← Общие книги

Общие книги · id 600

منهج الصحابة في دعوة المشركين من غير أهل الكتاب

عبد العزيز بن محمد بن سعود الكبير

Полный текст (454 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

موسى ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ (١). ويقال في الدعاء: اللهم أشركنا في دعاء المؤمنين، أي: اجعلنا لهم شركاء في ذلك، وشَرِكتُ الرجل في الأمر أشْرَكه" (٢). "والشريك يجمع على: شركاء وأشراك، مثل: شريف وشرفاء وأشراف. والمرأة شريكة، والنساء شرائك، والاسم الشِرْكُ قال الجعدي: وشاركنا قريشاً في تقاها ... وفي أحسابها شِرك العِنان والشرك أيضاً الكفر. وقد أشرك فلان بالله فهو مُشْرِكٌ" (٣). ويقول ابن سيده: "فريضة مشتركة: يستوي فيها المقتسمون، وطريق مشترك: يشترك فيها الناس، واسم مشترك: يشترك فيه معان كثيرة، كالعين ونحوها، وأشرك بالله: جعل له شريكاً في ملكه، ورغبنا في صهركم وشرككم، أي: مشاركتكم في النسب" (٤). وفي "المفردات في غريب القرآن": "الشِّرْكة والمشاركة: خلط المِلكين، وقيل: هو أن يوجد شيء لاثنين فصاعداً عيناً كان ذلك الشيء أو معنى" (٥)، "وماء ليس فيه أشْراك، أي: ليس فيه شُركاء، واحدها شِرْك، قال: ورأيت فلاناً مُشْتركاً: إذا كان يحدث نفسه أن رأيه مُشْتَرَك ليس بواحد، والشرك: أي الاشتراك في الأرض، وفي حديث معاذ ﵁ "أنه أجاز بين أهل اليمن الشِّرْكَ"، وهو أن يدفعها صاحبها إلى آخر بالنصف أو الثلث أو نحو ذلك، وفي حديث

стр. 37

عمر بن عبد العزيز: أن الشِّرك جائز، هو من ذلك، والأشْراكُ أيضاً جمع الشِّرْك، وهو النصيب كما يقال: قسم وأقسام" (١). ثانياً: معنى الشرك في الاصطلاح الشرعي: أورد علماء السلف تعريفات عدة عن الشرك، فمنهم من أورد التعريف ضمن سياق الكلام عن موضوع معين، ومنهم من أورده بتعريف خاص في موضوع عن الشرك نفسه، وهنا سوف نقوم بسرد بعض التعريفات التي تبين معنى الشرك والمقصود به: أ) يعرف الراغب الأصفهاني الشرك "أنه إثبات شريك لله تعالى، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ (٢) " (٣). ب) الشرك "هو عبادة غير الله وإن اعترف المشرك بأنه مخلوق" (٤). جـ) الشرك عند الإمام ابن القيم هو: "أن يتخذ من دون الله نداً يحبه كما يحب الله، وهو الشرك الذي تضمن تسوية آلهة المشركين برب العالمين، ولهذا قالوا لآلهتهم في النار: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٥) مع إقرارهم بأن الله وحده خالق كل شيء

стр. 38

وربه ومليكه، وأن آلهتهم لا تخلق ولا ترزق ولا تحيي ولا تميت" (١). د) يقول أبو حيان: "إن الشرك هو أن يتخذ مع الله معبوداً" (٢). هـ) الشرك: "أن تجعل لله نداً وتعبد غيره من حجر أو بشر أو شمس أو قمر أو نبي أو شيخ أو جني أو نجم أو ملك أو غير ذلك" (٣). و) قال المناوي: "الشرك إما أكبر وهو إثبات الشريك لله تعالى، أو أصغر وهو مراعاة غير الله في بعض الأمور" (٤). ز) "المشرك هو أن يدعو مع الله غيره، أو يقصده بغير ذلك من أنواع العبادة التي أمر الله بها" (٥). ح) "الشرك هو تشبيه للمخلوق بالخالق -تعالى وتقدس- في خصائص الإلهية من مُلك الضر والنفع، والعطاء والمنع، الذي يوجب تعلق الدعاء والخوف والرجاء والتوكل وأنواع العبادة كلها بالله وحده" (٦). ط) قال الشوكاني: "هو دعاء غير الله في الأشياء التي تختص به، واعتقاد القدرة لغيره فيما لا يقدر عليه سواه، أو التقرب إلى غيره بشيء مما لا

стр. 39

يتقرب به إلا إليه" (١). ي) يقول الشيخ السعدي: "هو أن يجعل لله نداً يدعوه كما يدعو الله أو يخافه أو يرجوه أو يحبه كحب الله أو يصرف له نوعاً من أنواع العبادة" (٢)، وقال أيضاً: "هو أن يعبد المخلوق كما يعبد الله أو يعظم كما يعظم الله أو يصرف له نوع من خصائص الربوبية والإلهية" (٣). ك) يقول ابن عاشور: "المشرك في لسان الشرع من يدين بتعدد آلهة مع الله سبحانه" (٤). ل) "الشرك هو صرف شيء من أنواع العبادة لغير الله، كالدعاء والذبح والنذر والاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله" (٥). م) يعرف الدكتور حمود الرحيلي المشرك أنه: "من صرف شيئاً من أنواع العبادة كالدعاء والذبح والنذر والصلاة والاستغاثة والخوف والرجاء والتوكل ونحوها لغير الله تعالى فقد أشرك بالله ((٦).

стр. 40

ثالثاً: أهل الكتاب والمشركون: مما سبق يتضح أن الشرك هو إشراك الله في أي شيء اختص به نفسه، فلو آمن الإنسان بالله أنه هو الخالق الرازق المعبود، وأشرك معه في أي شيء مما يختص به سبحانه من العبادة، فإن ذلك يدخله في دائرة الشرك، وذلك بحسب نوع الشرك الذي أشرك به. ولأن هذا المبحث يتكلم عن المشركين؛ فإنه لابد من إيضاح من هم المشركون المعنيون هنا، فمن عنوان المبحث، ومما يتضح لنا من المقدمة، نجد أن المشركين المقصود بهم هم من كانوا غير أهل الكتاب من الوثنيين والملاحدة والمجوس والصابئة ومن هم على شاكلتهم. ولأن أهل الكتاب اختلف فيهم هل هم من المشركين أم لا؛ فإن للعلماء في ذلك وبناءً على ما ورد في القرآن الكريم ثلاثة أقوال: القول الأول: أن المشركين هم نوع من الكفار الذين يشملون أهل الكتاب؛ فالكفر جنس ينقسم إلى نوعين: أهل الكتاب والمشركين (١)، وقد دل على ذلك قوله تعالى: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ

стр. 41

الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ (١)، "فكلمة "المشركين" معطوفة بالخفض على "أهل الكتاب"" (٢)، وبذلك يكون الكفار اسماً عاماً يشمل أهل الكتاب والمشركين، فيخرج بذلك أهل الكتاب من المشركين، "وقد قال ابن عباس ﵁: "أهل الكتاب" اليهود الذين كانوا بيثرب، وهم قريظة وبنو قينقاع، و"المشركون": هم الذين كانوا بمكة وحولها والمدينة وحولها، وهم مشركو قريش" (٣). القول الثاني: أن الكفار هم أهل الكتاب، أما المشركون فهم عبدة الأوثان؛ "وذلك أنه يجوز أن تكون كلمة ﴿وَلَا الْمُشْرِكِينَ﴾ معطوفة على ﴿الَّذِينَ﴾، وبذلك يكون ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ جنساً مستقلاً عن المشركين" (٤). القول الثالث: أن أهل الكتاب من المشركين، فقوله سبحانه: ﴿وَالْمُشْرِكِينَ﴾ وصف لأهل الكتاب؛ لأن النصارى مثلثة واليهود مشبهة، وهذا كله شرك (٥)، وذلك أن من النصارى من قال أيضاً إن المسيح هو الله، ومنهم من قال هو ابنه، ومنهم من قال إنه ثالث ثلاثة، واليهود منهم من يقول إن عزيراً ابن الله.

стр. 42

وقد جاءت آيات تدل على أن مسمى الشرك يشمل أهل الكتاب مثل قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (١)، فجعل مقالة كل اليهود والنصارى إشراكاً (٢). ومما لا شك فيه أن أهل الكتاب هم كفار، إلا أن الاختلاف هو في دخولهم في مصطلح "الشرك" من عدمه، ويتضح لنا أن احتمال دخولهم في "المشركين" كاصطلاح وارد بنسبة عالية، فلو قمنا بتطبيق التعريفات السابقة الخاصة بمصطلح "الشرك" لوجدنا أنها تنطبق عليهم، وذلك من العبادة والتقرب والمحبة والرجاء والخوف والعطاء والمنح والتوكل والاستغاثة والدعاء وغيرها. وقد خرج أهل الكتاب من مجال هذا المبحث باستثنائهم من المشركين المبحوثين واقتصار المبحث على المشركين من غير أهل الكتاب بكافة أشكالهم ممن كان لهم تعامل مع الصحابة وتمت دعوتهم.

стр. 43

المطلب الثاني: أصناف المشركين وسماتهم أولاً: الوثنيون من العرب: "الوثنيون نسبة إلى كلمة وثن، وهم من يتدين بعبادة الأوثان، والوثن: الصنم ما كان، وقيل الصنم الصغير" (١)، ويقول الأصفهاني: "إن الوثن هو حجارة تعبد" (٢)، وفي "تهذيب اللغة" للأزهري: "قال شمر: أصل الأوثان عند العرب: كل تمثال من خشب أو حجارة أو ذهب أو فضة أو نحاس ونحوها، وكانت العرب تنصبها وتعبدها" (٣)، ويقول ابن الأثير: "إن الفرق بين الوثن والصنم أن الوثن كل ما له جثة معمولة من جواهر الأرض أو من الخشب والحجارة كصورة الآدمي، تعمل وتنصب فتعبد، والصنم الصورة بلا جثة، ومنهم من لم يفرق بينهما، وأطلقها على المعنيين، وقد يطلق الوثن على غير الصورة" (٤)، وقال ابن فارس: "إن الصنم هو ما يتخذ من خشب أو فضة أو نحاس فيعبد" (٥). "واسم الوثن يتناول كل معبود من دون الله سواء كان ذلك المعبود قبراً أو مشهداً أو صورة أو غير ذلك" (٦).

стр. 44

وكان عمرو بن لحي هو أول من أدخل الأوثان إلى جزيرة العرب، قال ابن الجوزي في "المنتظم": "هو أول من غير دين الحنيفية دين إبراهيم، وأول من نصب الأوثان حول الكعبة، وجعل البحيرة والسائبة والوصيلة والحام (١)، واستخرج إساف ونائلة (٢) فنصبها" (٣)، وقد انتشرت الوثنية بين العرب وأصبح لكل قبيلة وثن تعبده وتقدم القرابين له، وقبل ذلك كانت الوثنية موجودة بين الشعوب الأخرى، فمثلاً في الهند يذكر الشهرستاني أن فيها أصنافاً كثيرة من الأديان يرجعون آخر الأمر إلى عبادة الأصنام (٤)، وكذلك الشام التي أحضر منها عمرو بن لحي الأصنام، وكان أول صنم قدم به هو "هبل" (٥). وبما أن الوثنيين هم من يتدين بعبادة الأوثان والتقرب إليها وجعلها آلهة من دون الله؛ حتى وإن لم يعترفوا بذلك كما ذكر الله : ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (٦)؛ فقولهم إن عبادتهم إنما

стр. 45

هي تقرب إلى الله إنما ذلك من باب الأعذار الواهية، فكل من دعا نبياً أو ولياً أو ملكاً أو جنياً أو صرف له شيئاً من العبادة فقد اتخذه إلهاً من دون الله (١)، ومن ذلك ما قام به قوم نوح ﵇ من قبل، قال ابن عباس ﵄: "صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد. أما ود: فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سواع: فكانت لهذيل، وأما يغوث: فكانت لمراد، ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ، وأما يعوق: فكانت لهمدان، وأما نسر: فكانت لحمير لآل ذي الكلاع. أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصاباً وسموها بأسمائهم ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وتنسَّخ العلم عُبدت" (٢). وكما ذكر الله من أن مشركي العرب كانوا يعوذون بالجن، قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ (٣). وفي ذلك يقول الشيخ عبدالرحمن بن حسن ﵀: "ما كان عبادة لله فصرفه لغير الله شرك في العبادة؛ فمن صرف شيئاً من هذه العبادات لغير الله جعله شريكاً لله في عبادته" (٤). والوثنيون يؤمنون بتوحيد الربوبية إلا أنهم ينكرون توحيد الألوهية، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (٥).

стр. 46

وينكرون البعث بعد الموت، قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾ (٢). وكذلك ينكرون إرسال الرسل وبعث الرسول ﷺ ، فقد قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ (٣). وبهذا يكون الوثنيون قد أشركوا مع الله أصنامهم وأولياءهم والشياطين وصرفوا عبادتهم أو جزءاً منها إلى هذه الآلهة، وإن كانوا يؤمنون بوجود الله الخالق المدبر الرازق، إلا أنهم يجعلون معه آلهة يحبونهم كحب الله ويساوونهم بالله، ولا يؤمنون بالرسل من الناس. ثانياً: الصابئة: "الصابئ معناها الخارج من دين إلى دين، وكان يقال للرجل إذا أسلم في زمن النبي ﷺ قد صبأ، عنوا أنه خرج من دين إلى دين، وكانت العرب تسمي الرسول ﷺ الصابئ" (٤). ويذكر الفراهيدي: "أن الصابئين قوم دينهم شبيه بدين النصارى؛ إلا أن قبلتهم نحو مهب الجنوب حيال منتصف النهار، ويزعمون

стр. 47

أنهم على دين نوح وهم كاذبون" (١)، ويقول الفيروزآبادي: "إن قبلتهم من مهب الشمال" (٢)، وقيل: "إنهم على دين صابئ بن شيث بن آدم، ونسبتهم إليه" (٣)، إلا أن الطبري يذكر "أنهم نسبوا إلى صابئ بن متوشلخ بن أخنوخ وذلك قبل نوح ﵇، وهم من أرسل إليهم؛ وأخنوخ هو إدريس ﵇ ((٤). وبناءً على ذلك تكون الصابئة من أقدم الديانات الموجودة الآن والتي لها أتباع وإن قلوا، وقد ذكرهم القرآن الكريم في ثلاثة مواضع في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى﴾ (٥)، ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ﴾ (٦)، ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ (٧). والصابئة تفترق إلى أربع فرق: أصحاب الروحانيات، وأصحاب الهياكل، وأصحاب الأشخاص، والحرنانية (٨)، وكل منهم له مذهبه الخاص، وطريقة عبادته واعتقاده، والذي يختلف به عن الطريقة الأخرى، وسوف نذكرهم باختصار:

стр. 48

١ - أصحاب الروحانيات (١): مذهب هؤلاء أن للعالم صانعاً مقدساً عن سمات الحدثان، ويتقرب إليه بالمتوسطات المقربين لديه وهم الروحانيون المطهرون المقدسون: (جوهر وفعل وحالة). أ) الجوهر: هم المقدسون عن المواد الجسمانية المنزهون عن الحركات المكانية والتغيرات الزمانية وجبلوا على الطهارة، فيتقربون إليهم ويتوكلون عليهم، وهم أربابهم وآلهتهم وشفعاؤهم عند الله، ويقدمون لهم كل ما يقدم لله من عبادة، والأنبياء لا طاعة لهم لأنهم بشر مثلهم. ب) الفعل: هم الأسباب المتوسطون في الاختراع وتصريف الأمور من حال إلى حال. ج) الحالة: أحوال الروحانيات من الروح والريحان والنعمة واللذة والراحة والسرور وكأنهم يقصدون بذلك الملائكة. ٢ - أصحاب الهياكل (٢). لأن الروحانيات لا يمكن أن يروها، وهي وسائل، ولا يمكن أن يخاطبوها بالألسن، فأوجدوا الهياكل، وهي أبدان الروحانيات، ويتقربون إليها تقربهم إلى الباري تعالى، ومن الهياكل الكواكب السيارة السبع، وجعلوا حياتهم عليها وعلى مطالعها ومغاربها وأشكالها، وأيامهم مقسمة عليها، واستخدموا الطلاسم والسحر والتنجيم والكهانة، وبذلك يكونون عبدة الكواكب.

стр. 49

٣ - أصحاب الأشخاص (١). إذا كانت الروحانيات لا ترى بالأبصار والهياكل تغيب ولا تتواجد كل وقت، قامت هذه الفرقة باتخاذ أصنام تمثل الهياكل التي تقربهم للروحانيات التي بدورها تقربهم إلى الله ، وبذلك يكونون عبدة الأوثان والأصنام. ٤ - الحرنانية (٢). يقولون إن الصانع المعبود واحد وكثير، فأما واحد ففي الذات والأول والأزل والأصل، وكثير لأنه يتكثر بالأشخاص في رأي العين، ويقولون إنه لا بعث ولا قيامة، إنما يؤمنون بتناسخ الأرواح والحلول، وهم أصل هذه الفكرة، ويقولون بأن القاذورات والشرور ليست من الله وهو أجل من أن يخلقها، أما الخير والسعد فهو من البارئ تعالى. وقد اندثرت جميع فرق الصابئة وأفكارهم ولم يتبق منهم اليوم إلا الصابئة المندائية، وهي التي تعد يحيى ﵇ نبياً لها يقدس أصحابها النجوم والكواكب ويعظمونها، ولهم طقوس دينية كثيرة ويوجدون الآن في جنوب العراق وإيران (٣). واختُلِفَ في الصابئة هل هم أهل كتاب وهل تؤخذ منهم الجزية أم لا، وذكر القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى

стр. 50

وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (١)، قال: "اختلف في الصابئين؛ فقال السدي وإسحاق بن راهويه: إنهم فرقة من أهل الكتاب، وقال ابن المنذر وإسحاق: لا بأس بذبائحهم ومناكحة نسائهم" (٢)، "وكذلك قال أبو حذيفة، أما مجاهد ومتابعوه ووهب بن منبه يقولون: إنهم قوم ليسوا على دين اليهود ولا النصارى ولا المجوس ولا المشركين، إنما هم قوم باقون على فطرتهم ولا دين مقرراً لهم يتبعونه ويقتفونه" (٣)، ويقول الإمام الشوكاني: "إنهم فرقة معروفة لا ترجع إلى ملة من الملل المنتسبة إلى الأنبياء" (٤). ثالثاً: المجوس: المجوسية هي الديانة الزرادشتية، وكان تأسيسها في بلاد فارس في القرن السادس قبل الميلاد على يد زرادشت بن يورشب الذي ظهر في عهد الملك كشتاسب بن لهراسب (٥)، وتسمى المجوسية؛ لأن قبيلة المجوس الفارسية هي أول

стр. 51

من تبع الزرادشتية (١). وقيل إن زرادشت ظهر في القرن السابع قبل الميلاد (٢). وزرادشت هذا اختلفت فيه الأقوال، فمنهم من قال: هو من أهل فلسطين، خادم لبعض تلاميذ أرميا النبي ﵇ (٣) خاص به، أثير عنده، فخانه فكذب عليه، فدعا الله عليه فبرص فلحق ببلاد أذربيجان، فشرع بها دين المجوسية (٤)، ويقول الجاحظ: "إنه جاء من بلخ" (٥)، وقيل: إنه من العجم (٦) دون تحديد مكانه، ويذكر الشهرستاني أن أباه من أذربيجان وأمه من الري (٧). وزرادشت هذا هو نبي المجوس بزعمهم، وقد بعث إلى قومه وعمره ثلاثون عاماً، ودعا الملك كشتاسب إلى دينه فأجابه الملك واعتنق دينه (٨)، فأجبر الناس على دخول هذا الدين وقتل من أجل ذلك من رعيته مقتلة عظيمة حتى دانوا بهذا الدين (٩)، وقد أتى بكتاب زعم أنه وحي من الله تعالى، وكتب في جلد اثنتي عشرة ألف بقرة

стр. 52

حفراً ونقشاً بالذهب فجعله كشتاسب في موضع بأصطخر ومنع من تعليمه العامة (١). والزرادشتية هي المجوسية، والزرادشة هم المجوس الذين ذكروا في القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (٢). ويعتقد الزرادشة أن الله جعل روح زرادشت في شجرة أنشأها في أعلى عليين وأحف بها سبعين من الملائكة المكرمين وغرسها في قمة جبل يعرف بـ "اسمويذخر"، ثم مازج "شبح زرادشت" بلبن بقرة فشربه أبو زرادشت فصار نطفة ثم مضغة في رحم أمه، وبذلك ولد "زرادشت" نبي المجوس، ويشير الشهرستاني إلى أن المجوس لهم نبي سابق لزرادشت وهو "كيومرث"، وهو المبدأ الأول، وزرادشت هو النبي الثاني، وقد ورد في تواريخ الهند والعجم أن "كيومرث" هو آدم ﵇، ونشأت عنه فرقة الكيومرثية الذين أثبتوا أصلين لله وهما "يزدان" وهو النور، و"أهرمين" وهو الظلمة، و"يزدان" أزلي قديم و"أهرمين" محدث مخلوق من فكرة رديئة في نفس "يزدان" غير مناسبة لطبيعة النور مما أدى إلى حدوث الظلام من هذه الفكرة، وسمي "أهرمين"، وكان مطبوعاً على الشر والفتنة والفساد والفسق (٣).

стр. 53

ويعتقد الزرادشيون بوجود إله للخير يسمونه "أهورامزدا"، ويقولون إنه إله النور والسماء، وأن غيره من الآلهة ليست إلا مظاهر له وصفات من صفاته، وهناك إله الشر ويسمونه "أهرمان"، ومعناه الخبيث أو القوى الخبيثة، وهو إله الظلمة، ولا يليق أن ينسب الشر إلى "أهورامزدا" لأن مصدره هو "أهرمان" (١)، "ومعنى اسم "أهورامزدا" بالفارسية أي "أنا وحدي خالق الوجود"" (٢)، ومن عقائد الزرادشتية (٣): أ) الصراع بين الروحين الخير والشر. ب) النور والظلمة أصلان متضادان وهما مبدأ وجود العالم. جـ) الباري هو خالق النور والظلمة ولكن لا يجوز أن ينسب إليه الظلمة. د) الصراع بين النور والظلمة مستمر حتى يغلب النور الظلمة. "وقد رمزت الديانة الزرادشتية إلى الذات العليا برمزين ماديين مرئيين تقوى عقول الجماهير على إدراكهما، ويشتمل كلاهما على بعض مظاهر "أهورامزدا" على وجه التقريب والتمثيل، وهذان الرمزان أحدهما سماوي وهو الشمس والآخر أرضي وهو النار، وكلاهما عنصر مضيء طاهر لا يتطرق إليه الخبث والفساد، ومن هنا حرصت الديانة الزرداشتية على أن يوقد في كل هيكل من هياكلها

стр. 54

شعلة من النار وتظل مضيئة ويتعهدها "الموابذة" (١) و"الهرابذة" (٢) ويقدمون لها الوقود خمس مرات في اليوم" (٣). "والزرادشتية ديانة حية ينتشر أتباعها الذين يبلغون قرابة ثلاثمائة ألف أو أكثر في أكثر من بقعة من العالم" (٤). رابعاً: الدهريون: الدهريون أو الدهرية هم ملة قديمة من مشركي العرب، وهم من قال الله تعالى عنهم: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ (٥). وهم ينكرون وجود إله يتحكم بالكون والحياة والممات، ويقول الطبري في تفسير هذه الآية: "إنهم ينكرون أن يكون لهم رب يفنيهم ويهلكهم" (٦)، ويقول الشهرستاني: "إن الدهريين هم صنف من معطلة العرب الذين أنكروا الخالق والبعث والإعادة .. وقالوا بالطبع المحيي، والدهر

стр. 55

المفني" (١)، فنسبوا الحياة إلى الطبع المحسوس وأنه هو الذي يوفر الحياة للبشر، وأن الدهر هو من يفني، ويقول الرازي: "إنهم يقولون إن تولُّد الأشخاص إنما كان بسبب حركات الأفلاك الموجبة لامتزاج الطباع، وإذا وقعت تلك الامتزاجات على وجه خاص حصلت الحياة، وإذا وقعت على وجه آخر حصل الموت، فالموجب للحياة والموت تأثيرات الطبائع وحركات الأفلاك" (٢). وهؤلاء الدهريون هم من يسميهم شيخ الإسلام بالفلاسفة الدهرية الذين يزعمون أن السموات أزلية قديمة لم تزل، وأن الله لا يفعل شيئاً بمشيئته، ولا يجيب دعاء الداعي، بل ولا يعلم الجزئيات ولا يعرف هذا الداعي من هذا الداعي، ولا يعرف إبراهيم من موسى من محمد وغيرهم بأعيانهم من رسله، بل منهم من ينكر علمه مطلقاً، ومنهم من يقول إنه يعلم الكليات كابن سينا وأمثاله (٣). ويبين هنا شيخ الإسلام أن الدهرية هم من العرب، وقد وافقوا أقوال الفلاسفة اليونان وغيرهم من الأمم الأخرى، وقد أثر ذلك فيمن دخل علم الفلسفة من المسلمين مثل ابن سينا، مما جعله يقول قولهم ويحيد عن جادة الصواب. وعن تلاعب الشيطان بهؤلاء الدهرية، يقول ابن القيم: "هؤلاء قوم عطلوا المصنوعات عن صانعها، وقالوا ما حكاه الله عنهم: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾، وهؤلاء فرقتان: فرقة قالت:

стр. 56

إن الخالق سبحانه لما خلق الأفلاك متحركة أعظم حركة دارت عليه فأحرقته ولم يقدر على ضبطها وإمساك حركتها، والفرقة الأخرى قالت: إن الأشياء ليس لها أول البتة، وإنما تخرج من القوة إلى الفعل، فإذا خرج ما كان بالقوة إلى الفعل تكونت الأشياء مركباتها وبسائطها من ذاتها لا من شيء آخر" (١). وأفكار الدهريين هذه وعقيدتهم قديمة وإن كانت في العصور المتأخرة تحت اسم الإلحاد، وفي ذلك يقول الدكتور عبدالرحيم المغذوي: "ليس الإلحاد وليد العصر الحاضر، وإنما هو من مخلفات أهل القرون الماضية" (٢). والدهريون هم الملاحدة في هذا العصر وإن اختلفت التسمية، فلو نظرنا إلى تعريف الدهرية وقارناه بتعريف الملاحدة لوجدناها بنفس المعنى، فالدهرية في موسوعة الأديان هي من فرق أهل الغلو نفوا الربوبية وجحدوا الصانع المدبر العالم القادر وزعموا أن العالم لم يزل موجوداً كذلك بنفسه لا بصانع، ولم يزل الحيوان من النطفة، والنطفة من الحيوان، وكذلك كان وكذلك يكون، والدهريون ينكرون البعث والحساب ويردون كل شيء إلى فعل الأفلاك ولا يعرفون الخير ولا الشر وإنما المنفعة واللذة (٣). أما تعريف مصطلح الإلحاد "فهو إنكار وجود الإله، وهو مصطلح متعلق بمفهوم اللاأدرية الذي يعتقد استحالة معرفة شيء عن طبيعة الخالق أو ما ليس مادياً" (٤).

стр. 57

ومن هذه التعاريف نجد التوافق في إنكار الخالق وإنكار البعث، والاتفاق على أن الكون هو من يسيِّر نفسه ويخلق نفسه دون تدخل من الله ؛ فالدهريون في السابق هم الملاحدة في العصور الحديثة والذين ذكرهم الله في سورة الحج. وفي نهاية هذا الفصل، وبعد أن تطرقنا إلى مفهوم الصحابة ﵃، وذكر مكانتهم وفضلهم من الكتاب والسنة، بالإضافة إلى معنى الشرك، والمشركين، والأصناف التي تنسب إلى الشرك من الأديان الوضعية، كالوثنيين والصابئة والمجوس والدهريين، وذكر موجز عن كل نوع على حدة، فإن ذلك يُعد تمهيداً لما سيأتي من فصول نتكلم بها عن تفاصيل منهج الصحابة ﵃ في دعوة المشركين من غير أهل الكتاب وما يتعلق بها.

стр. 58

الفصل الأول: أسس وضوابط منهج الصحابة ﵃ في دعوة المشركين من غير أهل الكتاب . وفيه مبحثان: المبحث الأول: أسس منهج الصحابة ﵃ في دعوة المشركين من غير أهل الكتاب. المبحث الثاني: ضوابط منهج الصحابة ﵃ في دعوة المشركين من غير أهل الكتاب.

стр. 59

المبحث الأول أسس منهج الصحابة ﵃ في دعوة المشركين من غير أهل الكتاب الأسس هي مبتدأ كل شيء (١)، وبها تبين الحدود، وهي أيضاً الأصل لكل شيء، وتعتمد عليها قوة ما فوقه، وبهذا يكون أساس منهج الصحابة هو الأصل والمبتدأ الذي منه بدؤوا إسلامهم وعقيدتهم، ومنه يستمدون قوة دعوتهم. ومما لا شك فيه أن أسس منهج الصحابة في الدعوة هي كتاب الله وسنة نبيه محمد ﷺ ، وهما الأساسان الرئيسان لجميع أمور هذا الدين. الأساس الأول: القرآن الكريم يقول ابن قدامة ﵀: "ومن كلام الله سبحانه القرآن العظيم، وهو كتاب الله المبين وحبله المتين وصراطه المستقيم وتنزيل رب العالمين، نزل به الروح الأمين على قلب سيد المرسلين بلسان عربي مبين، منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، هو سور محكمات وآيات بينات وحروف وكلمات، من قرأه فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات، له أول وآخر وأجزاء وأبعاض، متلو بالألسنة محفوظ في الصدور مسموع بالأذان مكتوب في المصاحف، فيه محكم ومتشابه، وناسخ ومنسوخ، وخاص وعام، وأمر ونهي، ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا

стр. 60

مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (١)، يقول تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (٢) " (٣)، وفي هذا القول شرح موجز وبليغ لوصف القرآن الكريم، وقد جعل الصحابة ﵃ القرآن هو الركيزة الأساس لانطلاق دعوتهم، وهذه بعض الشواهد التي تبين ارتباط دعوة الصحابة بالقرآن الكريم وأنهم يسيرون وفق منهجه وعلى مشكاته. أ) الشاهد الأول: الدعوة بقراءة القرآن: قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ (٤)، إن القرآن له تأثير على المدعو وذلك من خلال كثير من الشواهد؛ ففي تلاوة جعفر بن أبي طالب ﵁ صدراً من ﴿كهيعص﴾ (٥) تأثير على النجاشي وأساقفته، حتى إن النجاشي بكى حتى أخضلت لحيته وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم (٦). ومن قراءة القرآن على المشركين ما كان من مصعب بن عمير ﵁ عندما قرأ القرآن على سعد بن معاذ وأسيد بن الحضير ﵄، وكان له تأثير عليهما حتى أسلما، وقصة إسلام عمر بن الخطاب ﵁ بعد أن قرأ سورة "طه" وأثرها

стр. 61

فيه مما جعله يقول: "ما أحسن هذا الكلام وأكرمه ((١). وهذه الطريقة التي انتهجها صحابة رسول الله ﷺ في الدعوة أصلها في كتاب الله ومؤيدة به، سواء كان سابقاً لها أم سابقة له، إلا أنها تعدُّ قاعدة وتأصيلاً لعمل أصحاب رسول الله ﷺ ، وبالإضافة للآية السابقة فإن هناك آيات أخرى تؤيد هذا الأساس منها قوله تعالى: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (١٠٥) وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ (٢). وفي هاتين الآيتين يتضح لنا عدة فوائد اعتمد عليها الصحابة ﵃ في دعوتهم، فالفائدة الأولى: هي إيمان الصحابة أن هذا القرآن حق من عند الله وما فيه حق، وأنه أنزل على محمد ﷺ ، ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾، يقول الإمام الطبري: "أنزلناه نأمر فيه بالعدل والإنصاف والأخلاق الجميلة والأمور المستحسنة الحميدة، ونزل من عند الله على نبيه محمد ﷺ ((٣)، وعند القرطبي: "أوجبنا إنزاله بالحق ونزل فيه الحق" (٤)، "وقد وصف القرآن بصفتين عظيمتين كل واحدة منهما تحتوي على ثناء عظيم وتنبيه للتدبر فيهما، فالحق في الأولى الثابت الذي لا ريب فيه ولا كذب، فهو كقوله تعالى:

стр. 62

﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ (١)، وهو رد لتكذيب المشركين أن يكون القرآن وحياً من عند الله، ومعنى الحق الثاني مقابل الباطل" (٢)، وفي قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ (٣) تأكيد على ذلك، والآيات في هذا المعنى كثيرة. أما الفائدة الثانية: فهي إيمان الصحابة أن الدعوة هي من مهام الرسل وأتباعهم ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾، وقد أتت بعد الحديث عن القرآن مما يؤكد أن الدعوة بالقرآن لها تأثير، يقول الله للرسول ﷺ : "إنما أرسلناك للدعوة والتبليغ "مبشراً" من أطاعنا بالجنة و "منذراً" من عصانا مخوفاً من النار" (٤). فارتباط الفائدة الأولى ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ بالفائدة الثانية دليل على مدى تأثير القرآن على المدعو وأنه أنزل للدعوة ﴿مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾. الفائدة الثالثة: هي تفصيل هذا القرآن ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ﴾، وتسهيله للقارئ والمستمع، وذلك بأن أنزله الله على مدى ثلاثة وعشرين عاماً مبيناً مفسراً ومفصلاً واضحاً ولم ينزل دفعة واحدة (٥). وهذا ما يسهله للداعي والمدعو، وهو ما فعله صحابة رسول الله ﷺ . ومن الآيات أيضاً قوله تعالى:

стр. 63

﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ (١)، ففي هذه الآية أمر من الله إلى النبي ﷺ بأن يذكر بالقرآن ويجعل قراءته دعوة بذاتها، فقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ "أي: بلغ أنت رسالة ربك فإنما يتذكر من يخاف الله وعيده ويرجو وعده" (٢). فالدعوة بالقرآن أصل من أصول الدعوة التي اعتمد عليها الصحابة ﵃ من خلال ما غرسه الرسول ﷺ في أصحابه. ومن الشواهد أيضاً في هذا المجال إسلام ثابت بن قيس ﵁، حيث ما كاد أن يستمع إلى ترتيل مصعب بن عمير ﵁ حتى أسر القرآن قلبه وشرح صدره للإسلام (٣). ب) الشاهد الثاني: تكسير الأصنام وإهانتها: قال تعالى: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ (٤)، إن بيان خطأ المعتقد بإيقاظ العقل وحثه على التفكير أمر ورد في كتاب الله في قصة إبراهيم ﵇ مع قومه، وطبقه الصحابة ﵃. وذلك كما في قصة إسلام عمرو بن الجموح ﵁ بسبب ما فعله ابنه معاذ ومعاذ بن جبل وفتيان من الأنصار. حيث كان عمرو بن الجموح سيداً من سادات بني سلمة وشريفاً من أشرافهم وكان له صنم في داره يقال له "مناة" يتخذه إلهاً ويطهره،

стр. 64

وكان ابنه معاذ ومعاذ بن جبل وفتيان من بني سلمة قد أسلموا فيدلجون بالليل على صنم عمرو فيحملونه فيطرحونه منكس الرأس في بعض حفر بني سلمة فيها عذر الناس، وإذا أصبح قال: ويلكم! من عدا على إلهنا هذه الليلة؟ ثم يذهب يلتمسه حتى إذا وجده غسله وطهره وطيبه وأعاده مكانه، فإذا نام فعلوا به مثلها، فلما أكثروا عليه استخرجه من حيث ألقوه وغسله وطهره وطيبه ثم جاء بسيفه فعلقه عليه ثم قال: إني والله لا أعلم من يفعل بك هذا، فإن كان فيك خير فامتنع فهذا السيف معك، فلما أمسى ونام عدوا عليه وأخذوا السيف من عنقه وقرنوه مع كلب ميت وألقوه في بئر من أبيار بني سلمة فيها عذرة من عذر الناس، فلما أصبح عمرو غدا إلى إلهه فلم يجده مكانه فبحث عنه فوجده في تلك البئر منكساً على رأسه مقروناً بكلب ميت فلما رآه وأبصر شأنه عرف أنه على ضلال، وكلمه من كلمه من قومه فأسلم وحسن إسلامه ﵁ وقال في هذا الصنم: والله لو كُنت إلها لم تكن ... أنت وكلب وسط بئر في قرن أُف لمِلقاك إلهاً مستدنْ ... الآن فَتشناك عن سوء الغُبن (١) إن ما قام به معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن جبل ومن معهم ﵃ في دعوة عمرو بن الجموح ﵁ له أصل وأساس في كتاب الله من قصة إبراهيم ﵇ مع قومه عند تحطيم الأصنام، قال تعالى: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧) فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ (٢)،

стр. 65

وقال تعالى: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ (١)، ففي تحطيم الأصنام رجوع للعقل والتمييز، وهذا ما قام به معاذ وأصحابه من إلقاء إله عمرو بن الجموح في حفرة القذارة ليبينوا له أن إلهه لا يستطيع أن ينقذ نفسه أو ينفعها مما جعله يعلق سيفه عليه ليرى هل يدافع هذا الإله عن نفسه أم لا، كذلك ما قال إبراهيم ﵇ لقومه: ﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ (٦٢) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣) فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٢)، "فذكروا حين قال لهم إبراهيم ﵇: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ في أنفسهم ورجعوا إلى عقولهم ونظر بعضهم إلى بعض فقالوا: إنكم معشر القوم الظالمون هذا الرجل في مسألتكم إياه وقولكم له: من فعل هذا بآلهتنا يا إبراهيم؟ وهذه آلهتكم التي فعل بها ما فعل حاضرتكم فاسألوها" (٣). ويقول الإمام الرازي: "إنه عندما لم يستطع إقناعهم بالدلالة العقلية لجأ إلى الدلالة الفعلية وهي قوله: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ وأراهم ﵇ عدم الفائدة من عبادتها، وفي قوله تعالى: ﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ أن إبراهيم ﵇ لما نبههم بما أورده عليهم وعلى قبح طريقتهم تنبهوا فعلموا أن عبادة الأصنام

стр. 66

باطلة وأنهم على غرور وجهل في ذلك" (١). يقول الإمام القرطبي: "إن إبراهيم بيَّن أن من لا يتكلم ولا يعلم لا يستحق أن يعبد، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ ليقولوا: إنهم لا ينطقون ولا ينفعون ولا يضرون فيقول لهم: لم تعبدونهم؟ فتقوم عليهم الحجة" (٢)، ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥) قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ﴾ (٣). وفي قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ قال السيوطي: "كايدهم بذلك لعلهم يتذكرون أو يبصرون" (٤)، "كما كايد معاذاً عمرو بن الجموح لعله يرجع ويبصر، وأراد إبراهيم ﵇ أن يبين لقومه أن من لا يتكلم ولا يعلم ليس بمستحق للعبادة ولا يصح في العقل أن يطلق عليه أنه إله" (٥)، فكذلك أراد معاذ ومن معه. وفي قصة إسلام أبي الدرداء على يد عبد الله بن رواحة ﵄ مثال آخر لما سبق، وذلك عندما كان أبو الدرداء متعلقاً بصنم له، وقد وضع عليه منديلاً، وكان عبدالله بن رواحة يدعوه إلى الإسلام فيأبى، وكان له أخاً في الجاهلية قبل الإسلام، فلما رآه قد خرج من بيته خالفه فدخل بيته، وأعجل امرأته، وأنها

стр. 67

لتمشط رأسها فقال: أين أبو الدرداء؟ فقالت: خرج أخوك آنفاً فدخل بيته الذي فيه الصنم ومعه القدوم فأنزله، وجعل يقدده فلذاً فلذاً (١)، وهو يرتجز سراً من أسماء الشياطين كلها ويقول: "ألا كل ما يدعى مع الله باطل"، ثم خرج وسمعت المرأة صوت القدوم وهو يضرب ذلك الصنم فقالت: أهلكتني يا ابن رواحة، فخرج على ذلك فلم يكن شيء حتى أقبل أبو الدرداء إلى منزله فوجد المرأة قاعدة تبكي شفقاً منه، فقال: ما شأنك؟ قالت: أخوك عبد الله بن رواحة دخل عليَّ فصنع ما ترى، فغضب غضباً شديداً ثم فكر في نفسه فقال: لو كان عند هذا خير لدفع عن نفسه، فانطلق حتى أتى رسول الله ﷺ ومعه ابن رواحة فأسلم (٢). وفي تكسير صنم أبي الدرداء مشابهة لما قام به إبراهيم ﵇ في قوله تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾، إلا أن أبا الدرداء ﵁ كان أكثر عقلاً وبصيرة من قوم إبراهيم ﵇ الذين عرفوا الحق وأنكروه، ﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (٦٤) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾، يقول الشيخ أبو بكر الجزائري: "أي قلبهم الله رأساً على عقب فبعد أن عرفوا الحق ولاموا على أنفسهم عادوا إلى الجدال الباطل" (٣).

стр. 68

وفي هذا توافق بين دعوة الصحابة وما ورد في القرآن الكريم من قصص وتعاليم اقتفوها وعملوا على ضوئها. جـ) الشاهد الثالث: حكمة الصحابة ﵃ في دعوتهم: قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (١)، إن الحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن أصل من أصول الدعوة التي أمر الله بها في الآية السابقة، وقد طبق هذا في دعوة المشركين كثير من الصحابة؛ ففي دعوة مصعب بن عمير لسعد بن معاذ وأسيد بن الحضير ﵄ مثال لما أمر الله به في الآية، ذكر ابن هشام في "السيرة": أن أسعد بن زرارة خرج بمصعب بن عمير في المدينة يدعو الناس إلى الإسلام فجلسا إلى حائط لبني ظفر واجتمع إليهم رجال ممن أسلم، وسمع بهم سعد بن معاذ وأسيد بن الحضير وهما سيدا قومهما بني عبد الأشهل وكلاهما مشرك على دين قومه، فأرسل سعد بن معاذ أسيداً إليهم، فلما رأوه قادماً إليهم قال أسعد لمصعب: إن هذا سيد قومه فاصدق الله فيه، فوقف أسيد متشتماً فقال له مصعب: أو تجلس فتسمع فإن رضيت أمراً قبلته وإن كرهته كف عنك ما تكره، قال: أنصفت، ثم ركز حربته وجلس فكلمه مصعب بالإسلام وقرأ عليه القرآن فقالا: والله لقد عرفنا الإسلام في وجهه قبل أن يتكلم في إشراقه وتهلله، ثم قال: ما أحسن هذا وأجمله، ثم اغتسل وأسلم وصلى ركعتين ثم قال: إن ورائي رجلاً

стр. 69

إن اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه وسأرسله إليكما، فأتاهما سعد بن معاذ ففعل مثل صاحبه، فقال له مصعب: أو تقعد فتسمع فإن رضيت أمراً رغبت فيه وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره، قال سعد: أنصفت، ثم ركز حربته وجلس فعرض عليه مصعب الإسلام وقرأ عليه القرآن فأسلم واغتسل وصلى ركعتين (١). فحكمة مصعب بن عمير ﵁ والموعظة الحسنة التي وعظ بها أسيد بن الحضير وسعد بن معاذ ﵄ كان لها تأثير عظيم وسريع، فكان من حكمته أن كلمهم بأسلوب العقل وذلك أنه قال لهم: "إن رضيت أمراً قبلته وإن كرهته كُف عنك ما تكره" فلم يجعل لهما مجالاً للرفض. والحكمة لها معانٍ كثيرة ومتعددة، ومن هذه المعاني: "أنها الإصابة في القول والفعل، وقبله سرعة الجواب مع الإصابة" (٢). وهذا الذي فعله مصعب ﵁ جعل له قبولاً لدى المدعوين، كما أن قراءة القرآن عليهم هي من الحكمة، فعند الطبري ﵀: "أن الحكمة في الآية هي وحي الله الذي يوحيه إلى الرسول ﷺ وكتاب الله الذي أنزله عليه" (٣)، ويقول الإمام القرطبي: "إن الله أمر الرسول ﷺ في هذه الآية أن يدعو إلى دين الله وشرعه بتلطف ولين دون مخاشنة وتعنيف" (٤). وجميع هذه المعاني تنطبق على دعوة مصعب بن عمير ﵁ من لطف ولين وإصابة في القول والفعل وقراءة القرآن.

стр. 70

ومن ذلك قصة أبي بكر الصديق في دعوة عثمان بن عفان ﵄ فيما ذكره ابن عساكر عندما تكهنت له خالته سعدى بنت كريز فبشرته بزواجه من ابنة محمد بن عبدالله النبي الذي يأتيه التنزيل من ربه، يقول عثمان: فوقع كلامها في قلبي وكان لي مجلس عند أبي بكر فأتيته فرآني مفكراً فسألني فأخبرته بما سمعت من خالتي، فقال: ويحك يا عثمان، إنك لرجل حازم ما يخفى عليك الحق من الباطل، هذه الأوثان التي يعبدها قومنا أليست من حجارة صم لا تسمع ولا تبصر ولا تضر ولا تنفع، قلت: بلى والله إنها كذلك، فقال: والله صدقتك خالتك، هذا رسول الله ﷺ محمد بن عبد الله قد بعثه الله تعالى برسالته إلى خلقه، قال: فوالله ما تمالكت حين سمعت قوله أن أسلمت (١). فطريقة أبي بكر الصديق ﵁ في عرض الإسلام على عثمان بن عفان ﵁ وما فيها من الإصابة في القول كانت داعياً لقبوله، وذلك بما ذكره من وصف عبادة قومه، وما فيها من ضلال، وبعد أن استشف قبول عثمان لرأيه عرض عليه دعوة الرسول ﷺ ، فعدم عرض الدعوة في البداية عليه فيها من الحكمة ما جعله يعرف مدى قبوله لها من عدمه، كما أن في طريقة أبي بكر الصديق ﵁ من الموعظة الحسنة واستمالة المدعو ما جعله يستحضر جميع أفكاره في تلك اللحظة التي أعلن فيها إسلامه.

стр. 71

د) الشاهد الرابع: الاهتمام بدعوة ذوي القربى: قال تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (١). لقد احتلت دعوة ذوي القربى عند الصحابة أولوية، فهذا سعد بن معاذ ﵁ عندما أسلم عاد إلى قومه مباشرة فلما وقف عليهم قال: كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيدنا وأفضلنا رأياً وأيمننا نقيبة، قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم عليَّ حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله ﷺ ، قال: فوالله ما أمسى في دار بني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلماً أو مسلمة (٢)؛ فبدأ بالأقربين قبل غيرهم ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾. وأيضاً دعوة الطفيل بن عمرو الدوسي ﵁ عندما أسلم استأذن الرسول ﷺ بالذهاب إلى قومه لدعوتهم وطلب منه أن يجعل له آية تكون عوناً عليهم، ويحدث ﵁ عن نفسه فيقول: حتى إذا كنت بثنية تطلعني على الحاضر وقع نور بين عيني مثل المصباح، فقلت: اللهم في غير وجهي إني أخشى أن يظنوا أنها مثلة وقعت في وجهي لفراق دينهم، قال: فتحول فوقع في رأس سوطي، قال: فجعل الحاضرون يتراءون ذلك النور في سوطي كالقنديل المعلق وأنا أهبط إليهم من الثنية، قال: حتى جئتهم فأصبحت فيهم، قال: فلما نزلت أتاني أبي وكان شيخاً كبيراً، قال فقلت: إليك عني يا أبت فلست مني ولست منك، قال: ولم يا بني؟ قال قلت: أسلمت وتابعت دين محمد ﷺ ، قال: أي بني فديني دينك، قال فقلت: فاذهب واغتسل فذهب

стр. 72

فاغتسل وطهر ثيابه ثم جاء فعرضت عليه الإسلام فأسلم، ثم أتتني صاحبتي فقلت: إليك عني فلست مني ولست منك، قالت: لِمَ بأبي أنت وأمي؟، قال: قد فرق بيني وبينك الإسلام وتابعت دين محمد ﷺ ، قالت: فديني دينك، قال فقلت: فاذهبي إلى حمى ذي الشرى (١) فتطهري، فذهبت فاغتسلت ثم جاءت فعرضت عليها الإسلام فأسلمت (٢). فكان أول من أنذر الطفيل ﵁ عشيرته الأقربين وهما والده وزوجته وهما الأقرب فالأقرب، قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، "أي الأقرب فالأقرب" (٣)، وقال الإمام الطبري: "الأقربين إليك قرابة" (٤)، ويقول الحافظ ابن كثير: "هم الأدنين إليه" (٥). ويوضح الإمام الشوكاني سبب تخصيص الأقربين "لأن الاهتمام بشأنهم أولى وهدايتهم إلى الحق أقوم" (٦). ومن هذا أيضاً دعوة طليب بن عمير ﵁ لأمه أروى بنت عبدالمطلب عمة رسول الله ﷺ والتي ذكرها ابن سعد في "الطبقات" قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن أبيه قال: أسلم طليب بن عمير في دار الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي ثم خرج فدخل على أمه

стр. 73

أروى بنت عبد المطلب فقال: تبعت محمداً وأسلمت لله، فقالت له أمه: إن أحق من آزرت وعضدت خالك، والله لو كنا نقدر على ما يقدر عليه الرجال لتبعناه وذببنا عنه، فقال طليب: فما يمنعك يا أمي من أن تسلمي وتتبعيه فقد أسلم أخوك حمزة، ثم قالت: أنظر ما يصنع أخواتي ثم أكون إحداهن، فقال طليب: فإني أسألك بالله إلا أتيته فسلمت عليه وصدقته وشهدت ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فقالت: فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. وكانت تعضد النبي ﷺ بلسانها وتحض ابنها على نصرته والقيام بأمره (١). فهذا طليب ﵁ بعد إسلامه مباشرة ذهب إلى والدته ليدعوها إلى الإسلام، وفي تأكيد هذا الأمر ورد في القرآن قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (٢)، فأمر الله المؤمنين بأن يتقوا النار هم وأهلوهم قبل أي أحد آخر. هـ) الشاهد الخامس: الإجارة من أجل الدعوة: قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٣). وعلى هذا الأساس كانت دعوة أبي ذر ﵁ لحويطب بن عبد العزى، قال حويطب: لما دخل رسول الله ﷺ

стр. 74

مكة خفت خوفاً شديداً فخرجت من بيتي وفرقت عيالي في مواضع يأمنون فيها فانتهيت إلى حائط عوف فكنت فيه فإذا أنا بأبي ذر الغفاري وكانت بيني وبينه خلة -والخلة أبداً مانعة-، فلما رأيته هربت منه فقال: أبا محمد، فقلت: لبيك، قال: ما لك؟ قلت: الخوف، قال: لا خوف عليك أنت آمن بأمان الله ، فرجعت إليه فسلمت عليه فقال: اذهب إلى منزلك، قلت: هل لي سبيل إلى منزلي؟ والله ما أراني أصل إلى بيتي حياً حتى ألفى فأقتلع أو يدخل عليَّ منزلي فأقتل، وإن عيالي لفي مواضع شتى، قال: فاجمع عيالك في موضع وأنا أبلغ معك إلى منزلك، فبلغ معي وجعل ينادي عليَّ: أن حويطباً آمن فلا يهج، فذهب أبو ذر إلى الرسول ﷺ فأخبره فقال ﷺ : أو ليس قد أمن الناس كلهم إلا من أمرت بقتلهم؟ قال: فاطمأننت ورددت عيالي إلى منازلهم وعاد إليَّ أبو ذر فدعاني إلى الإسلام فخرجت معه إلى الرسول ﷺ وسلمت عليه وشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله (١). وفي هذا الشاهد تطبيق لما ورد في الآية من سورة التوبة، فقد استجار حويطب بأبي ذر ﵃ وأجاره ﴿فَأَجِرْهُ﴾ ثم قام أبو ذر بدعوة حويطب للإسلام ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾.

стр. 75

كما أن إجارة أم هانئ ﵂ لرجل أراد أن يقتله علي بن أبي طالب ﵁ عندما قال لها رسول الله ﷺ : (قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ ((١) تنطبق عليها الآية السابقة من إجارة المشركين، كما كان لإجارتها أثر على من أجارت في أن يبقى بين المسلمين ومن ثم يدخل الإسلام؛ وقيل إنه الحارث بن هشام. وفي هذا نجد أن أبا ذر وأم هانئ ﵄ قد طبقا ما ورد في الآية السابقة وذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، قال القرطبي: "من الذين أمرتك بقتالهم" (٢)، فكان حويطب والحارث بن هشام من المشركين المقاتلين، وقوله تعالى: ﴿اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ فقد طلبوا الاستجارة بالصحابة فأجاروهم مما أدى إلى تأمين الرسول ﷺ من أجارا، وقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ فقد دعا أبو ذر حويطباً للإسلام فأجابه وسمع كلام الله من الرسول ﷺ . و) الشاهد السادس: قتال المشركين من أجل الدعوة: قال تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٤). وهذا ما قام به علي بن أبي
следующие страницы →