← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 6011

السنن الأبين والمورد الأمعن في المحاكمة بين الإمامين في السند المعنعن

ابن رشيد

Полный текст (149 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

تأليف الْفَقِيه الْجَلِيل الْمُحدث الإِمَام النَّاقِد الْخَطِيب البليغ الصَّدْر الأوحد المشاور الْكَامِل الْفَاضِل أبي عبد الله مُحَمَّد بن عمر بن مُحَمَّد ابْن رشيد الفِهري رَضِي الله ع الْحَمد لله مُسْتَحقّ الْحَمد عورض معي هَذَا الْفَرْع وَأَنا أمسك الأَصْل الَّذِي حررته مِنْهُ فصح إِن شَاءَ الله للثقة بإتقان ممسكه فليعد بحول الله إِلَى مَالِكه الْفَقِيه الْمُحدث النَّاقِد الْكَاتِب البليغ المتفنن الْأَكْمَل أبي عبد الله ابْن الْفَقِيه الأوحد الصَّدْر الْفَذ المشاور فَخر الْعلمَاء أبي عبد الله الخزرجي رقى الله فِي معارج السَّعَادَة مَنْزِلَته وَعمر باستفادة الْعُلُوم وإفادتها أزمنته مَأْذُونا لَهُ حَسْبَمَا سَأَلَ فِي رِوَايَته وَحمله على الشُّرُوط الْمَعْرُوفَة عِنْده فِي صِحَة تحمل الْعلم بالمكاتبة وَنَقله مَعَ إِلْغَاء الْمبلغ على الْمُخْتَار عِنْد ذَوي التَّحْقِيق وَأَهله وَالله ينفع بِالنِّيَّةِ فِي ذَلِك ويسلك بِنَا أوضح المسالك قَالَه وخطه حامدا الله تَعَالَى ومصليا على نبيه الْمُصْطَفى وَآله وَمُسلمًا مُصَنفه مُحَمَّد بن رشيد أرشده الله وَذَلِكَ فِي وسط شهر رَمَضَان الْمُعظم عَام اثْنَيْنِ وَسَبْعمائة

стр. 2

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم صلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وعَلى آله وَسلم تَسْلِيمًا قَالَ الإِمَام النَّاقِد المتفنن النَّافِذ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عمر بن مُحَمَّد ابْن عمر بن مُحَمَّد بن رشيد الفِهري أمده الله بمواد توفيقه وأيده تأييد من ائتم لتحقيقه وتلا ﴿رَبنَا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إِنَّك على كل شَيْء قدير﴾ التَّحْرِيم ٨ الْحَمد لله الَّذِي أنعم علينا بِالْفَضْلِ الْفَيَّاض الرهم العمم وهدانا للمنهج الْوَاضِح الْأُمَم واختصنا بأثارة من علم لم تكن لغيرنا من الْأُمَم وَرفع ذكرنَا بِأَن قرن باسم رَسُوله مُحَمَّد الْمُصْطَفى أسماءنا إِكْرَاما لنا وإكمالا للنعم كَمَا رفع ذكره بِأَن قرن سُبْحَانَهُ اسْمه الْأَعَز الأسمى باسمه الْأَشْرَف الْأَسْنَى فَلَا يذكر فِي عنوان الْإِيمَان وشعار الْإِسْلَام إِلَّا مَعَه إعلاما لمن سَمعه بِقَدرِهِ الْأَعْظَم وإشادة بِذكرِهِ الأفخم وَمحله الأرفع الأكرم وَالصَّلَاة وَالسَّلَام الأفضلان الأكملان على سيد ولد آدم مُحَمَّد الْمُخْتَار الْمُجْتَبى وعَلى آدم وَمن بَينهمَا من النَّبِيين وَالْمُرْسلِينَ وَآل كل مَا انتظمت دُرَر الأمجاد فِي أسلاك الْإِسْنَاد ووكفت فِي الأغوار والأنجاد دُرَر الديم وَمد سَائل المداد فِي الصُّحُف المنشرة بأيدي الكتبة البررة جائل الْقَلَم

стр. 3

أما بعد فَإِنَّهُ جرت لي مُفَاوَضَة مَعَ من أَثِق بجودة نظره وأتحقق صِحَة تصَوره وَهُوَ صاحبنا الْفَقِيه المتفنن الأبرع أَبُو الْقَاسِم الْقَاسِم بن عبد الله الْأنْصَارِيّ حفظه الله وأبقاه لإفاده الْعُلُوم وَإِظْهَار مَا بطن من الفهوم فِي المحاكمة بَين الْإِمَامَيْنِ أبي عبد الله مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ أَمِير أُمَرَاء صَنْعَة الحَدِيث الموقر حَظه المجزل قسطه من فهم دقائق الْمعَانِي الْفِقْهِيَّة والحديثية وغوامضهما ومبهماتهما فِي الْمَذْهَب الْمَشْهُور الْمَأْثُور عَنهُ وَعَن غَيره من أَئِمَّة الصَّنْعَة من شَرط ثُبُوت اللِّقَاء أَو

стр. 4

السماع فِي حمل الْإِسْنَاد المعنعن على الإتصال وَنفي الإنقطاع والإرسال وتلوه تِلْمِيذه أبي الْحُسَيْن مُسلم بن الْحجَّاج النَّيْسَابُورِي خَلِيفَته فِي هَذِه الصِّنَاعَة وَالْحَامِل فِيهَا بعده لِوَاء البراعة رحمهمَا الله وجزاهما عَن نصحهما لِلْإِسْلَامِ خير الْجَزَاء وَقسم لَهما من مذخور الْأجر أوفر الْإِجْزَاء وَمَا تولاه أَبُو الْحُسَيْن فِي مُقَدّمَة مُسْنده الصَّحِيح من رد هَذَا الْمَذْهَب وَالْمُبَالغَة فِي إِنْكَاره وتجهيل قارئه وَأَنه قَول مُحدث لم يقلهُ أحد من أهل الْعلم سلف ويستنكره من بعدهمْ خلف فَذهب صاحبنا حفظه الله إِلَى أَن الَّذِي لَا إِشْكَال فِي انتهاض الْأَدِلَّة على قبُوله من مُسْند الحَدِيث مَا علم اتِّصَاله تنصيصا ب سَمِعت أَو حَدثنَا أَو أخبرنَا أَو قَالَ لنا أَو مَا فِي مَعْنَاهُ مِمَّا هُوَ صَرِيح فِي الإتصال وَأَنه أَعلَى رتب النَّقْل ويلتحق بِحكمِهِ وَيجْرِي مجْرَاه مُعَنْعَن من علم من مذْهبه أَنه لَا يَقُول عَن إِلَّا فِيمَا سمع

стр. 5

ويتلوه فِي الرُّتْبَة الْإِسْنَاد المعنعن الَّذِي لم يعلم ذَلِك فِيهِ من قَائِله وَلَيْسَ مدلسا وَأَنه لَا تسع الْمُسَامحَة فِي أَن يشْتَرط فِيهِ أقل من صِحَة سَماع الرَّاوِي الثِّقَة من الْمَرْوِيّ عَنهُ الثِّقَة فِي الْجُمْلَة مَعَ السَّلامَة من وصمة التَّدْلِيس وَأَن مُقْتَضى النّظر كَانَ التَّوَقُّف فِي هَذَا المعنعن حَتَّى تعلم صِحَة سَمَاعه فِي كل حَدِيث حَدِيث لما علم من أَئِمَّة الصِّنَاعَة نقلا من أَنهم كَانُوا يكسلون أَحْيَانًا فيرسلون وينشطون تارات فيسندون لَكِن لما تعذر ذَلِك وشق تعرفه مشقة لَا خَفَاء بهَا اقتنع بِمَا ذَكرْنَاهُ من معرفَة السماع فِي الْجُمْلَة مَعَ السَّلامَة من وصمة التَّدْلِيس معتضدا ذَلِك بِقَرِينَة شَهَادَة بَعضهم على بعض بقَوْلهمْ فلَان عَن فلَان المفهمة قصد الِاتِّصَال وَأَن هَذَا الْمَذْهَب أظهر وأرجح من مَذْهَب من اقتنع بِصِحَّة المعاصرة فَقَط كَمَا اقتنع بِهِ مُسلم ﵀ فِي مُقَدّمَة كِتَابه وَاخْتَارَهُ واعتقد صِحَّته وَبَالغ فِي الْإِنْكَار على من خَالفه

стр. 6

فَوَافَقت صاحبنا حفظه الله على مَا ذهب إِلَيْهِ من أَنه أرجح المذهبين وأوضح المأخذين حَسْبَمَا ظهر بباديء النّظر وَبَقِي فِي الخاطر تردد مَا إرجاء لإنهاء النّظر إِلَى غَايَته وترجيا لانجياب غيايته ثمَّ إِنِّي لما فصلت عَنهُ بت لَيْلَتي تِلْكَ ممعنا النّظر فِي الْمَسْأَلَة لمَكَان الْمُخْتَلِفين وعلو قدرهما متتبعا كَلَام الإِمَام أبي الْحُسَيْن مُسلم بن الْحجَّاج جَامعا أَطْرَاف كَلَامه ملاحظا مواقع حججه نَائِبا فِي كل ذَلِك عَن الإِمَام أبي عبد الله مستحضرا لأدلته قَائِما بحجته نَاظرا فِيهَا مَعَ حجَّة خَصمه محاكما لَهُ فِي كل ذَلِك إِلَى حكم الْإِنْصَاف منكبا عَن إعتساف طرق التعسف إِلَى أَن زَاد عِنْدِي وضوحا مَا ذهب إِلَيْهِ صاحبنا أَبُو الْقَاسِم حفظه الله وانجابت تِلْكَ الغياية ولاحت بَدَائِع واستثيرت عجائب وفلجت حجَّة أبي عبد الله على أبي الْحُسَيْن وثلجت النَّفس بهَا ووضحت محجة قَوْله وانزاح مَا اسْتدلَّ بِهِ خَصمه من الشّبَه بِحَيْثُ لَو عرض ذَلِك على الإِمَام أبي الْحُسَيْن يرحمه الله ووقف على النَّقْض الْوَارِد عَلَيْهِ من كَلَامه وَالنَّقْص المعوذ لكماله لم يَسعهُ إِلَّا الْإِقْرَار بِهِ والإذعان لَهُ فعندما اتَّضَح القَوْل ونجح بِحَمْد الله الْفِعْل عرضت ذَلِك على صاحبنا أبي الْقَاسِم مستزيدا مَا لَعَلَّه يظْهر لَهُ فِي ذَلِك مستفيدا مَا تبرزه الأفكار عِنْد المجاراة فِي تِلْكَ المسالك وجلوت عروسه عَلَيْهِ وزففتها فضلا إِلَيْهِ فوفاها بِمَا طبع عَلَيْهِ من الْإِنْصَاف حظها من الِاسْتِحْسَان وأحلها من قبُوله مَا يَنْبَغِي لَهَا من الْمَكَان وباتت لَهُ حجَّة الفاخر بِمَا أسْند

стр. 7

الأول للْآخر فَشَكَرت الله تَعَالَى على مَا منح وأنعم بِهِ وَفتح وسألني حفظه الله أَن أقيد ذَلِك بِالْكتاب خيفة الدُّرُوس والدثور على مر العصور والدهور ورغبة فِي جزيل الْأجر وَجَمِيل الذّكر وَأَشَارَ إِلَيّ أَنَّهَا ذخيرة نفيسة يجب أَن تقتنى وَثَمَرَة طيبَة دانية القطاف يحِق أَن تجتبى فاستخرت الله تَعَالَى ولبيت سُؤَاله مستعينا بِاللَّه تَعَالَى مسترشدا قَاصِدا صوب الصَّوَاب عائجا عَن مَنْهَج التعصب ووسمته بِكِتَاب السّنَن الأبين والمورد الأمعن فِي المحاكمة بَين الْإِمَامَيْنِ فِي السَّنَد المعنعن وَالله تَعَالَى ينفع بِالنِّيَّةِ فِي مبدإ هَذَا الْعَمَل ومختتمه فَإِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ كَمَا قَرَأت على أبي الْمُجَاهِد غَازِي بن أبي الْفضل بن عبد الْوَهَّاب الحلاوي قَالَ أَنا الشَّيْخ المعمر أَبُو حَفْص عمر بن مُحَمَّد بن المعمر سَمَاعا عَلَيْهِ قَالَ أَنا أَبُو الْقَاسِم هبة الله بن مُحَمَّد بن عبد الْوَاحِد بن الْحصين الشَّيْبَانِيّ قِرَاءَة عَلَيْهِ وَأَنا أسمع قَالَ أَنا أَبُو طَالب مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن غيلَان قَالَ أَنا أَبُو بكر مُحَمَّد بن عبد الله بن إِبْرَاهِيم الشَّافِعِي نَا عبد الله بن روح الْمَدَائِنِي وَمُحَمّد بن ربح الْبَزَّاز قَالَا نَا يزِيد ابْن هَارُون نَا يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ عَن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم

стр. 8

التَّيْمِيّ قلت يَعْنِي سَمَاعا أَنه سمع عَلْقَمَة بن وَقاص يَقُول سَمِعت عمر بن الْخطاب على الْمِنْبَر يَقُول سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ وَإِنَّمَا لامرئ مَا نوى فَمن كَانَت هجرته إِلَى الله وَرَسُوله فَهجرَته إِلَى الله وَإِلَى رَسُوله وَمن كَانَت هجرته إِلَى دنيا يُصِيبهَا أَو إمرأة يَتَزَوَّجهَا فَهجرَته إِلَى مَا هَاجر إِلَيْهِ قَالَ الإِمَام أَبُو عبد الله الشَّافِعِي يدْخل فِي حَدِيث الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ ثلث الْعلم وَرُوِيَ عَنهُ أَيْضا يدْخل هَذَا الحَدِيث فِي سبعين بَابا من الْفِقْه

стр. 9

وَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن مهْدي يَنْبَغِي أَن يدْخل فِي كل بَاب وَرُوِيَ عَنهُ أَيْضا يَنْبَغِي أَن يَجْعَل رَأس كل بَاب وَقَالَ عبد الرَّحْمَن أَيْضا من أَرَادَ أَن يصنف كتابا فليبدأ بِحَدِيث الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ كَذَا فِي نقل البُخَارِيّ عَنهُ وَفِي سَماع بنْدَار مِنْهُ لَو صنفت الْأَبْوَاب لجعلت حَدِيث عمر بن الْخطاب عَن النَّبِي ﷺ الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ فِي أول كل بَاب فاقتدى الإِمَام أَبُو عبد الله البُخَارِيّ بِمَا نقل عَن عبد الرَّحْمَن فِي افتتاحه بِهِ جَامعه الصَّحِيح ثمَّ تلاه فِي ذَلِك أَبُو عَليّ سعيد بن عُثْمَان بن السكن الْبَزَّاز الْحَافِظ فِي كتاب الصَّحَابَة لَهُ وَبِهِمَا اقتديت وَمن الْعلمَاء من جعل هَذَا الحَدِيث خمس أصُول الْإِسْلَام قَالَه الإِمَام أَبُو دَاوُد السجْزِي وَرُوِيَ عَنهُ أَيْضا ربعهَا

стр. 10

وَمِنْهُم من قَالَ إِنَّه ثلثهَا قَالَه الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل وَذَلِكَ مَبْنِيّ على اخْتلَافهمْ فِي عدَّة الْأَحَادِيث الَّتِي هِيَ أُمَّهَات الْفِقْه وَعمد الدّين فَمنهمْ من عدهَا ثَلَاثَة وَمِنْهُم من عدهَا أَرْبَعَة وَمِنْهُم من عدهَا خَمْسَة وَهَذَا السَّنَد الَّذِي أوردنا بِهِ هَذَا الحَدِيث أَعلَى مَا يرْوى بِهِ مَسَافَة فِي الدُّنْيَا شرقا وغربا مَعَ مَا فِيهِ من علو الصّفة من اتِّصَال السماع وثقة الرِّجَال وَهُوَ صَحِيح مُتَّفق عَلَيْهِ من حَدِيث أبي سعيد يحيى بن سعيد بن قيس الْأنْصَارِيّ وَعَلِيهِ مَدَاره وَعنهُ تعدّدت رُوَاته عَن أبي عبد الله مُحَمَّد بِهِ إِبْرَاهِيم بن الْحَارِث التَّيْمِيّ تيم قُرَيْش وَلم يروه عَنهُ غَيره عَن أبي يحيى عَلْقَمَة بن وَقاص اللَّيْثِيّ وَلم يروه عَنهُ سواهُ عَن أَمِير الْمُؤمنِينَ أبي حَفْص عمر بن الْخطاب ﵁ وَلم يروه عَنهُ غَيره عَن سيد الْمُرْسلين وَخَاتم النَّبِيين وَلم يرو عَنهُ ﷺ من وَجه يَصح إِلَّا من رِوَايَته

стр. 11

اتّفق الإمامان على إِخْرَاجه من حَدِيث أبي مُحَمَّد سُفْيَان بن عُيَيْنَة الْهِلَالِي وَأَخْرَجَاهُ أَيْضا من حَدِيث غَيره عَن يحيى بن سعيد متفقين على بعض رُوَاته ومنفردا أَحدهمَا عَن الآخر بِبَعْض وَهُوَ على علوه اجْتمع فِيهِ ثَلَاثَة من التَّابِعين يروي بَعضهم عَن بعض وَلَوْلَا ذَلِك لطويت المراحل وتدانت الْمنَازل وهم يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ فَمن فَوْقه كلهم سمع الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم فالأنصاري سمع أنس بن مَالك والسائب بن يزِيد والتيمي سمع عبد الله بن عمر

стр. 12

وَجَابِر بن عبد الله وَأنس بن مَالك

стр. 13

والليثي سمع عمر بن الْخطاب وَمُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان

стр. 14

وَعَائِشَة ﵃ وَهَذَا حِين أشرع مستعينا بِاللَّه تَعَالَى فِي نقل المذهبين وتمهيد حجج الْفَرِيقَيْنِ وترجيح مَا ظَهرت حجَّته من أحد المأخذين وأحصر ذَلِك فِي مُقَدّمَة وبابين الْمُقدمَة فِي بَيَان مَا الْمُتَّصِل الَّذِي لاإ شكال فِي اتِّصَاله ليقام الْبناء عَلَيْهِ وَالْبَاب الأول فِي ذكر الْمذَاهب المنقولة عَن الْعلمَاء فِي الْإِسْنَاد المعنعن وَبَيَان حججها وَالْمُخْتَار من ذَلِك وَالْبَاب الثَّانِي فِي الْأَدِلَّة الَّتِي أَتَى بهَا مُسلم ﵀ فِي مُقَدّمَة كِتَابه وَمَا يتَعَلَّق بذلك من الْكَلَام مَعَه واالتنبيه على الْأَحَادِيث الَّتِي أبدينا النَّقْض عَلَيْهِ بهَا

стр. 15

الْمُقدمَة اعْلَم أَن الْبَين اتِّصَاله من الحَدِيث مَا قَالَ فِيهِ ناقلوه سَمِعت فلَانا أَو حَدثنَا أَو أنبانا أَو نبأنا أَو أخبرنَا أَو خبرنَا أَو قَرَأَ علينا أَو قَرَأنَا أَو سمعنَا عَلَيْهِ أَو قَالَ لنا أَو حكى لنا أَو ذكر لنا أَو شافهنا أَو عرض علينا أَو عرضنَا عَلَيْهِ أَو ناولنا أَو كتب لنا إِذا كتب لَهُ ذَلِك الشَّيْء بِعَيْنِه وَكَانَ يعرف خطّ الْكَاتِب إِلَيْهِ وَفِي اعْتِمَاده على إِخْبَار الْموصل الثِّقَة بِأَنَّهُ خطه وَكتابه وإلغاء الْوَاسِطَة نظر الْأَصَح إلغاؤها والأخلص اعْتِبَارهَا وتبيين الْحَالة كَمَا وَقعت أَو مَا أشبه ذَلِك من الْعبارَات المثبته للاتصال النافية للانفصال

стр. 16

فَهَذِهِ كلهَا لَا إِشْكَال فِي اتصالها لُغَة وَعرفا إِذا كَانَ الطَّرِيق كُله بِهَذِهِ الصّفة وَإِن خَالف بَعضهم فِي بَعْضهَا وَهَذَا الَّذِي قُلْنَاهُ قبل أَن يشيع اخْتِصَاص بعض هَذِه الْأَلْفَاظ بِالْإِجَازَةِ الْمعينَة أَو الْمُطلقَة على مَا هُوَ الْمَعْلُوم من تفاصيل مَذَاهِب الْمُحدثين فِي ذَلِك وَمن تَخْصِيص بعض هَذِه الْأَلْفَاظ بِبَعْض الصُّور تمييزا لأنواع التَّحَمُّل وتحرزا من الرَّاوِي تظهر بِهِ نزاهته على مَا هُوَ مُفَسّر فِي موَاضعه وَيَتْلُو ذَلِك مَا شاع فِي اسْتِعْمَال المسندين وذاع فِي عرف الْمُحدثين عِنْد طلب الِاخْتِصَار من إبراز عَن فِي معرض الِاتِّصَال وَهُوَ الَّذِي قصدناه

стр. 17

- الْبَاب الأول - اعْلَم أَن الْإِسْنَاد المعنعن وَهُوَ مَا يُقَال فِيهِ فلَان عَن فلَان مثل قَوْلنَا مَالك عَن ابْن شهَاب عَن أنس بن مَالك عَن رَسُول الله ﷺ الْمَنْقُول فِيهِ عَن الْمُتَقَدِّمين أَرْبَعَة مَذَاهِب وَحدث للمتأخرين فِيهِ مصطلح خَامِس فَالْمَذْهَب الأول مَذْهَب أهل التَّشْدِيد وَهُوَ أَن لَا يعد مُتَّصِلا من الحَدِيث إِلَّا مَا نَص فِيهِ على السماع أَو حصل الْعلم بِهِ من طَرِيق آخر وَأَن مَا قيل فِيهِ

стр. 18

فلَان عَن فلَان فَهُوَ من قبيل الْمُرْسل أَو الْمُنْقَطع حَتَّى يتَبَيَّن اتِّصَاله بِغَيْرِهِ حَكَاهُ الإِمَام أَبُو عَمْرو النصري الشهرزوري شهر بِابْن الصّلاح أحد الْأَئِمَّة الْمُتَأَخِّرين المعتمدين وَلم يسم قَائِله وَلَفظ مَا حَكَاهُ فلَان عَن فلَان عده بعض النَّاس من قبيل الْمُرْسل والمنقطع حَتَّى يتَبَيَّن اتِّصَاله بِغَيْرِهِ وَهَذَا الْمَذْهَب وَإِن قل الْقَائِل بِهِ بِحَيْثُ لَا يُسمى وَلَا يعلم فَهُوَ الأَصْل الَّذِي كَانَ يَقْتَضِيهِ الِاحْتِيَاط وحجته أَن عَن لَا تَقْتَضِي اتِّصَالًا لَا لُغَة وَلَا عرفا وَإِن توهم متوهم فِيهَا اتِّصَالًا لُغَة فَإِنَّمَا ذَلِك بِمحل الْمُجَاوزَة الْمَأْخُوذ عَنهُ

стр. 19

تَقول أَخذ هَذَا عَن فلَان فالأخذ حصل مُتَّصِلا بِالْمحل الْمَأْخُوذ عَنهُ وَلَيْسَ فِيهَا دَلِيل على اتِّصَال الرَّاوِي بالمروي عَنهُ وَمَا علم مِنْهُم أَنهم يأْتونَ بعن فِي مَوضِع الْإِرْسَال والانقطاع يخرم ادِّعَاء الْعرف وَإِذا أشكل الْأَمر وَجب أَن يحكم بِالْإِرْسَال لِأَنَّهُ أدون الْحَالَات فَكَأَنَّهُ أَخذ بِأَقَلّ مَا يَصح حمل اللَّفْظ عَلَيْهِ وَكَانَ يَنْبَغِي لصَاحب هَذَا الْمَذْهَب أَن لَا يَقُول بِالْإِرْسَال بل بالتوقف حَتَّى يتَبَيَّن لمَكَان الِاحْتِمَال لَعَلَّ ذَلِك مُرَاده وَهُوَ الَّذِي نَقله مُسلم عَن أهل هَذَا الْمَذْهَب أَنهم يقفون الْخَبَر وَلَا يكون عِنْدهم مَوضِع حجَّة لِإِمْكَان الْإِرْسَال فِيهِ وَإِن هَذَا الْقَصْد ليلوح من قَول هَذَا الْقَائِل حَتَّى يتَبَيَّن اتِّصَاله بِغَيْرِهِ وَلَكِن صدر الْكَلَام يأباه لقَوْله عده بعض النَّاس من قبيل الْمُرْسل والمنقطع

стр. 20

وَكَأن فِي ربط الْعَجز بالصدر تنافرا مَا إِلَّا أَن هَذَا الْمَذْهَب رفضه جُمْهُور الْمُحدثين بل جَمِيعهم وَهُوَ الَّذِي لَا إِشْكَال فِي أَن أحدا من أَئِمَّة السّلف مِمَّن يسْتَعْمل الْأَخْبَار كَمَا قَالَ مُسلم ﵀ ويتفقد صِحَة الْأَسَانِيد وسقمها مثل أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ وَابْن عون وَمَالك وَشعْبَة بن الْحجَّاج وَمن سمى مَعَهم لَا يَشْتَرِطه وَلَا يبْحَث عَنهُ وَلَو اشْترط

стр. 21

ذَلِك لضاق الْأَمر جدا وَلم يتَحَصَّل من السّنة إِلَّا النزر الْيَسِير فَكَأَن الله تَعَالَى أتاح الْإِجْمَاع عصمَة لذَلِك وتوسعة علينا وَالْحَمْد لله فَهَذَا الْمَذْهَب الْمَجْهُول قَائِله لَا يعرج عَلَيْهِ وَلَا يلْتَفت اللَّيْث إِلَيْهِ وَقد تولى الإِمَام أَبُو عَمْرو النصري رد هَذَا الْمَذْهَب الَّذِي حَكَاهُ وَقَالَ ان الصَّحِيح وَالَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَل أَنه من قبيل الْإِسْنَاد الْمُتَّصِل قَالَ وَإِلَى هَذَا ذهب الجماهير من أَئِمَّة الحَدِيث وَغَيرهم وأودعه

стр. 22

المشترطون للصحيح فِي تصانيفهم فِيهِ وقبلوه وَقد نقل أَيْضا هَذَا الْمَذْهَب مُبْهما لقائله أَبُو مُحَمَّد بن خَلاد فِي كتاب الْفَاصِل لَهُ أَنا أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عبد الْخَالِق بن طرخان السخوي سَمَاعا عَلَيْهِ بثغر الْإسْكَنْدَريَّة قَالَ أَنا القَاضِي أَبُو طَالب أَحْمد بن عبد الله بن الْحُسَيْن بن عبد الْمجِيد الْكِنْدِيّ شهر بِابْن حَدِيد سَمَاعا عَلَيْهِ قَالَ أَنا الإِمَام أَبُو طَاهِر السلَفِي سَمَاعا عَلَيْهِ قَالَ أَنا أَبُو الْحُسَيْن الْمُبَارك بن عبد الْجَبَّار الصَّيْرَفِي بِبَغْدَاد قِرَاءَة قيل لَهُ أخْبركُم أَبُو الْحسن عَليّ بن أَحْمد بن عَليّ الفالي بِقِرَاءَتِك عَلَيْك فَأقر بِهِ قَالَ أَنا القَاضِي أَبُو عبد الله أَحْمد بن إِسْحَاق بن خربَان النهاوندي قَالَ أَنا القَاضِي أَبُو مُحَمَّد الْحسن بن عبد الرَّحْمَن بن خَلاد الرامَهُرْمُزِي قَالَ قَالَ بعض الْمُتَأَخِّرين من الْفُقَهَاء كل من روى من أَخْبَار النَّبِي ﷺ خَبرا فَلم يقل فِيهِ سمعته وَلَا حَدثنَا وَلَا أَنبأَنَا وَلَا

стр. 23

أخبرنَا وَلَا لَفْظَة توجب صِحَة الرِّوَايَة إِمَّا بِسَمَاع أَو غَيره مِمَّا يقوم مقَامه فَغير وَاجِب أَن يحكم بِخَبَرِهِ وَإِذا قَالَ نَا أَو أَنا فلَان عَن فلَان وَلم يقل نَا فلَان أَن فلَانا حَدثهُ وَلَا مَا يقوم مقَام هَذَا من الْأَلْفَاظ احْتمل أَن يكون بَين فلَان الَّذِي حَدثهُ وَبَين فلَان الثَّانِي رجل آخر لم يسمه لِأَنَّهُ لَيْسَ بمنكر أَن يَقُول قَائِل حَدثنَا عَن النَّبِي ﷺ بِكَذَا وَكَذَا ووفلان حَدثنَا عَن مَالك وَالشَّافِعِيّ وَسَوَاء قيل ذَلِك مِمَّن علم أَن الْمُخَاطب لم يره أَو مِمَّن لم يعلم ذَلِك مِنْهُ لَان معنى قَوْله عَن إِنَّمَا هُوَ أَن رد الحَدِيث إِلَيْهِ وَهَذَا سَائِغ فِي اللُّغَة مُسْتَعْمل بَين النَّاس قَالَ وَهَذَا هُوَ الْعلَّة فِي المراسل قَالَ وَقد نظم هَذَا بعض الْمُتَأَخِّرين شعرًا فَقَالَ يتَأَدَّى الي عَنْك مليح من حَدِيث وبارع من بَيَان ... فَلهَذَا اشتهت حَدِيثك أذناي وَلَيْسَ الْإِخْبَار مثل العيان ... بَين قَول الْفَقِيه حَدثنَا سفي ان فرق وَبَين عَن سُفْيَان انْتهى كَلَام ابْن خَلاد وَقد رددنا هَذَا الْمَذْهَب بِمَا فِيهِ الْكِفَايَة واذ بَان أَنه قَول لبَعض الْفُقَهَاء

стр. 24

الْمُتَأَخِّرين فَهُوَ مَسْبُوق بِإِجْمَاع عُلَمَاء الشَّأْن وَالله الْمُوفق وَقد بَين ذَلِك أَبُو عمر بن عبد الْبر بِمَا حَكَاهُ من الْإِجْمَاع بعد أَن ذكر بِإِسْنَاد عَن وَكِيع قَالَ قَالَ شُعْبَة فلَان عَن فلَان لَيْسَ بِحَدِيث قَالَ وَكِيع وَقَالَ سُفْيَان هُوَ حَدِيث قَالَ أَبُو عمر ثمَّ إِن شُعْبَة انْصَرف عَن هَذَا إِلَى قَول سُفْيَان قلت وَمَا نَقله مُسلم ﵀ عَن الْعلمَاء الَّذين سمى وَمن جُمْلَتهمْ شُعْبَة من أَنهم لَا يتفقدون ذَلِك يدلك أَيْضا على رُجُوع شُعْبَة كَمَا ذكر أَبُو عمر فقد بَان أَنه لَا يعلم لمتقدم فِيهِ خلاف إِذا جمع رُوَاته الْعَدَالَة واللقاء والبراءة من التَّدْلِيس وَأَن شُعْبَة رَجَعَ عَن قَوْله

стр. 25

وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو عَمْرو الْمقري وَمَا كَانَ من الْأَحَادِيث المعنعنة الَّتِي يَقُول فِيهَا ناقلوها عَن عَن فَهِيَ أَيْضا مُسندَة متصله بِإِجْمَاع أهل النَّقْل إِذا عرف أَن النَّاقِل أدْرك الْمَنْقُول عَنهُ إدراكا بَينا وَلم يكن مِمَّن عرف بالتدليس وان لم يذكر سَمَاعا إِلَّا أَن قَوْله إدراكا بَينا فِيهِ إِجْمَال وسنستوفي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي ذكر الْمَذْهَب الثَّالِث بحول الله الْمَذْهَب الثَّانِي وَهُوَ أَيْضا من مَذَاهِب أهل التَّشْدِيد إِلَّا أَنه أخف من الأول وَهُوَ مَا حَكَاهُ الإِمَام أَبُو عَمْرو النصري ابْن الصّلاح قَالَ وَذكر أَبُو المظفر السَّمْعَانِيّ فِي المعنعنة أَنه يشْتَرط طول الصُّحْبَة بَينهم قلت وَهَذَا بِلَا ريب يتَضَمَّن السماع غَالِبا لجملة مَا عِنْد الْمُحدث أَو أَكْثَره وَلَا بُد مَعَ هَذَا أَن يكون سالما من وصمة التَّدْلِيس

стр. 26

وَحجَّة هَذَا الْمَذْهَب هِيَ الأولى بِعَينهَا وَلكنه خفف فِي اشْتِرَاك السماع تنصيصا فِي كل حَدِيث حَدِيث لتعذر ذَلِك ولوجود الْقَرَائِن المفهمة للإتصال من إِيرَاد الْإِسْنَاد وَإِرَادَة الرّفْع بَعضهم عَن بعض عِنْد قَوْلهم فلَان عَن فلَان مَعَ طول الصُّحْبَة الْمَذْهَب الثَّالِث وَهُوَ رَأْي كثير من الْمُحدثين مِنْهُم الإِمَام أَبُو عبد الله البُخَارِيّ وَشَيْخه أَبُو الْحسن عَليّ بن الْمَدِينِيّ وَغَيرهمَا نقل ذَلِك عَنْهُم القَاضِي أَبُو الْفضل عِيَاض وَغَيره وَهُوَ مَذْهَب متوسط فِي اشْتِرَاط ثُبُوت السماع أَو اللِّقَاء فِي الْجُمْلَة لَا فِي حَدِيث حَدِيث وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح من مَذَاهِب الْمُحدثين وَهُوَ الَّذِي يعضده النّظر فَلَا يحمل مِنْهُ على الإتصال إِلَّا مَا كَانَ بَين متعاصرين يعلم أَنَّهُمَا قد التقيا من دهرهما مرّة فَصَاعِدا وَمَا لم يعرف ذَلِك فَلَا تقوم الْحجَّة مِنْهُ إِلَّا بِمَا شهد لَهُ لفظ السماع أَو التحديث أَو مَا أشبههما من الْأَلْفَاظ الصَّرِيحَة إِذا أخبر بهَا الْعدْل عَن الْعدْل وَحجَّة هَذَا الْمَذْهَب أَيْضا مَا تقدم من إِجْمَاع جَمَاهِير النقلَة على

стр. 27

قبُول الْإِسْنَاد المعنعن وإيداعه فِي كتبهمْ الَّتِي اشترطوا فِيهَا إِيرَاد الصَّحِيح مَعَ مَا تقرر من مذاهبهم أَن الْمُرْسل لَا تقوم بِهِ حجَّة وَأَنَّهُمْ لَا يودعون فِيهَا إِلَّا مَا اعتقدوا أَنه مُسْند قَالَ أَبُو عَمْرو ابْن عبد الْبر الْحَافِظ الإِمَام وجدت أَئِمَّة الحَدِيث أَجمعُوا على قبُول المعنعن لَا خلاف بَينهم فِي ذَلِك إِذا جمع شُرُوطًا ثَلَاثَة عدالتهم ولقاء بَعضهم لبَعض مجالسة ومشاهدة وبراءتهم من التَّدْلِيس

стр. 28

قَالَ أَبُو عَمْرو ابْن الصّلاح الإِمَام النَّاقِد والإعتماد فِي الحكم بالإتصال على مَذْهَب الْجُمْهُور إِنَّمَا هُوَ على اللِّقَاء والإدراك قلت وَلَقَد كَانَ يَنْبَغِي من حَيْثُ الإحتياط أَن يشْتَرط تحقق السماع فِي الْجُمْلَة لَا مُطلق اللِّقَاء فكم من تَابع لَقِي صاحبا وَلم يسمع مِنْهُ وَكَذَلِكَ من بعدهمْ وَيَنْبَغِي أَن يحمل قَول البُخَارِيّ وَابْن الْمَدِينِيّ على أَنَّهُمَا يُريدَان باللقاء السماع وَهَذَا الْحَرْف لم نجد عَلَيْهِ تنصيصا يعْتَمد وَإِنَّمَا وجدت ظواهر مُحْتَملَة

стр. 29

أَن يحصل الإكتفاء عِنْدهم باللقاء الْمُحَقق وَإِن لم يذكر سَماع وَأَن لَا يحصل الإكتفاء إِلَّا بِالسَّمَاعِ وَأَنه الْأَلْيَق بتحريهما وَالْأَقْرَب إِلَى صوب الصَّوَاب فَيكون مرادهما باللقاء وَالسَّمَاع معنى وَاحِدًا

стр. 30

وَفِي قَول مُسلم حاكيا لِلْقَوْلِ الَّذِي تولى رده مَا يَقْتَضِي الإكتفاء بِمُجَرَّد اللِّقَاء حَيْثُ قَالَ فِي تضاعيف كَلَامه وَلم نجد فِي شَيْء من الرِّوَايَات أَنَّهُمَا التقيا قطّ أَو تشافها بِحَدِيث الْفَصْل فَظَاهر هَذَا الْكَلَام أَن أَحدهمَا بدل من الآخر وَأَن أَو للتقسيم لَا بِمَعْنى الْوَاو وَقد أَتَى بِهِ أَيْضا فِي أثْنَاء كَلَامه بِالْوَاو فَقَالَ وَإِن لم يَأْتِ فِي خبر قطّ أَنَّهُمَا اجْتمعَا وَلَا تشافها بِكَلَام وكرره أَيْضا بِالْوَاو فَقَالَ ثمَّ أدخلت فِيهِ الشَّرْط فَقلت حَتَّى

стр. 31

يعلم أَنَّهُمَا قد كَانَا قد التقيا مرّة فَصَاعِدا وَسمع مِنْهُ شَيْئا وَهَذَا أبين أَلْفَاظه وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو عبد الله بن البيع الْحَاكِم فِي كتاب معرفَة عُلُوم الحَدِيث لَهُ فِي النَّوْع الْحَادِي عشر مِنْهُ المعنعن بِغَيْر تَدْلِيس مُتَّصِل بِإِجْمَاع أهل النَّقْل على تورع رُوَاته عَن التَّدْلِيس وَقَالَ الْفَقِيه الْمُحدث أَبُو الْحسن الْقَابِسِيّ وَكَذَلِكَ مَا قَالُوا فِيهِ عَن عَن فَهُوَ أَيْضا من الْمُتَّصِل إِذا عرف أَن ناقله أدْرك الْمَنْقُول عَنهُ إدراكا بَينا وَلم يكن مِمَّن عرف بالتدليس قلت وقولهما مَعًا لَا يَخْلُو من إِجْمَال إِذْ لَا بُد أَن يكون مُرَاد الْحَاكِم ثُبُوت المعاصرة أَو السماع إِذْ لَا يقبل مُعَنْعَن من لم تصح لَهُ معاصرة فَلَا بُد من قيد وَكَأَنَّهُ اكْتفى عَنهُ بقوله على تورع رُوَاته عَن التَّدْلِيس وَقد سبق لَهُ فِي كِتَابه هَذَا فِي النَّوْع الرَّابِع مِنْهُ فِي معرفَة المسانيد من الْأَحَادِيث تَقْيِيد ذَلِك بِمَا نَصه والمسند من الحَدِيث أَن يرويهِ الْمُحدث

стр. 32

عَن شيخ يظْهر سَمَاعه مِنْهُ بسن مُحْتَملَة وَكَذَلِكَ سَماع شَيْخه من شَيْخه إِلَى أَن يصل الْإِسْنَاد إِلَى صَحَابِيّ مَشْهُور إِلَى رَسُول الله ﷺ إِلَّا أَن هَذَا الْموضع من كتاب الْحَاكِم فِيهِ اضْطِرَاب بَين رُوَاته فَروِيَ كَمَا ذَكرْنَاهُ بسن مُحْتَملَة وَعند ابْن سعدون بسن يحتملة وَالْمعْنَى وَاحِد أَي أَنه يَكْتَفِي فِي ظُهُور السماع بِكَوْن السن تحْتَمل اللِّقَاء وَمعنى هَذَا يكْتَفى بالمعاصرة وَإِلَى هَذَا الْمَعْنى ذهب مُسلم ﵀ حَيْثُ قَالَ وَذَلِكَ أَن القَوْل الشَّائِع الْمُتَّفق عَلَيْهِ بَين أهل الْعلم بالأخبار وَالرِّوَايَات قَدِيما وحديثا أَن كل رجل ثِقَة روى عَن مثله حَدِيثا وَجَائِز مُمكن لَهُ لقاؤه وَالسَّمَاع مِنْهُ لِكَوْنِهِمَا جَمِيعًا كَانَا فِي عصر وَاحِد وَإِن لم يَأْتِ فِي خبر قطّ أَنَّهُمَا اجْتمعَا وَلَا تشافها بِكَلَام فَالرِّوَايَة ثَابِتَة وَالْحجّة بهَا لَازِمَة إِلَّا أَن تكون هُنَاكَ دلَالَة بَيِّنَة أَن هَذَا الرَّاوِي لم يلق من روى عَنهُ أَو لم يسمع مِنْهُ شَيْئا فَأَما وَالْأَمر مُبْهَم على الْإِمْكَان الَّذِي فسرنا فَالرِّوَايَة على السماع أبدا حَتَّى تكون الدّلَالَة الَّتِي بَينا انْتهى

стр. 33

وَإِلَى هَذَا الْمَعْنى أَيْضا ذهب الْحَافِظ أَبُو عَمْرو المقريء الداني فِي جزيء لَهُ وَضعه فِي بَيَان الْمُتَّصِل والمرسل وَالْمَوْقُوف والمنقطع فَقَالَ الْمسند من الْآثَار الَّذِي لَا إِشْكَال فِي اتِّصَاله هُوَ مَا يرويهِ الْمُحدث عَن شيخ يظْهر سَمَاعه مِنْهُ بسن يحتملها وَكَذَلِكَ شَيْخه عَن شَيْخه إِلَى أَن يصل الْإِسْنَاد إِلَى الصَّحَابِيّ إِلَى رَسُول الله ﷺ فَهَذَا مُوَافق ظَاهره لهَذِهِ الرِّوَايَة وَقد يحْتَمل أَن يكون مُرَاده بقوله يظْهر سَمَاعه بسن تحتمله أَي أَنه يعلم السماع بقوله وَتَكون سنه تصدق ذَلِك وَالله أعلم ويروى أَيْضا كَلَام الْحَاكِم يظْهر سَمَاعه مِنْهُ لَيْسَ يحْتَملهُ وَهَكَذَا قرأته بِخَط خلف بن مُدبر فِي أَصله وَذكر فِي صدر كِتَابه أَنه روى الْكتاب عَن الْبَاجِيّ والعذري وَهَذِه الرِّوَايَة عِنْدِي أظهر وَعَلَيْهَا يدل كَلَامه بعد عِنْد التَّمْثِيل وَظَاهر الْكَلَام أَيْضا مشْعر بذلك من حَيْثُ قرينَة الْمُطَابقَة حَيْثُ قَالَ يظْهر سَمَاعه فَهَذَا إِثْبَات لظُهُور السماع ثمَّ أكد ذَلِك بقوله لَيْسَ يحْتَملهُ فنفى أَن يكْتَفى بِمُجَرَّد الِاحْتِمَال من

стр. 34

حَيْثُ المعاصرة بل لَا بُد أَن يكون السماع ظَاهرا مَعْلُوما والتمثيل يدل على صِحَة هَذَا فَإِنَّهُ قَالَ وَمِثَال ذَلِك مَا حَدثنَا أَبُو عَمْرو عُثْمَان بن أَحْمد بن السماك بِبَغْدَاد قَالَ نَا الْحسن بن مكرم قَالَ نَا عُثْمَان بن عمر قَالَ نَا يُونُس عَن الزُّهْرِيّ عَن عبد الله بن كَعْب بن مَالك عَن أَبِيه أَنه تقاضى ابْن أبي حَدْرَد دينا كَانَ عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِد فارتفعت أصواتهما حَتَّى سَمعه رَسُول الله ﷺ فَخرج حَتَّى كشف سجف حجرته فَقَالَ يَا كَعْب ضع من دينك هَذَا وَأَشَارَ إِلَيْهِ أَي الشّطْر قَالَ نعم فقضاه قَالَ الْحَاكِم أَبُو عبد الله وَبَيَان مِثَال مَا ذكرته أَن سَمَاعي من ابْن السماك ظَاهر وسماعه من الْحسن بن مكرم ظَاهر وَكَذَلِكَ سَماع الْحسن بن عُثْمَان بن عمر وَسَمَاع عُثْمَان من يُونُس بن يزِيد وَهُوَ عَال لعُثْمَان وَيُونُس مَعْرُوف بالزهري وَكَذَلِكَ الزُّهْرِيّ ببني كَعْب بن مَالك وَبَنُو كَعْب بأبيهم وَكَعب برَسُول الله ﷺ وصحبته انْتهى مَا أردناه من كَلَام الْحَاكِم وسندنا فِي كتاب معرفَة عُلُوم الحَدِيث لَهُ من طَرِيق ابْن سعدون

стр. 35

هُوَ مَا اُخْبُرْنَا بِهِ إجَازَة شَيخنَا الأديب الْكَاتِب أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد بن هَارُون الطَّائِي الْقُرْطُبِيّ قَالَ أَنا القَاضِي أَبُو الْقَاسِم أَحْمد بن يزِيد بن بَقِي إجَازَة قَالَ أَنا الراوية أَبُو الْقَاسِم خلف بن عبد الْملك بن بشكوال إجَازَة قَالَ قرأته على القَاضِي أبي عبد الله مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز ابْن أبي الْخَيْر وناولنيه أَبُو بَحر الْأَسدي قَالَا قرأناه على أبي عبد الله مُحَمَّد بن سعدون الْقَرَوِي قَالَ أَنا أَبُو بكر مُحَمَّد بن عَليّ المطوعي النَّيْسَابُورِي قَالَ أَنا مُؤَلفه وسندنا فِيهِ من طَرِيق أبي الْوَلِيد الْبَاجِيّ مَا أجَازه لنا أَبُو الْحسن عَليّ ابْن أَحْمد بن عبد الْوَاحِد الْمَقْدِسِي عَن أبي طَاهِر بَرَكَات بن إِبْرَاهِيم بن طَاهِر الدِّمَشْقِي إجَازَة عَن الإِمَام أبي بكر الطرطوشي كِتَابَة عَن أبي الْوَلِيد الْبَاجِيّ قَالَ نَا أَبُو بكر مُحَمَّد بن عَليّ المطوعي النَّيْسَابُورِي أَنا الْحَاكِم وَقد روينَاهُ أَعلَى من هَذَا دَرَجَة على علوه وَلَكِن الْمُعَارضَة إِنَّمَا حصلت لنا بِهَذَيْنِ الطَّرِيقَيْنِ فَلذَلِك اقتصرنا عَلَيْهِمَا وَأما لفظ الْقَابِسِيّ فَيمكن أَن يُرِيد بِهِ ثُبُوت المعاصرة الْبَيِّنَة وَهُوَ أظهر احتماليه فِيهِ وَيُمكن أَن يُرِيد طول الصُّحْبَة فَيكون مُوَافقا لما ذكره أَبُو المظفر السَّمْعَانِيّ وَحكى ابْن عبد الْبر عَن جُمْهُور أهل الْعلم أَنه لَا اعْتِبَار بالحروف والألفاظ وَإِنَّمَا هُوَ باللقاء والمجالسة والمشاهدة

стр. 36

قَالَ ابْن الصّلاح يَعْنِي مَعَ السَّلامَة من التَّدْلِيس هَذَا مَا حَضَرنَا من النَّقْل عَن أَئِمَّة هَذَا الشَّأْن وَأما من حَيْثُ النّظر فَكَانَ الأَصْل كَمَا قدمنَا أَن لَا يقبل إِلَّا مَا علم فِيهِ السماع حَدِيثا حَدِيثا عِنْد من لَا يَقُول بالمرسل لاحْتِمَال الِانْفِصَال إِلَّا أَن عُلَمَاء الحَدِيث رَأَوْا ان تتبع طلب لفظ صَرِيح فِي الِاتِّصَال يعز وجوده وَأَنه إِذا ثَبت اللِّقَاء ظن مَعَه السماع غَالِبا وَأَن الْأَئِمَّة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وتابعهم فَمن بعدهمْ استغنوا كثيرا بِلَفْظ عَن فِي مَوضِع سَمِعت وَحدثنَا وَغَيرهمَا من الْأَلْفَاظ الصَّرِيحَة فِي الِاتِّصَال اختصارا وَلما عرف من عرفهم الْغَالِب فِي ذَلِك وَأَنه لَا يَضَعهَا فِي مَحل الِانْقِطَاع عَمَّن علم سَمَاعه مِنْهُ لغير ذَلِك الحَدِيث بِقصد الْإِيهَام إِلَّا مُدَلّس يُوهم انه سمع مَا لم يسمع أَنَفَة من النُّزُول أَو لغير ذَلِك من الْأَغْرَاض الَّتِي لَا يَخْلُو أَكْثَرهَا من كَرَاهَة فا نتهض ذَلِك مرجحا لقبُول المعنعن عِنْد ثُبُوت اللِّقَاء لَا يُقَال إِن غير المدلس قد يَقُول عَن فِي مَحل الْإِرْسَال وَلَا يعد بذلك مدلسا لِأَنَّهُ قد علم من مذْهبه أَنه لَا يُدَلس لأَنا نقُول فِي الْجَواب إِن غير المدلس لَا يَفْعَله إِلَّا فِيمَا علم أَنه لم يسمعهُ لتحَقّق عدم المعاصرة كَمَا يَقُول التَّابِعِيّ أَو تَابعه أَو من بعدهمَا روينَا عَن رَسُول الله

стр. 37

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَذَا فَهَذَا مَعْلُوم أَنه بَلَاغ فَلَا يُوهم ذَلِك سَمَاعا فَعدل عَن الْعرف إِلَى عَام اللُّغَة مكتفيا بِقَرِينَة عدم اللِّقَاء وَالسَّمَاع كَمَا عدل هُنَاكَ إِلَى خَاص الِاصْطِلَاح مكتفيا بِقَرِينَة معرفَة السماع فَإِن قيل قد وجد الْإِرْسَال من الصَّحَابَة ﵃ وَمِمَّنْ بعدهمْ مِمَّن يعلم أَو يظنّ أَنه لَا يُدَلس عَمَّن لقِيه وَسمع مِنْهُ قُلْنَا أما حَال الصَّحَابَة ﵃ فِي ذَلِك الَّذين وَجَبت محاشاتهم عَن قصد التَّدْلِيس فتحتمل وُجُوهًا مِنْهَا أَن يَكُونُوا فعلوا ذَلِك اعْتِمَادًا على عَدَالَة جَمِيعهم فالمخوف فِي الْإِرْسَال قد أَمن يدل على ذَلِك مَا قَالَه أنس بن مَالك ﵁ ذكر أَبُو بكر بن أبي خَيْثَمَة فِي تَارِيخه قَالَ نَا مُوسَى ابْن اسماعيل وهدبة قَالَا نَا حَمَّاد بن سَلمَة عَن حميد أَن أنسا حَدثهمْ بِحَدِيث عَن رَسُول الله ﷺ فَقَالَ لَهُ رجل أَنْت سمعته من رَسُول الله ﷺ فَغَضب غَضبا شَدِيدا وَقَالَ وَالله مَا كل مَا نحدثكم سمعنَا من رَسُول الله ﷺ وَلَكِن كَانَ يحدث بَعْضنَا بَعْضًا وَلَا يتهم بَعْضنَا بَعْضًا

стр. 38

قلت وَلذَلِك قبل جُمْهُور الْمُحدثين بل جَمِيع الْمُتَقَدِّمين وَإِنَّمَا خَالف فِي ذَلِك بعض من تأصل من الْمُحدثين الْمُتَأَخِّرين مراسل الصَّحَابَة ﵃ وعَلى الْقبُول محققو الْفُقَهَاء والأصليين وَمِنْهَا أَن يَكُونُوا أَتَوا بِلَفْظ قَالَ أَو عَن وَلَفظ قَالَ أظهر إِذْ هُوَ مهيع الْكَلَام قبل أَن يغلب الْعرف فِي استعمالهما للإتصال وَمِنْهَا أَن يَكُونُوا فعلوا ذَلِك عِنْد حُصُول قرينَة مفهمة للإرسال مَعَ تحقق سَلامَة أغراضهم وإرتفاعهم عَن مَقَاصِد المدلسين وأغراضهم وَمِنْهَا أَن يَكُونُوا أَتَوا بِلَفْظ مفهم لذَلِك فَاخْتَصَرَهُ من بعدهمْ لثقة جَمِيعهم وَلَعَلَّ قَول كثير من التَّابِعين عَمَّن يروون عَنهُ من الصَّحَابَة ينمي الحَدِيث إِلَى رَسُول الله ﷺ أَو يبلغ بِهِ النَّبِي ﵇ أَو يرفعهُ أَو مَا أشبه هَذَا من الْأَلْفَاظ عبارَة عَن ذَلِك وَأما من سوى الصَّحَابَة فَإِنَّمَا فعل ذَلِك من فعله مِنْهُم بِقَرِينَة مفهمة للإرسال فِي ظَنّه وَإِلَّا عد مدلسا

стр. 39

وَأما المعاصر غير الملاقي إِذا أطلق عَن فالضاهر لظَاهِر أَنه لَا يعد مدلسا بل هُوَ أبعد عَن التَّدْلِيس لِأَنَّهُ لم يعرف لَهُ لِقَاء وَلَا سَماع بِخِلَاف من علم لَهُ لِقَاء أَو سَماع وَبِالْجُمْلَةِ فلولا مَا فهم قصد الْإِيهَام بالإفهام من جمَاعَة من الْأَعْلَام مَا جَازَ أَن ينسبوا إِلَى ذَلِك ولعدوا مرسلين كَمَا عد من تحقق مِنْهُ أَنه لَا يُدَلس إِذا أرسل ورحم الله إِمَام الْأَئِمَّة وعالم الْمَدِينَة أَبَا عبد الله مَالك ابْن أنس حَيْثُ اسْتعْمل لفظ الْبَلَاغ وجانب الْأَلْفَاظ الموهمة فَللَّه دره مَا أجمل مقاصده وأرضى مذاهبه هَذَا تَقْرِير دَلِيل هَذَا الْمَذْهَب وتحريره وَهُوَ أرجح الْمذَاهب وأوسطها فَلَا تغل فِي شَيْء من الْأَمر واقتصد ... كلا طرفِي قصد الْأُمُور ذميم وَقرر الْحَافِظ أَبُو عَمْرو النصري هَذَا الدَّلِيل بِمَا لَا يسلم مَعَه من الِاعْتِرَاض وورود النَّقْض فَإِنَّهُ قَالَ وَمن الْحجَّة فِي ذَلِك أَنه لَو لم يكن قد سَمعه مِنْهُ لَكَانَ بِإِطْلَاقِهِ الرِّوَايَة عَنهُ من غير ذكر الْوَاسِطَة بَينه وَبَينه مدلسا وَالظَّاهِر السَّلامَة من وصمة التَّدْلِيس وَالْكَلَام فِيمَن لم يعرف بالتدليس انْتهى وَهَذَا الَّذِي قَرَّرَهُ ينْتَقض بِأَقْوَام عنعنوا مرسلين وَلم يعدوا مدلسين

стр. 40

كَمَا ذكر مُسلم ﵀ من أَن الْأَئِمَّة الَّذين نقلوا الْأَخْبَار كَانَت لَهُم تارات يرسلون فِيهَا الحَدِيث إرْسَالًا وَلَا يذكرُونَ من سَمِعُوهُ مِنْهُ وَتارَة ينشطون فِيهَا فيسندون الْخَبَر على هَيْئَة مَا سمعُوا فيخبرون بالنزول فِيهِ إِن نزلُوا وبالصعود إِن صعدوا فَإِذا قرر هَذَا الدَّلِيل كَمَا قَرَّرْنَاهُ نَحن انزاح قَول من قَالَ إِنَّه لَا يقبل إِلَّا مَا نَص فِيهِ على السماع رجلا رجلا وحديثا حَدِيثا محتجا بِأَنَّهُم يأْتونَ ب عَن فِي مَوضِع الْإِرْسَال والانقطاع واضمحلت شبهته بِمَا بَيناهُ من أَن غير المدلس إِنَّمَا يَفْعَله حَيْثُ يعلم مِنْهُ أَو يفهم عَنهُ أَنه بَلَاغ لَا سَماع وَمَتى أبهم فأوهم قصدا مِنْهُ لذَلِك عد مدلسا وَلَا يخلص الإِمَام أَبَا عَمْرو النصري من النَّقْض الاحتراس بقوله وَالْكَلَام فِيمَن لم يعرف بالتدليس لأَنا نقُول وَكَذَلِكَ فَرضنَا نَحن الْكَلَام إِنَّمَا هُوَ فِيمَن لم يعرف بالتدليس أما من عرف بالتدليس فمعرفته بذلك كَافِيَة فِي التَّوَقُّف فِي حَدِيثه حَتَّى يتَبَيَّن الْأَمر وَإِنَّمَا اعترضنا قَوْله لِأَنَّهُ لَو لم يكن قد سَمعه مِنْهُ لَكَانَ بِإِطْلَاقِهِ الرِّوَايَة عَنهُ من غير ذكر الْوَاسِطَة بَينهمَا مدلسا فَإِن هَذَا لَا يلْزم لِإِمْكَان وسط بَينهمَا وَهُوَ كَونه مُرْسلا فَلَيْسَ بِمُجَرَّد العنعنة من غير ذكر الْوَاسِطَة يعد مدلسا بل بِقصد
следующие страницы →