارتقى في العلم، ارتقى في الأدب وسما في الأخلاق. قال الحسن ﵀: «كان الرجل يطلب العلم؛ فلا يلبث أن يُرَى ذلك في تخشعه وهديه ولسانه وبصره ويده» (٣)، وفي هذا يقول الشاعر: الْعِلْمُ نُورٌ وَجَهْلُ الْمَرْءِ غَيْهَبُهُ ... فَلَيْتَنَا نَحَوَ نُورِ الْعِلْمِ نَسْتَبِقُ فَراقدُ العلمِ أَخْلَاقٌ تُزَيِّنُهُ ... فَإِنْ جَمَعْتَهُمَا لِلْمَجْدِ تَنْطَلِقُ فَلَيْسَ يُجْدِى عَلِيمٌ دُونَمَا خُلُقٍ ... وَلَيْسَ يُجْدِى خَلُوقٌ بَاتَ يَخْتَلِقُ وَاهًَا لِكُلِّ عَلِيمٍ بَاتَ تُجْمِلُهُ ... نَفْسٌ خَلُوقٌ وَبِالأَهْوَاءِ لَا تَثِقُ وهنالك أصنافٌ من الآداب وصورٌ من محاسن الأخلاق ينبغي لطالب العلم أن يتحلى بها: أدبه مع نفسه، وأدبه مع أستاذه، وأدبه مع زملائه، وأدبه مع عامة الناس، وسنتحدث في هذه العجالة عن هذه الأنواع من الآداب بالتفصيل:

стр. 5

النوع الأول: أدب طالب العلم مع نفسه: هناك آدابٌ جمةٌ ينبغي لطالب العلم أن يتأدب بها مع نفسه التي بين جنبيه، وكثير منها متعلق بواجباته الدينية، التي هي حقوق لله تعالى، وإنما نُسِبَت إليه؛ لأنه يُطالب أن يقيمها في نفسه، ويتحلى بها في أقواله وأفعاله، وسمته وهديه، ومن أهمها: (أولاً: إخلاص النية لله : اعلم يا طالب العلم أن الإخلاص سِرٌّ بين العبد وربه لا يعلمه مَلَكٌ فيكتبه، ولا بشر فيفسده، ولا هوًى فيميله؛ فإن قصدت بطلب العلم وجه الله والأجر والثواب منه ورفع الجهل عن نفسك وعن إخوانك المسلمين؛ فاعلم أن ذلك توفيقٌ إلهيٌّ، وعطاءٌ رباني فاحمد الله على ذلك، وداوم النظر في قلبك، وجاهد نفسك في مراقبة الإخلاص. قال الحسن البصري ﵀: «لَا يَزَالُ الْعَبْدُ بِخَيْر؛ ٍ إِذَا قَالَ قَالَ لله، وَإِذَا عَمِلَ يَعْمَلُ لله » (١)؛ ولهذا ينبغي أن تكون مقاصد الطلب كما يلي: ١ - إصلاح القلب والعمل بالعلم: من أجمل ثمرات العلم أنه يصلح القلب والباطن، وهذا الإمام ابن جماعة ﵀ يرشدك ويهمس في أذنيك ويقول: «حُسْنُ النِّيَّةِ في طَلَبِ العِلْمِ بِأَنْ يَقْصِدَ بِهِ وَجْهَ الله تَعَالى، وَالعَمَلَ بِهِ، وَتَنْوِِيرَ قَلْبِهِ، وَتَحْلِيَةَ بَاطِنِهِ،

стр. 6

وَالْقُرْبَ مِنْ الله تَعَالى يَوْمَ القِيَامَةِ، وَالتَّعَرُّضَ لِمَا أَعَدَّ اللهُ لأَهْلِهِ مِنْ رِضْوَانِهِ وَعَظِيمِ فَضْلِهِ» (١). فهذه من أعظم مقاصد الطلب، والمقصود أن التقرب إلى الله بالعلم من أزكى العبادات وأحبها إلى الله. ٢ - رفع الجهل عن النفس: ٣ - نشر العلم ونفع الغير والإحسان إلى عباد الله: بهدايتهم وتعليمهم الدين فهذا من أعظم أنواع الإحسان، وقد قال تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:١٩٥]. ٤ - الدفاع عن الشريعة من خلال بث العلم ورد شبه المبطلين: هذه المقاصد الأربعة هي ثمرة العلم، ومن أخذها بحقها أحبه الله، وجعل له القبول والهيبة بين الناس، قال ابن عباس ﵂: «لو أَنَّ حَمَلَة العلم أخذوه بحقه وما ينبغي؛ لأحبهم الله وملائكته والصالحون، ولهابهم الناس، ولكن طلبوا به الدنيا؛ فأبغضهم الله، وهانوا على الناس» (٢). يقصد بذلك: من جَرَّدَ نيته لغير الله، وأراد بطلب العلم الدنيا، أما من قصد بالعلم مقصدًا من المقاصد الأربعة السابقة، أو أراد بذلك الحصول على منصبٍ يخدم من خلاله المسلمين أو أراد بالعلم عملًا يُغني به نفسه عن سؤال الناس، ويؤدي به النفقة الواجبة لأهله، فلا يدخل في مقام الذم، وإن فاته مقصود العلم الأعظم.

стр. 7

وعن أبي يوسف ﵀ قال: «يا قوم أريدوا بعلمكم الله؛ فإني لم أجلس مجلسًا قط أنوي فيه أن أتواضع، إلا لم أقم حتى أعْلُوهم، ولم أجلس مجلسًا قط أنوي فيه أن أعْلُوهم، إلا لم أقم حتى أفتضح» (١). معالجة النية: مما اتفق عليه المخلصون أن النية لا تستقيم للعبد إلا بطول تعاهد وكثرة مجاهدة. قال سفيان الثوري ﵀: «ما عالجتُ شيئًا أشد علي من نيتي؛ إنها تتَقَلَّبُ عليَّ» (٢). وليس معنى ذلك أن يعزف طالب العلم عن الطلب وينقطع عنه؛ بحجة أن نيته غير خالصة، فهذا مدخلٌ من مداخل الشيطان ليصرف العبد عن العلم الشرعي، بل الواجب على طالب العلم أن يمضي في طريق الطلب، ويتدرج في سلم العلم، ويجاهد نفسه في تصحيح النية في أول الطلب وأثناء الطلب، بل في جميع مراحل الطلب، وهذه المجاهدة تعين الطالب على الإخلاص وإرادة وجه الله . ومع دوام المجاهدة والاجتهاد في طلب الإخلاص يوفق العبد للنية الصالحة وحسن العمل؛ لأن العلم بطبيعته يربي على الإخلاص: قال إسحاق بن راهويه ﵀: «سألتُ وكيعًا عن الرجل يطلب العلم، ومن نيته أن يذاكر به ويحدث به أو نحو ذلك، أتراه يأثم في ذلك؟ قال: لا

стр. 8

يا ابن أخي، حدثنا سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، قال: طلبنا هذا العلم، وما لنا فيه نية، ثم جاءت النية والعمل بعد» (١). عقوبة من طلب العلم لغير الله: من طلب العلم رياءً وسمعةً وشهرةً، أو لينال به غرضًا من عرض الدنيا فهو متوعد بالعذاب، بل ورد أنه من أول من تسعر به النار يوم القيامة: فعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ: جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ، وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ، وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ: عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ، وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ: هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ» (٢).

стр. 9

وجاء في رواية: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أُولَئِكَ الثَّلَاثَةُ أَوَّلُ خَلْقِ اللَّهِ تُسَعَّرُ بِهِمُ النَّارُ يَوْمَ القِيَامَةِ» (١). (ثانيًا: العمل بالعلم: إن غاية العلم وثمرته أن يعمل به الإنسان رجاء ثواب الله، وليفوز بجنته، ولينجو من عذابه. وقد صنف الإمام الخطيب البغدادي ﵀ كتابًا بعنوان «اقتضاء العلم العمل»، تحدث فيه عن لزوم العمل بالعلم كما هو واضح من عنوانه، وهو جدير بالدراسة والمراجعة والمطالعة. وسَيُسأل الإنسان يوم القيامة عن علمه ماذا صنع به، وهل عمل به أم لا؟ فعن أبي برزة الأسلمي، قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ» (٢). قال علي بن أبي طالب ﵁ قال: «هتف العلم بالعمل، فإن أجابه، وإلا ارتحل» (٣)، ومعنى: (هتف)؛ أي نادى وصاح (٤). قال أبو قلابة ﵀: «إذا أحدث الله لك علمًا فأحدث لله عبادةً، ولا يكن همك أن تحدث به الناس» (٥).

стр. 10

وإذا عَمِلَ المسلم بعلمه فاز برضا الله تعالى، ونال جنته: اعْمَلْ بِعِلْمِكَ تَغْنَمْ أَيُّهَا الرَّجُلُ ... لَا يَنْفَعُ الْعِلْمُ إِنْ لَمْ يَحْسُنِ الْعَمَلُ وَالْعِلْمُ زَيْنٌ وَتَقَوَى اللَّهِ زِينَتُهُ ... وَالْمُتَّقُونَ لَهُمْ فِي عِلْمِهِمْ شُغُلُ تَعَلَّمِ الْعِلْمَ وَاعْمَلْ مَا اسْتَطَعْتَ بِهِ ... لَا يُلْهِيَنَّكَ عَنْهُ اللَّهْوُ وَالْجَدَلُ (١) وقد كان السلف ﵏ من أكثر الناس حرصًا على العمل بالعلم، ومبادرةً لتطبيقه في واقع حياتهم. عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: «حدثنا من كان يقرئنا من أصحاب رسول الله ﷺ : أَنَّهُمْ كَانُوا يَقْتَرِئُونَ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ عَشْرَ آيَاتٍ، وَلَا يَأْخُذُونَ فِي الْعَشْرِ الْأُخْرَى حَتَّى يَعْلَمُوا مَا فِي هَذِهِ مِنَ الْعَمَلِ وَالْعِلْمِ فَإِنَّا عُلِّمْنَا الْعَمَلَ وَالْعِلْمَ. قال: فتعلمنا العلم والعمل جميعًا, وأنه سيرث القرآن بعدنا قوم يشربونه شرب الماء لا يجاوز هذا، وأشار بيده إلى حنكه» (٢). وقد مثّل السلف نماذج رائعة في المبادرة بالامتثال وسرعة تطبيق العلم: فالإمام أبو حنيفة ﵀ كان لا يقول بجواز المسح على الجوربين، ثم رجع إلى الجواز قبل موته بثلاثة أيام أو بسبعة، ومسح على جوربيه في مرضه، وقال لعواده: فعلت ما كنت أنهى عنه (٣).

стр. 11

وهذا الإمام مالك ﵀: نقل عنه ابن وهب قال: «سمعتُ مالكًا سُئِلَ عن تخليل أصابع الرجلين في الوضوء، فقال: ليس ذلك على الناس، قال: فتركته حتى خَفَّ الناس، فقلت له: عندنا في ذلك سنة، فقال: وماهي؟ قلت: حدثنا الليث ابن سعد وابن لهيعة وعمرو بن الحارث، عن يزيد بن عمرو المعافري، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن المستورد بن شداد القرشي قال: رأيت رسول الله ﷺ يدلك بخنصره ما بين أصابع رجليه. فقال: إن هذا الحديث حسن، وما سمعتُ به قط إلا الساعة. ثم سمعته بعد ذلك يسأل فيأمر بتخليل الأصابع» (١). وأما الإمام الشافعي؛ فالمثال فيه أوضح وأكبر؛ فقد اشتهر عنه المذهب القديم في العراق، والجديد في مصر، وقد رجع في مذهبه الجديد عن مذهبه القديم إلا مسائل يسيرة أوصلها بعضهم إلى سبع عشرة مسألة، وأوصلها آخرون إلى نيف وثلاثين مسألة، وذلك لوقوفه على الدليل الصحيح. وهذا الإمام أحمد بن حنبل ﵀، لم يكتب عن النبي ﷺ حديثًا إلا بعد ما عمل به، قال الْمَرْوَذِي: قال لي أحمد: «ما كتبتُ حديثًا عن النبي ﷺ إلا وقد عملتُ به، حتى مَرَّ بي الحديث: أن النبي ﷺ احتجم، وأعطى أبا طيبة دينارًا، فأعطيتُ الحجام دينارًا حتى احتجمت» (٢). وقد جاء الوعيد الشديد على من لم يعمل بعلمه، عن أسامة بن زيد ﵂،

стр. 12

عن النبي ﷺ قال: «يُؤْتَى بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُلْقَى فِي النَّارِ، فَتَنْدَلِقُ (١) أَقْتَابُ بَطْنِهِ (٢)، فَيَدُورُ بِهَا كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِالرَّحَى، فَيَجْتَمِعُ إِلَيْهِ أَهْلُ النَّارِ، فَيَقُولُونَ: يَا فُلَانُ مَا لَكَ؟ أَلَمْ تَكُنْ تَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَتَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ؟ فَيَقُولُ: بَلَى، قَدْ كُنْتُ آمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ، وَأَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ» (٣). قال أبو الدرداء ﵁: «إنك لن تكون عالمًا حتى تكون متعلمًا، ولن تكون متعلمًا حتى تكون بما علمت عاملًا» (٤). وقال ابن رسلان ﵀: وَعَالِمٌ بِعِلْمِهِ لَمْ يَعْمَلَنْ ... مُعَذَّبٌ مِنْ قَبْلِ عُبَّادِ الصَّنَمْ (ثالثًا: خشية الله والخوف منه: العلم النافع هو الذي يربي النفس، ويطهرها من الصفات الرديئة، ويورث الخشية لله، والتواضع لخلقه، فيكون صاحبه مثالًا حسنًا في الناس، وقدوةً صالحةً في الأقوال والأفعال (٥). يقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨].

стр. 13

«أي إنما يخشاه حق خشيته العلماء العارفون به؛ لأنه كلما كانت المعرفة للعظيم القدير العليم الموصوف بصفات الكمال المنعوت بالأسماء الحسنى، كلما كانت المعرفة به أتم والعلم به أكمل كانت الخشية له أعظم وأكثر» (١). قال عبد الله بن مسعود ﵁: «ليس العلم رواية الحديث، ولكن العلم الخشية» (٢). وقال يحيى بن أبي كثير ﵀: «العالم من خشي الله، وخشية الله الورع» (٣). وقال مالك ﵀: «إن العلم ليس بكثرة الرواية، إنما العلم نور يجعله الله في القلب» (٤). (رابعًا: البعد عن المعاصي: يجب على طالب العلم أن يبتعد عن معصية الله تعالى، وأن يتجنب موارد المهالك، ويحذر مسالك الموبقات، فإن المعاصي تهلك صاحبها، وترديه في وادٍ سحيق. وما من مصيبة تحل بالعبد إلا بسبب معصية ارتكبها، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠].

стр. 14

قال ابن الجوزي ﵀: «واعلم أن المعاصي تسد أبواب الرزق، وأن من ضيع أمر الله ضيعه الله» (١). وليس شيء أنفع لطالب العلم في حفظ علمه، وقوة فهمه واستحضاره وإدراكه من خشية الله والابتعاد عن المعاصي. قال وكيع ﵀: «استعينوا على الحفظ بترك المعصية» (٢). وقال ابن حبان ﵀: «وإن من أجود ما يستعين المرء به على الحفظ الطبع الجيد مع الهمة، واجتناب المعاصي» (٣). وقال النووي -متحدثًا عن آداب طالب العلم-: «وينبغي أن يطهر قلبه من الأدناس ليصلح لقبول العلم وحفظه واستثماره» (٤). ومن ركن إلى المعصية، واستمرأ الذنوب نسي علمه واختلط ذهنه وعوقب بكثرة النسيان: قال ابن مسعود ﵁: «إني لأحسب العبد ينسى العلم كان يعلمه بالخطيئة يعملها» (٥). ورحم الله الإمام الشافعي حين قال:

стр. 15

شَكَوتُ إِلى وَكيعٍ سوءَ حِفظي ... فَأَرشَدَني إِلى تَركِ المَعاصي وَأَخبَرَني بِأَنَّ العِلمَ نورٌ ... وَنورُ الله لا يُهدى لِعاصي (خامسًا: العبادة والذكر: إن استدامة ذكر الله واستغفاره والثناء عليه من أجمل صور العبودية، وأسباب نقاء القلب وصحته وصفائه وطمأنينته ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨]. إن ذكر الله يعمر القلب نورًا ويملؤه سرورًا، بل إن القلب من دونه في ظلام وظلمة؛ لأن «في القلب خلة وفاقة لا يسدها شيء البته إلا ذكر الله ، فإذا صار شعار القلب بحيث يكون هو الذاكر بطريق الأصالة واللسان تبع له، فهذا هو الذكر الذي يسد الخلة ويفني الفاقة، فيكون صاحبه غنيًّا بلا مال، عزيزًا بلا عشيرة، مهيبًا بلا سلطان، فإذا كان غافلًا عن ذكر الله فهو بضد ذلك، فقير مع كثرة جِدَتِه، ذليل مع سلطانه، حقير مع كثرة عشيرته» (١). وطالب العلم أولى الناس بالمحافظة على ذكر الله تعالى، وأن يكون له رصيد من السنن والنوافل والصيام وقيام الليل، وقراءة القرآن الكريم. ويقبح بطالب العلم أن يكون مقصرًا في عباداته، فعن أبي عصمة عاصم بن عصام البيهقي قال: «بِتُّ ليلةً عند أحمد بن حنبل، فجاء بالماء

стр. 16

فوضعه، فلما أصبح نظر إلى الماء فإذا هو كما كان، فقال: سبحان الله! رجل يطلب العلم لا يكون له وِرْدٌ مِن الليل؟!» (١). بل كان السلف ﵏ يستعينون على حفظ العلم بالعبادة ويتقربون إلى الله بها ليفتح لهم مغاليق العلم. قال إبراهيم بن إسماعيل: «كان أصحابنا يستعينون على طلب الحديث بالصوم» (٢). (سادسًا: الإقبال على الله بكثرة الدُّعاء: إن الدعاء هو لُب التَّعبد، وخالص العِبادة؛ لما ينطوي عليه من الافتقار التام لله، والذُّل بين يديه، وهو أنفع عبوديات القلب وأكثرها تأثيرًا فيه، ولا سيما إذا حضر قلب الداعي، واستحضر معاني ما يدعو به، فإذا كانت تلك الدعوات والابتهالات مما أخبر الله به من أدعية صفوة خلقه كانت أنجع شيءٍ للقلب؛ لما تشتمل عليه من مجامع الدعاء، وصدق التذلل، واستحضار معاني الربوبية؛ ولهذا كانوا يُصدِّرون أدعيتهم بقولهم: «ربنا». وأكثر أدعية القرآن كذلك، تأتي مُصدَّرة بالتوسل إلى الله بربوبيته، والدَّاعي حينما يدعو الله مُتوسلًا بربوبيته يَحسن له استحضار معنى تربية الله العامة، وهي: الخلق والتدبير، ومعنى التربية الخاصة، وهي: ولايته لخيار خلقه، ولطفه بهم وإصلاحه لدينهم ودنياهم، وذلك لإقبالهم على ربهم، وضراعتهم بين يديه.

стр. 17

ويَحْسنُ بالداعي أن يدعو بدعاء الراسخين في العلم؛ لأنه سبحانه حينما أثنى عليهم ذكر دعوتهم: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران:٨]، فتوسلوا إلى الله بربوبيته أن يمنحهم استقامة القلوب وثباتها على مراضي الله، وحفظها من الزيغ، والنكوص عن الهداية (١). (سابعًا: استحضار مِنَّة الله وفضله: إن طالب العلم الموفق هو من يديم استحضار مشاهد مِنَنِ ربه عليه، التي لا يحصيها كتاب ولا يعدها عاد؛ لأنها قد طوقت المؤمن طوقًا يملأ الأرض والسماء، فهو الذي أفاض عليه نعمًا أعلاها نعمة الاهتداء التي يعجز اللسان عن الوفاء بقدرها، إذ أخرجه ربه بها من ظلمة الضلال إلى نور الهداية وفسيح الإيمان، «يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ» (٢). لذا عتب الله على من غفل عن مشاهدة مننه، فقال: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [الحجرات:١٧]. إنها التربية القرآنية التي تُجرد القلب من الاستعلاء وتمحو عنه مسارب الإدلال، وتملؤه إجلالًا لله واعترافًا بفضله ومنته، كما فقه ذلك أولو العزم والفضل من أمثال عمر ﵁ حينما طُعن وقال له عبدالله بن عباس ﵂ مواسيًا: «يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، وَلَئِنْ كَانَ ذَاكَ، لَقَدْ صَحِبْتَ رَسُولَ الله ﷺ فَأَحْسَنْتَ صُحْبَتَهُ، ثُمَّ فَارَقْتَهُ وَهُوَ عَنْكَ رَاضٍ، ثُمَّ صَحِبْتَ أَبَا بَكْرٍ فَأَحْسَنْتَ صُحْبَتَهُ،

стр. 18

ثُمَّ فَارَقْتَهُ وَهُوَ عَنْكَ رَاضٍ، ثُمَّ صَحِبْتَهُمْ فَأَحْسَنْتَ صُحْبَتَهُمْ، وَلَئِنْ فَارَقْتَهُمْ لَتُفَارِقَنَّهُمْ وَهُمْ عَنْكَ رَاضُونَ»، قال: «أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ صُحْبَةِ رَسُولِ الله ﷺ وَرِضَاهُ، فَإِنَّمَا ذَاكَ مَنٌّ مِنَ الله تَعَالَى مَنَّ بِهِ عَلَيَّ، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ صُحْبَةِ أَبِي بَكْرٍ وَرِضَاهُ، فَإِنَّمَا ذَاكَ مَنٌّ مِنَ الله جَلَّ ذِكْرُهُ مَنَّ بِهِ عَلَيَّ، وَأَمَّا مَا تَرَى مِنْ جَزَعِي فَهُوَ مِنْ أَجْلِكَ وَأَجْلِ أَصْحَابِكَ، وَالله لَوْ أَنَّ لِي طِلَاعَ الأَرْضِ (١) ذَهَبًا لَافْتَدَيْتُ بِهِ مِنْ عَذَابِ الله ، قَبْلَ أَنْ أَرَاهُ» (٢). إن استحضار العبد لمنة الله عليه يزيل من القلب غبش العُجب، ويغسله من درن الإدلال، ويطهره من الدنس ليكون وعاءً نظيفًا يتزكى بالإيمان ويرتفع بأعمال القلوب، وينتفع بأعمال الجوارح، أما إذا وُجدت هذه الأعمال مع شوائب العجب والإدلال بالعمل، فإنها تسحق قلب صاحبها سحقًا، فلا تبقي فيه خيرًا ولا تذر، قال الله تعالى في الحديث القدسي عن من أدلَّ بعمله: «قَدْ غَفَرْتُ لِفُلانٍ، وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ» (٣). فأوقد يا طالب العلم في ذهنك شرارة الشعور بمنة الله وتزكيته لك، ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور:٢١].

стр. 19

(ثامنًا: التحلي بخصال المروءة: إِنَّ مما يزين طالب العلم ويُجمله التحلي بـ (المروءة): كمكارم الأخلاق، وطلاقة الوجه، وإفشاء السلام، وتحمل الناس، والأنفة من غير كبرياء، والعزة في غير جبروت، والشهامة في غير عصبية، ولا جاهلية. وعليه فتنكَّب خوارم المروءة، في طبع، أو قول، أو عمل، من حرفة مهينة، أو خلة رديئة، كالعجب، والرياء، والبطر، والخيلاء، واحتقار الآخرين، وغشيان مواطن الريب، كل ذلك مما يفسد العلم على طالبه (١). (تاسعًا: الوسطية وعدم الغلو: الشريعة الإسلامية جاءت بالوسطية، بين الغلو والجفاء، وبين الإفراط والتفريط، قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣]. وقد جاء تحذير أهل الكتاب من الغلو في الدين كما في قول الله سبحانه: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [النساء:١٧١]. ثم جاء تحذيرنا عن هذا المرض العُضَال الذي وقع فيه اليهود والنصارى، عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ» (٢).

стр. 20

ذلك لأن الغلو مُهلكٌ ويؤدي بالإنسان إلى الضلال والانحراف عن جادة الحق، فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ، قَالَهَا ثَلَاثًا» (١). فعاقبة الغلو وخيمة، ومآله قبيح، انظر إلى النصارى كيف آل بهم الغلو في نبي الله عيسى ﵇ إلى جعله إلهًا وربًا! وكيف آل الغلو بالخوارج حتى أوقعهم في تكفير المسلمين واستحلال دمائهم، حتى كفروا كبار الصحابة ومنهم علي بن أبي طالب ﵁، وما زال منهج الخوارج باقيًا في الأمة يضعف في عصر ويقوى في عصر آخر، وقد بلغ في هذا العصر أشده تكفيرًا للمسلمين واستهانةً بالدماء، وتشويهًا لصورة الإسلام في أقطاب الدنيا، فنسأل الله أن يكفي المسلمين شرورهم ويهديهم صراطه المستقيم. فعلى المسلم أن يأخذ الأمر باعتدالٍ ورَوِيَّة، ويحذر الشذوذ والغلو، وأن يرفق بنفسه وإخوانه، وأن يتحبب إلى خلق الله ويحببهم لدين الله. فعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ، فَأَوْغِلُوا فِيهِ بِرِفْقٍ» (٢). وعن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَاّ زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَاّ شَانَهُ» (٣).

стр. 21

(عاشرًا: رحابة الصدر في مسائل الخلاف: من أروع الصفات التي تُزين العلم وتُجمل صاحبه أن يكون رحيب الصدر واسع البال في الحوار، هاديء النفس حين الاختلاف بلا غضب ولا تشنج ولا عصبية، وهنا أمور مهمة لا بد لطالب العلم أن يعيها جيدًا، ويراعيها: ١ - الخلاف سنة كونية واقعة: الخلاف سنة كونية واقعة، وسببه اختلاف المدارك والعقول والفهوم. فالسلف من الصحابة ومن بعدهم قد اختلفوا قديمًا، ومن بعدهم الخلف أيضًا، وقد يختلف العلماء في صحة النص أو فهمه، ودلالته على المقصود، وكذلك اختلافهم في القياس، وقول الصحابي، وسد الذرائع، وغيرها من الأدلة التي تكون سببًا لنشوء الاختلاف. ٢ - لا إنكار في مسائل الاجتهاد: ينبغي لطالب العلم أن يعلم أنَّ من القواعد التي وضعها أهل العلم أنه «لا إنكار في مسائل الاجتهاد»، فلا يسوغ لطالب العلم أن ينكر على أحد في مسألة من المسائل التي مبناها الاجتهاد، وأكثر مسائل أحكام الدين من هذا النوع؛ ولهذا تجد العالم الفقيه المطلع أوسع الناس صدرًا في مسائل الخلاف لعلمه أن مبناها الاجتهاد. ٣ - ألا يتصدر الفتوى ولا يتجرأ عليها: وقد كان السلف من أورع الناس في الفتوى، وقد ضربوا لذلك أجمل النماذج، حتى صنف ابن الجوزي كتابًا أسماه (تعظيم الفتيا) ذكر فيه صورًا رائعة عن السلف في حذرهم من التصدر للفتوى.

стр. 22

وفي زماننا ربما تجشم الصغير الإفتاء في مسألة شائكة لو عُرِضَت على أكابر السلف لتورعوا عن الإجابة عنها. عن أبي الحصين قال: «إن أحدهم ليفتي في المسألة لو وردت على (عُمَر) لجمع لها أهل بدر» (١). ٤ - لا ينبغي لطالب العلم أن يَحملَ الناسَ على رأيه: وقد قال أحمد في رواية المروَذِي: «لا ينبغي للفقيه أن يحمل الناس على مذهبه، ولا يُشدد عليهم» (٢). ولذلك كان منهج السلف هو: «قولي صواب يحتمل الخطأ، وقول غيري خطأ يحتمل الصواب» (٣)، وهي قاعدة جميلة ترسم المنهج الصحيح في التعامل مع آراء الآخرين واجتهاداتهم. وهي قاعدة من سار عليها اتسع عقله في التعامل مع المواقف والآراء. قال ابن عثيمين -وهو يعدد آداب طالب العلم-: «أن يكون صدره رحبًا في مواطن الخلاف الذي مصدره الاجتهاد؛ لأن مسائل الخلاف بين العلماء، إما أن تكون مما لا مجال للاجتهاد فيه ويكون الأمر فيها واضحًا فهذه لا يُعذر أحد بمخالفتها، وإما أن تكون مما للاجتهاد فيها مجال فهذه يُعذر فيها من خالفها، ولا يكون قولك حجة على من خالفك فيها؛ لأننا لو قبلنا ذلك لقلنا بالعكس قوله حجة عليك» (٤).

стр. 23

٥ - ألا يرتب على الخلاف تكفير أو تبديع أو تضليل: فالمجتهد في العلم لا يُكَفَّر ولا يُضَلَّل ولا يُفَسَّق، لأنه دائرٌ بين الأجر والأجرين؛ فإن أصاب له أجران، وإن أخطأ له أجر واحد. وهذا مصداق حديث النبي ﷺ : «إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ» (١). ٦ - إعذار الأئمة والعلماء المجتهدين: وهذا مما يجب على الأمة تجاه علمائها الذين هم ورثة الأنبياء، ولهذا ألف شيخ الإسلام ابن تيمية كتابًا ماتعًا بعنوان (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) بَيَّنَ فيه عذر الأئمة في مخالفتهم لبعض النصوص، وخطئهم في الاجتهاد. ومن هذه الأعذار: أن يكون الحديث لم يبلغه، أو أن يكون الحديث لم يثبت عنده، أو أن يكون نسي الحديث، ومنها عدم معرفته بدلالة الحديث، إلى غير ذلك من الأعذار. ٧ - التزام الأدب في الخلاف مع العلماء ومن له قدم في الإسلام: وذلك يكون بعدم تجريحهم والطعن فيهم، وذكرهم بالحسن والجميل وإن خالفوا الصواب، واختار خلاف قولهم (٢)، و «لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة» (٣).

стр. 24

النوع الثاني: أدب طالب العلم مع شيخه: الشيخ أوالمعلم له حقٌّ كبيرٌ على تلاميذه، فله فضل كبير -بعد الله في تعليمهم العلم والأخذ بأيديهم إلى طريق المعرفة، وسلوك سبيل النجاة، ومن هنا كان الواجب رعاية حق المعلم؛ بتقديره وتبجيله، ومراعاة حقوقه، وهذا من صميم العلم وحسن الأدب وسمو النفس. قال على ﵁: «أنا عبدُ مَنْ علمني حرفًا واحدًا، إن شاء باع، وإن شاء استرق» (١). قال الزُّرْنُوجِي ﵀: «اعلم أن طالب العلم لا ينال العلم ولا ينتفع به إلا بتعظيم العلم وأهله، وتعظيم الأستاذ وتوقيره. قيل: ما وصل من وصل إلا بالحرمة (٢)، وما سقط من سقط إلا بترك الحرمة» (٣). «ومن توقير المعلم: ألا يمشى أمامه، ولا يجلس مكانه، ولا يبتدئ بالكلام عنده إلا بإذنه، ولا يكثر الكلام عنده، ولا يسأل شيئًا عند ملالته، ويراعى الوقت، ولا يدق الباب، بل يصبر حتى يخرج الأستاذ» (٤).

стр. 25

ومن روائع الأدب مع المعلم ما يلي: أولًا: الأدب في مخاطبته: إِنَّ من التوقير الجميل، ومن الأدب الرفيع أن يراعي الطالب الأدب في خطابه لشيخه ومعلمه؛ فلا يناديه باسمه المجرد، بل عليه أن يخاطبه بخطاب التوقير والتقدير والاحترام، فيقول له: يا شيخنا، أو يا شيخي، وإذا كان لا يليق للولد أن يقول لوالده ذي الأبوة الطينية: (يا فلان) أو: (يا والدي فلان)، فكذلك لا يليق به أن يخاطب بذلك الخطاب شيخه الذي علمه ورباه وأدبه (١)، والأصل في ذلك قول الله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور:٦٣]. ومعنى الآية الكريمة: «لا تدعوا محمدًا باسمه ﷺ ، كدعاء بعضكم بعضًا، ولكن وقروه وعظموه، وقولوا: يا رسول الله، ويا نبي الله، ويا أبا القاسم. وفي الآية بيان توقير معلم الخير؛ لأن رسول الله ﷺ كان معلم الخير، فأمر الله بتوقيره وتعظيمه، وفيه معرفة حق الأستاذ، وفيه معرفة أهل الفضل» (٢). والنهي في قوله: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور:٦٣]، على سبيل التحريم في حق النبي ﷺ ، وعلى سبيل خلاف الأولى في حق غير النبي ﷺ من أهل العلم وسائر المعلمين.

стр. 26

ثانيًا: الأدب في السؤال: سؤال طالب العلم لشيخه ينبغي أن يراعي فيه ما يلي: ١ - الدعاء للشيخ في السؤال: كأن يقول: ما تقول عفا الله عنك, أو رحمك الله، أو وفقك الله، أو أحسن الله إليك؟ (١). ٢ - حسن السؤال والتلطف فيه: إِنَّ من الحكم التي اشتهرت عند الناس: أن حسن السؤال نصف العلم (٢)، لا يختلفون على هذا الأمر؛ فإن السائل إذا أحسن سؤال شيخه كان ذلك مدعاة لأن يُقبل عليه، ليوضح له ما أشكل عليه؛ لما يراه من استعداده وقابليته لذلك. وسوء السؤال مدعاة لأن ينفر الشيخ من التلميذ وإجابته لما يراه من غلظته؛ فيحرم التلميذ بذلك خيرًا كثيرًا (٣). وقد جاء ذلك مأثورًا عن بعض السلف: قال محمد بن سيرين: «كانوا يرون حسن السؤال يزيد في عقل الرجل» (٤). قال النووي- في حديثه عن آداب الطالب مع شيخه-: «ويتلطف في سؤاله، ويحسن خطابه» (٥).

стр. 27

٣ - عدم الإلحاح في السؤال: وذلك بأن «لا يسأله عن شيء في غير موضعه إلا أن يعلم من حاله أنه لا يكرهه ولا يلح في السؤال إلحاحًا مضجرًا، ويغتنم سؤاله عند طيب نفسه وفراغه، ويتلطف في سؤاله، ويحسن خطابه» (١). ٤ - اغتنام الوقت المناسب للسؤال: وذلك بأن يتلمس أطيب الأوقات لسؤال شيخه، فلا يسأله في حالة ضجر أو مللٍ أو غضبٍ؛ لئلا يتصور خلاف الحق مع تشويش الذِّهن، وأقل الحالات أن يقع الجواب ناقصًا (٢)، «وإن رآه في هَمٍّ قد عَرَضَ له, أو أمر يحول بينه وبين لبه, ويصده عن استيفاء فكره, أمسك عنه, حتى إذا زال ذلك العارض, وعاد إلى المألوف من سكون القلب, وطيب النفس, فحينئذ يسأله» (٣). وقال النووي: «ويغتنم سؤاله عند طيب نفسه وفراغه» (٤). ٦ - لا تستحِ من السؤال عما أشكل عليك: قال مجاهد ﵀: «لا يتعلم العلم مستحيٍ ولا مستكبرٌ» (٥). والطالب الجاد «لا يستحي من السؤال عما أشكل عليه بل يستوضحه أكمل استيضاح، فمن رق وجهه رق علمه، ومن رق وجهه عند السؤال ظهر نقصه عند اجتماع الرجال» (٦).

стр. 28

كما ينبغي له إذا قال له الشيح: أفهمت؟ ألا يقول: نعم، حتى يتضح له المقصود إيضاحًا جليًا؛ لئلا يكذب ويفوته الفهم: ولا يستحي من قوله: لم أفهم؛ لأن استثباته يحصل له مصالح عاجلة وآجلة: فمن العاجلة؛ حفظه المسألة، وسلامته من الكذب بإظهاره فهم ما لم يكن فهمه (١). ثالثًا: احترام الشيخ: وهذا من الأدب الذي يلزم طالب العلم أن يسلكه، فلا يماري شيخه ولا يؤذيه، ولا يتعنت معه في الحوار والسؤال؛ فقد يحرم الطالب الفائدة، بشؤم تعامله مع شيخه، وما أغضب أحدٌ أستاذه إلا حُرم علمه. قال ابن حزم ﵀: «إذا حضرت مجلس علم فلا يكن حضورك إلا حضور مستزيد علمًا وأجرًا، لا حضور مستغنٍ بما عندك؛ طالبًا عثرةً تُشِيعها، أو غريبةً تُشنعها، فهذه أفعال الأرذال، الذين لا يفلحون في العلم أبدًا، فإذا حضرتها على هذه النية فقد حصلت خيرًا على كل حال، وإن لم تحضرها على هذه النية فجلوسك في منزلك أروح لبدنك وأكرم لخلقك وأسلم لدينك» (٢). إِنَّ الْمُعَلِّمَ وَالطَّبِيبَ كِلَاهُمَا ... لَا يَنْصَحَانِ إِذَا هُمَا لَمْ يُكْرَمَا فَاصْبِرْ لِدَائِكَ إِنْ أَهَنْتَ طَبِيبَهُ ... وَاصْبِرْ لِجَهْلِك إِنْ جَفَوْتَ مُعَلِّمَا

стр. 29

قال الشعبي ﵀: «كان أبو سلمة (١) يماري ابن عباس؛ فحرم بذلك علمًا كثيرًا» (٢)، وحرم الاستفادة منه، وقد اعترف أبو سلمة بذلك وتَحَسَّرَ على سلوكه وندم على ما كان منه، وقال في آخر حياته: «لو رفقتُ بابن عباس؛ لأصبتُ منه علمًا كثيرًا» (٣). «ومن آداب المتعلم: أن يتحرى رضى المعلم وإن خالف رأي نفسه، ولا يغتاب عنده، ولا يفشي له سرًا، وأن يرد غِيبته إذا سمعها، فإن عجز فارق ذلك المجلس؛ وألا يدخل عليه بغير إذن، وإذا دخل جماعة قدموا أفضلهم وأسنهم» (٤). وكان الصحابة ﵃ يعلمون تلاميذهم ويربونهم على السؤال عما ينفع وترك ما لا ينفع. قال علي بن أبي طالب ﵁ يومًا: «سلوني عما شئتم، فقال ابن الكَوَّاء (٥): ما السواد الذي في القمر؟ قال: فإن تلك لله، ألا سألت عما ينفعك في دينك وآخرتك، ذاك محو الليل. قال: أخبرنا عن قوله: ﴿فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا﴾

стр. 30

[الذاريات:٢] قال: ثكلتك أمك سل تفقهًا، ولا تسل تعنتًا، سل عما يعنيك، ودع ما لا يعنيك» (١). «وهكذا كان العلماء والعقلاء إذا سئلوا عَمَّا لا ينفع السائل علمه، ولا يضره جهله. وربما كان الجواب أيضًا مِمَّا لا يضبطه السائل، ولا يبلغه فهمه منعوه الجواب، وربما زجروه وعنفوه» (٢). وعلى طالب العلم إذا أراد أن يستفيد من شيخه ويحصل على علمه أن يصبر على جفاءٍ يصدر منه، أو سوء خلق، ولا ينبغي أن يَصده ذلك عن ملازمته والاستفادة من علمه، وعليه أن يحسن الظن بشيخه، ويتأول أفعاله وأقواله التي يظهر أن الصواب خلافها على أحسن تأويل ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، ويحملها على أحسن المحامل، ويجتهد بالاعتذار عنه. كما على طالب العلم أن يتحمل من شيخه إذا نهره أو غضب عليه: «قيل لسفيان بن عيينة: إن قومًا يأتونك من أقطار الأرض، تغضب عليهم، يوشك أن يذهبوا ويتركوك؟ قال: هم حمقى إذن مثلك، أن يتركوا ما ينفعهم لسوء خُلُقِي!» (٣). وقد بَوَّب الخطيب البغدادي في جامعه: باب «الرفق بالمحدث، واحتماله عند الغضب» (٤).

стр. 31

اصْبِرْ عَلى مُرِّ الْجَفَا مِنْ مُعَلِّمٍ ... فَإِنَّ رُسُوبَ الْعِلْمِ فِي نَفَرَاتِه وَمَنْ لَمْ يَذُقْ مُرَّ التَّعَلُّمِ سَاعَةً ... تَجَرَّعَ ذُلَّ الْجَهْلِ طُولَ حَيَاتِه فمن لم يصبر على ذل التعلم بقي طول عمره في عمى الجهالة، ومن صبر عليه آل أمره إلى عز الدنيا والآخرة. وعن ابن عباس: ذللت طالبًا فعززت مطلوبًا. رابعًا: شكره على إحسانه إليه: قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة:٢٣٧]، وقال النبي ﷺ : «لَا يَشْكُرُ الله مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ» (١). والواجب على المسلم أن يحفظ المعروف لمن أحسن إليه، ولا ينسى فضله كائنًا من كان فكيف بمن أحسن إليك بالعلم الذي هو من أجلِّ وجوه الإحسان. قال شيخ الإسلام ﵀: «وإذا كان الرجل قد علمه أستاذ عرف قدر إحسانه إليه وشكره» (٢). وقال أيضًا: «وعلى المتعلم أن يعرف حرمة أستاذه ويشكر إحسانه إليه؛ فإنه من لا يشكر الناس لا يشكر الله، ولا يجحد حقه ولا ينكر معروفه» (٣).

стр. 32

كما ينبغي للمتعلم أن يحمد الله إذ يسر له من يُعلمه من جهله، و يحييه من موته، و يوقظه من سِنَتِهِ، وينتهز الفرصة كل وقت في الأخذ عنه، ويكثر من الدعاء له حاضرًا أو غائبًا، فإن النبي ﷺ قال: «مَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ، فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ» (١)، وأي معروف أعظم من معروف العلم، وكلُّ معروف ينقطع إلا معروف العلم والنصح والتربية. فكل مسألة استفيدت عن الإنسان فما فوقها - حصل بها نفع لمتعلِّمها و غيره- فإنه معروف و حسنات تجري لصاحبها (٢). ومن لطائف ما نُقِلَ عن السلف في هذا ما قاله يحيى بن سعيد القطان: «إني لأدعو الله للشافعي في كل صلاة، أو في كل يوم»، يعني: لما فتح الله عليه من العلم، ووفقه للسداد فيه (٣). عن محمد بن إسحاق بن راهويه قال: «قال أبي ﵀: قَلَّ ليلة إلا وأنا أدعو لمن كتب عنا ولمن كتبنا عنه» (٤). خامسًا: أن ينسب الفضل إليه: وهذا أدب ينبغي لطالب العلم أن يتحلى به، وأن يحفظ معروف شيخه وفضله عليه، قال شعبة ﵀: «كل من كتبت عنه حديثًا فأنا له عبد» (٥).

стр. 33

وقد نص العلماء على ذلك في كتبهم التي احتوت على مثل هذه الآداب: قال الخطيب البغدادي ﵀: «وكذا يجب على المتعلم الاعتراف بفضل الفقيه, والإقرار بأن العلم من جهته اكتسبه, وعنه أخذه» (١). ولذلك كان هدي العلماء والأئمة أنهم ينسبون كل خير وفضل لمشايخهم وأئمتهم: قال أحمد بن حنبل ﵀: «هذا الذي ترون كله أو عامته من الشافعي، وما بت منذ ثلاثين سنة إلا وأنا أدعو للشافعي» (٢). قال السعدي ﵀ في مقدمة منظومته في القواعد الفقهية: فَهَذِهِ قَوَاعِدٌ نَظَمْتُهَا ... مِنْ كُتْبِ أَهْلِ الْعِلْمِ قَدْ حَصَّلْتُهَا جَزَاهُمُ الْمَوْلَى عَظِيمَ الأَجْرِ ... وَالْعَفْوَ مَعْ غُفْرَانِهِ وَالْبِرّ فهذا الإمام السعدي ﵀ ينظم هذه المنظومة في القواعد الفقهية، ثم ينسب الفضل فيها إلى أهل العلم اعترافًا بعظيم فضلهم، وكريم منتهم عليه. فما أجمل الاعتراف لأهل الفضل بالفضل، ورد المعروف لأهل المعروف. •••

стр. 34

النوع الثالث: أدب طالب العلم مع زملائه: هناك بعض الآداب ينبغي أن يراعيها طالب العلم مع زملائه وإخوانه، منها: أولاً: اجتناب الحسد: قال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء:٥٤]. يذم الله تعالى في هذه الآية الكريمة أهل الحسد الذين يعترضون على فضل الله الذي يختص به على بعض عباده. قال النووي- وهو يذكر جملةً من أدواء طلاب العلم-: «ومنها الحذر من الحسد والرياء والإعجاب واحتقار الناس وإن كانوا دونه بدرجات، وهذه أدواء وأمراض يُبتلى بها كثيرون من أصحاب الأنفس الخسيسات، وطريقه في نفي الحسد أن يعلم أن حكمة الله تعالى اقتضت جعل هذا الفضل في هذا الإنسان؛ فلا يعترض ولا يكره ما اقتضته الحكمة» (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وقد يُبْتَلَى بعض المنتسبين إلى العلم وغيرهم بنوعٍ من الحسد لمن هداه الله بعلم نافعٍ أو عملٍ صالحٍ، وهو خلق مذموم مطلقًا، وهو في هذا الموضع من أخلاق المغضوب عليهم» (٢).

стр. 35

وقد كانت الشكاية من حسد بعض أهل العلم لبعضٍ قديمة، فقد حسد قوم من أهل العلم الشافعي، فقال أحمد مدافعًا عن الشافعي: «والله، ما رأينا منه إلا خيرًا، ولا سمعنا إلا خيرًا، ثم قال أحمد لمن حوله: اعلموا - رحمكم الله تعالى - أن الرجل من أهل العلم إذا منحه الله شيئًا من العلم وحُرِمَه قرناؤُه وأشكاله، حسدوه فرموه بما ليس فيه، وبئست الخصلة في أهل العلم» (١). وليحذر طالب العلم أن يتكلم في أقرانه بما لا ينبغي، ولا يدخل عليه الشيطان فينفخ في نار الحسد بينه وبين أصحابه من طلبة العلم، بل يجاهد نفسه في ذلك. قال الذهبي في ترجمة مُطَيَّن (٢): «وقد تكلم فيه محمد بن عثمان بن أبي شيبة (٣)، وتكلم هو في ابن عثمان، فلا يعتد غالبًا بكلام الأقران، لا سيما إذا كان بينهما منافسة، فقد عدد ابن عثمان لمطين نحوًا من ثلاثة أوهام، فكان ماذا؟ ومطين أوثق الرجلين، ويكفيه تزكية مثل الدارقطني له» (٤).

стр. 36

ثانيًا: لا يبخل بإفادتهم ومعاونتهم: لعموم قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢]. أي: ليعن بعضكم بعضًا على البر. والبر: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأعمال الظاهرة والباطنة، من حقوق الله وحقوق الآدميين ... وكلُّ خصلة من خصال الخير المأمور بفعلها، أو خصلة من خصال الشر المأمور بتركها، فإن العبد مأمور بفعلها بنفسه، وبمعاونة غيره من إخوانه المؤمنين عليها (١). ومن الفضائل في حق طالب العلم: أن يسعى في إيصال ما تعلمه لزملائه، ويجتهد في تبليغهم، وألا يَضِن (٢) عليهم بما عنده؛ فإن الضَّنَّ بما عنده والبخل فيه علامة الأنانية ودليل على ضعف الوازع الإيماني، فإن مقتضى الإيمان والأخوة أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه؛ لِمَا رواه أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ، حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» (٣). ثالثًا: مذاكرة العلم: يَجْمُل بطالب العلم أن يستذكر مع أصحابه العلم ومسائله، فيحيي سنة الأسلاف الأولين، ويتدرب على الحوار والمناقشة مع رفاقه ليثبت العلم في ذهنه، ويقوِّي بذلك حفظه واستحضاره، ويعرف مواطن الغلط عنده

стр. 37

ومواضع الخلل، وينتفع بما عند غيره. وقال الخليل بن أحمد: «ذاكر بعلمك؛ تذكر ما عندك، وتستفد ما ليس عندك» (١). وقد بَوَّبَ الخطيب البغدادي في جامعه بابين في هذا: الباب الأول: «باب المذاكرة مع الأتباع والأصحاب» (٢)، والباب الثاني: «باب المذاكرة مع الأقران والأتراب» (٣). وعن مسلم البطين، قال: «رأيتُ أبا يحيى الأعرج -وكان عالمًا بحديث ابن عباس- اجتمع هو وسعيد بن جبير في مسجد الكوفة، فتذاكرا حديث ابن عباس» (٤). قال إبراهيم النخعي: «إنه ليطول عليَّ الليل، حتى ألقى أصحابي فأذاكرهم» (٥). وعن أبي مسهر قال: «سمعتُ سعيد بن عبد العزيز يعاتب أصحاب الأوزاعي، فقال: مالكم لا تجتمعون مالكم لا تتذاكرون؟!» (٦).

стр. 38

النوع الرابع: أدب طالب العلم مع عامة الناس: هنالك جملة من الآداب التي ينبغي لطالب العلم أن يتمثلها في تعامله مع الناس، وهي: أولاً: تعليمهم وبذل النصح لهم: فمسؤولية طالب العلم أمام الناس مسؤولية كبيرة، ولا سيما إذا كانوا أهله وأقاربه وعشيرته، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤]. وقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦]، وقال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة:١٢٢]. «أي ليتعلموا العلم الشرعي، ويعلموا معانيه، ويفقهوا أسراره، وليعلموا غيرهم، ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم. ففي هذا فضيلة العلم، وخصوصًا الفقه في الدين، وأنه أهم الأمور، وأن من تعلم علمًا فعليه نشره وبثه في العباد، ونصيحتهم، فيه فإن انتشار العلم عن العالم من بركته وأجره الذي ينمَى له» (١).

стр. 39

ثانيًا: أن يُحدِّث الناس بما يعرفون: ومما يلزم طالب العلم أن يتنبه له في دعوته لعامة الناس أن يخاطبهم بما يفهمون ويعقلون، ولا يخاطبهم بشيء لا تدركه عقولهم، ولا يفقهونه؛ لأن ذلك مدعاة لأن يفتتنوا في دينهم، وأن يفهموا الكلام على غير وجهه، فيضلوا من حيث لا يشعرون، ويكون سببًا في ضلالهم وغوايتهم (١). قال عبد الله بن مسعود ﵁: «ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم، إلا كان لبعضهم فتنة» (٢). وقال علي بن أبي طالب ﵁: «حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله» (٣). وقد بَوَّبَ البخاري على هذا الأثر: «باب مَن خَصَّ بالعلم قومًا دون قومٍ؛ كراهية أن لا يفهموا» (٤). «وفي هذا الأثر أنه يجب أن يخص بالعلم قومًا لما فيهم من الضبط وصحة الفهم، ولا يبذل المعنى اللطيف لمن لا يستأهله من الطلبة ومن يخاف عليه الترخص والاتكال لقصير فهمه» (٥). وقال ابن هُبَيْرَة ﵀: «في هذا الحديث من الفقه: أن العالم ينبغي أن يربي الناس بالعلم تربيةً، ويغذيهم إياه تغذيةً؛ فيربيهم بصغار العلم قبل كباره،

стр. 40

فيكون ربانيًا كما جاء في الحديث الآخر، ويوضح ذلك أن الطفل لما كانت معدته لا تقوى على هضم الأطعمة الغليظة يسر الله له رزقه من ثدي أمه مدة طويلة يتدرج فيها إلى تناوله الأغذية الباقية على جهتها، فإن اللبن قد كان غذاء، ثم انقلب لبنًا فصار على نحو الشيء الصاعد فهو من ألطف الأغذية، فإذا قويت معدة الطفل غُذي بالأغذية القوية، فكذلك ينبغي للعالم أن يرفق بالناس في التعليم، فلا يُعَرِّض عقولَهم لسماع ما تنكره من قبل أن يتيقن قوة عقولهم لدفع الشبهة، وقبول الحجة، والكفر بالطاغوت، والإيمان بالله، وإلا عَرَّضَهم للتكذيب، كما قال علي ﵁: «أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟» (١). قال ابن حجر ﵀: «وفيه دليل على أن المتشابه لا ينبغي أن يُذْكَر عند العامة» (٢). وهذا هو منهج الصحابة ﵃. - فهذا أبو هريرة ﵁: جاء عنه أنه قال: «حفظت من رسول الله ﷺ وعاءين: فأما أحدهما فبَثَثْتُهُ، وأما الآخر فلو بَثَثْتُهُ قُطِعَ هذا البلعوم» (٣)، والمراد ما يقع من الفتن ونحوها. - والحسن ﵀: أنكر تحديث أنس للحجاج بقصة العرنيين؛ لأنه اتخذها وسيلة إلى ما كان يعتمده من المبالغة في سفك الدماء بتأويله الواهي. - وأبو يوسف من أصحاب أبي حنيفة كره تحديث الناس بالغرائب. - ومالك كره تحديث العوام بأحاديث الصفات (٤).
следующие страницы →