← Общие книги

Общие книги · id 600

منهج الصحابة في دعوة المشركين من غير أهل الكتاب

عبد العزيز بن محمد بن سعود الكبير

Полный текст (454 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

منهج الصحابة ﵃ في دعوة المشركين من غير أهل الكتاب الدكتور: عبدالعزيز بن محمد بن سعود الكبير

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3

المقدمة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١). ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢). ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٣). وصلى الله وسلم على نبي الأمة وخاتم الأنبياء والمرسلين محمد بن عبدالله، الذي أُرسل رحمة للعالمين، بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله وسراجاً منيراً، وهو الذي أورث مسؤولية الدعوة إلى أمته بالتأسي به، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ

стр. 4

اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (١). وجعل الله سبحانه الدعوة من أحسن الأقوال، وربط بها خيرية الأمة، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (٣). وكما ورد في حديث درة بنت أبي لهب ﵂ قالت: قام رجل إلى النبي ﷺ وهو على المنبر، فقال: يا رسول الله، أي الناس خير؟ فقال ﷺ : (خير الناس أقرؤهم وأتقاهم وآمرهم بالمعروف، وأنهاهم عن المنكر، وأوصلهم للرحم ((٤). وقد اختار الله قوماً هم أفضل هذه الأمة بعد نبيها ﷺ ليكونوا صحابته، وشرّفهم بالصحبة، وأثنى عليهم في مواقع كثيرة، قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٥).

стр. 5

ومن هذا المنطلق قام صحابة رسول الله ﵃ باتباع سنته، والحرص على الدعوة في حياته، وبعد مماته ﷺ ؛ ومما ورد عن الرسول ﷺ في فضل صحابته، وأنهم خير الناس، حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (خير أمتي القرن الذين بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم ... (الحديث (١)، وقد أوصى ﷺ باتباع أصحابه ﵃، واتباع سنتهم، كما ورد في حديث العرباض بن سارية قول رسول الله ﷺ : (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ ((٢). ولِما لهؤلاء القوم من فضل وتفضيل على من بعدهم، وأمره ﷺ باتباعهم، فإنه دليل على أن منهجهم هو المنهج الصحيح بعد رسول الله ﷺ ، فيؤخذ منهم، ويستفاد من طريقتهم، وخصوصاً في مجال الدعوة؛ لأنهم أول من قام بالدعوة بعد الرسول ﷺ ونشرها بين الناس؛ وذلك ما دعا إلى البحث في منهجهم، وطريقة دعوتهم، وتعاملهم مع من يدعون، فمن هذا يمكن الاستفادة من منهجهم الصحيح، وخبراتهم وتجاربهم الناجحة، خصوصاً في هذا الزمان الذي كثرت فيه الفتن والبدع والانحرافات، والتي شملت كل مجال، ومنها مجال الدعوة إلى الله.

стр. 6

ومنهج الصحابة ﵃ في دعوة المشركين من غير أهل الكتاب يُعد مرجعاً يستفاد منه لتأصيل المنهج الدعوي الصحيح، وذلك بمعرفة الطرق والأساليب والوسائل التي عملوا بها في دعوتهم، وتوضيح ذلك، والاستفادة منه على أرض الواقع، وخصوصاً إذا علمنا أنه يوجد نسبة عالية من سكان العالم ممن هم على أديان مختلفة من غير أهل الكتاب، وهذا مما يؤكد أهمية دراسة هذا الموضوع وتبيان الأحكام المستفادة منه، والبحث في المصادر والمراجع المتعددة؛ لإيضاح منهج الصحابة ﵃ في دعوة المشركين من غير أهل الكتاب، والإحاطة بالموضوع من جميع جوانبه. ومما يدعونا أيضاً للبحث في هذا الموضوع إيماننا أن الإسلام جاء للبشرية أجمع، وبعث الله به أنبياءه من قبل، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢) أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ (٣). وختم الله الأنبياء بإرسال نبينا محمد ﷺ بالإسلام ودين الحق ليظهره على الدين كله، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ

стр. 7

كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (١)، فسعى ﷺ في نشر هذا الدين، وقيض الله له صحابته؛ ليكونوا الدعاة والمبلغين لرسالته ﷺ ، فهم الذين ساروا على نهجه حتى بلغت الدعوة ما بلغت على أيديهم ﵃، في حياته ﷺ وبعد مماته، ولم تكن هذه الدعوة تخص فرداً دون آخر، أو ديناً دون دين، أو عرقاً دون عرق، فقد كانت دعوة شاملةً عالميةً، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٢). فكان الصحابة ﵃ يدعون أقوامهم من المشركين الوثنيين، فغالبية الصحابة كانوا قبل إسلامهم مشركين من أهل الأوثان، إلا من كان كتابياً أو وُلد في الإسلام، ومن هذا كان لدعوتهم هذه الفئة دور كبير، وتأثير عميق؛ مما جعل الأفواج تدخل في الإسلام بسبب الدعوة إلى الله بالطريقة الصحيحة، ولم يقفوا بالدعوة عند التعريف بالإسلام فقط، بل تعدوا ذلك إلى التأثير على المدعوين بالأخلاق، وحسن المعاملة، ولين الجانب، ومن ذلك ما ورد في قصة إسلام أسيد بن الحضير، وسعد بن معاذ، ودعوة أبي ذر لحويطب بن عبدالعزى، ودعوة أم سليم لأبي طلحة، إضافةً إلى ما قاموا به ﵃ بعد وفاة الرسول ﷺ من جهود في الدعوة، وحتى آخر من توفي من الصحابة، وهو أبو الطفيل عامر بن واثلة الليثي ﵁ والذي توفي سنة مائة للهجرة. إن الوقوف على منهج الصحابة ﵃ في دعوتهم للمشركين خلال تلك المدة هو من احتياجات الدعوة الملحة لوضع القواعد الصحيحة للدعوة، وخصوصاً

стр. 8

في هذا العصر، الذي كثر فيه الاختلاف والابتداع، كما أن كثرة الشعوب المشركة التي ليست على دين أهل الكتاب توجب البحث في هذا المجال، وعمل دراسة علمية وافية. وكان هذا البحث جزءاً من رسالة دكتوراه بعنوان: منهج الصحابة ﵃ في دعوة المشركين من غير أهل الكتاب إلى الإسلام (١). وقد رأيت أن أعيد صياغته بطريقة كتاب ليسهل على كل قارئ الاستفادة منه، فقد حذفت منه التعريفات المطولة، وبعض الفقرات التي لا تلزم القارئ وتشتت أفكاره.

стр. 9

الفصل التمهيدي وفيه مبحثان: المبحث الأول: الصحابة ﵃ ومكانتهم. المبحث الثاني: مفهوم المشركين وأصنافهم وسماتهم.

стр. 10

تمهيد: إن أهمية الصحابة ﵃ لدى كل مسلم توجب التطرق لهم، وذكرهم، ومن الأهمية بمكان معرفة معنى الصحبة، ومن يندرج تحت هذه التسمية، خصوصاً أنه اختُلف في ذلك، وكذلك ما يترتب على الصحبة من فضل تبنى عليه مكانتهم لدى المسلمين، وبها تكون محبتهم التي هي من محبة رسول الله ﷺ . وفي المقابل نجد من الأهمية أيضاً معرفة مفهوم المشركين وسماتهم وأقسامهم، والأصناف التي تندرج تحت هذا المصطلح. ومن أجل ذلك وضع هذا الفصل ليبين من هم الصحابة ومكانتهم وفضلهم، والمشركون ومفهومهم وسماتهم وأصنافهم. وهو ينقسم إلى مبحثين: المبحث الأول: الصحابة ﵃ ومكانتهم. المبحث الثاني: مفهوم المشركين وصفاتهم وسماتهم.

стр. 11

المبحث الأول: الصحابة ﵃ ومكانتهم أولاً: معنى الصحابة في اللغة: ""صحب": الصاد والحاء والباء أصل واحد يدل على مقارنة شيء ومقاربته" (١). "وصحب: صَحبَهُ يَصْحَبُه صُحْبة بالضم، وصحابة بالفتح، وصاحبه: عاشره، والصاحب: المعاشر، وكل ما لازم شيئاً فقد استصحبه" (٢)، وعند ابن قتيبة: "صحبت الرجل من الصحبة، وأصحبت له، أي: انقدت له وتابعت" (٣)، وقال الجوهري: "الصحابة بالفتح: الأصحاب، وهي في الأصل مصدر، وجمع الأصحاب أصاحيب، وأصحبته الشيء: جعلته له صاحباً، وكل شيء لاءَمَ شيئاً فقد استصحبه، واصطحب القوم: صحب بعضهم بعضاً" (٤)، "والصُّحبَة والصَّحْبُ اسمان للجمع، وهو خلاف لمذهب سيبويه حسب قول الأخفش، وصاحب القوم: أحدهم" (٥)، "وأصحب فلان:

стр. 12

إذا بلغ ابنه، ومعناه: كان فرداً فصار ذا صاحب، وأصحبتُه فهو مُصحَبٌ، أي: فعلت به ما جعلته صاحباً لي غير نافر عني" (١)، "والصاحب: الملازم إنساناً كان أو حيواناً أو مكاناً أو زماناً، ولا فرق بين أن تكون مصاحبته بالبدن وهو الأصل والأكثر، أو بالعناية والهمة، ولا يقال في العرف إلا لمن كثرت ملازمته، والمصاحبة والاصطحاب أبلغ من الاجتماع لأجل أن المصاحبة تقتضي طول لبثه، فكل اصطحاب اجتماع وليس كل اجتماع اصطحاباً" (٢)، ويرى الكفوي أن "كلمة الصاحب تعم القليل والكثير، وهي لمن كثرت ملازمته وطالت صحبته" (٣). ويقول الفراهيدي: "إن الصاحب يكون في حالٍ نعتاً لكنه عمَّ في الكلام فجرى مجرى الاسم كقولك صاحب مال، أي: ذو مال، وصاحب زيد، أي: أخو زيد" (٤). ومن جميع هذه التعريفات نجد أن كلمة "صحابة" في اللغة لا تتعدى أن تكون اسم جمع لمن طالت عشرتهم وملازمتهم وهم متفقون متلائمون. وجذر "صحب" في اللغة لها معانٍ عدة تختلف عن المعنى المقصود هنا والذي ذكرناه سابقاً، وسوف نذكرها هنا للاستفادة والتفريق بين المعاني، فمنها "قولك صاحب مال، أي: ذو مال -ذكرناه سابقاً-، وهو يدل على الملكية لشيء، كما تعني كلمة

стр. 13

صاحب من يملك التصرف والتدبير في أمر معين كصاحب الشرطة وصاحب الخراج والجيش وصاحب السوق للمحتسب" (١)، بالإضافة إلى أصحاب الفيل وأصحاب الأخدود الذين ورد ذكرهم في القرآن الكريم، والصاحبة هي الزوجة كما ورد في قوله تعالى: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ﴾ (٣)، ويقول الشيخ السعدي: "إن الصاحبة في الآيات هي الزوجة" (٤). "ويصحب: تأتي بمعنى يجير ويمنع، فيقول القرطبي في قوله تعالى: ﴿وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾ (٥)، أي: يجارون، وتقول العرب: أنا لك جار وصاحب من فلان، أي: مجير منه" (٦). "وجلد أصحب، أي: عليه شعر أو وبر، وأصحب الماء: علاه الطحلب، ويتصحب منا، أي: يستحي منا" (٧). ثانياً: مفهوم الصحابة ﵃ في الاصطلاح: إن مفهوم الصحابة وتحديد من هو الصحابي من غيره من المسلمين وما الصفات التي يجب أن تتوافر فيه ليطلق عليه اسم صحابي من الاصطلاحات المختلف عليها عند أهل الاختصاص، فمنهم من توسع في إطلاق لفظ الصحابي وجعله مصطلحاً

стр. 14

واسعاً بدون قيد أو شرط، أو كانت شروطه مرنة جداً كالمحدثين من أهل العلم، ومنهم من قيد لفظ الصحابي بشروط محددة وفي نطاق ضيق وتشدد في ذلك، وهم الأصوليون من أهل الفقه، وفي هذا المبحث سوف نتكلم عن آراء الفريقين ومن تبنى كل رأي من علماء الإسلام وأئمته. لعل أكثر المحدثين يتبنون رأي الإمام البخاري في الصحيح "أن من صحب النبي ﷺ أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه" (١). وهذا القول أخذه الإمام البخاري حسب قول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري" من كلام شيخه علي بن المديني حيث كتب ابن حجر قائلاً: "قرأت في "المستخرج" لأبي القاسم بن منده بسنده إلى أحمد بن سيار الحافظ المروزي قال: سمعت أحمد بن عتيك يقول: قال علي بن المديني: من صحب النبي ﷺ أو رآه ولو ساعة من نهار فهو من أصحاب النبي ﷺ ((٢). ومن هذين التعريفين يتبين توسع الإمام البخاري وشيخه ابن المديني في إطلاق لفظ الصحابي، بحيث لم يجعلا للصحبة مدة محددة، إنما يكفي فيها الصحبة أو الرؤية، فيدخل في هذا كل من أسلم في عهد النبي ﷺ ورآه. إلا أن هذا التعريف أوجد إشكالاً لدى الأصوليين، وذلك فيمن ارتد عن الإسلام سواء رجع أو لم يرجع عن ردته، ومن رأى الرسول ﷺ وهو طفل لم يبلغ ولم يميز، ومن رأى الرسول ﷺ بعد وفاته وقبل دفنه، وفي تعريف الإمام البخاري

стр. 15

يقول ابن حجر: "يعني أن اسم صحبة النبي ﷺ مستحق لمن صحبه أقل ما يطلق عليه اسم صحبة لغة، وإن كان العرف يخص ذلك بعض الملازمة ويطلق أيضاً على من رآه رؤية ولو على بعد" (١). والرؤية هنا أوسع من الصحبة في اللغة، فمن رأى الرسول ﷺ في الحج أو العمرة أو في الغزو أو من رآه في مكة أو المدينة أو في الحل والسفر وهو مسلم فقد شمله اسم "صحابي". ويرى الإمام أحمد "أن كل من صحب الرسول ﷺ سنة أو شهراً أو يوماً أو ساعة أو رآه، فهو من أصحابه، له من الصحبة على قدر ما صحبه، وكانت سابقته معه وسمع منه ونظر إليه" (٢). وأضاف شيخ الإسلام ابن تيمية كلمة "مؤمناً" بعد كلمة "رآه" (٣). وهنا جعل المدة والسمع والنظر إلى الرسول ﷺ هي من يحدد قدر الصحبة منهم مكثر ومنهم مقل وجميعهم صحابة. وقد استند كلام الإمام أحمد والبخاري وشيخ الإسلام في تعريفهم هذا على حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: (يأتي على الناس زمان، يغزو فئام (٤) من الناس فيقال لهم: فيكم من رأى رسول الله ﷺ ؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم، ثم يغزو فئام من الناس، فيقال لهم: هل فيكم من رأى من صحب رسول الله ﷺ ؟ فيقولون نعم، فيفتح لهم، ثم يغزو فئام من الناس فيقال لهم: هل فيكم من رأى من صحب من صحب رسول الله ﷺ ؟ فيقولون نعم، فيفتح

стр. 16

لهم، ثم يغزو فئام من الناس فيقال: هل فيكم من رأى أصحاب أصحاب أصحاب رسول الله ﷺ ؟ فيقولون: نحن، فيفتح لهم ((١)، يقول شيخ الإسلام: "وحديث سعيد هذا يدل على شيئين: على أن صاحب النبي ﷺ هو من رآه مؤمناً به وإن قلت صحبته ... " (٢). أما الحافظ ابن حزم الأندلسي فقد أورد تعريفاً للصحابة مفصلاً أكثر من التعاريف السابقة، فيقول: "أما الصحابة ﵁ فهم كل من جالس النبي ﷺ ولو ساعة وسمع منه ولو كلمة فما فوقها، أو شاهد منه (أمراً يعيه، ولم يكن من المنافقين الذين اتصل نفاقهم واشتهر حتى ماتوا على ذلك، ولا مثل من نفاه (باستحقاقه كهيت المخنث ومن جرى مجراه، فمن كان كما وصفنا أولاً فهو صاحب" (٣). ففصَّل ﵀ في تعريف الصحابي وكأنه يضع ضوابط لمعرفة الصحابي، فأول ضابط هو المجالسة ولو ساعة، وهذا الضابط ذكره الإمام أحمد في تعريفه، وهو توسيع لدائرة الصحبة، كما أنه جعل من ذلك السماع من الرسول ﷺ ولو كلمة وما فوقها، فبهذا يكون رد السلام من الرسول ﷺ يُدْخِلُ في دائرة الصحبة.

стр. 17

كما أن المشاهدة لأمر يعيه المشاهد حتى لو كانت عن بعد تدخل في الصحبة بشرط أن يعيه، أي يكون مميزاً وليس طفلاً صغيراً لم يصل لمرحلة التمييز أو فاقداً للعقل عند رؤية الرسول ﷺ سواء بمؤثر كالخمر وبدون مؤثر كالجنون، والضابط الأهم هو ألا يكون منافقاً مشتهر النفاق حتى مات، فهذا يخرجه من دائرة الإسلام؛ لأن المنافقين إخوان الكفار، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ (٣). وقد أورد الخطيب البغدادي قول ابن عمر أن أهل العلم يقولون: "كل من رأى رسول الله ﷺ وقد أدرك الحلم وأسلم وعقل أمر الدين ورضيه فهو عندنا ممن صحب النبي ﷺ ولو ساعة من نهار، ولكن أصحابه على طبقاتهم وتقدمهم في الإسلام" (٤). وفي هذا القول تأييد للأقوال السابقة من حيث الرؤية والتمييز، إلا أنه جعل الحلم شرطاً في الصحبة، وهذا مختلف فيه بين أهل العلم، فيقول العراقي في "التقييد والإيضاح": "والصحيح أن البلوغ ليس شرطاً في حدِّ الصحابي، وإلا لخرج بذلك من أجمع العلماء على عدِّهم في الصحابة، كعبدالله بن الزبير، والحسن والحسين ﵃ " (٥).

стр. 18

ولعل تعريف الإمام ابن حجر العسقلاني هو أوفى التعاريف وأشملها، وأقرب لوصف الصحابي، وتعريفه هذا الذي أورده في كتابه "الإصابة" حيث يقول: "إن الصحابي من لقي النبي ﷺ مؤمناً به، ومات على الإسلام، فيدخل فيمن لقيه من طالت مجالسته أو قصرت، ومن روى عنه أو لم يرو، ومن غزا معه أو لم يغز، ومن رآه رؤية ولو لم يجالسه، ومن لم يره لعارض كالعمى" (١). ثم شرح ابن حجر هذا التعريف، ومن يدخل في الصحبة ومن يخرج منها، وسوف نذكر بعض النقاط المهمة التي ذكرها في شرحه، فمنها الإيمان بالرسول ﷺ ، وهو يعني خروج من لقيه كافراً ولو أسلم بعد ذلك ولم يلق الرسول ﷺ ، كما أن كلمة "مؤمناً به" تعني كل مكلف سواء من الإنس أو الجن الذين آمنوا به، أما قوله: "مات على الإسلام" فيخرج من الصحبة من ارتد ومات على الكفر كعبيد الله بن جحش (٢). ونلحظ هنا أن ابن حجر لم يبين هل يُشترط في اعتبار الصحبة أن من رأى الرسول ﷺ لا بد أن يكون بالغاً أو مميزاً؟ أو يدخل في ذلك حتى الأطفال الرضع، وبهذا قد يشمل تعريفه أكثر أطفال المسلمين؛ لأنه في زمن الرسول ﷺ كان من ولد له ولد أَتى به إلى الرسول ﷺ ليحنكه، وهذا من مواضع الخلاف لدى المعرفين لمعنى الصحبة.

стр. 19

ومما سبق يتضح لنا أن هناك صفات متفقاً عليها وصفات أخرى مختلفاً فيها فيمن يطلق عليه اسم الصحبة، ومن الصفات المتفق عليها ما يأتي: ١. الإيمان بالرسول ﷺ ، ويخرج من آمن بغيره من الأنبياء دونه ﷺ كأهل الكتاب. ٢. رؤيته حقيقة أو ملاقاته، ويشمل ذلك من كان أعمى كابن أم مكتوم، ويخرج منه من رآه في المنام. ٣. عدم الردة، يخرج بهذا من ارتدَّ كعبيد الله بن جحش وربيعة بن أمية بن خلف وغيرهم. ٤. الموت على الإسلام. أما الصفات التي اختلف عليها الفقهاء والمحدثون فهي ما يأتي: ١. التمييز والبلوغ. ٢. الإسلام بعد الردة، وذلك بعد وفاة الرسول ﷺ كالأشعث بن قيس. ٣. الغزو مع الرسول ﷺ . ٤. الرواية عن الرسول ﷺ . ٥. السماع من الرسول ﷺ . ٦. رؤية الرسول ﷺ بعد مماته كأبي ذؤيب الهذلي. ٧. مجالسة الرسول ﷺ .

стр. 20

ثالثاً: مكانة الصحابة ﵃ وفضلهم: إن تقرير هذه المسألة في غاية الأهمية، لاسيما في هذا الوقت الذي انحرف فيه منهج الدعوة عن مساره لدى بعض الطوائف والأفراد والجماعات، وضعفت مكانة الصحابة ومنزلتهم في نفوس بعض الدعاة حتى انتقصهم أو كاد، ومما لا يشك فيه أي مؤمن عاقل محب لله ولرسوله وصافي العقيدة أن للصحابة فضلاً على من سواهم من البشر، وفضلهم هذا مستمد من صحبتهم لرسول الله ﷺ ومحبته لهم ومحبتهم له، وسوف يتبين فضل هذه الفئة من الناس في هذا المطلب، وذلك اعتماداً على ما ورد في القرآن الكريم وما ثبت في السنة النبوية وأقوال السلف الصالح، وقد رتب الحاكم النيسابوري الصحابة إلى اثنتي عشرة مرتبة جعلها كالآتي (١): ١. الطبقة الأولى: قوم أسلموا بمكة قبل الجهر بالدعوة عند دار الندوة، ومنهم أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب ﵃ وغيرهم. ٢. الطبقة الثانية: أصحاب دار الندوة، وذلك بعد إسلام عمر بن الخطاب ﵁ حمل الرسول ﷺ إلى دار الندوة فبايعه جماعة من أهل مكة. ٣. الطبقة الثالثة: الصحابة المهاجرة للحبشة. ٤. الطبقة الرابعة: أصحاب بيعة العقبة الأولى. ٥. الطبقة الخامسة: أصحاب بيعة العقبة الثانية وأكثرهم من الأنصار.

стр. 21

٦. الطبقة السادسة: أول المهاجرين الذين وصلوا إلى رسول الله ﷺ وهو بقباء قبل أن يدخل المدينة ويبني المسجد. ٧. الطبقة السابعة: أهل بدر الذين قال رسول الله ﷺ فيهم: (لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ((١). ٨. الطبقة الثامنة: المهاجرة الذين هاجروا بين بدر والحديبية. ٩. الطبقة التاسعة: أهل بيعة الرضوان الذين أنزل الله تعالى فيهم: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ (٢)، وكانت بالحديبية. ١٠. الطبقة العاشرة: المهاجرة بين الحديبية والفتح، ومنهم خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وأبو هريرة ﵃. ١١. الطبقة الحادية عشرة: هم الذين أسلموا يوم الفتح (فتح مكة). ١٢. الطبقة الثانية عشرة: صبيان وأطفال رأوا الرسول ﷺ يوم الفتح وفي حجة الوداع وغيرها وعدادهم في الصحابة. وقد قال أبو منصور البغدادي: "أصحابنا مجمعون على أن أفضلهم الخلفاء الأربعة على ترتيبهم في الخلافة، ثم تمام العشرة، ثم أهل بدر، ثم أهل أحد، ثم بيعة الرضوان. وأجمع أهل السنة على أن أفضلهم على الإطلاق أبو بكر، ثم عمر، وقدم جمهورهم عثمان على علي ﵃، قال الخطابي: وقدم أهل السنة

стр. 22

من أهل الكوفة علياً على عثمان، وبه قال ابن خزيمة، والصحيح قول الجمهور تقديم عثمان؛ لهذا اختارته الصحابة للخلافة، وقدموه، وهم أعلم وأعرف بالمراتب" (١). وفي قول البغدادي هذا اختلاف عن الترتيب الأول؛ فقد رتب الحاكم النيسابوري الصحابة حسب الأسبقية في الإسلام، ورتب البغدادي الصحابة حسب الفضل بينهم فيما يراه. وقد ورد فضل الصحابة في القرآن الكريم والسنة النبوية في عدة مواضع ومناسبات سنذكر بعضاً منها: أ) ما ورد في فضل الصحابة ﵃ من القرآن الكريم: ليس هناك أدل ولا أوضح من بيان فضل الصحابة في القرآن الكريم، فقد وردت آيات عدة تبين فضلهم ومكانتهم، وسوف نذكر هنا بعضاً منها مع إيضاح ما ذكره المفسرون حول كل آية. ١ - الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (٢). يقول الإمام الرازي في تفسير هذه الآية: "إنه تعالى ذكرهم هنا لبيان تعظيم شأنهم وعلو درجتهم، وأن الإعادة إعادة ذكرهم في الآية السابقة تدل على مزيد من الاهتمام بحالهم، وذلك يدل على الشرف والتعظيم" (٣).

стр. 23

وقال الشيخ السعدي: "إن هذه الآيات في بيان مدحهم وثوابهم ﵃ ((١)، وفي قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ يقول الإمام الشوكاني: "أي الكاملون في الإيمان" (٢)، ويذكر الشيخ أبو بكر الجزائري: "أن هذين صنفا المهاجرين والأنصار، وهما أكمل المؤمنين وأعلاهم درجة" (٣). ٢ - الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (٤). يقول ابن عاشور في هذه الآية: "إن (الذين هاجروا) هم المؤمنون من أهل مكة وما حولها الذين هاجروا منها إلى المدينة لما آذنهم النبي ﷺ بالهجرة إليها بعد أن أسلموا وذلك قبل فتح مكة" (٥). وهذا بيان لفضل الصحابة بما أعد الله لهم من مكافآت وردت في الآية، ومنها قوله: ﴿أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ "إشارة إلى رفعة قدرهم، رضا من الله، وتفضيلاً بالتشريف، كما أن قوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ معطوفة على ﴿أَعْظَمُ دَرَجَةً﴾ مبالغة في عظم

стр. 24

فوزهم، حتى إن فوز غيرهم بالنسبة إلى فوزهم يعد كالمعدوم" (١). وعند القرطبي "أن ﴿أَعْظَمُ دَرَجَةً﴾ أي: لهم المزية والمرتبة العلية" (٢). ٣ - الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٣). يقول الشيخ أبو بكر الجزائري: "هم الذين سبقوا غيرهم إلى الإيمان والهجرة والنصرة والجهاد، والذين اتبعوهم في ذلك وأحسنوا أعمالهم موافقة لما شرع الله وبيَّنه رسوله محمد ﷺ ((٤). ولا خلاف بين أهل العلم في أن الآية تتحدث عن الصحابة، إلا أن الخلاف في من هم هؤلاء الصحابة، فقد قال ابن عباس: "إنهم هم الذين صلوا إلى القبلتين وشهدوا بدراً، وعن الشعبي: هم الذين بايعوا بيعة الرضوان" (٥)، وقال أبو موسى الأشعري وسعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين والحسن وقتادة: "هم الذين صلوا إلى القبلتين مع الرسول ﷺ ((٦).

стр. 25

وذكر الله تعالى رضاه عنهم في قوله: ﴿﵃﴾ "ولما وصفهم بهذا الوصف أثبت لهم ما يوجب التعظيم" (١)، "ورضاهم عنه بما أعد لهم من جنات النعيم والنعيم المقيم" (٢). وقال ابن خويز منداد: "تضمنت هذه الآية تفضيل السابقين إلى كل منقبة من مناقب الشريعة في علم أو دين أو شجاعة أو غير ذلك" (٣)، فرضا الله عن هؤلاء فيه بيان لفضلهم وتميزهم عن غيرهم. ٤ - الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ (٤). قال ابن عباس وسفيان: "هم أصحاب محمد ﷺ اصطفاهم الله لنبيه ﵃ ((٥)، "فلما أمر الله تعالى في هذه الآية رسوله أن يقول: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ فقد عين له هذه الجملة ليقولها يسأل من الله أن يكرم عباده الذين اصطفى بالثناء عليهم في الملأ الأعلى وحسن الذكر؛ إذ قصارى ما يستطيعه الحاضر من جزاء الغائب على حسن صنيعه أن يبتهل إلى الله أن ينفعه بالكرامة" (٦). "وحقيقة الاصطفاء: افتعال من التصفية، فيكون قد صفاهم من الأكدار، ولا ينقض هذا بما إذا اختلفوا؛ لأن الحق لم يعدهم بألا يختلفوا، وهذا لا يخرجهم من

стр. 26

حقيقة الاصطفاء" (١). ويقول شيخ الإسلام: "إنه لا ريب أنهم أفضل المصطفين من هذه الأمة" (٢)، وهذا أمر لا غرابة فيه بأن يصطفي الله أفضل الأصحاب لأفضل الأنبياء وخاتمهم، يقول ابن جرير الطبري في الذين اصطفاهم: "هم الذين اجتباهم لنبيه محمد ﷺ فجعلهم أصحابه ووزراءه" (٣). ٥ - الآية الخامسة: قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (٤). تعددت الروايات في سبب نزول هذه الآية وفيمن نزلت، إلا أنها اتفقت على أن المقصود بها هو أحد الصحابة أو جميعهم، فلم تخرج من دائرة الصحابة وفضلهم، ففي البخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال: "نرى هذه الآية نزلت في أنس بن النضر" (٥)، وفي رواية: "وفي أشباهه" (٦). وعند مسلم: "وفي أصحابه" (٧). وفي حديث عائشة ﵂ قالت في قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ الآية: منهم طلحة بن عبيد الله، ثبت مع رسول الله ﷺ حتى أصيبت يده، فقال النبي ﷺ :

стр. 27

(أوجب طلحة الجنة ((١). وفي الترمذي عن موسى وعيسى ابني طلحة عن أبيهما طلحة أن أصحاب رسول الله ﷺ قالوا لأعرابي جاهل: سله عمن قضى نحبه من هو؟ وكانوا لا يجترئون هم على مسألته يوقرونه ويهابونه، فسأله الأعرابي فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض عنه، ثم إني اطلعت من باب المسجد وعلي ثياب خضر فلمَّا رآني رسول الله ﷺ قال: (أين السائل عمن قضى نحبه؟ (قال الأعرابي: أنا يا رسول الله، قال: (هذا ممن قضى نحبه ((٢). ويقول القرطبي: "إن منهم حمزة وسعد بن معاذ وأنس بن النضر ﵃ وغيرهم" (٣). وفي "المستدرك" للحاكم من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ حين انصرف من أُحد مر على مصعب بن عمير وهو مقتول على طريقه فوقف عليه رسول الله ﷺ ودعا له ثم قرأ هذه الآية: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ ثم قال رسول الله ﷺ : (أشهد أن هؤلاء شهداء عند الله يوم القيامة فأتوهم وزوروهم، والذي نفسي بيده لا يسلم عليهم أحد إلى يوم القيامة إلا ردوا عليه ((٤).

стр. 28

وفيما سبق دليل على أن هذه الآية تعني بالذين ﴿صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ "أنهم الصحابة؛ منهم من بذل جهده على الوفاء بعهده حتى قتل، ومنهم من ينتظر الشهادة، وما بدلوا عهدهم ونذرهم" (١). وفي هذه الآية إشارة إلى وفائهم بعهدهم الذي عاهدوا الله أنهم لا يفارقون نبيه إلا بالموت، وفي الآية التي تليها قال تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾ (٢)، "أي بصدق ما وعدهم في الدنيا والآخرة كما صدقوا مواعيدهم" (٣). ويقول الإمام الشوكاني: "إن معنى الآية: أن من المؤمنين رجالاً أدركوا أمنيتهم وقضوا حاجتهم ووفوا بنذرهم، فقاتلوا حتى قتلوا، وذلك يوم، أحد كحمزة ومصعب بن عمير وأنس بن النضر، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ قضاء نحبه حتى يحضر أجله، كعثمان بن عفان وطلحة والزبير وأمثالهم، فإنهم مستمرون على ما عاهدوا الله عليه من الثبات مع رسول الله ﷺ والقتال لعدوه، ومنتظرون لقضاء حاجتهم وحصول أمنيتهم بالقتل وإدراك فضل الشهادة، وجملة ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ معطوفة على صدقوا، أي: ما غيروا عهدهم الذي عاهدوا الله ورسوله عليه" (٤). وفي هذه الآية ثناء على الصحابة وأنهم صدقوا العهد وثبتوا على ذلك حتى لقي الله منهم من لقي وبقي من بقي بعد ذلك إلى أن لقي الله فيما بعد حتى جازاهم الله بصدقهم.

стр. 29

٦ - الآية السادسة: قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨) وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (١). في هذه الآيات يبين الله ثلاث مسائل تميز بها الصحابة من أهل بيعة الرضوان. أولى هذه المسائل هو رضا الله عنهم والذي أخبر عنه بقوله: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، "فيخبر تعالى بفضله ورحمته برضاه عن المؤمنين إذ يبايعون الرسول ﷺ تلك المبايعة التي بيضت وجوههم" (٢). ﴿إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ "يعني بيعة أصحاب رسول الله ﷺ بالحديبية حين بايعوه على مناجزة قريش الحرب وعلى ألا يفروا ولا يولوهم الدبر" (٣). المسألة الثانية: تزكية الله لهم، وذلك بقوله: ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾، "ففي ذلك تزكية من الله للمؤمنين بعلمه سبحانه لما في قلوبهم من الصدق والوفاء والسمع والطاعة والصبر والوقار" (٤). ومن التزكية أيضاً تسميتهم المؤمنين في قوله: ﴿عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وهذا دليل على أن جميع من كانوا يوم بيعة الرضوان هم مؤمنون صادقون أوفياء صابرون. ولن يطلق عليهم المولى هذه الصفة إلا أنهم بعلمه كذلك.

стр. 30

المسألة الثالثة: هي مكافأتهم ومجازاتهم في الدنيا والآخرة، يقول الإمام الرازي: "إن فيه معنى لطيفاً هو أن الله تعالى قال قبل هذه الآية: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ﴾ (١)، فجعل طاعة الله والرسول ﷺ علامة لإدخال الله الجنة بتلك الآية، وفي هذه الآية بيَّن أن طاعة الله والرسول وجدت من أهل بيعة الرضوان، أما طاعة الله فالإشارة إليها بقول: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وأما طاعة الرسول فبقوله: ﴿إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾. بقي الموعودية وهو إدخال الجنة، أشار إليه بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ لأن الرضا يكون معه إدخال الجنة، كما قال تعالى: ﴿وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ﵃﴾ (٢) " (٣). أما ثوابهم في الدنيا فقوله: ﴿وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾، فعن قتادة أنه عوضهم في العاجل مما رجوا الظفر به من غنائم أهل مكة بقتالهم أهلها وفتحاً قريباً، وذلك فيما قيل: "فتح خيبر معه مغانم كثيرة يأخذونها من أموال يهود خيبر" (٤)، وقد ورد ذلك في حديث مجمع بن جارية الأنصاري ﵁ قال: "قسمت خيبر على أهل الحديبية" (٥)، فجمع الله لهم الدنيا والآخرة.

стр. 31

٧ - الآية السابعة: قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١). وصف الله في هذا الآية الرسول ﷺ وأصحابه وهم الذين معه بأوصاف عدة وهي الشدة على الكفار والرحمة بينهم وإقامة الصلاة للحصول على رحمته تعالى، كما أن لهم علامات في وجوههم من أثر السجود، وقد اختلف أهل التأويل في هذه العلامات؛ فمنهم من قال: إنها علامات يجعلها الله يوم القيامة في وجوه المؤمنين، وقال آخرون: إنها سيما الإسلام وسمته وخشوعه، وقال فريق ثالث: إنها آثار السجود في الجبهة وآثار السهر والتعب، وفريق رابع يرى: أنها آثار الأرض من الندى والتراب على الوجه من السجود (٢). "أما فضلهم فقد تبين في هذه الآية في وعد الله لهم ثواباً لا ينقطع وهو الجنة، وليس قوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ مبعضة لقوم من الصحابة دون قوم ولكنها

стр. 32

عامة مجنسة (١)، وقد يخصص الصحابة بوعد المغفرة تفضيلاً لهم" (٢). ويقول الشيخ السعدي: "إن الله يخبر في هذه الآية بأن أصحاب الرسول ﷺ من المهاجرين والأنصار أنهم بأكمل الصفات وأجل الأحوال؛ فالصحابة ﵃ الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح قد جمع الله لهم بين المغفرة التي من لوازمها وقاية شرور الدنيا والآخرة والأجر العظيم في الدنيا والآخرة" (٣). ب) ما رود في فضل الصحابة ﵃ من السنة النبوية: لا تخلو سنة الرسول ﷺ من ذكر لأحد الصحابة أو جميعهم سواء كانوا رواة لهذه السنة أو حضوراً أو وردت في شأنهم أحاديثها، ومن هنا فإن علاقة الصحابة ﵃ أجمعين بالسنة والحديث الشريف علاقة تلازم، فيكفيهم فضلاً أنهم هم من روى هذا الحديث ونقله إلى من بعدهم حتى وصل إلينا كما هو، وفي هذا المبحث سوف نذكر بعض الأحاديث التي تطرقت لفضل الصحابة

стр. 33

بشكل عام دون الأحاديث التي اختص بها أحد من الصحابة دون غيره، وذلك تجنباً للإطالة والابتعاد عن مضمون هذا البحث، وللتدليل على أهمية هذه الفئة من المسلمين في نقل هذه الرسالة والاعتماد عليهم في اتباع سيرتهم والاقتداء بهم، ومن هذه الأحاديث ما يأتي: ١ - الحديث الأول: عن عمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ((١). ٢ - الحديث الثاني: عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تسبوا أصحابي؛ فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه ((٢). ٣ - الحديث الثالث: عن أبي موسى ﵁ قال: صلينا المغرب مع رسول الله ﷺ ثم قلنا: لو جلسنا حتى نصلي معه العشاء، قال: فجلسنا فخرج علينا فقال: (مازلتم ها هنا؟ (قلنا: يا رسول الله، صلينا معك المغرب ثم قلنا نجلس حتى نصلي معك العشاء، فقال: (أحسنتم أو أصبتم (، قال: فرفع رأسه إلى السماء وكان كثيراً ما يرفع رأسه إلى السماء فقال: (النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعدون، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي

стр. 34

أتى أمتي ما يوعدون ((١). ٤ - الحديث الرابع: عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة ((٢). ٥ - الحديث الخامس: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يأتي على الناس زمان، فيغزو فئام من الناس، فيقال لهم: فيكم من رأى رسول الله ﷺ ؟ فيقولون لهم: نعم، فيفتح لهم، ثم يغزو فئام من الناس فيقال لهم: هل فيكم من رأى من صحب رسول الله ﷺ ؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم، ثم يغزو فئام من الناس فيقال لهم: هل فيكم من رأى من صحب من صحب رسول الله ﷺ ؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم (. وقد تقدم ذكره في هذا الفصل في تعريف معنى الصحبة.

стр. 35

المبحث الثاني مفهوم المشركين وأصنافهم وسماتهم الشرك بالله هو أعظم الأمور وأخطرها على ابن آدم، وقد حذر من الشرك وتهدد وتوعد من يشرك به، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ (١). والمشركون عدة أنواع وأصناف، بالإضافة إلى أن كلمة الشرك لها عدة معانٍ، وذلك ما يجعلنا نفرد هذا المبحث لإيضاح جميع معاني كلمة الشرك، وكذلك إيضاح أصناف المشركين وأنواعهم، وذلك في مطلبين اثنين يحددان مفهوم الشرك والمشركين، بالإضافة إلى أصناف المشركين وسماتهم. المطلب الأول: مفهوم الشرك والمشركين أولاً: الشِّرْك في اللغة: يقول ابن فارس في "معجم مقاييس اللغة": "إن الشِّرْكة هو أن يكون الشيء بين اثنين لا ينفرد به أحدهما، ويقال: شاركت فلاناً في الشيء: إذا صرت شريكه، وأشرَكتُ فلاناً: إذا جعلته شريكاً لك. قال الله جل ثناؤه في قصة

стр. 36

موسى ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ (١). ويقال في الدعاء: اللهم أشركنا في دعاء المؤمنين، أي: اجعلنا لهم شركاء في ذلك، وشَرِكتُ الرجل في الأمر أشْرَكه" (٢). "والشريك يجمع على: شركاء وأشراك، مثل: شريف وشرفاء وأشراف. والمرأة شريكة، والنساء شرائك، والاسم الشِرْكُ قال الجعدي: وشاركنا قريشاً في تقاها ... وفي أحسابها شِرك العِنان والشرك أيضاً الكفر. وقد أشرك فلان بالله فهو مُشْرِكٌ" (٣). ويقول ابن سيده: "فريضة مشتركة: يستوي فيها المقتسمون، وطريق مشترك: يشترك فيها الناس، واسم مشترك: يشترك فيه معان كثيرة، كالعين ونحوها، وأشرك بالله: جعل له شريكاً في ملكه، ورغبنا في صهركم وشرككم، أي: مشاركتكم في النسب" (٤). وفي "المفردات في غريب القرآن": "الشِّرْكة والمشاركة: خلط المِلكين، وقيل: هو أن يوجد شيء لاثنين فصاعداً عيناً كان ذلك الشيء أو معنى" (٥)، "وماء ليس فيه أشْراك، أي: ليس فيه شُركاء، واحدها شِرْك، قال: ورأيت فلاناً مُشْتركاً: إذا كان يحدث نفسه أن رأيه مُشْتَرَك ليس بواحد، والشرك: أي الاشتراك في الأرض، وفي حديث معاذ ﵁ "أنه أجاز بين أهل اليمن الشِّرْكَ"، وهو أن يدفعها صاحبها إلى آخر بالنصف أو الثلث أو نحو ذلك، وفي حديث

стр. 37

عمر بن عبد العزيز: أن الشِّرك جائز، هو من ذلك، والأشْراكُ أيضاً جمع الشِّرْك، وهو النصيب كما يقال: قسم وأقسام" (١). ثانياً: معنى الشرك في الاصطلاح الشرعي: أورد علماء السلف تعريفات عدة عن الشرك، فمنهم من أورد التعريف ضمن سياق الكلام عن موضوع معين، ومنهم من أورده بتعريف خاص في موضوع عن الشرك نفسه، وهنا سوف نقوم بسرد بعض التعريفات التي تبين معنى الشرك والمقصود به: أ) يعرف الراغب الأصفهاني الشرك "أنه إثبات شريك لله تعالى، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ (٢) " (٣). ب) الشرك "هو عبادة غير الله وإن اعترف المشرك بأنه مخلوق" (٤). جـ) الشرك عند الإمام ابن القيم هو: "أن يتخذ من دون الله نداً يحبه كما يحب الله، وهو الشرك الذي تضمن تسوية آلهة المشركين برب العالمين، ولهذا قالوا لآلهتهم في النار: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٥) مع إقرارهم بأن الله وحده خالق كل شيء

стр. 38

وربه ومليكه، وأن آلهتهم لا تخلق ولا ترزق ولا تحيي ولا تميت" (١). د) يقول أبو حيان: "إن الشرك هو أن يتخذ مع الله معبوداً" (٢). هـ) الشرك: "أن تجعل لله نداً وتعبد غيره من حجر أو بشر أو شمس أو قمر أو نبي أو شيخ أو جني أو نجم أو ملك أو غير ذلك" (٣). و) قال المناوي: "الشرك إما أكبر وهو إثبات الشريك لله تعالى، أو أصغر وهو مراعاة غير الله في بعض الأمور" (٤). ز) "المشرك هو أن يدعو مع الله غيره، أو يقصده بغير ذلك من أنواع العبادة التي أمر الله بها" (٥). ح) "الشرك هو تشبيه للمخلوق بالخالق -تعالى وتقدس- في خصائص الإلهية من مُلك الضر والنفع، والعطاء والمنع، الذي يوجب تعلق الدعاء والخوف والرجاء والتوكل وأنواع العبادة كلها بالله وحده" (٦). ط) قال الشوكاني: "هو دعاء غير الله في الأشياء التي تختص به، واعتقاد القدرة لغيره فيما لا يقدر عليه سواه، أو التقرب إلى غيره بشيء مما لا

стр. 39

يتقرب به إلا إليه" (١). ي) يقول الشيخ السعدي: "هو أن يجعل لله نداً يدعوه كما يدعو الله أو يخافه أو يرجوه أو يحبه كحب الله أو يصرف له نوعاً من أنواع العبادة" (٢)، وقال أيضاً: "هو أن يعبد المخلوق كما يعبد الله أو يعظم كما يعظم الله أو يصرف له نوع من خصائص الربوبية والإلهية" (٣). ك) يقول ابن عاشور: "المشرك في لسان الشرع من يدين بتعدد آلهة مع الله سبحانه" (٤). ل) "الشرك هو صرف شيء من أنواع العبادة لغير الله، كالدعاء والذبح والنذر والاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله" (٥). م) يعرف الدكتور حمود الرحيلي المشرك أنه: "من صرف شيئاً من أنواع العبادة كالدعاء والذبح والنذر والصلاة والاستغاثة والخوف والرجاء والتوكل ونحوها لغير الله تعالى فقد أشرك بالله ((٦).

стр. 40

ثالثاً: أهل الكتاب والمشركون: مما سبق يتضح أن الشرك هو إشراك الله في أي شيء اختص به نفسه، فلو آمن الإنسان بالله أنه هو الخالق الرازق المعبود، وأشرك معه في أي شيء مما يختص به سبحانه من العبادة، فإن ذلك يدخله في دائرة الشرك، وذلك بحسب نوع الشرك الذي أشرك به. ولأن هذا المبحث يتكلم عن المشركين؛ فإنه لابد من إيضاح من هم المشركون المعنيون هنا، فمن عنوان المبحث، ومما يتضح لنا من المقدمة، نجد أن المشركين المقصود بهم هم من كانوا غير أهل الكتاب من الوثنيين والملاحدة والمجوس والصابئة ومن هم على شاكلتهم. ولأن أهل الكتاب اختلف فيهم هل هم من المشركين أم لا؛ فإن للعلماء في ذلك وبناءً على ما ورد في القرآن الكريم ثلاثة أقوال: القول الأول: أن المشركين هم نوع من الكفار الذين يشملون أهل الكتاب؛ فالكفر جنس ينقسم إلى نوعين: أهل الكتاب والمشركين (١)، وقد دل على ذلك قوله تعالى: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ
следующие страницы →