Полный текст (229 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قَالَ الْحَمد لله المتفرد بِاسْتِحْقَاق الْحَمد على مَا سر وساء الَّذِي رفع بِالْعلمِ دَرَجَات من شَاءَ وَأحل حضيض الضعة من جهل وأساء وَلَا إِلَه إِلَّا الله ذُو الْكَمَال الْمُطلق والجلال الْأَعْظَم وَصلى الله أفضل مَا صلى على مُحَمَّد عَبده وَرَسُوله الْهَادِي إِلَى أكمل شَرِيعَة وأقوم لُغَة وعَلى النَّبِيين وآليهم الْمُكرمين من عباده وَسلم وَخص وكرم مَا دَعَاهُ سُبْحَانَهُ دَاع فأسعف وَمن وأنعم آمين آمين آمين
سَأَلتنِي نفعك الله وإياي وَسَائِر الْأَصْحَاب بِنَافِع الْعلم وأحظانا جَمِيعًا بصائب الْفَهم أَيَّام قراءتك الْكتاب الصَّحِيح لمُسلم ﵁ أَن أبين مِنْهُ وأقيد مَا يكثر فِيهِ من طالبي الحَدِيث ليعلم الْإِخْلَال والغلط وأصونهم عَمَّا بصدده فِيهِ من الْإِسْقَاط والسقط مقدما على ذَلِك بِأَن
فضل الْكتاب وفضله مُعَرفا بِحَالهِ وَشَرطه فأجبتك إِلَى ذَلِك مُخْتَصرا وعَلى هَذَا الأسلوب الَّذِي يعظم بِهِ النَّفْع وتكثر بِهِ الْبلوى مُقْتَصرا متبرئا من الْحول وَالْقُوَّة إِلَّا بِاللَّه مُتَعَوِّذًا من أَن أفوه فِيهِ بِكَلِمَة إِلَّا لله وسميته صِيَانة صَحِيح مُسلم من الْإِخْلَال والغلط وحمايته من الْإِسْقَاط والسقط وَلَيْسَ مَقْصُورا على ضبط
стр. 2
الْأَلْفَاظ بل هُوَ إِن شَاءَ الله ﵎ كاشف لمعاني كثير مِمَّا اغتاص على الفهوم فِي الْقَدِيم والْحَدِيث وشامل النَّفْع لصحيح البُخَارِيّ وَغَيره من كتب الحَدِيث وَالله الْعَظِيم اسْأَل تَمام ذَلِك مصونا عَمَّا لَا يَنْبَغِي ميسورا فِيهِ مَا نبتغي إِنَّه هُوَ الْجواد الْكَرِيم الْبر الرَّحِيم وَمَا توفيقي إِلَّا بِاللَّه عَلَيْهِ توكلت وَإِلَيْهِ أنيب
стр. 3
فَأول ذَلِك أَن مُؤَلفه هُوَ مُسلم بن الْحجَّاج بن مُسلم أَبُو الْحُسَيْن الْقشيرِي النّسَب النَّيْسَابُورِي الدَّار والموطن عَرَبِيّ صليبة أحد رجال الحَدِيث من أهل خُرَاسَان رَحل فِيهِ رحْلَة وَاسِعَة وصنف فِيهِ تصانيف نافعة فَسمع بخراسان يحيى بن يحيى التَّمِيمِي
стр. 4
وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَغَيرهمَا وبالري مُحَمَّد بن مهْرَان الْجمال وَأَبا غَسَّان مُحَمَّد بن عَمْرو زنيجا وَغَيرهمَا وبالعراق أَحْمد بن حَنْبَل وعبد الله بن مسلمة القعْنبِي وَغَيرهمَا وبالحجاز
стр. 5
سعيد بن مَنْصُور وَأَبا مُصعب الزُّهْرِيّ وَغَيرهمَا وبمصر عَمْرو بن سَواد وحرملة بن يحيى وَغَيرهمَا فِي خلق كثير وَالله أعلم
روى عَنهُ من الأكابر أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ ومُوسَى بن هَارُون وَأحمد بن سَلمَة
стр. 6
وَأَبُو بكر ابْن خُزَيْمَة وَمُحَمّد بن عبد الْوَهَّاب الْفراء ومكي بن عَبْدَانِ وَأَبُو حَامِد بن الشَّرْقِي وَالْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن زِيَاد القباني وَإِبْرَاهِيم بن أبي طَالب وَأَبُو عَمْرو الْمُسْتَمْلِي وَصَالح بن مُحَمَّد الْحَافِظ الملقب جزرة وَأَبُو عوَانَة الإِسْفِرَايِينِيّ
стр. 7
وَأَبُو الْعَبَّاس السراج وَنصر بن أَحْمد الْحَافِظ الملقب نصرك وَسَعِيد بن عَمْرو البردعي الْحَافِظ فِي آخَرين
وصنف غير هَذَا الْكتاب كتبا مِنْهَا كتاب الْمسند الْكَبِير على الرِّجَال وَكتاب الْجَامِع الْكَبِير على الْأَبْوَاب وَكتاب الْعِلَل وَكتاب ذكر أَوْهَام الْمُحدثين وَكتاب التَّمْيِيز وَكتاب من لَيْسَ لَهُ إِلَّا راو وَاحِد وَكتاب طَبَقَات التَّابِعين وَكتاب المخضرمين وَغير ذَلِك
стр. 8
وَقد كَانَ لَهُ رَحْمَة الله وإيانا فِي علم الحَدِيث ضرباء لَا يفضلهم وَآخَرُونَ يفضلونه فرفعه الله ﵎ بكتابه الصَّحِيح هَذَا إِلَى منَاط النُّجُوم وَصَارَ إِمَامًا حجَّة يبْدَأ ذكره ويعاد فِي علم الحَدِيث وَغَيره من الْعُلُوم وَذَلِكَ فضل الله يؤتيه من يَشَاء
أخبرنَا الشَّيْخ الْمسند أَبُو الْقَاسِم مَنْصُور بن عبد الْمُنعم بن عبد الله بن الإِمَام أبي عبد الله مُحَمَّد بن الْفضل الفراوي النَّيْسَابُورِي
стр. 9
الصاعدي قَالَ أخبرنَا أَبُو الْمَعَالِي مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل الْفَارِسِي اُخْبُرْنَا الإِمَام أَبُو بكر أَحْمد بن الْحُسَيْن الْبَيْهَقِيّ قَالَ أخبرنَا أَبُو عبد الله الْحَافِظ حَدثنَا أَبُو الْفضل مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم قَالَ سَمِعت أَحْمد بن سَلمَة يَقُول رَأَيْت أَبَا زرْعَة وَأَبا حَاتِم يقدمان مُسلم بن الْحجَّاج فِي معرفَة الصَّحِيح على مَشَايِخ عصرهما هَكَذَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ والخطيب الحافظان وَوَجَدته فِي رِوَايَة أُخْرَى عَن الْحَاكِم أبي عبد الله
стр. 10
أَيْضا على مَشَايِخ عصرهما فِي معرفَة الحَدِيث
وروينا عَن الْحَاكِم أبي عبد الله الْحَافِظ قَالَ قَرَأت بِخَط أبي عَمْرو الْمُسْتَمْلِي أمْلى علينا إِسْحَاق بن مَنْصُور سنة إِحْدَى وَخمسين وَمِائَتَيْنِ وَمُسلم بن الْحجَّاج ينتخب عَلَيْهِ وَأَنا أستملي فَنظر إِسْحَاق بن مَنْصُور إِلَى مُسلم فَقَالَ لن نعدم الْخَيْر مَا أبقاك الله للْمُسلمين وَالله أعلم
مَاتَ مُسلم ﵀ سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ بنيسابور وَهَذَا مَشْهُور لَكِن تَارِيخ مولده وَمِقْدَار عمره كثيرا مَا تطلب الطلاب علمه فَلَا يجدونه وَقد وَجَدْنَاهُ وَللَّه الْحَمد فَذكر الْحَاكِم أَبُو عبد الله ابْن البيع الْحَافِظ فِي كتاب المزكين لرواة الْأَخْبَار أَنه سمع أَبَا عبد الله ابْن الأخرم الْحَافِظ يَقُول توفى مُسلم بن الْحجَّاج ﵀ عَشِيَّة يَوْم الْأَحَد وَدفن يَوْم الِاثْنَيْنِ لخمس بَقينَ من رَجَب سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ وَهُوَ ابْن خمس وَخمسين سنة وَهَذَا يتَضَمَّن أَن مولده كَانَ فِي سنة سِتّ وَمِائَتَيْنِ وَالله أعلم
وَكَانَ لمَوْته سَبَب غَرِيب نَشأ عَن غمرة فكرية علمية فَقَرَأت بنيسابور حرسها
стр. 11
الله وَسَائِر بِلَاد الْإِسْلَام وَأَهله فِيمَا انتخبته من تاريخها على الشَّيْخ الزكي أبي الْفَتْح مَنْصُور بن عبد الْمُنعم حفيد الفراوي وعَلى الشيخة أم الْمُؤَيد زَيْنَب ابْنة أبي الْقَاسِم عبد الرَّحْمَن بن الْحسن الْجِرْجَانِيّ رَحمهَا الله وإيانا عَن الإِمَام أبي عبد الله الفراوي وَأبي الْقَاسِم زَاهِر بن طَاهِر الْمُسْتَمْلِي عَن أَبَوي عُثْمَان إِسْمَاعِيل بن عبد الرَّحْمَن الصَّابُونِي وَسَعِيد بن مُحَمَّد الْبُحَيْرِي وَالْإِمَام أبي بكر الْبَيْهَقِيّ قَالُوا اُخْبُرْنَا الْحَاكِم أَبُو عبد الله الْحَافِظ قَالَ سَمِعت أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن
стр. 12
يَعْقُوب سَمِعت أَحْمد بن سَلمَة يَقُول عقد لأبي الْحُسَيْن مُسلم بن الْحجَّاج مجْلِس للمذاكرة فَذكر لَهُ حَدِيث لم يعرفهُ فَانْصَرف إِلَى منزله وأوقد السراج وَقَالَ لمن فِي الدَّار لَا يدخلن أحد مِنْكُم هَذَا الْبَيْت فَقيل لَهُ أهديت لنا سلة فِيهَا تمر فَقَالَ قدموها إِلَيّ فقدموها فَكَانَ يطْلب الحَدِيث وَيَأْخُذ تَمْرَة تَمْرَة يمضغها فَأصْبح وَقد فنى التَّمْر وَوجد الحَدِيث قَالَ الْحَاكِم زادني الثِّقَة من أَصْحَابنَا أَنه مِنْهَا مرض وَمَات قلت قد زرت قَبره بنيسابور وَسَمعنَا عِنْده خَاتِمَة كِتَابه الصَّحِيح وَغير ذَلِك ﵁ وعنا ونفعنا بكتابه وبسائر الْعلم آمين آمين
стр. 13
بَيَان حَال هَذَا الْكتاب وفضله وَشَرطه ولنفصل فِي ذَلِك فصولا
стр. 14
الْفَصْل الأول
هَذَا الْكتاب ثَانِي كتاب صنف فِي صَحِيح الحَدِيث ووسم بِهِ وَوضع لَهُ خَاصَّة سبق البُخَارِيّ إِلَى ذَلِك وَصلى مُسلم ثمَّ لم يلحقهما لَاحق وكتاباهما أصح مَا صنفه المصنفون وَالْبُخَارِيّ وَكتابه أَعلَى حَالا فِي الصَّحِيح وانتقاده أخر جمه وَكَانَ مُسلم مَعَ حذقه ومشاركته لَهُ فِي كثير من شُيُوخه أحد المستفيدين مِنْهُ والمقرين لَهُ بالأستاذية روينَا عَن مُسلم ﵁ قَالَ صنفت هَذَا الْمسند الصَّحِيح من ثَلَاثمِائَة ألف حَدِيث مسموعة وبلغنا عَن مكي بن عَبْدَانِ وَهُوَ أحد حفاظ نيسابور قَالَ سَمِعت مُسلم بن الْحجَّاج يَقُول لَو أَن أهل الحَدِيث يَكْتُبُونَ مِائَتي سنة الحَدِيث فمدارهم على هَذَا الْمسند يَعْنِي مُسْنده الصَّحِيح
قَالَ وَسمعت مُسلما يَقُول عرضت كتابي هَذَا الْمسند على أبي زرْعَة الرَّازِيّ فَكل مَا أَشَارَ أَن لَهُ عِلّة تركته وكل مَا قَالَ إِنَّه صَحِيح وَلَيْسَ لَهُ عِلّة أخرجته وَورد
стр. 15
عَن مُسلم أَنه قَالَ مَا وضعت شَيْئا فِي هَذَا الْمسند إِلَّا بِحجَّة وَمَا أسقطت مِنْهُ شَيْئا إِلَّا بِحجَّة
أَخْبرنِي الشَّيْخ الْمسند أَبُو الْحسن الْمُؤَيد بن مُحَمَّد بن عَليّ بن المقرىء بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ بشاذياخ نيسابور عَن أبي مَنْصُور عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الشَّيْبَانِيّ قَالَ أخبرنَا الْحَافِظ أَبُو بكر أَحْمد بن عَليّ بن ثَابت قَالَ حَدثنِي أَبُو الْقَاسِم عبد الله بن أَحْمد بن عَليّ السوذرجاني بأصبهان قَالَ سَمِعت مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن مَنْدَه قَالَ سَمِعت أَبَا عَليّ الْحُسَيْن بن عَليّ النَّيْسَابُورِي يَقُول مَا تَحت أَدِيم السَّمَاء أصح من كتاب
стр. 16
مُسلم بن الْحجَّاج فِي علم الحَدِيث
ورويناه من وَجه آخر عَن ابْن مَنْدَه الْحَافِظ هَذَا وَقَالَ فِيهِ سَمِعت أَبَا عَليّ الْحُسَيْن بن عَليّ النَّيْسَابُورِي وَمَا رَأَيْت أحفظ مِنْهُ هَذَا مَعَ كَثْرَة من لقِيه ابْن مَنْدَه من الْحفاظ وَقَول أبي عَليّ هَذَا إِن أَرَادَ بِهِ أَن كتاب مُسلم أصح من غَيره على معنى أَنه غير ممزوج بِغَيْر الصَّحِيح فَإِنَّهُ جرد الصَّحِيح وسرده على التوالي بأصوله وشواهده على خلاف كتاب البُخَارِيّ فَإِنَّهُ أودع تراجم أَبْوَاب كِتَابه كثيرا من موقوفات الصَّحَابَة ومقطوعات التَّابِعين وَغير ذَلِك مِمَّا لَيْسَ من جنس الصَّحِيح فَذَلِك مَقْبُول من أبي عَليّ وَإِن أَرَادَ تَرْجِيح كتاب مُسلم على كتاب البُخَارِيّ فِي نفس الصَّحِيح وَفِي إتقانه والاضطلاع بِشُرُوطِهِ وَالْقَضَاء بِهِ فَلَيْسَ ذَلِك كَذَلِك كَمَا قدمْنَاهُ وَكَيف يسلم لمُسلم ذَلِك وَهُوَ يرى على مَا ذكره من بعد فِي خطْبَة كِتَابه أَن الحَدِيث المعنعن وَهُوَ الَّذِي يُقَال فِي إِسْنَاده فلَان عَن فلَان ينسلك فِي سلك الْمَوْصُول الصَّحِيح بِمُجَرَّد كَونهمَا فِي عصر وَاحِد مَعَ إِمْكَان تلاقيهما وَإِن لم يثبت تلاقيهما وَسَمَاع أَحدهمَا من الآخر وَهَذَا مِنْهُ توسع يقْعد بِهِ عَن التَّرْجِيح فِي ذَلِك وَإِن لم يلْزم مِنْهُ عمله بِهِ فِيمَا أودعهُ فِي صَحِيحه هَذَا وَفِيمَا يُورِدهُ فِيهِ من الطّرق المتعددة للْحَدِيث الْوَاحِد مَا يُؤمن من وَهن ذَلِك وَالله أعلم
نعم يتَرَجَّح كتاب مُسلم بِكَوْنِهِ أسهل متناولا من حَيْثُ إِنَّه جعل لكل حَدِيث موضعا وَاحِدًا يَلِيق بِهِ يُورِدهُ فِيهِ بِجَمِيعِ مَا يُرِيد ذكره فِيهِ من أسانيده المتعددة وَأَلْفَاظه الْمُخْتَلفَة فيسهل على النَّاظر النّظر فِي وجوهه واستثمارها بِخِلَاف البُخَارِيّ فَإِنَّهُ يُورد تِلْكَ الْوُجُوه الْمُخْتَلفَة فِي أَبْوَاب شَتَّى مُتَفَرِّقَة بِحَيْثُ يصعب على النَّاظر جمع شملها واستدراك الْفَائِدَة من اختلافها وَالله أعلم
стр. 17
قَرَأت على الشيخة الصَّالِحَة أم الْمُؤَيد ابْنة عبد الرَّحْمَن بن الْحسن النيسابورية بهَا عَن الإِمَام أبي عبد الله مُحَمَّد بن الْفضل الصاعدي وَغَيره عَن الإِمَام أبي بكر أَحْمد بن الْحُسَيْن الْبَيْهَقِيّ الْحَافِظ وَغَيره قَالُوا أخبرنَا الْحَاكِم أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن الْحَافِظ قَالَ سَمِعت عمر بن احْمَد الزَّاهِد قَالَ سَمِعت الثِّقَة
стр. 18
من أَصْحَابنَا يَقُول رَأَيْت فِيمَا يرى النَّائِم كَأَن أَبَا عَليّ الزغوري يمشي فِي شَارِع الْحيرَة ويبكي وَبِيَدِهِ جُزْء من كتاب مُسلم فَقلت لَهُ مَا فعل الله بك فَقَالَ نجوت بِهَذَا وَأَشَارَ إِلَى ذَلِك الْجُزْء
أَبُو عَليّ هَذَا هُوَ مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز الزغوري بِفَتْح الزَّاي وَضم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَبعدهَا وَاو سَاكِنة ثمَّ رَاء مُهْملَة وَكَانَت لَهُ عناية بِصَحِيح مُسلم والتخريج عَلَيْهِ وشارع الْحيرَة هُوَ بنيسابور نفعنا الله الْكَرِيم بالدأب كَمَا نَفعه آمين وَالله أعلم
стр. 19
الْفَصْل الثَّانِي
شَرط مُسلم فِي صَحِيحه أَن يكون الحَدِيث مُتَّصِل الْإِسْنَاد بِنَقْل الثِّقَة عَن الثِّقَة من أَوله إِلَى منتهاه سالما من الشذوذ وَمن الْعلَّة وَهَذَا هُوَ حد الحَدِيث الصَّحِيح فِي نفس الْأَمر فَكل حَدِيث اجْتمعت فِيهِ هَذِه الْأَوْصَاف فَلَا خلاف بَين أهل الحَدِيث فِي صِحَّته وَمَا اخْتلفُوا فِي صِحَّته من الْأَحَادِيث فقد يكون سَبَب اخْتلَافهمْ انْتِفَاء وصف من هَذِه الْأَوْصَاف بَينهم خلاف فِي اشْتِرَاطه كَمَا إِذا كَانَ بعض رُوَاة الحَدِيث مَسْتُورا أَو كَمَا إِذا كَانَ الحَدِيث مُرْسلا وَقد يكون سَبَب اخْتلَافهمْ فِي صِحَّته اخْتلَافهمْ فِي أَنه هَل اجْتمعت فِيهِ هَذِه الْأَوْصَاف أَو انْتَفَى بَعْضهَا وَهَذَا هُوَ الْأَغْلَب فِي ذَلِك وَذَلِكَ كَمَا إِذا كَانَ الحَدِيث فِي رُوَاته من اخْتلف
стр. 20
فِي ثقته وَكَونه من شَرط الصَّحِيح فَإِذا كَانَ الحَدِيث قد تداولته الثِّقَات غير أَن فِي رِجَاله أَبَا الزبير الْمَكِّيّ مثلا أَو سُهَيْل بن أبي صَالح أَو الْعَلَاء بن عبد الرَّحْمَن أَو حَمَّاد بن سَلمَة
قَالُوا فِيهِ هَذَا حَدِيث صَحِيح على شَرط مُسلم وَلَيْسَ بِصَحِيح على شَرط البُخَارِيّ لكَون هَؤُلَاءِ عِنْد مُسلم مِمَّن اجْتمعت فيهم الْأَوْصَاف الْمُعْتَبرَة وَلم يثبت عِنْد البُخَارِيّ ذَلِك فيهم وَكَذَا حَال البُخَارِيّ فِيمَا خرجه من حَدِيث عِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس
стр. 21
وَإِسْحَاق بن مُحَمَّد الْفَروِي وَعَمْرو بن مَرْزُوق وَغَيرهم مِمَّن احْتج بهم البُخَارِيّ وَلم يحْتَج بهم مُسلم
قَرَأت بِخَط الْحَاكِم أبي عبد الله الْحَافِظ فِي كِتَابه الْمدْخل إِلَى معرفَة الْمُسْتَدْرك أَن عدد من أخرجهم البُخَارِيّ فِي الْجَامِع الصَّحِيح وَلم يخرجهم مُسلم أَرْبَعمِائَة وَأَرْبَعَة وَثَلَاثُونَ شَيخا وَعدد من احْتج بهم مُسلم فِي الْمسند الصَّحِيح وَلم يحْتَج بهم البُخَارِيّ فِي الْجَامِع الصَّحِيح سِتّمائَة وَخَمْسَة وَعِشْرُونَ شَيخا وَقد روينَا عَن مُسلم فِي بَاب صفة صَلَاة رَسُول الله ﷺ من صَحِيحه أَنه قَالَ لَيْسَ كل شَيْء عِنْدِي صَحِيح وَضعته هَاهُنَا يَعْنِي فِي كِتَابه الصَّحِيح وَإِنَّمَا وضعت هَاهُنَا مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ
وَهَذَا مُشكل جدا فَإِنَّهُ قد وضع فِيهِ أَحَادِيث قد اخْتلفُوا فِي صِحَّتهَا لكَونهَا من حَدِيث من ذَكرْنَاهُ وَمن لم تذكره مِمَّن اخْتلفُوا فِي صِحَة حَدِيثه وَلم يجمعوا عَلَيْهِ
стр. 22
وَقد أجبْت عَلَيْهِمَا بجوابين أَحدهمَا مَا ذكرته فِي كتاب معرفَة عُلُوم الحَدِيث وَهُوَ أَنه أَرَادَ بِهَذَا الْكَلَام وَالله أعلم أَنه لم يضع فِي كِتَابه إِلَّا الْأَحَادِيث الَّتِي وجد عِنْده فِيهَا شَرَائِط الْمجمع عَلَيْهِ وَإِن لم يظْهر اجتماعها فِي بَعْضهَا عِنْد بَعضهم
وَالثَّانِي أَنه أَرَادَ أَنه مَا وضع فِيهِ مَا اخْتلفت الثِّقَات فِيهِ فِي نفس الحَدِيث متْنا أَو إِسْنَادًا وَلم يرد مَا كَانَ اخْتلَافهمْ إِنَّمَا هُوَ فِي تَوْثِيق بعض رُوَاته وَهَذَا هُوَ الظَّاهِر من كَلَامه فَإِنَّهُ ذكر ذَلِك لما سُئِلَ عَن حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَإِذا قَرَأَ فأنصتوا هَل هُوَ صَحِيح فَقَالَ هُوَ عِنْدِي صَحِيح فَقيل لَهُ لم لم تضعه هَاهُنَا فَأجَاب بالْكلَام الْمَذْكُور وَمَعَ هَذَا قد اشْتَمَل كِتَابه على أَحَادِيث اخْتلفُوا فِي إسنادها أَو متنها عَن هَذَا الشَّرْط لصحتها عِنْده وَفِي ذَلِك ذُهُول مِنْهُ رحمنا الله وإياه عَن هَذَا الشَّرْط أَو سَبَب آخر وَقد استدركت عَلَيْهِ وعللت وَالله أعلم
стр. 23
الْفَصْل الثَّالِث
وَقع فِي هَذَا الْكتاب وَفِي كتاب البُخَارِيّ مَا صورته صُورَة الإنقطاع وَلَيْسَ ملتحقا بالإنقطاع فِي إِخْرَاج مَا وَقع فِيهِ ذَلِك من حيّز الصَّحِيح إِلَى حيّز الضَّعِيف وَيُسمى تَعْلِيقا سَمَّاهُ بِهِ الإِمَام أَبُو الْحسن الدَّارَقُطْنِيّ ويذكره الْحميدِي فِي الْجمع بَين الصَّحِيحَيْنِ وَغَيره من المغاربة وَكَأَنَّهُم سموهُ تَعْلِيقا أخذا من تَعْلِيق الْعتْق وَالطَّلَاق وَتَعْلِيق الْجِدَار لما يشْتَرك فِيهِ الْجَمِيع من قطع الإتصال فَإِن مَا فِيهِ من حذف رجل أَو رجلَيْنِ أَو أَكثر من أَوَائِل الْإِسْنَاد قَاطع للإتصال لَا محَالة وَهُوَ فِي كتاب البُخَارِيّ كثير وَفِي كتاب مُسلم قَلِيل وَإِذا كَانَ التَّعْلِيق بِلَفْظ فِيهِ جزم مِنْهُمَا وَحكم بِأَن من وَقع بَينهمَا وَبَينه الإنقطاع قد قَالَ ذَلِك أَو رَوَاهُ واتصل الْإِسْنَاد
стр. 24
مِنْهُ على الشَّرْط مثل أَن يَقُولَا روى الزُّهْرِيّ ويسوقا إِسْنَاده مُتَّصِلا ثِقَة عَن ثِقَة فحال الْكِتَابَيْنِ يُوجب أَن ذَلِك من الصَّحِيح عِنْدهمَا وَكَذَلِكَ مَا روياه عَن من ذكرَاهُ بِمَا لم يحصل بِهِ التَّعْرِيف بِهِ وأورداه أصلا محتجين بِهِ وَذَلِكَ مثل حَدثنِي بعض أَصْحَابنَا وَنَحْو ذَلِك وَذكر الْحَافِظ أَبُو عَليّ الغساني الأندلسي أَن مُسلما وَقع الإنقطاع فِيمَا رَوَاهُ فِي كِتَابه فِي أَرْبَعَة عشر موضعا
أَولهَا فِي التَّيَمُّم قَوْله فِي حَدِيث أبي الجهم وروى اللَّيْث بن سعد
стр. 25
ثمَّ قَوْله فِي كتاب الصَّلَاة فِي بَاب الصَّلَاة على النَّبِي ﷺ حَدثنَا صَاحب لنا عَن إِسْمَاعِيل بن زَكَرِيَّاء عَن الْأَعْمَش وَهَذَا فِي رِوَايَة أبي الْعَلَاء بن ماهان وسلمت رِوَايَة أبي أَحْمد الجلودي من هَذَا وَقَالَ فِيهِ عَن مُسلم حَدثنَا مُحَمَّد بن بكار قَالَ حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن زَكَرِيَّاء
ثمَّ فِي بَاب السُّكُوت بَين التَّكْبِير وَالْقِرَاءَة قَوْله وَحدثت عَن يحيى بن حسان وَيُونُس الْمُؤَدب
ثمَّ قَوْله فِي كتاب الْجَنَائِز فِي حَدِيث عَائِشَة ﵂ فِي خُرُوج النَّبِي ﷺ إِلَى البقيع لَيْلًا وحَدثني من سمع حجاجا الْأَعْوَر وَاللَّفْظ لَهُ قَالَ حَدثنَا حجاج ابْن مُحَمَّد حَدثنَا ابْن جريج
وَقَوله فِي بَاب الْحَوَائِج فِي حَدِيث عَائِشَة ﵂ حَدثنِي غير وَاحِد من أَصْحَابنَا قَالُوا حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن أبي أويس
стр. 26
وَقَوله فِي هَذَا الْبَاب وروى اللَّيْث بن سعد قَالَ حَدثنِي جَعْفَر بن ربيعَة وَذكر حَدِيث كَعْب بن مَالك فِي تقاضي ابْن أبي حَدْرَد
وَقَوله فِي بَاب احتكار الطَّعَام فِي حَدِيث معمر بن عبد الله الْعَدوي حَدثنِي بعض أَصْحَابنَا عَن عَمْرو بن عون وَالله أعلم
وَقَوله فِي صفة النَّبِي ﷺ وَحدثت عَن أبي أُسَامَة وَمِمَّنْ روى ذَلِك عَنهُ إِبْرَاهِيم بن سعيد الْجَوْهَرِي قَالَ حَدثنَا أَبُو أُسَامَة
وَذكر أَبُو عَليّ أَنه رَوَاهُ أَبُو أَحْمد الجلودي عَن مُحَمَّد بن الْمسيب الأرغياني عَن إِبْرَاهِيم بن سعيد
стр. 27
قلت ورويناه من غير طَرِيق أبي أَحْمد عَن مُحَمَّد بن الْمسيب وَرَوَاهُ غير ابْن الْمسيب عَن إِبْرَاهِيم الْجَوْهَرِي وسنورد ذَلِك فِي مَوْضِعه إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَفِي آخر الْفَضَائِل فِي حَدِيث ابْن عمر عَن رَسُول الله ﷺ أَرَأَيْتكُم ليلتكم هَذِه فَإِن على رَأس مائَة سنة مِنْهَا لَا يبْقى مِمَّن هُوَ على ظهر الأَرْض أحد
رِوَايَة مُسلم إِيَّاه مَوْصُولا عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن أَبِيه ثمَّ قَالَ حَدثنِي عبد الله بن عبد الرَّحْمَن الدَّارمِيّ أخبرنَا أَبُو الْيَمَان أخبرنَا شُعَيْب وَرَوَاهُ اللَّيْث عَن عبد الرَّحْمَن بن خَالِد بن مُسَافر كِلَاهُمَا عَن الزُّهْرِيّ بِإِسْنَاد معمر كَمثل حَدِيثه
وَقَالَ مُسلم فِي آخر كتاب الْقدر فِي حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ لتركبن سنَن من كَانَ قبلكُمْ حَدثنِي عدَّة من أَصْحَابنَا عَن سعيد بن أبي مَرْيَم وَهَذَا قد وَصله إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن سُفْيَان عَن مُحَمَّد بن يحيى بن أبي مَرْيَم
قلت وَإِنَّمَا أوردهُ مُسلم على وَجه الْمُتَابَعَة والاستشهاد
وَقَوله فِيمَا سبق فِي الاستشهاد والمتابعة فِي حَدِيث الْبَراء بن عَازِب فِي
стр. 28
الصَّلَاة الْوُسْطَى بعد أَن رَوَاهُ مَوْصُولا وَرَوَاهُ الْأَشْجَعِيّ عَن سُفْيَان الثَّوْريّ إِلَى آخِره
وَقَوله أَيْضا فِي الرَّجْم فِي الْمُتَابَعَة لما رَوَاهُ مَوْصُولا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة فِي الَّذِي اعْترف على نَفسه بِالزِّنَا وَرَوَاهُ اللَّيْث أَيْضا عَن عبد الرَّحْمَن بن خَالِد بن مُسَافر عَن ابْن شهَاب بِهَذَا الْإِسْنَاد
وَقَوله فِي كتاب الأمارة فِي الْمُتَابَعَة لما رَوَاهُ مُتَّصِلا من حَدِيث عَوْف بن مَالك خِيَار أئمتكم الَّذين تحبونهم وَرَوَاهُ مُعَاوِيَة بن صَالح عَن ربيعَة بن يزِيد
وَذكر أَبُو عَليّ فِيمَا عندنَا من كِتَابه فِي الرَّابِع عشر حَدِيث ابْن عمر أَرَأَيْتكُم ليلتكم هَذِه الْمَذْكُور فِي الْفَضَائِل وَقد ذكره مرّة فَيسْقط هَذَا من الْعدَد
والْحَدِيث الثَّانِي لكَون الجلودي رَوَاهُ عَن مُسلم مَوْصُولا وَرِوَايَته هِيَ الْمُعْتَمدَة الْمَشْهُورَة فَهِيَ إِذن اثْنَا عشر لَا أَرْبَعَة عشر وَأخذ هَذَا عَن أبي عَليّ أَبُو عبد الله الْمَازرِيّ صَاحب الْمعلم وَأطلق أَن فِي الْكتاب أَحَادِيث مَقْطُوعَة فِي أَرْبَعَة عشر موضعا
وَهَذَا يُوهم خللا فِي ذَلِك وَلَيْسَ ذَلِك كَذَلِك وَلَا شَيْء من هَذَا وَالْحَمْد لله
стр. 29
فَخرج لَا سِيمَا مَا كَانَ مِنْهَا مَذْكُورا على وَجه الْمُتَابَعَة فَفِي نفس الْكتاب وَصلهَا فَاكْتفى بِكَوْن ذَلِك مَعْرُوفا عِنْد أهل الحَدِيث
كَمَا أَنه روى عَن جمَاعَة من الضُّعَفَاء اعْتِمَادًا على كَون مَا رَوَاهُ عَنْهُم مَعْرُوفا من رِوَايَة الثِّقَات على مَا سنرويه عَنهُ فِيمَا بعد إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَهَكَذَا الْأَمر فِي تعليقات البُخَارِيّ بِأَلْفَاظ مثبتة جازمة على الصّفة الَّتِي ذَكرنَاهَا كَمثل مَا قَالَ فِيهِ قَالَ فلَان أَو روى فلَان أَو ذكر فلَان أَو نَحْو ذَلِك وَلم يصب أَبُو مُحَمَّد ابْن حزم الظَّاهِرِيّ حَيْثُ جعل مثل ذَلِك انْقِطَاعًا قادحا فِي الصِّحَّة مستروحا إِلَى ذَلِك فِي تَقْرِير مذْهبه الْفَاسِد فِي إِبَاحَة الملاهي وزعمه أَنه لم يَصح فِي تَحْرِيمهَا حَدِيث مجيبا بِهِ عَن حَدِيث أبي عَامر أَو أبي مَالك الْأَشْعَرِيّ عَن رَسُول الله ﷺ لَيَكُونن فِي أمتِي أَقوام يسْتَحلُّونَ الْحَرِير وَالْخمر وَالْمَعَازِف إِلَى آخر الحَدِيث فَزعم أَنه وَإِن أخرجه البُخَارِيّ فَهُوَ غير صَحِيح
стр. 30
لِأَن البُخَارِيّ قَالَ فِيهِ قَالَ هِشَام بن عمار وَسَاقه بِإِسْنَادِهِ فَهُوَ مُنْقَطع فِيمَا بَين البُخَارِيّ وَهِشَام
وَهَذَا خطأ من وُجُوه وَالله أعلم
أَحدهَا انه لَا انْقِطَاع فِي هَذَا أصلا من جِهَة أَن البُخَارِيّ لقى هشاما وَسمع مِنْهُ وَقد قَررنَا فِي كتاب معرفَة عُلُوم الحَدِيث أَنه إِذا تحقق اللِّقَاء وَالسَّمَاع مَعَ السَّلامَة من التَّدْلِيس حمل مَا يرويهِ عَنهُ على السماع بِأَيّ لفظ كَانَ كَمَا يحمل قَول الصَّحَابِيّ قَالَ رَسُول الله ﷺ على سَمَاعه مِنْهُ إِذا لم يظْهر خِلَافه وَكَذَا غير قَالَ من الْأَلْفَاظ
الثَّانِي إِن هَذَا الحَدِيث بِعَيْنِه مَعْرُوف الإتصال بِصَرِيح لَفظه من غير جِهَة البُخَارِيّ
الثَّالِث أَنه وَإِن كَانَ ذَلِك انْقِطَاعًا فَمثل ذَلِك فِي الْكِتَابَيْنِ غير ملتحق فِي بالإنقطاع القادح لما عرف من عاداتهما وشرطهما وذكرهما ذَلِك فِي كتاب مَوْضُوع لذكر الصَّحِيح خَاصَّة فَلَنْ يستجيزا فِيهِ الْجَزْم الْمَذْكُور من غير ثَبت وَثُبُوت بِخِلَاف الإنقطاع والإرسال الصادرين من غَيرهمَا وَأما إِذا لم يكن ذَلِك من الشَّيْخَيْنِ بِلَفْظ جازم مُثبت لَهُ على مَا ذكرَاهُ عَنهُ على الصّفة الَّتِي قدمت ذكرهَا مثل أَن يَقُولهَا وروى عَن فلَان أَو ذكر عَن فلَان أَو فِي الْبَاب عَن فلَان وَنَحْو ذَلِك فَلَيْسَ ذَلِك فِي حكم التَّعْلِيق الَّذِي ذَكرْنَاهُ وَلَكِن يسْتَأْنس بإيرادهما لَهُ وَأما قَول مُسلم فِي خطْبَة
стр. 31
كِتَابه وَقد ذكر عَن عَائِشَة ﵂ أَنَّهَا قَالَت أمرنَا رَسُول الله ﷺ أَن ننزل النَّاس مَنَازِلهمْ فَهَذَا بِالنّظرِ إِلَى أَن لَفظه لَيْسَ لفظا جَازِمًا بذلك عَن عَائِشَة غير مُقْتَض كَونه مِمَّا حكم بِصِحَّتِهِ وبالنظر إِلَى أَنه احْتج بِهِ وَأوردهُ إِيرَاد الْأُصُول لَا إِيرَاد الشواهد يَقْتَضِي كَونه مِمَّا حكم بِصِحَّتِهِ
وَمَعَ ذَلِك قد حكم الْحَاكِم أَبُو عبد الله الْحَافِظ فِي كِتَابه معرفَة عُلُوم الحَدِيث بِصِحَّتِهِ وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي سنَنه بِإِسْنَادِهِ مُنْفَردا بِهِ وَذكر أَن الرَّاوِي لَهُ عَن عَائِشَة مَيْمُون بن أبي شبيب لم يُدْرِكهَا وَفِيمَا قَالَه أَبُو دَاوُد توقف وَنظر فَإِنَّهُ كُوفِي مُتَقَدم قد أدْرك الْمُغيرَة بن شُعْبَة وَمَات الْمُغيرَة قبل عَائِشَة ﵂ وَعند مُسلم التعاصر مَعَ إِمْكَان التلاقي كَاف فِي ثُبُوت الْإِدْرَاك فَلَو ورد عَن مَيْمُون هَذَا أَنه قَالَ لم ألق عَائِشَة أَو نَحْو هَذَا لاستقام لأبي دَاوُد الْجَزْم بِعَدَمِ إِدْرَاكه وهيهات ذَلِك وَالله أعلم
стр. 32
الْفَصْل الرَّابِع
جَمِيع مَا حكم مُسلم بِصِحَّتِهِ من هَذَا الْكتاب فَهُوَ مَقْطُوع بِصِحَّتِهِ وَالْعلم النظري حَاصِل بِصِحَّتِهِ فِي نفس الْأَمر وَهَكَذَا مَا حكم البُخَارِيّ بِصِحَّتِهِ فِي كِتَابه وَذَلِكَ لِأَن الْأمة تلقت ذَلِك بِالْقبُولِ سوى من لَا يعْتد بِخِلَافِهِ ووفاقه فِي الْإِجْمَاع وَالَّذِي نختاره أَن تلقي الْأمة للْخَبَر المنحط عَن دَرَجَة التَّوَاتُر بِالْقبُولِ يُوجب الْعلم النظري بصدقه خلافًا لبَعض محققي الْأُصُولِيِّينَ حَيْثُ نفى ذَلِك بناءا على أَنه لَا يُفِيد فِي حق كل وَاحِد مِنْهُم إِلَّا الظَّن وَإِنَّمَا قبله لِأَنَّهُ يجب عَلَيْهِ الْعَمَل بِالظَّنِّ وَالظَّن قد يخطأ وَهَذَا مندفع لِأَن ظن من هُوَ مَعْصُوم من الْخَطَأ لَا يُخطئ وَالْأمة فِي إجماعها معصومة من الْخَطَأ وَقد أخبرونا فِي إذْنهمْ عَن الْحَافِظ الْفَقِيه
стр. 33
أبي طَاهِر أَحْمد بن مُحَمَّد الْأَصْبَهَانِيّ ﵀ قَالَ سَمِعت القَاضِي أَبَا حَكِيم الجيلي يَقُول سَمِعت أَبَا الْمَعَالِي عبد الْملك بن عبد الله بن يُوسُف الْجُوَيْنِيّ بنيسابور يَقُول لَو حلف إِنْسَان بِطَلَاق امْرَأَته أَن مَا فِي كتابي البُخَارِيّ وَمُسلم مِمَّا حكما بِصِحَّتِهِ من قَول النَّبِي ﷺ لما ألزمته الطَّلَاق وَلَا حنثته لإِجْمَاع عُلَمَاء الْمُسلمين على صحتهما
قلت وَلقَائِل أَن يَقُول فِي قَوْله وَلَا حنثته للْإِجْمَاع على صحتهما أَنه لَا يَحْنَث وَلَو لم يجمع على صحتهما لأجل الشَّك فِيهِ حَتَّى لَو حلف بذلك فِي
стр. 34
حَدِيث لَيْسَ بِهَذِهِ الصّفة فَإِنَّهُ لَا يَحْنَث لذَلِك وَإِن كَانَ رَاوِيه فَاسِقًا فَعدم الْحِنْث حَاصِل قبل الْإِجْمَاع فَلَا يُضَاف إِلَى الْإِجْمَاع
فَأَقُول الْمُضَاف إِلَى الْإِجْمَاع هُوَ الْقطع بِعَدَمِ الْحِنْث ظَاهرا وَبَاطنا وَالثَّابِت عِنْد الشَّك وَعدم الْإِجْمَاع هُوَ الحكم ظَاهرا بِعَدَمِ الْحِنْث مَعَ احْتِمَال وجوده فِي الْبَاطِن فعلى هَذَا يَنْبَغِي أَن يحمل كَلَامه فَإِنَّهُ اللَّائِق بتحقيقه وَالله أعلم
إِذا عرفت هَذَا فَمَا أَخذ عَلَيْهِمَا من ذَلِك وقدح فِيهِ مُعْتَمد من الْحفاظ فَهُوَ مُسْتَثْنى مِمَّا ذَكرْنَاهُ لعدم الْإِجْمَاع على تلقيه بِالْقبُولِ وَمَا ذَلِك إِلَّا فِي مَوَاضِع قَليلَة سننبه على مَا وَقع مِنْهَا فِي هَذَا الْكتاب إِن شَاءَ الله الْعَظِيم وَهُوَ أعلم
стр. 35
الْفَصْل الْخَامِس
صنف على صَحِيح مُسلم قوم من الْحفاظ تَأَخَّرُوا عَن مُسلم وأدركوا الْأَسَانِيد الْعَالِيَة وَفِيهِمْ من أدْرك بعض شُيُوخ مُسلم فَخَرجُوا أَحَادِيثه فِي تصانيفهم تِلْكَ بأسانيدهم تِلْكَ فالتحقت بِهِ فِي أَن لَهَا سمة الصَّحِيح وَإِن لم تلتحق بِهِ فِي خَصَائِصه جمع وَيُسْتَفَاد من مخرجاتهم الْمَذْكُورَة علو الْإِسْنَاد وفوائد تنشأ من تَكْثِير الطّرق وَمن زِيَادَة أَلْفَاظ مفيدة ثمَّ أَنهم لم يلتزموا فِيهَا الْمُوَافقَة فِي أَلْفَاظ الْأَحَادِيث من غير زِيَادَة وَلَا نقص لكَوْنهم يروونها بأسانيد أخر فَأوجب ذَلِك بعض التَّفَاوُت فِي بعض الْأَلْفَاظ
فَمن ذَلِك الْمخْرج على صَحِيح مُسلم للْعَبد الصَّالح أبي جَعْفَر أَحْمد بن حمدَان النَّيْسَابُورِي الزَّاهِد العابد المجاب رَحل فِي حَدِيث وَاحِد مِنْهُ إِلَى أبي يعلى الْموصِلِي ورحل فِي أَحَادِيث مَعْدُودَة مِنْهُ لم يكن سَمعهَا حَتَّى سَمعهَا وروينا أَنه
стр. 36
سَمعه مِنْهُ الشَّيْخ الْقدْوَة أَبُو عُثْمَان سعيد بن إِسْمَاعِيل الزَّاهِد الْحِيرِي فَكَانَ إِذا بلغ مِنْهُ موضعا فِيهِ سنة لم يستعملها وقف عِنْدهَا إِلَى أَن يستعملها
وَمِنْهَا الْمسند الصَّحِيح لأبي بكر مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن رَجَاء النَّيْسَابُورِي الْحَافِظ المُصَنّف على شَرط مُسلم وَهُوَ مُتَقَدم يُشَارك مُسلما فِي أَكثر شُيُوخه
وَمِنْهَا مُخْتَصر الْمسند الصَّحِيح الْمُؤلف على كتاب مُسلم تأليف الْحَافِظ أبي عوَانَة يَعْقُوب بن إِسْحَاق الإِسْفِرَايِينِيّ روى فِيهِ عَن يُونُس بن عبد الْأَعْلَى وَغَيره من شُيُوخ مُسلم
وَمِنْهَا كتاب أبي حَامِد الشاركي الْفَقِيه الشَّافِعِي الْهَرَوِيّ يروي عَن أبي يعلى الْموصِلِي فِي أَمْثَال لَهُ
стр. 37
وَمِنْهَا الْمسند الصَّحِيح على كتاب مُسلم لأبي بكر مُحَمَّد بن عبد الله الجوزقي النَّيْسَابُورِي الشَّافِعِي
وَمِنْهَا الْمسند الْمُسْتَخْرج على كتاب مُسلم لِلْحَافِظِ المُصَنّف أبي نعيم احْمَد ابْن عبد الله الْأَصْبَهَانِيّ والمخرج على صَحِيح مُسلم للْإِمَام أبي الْوَلِيد حسان ابْن مُحَمَّد الْقرشِي الْفَقِيه الشَّافِعِي ﵃ وعنا وَغير ذَلِك وَالله أعلم
стр. 38
الْفَصْل السَّادِس ذكر مُسلم ﵀ أَولا أَنه يقسم الْأَخْبَار ثَلَاثَة أَقسَام
الأول مَا رَوَاهُ الْحفاظ المتقنون
وَالثَّانِي مَا رَوَاهُ المستورون المتوسطون فِي الْحِفْظ والإتقان
وَالثَّالِث مَا رَوَاهُ الضُّعَفَاء والمتروكون
فَإِذا فرغ من الْقسم الأول اتبعهُ بِذكر الْقسم الثَّانِي وَأما الثَّالِث فَلَا يعرج عَلَيْهِ فَذكر الْحَاكِم أَبُو عبد الله الْحَافِظ وَصَاحبه أَبُو بكر الْبَيْهَقِيّ أَن الْمنية اخترمته قبل إِخْرَاج الْقسم الثَّانِي وَذكر القَاضِي الْحَافِظ عِيَاض بن مُوسَى من المغاربة أَن ذَلِك مِمَّا قبله الشُّيُوخ وَالنَّاس من الْحَاكِم وتابعوه عَلَيْهِ وَأَن الْأَمر لَيْسَ على ذَلِك فَإِنَّهُ ذكر فِي كِتَابه هَذَا أَحَادِيث الطَّبَقَة الأولى وَجعلهَا أصولا ثمَّ اتبعها بِأَحَادِيث الطَّبَقَة الثَّانِيَة على سَبِيل الْمُتَابَعَة والاستشهاد وَلَيْسَ مُرَاد مُسلم بذلك إِيرَاد الطَّبَقَة الثَّانِيَة مُفْردَة وَكَذَلِكَ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ مُسلم من أَنه يذكر علل الْأَحَادِيث قد وفى بِهِ فِي هَذَا الْكتاب فِي ضمن مَا أَتَى بِهِ فِيهِ من جمع الطّرق والأسانيد وَالِاخْتِلَاف
стр. 39
قلت كَلَام مُسلم مُحْتَمل لما قَالَه عِيَاض وَلما قَالَه غَيره نعم رُوِيَ بِالصَّرِيحِ عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن سُفْيَان أَنه قَالَ أخرج مُسلم ثَلَاثَة كتب من المسندات وَاحِد الَّذِي قَرَأَهُ على النَّاس وَالثَّانِي يدْخل فِيهِ عِكْرِمَة وَمُحَمّد بن إِسْحَاق صَاحب الْمَغَازِي وضرباؤهما وَالثَّالِث يدْخل فِيهِ من الضُّعَفَاء وَهَذَا مُخَالف لما قَالَه الْحَاكِم وَالله أعلم
стр. 40
الْفَصْل السَّابِع ألزم أَبُو الْحسن عَليّ بن عمر الدَّارَقُطْنِيّ مُسلما وَالْبُخَارِيّ ﵃ إِخْرَاج أَحَادِيث تركا إخْرَاجهَا مَعَ
أَن أسانيدها أَسَانِيد قد أخرجَا فِي صَحِيحَيْهِمَا بِمِثْلِهَا
مِثَال إِخْرَاج البُخَارِيّ حَدِيث قيس بن أبي حَازِم عَن مرداس بن مَالك الْأَسْلَمِيّ عَن رَسُول الله ﷺ يذهب الصالحون الأول فَالْأول
وَإِخْرَاج مُسلم حَدِيث قيس أَيْضا عَن عدي بن عميرَة عَن رَسُول الله ﷺ من استعملناه على عمل الحَدِيث
следующие страницы →