Полный текст (149 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
قَالَ ابْن الصّلاح يَعْنِي مَعَ السَّلامَة من التَّدْلِيس
هَذَا مَا حَضَرنَا من النَّقْل عَن أَئِمَّة هَذَا الشَّأْن
وَأما من حَيْثُ النّظر فَكَانَ الأَصْل كَمَا قدمنَا أَن لَا يقبل إِلَّا مَا علم فِيهِ السماع حَدِيثا حَدِيثا عِنْد من لَا يَقُول بالمرسل لاحْتِمَال الِانْفِصَال إِلَّا أَن عُلَمَاء الحَدِيث رَأَوْا ان تتبع طلب لفظ صَرِيح فِي الِاتِّصَال يعز وجوده وَأَنه إِذا ثَبت اللِّقَاء ظن مَعَه السماع غَالِبا وَأَن الْأَئِمَّة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وتابعهم فَمن بعدهمْ استغنوا كثيرا بِلَفْظ عَن فِي مَوضِع سَمِعت وَحدثنَا وَغَيرهمَا من الْأَلْفَاظ الصَّرِيحَة فِي الِاتِّصَال اختصارا وَلما عرف من عرفهم الْغَالِب فِي ذَلِك وَأَنه لَا يَضَعهَا فِي مَحل الِانْقِطَاع عَمَّن علم سَمَاعه مِنْهُ لغير ذَلِك الحَدِيث بِقصد الْإِيهَام إِلَّا مُدَلّس يُوهم انه سمع مَا لم يسمع أَنَفَة من النُّزُول أَو لغير ذَلِك من الْأَغْرَاض الَّتِي لَا يَخْلُو أَكْثَرهَا من كَرَاهَة فا نتهض ذَلِك مرجحا لقبُول المعنعن عِنْد ثُبُوت اللِّقَاء
لَا يُقَال إِن غير المدلس قد يَقُول عَن فِي مَحل الْإِرْسَال وَلَا يعد بذلك مدلسا لِأَنَّهُ قد علم من مذْهبه أَنه لَا يُدَلس لأَنا نقُول فِي الْجَواب إِن غير المدلس لَا يَفْعَله إِلَّا فِيمَا علم أَنه لم يسمعهُ لتحَقّق عدم المعاصرة كَمَا يَقُول التَّابِعِيّ أَو تَابعه أَو من بعدهمَا روينَا عَن رَسُول الله
стр. 37
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَذَا فَهَذَا مَعْلُوم أَنه بَلَاغ فَلَا يُوهم ذَلِك سَمَاعا فَعدل عَن الْعرف إِلَى عَام اللُّغَة مكتفيا بِقَرِينَة عدم اللِّقَاء وَالسَّمَاع كَمَا عدل هُنَاكَ إِلَى خَاص الِاصْطِلَاح مكتفيا بِقَرِينَة معرفَة السماع
فَإِن قيل قد وجد الْإِرْسَال من الصَّحَابَة ﵃ وَمِمَّنْ بعدهمْ مِمَّن يعلم أَو يظنّ أَنه لَا يُدَلس عَمَّن لقِيه وَسمع مِنْهُ قُلْنَا أما حَال الصَّحَابَة ﵃ فِي ذَلِك الَّذين وَجَبت محاشاتهم عَن قصد التَّدْلِيس فتحتمل وُجُوهًا
مِنْهَا أَن يَكُونُوا فعلوا ذَلِك اعْتِمَادًا على عَدَالَة جَمِيعهم فالمخوف فِي الْإِرْسَال قد أَمن يدل على ذَلِك
مَا قَالَه أنس بن مَالك ﵁ ذكر أَبُو بكر بن أبي خَيْثَمَة فِي تَارِيخه قَالَ نَا مُوسَى ابْن اسماعيل وهدبة قَالَا نَا حَمَّاد بن سَلمَة عَن حميد أَن أنسا حَدثهمْ بِحَدِيث عَن رَسُول الله ﷺ فَقَالَ لَهُ رجل أَنْت سمعته من رَسُول الله ﷺ فَغَضب غَضبا شَدِيدا وَقَالَ وَالله مَا كل مَا نحدثكم سمعنَا من رَسُول الله ﷺ وَلَكِن كَانَ يحدث بَعْضنَا بَعْضًا وَلَا يتهم بَعْضنَا بَعْضًا
стр. 38
قلت وَلذَلِك قبل جُمْهُور الْمُحدثين بل جَمِيع الْمُتَقَدِّمين وَإِنَّمَا خَالف فِي ذَلِك بعض من تأصل من الْمُحدثين الْمُتَأَخِّرين مراسل الصَّحَابَة ﵃ وعَلى الْقبُول محققو الْفُقَهَاء والأصليين
وَمِنْهَا أَن يَكُونُوا أَتَوا بِلَفْظ قَالَ أَو عَن وَلَفظ قَالَ أظهر إِذْ هُوَ مهيع الْكَلَام قبل أَن يغلب الْعرف فِي استعمالهما للإتصال
وَمِنْهَا أَن يَكُونُوا فعلوا ذَلِك عِنْد حُصُول قرينَة مفهمة للإرسال مَعَ تحقق سَلامَة أغراضهم وإرتفاعهم عَن مَقَاصِد المدلسين وأغراضهم
وَمِنْهَا أَن يَكُونُوا أَتَوا بِلَفْظ مفهم لذَلِك فَاخْتَصَرَهُ من بعدهمْ لثقة جَمِيعهم وَلَعَلَّ قَول كثير من التَّابِعين عَمَّن يروون عَنهُ من الصَّحَابَة ينمي الحَدِيث إِلَى رَسُول الله ﷺ أَو يبلغ بِهِ النَّبِي ﵇ أَو يرفعهُ أَو مَا أشبه هَذَا من الْأَلْفَاظ عبارَة عَن ذَلِك
وَأما من سوى الصَّحَابَة فَإِنَّمَا فعل ذَلِك من فعله مِنْهُم بِقَرِينَة مفهمة للإرسال فِي ظَنّه وَإِلَّا عد مدلسا
стр. 39
وَأما المعاصر غير الملاقي إِذا أطلق عَن فالضاهر لظَاهِر أَنه لَا يعد مدلسا بل هُوَ أبعد عَن التَّدْلِيس لِأَنَّهُ لم يعرف لَهُ لِقَاء وَلَا سَماع بِخِلَاف من علم لَهُ لِقَاء أَو سَماع
وَبِالْجُمْلَةِ فلولا مَا فهم قصد الْإِيهَام بالإفهام من جمَاعَة من الْأَعْلَام مَا جَازَ أَن ينسبوا إِلَى ذَلِك ولعدوا مرسلين كَمَا عد من تحقق مِنْهُ أَنه لَا يُدَلس إِذا أرسل ورحم الله إِمَام الْأَئِمَّة وعالم الْمَدِينَة أَبَا عبد الله مَالك ابْن أنس حَيْثُ اسْتعْمل لفظ الْبَلَاغ وجانب الْأَلْفَاظ الموهمة فَللَّه دره مَا أجمل مقاصده وأرضى مذاهبه
هَذَا تَقْرِير دَلِيل هَذَا الْمَذْهَب وتحريره وَهُوَ أرجح الْمذَاهب وأوسطها
فَلَا تغل فِي شَيْء من الْأَمر واقتصد ... كلا طرفِي قصد الْأُمُور ذميم
وَقرر الْحَافِظ أَبُو عَمْرو النصري هَذَا الدَّلِيل بِمَا لَا يسلم مَعَه من الِاعْتِرَاض وورود النَّقْض فَإِنَّهُ قَالَ وَمن الْحجَّة
فِي ذَلِك أَنه لَو لم يكن قد سَمعه مِنْهُ لَكَانَ بِإِطْلَاقِهِ الرِّوَايَة عَنهُ من غير ذكر الْوَاسِطَة بَينه وَبَينه مدلسا وَالظَّاهِر السَّلامَة من وصمة التَّدْلِيس وَالْكَلَام فِيمَن لم يعرف بالتدليس انْتهى
وَهَذَا الَّذِي قَرَّرَهُ ينْتَقض بِأَقْوَام عنعنوا مرسلين وَلم يعدوا مدلسين
стр. 40
كَمَا ذكر مُسلم ﵀ من أَن الْأَئِمَّة الَّذين نقلوا الْأَخْبَار كَانَت لَهُم تارات يرسلون فِيهَا الحَدِيث إرْسَالًا وَلَا يذكرُونَ من سَمِعُوهُ مِنْهُ وَتارَة ينشطون فِيهَا فيسندون الْخَبَر على هَيْئَة مَا سمعُوا فيخبرون بالنزول فِيهِ إِن نزلُوا وبالصعود إِن صعدوا
فَإِذا قرر هَذَا الدَّلِيل كَمَا قَرَّرْنَاهُ نَحن انزاح قَول من قَالَ إِنَّه لَا يقبل إِلَّا مَا نَص فِيهِ على السماع رجلا رجلا وحديثا حَدِيثا محتجا بِأَنَّهُم يأْتونَ ب عَن فِي مَوضِع الْإِرْسَال والانقطاع واضمحلت شبهته بِمَا بَيناهُ من أَن غير المدلس إِنَّمَا يَفْعَله حَيْثُ يعلم مِنْهُ أَو يفهم عَنهُ أَنه بَلَاغ لَا سَماع وَمَتى أبهم فأوهم قصدا مِنْهُ لذَلِك عد مدلسا
وَلَا يخلص الإِمَام أَبَا عَمْرو النصري من النَّقْض الاحتراس بقوله وَالْكَلَام فِيمَن لم يعرف بالتدليس لأَنا نقُول وَكَذَلِكَ فَرضنَا نَحن الْكَلَام إِنَّمَا هُوَ فِيمَن لم يعرف بالتدليس أما من عرف بالتدليس فمعرفته بذلك كَافِيَة فِي التَّوَقُّف فِي حَدِيثه حَتَّى يتَبَيَّن الْأَمر وَإِنَّمَا اعترضنا قَوْله لِأَنَّهُ لَو لم يكن قد سَمعه مِنْهُ لَكَانَ بِإِطْلَاقِهِ الرِّوَايَة عَنهُ من غير ذكر الْوَاسِطَة بَينهمَا مدلسا فَإِن هَذَا لَا يلْزم لِإِمْكَان وسط بَينهمَا وَهُوَ كَونه مُرْسلا فَلَيْسَ بِمُجَرَّد العنعنة من غير ذكر الْوَاسِطَة يعد مدلسا بل بِقصد
стр. 41
إِيهَام السماع فِيمَا لم يسمع وَكَأن الإِمَام أَبَا عَمْرو استشعر النَّقْض فرام الاحتراس مِنْهُ بقوله وَالْكَلَام فِيمَن لم يعرف بالتدليس وَمَعَ ذَلِك فَيصح أَن يُقَال لَا يلْزم من قَوْله لم يعرف بالتدليس أَن يعرف بالسلامة مِنْهُ بل الْأَمر مُحْتَمل لَكِن حمل على السَّلامَة لِأَنَّهَا الْغَالِب وَهُوَ الَّذِي أَرَادَ الإِمَام أَبُو عَمْرو بقوله وَالظَّاهِر السَّلامَة من وصمة التَّدْلِيس
هَذَا هُوَ الفيصل فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَهَذِه نُكْتَة نفيسة تكشف لَك حجاب الْإِشْكَال وتوضح الْفرق بَين من عنعن فعد مُرْسلا وَمن عنعن فعد مدلسا وَقد أَتَى مُسلم ﵀ بأمثلة من ذَلِك نتكلم عَلَيْهَا بعد إِن شَاءَ الله فِي الدَّلِيل الثَّانِي من الْبَاب الثَّانِي بِمَا يفتح الله تَعَالَى بِهِ فَهُوَ الفتاح الْعَلِيم
الْمَذْهَب الرَّابِع
أَنه لَا يشْتَرط فِي الحكم بالاتصال فِي الْإِسْنَاد المعنعن إِلَّا المعاصرة فَقَط والسلامة من التَّدْلِيس علم السماع أَو لم يعلم إِلَّا أَن يَأْتِي مَا
стр. 42
يُعَارض ذَلِك مثل أَن يعلم أَنه لم يسمع أَو لم يلق الْمَنْقُول عَنهُ وَلَا شَاهده أَو تكون سنه لَا تَقْتَضِي ذَلِك
وَهَذَا الْمَذْهَب الرَّابِع هُوَ الَّذِي ارْتَضَاهُ أَبُو الْحُسَيْن مُسلم بن الْحجَّاج ﵀ فِي مُقَدّمَة كِتَابه الْمسند الصَّحِيح
وَقد تقدم لَفظه فِي ذَلِك حَيْثُ دَعَا إِلَيْهِ سِيَاق الْكَلَام فِي تضاعيف الْمَذْهَب الثَّالِث فأغنى عَن إِعَادَته وَهُوَ الْمَذْهَب الَّذِي اسْتدلَّ عَلَيْهِ وَادّعى فِيهِ الْإِجْمَاع وَعرف الْمُحدثين وَأنكر قَول من خَالفه إنكارا شَدِيدا بِأَلْفَاظ مخشوشنة وَمَعَان مستوبلة وَجعل الْقَائِل بِهِ خارقا للْإِجْمَاع ظنا مِنْهُ ﵀ أَنه خلاف فِي مَوضِع الْإِجْمَاع
وَمَوْضِع الْإِجْمَاع لَا يسلم لَهُ إِنَّه يتَنَاوَل مَحل النزاع حَسْبَمَا
стр. 43
يتَبَيَّن بعد إِن شَاءَ الله فِي الْبَاب الثَّانِي
قَالَ الإِمَام أَبُو عَمْرو النصري وَأنكر مُسلم بن الْحجَّاج فِي خطْبَة صَحِيحَة على بعض أهل عصره حَيْثُ اشْترط فِي العنعنة ثُبُوت اللِّقَاء والاجتماع وَادّعى انه قَول مخترع لم يسْبق قَائِله إِلَيْهِ وَأَن القَوْل
стр. 44
الشَّائِع الْمُتَّفق عَلَيْهِ بَين أهل الْعلم بالأخبار قَدِيما وحديثا أَنه يَكْفِي فِي ذَلِك أَن يثبت كَونهمَا فِي عصر وَاحِد وَإِن لم يَأْتِ فِي خبر قطّ أَنَّهُمَا اجْتمعَا أَو تشافها قَالَ وَفِيمَا قَالَه مُسلم نظر ثمَّ قَالَ وَقد قيل إِن القَوْل الَّذِي رده مُسلم هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ أَئِمَّة هَذَا الْعلم عَليّ بن الْمَدِينِيّ وَالْبُخَارِيّ وَغَيرهمَا انْتهى
قلت قد بَينا قبل أَنه مَذْهَب البُخَارِيّ وَعلي بن الْمَدِينِيّ حَسْبَمَا حَكَاهُ القَاضِي عِيَاض ﵀ عَنْهُمَا وَقد تبع مُسلما على مذْهبه فرقة من الْمُحدثين وَفرْقَة من الأصليين مِنْهُم القَاضِي الإِمَام أَبُو بكر ابْن الطّيب الباقلاني الْمَالِكِي فِيمَا حَكَاهُ القَاضِي أَبُو الْفضل عَنهُ وَأَبُو بكر الشَّافِعِي الصَّيْرَفِي فِيمَا حكى ابْن الصّلاح عَنهُ أَنه قَالَ كل من علم لَهُ سَماع من إِنْسَان فَحدث مِنْهُ فَهُوَ على السماع حَتَّى يعلم أَنه لم يسمع مِنْهُ مَا حَكَاهُ وكل من علم لَهُ لِقَاء إِنْسَان فَحدث عَنهُ فَحكمه هَذَا الحكم قَالَ وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا فِيمَن لم يظْهر تدليسه
قلت ولاشك أَنه مَذْهَب متساهل فِيهِ نعم لَو علمنَا من كل وَاحِد وَاحِد من رُوَاة ذَلِك الحَدِيث أَنه لَا يُطلق عَن إِلَّا فِي مَوضِع
стр. 45
الِاتِّصَال وَلَا يُجِيز غير ذَلِك أَو صَحَّ فِيهِ إِجْمَاع من الروَاة كلهم وَعرف لَا ينخرم ضَبطه وَلَكِن ذَلِك لم يثبت نعم قد يسلم الْمنصف أَنه كثير وَلَا يلْزم من كثرته الحكم بِهِ مُطلقًا لوُجُود الإحتمال
الْمَذْهَب الْخَامِس
اصْطِلَاح حدث عِنْد الْمُتَأَخِّرين قَالَ الإِمَام أَبُو عَمْرو النصري وَكثر فِي عصرنا وَمَا قاربه بَين المنتسبين إِلَى الحَدِيث اسْتِعْمَال عَن فِي الْإِجَازَة فَإِذا قَالَ أحدهم قَرَأت على فلَان عَن فلَان أَو نَحْو ذَلِك فَظن بِهِ أَنه رَوَاهُ عَنهُ بِالْإِجَازَةِ قَالَ وَلَا يُخرجهُ ذَلِك من قبيل الِاتِّصَال على مَا لَا يخفى
قلت وَهَذَا اصْطِلَاح تواضع عَلَيْهِ قوم فَلَا نحتاج لَهُ إِلَى تكلّف احتجاج وَكَأن هَؤُلَاءِ استشعروا أَن الْإِجَازَة آخذة بشوب من الِانْقِطَاع إِذْ لابد فِي الْإِجَازَة الْمُجَرَّدَة عَن المناولة لذَلِك الشَّيْء بِعَيْنِه أَو كتبته بِعَيْنِه من الِاعْتِمَاد على الوجادة أَو بُلُوغ ذَلِك إِلَيْهِ بِنَقْل الْآحَاد الْعُدُول أَو الاستفاضة أَو التَّوَاتُر فكأنهم رَأَوْا أَن إِلْغَاء الْمبلغ يدْخلهُ شوبا من الْإِرْسَال فَلذَلِك استعملوا فِيهَا عَن الَّتِي قد تسْتَعْمل فِي الْإِرْسَال على أَن الإِمَام أَبَا عَمْرو ابْن الصّلاح أَبى أَن يكون فِي الْإِجَازَة انْقِطَاع وَقَالَ لَيْسَ فِي
стр. 46
الْإِجَازَة مَا يقْدَح فِي اتِّصَال الْمَنْقُول بهَا وَفِي الثِّقَة بِهِ
وَمَا اخْتَارَهُ هُوَ الَّذِي لَا يتَّجه غَيره عِنْد مجيزي الْإِجَازَة الْمُطلقَة وجاعليها إِخْبَارًا فِي الْجُمْلَة وَهُوَ الَّذِي اعْتَمدهُ الْحَافِظ أَبُو نعيم الْأَصْبَهَانِيّ فَإِنَّهُ يَقُول فِيمَا يروي بِالْإِجَازَةِ أخبرنَا مُطلقًا من غير ذكر إجَازَة لِأَنَّهُ يَرَاهَا إِخْبَارًا فِي الْجُمْلَة زمن الْإِجَازَة ثمَّ يحصل الْعلم لَهُ بالتفصيل فِي ثَانِي حَال
وَمَا ذهب إِلَيْهِ الْحَافِظ أَبُو الْحسن عَليّ بن الْمفضل الْمَقْدِسِي حَاكم الْإسْكَنْدَريَّة من خلاف ذَلِك لَيْسَ بِصَحِيح حَيْثُ قَالَ أثْنَاء كَلَام لَهُ فِي جُزْء سَمَّاهُ تَحْقِيق الْجَواب عَمَّن أُجِيز لَهُ مَا فَاتَهُ من الْكتاب لما تكلم على الطّرق المحصلة الْعلم عِنْد الْمجَاز بِأَن هَذَا من حَدِيث الْمُجِيز لَهُ قَالَ فِيهِ إِلَّا أَنه إِذا لم يسم من أخبرهُ عَمَّن أجَاز لَهُ فَهُوَ مُرْسل لَا محَالة
قلت وَهَذَا سد لباب الْإِجَازَة الْمُطلقَة وَلم يعْتَبر أحد مِمَّن يعْتَبر عِنْد علمه بتفصيل الْمجَاز لَهُ إِعْمَال هَذِه الْوَاسِطَة بل اعتمدوا إلغاؤها وعَلى ذَلِك اسْتمرّ عَمَلهم قَدِيما وحديثا وَإِن ذكرهَا ذَاكر من أهل التشدد قَائِلا أَنا فلَان إجَازَة وأفادنا أَن ذَلِك من حَدِيثه فلَان فطلبا للأكمل وتحريا لبَيَان الْحَالة كَيفَ وَقعت وخروجا عَن الْعهْدَة لَا سِيمَا
стр. 47
حَيْثُ يكون الْمجَاز مِمَّن لَا يعرف الْأَسَانِيد والطرق فَيرى الْبَرَاءَة من الْعهْدَة وإلزاقها بالمخبر لَهُ وَمَا بَيناهُ لَك من أَنه لَا بُد فِيهَا من الِاعْتِمَاد على الوجادة أَو الْبَلَاغ
والوجادة وَإِن أخذت بِطرف من الِاتِّصَال إِذا انْفَرَدت فَلَا يخفى مَا فِيهَا من الِانْقِطَاع لَكِنَّهَا إِذا ازدوجت مَعَ الْإِجَارَة قوى فِيهَا جَانب الإتصال بل صَارَت مُتَّصِلَة وَصَارَ ذَلِك الإنقطاع ملغى عِنْد وجادة الْمجَاز والاطلاع عَلَيْهِ تَفْصِيلًا مَعَ تقدم الْإِجَازَة المفهمة الْإِخْبَار إِجْمَالا فتحقق حكم الِاتِّصَال فِي ثَانِي حَال كَحكم الْكتاب إِذا وصل إِلَى الْمَكْتُوب إِلَيْهِ فَعرف خطّ كَاتبه أَو خَتمه بِأَيّ وَجه عرف ذَلِك ألغى الْوَاسِطَة المبلغة وَثَبت الِاتِّصَال على مَا هُوَ المتقرر الْمَشْهُور من عمل الْأَئِمَّة الماضين من الصَّحَابَة فِي زمن النَّبِي ﷺ وَبعده وَالتَّابِعِينَ بعدهمْ كَمَا روينَاهُ سَمَاعا بِإِسْنَادِهِ الْمُتَقَدّم إِلَى أبي مُحَمَّد الرامَهُرْمُزِي قَالَ حَدثنِي الْعَبَّاس بن الْحسن قَالَ نَا أَحْمد بن عبد الله بن بكر النَّيْسَابُورِي قَالَ نَا يحيى بن عُثْمَان قَالَ نَا بَقِيَّة قَالَ سَمِعت شُعْبَة يَقُول كتب إِلَيّ مَنْصُور بِأَحَادِيث فَقلت أَقُول حَدثنِي قَالَ نعم إِذا كتبت إِلَيْك فقد حدثتك قَالَ شُعْبَة فَسَأَلت أَيُّوب عَن ذَلِك فَقَالَ صدق إِذا كتب إِلَيْك إِذا حَدثَك
стр. 48
فَهَؤُلَاءِ أَئِمَّة ثَلَاثَة رَأَوْا ذَلِك
قَالَ القَاضِي عِيَاض أَبُو الْفضل وَأَجْمعُوا على الْعَمَل بِمُقْتَضى هَذَا الحَدِيث وعدوه فِي الْمسند بِغَيْر خلاف يعرف فِي ذَلِك وَهُوَ مَوْجُود فِي الْأَسَانِيد كثير
قلت وَوَجهه وضاح الأسرة وَقد سفر عَنهُ الإِمَام أَبُو مُحَمَّد الرامَهُرْمُزِي فِيمَا روينَاهُ عَنهُ بإسنادنا إِلَيْهِ فَقَالَ لِأَن الْغَرَض من القَوْل بِاللِّسَانِ فِيمَا تقع الْعبارَة فِيهِ بِاللَّفْظِ إِنَّمَا هُوَ تَعْبِير اللِّسَان عَن ضمير الْقلب فَإِذا وَقعت الْعبارَة عَن الضَّمِير بِأَيّ سَبَب كَانَ من أَسبَاب الْعبارَة إِمَّا بِكِتَاب وَإِمَّا بِإِشَارَة وَإِمَّا بِغَيْر ذَلِك مِمَّا يقوم مقَامه كَانَ ذَلِك سَوَاء انْتهى
стр. 49
قلت وَإِنَّمَا اعْتمد النَّاس مُنْذُ مُدَّة مُتَقَدّمَة على الْإِجَازَة الْمُطلقَة وَالْكِتَابَة الْمُطلقَة توسعة لباب النَّقْل وترحيبا لمجال الْإِسْنَاد لعزة وجود السماع على وَجهه فِي هَذِه الْأَعْصَار بل قبلهَا بِكَثِير وَتعذر الرحل فِي الْأَكْثَر من الْأَحْوَال واعتمادا على أَن الْأَحَادِيث لما صَارَت فِي دفاتر محصورة وأمات مصنفات مَشْهُورَة ومرويات الشُّيُوخ فِي فهارس مفهرسة قَامَ ذَلِك عِنْدهم مقَام التَّعْيِين الَّذِي كَانَ من مضى من السّلف يَفْعَله فَاكْتفى المجيزون بالإخبار الْجملِي واعتمدوا فِي الْبَحْث عَن التَّفْصِيل على الْمجَاز إِذا تأهل لذَلِك فَكَانَت رخصَة أَخذ بهَا جَمَاهِير أهل الْعلم إبْقَاء لسلسلة الْإِسْنَاد الَّتِي خصت بهَا هَذِه الْأمة وَللَّه الْحَمد والْمنَّة وَإِن كَانَت هَذِه لَيست الْإِجَازَة المتعارفة عِنْد التَّابِعين وتابعيهم كالحسن بن أبي الْحسن الْبَصْرِيّ وَنَافِع مولى عبد الله بن عمر وَأبي بكر بن عبد الرَّحْمَن أحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة وَمُجاهد بن جبر وعلقمة بن قيس وَأَيوب السّخْتِيَانِيّ وَشعْبَة بن الْحجَّاج وَغَيرهم مِمَّن لَا يُحْصى كَثْرَة فَإِنَّمَا كَانَت تِلْكَ فِي الشَّيْء الْمعِين يعرفهُ الْمُجِيز وَالْمجَاز لَهُ أَو مَعَ حُضُور الشَّيْء الْمجَاز فِيهِ
كَمَا أَنا بكتابه غير مرّة مُحَمَّد بن عبد الْخَالِق الْأمَوِي قَالَ أَنا أَبُو الْحسن ابْن الْمفضل إجَازَة إِن لم يكن سَمَاعا قَالَ أَنا القَاضِي أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن يحيى العثماني بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ أَنا أَبُو الْفضل جَعْفَر بن إِسْمَاعِيل بن خلف الْأنْصَارِيّ أَنا أبي أَنا أَبُو ذَر عبد بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن عبد الله الْهَرَوِيّ نَا أَبُو الْعَبَّاس الْوَلِيد بن بكر ابْن مخلد الأندلسي نَا تَمِيم بن مُحَمَّد نَا أَبُو الْغُصْن السُّوسِي نَا عون ابْن يُوسُف نَا ابْن وهب قَالَ كنت عِنْد مَالك فَجَاءَهُ رجل يحمل
стр. 50
الْمُوَطَّأ فِي كسائه فَقَالَ يَا أَبَا عبد الله هَذَا موطؤك قد كتبته وقابلته فأجزه لي
قَالَ قد فعلت قَالَ فَكيف أَقُول نَا مَالك أَو أخبرنَا قَالَ قل أَيهمَا شِئْت
قَالَ ابْن الْمفضل أَنا بهَا عَالِيا أَبُو طَاهِر السلَفِي قَالَ أَنبأَنَا أَبُو مَكْتُوم عِيسَى بن أبي ذَر الْهَرَوِيّ عَن أَبِيه بِإِسْنَادِهِ الْمُتَقَدّم وَتَمِيم هَذَا الْمَذْكُور فِي هَذَا الْإِسْنَاد هُوَ أَبُو الْعَبَّاس تَمِيم بن أبي الْعَرَب مُحَمَّد بن أَحْمد بن تَمِيم التَّمِيمِي القيرواني فَقِيه من أهل الْعلم والورع والزهد وَالْعِبَادَة والسخاء والمروءة مجمع على فَضله
وَأَبُو الْغُصْن هُوَ نَفِيس الغرابلي الإفْرِيقِي فَقِيه حَافظ ثِقَة
وَعون بن يُوسُف هُوَ أَبُو مُحَمَّد الْخُزَاعِيّ القيرواني فَقِيه ثِقَة حكى القَاضِي عِيَاض عَن عَوْف هَذَا أَنه تفقه بِابْن وهب قَالَ وَلَقَد حضرت ابْن وهب فَأَتَاهُ رجل بتليس فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا مُحَمَّد
стр. 51
هَذِه كتبك فَقَالَ لَهُ ابْن وهب صححت وقابلت فَقَالَ لَهُ نعم فَقَالَ لَهُ اذْهَبْ فَحدث بهَا فقد أجزتها لَك فَإِنِّي حضرت مَالِكًا فَقَالَ مثل ذَلِك
قلت والحكاية عَن مَالك صَحِيحَة ورجالها ثِقَات وَقد أَنا بهَا أَيْضا الإِمَام الْفَقِيه الْعَلامَة أَبُو الْحُسَيْن عبيد الله بن أبي الرّبيع الْقرشِي عَن الْفَقِيه القَاضِي أبي الْقَاسِم بن بَقِي عَن أبي الْحسن شُرَيْح بن مُحَمَّد كُله إجَازَة قَالَ أَنا أَبُو مُحَمَّد بن خزرج قَالَ قَالَ أَبُو مُحَمَّد قَاسم بن إِبْرَاهِيم بن قَاسم الخزرجي نَا أَبُو الْقَاسِم خلف بن يحيى بن غيث قَالَ نَا أَبُو جَعْفَر تَمِيم بن مُحَمَّد وَذكر الْإِسْنَاد سَوَاء والحكاية بمعناها
وَفِي هَذِه الْقِصَّة عَن مَالك فَائِدَة جليلة وَهِي تَصْدِيق الشَّيْخ للتلميذ أَن هَذَا من حَدِيثه وَأَنه كتبه وقابله فَيَأْذَن لَهُ فِي حمله عَنهُ على تَقْدِير صِحَة قَوْله إِنَّه نقل وقابل وَإِن لم يتصفح الشَّيْخ ذَلِك فتفهم هَذَا فَإِنَّهُ يتَخَرَّج مِنْهُ تسويغ الْإِجَازَة الْمُطلقَة فِي جَمِيع الْمَرْوِيّ ويعتمد الشَّيْخ فِي تعْيين ذَلِك على التلميذ وَهَذَا ابْن وهب قد تَابع مَالِكًا على ذَلِك وَهُوَ فَقِيه أهل مصر أَو فِيمَا ينسخه الشَّيْخ الْمُجِيز من حَدِيثه
стр. 52
أَو كِتَابه الَّذِي أَلفه وَيبْعَث بِهِ إِلَى الْمجَاز أَو بِغَيْر ذَلِك من الْوُجُوه الْبَيِّنَة والطرق الْمعينَة
كَمَا أَنا مُحَمَّد بن عبد الْخَالِق الْقرشِي الْأمَوِي سَمَاعا عَلَيْهِ أَنا أَحْمد بن عبد الله بن الْحُسَيْن الْكِنْدِيّ سَمَاعا عَلَيْهِ
أَنا أَحْمد بن مُحَمَّد بن أَحْمد السلَفِي سَمَاعا عَلَيْهِ أَنا الْمُبَارك بن عبد الْجَبَّار الطيوري قِرَاءَة أَنا عَليّ بن أَحْمد الفالي بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ أَنا أَحْمد بن إِسْحَاق النهاوندي أَنا الْحسن بن عبد الرَّحْمَن بن خَلاد الرامَهُرْمُزِي القَاضِي نَا يُوسُف مشطاح قَالَ سَمِعت أَحْمد بن الْمِقْدَام أَبَا الْأَشْعَث الْعجلِيّ يَقُول كتب إِلَيّ جمَاعَة من أهل بغداذ يسألونني إجَازَة فَكتبت إِلَيْهِم
كتابي هَذَا فافهموه فَإِنَّهُ
كتابي إِلَيْكُم وَالْكتاب رَسُول ... وَفِيه سَماع من رجال لقيتهم ... لَهُم بصرفي علمهمْ وعقول ... فَإِن شِئْتُم فارووه عني فَإِنَّكُم ... تَقولُونَ مَا قد قلته وَأَقُول ... أَلا فاحذروا التَّصْحِيف فِيهِ فَرُبمَا
تغير مَعْقُول لَهُ ومقول
стр. 53
وَبِالْإِسْنَادِ نَفسه قَالَ القَاضِي أَبُو مُحَمَّد الْحسن بن عبد الرَّحْمَن بن خَلاد كتب إِلَيّ بعض وزراء الْمُلُوك يسألني إجَازَة
كتاب ألفته لِابْنِ لَهُ فَكتبت الْكتاب لَهُ وَوَقعت عَلَيْهِ
يَا أَبَا الْقَاسِم الْكَرِيم الْمحيا
زانك الله بالتقى والرشاد ... وتولاك بالكفاية والعز ... وَطول الْبَقَاء والإسعاد ... ارو عني هَذَا الْكتاب فقد هَذ
بت مَا قد حواه من مُسْتَفَاد ... وشكلت الْحُرُوف مِنْهُ فَقَامَتْ
لَك بالشكل فِي نظام السداد ... جَاءَ مستخلصا لسبك الْمعَانِي
كالدنانير من يَد النقاد ... نظم شعر ونثر قَول يروقان
كنور الرياض غب العهاد
стр. 54
لايعنيك بالهجاء ولايش
كل فِي الْخط بَين صَاد وضاد ... وَكَأن السطور مِنْهُ سموط
بل عُقُود يلحن فِي أجياد ... فتحفظ مَا فِيهِ من ملح الآ
دَاب واضبط طرائق الْإِسْنَاد ... وَاحْذَرْ اللّحن فِي الرِّوَايَة والتح
ريف فِيهَا وَالْكَسْر فِي الإنشاد ... وَالْقِيَاس الْجَلِيّ يوجدك الإخ
بار فِي نشره على الْأَفْرَاد
فَانْظُر عنايته بِأَن الْإِخْبَار الْجملِي يتَضَمَّن الْإِخْبَار التفصيلي وَأَن الْقيَاس الْجَلِيّ يَقْتَضِي ذَلِك فَفِيهِ إِشَارَة إِلَى جَوَاز الْإِجَازَة الْمُطلقَة
وَأجل شَيْء نعرفه لمتقدم فِي الْإِجَازَة الْمقيدَة وَأَجْلَاهُ لفظا وأصحه معنى مَا ذكره أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيّ الإِمَام الْحَافِظ فِي كتاب الْعِلَل لَهُ فِي آخر الدِّيوَان فِي بَاب التَّارِيخ الَّذِي نَقله عَن الإِمَام أبي عبد الله البُخَارِيّ ﵀ وَقد انْتهى بِالسَّمَاعِ عَلَيْهِ إِلَى بعض حرف الْعين مَا نَصه
قَالَ أَبُو عِيسَى إِلَى هَاهُنَا سَمَاعي من أبي عبد الله مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل من أول الحكايات وَمَا بعْدهَا فَهُوَ مِمَّا أجَازه لي وشافهني بِهِ
стр. 55
بَعْدَمَا عارضته بِأَصْلِهِ إِلَى أَن يَنْقَضِي بِهِ كَلَام مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل فَقَالَ قد أجزت لَك أَن تروي إِلَى آخر بَاب ي انْتهى
هَذَا أجلى نَص تَجدهُ فِي الْإِجَازَة لمتقدم مُعْتَمد من لفظ قَائِله نعم تَجِد ألفاظا مُطلقَة مجملة غير مفسرة منقولة عَنْهُم بِالْمَعْنَى أَو ظواهر مُحْتَملَة
وَهَذَا كَانَ دأب تِلْكَ الطَّبَقَة من الْإِجَازَة فِي الْمعِين أَو الكتبة لَهُ وَمَا أرى الْإِجَازَة الْمُطلقَة حدثت إِلَّا بعد زمن البُخَارِيّ حَيْثُ اشتهرت التصانيف وفهرست الفهارس وَإِن كَانَ بَعضهم قد نقل الْإِجَازَة الْمُطلقَة عَن ابْن شهَاب الزُّهْرِيّ وَغَيره فَمَا أرى ذَلِك يَصح وَالله الْمُوفق
وَإِنَّمَا الَّذِي صَحَّ عندنَا الْإِسْنَاد الصَّحِيح عَن الزُّهْرِيّ تسويغ ذَلِك فِي الْمعِين كَمَا أَنا أَبُو عبد الله بن طرخان أَنا أَبُو طَالب بن حَدِيد أَنا أَبُو طَاهِر الْأَصْبَهَانِيّ أَنا أَبُو الْحسن الصرفي أَنا أَبُو الْحسن الفالي أَنا ابْن خربَان أَنا ابْن خَلاد نَا زَكَرِيَّاء بن يحيى السَّاجِي قَالَ نَا هَارُون ابْن سعيد الْأَيْلِي قَالَ نَا أنس بن عِيَاض عَن عبيد الله بن عمر قَالَ أشهد على ابْن شهَاب لقد كَانَ يُؤْتى بالكتب فَيُقَال لَهُ يَا أَبَا بكر هَذِه كتبك فَيَقُول نعم فيجتزيء بذلك وَتحمل عَنهُ مَا قريء عَلَيْهِ
стр. 56
رِجَاله كلهم ثِقَات
وَذكر الإِمَام أَبُو عَمْرو بن الصّلاح فِي هَذَا الْمَذْهَب الْخَامِس أَنه مَذْهَب حَادث للمتأخرين وَقد وَقع نَحْو مِنْهُ لبَعض الْمُتَقَدِّمين وَهُوَ مَا سمعته يقْرَأ بثغر الْإسْكَنْدَريَّة على شَيخنَا الْعدْل أبي عبد الله مُحَمَّد بن عبد الْخَالِق بن طرخان بالسند الْمُتَقَدّم وَأَنا بِهِ أَيْضا بهَا أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أبي الْقَاسِم الصّقليّ الْبَزَّاز المتفقه قَالَ أَنا أَبُو مُحَمَّد بن رواج سَمَاعا عَلَيْهِ قَالَ أَنا الْحَافِظ أَبُو طَاهِر السلَفِي سَمَاعا عَلَيْهِ بالسند الْمُتَقَدّم إِلَى أبي مُحَمَّد بن خَلاد قَالَ نَا مُحَمَّد بن أَحْمد بن محمويه العسكري قَالَ نَا أَبُو زرْعَة الدِّمَشْقِي قَالَ أَخْبرنِي عبد الرَّحْمَن بن إِبْرَاهِيم عَن عَمْرو بن أبي سَلمَة قَالَ قلت للأوزاعي فِي المناولة أَقُول فِيهَا حَدثنَا قَالَ إِن كنت حدثتك فَقل فَقلت أَقُول فِيهَا أخبرنَا قَالَ لَا قلت فَكيف أَقُول قَالَ قل قَالَ أَبُو عَمْرو وَعَن أبي عَمْرو
стр. 57
قلت وَقد اسْتعْمل عَن فِي الْإِجَازَة الْمُطلقَة على المصطلح الَّذِي ذكره أَبُو عَمْرو بن الصّلاح شَيخنَا الإِمَام الْعَلامَة النقاب النسابة الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد عبد الْمُؤمن بن خلف التوني حَافظ الْبِلَاد المصرية وَهُوَ مِمَّا أجَازه لي فِي بعض تخاريجه الَّتِي خرج من عالي حَدِيثه قَالَ
قريء على الشَّيْخ الصَّالح المعمر أبي الْحسن بن أبي عبد الله بن أبي الْحسن الْبَغْدَادِيّ وَأَنا أسمع عَن الشريف النَّقِيب أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز بن عَليّ بن إِسْمَاعِيل بن عَليّ بن سُلَيْمَان بن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم ابْن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن عَليّ بن عبد الله بن عَبَّاس بن عبد الْمطلب الْمَكِّيّ أَنا ابو عَليّ الْحسن بن عبد الرَّحْمَن بن الْحسن بن مُحَمَّد بن أَحْمد ابْن إِبْرَاهِيم بن الْعَبَّاس الشَّافِعِي الْمَكِّيّ قِرَاءَة عَلَيْهِ وَأَنا أسمع بهَا أَنا أَبُو الْحسن أَحْمد بن عَليّ بن أَحْمد بن فراس العبقسي الْمَكِّيّ نَا أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الله الديبلي نَا أَبُو صَالح مُحَمَّد بن أبي الْأَزْهَر الْمَكِّيّ نَا إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر الْمدنِي أَخْبرنِي عبد الله بن دِينَار عَن ابْن عمر قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من كَانَ حَالفا فَلَا يحلف إِلَّا بِاللَّه وَكَانَت قُرَيْش تحلف بِآبَائِهَا فَقَالَ لَا تحلفُوا بِآبَائِكُمْ
قَالَ شَيخنَا الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد رَوَاهُ مُسلم عَن يحيى بن يحيى وَيحيى بن أَيُّوب وقتيبة وَعلي بن حجر أربعتهم عَن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر فَوَقع لنا بَدَلا عَالِيا تساعيا
стр. 58
وَرَوَاهُ أَيْضا نازلا عَن عبد الْملك بن شُعَيْب بن اللَّيْث بن سعد عَن أَبِيه عَن جده عَن عقيل عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن أَبِيه عَن عمر بن الْخطاب
فباعتبار هَذَا الْعدَد إِلَى النَّبِي ﷺ كَأَنِّي سمعته من مُسلم وصافحته بِهِ وَللَّه الْحَمد والْمنَّة وَهُوَ ولي التَّوْفِيق
قلت فَقَوله عَن الشريف النَّقِيب يَعْنِي إجَازَة
وَأَبُو الْحسن بن أبي عبد الله هُوَ عَليّ بن الْحُسَيْن بن أبي الْحسن عَليّ بن مَنْصُور بن أبي مَنْصُور البغداذي الْأَزجيّ الْحَنْبَلِيّ النجار شهر بِابْن المقير وَكَانَ شَيخا صَالحا تاليا لِلْقُرْآنِ كثير السماع صَحِيحه وَله إجازات عالية وامتد أَجله حَتَّى ألحق الصغار بالكبار وَكَانَت فِيهِ غَفلَة وَتُوفِّي بِالْقَاهِرَةِ سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وسِتمِائَة وَكَانَ مولده مستهل شَوَّال من سنة خمس وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة عَاشَ مائَة إِلَّا سنتَيْن إِلَّا خَمْسَة وَأَرْبَعين يَوْمًا ذكر هَذَا أَبُو بكر المهلبي فِي مُعْجَمه فِيمَا وجدته عَنهُ وَهَذَا الحَدِيث وَقع أَيْضا لشَيْخِنَا الشريف الْمُحدث شرف الْمُحدثين تَاج الدّين أبي الْحسن عَليّ بن أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن عبد المحسن الْحُسَيْنِي
стр. 59
الغرافي ﵁ وَعَن سلفه الْكَرِيم مصافحتة لمُسلم وَهُوَ عندنَا عَنهُ باتصال السماع
قَرَأت عَلَيْهِ بلفظي وَنسخت من أصل بثغر الْإسْكَنْدَريَّة المحروس قَالَ
أَخْبرنِي الْحَافِظ أَبُو الْحسن مُحَمَّد بن أَحْمد بن عمر بن الْقطيعِي قِرَاءَة عَلَيْهِ وَأَنا أسمع ببغداذ قَالَ أَنا الشريف أَبُو جَعْفَر أَحْمد بن مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز العباسي الْمَكِّيّ قِرَاءَة عَلَيْهِ وَأَنا أسمع قَالَ أَنا أَبُو عَليّ الْحسن بن عبد الرَّحْمَن بن الْحسن بن مُحَمَّد الشَّافِعِي الْمَكِّيّ بهَا قِرَاءَة عَلَيْهِ وَأَنا اسْمَع قَالَ أَنا أَبُو الْحسن أَحْمد بن إِبْرَاهِيم بن أَحْمد بن عَليّ بن أَحْمد بن فراس الْمَكِّيّ العبقسي نَا أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الله بن الْفضل الْمَكِّيّ الديبلي قِرَاءَة عَلَيْهِ من كِتَابه نَا أَبُو صَالح مُحَمَّد بن أبي الْأَزْهَر الْمَعْرُوف بِابْن زنبور الْمَكِّيّ مولى بني هَاشم نَا إِسْمَاعِيل يَعْنِي ابْن جَعْفَر فَذكره سَوَاء بنصه حرفا حرفا بِحرف فَكَأَن شَيخنَا الشريف أَبَا الْحسن صَافح بِهِ مُسلما وسمعته مِنْهُ وَكَأَنِّي صافحت بِهِ إِبْرَاهِيم بن سُفْيَان صَاحب مُسلم وسمعته مِنْهُ وَهَذَا من بعض فَوَائِد الرحلة وَالْحَمْد لله
стр. 60
- الْبَاب الثَّانِي
-
فِي الْأَدِلَّة الَّتِي اسْتدلَّ بهَا مُسلم ﵀ فِي مُقَدّمَة كِتَابه والمحاكمة مَعَه إِلَى حكم الْإِنْصَاف وَمَا يتَعَلَّق بذلك أعلم وفقني الله وَإِيَّاك للصَّوَاب أَن مُسلما ﵀ اسْتدلَّ على صِحَة قَوْله أَنه لَا يشْتَرط فِي الْإِسْنَاد المعنعن إِلَّا المعاصرة فَقَط بِمَا محصله على التخليص والتخليص أَرْبَعَة أَدِلَّة
الأول
أَنه قَالَ مَا مَعْنَاهُ قد اتفقنا نَحن وَأَنْتُم على قبُول خبر الْوَاحِد الثِّقَة عَن الْوَاحِد الثِّقَة إِذا ضمهما عصر وَاحِد وَأَنه حجَّة يلْزم بِهِ الْعَمَل ثمَّ أدخلت فِيهِ الشرطة زَائِدا
فحاصل هَذَا الْكَلَام ادِّعَاء الْإِجْمَاع على قبُول المعنعن الَّذِي هَذِه صفته مُطلقًا من غير تَقْيِيد بِشَرْط اللِّقَاء وَهُوَ أَعم أدلته
فَكَأَنَّهُ يَقُول الْإِجْمَاع يتضمنه بِعُمُومِهِ وإطلاقه فَمن أثبت الشَّرْط
стр. 61
طالبناه بِالنَّقْلِ عَمَّن سلف أَو بِالْحجَّةِ عَلَيْهِ إِن عجز عَن النَّقْل
وَالْجَوَاب عَن هَذَا الإستدلال أَنا لَا نحكم دعواك الْإِجْمَاع فِي مَحل النزاع لما نَقَلْنَاهُ فِي ذَلِك عَمَّن سلف كالبخاري أستاذك وَعلي بن الْمَدِينِيّ أستاذ أستاذك ومكانهما من هَذَا الشَّأْن شهرته مغنية عَن ذكره وَلَكِن لَا بُد من الْإِشَارَة إِلَيْهِ وَلَو بلحظة والتنبيه عَلَيْهِ وَلَو بِلَفْظَة
قَالَ البُخَارِيّ مَا استصغرت نَفسِي عِنْد أحد إِلَّا عِنْد عَليّ بن الْمَدِينِيّ
وَوجدت عَن أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن مَنْصُور بن مُحَمَّد بن أَحْمد الشِّيرَازِيّ أَنه قَالَ سَمِعت مُحَمَّد بن عبد الله بن بشر الْفَارِسِي يَقُول سَمِعت مُحَمَّد بن أبي صَالح التِّرْمِذِيّ يَقُول سَمِعت أَبَا عِيسَى التِّرْمِذِيّ يَقُول سَمِعت مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ يَقُول قَالَ لي عَليّ بن الْمَدِينِيّ النَّاس يَقُولُونَ أَنَّك تتعلم مني وَوَاللَّه إِنِّي لأتعلم مِنْك أَكثر مِمَّا تتعلم مني وَرَأَيْت أَنْت مثل نَفسك يَا أَبَا عبد الله
وَقَالَ أَبُو عبيد الْقَاسِم هُوَ ابْن سَلام إنتهى الحَدِيث إِلَى أَرْبَعَة أبي بكر بن أبي شيبَة وَأحمد بن حَنْبَل وَيحيى بن معِين وَعلي
стр. 62
ابْن الْمَدِينِيّ أَبُو بكر أسردهم لَهُ وَأحمد أفقههم فِيهِ وَيحيى أجمعهم لَهُ وَعلي أعلمهم بِهِ
إِذْ ثَبت نقل الشَّرْط الَّذِي طالبتنا بِهِ بَطل الْإِجْمَاع الَّذِي ادعيته فِي مَحل النزاع وَهُوَ الإكتفاء فِي قبُول المعنعن بِشَرْط المعاصرة فَقَط ولسنا ننازعك فِي أَن أَخْبَار الْآحَاد حجَّة يجب الْعَمَل بهَا بِالْإِجْمَاع فِي الْجُمْلَة وَإِنَّمَا ننازعك فِي قبُول المعنعن مِنْهَا مكتفى فِيهِ بالمعاصرة فَقَط وإجماعك لَا يتَنَاوَل ذَلِك وَمَا ادعيت من أَنا أدخلنا فِيهِ الشَّرْط زَائِدا فلنا أَن نعكسه عَلَيْك بِأَن نقُول بل أَنْت نقصت من الْإِجْمَاع شرطا
стр. 63
فَإنَّا قد اتفقنا نَحن وَأَنت على قبُول المعنعن من غير المدلس إِذا كَانَ قد ثَبت لقاؤه لَهُ فنقصت أَنْت من شُرُوط الْإِجْمَاع شرطا فتتوجه عَلَيْك الْمُطَالبَة بِالدَّلِيلِ على إِسْقَاطه وكأنك لما استشعرت توجه الْمُطَالبَة عدلت إِلَى النَّقْض بِاشْتِرَاط السماع فِي كل حَدِيث حَدِيث وَقد تقدم الْجَواب عَنهُ
وَتبين الْآن أَن قَائِلُونَ بِمحل الْإِجْمَاع وَأَنا لم نزد شرطا بل أَنْت نقصته ففلجت حجَّة خصمك عَلَيْك
وَأما الْحجَّة الَّتِي طلبت على صِحَة مَذْهَبنَا فقد قدمناها بِمَا أغْنى عَن الْإِعَادَة فَلْيُرَاجِعهَا من يناضل عَنْك
ثمَّ نقُول إِنَّك يَرْحَمك الله استشعرت خرم مَا ذكرت من الْإِجْمَاع لما كَانَ عنْدك استقرائيا بِمَا توقعت أَن ينْقل لَك من الْخلاف فعدلت إِلَى الْمُطَالبَة بِالْحجَّةِ وَذَلِكَ توهين مِنْك لنقل الْإِجْمَاع فِي مَحل النزاع على أَنا لم نسلم لَك أَنه يتَنَاوَل مَحل الْخلاف وَالله تَعَالَى الْمُوفق والمرشد
الدَّلِيل الثَّانِي
مَا ذَكرْنَاهُ من إِلْزَامه لنا النَّقْض بِأَنَّهُ يلْزمنَا من ذَلِك الشَّرْط أَلا نثبت إِسْنَادًا مُعَنْعنًا حَتَّى نرى فِيهِ السماع من أَوله إِلَى آخِره لمَكَان تَجْوِيز الْإِرْسَال
وَقد تقدم أَيْضا الْجَواب عَن إِلْزَام هَذَا النَّقْص بِمَا أغْنى عَن الْإِعَادَة
стр. 64
ثمَّ إِنَّه مثل ذَلِك بأمثلة مِنْهَا حَدِيث هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة عَن رَسُول الله ﷺ وَقَالَ إِن كلا مِنْهُم يتَحَقَّق سَماع بَعضهم من بعض فهشام من أَبِيه عُرْوَة وَعُرْوَة من خَالَته عَائِشَة وَعَائِشَة من النَّبِي ﷺ
ثمَّ قَالَ وَقد يجوز إِذا لم يقل هِشَام فِي رِوَايَة يَرْوِيهَا عَن أَبِيه
سَمِعت أَو أَخْبرنِي أَن يكون بَينه وَبَين أَبِيه فِي تِلْكَ الرِّوَايَة إِنْسَان آخر أخبرهُ بهَا عَن أَبِيه
ثمَّ طرق الِاحْتِمَال أَيْضا فِي قَول عُرْوَة عَن عَائِشَة وأتبع ذَلِك بأمثلة من الروَاة لَقِي بَعضهم بَعْضًا وأسندوا رواياتهم معنعنين مِمَّن لم يتهم بالتدليس على أَن هشاما قد وَقع لَهُ بعض الشَّيْء
وَذَلِكَ مَا أخبرنَا بِهِ إجَازَة أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد الطَّبَرِيّ بِبَيْت الْمُقَدّس عَن أبي الْحسن عَليّ بن الْحُسَيْن بن مَنْصُور الْأَزجيّ عَن أبي الْفضل مُحَمَّد بن نَاصِر السلَامِي عَن أبي بكر أَحْمد بن خلف النَّيْسَابُورِي كُله إجَازَة عَن الْحَافِظ أبي عبد الله الْحَاكِم قَالَ أَخْبرنِي قَاضِي الْقُضَاة مُحَمَّد بن صَالح الْهَاشِمِي قَالَ نَا أَبُو جَعْفَر المستعيني قَالَ نَا عبد الله بن عَليّ الْمَدِينِيّ قَالَ قَالَ أبي وَذكر فَوَائِد مِنْهَا وَسمعت يحيى يَقُول كَانَ هِشَام بن عُرْوَة يحدث عَن أَبِيه عَن عَائِشَة قَالَت مَا خير رَسُول الله
стр. 65
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَين أَمريْن وَمَا ضرب بِيَدِهِ شَيْئا قطّ الحَدِيث قَالَ يحيى لما سَأَلته قَالَ أَخْبرنِي أبي عَن عَائِشَة قَالَت مَا خير رَسُول الله ﷺ بَين أَمريْن لم أسمع من أبي إِلَّا هَذَا وَالْبَاقِي لم أسمعهُ إِنَّمَا هُوَ عَن الزُّهْرِيّ
ذكره الْحَاكِم فِي عُلُوم الحَدِيث لَهُ فِي بَاب المدلسين
فحاصل مَا أتيت بِهِ أَيهَا الإِمَام من الْأَمْثِلَة أَن من علم سَمَاعه من إِنْسَان
стр. 66
ثمَّ اخْتلفت الروَاة عَنهُ فَزَاد بَعضهم بَينهمَا رجلا أَو أَكثر وأسقطه بَعضهم ومثلت ذَلِك بِهِشَام عَن أَبِيه عَن عَائِشَة فَإِنَّهُ يحكم لمن زَاد بالاتصال وَلمن نقص بِالْإِرْسَال
وَهَذِه المسلة أَيهَا الإِمَام من معضلات هَذَا الْعلم وَهِي من بَاب الْعِلَل الَّتِي يعز لدائها وجود الدَّوَاء يتَعَذَّر فِي كثير مِنْهَا الشِّفَاء فَكيف يَصح أَن يَجْعَل مَا هَذِه حَاله دَلِيلا فِي مَحل النزاع أَو يحكم فِيهِ حكما جمليا وليت الحكم التفصيلي يكْشف بعض أمره
فَنَقُول إِذا ورد حَدِيث مُعَنْعَن عَن رُوَاة لَقِي بَعضهم بَعْضًا ثمَّ ورد ذَلِك الحَدِيث بِعَيْنِه بِزِيَادَة رجل مَنْصُوصا على التحديث فِيهِ أَو مُعَنْعنًا أَيْضا نَظرنَا إِلَى حفظ الروَاة وَكَثْرَة عَددهمْ وَانْفَتح بَاب التَّرْجِيح فحكمنا لمن يرجح قَوْله من الزَّائِد أَو النَّاقِص أَو لمن تَيَقنا صَوَابه كَأَن نتحقق أَنه لم يسمعهُ مِمَّن رَوَاهُ عَنهُ مُرْسلا أَو أَن ذَلِك الزَّائِد فِي الْإِسْنَاد خطأ كَمَا قد نحكم بذلك إِذا كَانَ الحَدِيث بِلَفْظ نَا ثمَّ زَاد أَحدهمَا رَاوِيا نَقصه غَيره أَو أَن الحَدِيث عِنْد الرَّاوِي عَنْهُمَا مَعًا وَقد بَان ذَلِك كُله فِي بَعْضهَا كَمَا هُوَ مَعْلُوم عِنْد أهل الصَّنْعَة
فَإِن أشكل الْأَمر توقفنا وَجَعَلنَا الحَدِيث معلولا إِذْ كل وَاحِد من الطَّرِيقَيْنِ متعرض لِأَن يعْتَرض بِهِ على الآخر إِذْ لَعَلَّ الزَّائِد خطأ وَإِذا كَانَ الزَّائِد بِلَفْظ عَن أَيْضا فَلَعَلَّهُ نقص رجل آخر غير ذَلِك الْمَزِيد وَإِنَّمَا يرْتَفع هَذَا الِاحْتِمَال إِذا قَالَ الرَّاوِي الزَّائِد حَدثنَا وَيبقى احْتِمَال
стр. 67
أَن يكون الحَدِيث عِنْده عَنْهُمَا مَعًا
فَأَما أَن يحكم بِأَنَّهُ لم يسمعهُ مِنْهُ لزِيَادَة رجل فِي الْإِسْنَاد مُطلقًا فَفِيهِ نظر لَا سِيمَا فِي رِوَايَة الْأَبْنَاء عَن الْآبَاء عَن الأجداد أَو عَن الْآبَاء فَقَط أَو الْإِخْوَة بَعضهم عَن بعض فكثيرا مَا يتحملون النُّزُول وَيدعونَ الْعُلُوّ وَإِن كَانَ عِنْدهم حرصا على ذكره عَن الْآبَاء والأجداد وإبقاء للشرف وَلذَلِك مَا تَجِد الْأَسَانِيد تنزل كثيرا فِي الْمسَافَة فِي هَذَا النَّوْع فَيدعونَ الْإِسْنَاد العالي إيثارا لطلب الْمَعَالِي
كَمَا أَنا يَوْمًا شَيخنَا أَمِين الدّين أَبُو الْيمن عبد الصَّمد بن أبي الْحسن عبد الْوَهَّاب بن الْحسن بن مُحَمَّد بن الْحسن بن هبة الله بن عبد الله بن الْحُسَيْن بن عَسَاكِر الدِّمَشْقِي بمنزله من مَكَّة شرفها الله تَعَالَى بِحَدِيث من طَرِيق آبَائِهِ فِيهِ نزُول فِي الْمسَافَة فَذكر لنا أَنه وَقع لَهُ بِسَنَد أَعلَى مِنْهُ وَإِنَّمَا آثر هَذَا لذكر آبَائِهِ ثمَّ قَالَ وَمثل ذَلِك عِنْد أهل الصَّنْعَة يقْصد وَعَلِيهِ فِي إِرْث المنقبة يعْتَمد وَإِلَيْهِ فِي علو الْمرتبَة يعمد
كَمَا حَدثنِي شَيخنَا الْحَافِظ الإِمَام فَقِيه أهل الشَّام أَبُو عَمْرو عُثْمَان بن عبد الرَّحْمَن بن عُثْمَان ﵀ من لَفظه إملاء وَقِرَاءَة غير مرّة قَالَ حَدثنِي أَبُو المظفر عبد الرَّحِيم بن الْحَافِظ أبي سعد بمرو الشاهجان وَكتب بِهِ إِلَيْنَا أَبُو المظفر مِنْهَا عَن أبي التضر عبد الرَّحْمَن بن عبد الْجَبَّار
стр. 68
الفامي قَالَ سَمِعت السَّيِّد أَبَا الْقَاسِم مَنْصُور بن مُحَمَّد الْعلوِي يَقُول الْإِسْنَاد بعضه عَوَالٍ وَبَعضه معال وَقَول الرجل حَدثنِي أبي عَن جدي من الْمَعَالِي
قريء لنا هَذَا على أبي الْيمن وَأَنا أسمع
وقريء لنا أَيْضا عَلَيْهِ وَأَنا أسمع بِبَاب الصَّفَا قَالَ أَنا الشَّيْخ أَبُو الْقَاسِم الْحُسَيْن بن هبة الله بن مَحْفُوظ ﵀ قِرَاءَة أَنا أَبُو مُحَمَّد عبد الْوَاحِد بن عبد الْمَاجِد بن عبد الْوَاحِد بن عبد الْكَرِيم بن هوَازن الْقشيرِي قِرَاءَة أَنا أَبُو بكر عبد الْغفار بن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن عَليّ الشيرويشي قَالَ سَمِعت عمر بناحمد الزَّاهِد يَقُول سَمِعت مُحَمَّد ابْن عبد الله الْحَافِظ يَقُول سَمِعت الزبير بن عبد الْوَاحِد الْحَافِظ يَقُول حَدثنِي مُحَمَّد بن عبد الله بن سُلَيْمَان الْعَطَّار نَا سعيد بن عمر ابْن أبي سَلمَة نَا أبي قَالَ سَمِعت مَالك بن أنس ﵀ يَقُول فِي قَول الله ﴿وَإنَّهُ لذكر لَك ولقومك﴾ قَالَ قَول الرجل حَدثنِي أبي عَن جدي
وَقد حكم بعض الْمُتَأَخِّرين بإرسال النَّاقِص وَوصل الزَّائِد وَهُوَ الَّذِي
стр. 69
ظهر مِنْك أَيهَا الإِمَام فِي حكمك هُنَا وَهُوَ كَمَا قدمْنَاهُ لَا يسلم من التعقب بِأَن يعْتَرض على أَحدهمَا بِالْآخرِ
فَمن ذَلِك أَنَّك قلت
إِن أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ وَابْن الْمُبَارك ووكيعا وَابْن نمير وَجَمَاعَة غَيرهم رووا عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة ﵂ كنت أطيب رَسُول الله ﷺ لِحلِّهِ ولحرمه بأطيب مَا أجد
فروى هَذِه الرِّوَايَة بِعَينهَا اللَّيْث بن سعد وَدَاوُد الْعَطَّار وَحميد بن الْأسود ووهيب بن خَالِد وَأَبُو أُسَامَة عَن هِشَام قَالَ أَخْبرنِي عُثْمَان ابْن عُرْوَة عَن عَائِشَة عَن النَّبِي ﷺ
ثمَّ أوردت فِي كتابك حَدِيث عُثْمَان لِأَنَّهُ الَّذِي رجح عنْدك أَنه
стр. 70
الْمسند وَمن أسْقطه أرسل ولسنا ننفي أَن يحصل ظن فِي بعض الْأَحَادِيث بِأَن الحكم لمن زَاد كَمَا قد يرجح أَيْضا فِي بعض أَن الحكم لمن نقص فتعميم الحكم فِي الْمَسْأَلَة لَا يَصح
стр. 71
ثمَّ قلت وروى هِشَام عَن أَبِيه عَن عَائِشَة كَانَ النَّبِي ﷺ إِذا اعْتكف يدني إِلَيّ رَأسه فأرجله وَأَنا حَائِض
فرواها بِعَينهَا مَالك بن أنس عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عمْرَة عَن عَائِشَة عَن النَّبِي ﷺ
قلت وَهَذَا أَيْضا من ذَلِك الْقَبِيل حكمت فِيهِ أَن من نقص عمره فَهُوَ مُرْسل
وَالصَّحِيح فِي هَذَا الحَدِيث أَنه عِنْد ابْن شهَاب عَن عُرْوَة وَعمرَة مَعًا
стр. 72
عَن عَائِشَة وَهُوَ الَّذِي اعْتمد البُخَارِيّ فَقَالَ
نَا قُتَيْبَة قَالَ نَا لَيْث عَن ابْن شهَاب عَن عُرْوَة وَعمرَة بنت عبد الرَّحْمَن أَن عَائِشَة زوج النيي ﷺ قَالَت وَإِن كَانَ رَسُول الله ﷺ ليدْخل عَليّ رَأسه وَهُوَ فِي الْمَسْجِد فأرجله وَكَانَ لَا يدْخل الْبَيْت إِلَّا لِحَاجَتِهِ إِذا كَانَ معتكفا
وَأما أَنْت فَظهر من فعلك فِي كتابك أَنَّك لم يصف عنْدك كدر الْإِشْكَال فِي هَذَا الحَدِيث فأوردت فِي كتابك حَدِيث مَالك مصدرا بِهِ بِنَاء على اعتقادك فِيهِ الِاتِّصَال وَفِي غَيره الِانْقِطَاع فَقلت
نَا يحيى بن يحيى قَالَ قَرَأت على مَالك عَن ابْن شهَاب عَن عُرْوَة عَن عمْرَة عَن عَائِشَة قَالَت كَانَ النَّبِي ﷺ إِذا اعْتكف يدني إِلَيّ رَأسه فأرجله وَكَانَ لَا يدْخل الْبَيْت إِلَّا لحَاجَة الْإِنْسَان
ثمَّ أتبعته باخْتلَاف الروَاة فِيهِ على شرطك من أَنَّك لَا تكَرر إِلَّا لزِيَادَة معنى أَو إِسْنَاد يَقع إِلَى جنب إِسْنَاد لعِلَّة تكون هُنَاكَ فَقلت
حَدثنَا قُتَيْبَة بن سعيد قَالَ نَا لَيْث ح وَحدثنَا مُحَمَّد بن مح
стр. 73
قَالَ أَنا اللَّيْث عَن ابْن شهَاب عَن عُرْوَة وَعمرَة بنة عبد الرَّحْمَن أَن عَائِشَة زوج النَّبِي ﷺ قَالَت إِن كنت لأدخل الْبَيْت للْحَاجة وَالْمَرِيض فِيهِ فَمَا أسأَل عَنهُ إِلَّا وَأَنا مارة وَإِن كَانَ رَسُول الله ﷺ ليدْخل عَليّ رَأسه وَهُوَ فِي الْمَسْجِد فأرجله وَكَانَ لَا يدْخل الْبَيْت إِلَّا لحَاجَة إِذا كَانَ معتكفا وَقَالَ ابْن رمح إِذا كَانُوا معتكفين
فقد بَين اللَّيْث فِي حَدِيثه عنْدك وَعند البُخَارِيّ أَنه لَهُ عَنْهُمَا وَقد كَانَ يمكننا أَن نقُول إِنَّه عِنْد ابْن شهَاب عَن عُرْوَة وَعمرَة بِهَذَا السِّيَاق الأتم وَعَن عُرْوَة فَقَط مُخْتَصرا لَوْلَا مَا أوردهُ البُخَارِيّ عَن ابْن شهَاب عَن عُرْوَة وَعمرَة مُخْتَصرا أَيْضا
وَقد كفى الإِمَام أَبُو عبد الله البُخَارِيّ مؤونة الْبَحْث وَبَين أَنه عِنْد عُرْوَة مسموع من عَائِشَة فَذكر رِوَايَة هِشَام عَن أَبِيه بِإِسْقَاط عمْرَة من طَرِيق مَالك وَابْن جريح عَن هِشَام عَن أَبِيه عَن عَائِشَة وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن جريج من قَول عُرْوَة أَخْبَرتنِي عَائِشَة وَذكر الحَدِيث فِي كتاب الْحيض من صَحِيحه فِي بَاب غسل الْحَائِض رَأس زَوجهَا وترجيله فَقَالَ
نَا إِبْرَاهِيم بن مُوسَى قَالَ نَا هِشَام بن يُوسُف أَن ابْن جريح أخْبرهُم قَالَ أَنا هِشَام بن عُرْوَة عَن عُرْوَة أَنه سُئِلَ أتخدمني الْحَائِض أَو تَدْنُو مني الْمَرْأَة وَهِي جنب فَقَالَ عُرْوَة كل ذَلِك عَليّ هَين وكل ذَلِك يخدمني وَلَيْسَ على أحد فِي ذَلِك بَأْس أَخْبَرتنِي عَائِشَة أَنَّهَا
стр. 74
كَانَت ترجل رَسُول الله ﷺ وَهِي حَائِض وَرَسُول الله ﷺ حِينَئِذٍ مجاور فِي الْمَسْجِد يدني لَهَا رَأسه وَهِي فِي حُجْرَتهَا فترجله وَهِي حَائِض
فَهَذَا نَص جلي على سَماع عُرْوَة من عَائِشَة وَذَلِكَ بِخِلَاف مَا اعتقده مُسلم ﵀ من انْقِطَاع رِوَايَة من أسقط عمْرَة من الْإِسْنَاد فِيمَا بَين عُرْوَة وَعَائِشَة
وَلم يقل فِيهِ أحد عَن عُرْوَة عَن عمْرَة إِلَّا مَالك ﵀ وَأنس ابْن عِيَاض عَن عبيد الله بن عمر عَن الزُّهْرِيّ فتابع مَالِكًا وَالْجُمْهُور على خلافهما بَين ذَلِك الإِمَام أَبُو الْحسن الدَّارَقُطْنِيّ فِي جُزْء لَهُ جمعه فِي الْأَحَادِيث الَّتِي خُولِفَ فِيهَا مَالك ﵁ فَقَالَ
روى مَالك فِي الْمُوَطَّأ عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عمْرَة عَن عَائِشَة كَانَ النَّبِي ﷺ إِذا اعْتكف يدني إِلَيّ رَأسه فأرجله
خَالفه عقيل بن خَالِد وَيُونُس بن يزِيد وَاللَّيْث بن سعد فَرَوَوْه عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة وَعمرَة عَن عَائِشَة وَقيل ذَلِك عَن الْأَوْزَاعِيّ وتابعهم ابْن جريح والزبيدي وَالْأَوْزَاعِيّ وَمعمر وَزِيَاد بن سعد وَابْن أخي الزُّهْرِيّ وَعبد الرَّحْمَن بن نمير وَمُحَمّد بن أبي حَفْصَة وسُفْيَان بن حُسَيْن وَعبد الله بن بديل وَغَيرهم فَرَوَوْه عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة لم يذكرُوا فِيهِ عمْرَة وَيُشبه أَن يكون القَوْل قَوْلهم لِكَثْرَة
стр. 75
عَددهمْ واتفاقهم على خلاف مَالك
وَقد رَوَاهُ أنس بن عِيَاض أَبُو ضَمرَة عَن عبيد الله بن عمر عَن الزُّهْرِيّ فَوَافَقَ مَالِكًا وَلَا نعلم أحدا تَابع أَبَا ضَمرَة على هَذِه الرِّوَايَة عَن عبيد الله وَالله أعلم انْتهى كَلَام الدَّارَقُطْنِيّ رَحمَه الله
следующие страницы →