ثانيًا: لا يبخل بإفادتهم ومعاونتهم:
لعموم قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢].
أي: ليعن بعضكم بعضًا على البر. والبر: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأعمال الظاهرة والباطنة، من حقوق الله وحقوق الآدميين ... وكلُّ خصلة من خصال الخير المأمور بفعلها، أو خصلة من خصال الشر المأمور بتركها، فإن العبد مأمور بفعلها بنفسه، وبمعاونة غيره من إخوانه المؤمنين عليها (١).
ومن الفضائل في حق طالب العلم: أن يسعى في إيصال ما تعلمه لزملائه، ويجتهد في تبليغهم، وألا يَضِن (٢) عليهم بما عنده؛ فإن الضَّنَّ بما عنده والبخل فيه علامة الأنانية ودليل على ضعف الوازع الإيماني، فإن مقتضى الإيمان والأخوة أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه؛ لِمَا رواه أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ، حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» (٣).
ثالثًا: مذاكرة العلم:
يَجْمُل بطالب العلم أن يستذكر مع أصحابه العلم ومسائله، فيحيي سنة الأسلاف الأولين، ويتدرب على الحوار والمناقشة مع رفاقه ليثبت العلم في ذهنه، ويقوِّي بذلك حفظه واستحضاره، ويعرف مواطن الغلط عنده
стр. 37
ومواضع الخلل، وينتفع بما عند غيره.
وقال الخليل بن أحمد: «ذاكر بعلمك؛ تذكر ما عندك، وتستفد ما ليس عندك» (١).
وقد بَوَّبَ الخطيب البغدادي في جامعه بابين في هذا: الباب الأول: «باب المذاكرة مع الأتباع والأصحاب» (٢)، والباب الثاني: «باب المذاكرة مع الأقران والأتراب» (٣).
وعن مسلم البطين، قال: «رأيتُ أبا يحيى الأعرج -وكان عالمًا بحديث ابن عباس- اجتمع هو وسعيد بن جبير في مسجد الكوفة، فتذاكرا حديث ابن عباس» (٤).
قال إبراهيم النخعي: «إنه ليطول عليَّ الليل، حتى ألقى أصحابي فأذاكرهم» (٥).
وعن أبي مسهر قال: «سمعتُ سعيد بن عبد العزيز يعاتب أصحاب الأوزاعي، فقال: مالكم لا تجتمعون مالكم لا تتذاكرون؟!» (٦).
стр. 38
النوع الرابع: أدب طالب العلم مع عامة الناس:
هنالك جملة من الآداب التي ينبغي لطالب العلم أن يتمثلها في تعامله مع الناس، وهي:
أولاً: تعليمهم وبذل النصح لهم:
فمسؤولية طالب العلم أمام الناس مسؤولية كبيرة، ولا سيما إذا كانوا أهله وأقاربه وعشيرته، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤].
وقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦]، وقال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة:١٢٢].
«أي ليتعلموا العلم الشرعي، ويعلموا معانيه، ويفقهوا أسراره، وليعلموا غيرهم، ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم.
ففي هذا فضيلة العلم، وخصوصًا الفقه في الدين، وأنه أهم الأمور، وأن من تعلم علمًا فعليه نشره وبثه في العباد، ونصيحتهم، فيه فإن انتشار العلم عن العالم من بركته وأجره الذي ينمَى له» (١).
стр. 39
ثانيًا: أن يُحدِّث الناس بما يعرفون:
ومما يلزم طالب العلم أن يتنبه له في دعوته لعامة الناس أن يخاطبهم بما يفهمون ويعقلون، ولا يخاطبهم بشيء لا تدركه عقولهم، ولا يفقهونه؛ لأن ذلك مدعاة لأن يفتتنوا في دينهم، وأن يفهموا الكلام على غير وجهه، فيضلوا من حيث لا يشعرون، ويكون سببًا في ضلالهم وغوايتهم (١).
قال عبد الله بن مسعود ﵁: «ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم، إلا كان لبعضهم فتنة» (٢).
وقال علي بن أبي طالب ﵁: «حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله» (٣).
وقد بَوَّبَ البخاري على هذا الأثر: «باب مَن خَصَّ بالعلم قومًا دون قومٍ؛ كراهية أن لا يفهموا» (٤).
«وفي هذا الأثر أنه يجب أن يخص بالعلم قومًا لما فيهم من الضبط وصحة الفهم، ولا يبذل المعنى اللطيف لمن لا يستأهله من الطلبة ومن يخاف عليه الترخص والاتكال لقصير فهمه» (٥).
وقال ابن هُبَيْرَة ﵀: «في هذا الحديث من الفقه: أن العالم ينبغي أن يربي الناس بالعلم تربيةً، ويغذيهم إياه تغذيةً؛ فيربيهم بصغار العلم قبل كباره،
стр. 40
فيكون ربانيًا كما جاء في الحديث الآخر، ويوضح ذلك أن الطفل لما كانت معدته لا تقوى على هضم الأطعمة الغليظة يسر الله له رزقه من ثدي أمه مدة طويلة يتدرج فيها إلى تناوله الأغذية الباقية على جهتها، فإن اللبن قد كان غذاء، ثم انقلب لبنًا فصار على نحو الشيء الصاعد فهو من ألطف الأغذية، فإذا قويت معدة الطفل غُذي بالأغذية القوية، فكذلك ينبغي للعالم أن يرفق بالناس في التعليم، فلا يُعَرِّض عقولَهم لسماع ما تنكره من قبل أن يتيقن قوة عقولهم لدفع الشبهة، وقبول الحجة، والكفر بالطاغوت، والإيمان بالله، وإلا عَرَّضَهم للتكذيب، كما قال علي ﵁: «أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟» (١).
قال ابن حجر ﵀: «وفيه دليل على أن المتشابه لا ينبغي أن يُذْكَر عند العامة» (٢). وهذا هو منهج الصحابة ﵃.
- فهذا أبو هريرة ﵁: جاء عنه أنه قال: «حفظت من رسول الله ﷺ وعاءين: فأما أحدهما فبَثَثْتُهُ، وأما الآخر فلو بَثَثْتُهُ قُطِعَ هذا البلعوم» (٣)، والمراد ما يقع من الفتن ونحوها.
- والحسن ﵀: أنكر تحديث أنس للحجاج بقصة العرنيين؛ لأنه اتخذها وسيلة إلى ما كان يعتمده من المبالغة في سفك الدماء بتأويله الواهي.
- وأبو يوسف من أصحاب أبي حنيفة كره تحديث الناس بالغرائب.
- ومالك كره تحديث العوام بأحاديث الصفات (٤).
стр. 41
ثالثًا: الرحمة بهم وإظهار الشفقة عليهم:
جعل الله محمدًا ﷺ قدوة الخلق في الرحمة والرأفة بالمؤمنين، ووصفه ربه بقوله: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨].
وروى جرير بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ لَا يَرْحَمِ النَّاسَ، لَا يَرْحَمْهُ اللهُ » (١).
«فندب ﷺ إلى الرحمة والعطف على جميع الخلق من جميع الحيوانات (٢)، على اختلاف أنواعها في غير حديث، وأشرفها الآدمي، وإن كان (٣) كافرًا، فكن رحيمًا لنفسك ولغيرك، ولا تستبد بخيرك، فارحم الجاهل بعلمك، والذليل بجاهك، والفقير بمالك، والكبير والصغير بشفقتك ورأفتك، والعصاة بدعوتك، والبهائم بعطفك، فأقرب الناس من رحمة الله أرحمهم بخلقه» (٤).
وَارْحَمْ بِقَلْبِكَ خَلْقَ اللَّهِ وَارْعَهُمُ ... فَإِنَّمَا يَرْحَمُ الرَّحْمَنُ مَنْ رَحِمَا
وَاقْصُدْ بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ خَالِقِنَا ... سُبْحَانَهُ مِنْ إِلَهٍ قَدْ بَرَى النَّسَمَا
وَاطْلُبْ جَزَا ذَاكَ مِنْ مَوْلَاكَ رَحَمَتَهُ ... لَا يَظْلِمُ اللهُ عَبْدًا كَانَ قَدْ كَرُمَا
стр. 42
قال شيخ الإسلام ﵀ واصفًا أهل السنة-: «هم أعلم الناس بالحق، وأرحمهم بالخلق» (١).
وهذه صفة طالب العلم الموفق؛ تجده رحيمًا بالناس، لطيفًا رفيقًا بهم، يشفق عليهم ويرحمهم، ويرجو لهم الهداية، ويسعى في مصالحهم الدينية والدنيوية.
رابعًا: إلقاء السلام ورده والابتسامة في وجوه الآخرين:
إلقاء السلام ورده من أسباب فشو المحبة بين المسلمين، روى أبو هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «لَا تَدْخُلُونَ الجنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» (٢).
بل جاءت السنة النبوية آمرة بالسلام على كل أحد:
فعن عبد الله بن عمرو ﵂: «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ، وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ» (٣).
وهذا خلاف ما عليه بعض الناس الذين لا يسلمون إلا على معارفهم، وهذا من الأخطاء في باب السلام.
وقد رغب الإسلام في الابتداء بالسلام، ورتب عليه فضائل ومن ذلك:
حديث أبي أمامة، قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بالله مَنْ بَدَأَهُمْ بِالسَّلَامِ» (٤).
стр. 43
وحديث سَيَّار بن أبى سيار، قال: «كُنْتُ أَمْشِي مَعَ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، فَمَرَّ بِصِبْيَانٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، وَحَدَّثَ ثَابِتٌ أَنَّهُ كَانَ يَمْشِي مَعَ أَنَسٍ، فَمَرَّ بِصِبْيَانٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، وَحَدَّثَ أَنَسٌ أَنَّهُ كَانَ يَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَمَرَّ بِصِبْيَانٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ» (١).
ونستفيد من هذه الأحاديث: مشروعية نشر السلام وإلقائه على كل أحد حتى الأطفال لأنه من ملاطفتهم وكسب قلوبهم.
وأما الابتسامة فهي من أرقى وسائل كسب القلوب، بل اعتبرها النبي ﷺ عبادة: فقال: «تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ» (٢).
وبوب عليه الطبراني: «باب فضل تبسم الرجل في وجه أخيه المسلم» (٣).
وكان هدي النبي ﷺ التبسم دون الضحك، كما جاء ذلك في حديث جابر بن سَمُرَة قال- وهو يتحدث عن الصحابة مع النبي ﷺ : «كَانُوا يَتَحَدَّثُونَ فَيَأْخُذُونَ فِي أَمْرِ الجاهِلِيَّةِ، فَيَضْحَكُونَ وَيَتَبَسَّمُ» (٤)، وطالب العلم نموذجه وقدوته المثلى نبيه ﷺ .
فما أجمل طالب العلم مبتسمًا بشوشًا طليق الوجه، قال ابن عيينة ﵀: «البشاشة مصيدة المودة، والبر شيء هين؛ وجه طليق وكلام لين».
وقال ابن المبارك ﵀: «إنه ليعجبني من القراء كل طلقٍ مِضْحَاكٍ، فأما
стр. 44
من تلقاه بالبشر، ويلقاك بالعبوس، كأنه يُمُنُّ عليك بعمله، فلا أكثر الله في القراء مثله» (١).
خامسًا: الحلم والرفق:
قال الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩].
ويقول الله موصيًا موسى وهارون-: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٣،٤٤].
وعن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ ، قال: «إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَا شَانَهُ» (٢).
وقد اعتبر النبي ﷺ الغليظ فاقدًا للخير، فقال: «مَنْ يُحْرَمِ الرِّفْقَ، يُحْرَمِ الْخَيْرَ» (٣).
وإذا جمع الله لطالب العلم بين العلم والحلم فقد جمع الله له أطراف الخير، فعن أبي رزين، في قوله: «﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران:٧٩]؛ قال: حلماء علماء» (٤).
وعن الحسن قال: «﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان:٦٣]؛ حلماء وإن جُهل عليهم لم يَجهلوا» (٥).
стр. 45
وعن عطاء بن أبي رباح قال: «﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان:٦٣] قال: حلماء علماء» (١).
وقديمًا قيل: «وما أُضيف شيءٌ إلى شيءٍ مثل حلمٍ إلى علمٍ» (٢).
سادسًا: ألا يضع نفسه في موقف يُذل فيه العلم وأهله:
طالب العلم قدوة للناس، ينبغي أن يكون في صورةٍ مشرقةٍ، فهو سفير العلم والعلماء، يعكس صورتهم، ويترك انطباعًا حسنًا عنهم؛ ولذلك عليه أن يبتعد عن كل ما يخدش هذه الصورة الجميلة، ويطعن في هذه الرؤية سواءً كان ذلك من ناحية جوهره أو مظهره، أو كلامه أو أفعاله، فمن ذلك:
أولًا: الحرص على اللباس المناسب:
وقد كان السلف يهتمون باللباس وجمال المظهر.
قال يحيى بن محمد الشهيد ﵀: «ما رأيتُ محدثًا أورع من يحيى بن يحيى، ولا أحسن لباسًا منه» (٣).
قال علي بن أبي طالب ﵁:
أَجِدِ (٤) الثِّيَابَ إِذَا اكْتَسَيْتَ فَإِنَّهَا ... زَيْنُ الرِّجَالِ بِهَا تُعَزُّ وَتُكْرَمُ
стр. 46
وَدَعِ التَّوَاضُعَ فِي الثِّيَابِ تَحَوُّبًا ... فَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُجِنُّ وَتَكْتُمُ
فَرَثَاثُ ثَوْبِكَ لَا يَزِيدُكَ زُلْفَةً ... عِنْدَ الإِلَهِ وَأَنْتَ عَبْدٌ مُجْرِمُ
وَبَهَاءُ ثَوْبِكَ لَا يَضُرُّكُ بَعْدَ أَنْ ... تَخْشَى الإِلَهَ وَتَتَّقِي مَا يَحْرُمُ (١)
كما يستحب لطالب العلم أن يعتني بنفسه من حيث النظافة والاغتسال والتطيب وإزالة الروائح الكريهة.
قال النووي -وهو يتحدث عن آداب طالب العلم إذا دخل مجالس العلم-: «وأن يدخل كامل الهيبة، فارغ القلب من الشواغل، متطهرًا متنظفًا بسواكٍ وقصِّ شاربٍ وظفرٍ وإزالةِ كريهِ رائحةٍ» (٢).
سابعًا: البعد عن مجالس اللغو واللغط:
إن مجالس طالب العلم التي يشهدها ويكتسب علمًا وأجرًا بحضورها هي مجالس العلم والتفقه والأدب، فهو ينأى بنفسه عن مجالس الباطل واللهو، التي يكثر فيها القيل والقال والغيبة والنميمة، والفحش والفجور والقصص الماجنة، والاستهزاء بالدين وأهله والسخرية منهم، بل قد يكون فيها الكفر الصراح والعياذ بالله تعالى.
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان:٧٢].
ومعنى الآية: «أي: لا يحضرون الزور أي: القول والفعل المحرم، فيجتنبون جميع المجالس المشتملة على الأقوال المحرمة أو الأفعال المحرمة، كالخوض في
стр. 47
آيات الله والجدال الباطل والغيبة والنميمة والسب والقذف والاستهزاء، والغناء المحرم وشرب الخمر وفرش الحرير، والصور ونحو ذلك، وإذا كانوا لا يشهدون الزور فمن باب أولى وأحرى أن لا يقولوه ويفعلوه» (١).
قال : ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء:١٤٠].
وخلاصة القول: أن عليك يا طالب العلم ألَاّ «تطأ بساط من يغشون في ناديهم المنكر، ويهتكون أستار الأدب، متغابيًا عن ذلك، فإن فعلت ذلك، فإن جنايتك على العلم وأهله عظيمة» (٢).
ثامنًا: البعد عن الهيشات والفتن:
على طالب العلم أن يحذر مواطن الطيش والهيشات والفتن التي يعمرها أصحاب العقول الخفيفة وسوء الأدب لأنها تفقد العلم جماله وهيبته.
فعن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : «إِيَّاكُمْ وَهَيْشَاتِ الْأَسْوَاقِ» (٣).
«وَهَيْشَاتِ الْأَسْوَاقِ»: يعني اختلاطها وما يكون فيها من الفتن وارتفاع الأصوات، وأراد ألا يكونوا من أهلها، فإنه يخفى فيها الصواب، ولا يتضح فيها الحق، ويتقدم فيها كل مستحق للتأخير، ويتأخر كل مستحق للتقديم» (٤).
стр. 48
وقد قال الشيخ بكر أبو زيد ﵀ في كتاب الحلية: (الإعراض عن الهيشات)، ثم أوصى: بـ «التصون من اللغط والهيشات، فإن الغلط تحت اللغط، وهذا ينافي أدب الطلب» (١).
وختام القول: أنه ينبغي على طالب العلم أن يتزين بآداب النفس؛ من العفاف، والحلم، والصبر، والتواضع للحق، وأن يأخذ من سكون الطائر: الوقار والرزانة، وخفض الجناح؛ متحملًا ذل التعلم لعزة العلم، وشرف غايته.
يا طالب العلم احذر نواقض هذه الآداب، فإنها مع الإثم تقيم على نفسك شاهدًا على أن في العقل علة، وتدل على الحرمان من التوفيق، وإياك والخيلاء، فإنه نفاق وكبرياء، وقد بلغت شدة التوقي منه عند السلف مبلغًا كبيرًا، وشأوًا بعيدًا (٢).
هذه شذرات في آداب طالب العلم مع نفسه، ومع شيخه، ومع إخوانه وزملائه، ومع سائر الناس.
وفقنا الله جميعًا لزوم هذه الآداب والتحلي والعمل بها.
•••
стр. 49
منهجية طالب العلم في الطلب:
بعد ذكر آداب طالب العلم، يجدر بنا بيان المنهج السليم الذي ينبغي لطالب العلم السير عليه، ويتمثل ذلك فيما يلي:
أولاً: إتقان الأصول:
(من لم يتقن الأصول؛ حرم الوصول)، و (من رام العلم جملة، ذهب عنه جملة)، وقيل أيضًا: (ازدحام العلم في السمع مضلة الفهم). وعليه، فلا بد من التأصيل والتأسيس لكل فن تطلبه، بضبط أصله ومختصره على شيخ متقن، لا بالتحصيل الذاتي وحده، وخذ العلم بالتدرج فإنه سبيل الرسوخ.
قال الله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء:١٠٦]، فأمر الله سبحانه في هذه الآية بأخذ القرآن على مكثٍ وبتؤدة. وهكذا أخذ العلم والتحصيل فيه ينبغي أن يكون كذلك.
فأمامك أمور لابد من مراعاتها في كل فن تطلبه:
١ - حفظ مختصر فيه.
٢ - ضبطه على شيخ متقن.
٣ - اتقان شرحه.
٤ - مراجعة ما حفظته وأتقنت شرحه باستمرار؛ فإن تكرار العلم ضمان ثباته.
ثانيًا: تلقي العلم عن الأشياخ:
الأصل في الطلب أن يكون بطريق التلقين والتلقي عن المشايخ، والأخذ من أفواه الرجال لا من الصحف وبطون الكتب.
стр. 50
وقد قيل: (من دخل في العلم وحده؛ خرج وحده)؛ أي: من دخل في طلب العلم بلا شيخ؛ خرج منه بلا علم، وهذا الكلام وإن لم يكن دقيقًا لكن فيه صواب كثير.
ثالثًا: حفظ العلم كتابة:
ابذل الجهد في حفظ العلم بكتابته؛ لأن تقييد العلم بالكتابة أمان من الضياع، لا سيما في مسائل العلم التي تكون في غير مظانها، ومن أجل فوائده أنه عند كبر السن وضعف القوى يكون لديك مادة تنهل منها مادة تكتب فيها بلا عناء في البحث والتقصي.
قال الشعبي: «إذا سمعت شيئًا، فاكتبه، ولو في الحائط» (١).
رابعًا: تعاهد المحفوظات:
تعاهد علمك من وقت إلى آخر، فان عدم التعاهد عنوان الذهاب للعلم مهما كان.
فعن ابن عمر ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّمَا مَثَلُ صَاحِبِ القُرْآنِ، كَمَثَلِ صَاحِبِ الإِبِلِ المُعَقَّلَةِ، إِنْ عَاهَدَ عَلَيْهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ أَطْلَقَهَا ذَهَبَتْ» (٢).
قال الحافظ ابن عبد البر ﵀: «وفي هذا الحديث دليل على أن من لم يتعاهد علمه، ذهب عنه» (٣).
وإذا كان القرآن الميسر للذكر يذهب إن لم يتعاهد، فما ظنك بغيره من العلوم المعهودة؟!.
стр. 51
خامسًا: اللجوء إلى الله تعالى في الطلب والتحصيل:
لا تحزن إذا لم يفتح لك في علم من العلوم.
ضاعف الرغبة، وافزع إلى الله في الدعاء واللجوء إليه والانكسار بين يديه.
كان شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كثيرًا ما يقول في دعائه إذا استعصى عليه تفسير آية من كتاب الله تعالى: اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمني، ويا مفهم سليمان فهمني فيجد الفتح في ذلك.
سادسًا: لا تكن أبا شبر:
وذلك بأن تدعي العلم لما لم تعلم، أو إتقان ما لم تتقن، فإن فعلت، فهو حجاب كثيف عن العلم.
احذر أن تكون (أبا شبر)، فقد قيل: العلم ثلاثة أشبار، من دخل في الشبر الأول تكبر، ومن دخل في الشبر الثاني تواضع، ومن دخل في الشبر الثالث علم أنه لا يعلم.
سابعًا: المحافظة على ساعات عمرك:
يا طالب العلم «الوقت الوقت للتحصيل ... فالحفاظ على الوقت بالجد والاجتهاد، وملازمة الطلب، ومثافنة الأشياخ، والاشتغال بالعلم قراءة وإقراء ومطالعة وتدبرًا وحفظًا وبحثًا، لا سيما في أوقات شرخ الشباب ومقتبل العمر، ومعدن العاقبة، فاغتنم هذه الفرصة الغالية؛ لتنال رتب العلم العالية، فإنها (وقت جمع القلب، واجتماع الفكر)؛ لقلة الشواغل والصوارف عن التزامات الحياة والترؤس، ولخفة الظهر والعيال» (١).
стр. 52
ثامنًا: الحرص على العلوم النافعة:
احرص على ما ينفعك ويقربك إلى الله من العلوم؛ فالعلوم كثيرة والأوقات شحيحة، والموفق من انشغل بما يعمق صلته بالله، ويزيد من إيمانه وتعلقه بمولاه، ولهذا كان من دعوات نبينا ﷺ أنه كان يسأل الله العلم النافع، كما ثبت ذلك من حديث أم سلمة-﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ: إِذَا صَلَّى الصُّبْحَ حِينَ يُسَلِّمُ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا، وَرِزْقًا طَيِّبًا، وَعَمَلًا مُتَقَبَّلًا» (١).
وعلامات العلم النافع هي:
١) العمل بالعلم.
٢) زيادة الإيمان والإكثار من الطاعات.
٣) كراهية التزكية والمدح.
٤) أن يزداد تواضعك كلما ازددت علمًا.
٥) الهرب من حب الترؤس والشهرة والظهور.
٦) هجر دعوى العلم.
٧) إساءة الظن بالنفس، وإحسانه بالناس تنزها عن الوقوع بهم.
٨) نشر العلم، والإحسان إلى الناس ببذله، واحتساب الأجر عند الله بذلك.
стр. 53
القسم الثاني
نبذة عن علوم الشريعة
стр. 54
العلوم الشرعية هي العلوم المستمدة من الشرع الإسلامي ومن مصدريه الأساسين: القرآن الكريم، والسنة الشريفة، وهي تطلق على التفسير وعلوم القرآن, والحديث النبوي وعلومه, وعلم العقيدة, والفقه وأصوله وقواعده.
وهذه العلوم الشرعية أشرف العلوم على الإطلاق، لشرف ارتباطها بالوحيين الكتاب والسنة، وهي أحق ما يصرف فيه الأوقات والأموال والجهود.
ولا يخفى على كلِّ ذي لبٍّ أنَّ تحصيل هذه العلوم واجب على كل مكلف بما يكفل له عبادةَ الله على الوجه الذي شرع، وهو ما يعرف بالعلم الضروريُّ الذي بواسطته تُعرف الأحكامُ ويُعمل بها، سواءٌ للذكر أوالأنثى، إذ حاجة المرء لإصلاح دينه وتزكية روحه ليست أقلَّ من حاجته إلى الطعام والشراب وغيرهما من لوازم الحياة.
ومما لا شك فيه أن العلم شرف ونور وفضيلة، كما أن الجهل شر وبلاء ورذيلة، والعلم النافع مصدر الفضائل وينبوعها, والجهل مكمن الرذائل وطريقها، ولذا كان أرفع الناس قدراً, وأعظمهم شأناً, وأعلاهم منزلةً أهل العلم بالله ورسوله: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١].
فكان أولى ما يتنافس فيه المتنافسون، وأحرى ما يتسابق إليه المتسابقون، ما كان بسعادة العبد في معاشه ومعاده كفيلا، وعلى طريق هذه السعادة دليلا، وذلك هو العلم النافع والعمل الصالح اللذان لا سعادة للعبد إلا بهما, ولا نجاة له إلا بالتعلق بسببهما، فمن رُزق العلم والعمل فقد فاز وغنم، ومن حُرم العلم والعمل فالخير كله حرم.
стр. 55
ولذا شرف الله أهل العلم وأشهدهم على وحدانيته وتفرده بالعبادة والأُلوهية كما قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران:١٨]، وأهل العلم يسلك الله بهم إلى الجنة أسهل الطرق ويستغفر لهم أهل السماء والأرض حتى الحيتان في البحر كما ثبت من حديث أبي الدرداء عن رسول الله ﷺ ، قال: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ الله بِهِ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الجنَّةِ، وَإِنَّ الملَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ، وَمَنْ فِي الْأَرْضِ، وَالْحِيتَانُ فِي جَوْفِ الماءِ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ، كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا، وَلَا دِرْهَمًا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ» (١).
وبالعلم تُعرف الشرائع والأحكام، ويتميز الحلال من الحرام، فالعلم إمام والعمل مأموم، وهو قائد والعمل تابع، مذاكرة العلم تسبيح، والبحث عنه جهاد, وطلبه قربة إلى الله تعالى, وبذله صدقة، ومدارسة العلم تُعدل بالصيام والقيام، والحاجة إليه أعظم منها إلى الشراب والطعام.
قال الإمام أحمد ﵀: «الناس أحوج إلى العلم منهم إلى الطعام والشراب؛ لأن الطعام والشراب يُحْتَاج إليه في اليوم مرتين أو ثلاثًا، والعلم يُحْتَاج إليه
стр. 56
كل وقت» (١).
ولهذا كان من أوجب الواجبات على العباد معرفة العلم والعمل، والذي به نجاتهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة.
ولابد من تنبيه مهم جدًا لطالب العلم وهو أن العلم أعظم عبادة، وأنه ما عبد الله بشيء أعظم من العلم، وأن العمل بالعلم هو الثمرة من العلم والمعرفة، فالعلم بمنزلة الشجرة وثمرته العمل به، فمن عمل بما علم أورثه الله تعالى علم ما لم يعلم، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء:٦٦ - ٦٨].
فمن أراد الله به الخير والسعادة والنجاة ورفعة المنزلة في الدنيا والآخرة يسَّر له العلم النافع والعمل الصالح كما ثبت في الصحيحين من حديث معاوية بن أبي سفيان ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ يُرِدِ الله بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» (٢).
قال ابن حجر ﵀: «ومفهوم الحديث أن من لم يتفقه في الدين أي يتعلم قواعد الإسلام وما يتصل بها من الفروع فقد حُرم الخير؛ لأن من لم يعرف أمور دينه لا يكون فقيهًا ولا طالب فقه، فيصح أن يوصف بأنه ما
стр. 57
أريد به خيرًا. وفي ذلك بيان ظاهر لفضل العلماء على سائر الناس، ولفضل التفقه في الدين على سائر العلوم» (١).
وإليك يا طالب العلم نبذة عن علوم الشريعة وأصنافها وأبرز مصطلحات كُلِّ فن:
стр. 58
أولاً: علم التفسير:
يحتل علمُ التفسير الصدارةَ بين العلوم الشرعية؛ لأن فهم معاني القرآن أمرٌ ضروري لقارئ القرآن والمتفقه في الدين.
وعلم التفسير من أهم العلوم التي ينبغي لطالب العلم العناية بها إذ أن شَرف العلم بشرف المعلوم، تأمل في ما قاله شيخ الإسلام في آخر حياته حينما ندم أنه لم يجعل جل أوقاته في القرآن، يقول ﵀: «قد فتح الله علَيَّ في هذه المرة من معاني القرآن ومن أصول العلم بأشياء كان كثير من العلماء يتمنونها، وندمت على تضييع أكثر أوقاتي في غير معاني القرآن» (١).
تعريف التفسير:
التفسير لغةً: مصدر فَسَّرَ - بتشديد السين- مأخوذ من الفسر: وهو الكشف والإبانة، والإيضاح، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان:٣٣].
واصطلاحًا: علم يعرف به فهم كتاب الله تعالى المنزل على محمد ﷺ ، وبيان معانيه، واستخراج أحكامه وحكمه.
أقسام التفسير:
علم التفسير يختلف باختلاف الاعتبار الذي قُسم على أساسه؛ لأن للتفسير أقسام عدة باعتبارات مختلفة، وأهم هذه التقسيمات، تقسيمه باعتبار اتجاهات المفسرين، ويمكن تقسيمه بهذا الاعتبار إلى ثلاثة أقسام:
стр. 59
الأول: التفسير بالمأثور (التفسير بالرواية): وهو الذي يعتمد على تفسير القرآن بالقرآن، أو بالسٌّنَّة؛ أو بما رُوِي عن الصحابة؛ أو بما قاله كبار التابعين، وهو أفضل أقسام التفسير، إذا خلى من الأحاديث الضعيفة، والإسرائليات.
ومن كتب التفسير بالمأثور:
١) جامع البيان، لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، المتوفى سنة (٣١٠ هـ).
٢) تفسير القرآن العظيم، لعبد الرحمن بن أبي حاتم، المتوفى سنة (٣٢٧ هـ).
٣) تفسير القرآن العظيم، لإسماعيل بن عمر بن كثير، المتوفى سنة (٧٧٤ هـ).
الثاني: التفسير بالرأي والاجتهاد (التفسير بالدراية): وهذا القسم نوعان: جائز، ومذموم، فأما الجائز: فهو الاجتهاد فى تفسير ما لم يثبت فيه منقول صحيح، ولا أثر مروى، وفق شروط معروفة. وأما المذموم فهو عكس ذلك. كالتفاسير الّتي وضعت لتأييد البدع في العقائد، أو التفاسير التي ليس لها مستند صحيح.
ومن كتب التفسير بالرأي:
١) مفاتيح الغيب، لمحمد بن عمر فخر الدين الرازي، المتوفى سنة (٦٠٦ هـ).
٢) أنوار التنزيل، لعبد الله بن عمر البيضاوي، المتوفى سنة (٦٨٥ هـ).
٣) لباب التأويل، لأبي الحسن علي بن محمد الخازن، المتوفى سنة (٧٤١ هـ).
الثالث: التفسير الإشاري (تفسير بالإشارة): وهو تأويل القرآن بغير ظاهره لإشارة خفية يعتقد الباطنية والصوفية ظهور هذه الإشارة لهم، وهذا القسم من التفسير مردود وباطل.
стр. 60
ومن كتب التفسير الإشاري:
١) تفسير القرآن العظيم، لسهل بن عبد الله التُستري، المتوفى سنة (٢٨٣ هـ).
٢) حقائق التفسير، لمحمد بن الحسين السلمي، المتوفى سنة (٤١٢ هـ).
٣) البحر المديد، لأحمد بن محمد ابن عجيبة، المتوفى سنة (١٢٢٤ هـ).
ومن العلوم التي يقوم عليها تفسير القرآن: ما يعرف بعلوم القرآن: ويقصد بها مجموعة العلوم التى تتعلق مباحثها بالقرآن الكريم خاصة سواء ما يتعلق بنزوله، أو ترتيبه، أوجمعه، أو كتابته أو رسمه، أو قراءته، أو إعرابه، أو تفسيره، أو إعجازه، أو ناسخه، أو منسوخه، أو مكّيه ومدنيه، أو دفع الشبه عنه، إلى آخره.
ثمرة دراسة علم التفسير وفوائده:
لدراسة علم التفسير ثمار وفوائد كثيرة منها:
١) سد حاجة الناس إلى فهم القرآن، والعيش معه وتحقيق السعادة به.
٢) فهم الخطاب الشرعي الإلهي، ومعرفة الأحكام والحلال والحرام.
٣) يعين العبد على تدبر كتاب الله، قال ابن جرير الطبري: «إني لأعجب ممن قرأ القرآن ولم يعلم تأويله كيف يتلذذ بقراءته» (١).
٤) الوقوف على نشأة علم التفسير وتطوره، وجهود الصحابة والتابعين والعلماء من بعدهم في خدمة تفسير القرآن الكريم، وما تميز به كل جهد، وكيفية الاستفادة منه في سعة الإدراك لمعاني القرآن الكريم، والوقوف على أسراره العظيمة.
стр. 61
٥) معرفة المنهج السليم، والطرق الصحيحة لتفسير القرآن الكريم، بما يراعي قواعد وضوابط السابقين، ويواكب روح عصرنا ومتطلباته.
٦) معرفة اتجاهات المفسرين العقدية، والفقهية، والكلامية، واللغوية، وكيف أَثْرَت هذه الاتجاهات المتنوعة مكتبة التفسير في عصوره المختلفة.
٧) الوقوف على عظمة كتاب الله الذي حظي بهذا القدر الهائل من العناية والاهتمام، مما يكسب العبد تعظيم كتاب الله، وخشية من أنزله وتكلم به سبحانه.
مصطلحات علم التفسير:
القرآن: هو اللفظ العربي المعجز، الموحى به إلى محمد ﷺ بواسطة جبريل ﵇، وهو المنقول بالتواتر، المكتوب في المصحف، المتعبد بتلاوته، المبدوء بسورة الفاتحة، والمختوم بسورة الناس.
علم التفسير: هو علم يعرف به فهم كتاب الله تعالى المنزل على محمد ﷺ ، وبيان معانيه واستخراج أحكامه وحِكَمِهِ.
علوم القرآن: هو مباحث تتعلق بالقرآن الكريم من ناحية نزوله وترتيبه، وجمعه وكتابته، وقراءاته، ومحكمه ومتشابهه، وناسخه ومنسوخه، وإعجازه، وأساليبه ودفع الشبه عنه ... إلخ.
القرآن المكي: هو كل ما نزل من القرآن قبل الهجرة النبوية، ولو كان نزوله بغير مكة.
القرآن المدني: هو كل ما نزل بعد الهجرة النبوية، ولو كان نزوله بمكة.
стр. 62
سبب النزول: هو الواقعة أو السؤال الذي نزلت الآية أو السورة عقبه بيانًا له. فهو إما حادثة تقع فينزل القرآن بسببها، أو سؤال يوجه للنبي ﷺ فينزل القرآن ببيان الحكم فيه.
الإسرائيليات: هي الأخبار المروية عن أهل الكتاب من يهود أو نصارى، وسميت (إسرائيليات) تغليبًا، لأن أكثرها من أخبار بني إسرائيل أو من كتبهم.
الآيات المحكمة: هي الآيات الواضح معناها التي لا تحتمل من التفسير غير وجه واحد.
الآيات المتشابهة: هي الآيات التي تحتمل من التفسير أكثر من وجه.
القراءات: جمع قراءة، وهي مذهب يذهب إليه إمام من أئمة القراء مخالفًا به غيره في النطق بالقرآن الكريم مع اتفاق الروايات والطرق عنه.
النسخ: هو عبارة عن رفع حكم شرعي بدليل شرعي آخر متأخر عنه.
الآيات المنسوخة: هي على ثلاثة أنواع:
١) آيات نسخت تلاوتها وحكمها.
مثال ذلك: نسخ تحريم الرضاع من عشر رضعات إلى خمس، فعن عائشة ﵂، قال: «كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ: عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ، ثُمَّ نُسِخْنَ، بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ» (١).
٢) آيات نسخ حكمها وبقيت تلاوتها، وهذا أكثر أنواع النسخ.
стр. 63
مثال ذلك: نسخ عدة المتوفى عنها زوجها من سنة كاملة إلى أربعة أشهر وعشرة أيام، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ ... [البقرة:٢٤٠]، ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة:٢٣٤].
٣) آيات نسخت تلاوتها وبقي حكمها.
مثال ذلك: آية الرجم «الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّةَ» نسخت تلاوتها وبقي حكمها، قال عمر بن الخطاب ﵁: «إِنَّ الله بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ بِالحَقِّ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ، فَكَانَ فِيمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةُ الرَّجْمِ، فَقَرَأْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا، وَرَجَمَ رَسُولُ الله ﷺ وَرَجَمْنَا مِنْ بَعْدِهِ، وَإِنِّي خَشِيتُ إِنْ طَالَ بِالنَّاسِ الزَّمَانُ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: مَا نَجِدُ آيَةَ الرَّجْمِ فِي كِتَابِ الله، فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا الله تَعَالَى، فَالرَّجْمُ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إِذَا كَانَ مُحْصَنًا، إِذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ، أَوْ كَانَ حَمْلٌ، أَوِ اعْتِرَافٌ، وَايْمُ اللَّهِ، لَوْلَا أَنْ يَقُولَ النَّاسُ: زَادَ عُمَرُ فِي كِتَابِ الله ، لَكَتَبْتُهَا، الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّةَ» (١).
هذه أهم وأبرز المصطلحات المتعلقة بالتفسير.
стр. 64
ثانيًا: الحديث وعلومه:
علم الحديث من أشرف العلوم وأجلها، بعد العلم بالقرآن الكريم الذي هو أصل الدين ومنبع الطريق المستقيم، فالحديث هو المصدر الثاني للتشريع الإسلامي بعضه يستقل بالتشريع، وكثير منه شارح لكتاب الله تعالى مبين له قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤].
قال الحافظ العراقي: «علم الحديث خطير وقعه، كبيرٌ نفعُه، عليه مدار أكثرِ الأحكامِ، وبه يعرف الحلال والحرام، ولأهله اصطلاحٌ لا بُدَّ للطَّالب من فهمه» (١).
تعريف الحديث:
الحديث لغة: الجديد ضد القديم، ومنه قوله ﷺ في المطر: «إِنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ» (٢) أي: جديد.
ويطلق على الخبر، قال الفيروز آبادي: الحديث: الجديد، والخبر، ومنه قوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ [طه:٩] أي: خبر موسى.
وفي الاصطلاح: ما أضيف إلى النبي ﷺ من قول، أو فعل أو تقرير، أو صفة خَلقية أو خُلقية.
стр. 65
أقسام علم الحديث:
ينقسم علم الحديث على وجه الإجمال إلى قسمين:
١ - علم رواية الحديث: وهو علم يُبحث فيه عن كيفية اتصال الأحاديث بالرسول ﷺ من حيث أحوال رواته ضبطًا وعدالةً ومن حيث كيفية السند اتصالًا وانقطاعًا وغير ذلك.
٢ - علم دراية الحديث: وهو علم متعلق بفقه الحديث وما يخصه من معرفة الناسخ والمنسوخ والخاص والعام.
ويمكن تقسيمه تفصيلًا إلى:
١) علم المصطلح: وهو علم يعرف به حال الراوي والمروي من حيث القَبول والرد.
٢) علم التخريج: وهو علم يختص بالدلالة على موضع الحديث في مصادره الأصلية من كتب السنة وإبرازه للناس مع بيان مرتبة الحديث عند الحاجة.
٣) علم الرجال (الجرح والتعديل): هو العلم بأحوال رواة الحديث من حيث القبول والرد.
٤) علم العلل: هُوَ العلم الَّذِيْ ينقد أحاديث الثقات التي حصل فيها وهم أو غلط خفي، وهو من أدق العلوم وأشدها صعوبة.
ثمرة دراسة علم الحديث وفوائده:
١) معرفة منزلة السُّنة التي هي المصدر الثاني للتشريع، وهي المبيَّنة للقرآن؛ والمفصلة لمجمله.
стр. 66
٢) حفظ الدين الإسلامي من التحريف والتبديل , فقد نقلت الأمة الحديث النبوي بالأسانيد , وميزت به الصحيح من السقيم, ولولا هذا العلم لالتبس الحديث الصحيح بالضعيف و الموضوع, ولاختلط كلام الرسول بكلام غيره، وضاعت علوم الشريعة وأحكام الدين.
٣) معرفة مسالك العلماء والمحدثين في إثبات الحديث وتنقيته من الدخيل بما وضعوا من موازين منضبطة، وقواعد جليلة تجمع بين المنهج السليم والأمانة العلمية.
٤) أن قواعد هذا العلم تُجنب العالم خطر الوعيد العظيم الذي يقع على من يتساهل في رواية الحديث وذلك بقوله ﷺ في الحديث المستفيض عنه: «مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ، فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ» (١)، وقوله ﷺ في الحديث المتواتر: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» (٢).
٥) أن هذا العلم يُكسب أصحابه فائدة عظيمة في تنقية الأذهان ودقة النظر في معرفة صحيح الحديث من سقيمه، وتمييز ما يصح مما لا يصح.
٦) هذا العلم يفتح الطريق أمام الباحثين لتحقيق معاني المتون وإدراك مضموناتها، ثم الاطمئنان إلى الاستشهاد بها في كافة العلوم المختلفة.
٧) معرفة أحوال رجال الحديث وطبقاتهم.
٨) معرفة طريقة تخريج الأحاديث وتحقيق أسانيدها.
стр. 67
٩) علم الحديث يمتد تأثيره إلى العلوم الإسلامية الأخرى.
مصطلحات علم الحديث:
المتواتر: ما رواه جمع كثير عن جمع كثير بحيث تحيل العادة أو العقل تواطؤهم على الكذب.
الآحاد: ما فقد شرطًا من شروط التواتر.
الحديث القدسي: ما يرويه النبي ﷺ عن ربه لفظًا أو معنى سوى القرآن.
الحديث المرفوع: ما أضيف إلى النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو وصف.
الحديث الموقوف: ما أضيف إلى الصحابي من قول أو فعل أو تقرير متصلًا كان أو منقطعًا.
الحديث المقطوع: ما أضيف إلى التابعين فمن دونهم موقوفًا عليهم من أقوالهم وأفعالهم.
الصحيح لذاته: ما اتصل سنده بنقل العدل تام الضبط عن مثله إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علة.
الصحيح لغيره: هو الحديث الحسن لذاته إذا روي من وجه آخر مثله أو أقوى منه.
الحسن لذاته: هو الحديث الذي اتصل سنده بنقل عدل خف ضبطه من غير شذوذ ولا علة.
стр. 68
الحسن لغيره: هو الحديث الضعيف إذا تعددت طرقه ويمكن أن ينجبر بغيره.
الحديث الضعيف: هو الحديث الذي فقد شرطًا من شروط الحديث المقبول، وقصر عن رتبة الحسن.
الحديث الموضوع: هو الخبر المكذوب المختلق الذي ينسب إلى رسول الله ﷺ كذبًا.
الحديث المتروك: هو الحديث الذي في إسناده راوٍ متهم بالكذب ولا يعرف الحديث إلا من جهته.
الحديث الشاذ: ما رواه الراوي الثقة مخالفًا لمن هو أوثق منه.
الحديث المنكر: هو ما رواه الراوي الضعيف مخالفًا للثقة.
الحديث المُدْرَج: هو ما غير في سياق إسناده أو أدخل في متنه ما ليس منه.
الحديث المضطرب: هو الحديث الذي يروى على أوجه مختلفة لا مرجح بينها، ولا يمكن الجمع بينها.
الحديث المُصَحَّف: هو تغيير الكلمة في الحديث عن الهيئة الصحيحة إلى غيرها.
الحديث المتصل: هو الذي لم يسقط من إسناده أحد من رواته مرفوعًا كان أو موقوفًا.
المنقطع: هو ما سقط من إسناده قبل الصحابي راوٍ واحد أو أكثر لا على التوالي.
стр. 69
الحديث المعلق: ما حذف من أول إسناده راوٍ أو أكثر على التوالي، أو يحذف جميع الإسناد، أو يحذف كل الإسناد عدا الصحابي.
المعضل: هو ما سقط من إسناده راويان فأكثر على التوالي.
المرسل: ما رفعه التابعي صغيرًا كان أو كبيرًا إلى النبي ﷺ بأن يقول: قال رسول الله ﷺ ، أو هو: ما سقط من آخر إسناده من بعد التابعي.
المدلس: وهو نوعان:
الأول: تدليس الإسناد: هو أن يروي الراوي عَمَّن لقيه ما لم يسمعه منه، موهمًا أنه سمعه منه.
والثاني: تدليس الشيوخ: هو أن يروى الراوي عن شيخ حديثًا سمعه منه، فيسميه، أو يكنيه، أو ينسبه، أو يصفه بما لا يعرف به؛ كيلا يُعْرَف لضعفه أو صغره أو نحو ذلك.
المرسل الخفي: هو الحديث الذي يرويه الراوي عَمَّن عاصره ولم يلقه.
هذه أبرز المصطلحات المتعلقة بعلم الحديث.
•••
стр. 70
ثالثًا: علم العقيدة:
علم العقيدة هو العلم الذي يبحث في العقيدة الإسلامية وبيان ما يضادها وينافيها وهو مستمد من الوحيين الكتاب والسنة، وبيان نهج أئمة الأمة من الصحابة والتابعين ﵃ في تعاملهم مع مسائل الاعتقاد.
وعلم العقيدة هو أصل العلوم؛ لأن سلامة المرء في دينه موقوف على سلامة عقيدته.
والعقيدة الإِسلاميَّة عند إطلاقها هي عقيدة أَهل السُّنَّة والجماعة؛ لأنَّها هي الإِسلام الذي ارتضاه الله دينا لعباده، وهي عقيدة القرون الثلاثة المفضَّلة من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإِحسان إلى يوم الدين.
وكل ما خالف عقيدة أهل السنة والجماعة فهو من العقائد الباطلة، وصاحبها منحرف عن الاعتقاد الصحيح إلى العقائد البدعية الضالة.
والمراد بأهل السنة والجماعة: كل من اتبع سنة النبي ﷺ وتمسك بها قولًا وعملًا واعتقادًا.
تعريف العقيدة:
العقيدة لغة: مأخوذة من العقد، وهو الشد والربط والثبوت والإحكام، يقال: عقد الحبل يعقده: شدّه، والعقدُ: ضد الحل.
والعقيدة تُطلق على الإيمان الجازم الذي لا يتطرق إليه شكٌّ، وهي ما يؤمن به الإنسانُ ويعقد عليه قلبَه، فإن كان ما يعتقده اعتقادًا صحيحًا جازمًا بربوبية اللّه تعالى وأُلوهيته وأَسمائه وصفاته، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وسائر ما ثَبَتَ من أُمور الغيب،
стр. 71
وأصول الدِّين، وما أَجمع عليه السَّلف الصَّالح، والتسليم التام لله تعالى في الأَمر والحكم والطاعة، والاتباع لرسوله، فهذه هي العقيدة السلفية الصحيحة، وإن كان ما يعتقده خلاف ذلك كانت عقيدة فاسدة.
أقسام العقيدة:
يؤخذ تقسيم العقيدة من أصول الإيمان الستة، وهي:
١) الإيمان بالله: ويتضمن: (الإيمان بوجوده، وربوبيته، وألوهيته، وأسمائه وصفاته).
٢) الإيمان بالملائكة: ويتضمن: (الإيمان بوجودهم، والإيمان بمن علمنا اسمه منهم، والإيمان بما علمنا من صفاتهم، والإيمان بما علمنا من أعمالهم).
٣) الإيمان بالكتب السماوية: ويتضمن: (الإيمان بأن نزولها من عند الله حقًا، والإيمان بما علمنا اسمه منها كالقرآن، والتوراة، والإنجيل، والزبور، مع تصديق ما صح من أخبارها، والعمل بأحكام ما لم ينسخ منها).
٤) الإيمان بالرسل: ويتضمن: (الإيمان بأن رسالتهم حق من عند الله، والإيمان بمن علمنا اسمه منهم باسمه، مع تصديق ما صح عنهم من أخبارهم، والعمل بشريعة من أرسل إلينا منهم، وهو خاتمهم محمد ﷺ .
стр. 72
٥) الإيمان باليوم الآخر: ويتضمن: (الإيمان بعذاب القبر ونعيمه، والإيمان بالبعث، والإيمان بالحشر والحساب، والإيمان بالجنة والنار، وغيرها من أمور الآخرة).
٦) الإيمان بالقدر خيره وشره: ويتضمن: (الإيمان بأن الله تعالى عالم بكل شيء جملة وتفصيلًا، والإيمان بأن الله كتب ذلك في اللوح المحفوظ، وأن جميع الكائنات لا تكون إلا بمشيئة الله تعالى، والإيمان بأن جميع الكائنات مخلوقة لله تعالى).
- ويدخل في دراسة العقيدة بيان مذاهب الفرق التي خالفت اعتقاد أهل السنة والجماعة في هذه الأصول الستة.
ثمرة دراسة علم العقيدة وفائدته:
١. معرفة العقيدة الصحيحة التي هي أصل الدين، وأساسُ دعوة المرسلين، ولا يتم إيمان العبد ولا يقبل عند الله إلا بها، ولهذا يقول الله : ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة:٥].
٢. معرفة أن العقيدة الصحيحة شرط لصحة الأعمال وقبولها.
٣. معرفة أعظم الواجبات وآكدها توحيد الله تعالى، والبعد عَمَّا يضاده من الشرك بالله ونحوه.
٤. العقيدة الصحيحة هي السبب في حصول التمكين في الأرض، وتوحيد صفوف المسلمين، وعليها تجتمع كلمتهم.
٥. بها يتحقق الأمن والاستقرار، وسعادة الدنيا والآخرة.
стр. 73
٦. معرفة مذاهب الفرق الضالة والتحذير منها.
٧. الحصانة ضد الفرق الضالة المبتدعة.
٨. دراسة العقيدة الصحيحة تزيد الإنسان خشية لله، وبعدًا عن المعاصي والموبقات.
٩. الحضارة الإسلامية لا تقوم إلا على العقيدة الصحيحة؛ لأنه لا بد لكل بناءٍ ماديًّا كان أو معنويًّا من أساس عقائدي يقوم عليه.
مصطلحات في علم العقيدة:
الدين: هو ملة الإسلام وعقيدة التوحيد التي هي دين جميع المرسلين من لدن آدم ونوح إلى خاتم النبيين محمد ﷺ .
الإيمان: تصديق بالجنان، وقول باللسان، وعمل بالأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان.
العقيدة الإسلامية: هي الإيمان الجازم بالله تعالى وما يجب له من التوحيد والطاعة وبملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر، وسائر ما ثبت من أمور الغيب، والإخبار، والأصول، علمية كانت أو عملية.
التوحيد: إفراد الله سبحانه بما يختص به من الربوبية والألوهية والأسماء والصفات.
أصول الدين: هي الأسس التي يقوم وينبني عليها الدين الإسلامي، وتُعتبَر أصلًا له، وهي التي أجمع عليها سلف هذه الأمة.
стр. 74
السنة: تطلق عند السلف على ما يقابل البدعة، فمن اتبع سنة النبي ﷺ وسنة الصحابة والتابعين ومن بعدهم، ونهج منهجهم يقال له: إنه من أهل السنة، ومن ترك منهجهم، واتبع أصحاب الأهواء يقال له: إنه من المبتدعة.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «ولفظ السنة في كلام السلف يتناول السنة في العبادات وفي الاعتقادات، وإنْ كان كثيرٌ ممن صنّف في السنة يقصدون الكلام في الاعتقادات».
الفقه الأكبر: اسم من أسماء العقيدة الذي أطلقه عليه بعضهم، وأول من استخدم مصطلح (الفقه الأكبر) هو الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت، وهذه التسمية لا تعني إهمال الفقه الآخر (مسائل الأحكام والحلال والحرام)، وإنما تعني الاهتمام بالعقيدة والبدء بتصحيحها قبل القيام بأداء الأعمال، ومعرفة أدلتها التفصيلية.
أهل السنة والجماعة: هم مَنْ كان على مثل ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه.
وسموا أهل السنة: لاستمساكهم واتباعهم لسنة النبي ﷺ .
وسموا الجماعة: لأنهم الذين اجتمعوا على الحق ولم يتفرقوا في الدين، واجتمعوا على أئمة الحق ولم يخرجوا عليهم، واتبعوا ما أجمع عليه سلف الأمة.
أهل الحديث: هم المنسوبون إلى حديث رسول الله ﷺ بسبب اتباعهم له، فهم كل من جعل كلام رسول الله ﷺ مصدرًا من مصادر التلقي يستفيدون منه عقائد الإسلام، سواءٌ كانوا علماء حديث أو فقه أو أصول فقه أو سوى ذلك.
стр. 75
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «ونحن لا نعني بأهل الحديث المقتصرين على سماعه، أو كتابته، أو روايته، بل نعني بهم: كل من كان أحق بحفظه ومعرفته، وفهمه ظاهرًا وباطنًا، وإتباعه باطنًا وظاهرًا، وكذلك أهل القرآن» (١).
السلف: هم صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين، وأئمة الهدى في القرون الثلاثة المفضلة، ويطلق على كل من اقتدى بهؤلاء وسار على نهجهم في سائر العصور.
الخلف: هم من جاء بعد القرون الثلاثة المفضلة، من علماء المسلمين، وعوامهم.
البدعة: طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية (٢).
•••