Полный текст (124 стр.). Показаны 106–124 · переход к 111.
стр. 106
صُدْغانِ من عَرْعَرَةٍ تَفَطَّرَا
كأَنّ عَيْنَيْه إِذا ما اتَّأَرَا
فَصَّان قِيضَا من عَقِيقٍ أَحْمرَا
في هَامَةٍ عَلْيَاءَ تَهْدِى مِنْسَرَا
كعَطْفَةِ الجِيم بكَفٍّ أَعسَرَا
فالطَّيْرُ يَلْقَيْنَ مُلَقًّى مِدْسَرَا
مَشْقاً هذَاذَيْهِ ونَهْساً نَهْسَرَا
قوله صدغان من عرعرةٍ من قول علقمة بن عبدة حين وصف الظّليم فقال:
فُوهُ كشَقِّ العَصَا لأْياً تَبَيَّنُهُ ... أَسَكُّ ما يَسْمَعُ الأَصْوَاتَ مَصْلومُ
وقد جوَّده أبو نواس.
وله أيضاً:
أُطْرِيكَ يا بَازِيَنَا وأُطْرِى
أَقمَرَ من ضَرْبِ بُزَاةٍ قُمْرِ
يَصْقُلُ حِمْلاّقاً سَرِيعَ الطَّحْرِ
كأَنّه مُكْتَحِلٌ بتِبْرِ
في هَامَةٍ لُمَّتْ كلَمِّ الفِهْرِ
يُرِيحُ إِن أَراحَ لا مِنْ بُهْرِ
مِن منْخرٍ رَحْبٍ كعَقْدِ العَشْرِ
وجْؤْجُؤٍ كالحَجَرِ القَهْقَرِّ
في مَنْسِرٍ أَقنَى رُحَابِ الشَّجْرِ
شَثْنِ سُلاَمَى الكَفِّ وَافِى الشِّبْرِ
أَخْرَقَ طَبٍّ بانتزاعِ السَّحْرِ
فلِلْكَرَاكِىِّ بكُلّ وَتْرِ
وَقَائِعٌ من عَنَتٍ وأَسْرِ
وله أيضاً:
قَد أَغتدِى واللَّيْلُ في حِجَابِهِ
بكُرّزِىٍّ صادَ في شَبَابِهِ
بأَحْجَنِ الكَفّ إِذا افْتَلَى بِهِ
كأَنَّ صَوْتَ الحَلْقِ إِذ صَأَى بِهِ
تَأَوُّهُ الشاكِى لِمَا أَمَسَى بِهِ
فانفض كالجلمود إذا رمى به
فقَلَبَ النَّيْزَكَ في انْقلابِهِ
فما يَزَالُ خَرَبٌ يَشْقَى بِهِ
مُنْتَزَع الفُؤادِ من حِجَابِهِ
يَنْزُو وقدْ أَثْبَتَ في إِهابِهِ
مَخَالِباً يَنْشبْنَ من إِنشابِهِ
مثْل مُدَى الفَرَّاءِ أَو قَصَّابِهِ
يَخِرُّ للأَنْفِ إذا كبَا بِهِ
وله أيضاً:
قد أَغتدِى والشمسُ لم تَرَحَّلِ
بأَحْجَنِ الأَنْفِ كَمِىٍّ أَكْحلِ
كأَنّمَا في الدَّسْتبَانِ المُدْخلِ
منه إذا ضمّ مَوَاسِى الصَّيْقَلِ
فقُلْتُ للسّائِس شَمِّرْ أَرْسِلِ
فقال إِذْ أَرسلَه إِيهٍ قُلِ
وله أيضاً: لمّا رأَيْتُ اللَّيْلَ قد تَحسَّرَا
نَبَّهتُ خِرْقاً لم يَكنْ عَذَوَّرَا
أَبْلَجَ فَضْفَاضَ القَمِيصِ أَزْهَرَا
سَقاهُ كَفُّ اللَّيْلِ أَكْوَاسَ الكَرَى
فقَامَ واللَّيْلُ يُبَاهِى السَّحَرَا
منه ومَا الْتَاثَ وما تَنَظَّرَا
بأَسْفَعِ الخَدَّيْنِ طاوٍ أَمعَرَا
عَارِى الظَّنَابِيبِ إِذا تَغَشْمَرَا
فصَادَ في شَوْطَيْهِ حتّى أَظْهَرَا
خَمْساً وعِشرينَ وخَمْسَ عَشَرَا
فكَمْ تَرَى مِن خَرَبٍ مُعَفَّرَا
أَنْحَى له مَخَالِباً ومِنْسَرَا
ثُمَّتَ راحَ سامِياً مُصَدَّرَا
تَخَالُ أَعلَى زَوْرِهِ مُعَصْفَرَا
من صائِكِ الأَجْوَافِ أَو مُمَغَّرَا
يُدْرِك منها كلَّ ما تَخَيِّرَا
حَبَّ القُلُوبِ والغَرِيضَ الأَحَمرَا ولشرشير:
لا صَيْدَ إلاّ صَيْدُ بازٍ أَبْجَلِ
مجدِّلٍ بخَطْفِه للأَجْدَلِ
وقُلَّبٍ من البُزَاة حُوَّلِ
مُضْطَرمٍ مثْل الحَرِيقِ المُشْعَلِ
ذي مَنْكبٍ مُوفٍ وفَرْقٍ أَشْعَلِ
ومِنْسَرٍ كقَرْنِ ظَبْيٍ أَعْصَلِ
ومَنْخِرٍ كفُوقِ سَهْمٍ أَعزَلِ
وشِكّةٍ كزَرَدٍ مُوَصَّلِ
وذَنَبٍ كذَيْلِ بَكْرٍ مُسبَلِ
وهَامَةٍ كشَرْيَةٍ من حَنْظَلِ
ومُقْلَةٍ كجِذْوةٍ مِن مَشْعَلِ
وكَفِّ لَيْثٍ ذَاتِ حُجْنٍ ثُجَّلِ
كأَنَّهَا مَنحوتةٌ من جَنْدَلِ
تَقْصِدُ فكَّ مفْصلٍ عن مفْصلِ
كأَنَّهَا عالِمةٌ بالمَقْتَلِ
وله أيضاً: لمّا تَفرَّى اللَّيْلُ عن أَثْباجِهِ
وارْتَاحَ ضَوْءُ الصُّبْحِ لانْبِلاجِهِ
غَدوْتُ أَبْغِى الصَّيْدَ من مِنْهاجِهِ
بأَقْمَرٍ أَبْدَعَ في ابْتِلاجِهِ
أَلْبَسَهُ الخالِقُ من دِيباجِهِ
ثَوْباً كَفَى الصانِعَ من نِسَاجِهِ
وزانَ فَوْدَيهِ إِلى حَجَاجِهِ
بزِينةٍ كفَتْهُ نَظْمَ تَاجِهِ
стр. 107
يَجْمَعُ دلَّ الغِيدِ في إِبْهاجِهِ
وسَطَوَاتِ السِّيدِ في هِيَاجِهِ
مِنْسَرُه يُنْبِىءٌ عن خِلاجِهِ
وظُفرُهُ يُخْبِر عن عِلاَجِهِ
فلم نَزَل نَغذوه في استخراجِهِ
مِن قَبْجِهِ حَالاً ومن دُرَّاجِهِ
حَتَّى أَزالَ الزَّيْغَ عن مِزَاجِهِ
ونَهْنَهَ الهَمَّ عنِ اعْوِجاجِهِ
وله أيضاً:
انْتَزِعْ يا صاحِ بَازِيَنَا ... واغْدُ بنَفْىِ العُسْر من يُسُرِهْ
أَقْمَراً لوْ لاحَ في سَدَفٍ ... غَنِىَ الرّاؤُونَ عن قَمَرِهْ
قَلِقَ الأَجْفَانِ تَحْسبُه ... عاقِداً حِقْداً على وَغَرِهْ
كمَدَاكِ الطِّيبِ هامَتُه ... خَلْقُها يَدْعُو إِلى حَذَرِهْ
وكقَرْنِ الظَّبْىِ مِنْسَرُهُ ... في رِحابِ الشِّدْقِ مُنْقَعِرِهْ
وكجِزْعٍ حَوْلَه ذَهَبٌ ... مايُدِيرُ اللَّحظُ من بَصَرِهْ
مُتَقَبِّى يَلْمَقَىْ جِبَرٍ ... بشِعَارٍ شَفَّ عن صَدَرِهْ
باسِلٌ يَقْضِى بمَنْظَرِه ... حينَ تَلَقاهُ على خَبَرِهْ
وُثِقتْ بالفلْج عَزْمَتُه ... فهْوَ لا يَمْضِى على خطَرِهْ
نائلاً بالأَيْنِ بُغْيَتَهُ ... ظافِراً بالحَزْمِ في غَرَرِهْ
وإِذا أَطْبَى مَسَامِعَه ... رِكْزُ شَخْصٍ غابَ عن حَضَرِهْ
قُلْتَ في عَيْنَيه أَفئِدةٌ ... تَنْتَحِى ما قصَّ من أَثَرِهْ
يَنْبَرِى للطَّيرِ مُنْحرِفاً ... كانْبِعاثِ السَّهْم من وَتَرِهْ
فتَشَظَّى عنه مُقْشِعَةً ... كانْقِشَاعِ الدَّجْنِ عن مَطَرِهْ
ثمَّ يِشْآهَا فيَرْجِعُها ... كرُجوعِ الطَّرْفِ عن نَظَرِهْ
ويُفَرِّى رِيشَهَا بِتَكاً ... كانْتِثَار الزَّهْرِ عن شَجَرِهْ
ولعليّ بن محمّد العلويّ الكوفيّ فيه:
قد أَغتَدِى واللَّيْلُ وَرْدٌ مِنْسَرُهْ
كأَنَّمَا أَلقَتْ عليه أُزُرُهْ
مَوْكِب دُهْمٍ لائِحَات غُرَرُهْ
أَو أَسْوَد اللِّمَّة شابَتْ طُرَرُهْ
والفَجْرُ مولودٌ يَبِينُ صِغَرُهْ
يَطْوِى الظَّلامَ والظَّلامُ يَنْشُرُهْ
بأَشْوَسِ الغَدْوَةِ سامٍ نَظَرُهْ
يُبَادِرُ النّاظِرَ وَهْوَ يَبْدُرُهْ
كأنّ من يُبْصِرُهُ لا يُبْصِرُهْ
يزْهضاهُ بَعْدَ أَيْنِهِ تَجبُّرُهْ
فصَحَّ مَرْءَاهُ لَنَا ومخبَرُه
أَطْوَلُ عُمْرٍ ما رَآه أَقصَرُهْ
وللحسين بن الضحّاك في بازٍ للمتوكّل:
يَحْمِل فوْقَ الكَفِّ موشِىَّ القَرَا
مُلَمْلَمَ الخَلْقِ كجُلمودِ الصَّفَا
مُقْتَدِرَ المِنْسَرِ مَقْدودَ القَنَا
تَخالهُ غَضْبانَ من فَرْطِ الشَّغَا
أَلْبَسَهُ التَّكْرِيزُ مِن حِبْرِ الكُسَا
مَدَارِعاً رَقَّشَ فيها ومَحَا
كأَنّمَا نَمَّقَ من نُونٍ ورَا
مَدَارِجَ الذَّرِّ تَرَقَّى في النَّقَا
يَرْمِى بزَرْقَاءَ طَحُورٍ للقَذَى
يَطْوِى الحَمَاليقَ على جَمْرِ الغَضَا
يُدْرِكُ أَحفَى شَبَحٍ وإِن نَأَى
حتّى إِذا قَرْنٌ من الشمسِ بَدَا
وأَمسكَ السَّاقِطُ من قَطْرِ النَّدَى
عنَّ له سِرْبُ كَرَاكىٍّ سَدَا
مَدَّ مَدَى اللَّيْلِ إلى رَأْدِ الضُّحَى
مُنْجَذِباً يَقطَع أَجْوازَ الفَلاَ
فجَاذَبَ الإِرْسالَ طَبًّا فأَبَى
حتَّى إِذا قَابَلَ مُسْتضنَّ الصَّبَا
أَرْسَلَه ط؟ يَّانَ خَفّاقَ الحَشَا
فمَرَّ كالسَّهْم إِذا السَّهْمُ سَما
حتّى إِذا خَالَطَ أَو قِيل سَطَا
وشَدّ فَنَّينِ عِرَاضاً وتَلاَ
بنَيْزَكٍ إِن صكَّ دَمَّى وفَرَى
قَطَّعَها شَتَّى كأَسْرَابِ القَطَا
فجُلْن من بين خَساً إِلى زَكَا
صَوَارِخاً بين فَيَافٍ وقُرَى
وحَثّ عشْرَيه لأَقصاها مَدَى
стр. 108
أَبْعَدَهَا مُنْتَجَعاً ومُرْتضمَى
فصَدَّه عن قَصْدِ ما كَان نَحَا
يَحْطُّ إِنْ حِطَّ ويَعلُو إِنْ عَلاَ
بحَرِكٍ أَسْرَعَ من رَجْعِ الصَّدَا
حَتّى إِذا جَرَّعَه المَوْتَ حُسَا
وغَصَّ منه بشَجًى بَعْدَ شَجَا
وتَاهَ كالحَيْرَانِ من غيرِ عَمَى
أَنشَبَ من شِدْقٍ وقِحْفٍ وقَفَا
نَوَافِذاً حُجْناً كأَطْرَافِ المُدَى
فخَرَّ كالحِلْسِ إِذا الحِلْسُ هُوَى
وله أيضاً:
سَقَى اللهُ بالقَاطُولِ مَطْرَحَ طَرْفِكَا ... وخَصَّ بسُقْيَاهُ مَنَاكِبَ قَصْرِكَا
ولم أَنسَ بالشَّطَّين نَفْضَ غِيَاضِه ... بخَيْلِكَ أَطْرَافَ النّهَارِ ورِجْلِكَا
ودَسَّك للدُّرَّاجِ في جَنَباتِهِ ... وللغُرِّ آجَالاً قُدِرْنَ بكَفِّكَا
بشُهْبٍ كمَوْشِىّ الرُّخَامِ يُجِيلُهُ ... بمثْل خَفىِّ الوَحْىِ صَنْعَة رَبِّكَا
أَوِ اسْبَهْزَجىّ يَسْبِق الطَّرْفَ حَثُّهُ ... هَوَامِسُ عشْرَيْهِ مُطِيعٌ لأَمرِكَا
تَسُرُّك في تَشْمِيرهَا وقُدُودِهَا ... وحَسْبُك في التأْديب أَو فَوْقَ حَسْبِكَا
حُتُوفٌ إِذَا أَرسلتَهنّ قَوَاصِداً ... عِجَالٌ إِذا أَغْرَيْتهنّ بزَجْرِكَا
تُخَطِّفُ من صُغْرَى وكُبْرَى إِذَا ارتمتْ ... بيُمْنَى ويُسْرَى من بَوَادِر خَطْوِكَا
أَبَحْتَ حِمَاهَا مُصْعِداً ومُصَو؟ ِّباً ... وما رِمْتَ في حَالَيك مَجْلِسَ لَهوِكَا
ولعليّ بن الجهم في البزاة والبوازج:
وَطِئنَا رِيَاضَ الزَّعْفَرَانِ وأَمسكتْ ... علينَا البُزَاةُ البِيضُ حُمْرَ التَّدَارِجِ
ولم تَحْمِهَا الأَدْغَالُ مِنّا وإِنّمَا ... أَبَحْنَا حِمَاهَا بالكِلابِ البَوَازِجِ
بمُسْتَرْوِحَاتٍ سابِحَاتِ بُطُونُهَا ... على الأَرْضِ أَمْثَالَ السِّهَامِ الزَّوَالِجِ
ومُسْتَشْرِفَاتٍ بالهَوَادِى كأَنَّهَا ... وما عقَفَتْ منها رُؤُوسُ الصَّوالِجِ
فَلَيْنا بها الغِيطَانَ فَلْياً كأَنَّهَا ... أَنامِلُ إِحْدىَ الفَالِيَات الحَوَالجِ
قَرَنَّا البُزَاةَ والصُّقورَ وحُرِّمَتْ ... شَوَاهِينُنا من بَعْدِ صَيْدِ الزَّمَامِجِ
وفي البازى من قصيدة:
وقد حَملْنا كلَّ مُسَوْفزٍ ... أَدّبَه الحاذِقُ واخْتَارَا
مَضْطرِمٍ تَحْسبُه طالِباً ... عندَ جَمِيعِ الناسِ أَوْتَارَا
يَفْتُقُ حِمْلاَقيْنِ عن مُقْلَة ... يَخَالُهَا الناظِرُ دِينَارَا
صادِقَةٍ تُعمِلُ لَحْظاً إلى ... مَقَاتِلِ الطائِرِ نَظّارَا
مُخاتِلِ لكنْ له جُلْجُلٌ ... لم يَأْلُ إِعْذاراً وإِنْذارَا
كأَنَّه شُعْلَةُ نارٍ إِذا ... عَايَنَ قَبْجاً أَو خشنْشارَا
أَو عَرَبِىٌّ فاتِكٌ ثائِرٌ ... يخَاف في تَقْصيره العارَا
ولعبد الله بن المعتزّ في البازى:
غَدَوتُ للصَّيْد بفِتْيَانِ نُجُبْ
وسَبَبٍ للرِّزْق من خَيْرِ سَبَبْ
ذي مُقْلَةٍ تَهْتِكُ أَستارَ الحُجُبْ
كأَنَّهَا في الرَّأْسِ مِسْمَارُ ذَهَبْ
بمنْسرٍ مثْلِ السِّنَان المُختضِبْ
قد وَثِقَ القَوْمُ له بِمَا طَلَبْ
فهو إِذا جَلَّى لصَيْدٍ واضطرَبْ
عَرَّوْا سكَاكِنَهُمُ مِن القُرُبْ
قوله:
قد وَثِقَ القَوْمُ له بما طَلَبْ
مأخوذ من قول امرىء القيس:
إِذا ما رَكِبْنَا قال وِلْدَانُ أَهلِنَاتَعَالَوا إِلى أَنْ يَأْتىَ الصَّيْدُ نَحْطِبِ
أي هم واثقون بأَنّ الصَّيد يأتيهم.
وله أيضاً في قصيدة:
ونَذْعَرُ الصَّيْدَ ببَازٍ أَقْمَرِ
كأَنَّه في جَوْشَنٍ مُزَرَّرِ
ذي مُقْلَةٍ تُسْرِجُ فَوقَ المَحْجِرِ
ومِنْسَرٍ عَضْبِ الشَّبَا كالخَنْجَرِ
تَخَالُه مُضَمَّخاً بالعُصْفُرِ
وهَامةٍ كالحَجَر المُدَوَّرِ
стр. 109
وجُؤْجُؤٍ مُنَمْنَمٍ مُحَبَّرِ
كأَنَّه رَقٌّ خَفِىُّ الأَسْطُرِ
وذَنَبٍ كالمُنْصُلِ المُذَكَّرِ
أَو كجَنِىِّ الطَّلْعةِ المقَشَّرِ
وقَبْضَةٍ تَفْصِل إِن لم تَكسِرِ
قَلَّصَ فَوْقَ الدَّسْتَبَانِ الأَحْمَرِ
جَنَاحُهُ كرِدْيَةِ المُشَمِّرِ
وله فيه وفي الفرس:
لَمّا حَدَا الصُّبْحُ بِليلٍ أَدْعَجِ
مثْلِ القَبَاءِ الأَسوَدِ المفَرَّجِ
والنَّجمُ في غُرّةِ فَجْرٍ مُسْرَجِ
كالمُصْطَلِى باللَّهَبِ المؤَجَّجِ
رُعْنَا الوُحُوشَ بِابْنِ شَدٍّ مُدْمَجِ
أَشقرَ مَلْزوزِ القَرَا والمِنْسَجِ
قد خاضَ تَحْجيلاً ولم يُلَجَّجِ
كالخَوْدِ في جِلْبَاتِهَا المضَرَّجِ
رَمَت إلى مِعْصَمِهَا بالدُّمْلُجِ
ذي غُرَّةٍ مثلِ الصَّبَاحِ الأَبْلَجِ
وأَضْلُعٍ مثلِ شِجَارِ الهَوْدَجِ
لُزَّتْ بصُلْبٍ ذي فَقَارٍ مُرْتَجِ
كعُقَدِ الخَطِّىّ لم تَفَرَّجِ
وحافِرٍ أَزرقَ كالفَيْرُوزَجِ
ومُكْملٍ شِكَّتُهُ مُدَجَّجِ
أٌقْمَرَ مثْل المَلِك المُتَوَّجِ
ذي مِخْلَبٍ كالحَاجِب الدَّيْزَجِ
أبرش بطنان الجناح الديزج
كطَيْلَسانِ المَلِكِ المُدَبَّجِ
وله أيضاً فيه:
لَمَّا انْجلَى ضَوءُ الصَّباح وفَتَقْ
تَجَلِّىَ الصَّفْوةِ من تحتِ الرَّنَقْ
وأَنجُمُ اللَّيْل مَريضاتُ الحَدَقْ
والفَجرُ قد أَلْقَى على اللَّيْل طَبَقْ
غدوتُ في ثَوبٍ من اللَّيْل خَلَقْ
بِطارِحِ النَّظرِة في كلّ أُفُقْ
ذِي مِنْسَرٍ أَقْنَى إِذا شَكَّ خَرَقْ
مُختَضِبٍ في كلِّ يَومٍ بعَلَقْ
ومُقلةٍ تَصْدُقُهُ إِذا رَمَقْ
كأَنّهَا نَرْجِسَةٌ بلاَ وَرَقْ
يُنْشِبُ في الأَثباج حتَّى تَنفَتِقْ
مَخَالِباً كمثْلِ أَنْصَافِ الحَلَقْ
مَبَارَكٍ إذا رأَى لقَدْ لَحِقْ
يَسْبِقُ ذُعْرَ الطَّيْرِ من حيثُ امْتَرَقْ
حتَّى يَرَيْنَ المَوْتَ من قَبْلِ الفَرَقْ
وله أيضاً:
كأَنَّه لمّا بَدَا ... والصُّبْحُ لمْ يَنْبَلِجِ
قائدُ جَيْشٍ لَجِبٍ ... سارَ لِقَبْضِ المُهَجِ
فجِسْمُه من فَضّةٍ ... ودِرْعُه من سَبَجِ
وله أيضاً:
قد أَغْتدِى في نَفَسِ الصَّبَاحِ
بقَرِمٍ للصَّيْدِ ذي ارْتياحِ
مُعَلَّقِ الأَلْحاظِ بالأَشباحِ
يَرْكُضُ في الهَوَاءِ بالجَنَاحِ
قُمِّصَ رِيشاً حَسَنَ الأَوْضَاحِ
عليه منه كحَبَابِ الرَّاحِ
ذي جُلْجُل كالصُّرْصُرِ الصَّيّاحِ
تشبيه لمع بياض البازى بالحباب مليحٌ ظريفٌ، وكلك تشبيهه الجلجل بصوت الصُّرصر، وقد أخذ معنى قوله.
مُعَلّق الأَلْحَاظ بالأَشباح
من المثقِّب العبديّ حين وصف فرسه فقال:
كأَنَّهُ مُعَلْقٌ فيه بخُطَّافِ
ومن قول امرىء القيس: قيد الأوابد.
وله أيضاً:
قد اَغْتدِى وفي الدُّجَى مَبَالِغُ
وفيه للصُّبْح خَطِيبٌ نابِغُ
قُدَّ له قَمِيصُ وَشْىٍ سابِغُ
ومِنْسَرٌ ماضِى الشَّبَاةِ دَامِغُ
يمْلأُ كَفَّيْه جَنَاحٌ فارِغُ
وله أيضاً:
ذُو مُقْلَةٍ صَفْرَاءَ مثْلِ الدِّينَارْ
يَرْفَعُ جَفْناً مثْل حَرْفِ الزُّنّارْ
ومِنْسَرٍ كمثْلِ عَطْفِ الْمِسْمارْ
آنَسَ طَيْراً في خَليجٍ هَدَّارْ
من كلّ صَدَّاحِ العَشِىِّ صَفَّارْ
كأَنّه مُرجِّعٌ في مِزءمَارْ
فصَادَ قبلَ فَتْرَةٍ وإِصْحَارْ
خَمسينَ فهينّ سِمَاتُ الأَطفارْ
كأَنّه فيها شُوَاظٌ من نارْ
وله في البزاة والكلاب البوازج:
قُمْ صاحبِى نَغْدُو لِصَيْدِ الوَحْشِ
بضَارِيَاتٍ من بُزَاةٍ بُرْشِ
كأَنّما نَقَّطَهَا مُوَشِّى
وبُوزَجَاتٍ ضُمَّرٍ تَسْتَنْشِى
ذَوَاتِ شَمٍّ وذَوَات نَبْشِ
ووَابِلِ في العَدْوِ غيْر طَشِّ
لمّا رَأَى في اللَّيْلِ فَجْراً يَمْشِى
فكمْ كنَاسٍ قد خَلاَ وعُشِّ
ولعبد الله بن محمّد:
стр. 110
تُجَلَّى ببَازِىٍّ عُيُونُ ذوِى النُّهَى ... إليه لإِبْصارِ المَحَاسِنِ صُورُ
مكان سَوَادِ العَيْنِ منه عَقِيقةٌ ... وتِبْرٌ على خطِّ السَّوادِ يدورُ
تَمُورُ إذا ما رَنَّقتْ في مَآقِهَا ... كمَا مارَ من ماءِ الزُّجاجةِ نُورُ
فإِن جَحظَتْ عنه اسْتوَى في مَدَارِه ... وإِن مالَ عن لَحْظٍ ففيهِ شُطُورُ
له قَرْطقٌ ضافِى البَنائِق أَنْمَرٌ ... مُفوَّفُ ضَاحِى الشِّقَّتَيْن طَرِيرُ
ومِنْ تَحْتِه دِرْعٌ كأَنّ رُقُومَه ... تَعَارِيجُ وَشْىٍ أَرْضُهنّ حَرِيرُ
كأَنّ انْدِمَاجَ الرِّيش منه حَبَائكٌ ... بعقْبِ سَحَابَاتٍ لهنّ نُشُورُ
له هامَةٌ مَلْسَاءُ أَمّا قَذَالُهَا ... فمُوفٍ وأَمّا جِيدُهَا فقَصِيرُ
له مِنْسَرٌ يَحكِى من الظَّبْىِ رَوْقَه ... إِذا تمَّ للتَّحْبير منه سُطورُ
له فُرَقٌ فَوْقَ القَذَال كأَنَّهَا ... ولم يَعْرُهُ وَخْطُ القَتِيرِ، قَتِيرُ
أَتانَا به من رأْسِ خَلْقَاءَ حَزْنةٍ ... لها فَوْقَ أَرَآدِ الشِّعاف ذُرُورُ
سَبَاهُ صَغِيراً فاستَمَرَّ بحَزْمِه ... وردَّ إليه العَزْم وهو كَبِيرُ
وللمتنبيّ ونظر إلى بازٍ يطاير قبجةً حتى أخذها فقال:
وطائرةٍ تَبَبَّعُهَا المَنَايَا ... على آثارِهَا زَجِلُ الجَنَاحِ
كأَنّ الرِّيشَ منه في سهَامٍ ... على جَسَدٍ تَجسَّدَ من رِيَاحِ
كأَنّ رُؤوسَ أَقلامٍ غِلاظٍ ... مُسِحْنَ برِيشِ جُؤْجُؤهِ الصِّحَاحِ
فأَقْعصَهَا بحُجْنٍ تَحْت صُفْرٍ ... لَها فِعْلُ الأِسِنَّةِ والرِّماحِ
فقُلْتُ لكلّ حىٍّ يَومُ سُوءٍ ... وإِن حَرَصَ النُّفوسُ على الفَلاَحِ
في الزَّرارقة
الزُّرَّق يشبه البازى لوناً، ويقاربه فعلاً، وهو عند الطُّرَّاد ذكر البازىّ، ولم تكثر الشعراء في وصفه إكثارهم في وصف البازى.
قال أبو نواس في زرّق:
قد أَغْتدِى بزُرَّقٍ صَبِيحِ
مَحْضٍ لمَنء يُبصِرُهُ صَرِيحِ
مِمّا اشْتُرِى بالثَّمَنِ الرَّبِيحِ
بكَفِّ ضَنَّانٍ به شَحِيحِ
فلم يَزَلْ بالنَّهْم والتَّقديحِ
ورَشِّهِ بالمَاءِ والتَّلْوِيحِ
حَتَّى انْطَوَى إِلاّ مَجَالُ الرُّوحِ
وعَرَفَ الصَّوْتَ ووَحْىَ المُوحِى
فكَمْ وكم منْ طَربٍ طَمُوحِ
أِسْبَحَهُ طُمورُه في اللُّوحِ
من فَلَتَانٍ صَلَتَانِ شِيحِ
وضَرْبَةٍ بنَيْزْكٍ مَذْرُوحِ
فصادَ قَبْلَ الأَيْنِ والتَّبرِيحِ
تِسعينَ مُسْتَحْياً إِلى مَذبوحِ
وله أيضاً:
قد أَغتدِى بزُرَّقٍ جُرَازِ
أَقْنَى رَقِيقِ الزِّفّ والطِّرَازِ
زَيْنِ يَدِ الحامِلِ والقُفّازِ
يَصِيدُنا زُرْقاً ودَسْتَنجازِ
بحجنَاتٍ صَدْقَةِ التَّوْخَازِ
مثْل أَشَافِى الصَّنِعِ الخَرَّازِ
يَعْتامُها فَرْداً بلا جِلْوَازِ
ولا مُعَاناةٍ على فِرْوَازِ
مِشْقاً يَقُدُّ ثَبَجَ الأَجوازِ
قَدَّ ابْنِ بازٍ وصَنِيع بازِ
نِعْمَ الخليلُ ساعَةَ الإِعْوازِ
ولعبد الله بن محمّد في زرّق:
يا قانصُ أغْدُ علينا ... بزُرَّقٍ مَحبورِ
مُنَاهض للبَوَازِى ... مُغَالِبِ للصُّقورِ
له جَنَاحٌ وَثيرٌ ... مُضَاعَفُ التَّنْميرِ
مَظَاهَرٌ ببُرُودٍ ... مُبَطَّنٌ بحَرِيرِ
وكَفُّ سَبْعٍ هَصورٍ ... مُحَجَّنِ الأُطفورِ
ومِنْسَرٌ ذو انعطافٍ ... كقَرْنِ ظَبْىٍ غَرِيرِ
في هَامَةٍ كَنَفَتْهُ ... كالجَنْدَلِ المُستدِيرِ
وصَدْرِ بازٍ طَرير ... مُفوَّفِ التَّحْبِيرِ
كأَنَّهُ ثَوْبُ وَشْىٍ ... مُعَرَّجُ التَّسْيِيرِ
стр. 111
له ظَنَابِيبُ هِقْلٍ ... وعَيْنُ صَقْرٍ ذَعُورِ
تَخَالُهَا حِينَ يَعْتا ... نُ جذْوَةً من سَعِيرِ
ولعبد الله بن المعتزّ:
قد أَغْتدِى واللَّيْلُ في مَآبِهِ
كالحَبَشىِّ مالَ عن أَصحابِهِ
والصُّبحُ قد كَشَّفِ عن أَنْيَابِهِ
كأَنّه يَضْحَك من ذَهابِهِ
بزُرَّقٍ رَيَّانَ في شَبابِهِ
ذِى مِخْلَبٍ مُكِّنَ في نِصَابِهِ
كأَنّ سَلْخَ الأَيْمِ من أَثْوَابِهِ
كأَنّمَا الوَشْىُ إِذا اكْتسَى بِهِ
شَكْلٌ خلاَ القِرْطَاسُ من كِتَابِهِ
ما زادَنَا البَازِى على حِسَابِهِ
ولا وَدِدْنَا أّنَه لَنا بِهِ
وله أيضاً:
لما حَبَا الإِصباحُ في الإِظلامِ
وطُلِّقَتْ عَرَائِسُ الأَحْلامِ
أَحْيَيتُهُ بفِتْيةٍ كِرَامِ
لا يُبْطِئُونَ سَاعَةَ الإِلْجَامِ
وزُرّقٍ مُجرَّبٍ مِقْدامِ
كأَنَّه فَوْقَ يَدِ الغُلامِ
صُبْحٌ له دِرْعٌ من الظَّلامِ
يَضْمَنُ زادَ الجَحْفَلِ اللُّهَامِ
ذي مُقْلةٍ تُسْرجُ كالضِّرَامِ
مُنْتَزِع لغامِضِ العِظَامِ
نَزْعَ المُكِبِّ خَرَزَ النِّظَامِ
وذَنَبٍ كطَرَفِ الحُسَامِ
وللتنوخيّ:
وزُرَّقٍ سَلْطٍ على الطَّيْر كما ال ... دَّهْرُ على كلّ أَخى عَقْلٍ سَلِطْ
كأَنَّه فَوقَ يَدَىْ حامِلِه ... قِطْعُ دُجىً فيه من الشَّمْسِ خُطَطْ
لوْ أَنه بَاشَرَ حَدَّ السَّيف من ... جُرْاَتِهِ قَدَّ شَبَا السَّيْفِ وقَطّ
رُحْتُ به وفِعْلُهُ من كَبِدٍ ... وجِيدُهُ فيه من الدَّمِّ سُمُطْ
الدم مخفَّفٌ، فثقَّله للضرورة.
وفي زرّق:
وبازَيارٍ حامِل زُرَّقاً ... على كِبَارِ الطَّيْرِ طَيّارَا
يَكادُ من إحكامِ تَأْديبهِ ... يَفْهَم ما يُضْمرُ إِضْمارَا
لذاك لو يَقْدِرُ من حُبّه ... قَدَّ له خَدَّيْه أَسْيَارَا
فبينما نُجْرِى حَدِيثَ الهَوَى ... وتارةً نُنْشِدُ أَشعارَا
ثَارَ لَنا رَفُّ قِبَاجٍ ولوْ ... كانَ يَخَافُ الحَيْنَ ماثَارَا
فلم نَزلْ في عَجبٍ عاجِبٍ ... نَأْخُذُ ما دَبَّ وما طَارَا
فيَالَه يَوْماً هَرَقْنَا بهِ ... من دَمِ ما صِدْنَاهُ أَنهارَا
وَلَّى وأَبْقَى ذِكُرهُ بَعْدَه ... لسائرِ الطُّرّادِ أَسمارَا
حتّى إِذا نَحْن قَضَيْنَا به ... من غُرَرِ اللَّذّات أَوْ طارَا
رُحْنَا وقد سَمَّطَ غِلْمَانُنَا ... خَرَائطاً تَحْمِلُ أَوْقارَا
ولشرشير في زرّقٍ وشاهين:
تَقَنَّصْتُ من هَضْبَةٍ زُرّقاً ... وأَحْرَزتُ من رَهْوةٍ سَوْذَنِيقَا
فهذا أَتَيْتُ به أَقمَراً ... دَقِيقَ المَحَاسِنِ حُلْواً رَشيقَا
يُقِرُّ العُيُونَ ويُضنِى القُلُوبَ ... ويُشْجِى العَدُوَّ ويُرْضى الصَّديقَا
تَفَبَّى قَبَائَينِ وَشْياً ثَمِيناً ... وبُرْداً تَضَمَّنَ رَقْماً أَنيقَا
يَحوكُهما ذَهبٌ في لُجَيْنٍ ... كمَشْقِك في الرَّقِّ خَطّاً دَقِيقَا
تُشَرَّبُ قائِمتاهُ الخَلوقَ ... وتُكْحَلُ ناظِرَتَاهُ العَقِيقَا
وهذا أَتَيتُ به أَنْمَراً ... مَليحَ الشَّمائِل نَدْباً خَلِيقَا
يَفُكُّ الرُّهونَ ويَقْضِى الدُّيُونَ ... ويُدْنِى النَّدِيمَ ويُغْنِى الرَّفيقَا
تَقولُ ذُنَابَاه جَزْعٌ يَمانٍ ... وتَحْسبُ في مُقْلَتَيه حَرِيقَا
تَظُنُّ لَوَامِعَه عارِضاً ... وتَحْسبُ هَدَّتَه مَنْجَنِيقَا
وهذا فذُو جُؤْجُؤٍ ناهِدٍ ... بَبَطَّنَ زِقّاً مَتِيناً صَفِيقَا
يُوَاشِك في الطَّيَرَانِ الرِّيَاحَ ... ويَسْبِق في النَّزَوَانِ الحَرِيقَا
في الشَّواهين
стр. 112
ويقال للشاهين: السّوذانق، والسّوذنيق.
ولأبي نواس في شاهين:
قد أَغَتَدِى قبل الصَّباحِ الأَبلجِ
بسُهْر دَارِ اللَّوْنِ أَو سِيَهْزجِ
يُوفِى على الكَفّ انتصابَ الزُّمَّجِ
مُشمِّرٍ ثِيَابَه عن مَوْزَجِ
كأَنَّما عُلَّ بصِبْغِ النِّيلَجِ
كأَنّ وَشْىَ رِيشِه المُدَرَّجِ
من قائمٍ منه ومن مُعَوَّجِ
باقِى حُرُوفِ السَّطَر المُخَرْفَجِ
يَنْهَسُ سَيْرَ المِقْوَدِ المُحَمْلَج
من نَهَمِ الحِرْصِ وإِنْ لم يُلْهجِ
ذي مُقْلةٍ وَاسِعةِ المُحَجَّجِ
كأَنّمَا يَطْرِفُ عن فَيْرُوزَجِ
في هامَةٍ مثْل الصَّلاَ المُدَمَّجِ
ومِنْسَرٍ أَقْنَى رُحَابِ المَضْرَجِ
حتّى قَضَيْنَا كلَّ حاجش المُحتَجِ
من دَيْزجِ اللَّونِ وغَيْرِ الدَّيزَجِ
من كلّ مَحْبوك القَرَا مُدَمْلجِ
مُبَرْنَسِ الهَامَةِ أَو مُتَوَّجِ
مُكحَّلِ الآماقِ أَو مُزَجَّجِ
فظَلَّ أَصحابي بعَيْشٍ سَجْسَجِ
تَرَاهُمُ من مُعْجِلٍ ومُنْضِجِ
وله أيضاً فيه:
قد أَغْتَدى واللَّيْلُ في مُسْوَدِّه
غُدُوَّ باغِى قَنَسٍ مُعْدِّهِ
بدَسْتَبَانٍ فاضِلٍ عن زَنْدِهِ
وشَهْر دَارِ اللَّونِ أَو سَمَنْدِهِ
سائِلةٌ سُفْعَتُه بخَدِّهِ
قد قَدَّهُ الصّانِعُ أَحلَى قَدِّهِ
فَهْو شَبيهٌ قَبْلُه ببَعْدِهِ
ذي مُقْلةٍ تَلْحَقُ قبْلَ شَدِّهِ
سَجْرَاءَ ليْس جِلْدُهَا من جِلْدِهِ
ما كان إِلاَّ حَلُّهُ من عَقْدِهِ
وخَرْطُنَاهُ من شِكَالِ بَنْدِهِ
فمَرَّ يَفْرِى الأَرْضَ في مرْقَدِّهِ
فجَالَ وارْتَدَّتْ على مُرتَدِّهِ
كأَنّهَا إِذ وَأَلَتْ عن جَدِّهِ
واعصوصَبَتْ لمَّا رَأَتْ من جَدِّهِ
أُسْرةُ كِسْرَى يوم دَسْتَبَنْدِهِ
فصَادَنَا قَبْلَ انتصافِ جهْدِهِ
خَمْسينَ أَحْصَتْهَا يَدَا مُعْتَدِّهِ
فنحن في نائِلِهِ ورِفْدِهِ
أَبو عِيَالٍ قَاتَهُمْ بكَدِّهِ
وله أيضاً فيه:
ذَعَرتُهَا بمُلْهَبِ الشُؤْبُوبِ
يُوفِى على قُفَّازِهِ المَجُوبِ
منه بكفٍّ سَبْطَةِ التَّرْجيبِ
كأَنَّهَا بَرَاثِنٌ من ذِيبِ
وجُؤْجُؤٍ مثلِ مَدَاكِ الطِّيبِ
تَحتَ جَنَاحٍ مُوجَدِ التركيبِ
آنَسَ بينَ صَرْدَحٍ فاللُّوبِ
بمُقْلَةٍ قَلِيلةِ التَّكذيبِ
طَرَّاحةٍ خلْفَ لَقَى العَيوبِ
فانقَضَّ مثْلَ الحَجَرِ المَندوبِ
فاصطاد قبل ساعة التأويب
بذى مَوَاسٍ مُرْهَفِ الكَلّوبِ
خَمسينَ في حِسابِه المَحْسوبِ
ولشرشيرٍ في شاهين:
هل لك يا قَنَّاصُ في شَاهِينِ
سَوْذَانقٍ مُؤدَّبٍ أَمِينِ
يكَادُ للتثقيف والتمرينِ
يَعرِفُ معنَى الوَحْىِ بالجُفونِ
فظلَّ من جَنَاحِه المَزِينِ
في قَرْطَقٍ من حِبَرٍ ثَمينِ
مُفَوَّفٍ في نعْمَةٍ ولِين
يُشْبِه في طِرازهِ المَصُونِ
بُرْدَ أَنُو شرْوَانَ أَو شِيرِينِ
وشِكَّةٍ كزَرَدٍ مَوْضُونِ
مُضَاعَفٍ في النَّسْجِ ذي غُصُونِ
كدِرْعِ يَزْدجِرْدَ أو شَرْوِينِ
أَحْوَى مَجَارِى الدَّمْع والشُّؤونِ
أَقْمَرَ مثْلَ الصَّنَمِ المَكنونِ
ذي مِنْسَرٍ مُؤَلَّلٍ مَسْنونِ
وَافٍ كشَطْرِ الحَاجِبِ المَقرونِ
مُنْعَطِفٍ مثْل انْعِطَافِ نُونِ
يُبْدِى اسْمُه مَعناهُ للعُيُونِ
إِن وَصَلَت بالجَافلِ السَّنِينِ
ولأبي نواس في طير الماء والشاهين:
يا رُبّ وَادٍ زاهِرِ النَّبَاتِ
تَهْوِى إِليه الطَّيْرُ كَاسِرَاتِ
أَغْنجَةً خُضْراً مُطَوَّساتِ
ببَلَقِ الرِّيش مُولَّعاتِ
صُفْر الحَمَاليقِ مُقَرَّطاتِ
أَقْرِطةً تَضْحَكُ في اللّبَّاتِ
بفَاخِرِ الوَشْىِ مُرَدَّياتِ
وبالدَّبابِيجِ مُوَشَّحاتِ
صوامِتاً طَوْراً وصارِخاتِ
مُلحَّنَاتٍ ومُرَجِّعَاتِ
كِياً يُسْعِدن باكياتِ
لم يَشْجِهنّ عَدَمُ الأَمواتِ
стр. 113
بَاكَرْتُهَا بصَادِقِ الكَرَّاتِ
على الشّمَال حَسَنِ الثَّبَاتِ
فمرَّ نَحْوَ الطَّيْرِ ذا الْتِفَاتِ
يَحْفِزُهُ قَلْبٌ لَهُ مُوَاتِى
يَمْنَحُهَا مشْقاً على السَّرَاتِ
ضَرْبَ أَخِى الطَّبْطَابِ للكُرَاتِ
فكُلُّهنّ لافِظُ الحَبّاتِ
لَمَّا تَوَافَيْنَ من المِيقاتِ
ولابن المعتزّ في شاهين صاد غراباً:
أٌقْبَل يَفْرِي ويدَعْ
مُمْلِتَىَْ اللَّحْظِ جَزَعْ
مُسْتَرْوِعاً ولَم يُرَعْ
تُبْصِرُهُ إِذا وَقَعْ
كفَرْدِ خُفٍّ مُنْتَزَعْ
إِذا رَأَى الرَّوْضَ رَتَعْ
لمّا رأَى وَجْهَ الفَزَعْ
طارَ قَرِيباً وانْقَمَعْ
وصَكَّهُ ثَقْفٌ خَدِعْ
ففرَّقَ النَّعْبَ قِطَعْ
وليس في العيش طَمَعْ
في الصُّقور
الصقر أصبرها على الحرّ والبرد، وأحملها لتأخُّر الطُّعم، والعرب تسمِّيه الأجدل، وجماعه الأجادل: قال عبد مناف بن ربعٍ الهذليّ:
يُخُوتُونَ أُخْرى القَوْمِ خَوْتَ الأَجادِلِ
والخائتة: العقاب التي تختات، وهو صوت جناحها. فاستعاره للصُّقور، ويقال للصَّقر أيضاً: المضرحىُّ، قال طرفة:
كأَنَّ جَنَاحَىْ مَضْرَحِىٍّ تَكنَّفَا ... جِفَافَيْهِ شُكَّا في العَسِيبِ بمِسْرَدِ
وتسميِّه القطامىّ والقطاميّ، والعرب تشبِّه خيولهم في سرعتا به إذا انقضَّ، وإذا رصفوا رجلاً بالذّكاء، وحدَّة الخاطر والناظر شبَّهوه بالصقر، قال جريرٌ يرثى ابنه:
مَضَى جُنَادَةُ يَجْلو مُقْلَتَىْ ضَرِمٍ ... مُصَرْصِرٍ بَاتَ فوقَ المَرٌقَبِ العَالِى
وقال آخر:
ويَنْظُرُ في أَعطافه نَظَرَ الصَّقْرِ
ومثل هذا في أشعارهم كثيرٌ.
وقال أبو صفوان الأسديّ يصفه بعد ذكره فرخ قمرية.
وقد صادَهُ ضَرِمٌ مُلْحَمٌ ... خَفوقُ الجَنَاحِ حَثِيثُ النَّجَا
حَدِيدُ المَخَالِبِ عارِى الوَظي ... فِ ضارٍ من الزُّرْق فيه قَنَا
تَرَى الوَحشَ والطَّيْرَ من خَوْفه ... جَوَاحِرَ منه إِذا ما اغْتَدَى
فباتَ عَذُوباً على مَرْقَبٍ ... بشَاهِقَةٍ صَعْبَةِ المُرْتَقَى
فلمَا أَضاءَ له صُبْحُه ... ونَكَّبَ عن مَنكِبَيْهِ النَّدَى
وحَثَّ بمِخْلَبِه قَارِتاً ... على خَطْمِه مِن دِمَاءِ القَطَا
فصَاعَدَ في الجَوِّ ثمّ اسْتدا ... رَ ضارٍ خبيثٌ إِذا ما انْصَمَى
فآنسَ سِرْبَ قَطاً قَارِبٍ ... جَبَا مَنْهَلٍ لم تَجُحْهُ الدِّلاَ
فأَقْعَصَ منهنّ كُدْرِيَّةً ... فمَزَّقَ حَيْزُومَها والحَشَا
وعلى هذه السبيل كانت صفاتهم للصقور والعقبان، لا أنَّهم هم الّذين صادوا ولا أدَّبوها.
وقال أبو نواس:
لا صَيْدَ إِلاَّ بالصقور اللُّمَّحِ
كلِّ قطَامىّ بَعِيدِ المطْرَحِ
يَجْلُو حِجَاجَىمُقْلةٍ لم تجْرَحِ
لم تَغْذُهُ باللَّبَنِ المُضيَّحِ
أُمٌّ ولم يُولدْ بسَهْلِ الأَبْطَحِ
إِلاّ بأَشْرَافِ الجِبَالِ الطُّمَّحِ
يُلْوِى بخِزَّانِ الصَّحَارَى الجُمَّحِ
بسَلَبٍ كالنَّيْزَكِ المُذَرَّحِ
ومِنْسَرٍ أَشغَى كأَنْفِ المِجْدَحٍ
أَبْرَشِ ما بينَ القَنَا والمَذْبَحِ
وممَّاع ملح فيه أبو نواس جعل الدِّرهم صقراً، وأضافه إلى الطَّرد فقال:
أَنعتُ صَقْراً يَنْعَتُ الصقورَا
مُظَفَّراً أَبيضَ مُستدِيرَا
وِلاَدَ شَهْرٍ وَاضِحاً مُنِيرَا
تَخالُه في قَدِّه العَبُورَا
مُكَرَّماً يَجْتنِبُ الصَّفِيرَا
إِلاّ إِذا حُرِّك أَو أُثيِرَا
فهْو صَغِيرٌ يَفْعَلُ الكَبِيرَا
تَرَى الحَمَاليقَ إليه صُورَا
والصَّيْد يأْتِيك به مِسرورَا
ينْعشُ ذا الحاجَة والفَقِيرَا
يَخْتطِف الأَرنبَ واليَعفورَا
ولو بَغَى مُرْسِلُهُ النُّسورَا
والوَحْشَ جَمْعاً أضو بَغَى العَشِيرَا
لَجاءَ سهْلاً سِلِساً يَسِيرَا
ما آبَ مَن صادَ به مَبْهُورَا
стр. 114
مِن طَلَبِ الصَّيْدِ ولا حَسِيرَا
ولا تَشكَّى الأَيْنَ والفُتُورَا
بهِ يَصِيدُ الشادِنَ الغَرِيرَا
ما هَانَ مَن يَمْلِكُهُ الدُّهورَا
ولعبد الصَّمد بن المعذَّل في الصقر:
وعازبٍ باكَرَه الغُرُّ الفُرُطْ
تَخايَلَ النَّبْتُ به الجَعْدُ القَطَطْ
نُوّارُه مثلُ الذُّبَال قد سُلِطْ
كأَنّما الوَشَىُ عليه قد بُسِطْ
قال له الغَيثُ من الرُّوَّادِ مِطْ
للطّيْرِ فيه آنِفَ اليَوْمِ لَغَطْ
رَطَانةَ الزُّطِّ إِذا لاقَين زُطّْ
من كُلّ عَفْرَاءَ بدَفَّيْها رَقَطْ
وبذَنابَاها وبالجيد نُقَطْ
والجَنَاحَين وبالرأْسِ خُطَطْ
كأَنّ دِيباجاً عليها لم يُخَطْ
أَوْفَيْتُ والمَيْسَانُ من نَوْمٍ يَغِطّْ
والليْلُ بالصُّبْح مَلوثٌ مُختلِطْ
بصَادِقِ اللَّحْظِ قُطَامىٍّ سَلِطْ
أَفْتَى رَحِيبِ الشِّبْر مَحبوكٍ سَبِطْ
ما يَلْقَ بالْمِخْلَب من مَسْكٍ يَعُطّْ
حتّى إِذا حُدَّ مِقَاطٌ فنَشِطْ
وخُرِطَ المَوْتُ عَلَيْهَا إِذ خُرِطْ
ومَرَّ يَهْوِى كالحُسَامِ المُمْتَعِطْ
قَذَفْن ذَرْقاً كعَثَانِينِ الشُّمُطْ
يَصُكُّها صَكاً دِرَاكاً ويَحْطّْ
أَما رَأَيْتَ النارَ في الحَلْفَاءَ قَطّْ
فازَ امرؤُ حالَفَ صَقْراً واغْتبَطْ
ولشرشير في الصقر:
نَغْدُو بصَقْرٍ كُرَّز مُوَهّلِ
مُدَرَّعٍ دِرْعَ حَرِيرٍ مُخْمَلِ
مُفَوَّفٍ مُجَزَّعٍ مُرَحَّلِ
كأَنَّه في قَرْطَقٍ مُفَصَّلِ
مُنَمَّرِ الأَعْلَى حَصِيفِ الأَسْفَلِ
يَرُوق في الناظِر عيْنَ المُجْتَلِى
يَسْبِق عَفْواً مُنْيَةَ المُؤَمِّلِ
يَنْسُرُ بالمِنْسَرِ كلَّ مُعْجلِ
كأَنّه يَنْجُلُه بمِنْجَلِ
وله أيضاً:
أَنعَتُ صَقْراً يَفْرِسُ الصُّقُورَا
ويَنْسُرُ العِقْبَانَ والنُّسُورَا
يَجْتَابُ بُرْداً فَاخِراً مَطروراً
مُسَيَّراً بكِفَفٍ تَسْيِيرَا
وقد تَقَبَّى تَحتَه حَرِيرَا
يُضَاعِفُ الوَشْىُ به التَّنْمِيرَا
مُنْعَرِجاً فيه ومُسْتدِيرَا
كما يَضمُّ الكاتبُ السُّطورَا
كأَنّه قد مُلِّك التصويرَا
لنَفْسِه فأَحْسَنَ التَّقدِيرَا
تَرومُ منه أَسَداً هَصورَا
كأَنّ في مُقلَتِه سَعِيرَا
تَخالُه من قَلَقٍ مذعورَا
ذا حَذَرٍ يستوضِحُ الأُمُورَا
تَرَى الإِوَزَّ منه مُستَجِيرَا
يُناكِبُ الضَّحْضاحَ والغَديرَا
يُثْبِتُ في أَحشائِهَا الأُطْفورَا
خَطْفاً تَرَاهُ مُهْلِكاً مُبِيرَا
يَنتَظِمُ الأَسْحَارَ والنُّحورَا
إِذا تَشظَّتْ زُمَراً نُفُورَا
أَعْجَلَها من قَبْل أَن تَحُورَا
وله في الصقور:
قد أَغْتدِى وعُيُونُ الفَجْرِ وَاسِنَةٌ ... والشّمْسُ راقِدَةٌ عن عَينِ باغِيهَا
بالمضْرَحِيَّاتِ يَحْتَثُّ النِّزَاعُ بها ... كالأُسْد تَذعَرُها والنَّارِ تُذْكِيهَا
حُجْنٍ مَنَاسِرُهَا عُقُفٍ أَظافِرُها ... كأَنَّهَا من حَدِيدٍ رُكِّبتْ فيهَا
كأَنّ أَعيُنَهَا جَزْعٌ تُطِيفُ بهِ ... دَارَاتُ تِبْرٍ أُذِيبَتْ في مَآقِيهَا
تُدِيرُهَا بحَمَالِيقٍ مُزيِّلَةٍ ... عنها قَذَاهَا فتُخْفِيَها وتُبْدِيهَا
تكادُ تَعْرِفُ في عَيْنَىْ مُعَلَّمِهَا ... أَوَامِراً من ضَمِيرِ القَلْبِ يُوحِيهَا
أَسُومُهَا لُجّةً لاحَتْ مَشَارِعُهَا ... وانْصَاعَ جَدْوَلُهَا وارْتَجَّ طَامِيهَا
فيها من الطَّيْرِ أَنواعٌ مُصنَّفَةٌ ... سُبحانَ مُبْدِعِها فنيا ومُنْشِيهَا
مُدبَّجات بأَلْوَان مُذهَّبَة ... مَوْشِيّة برُقومٍ جَلَّ وَاشِيهَا
كأَنّهنَ رِيَاضٌ بينَهَا زَهَرٌ ... يَحُفُّ بُطْنَاَنَهَا منها ضَوَاحِيَها
مُطَرّزَات بأَعْلام مُنَيَّرَة ... كالجزْعِ تَنْشُرُهَا حالاً وتَطْوِيهَا
стр. 115
ماذَا تَظُنّ وأَشباهُ السِّبَاع لها ... خَوَاطِفٌ خُلُسٌ قد حُكِّمَتْ فِيهَا
ولعبد الله بن المعتزّ في الصقر:
يا رُبّ ليلٍ كجنَاحِ النَّاعِقِ
سَرَيْتُه بفِتْيةٍ بَطَارِقِ
تَنْتابُ صَيْداً لم يُرَعْ بطارِقِ
بِأَجْدَلٍ يَلْقَنُ نُطْقَ النّاطِقِ
مُلَمْلَمِ الهَامةِ فَخْم العَاتِقِ
ذي مَخْلَبٍ أَقْنَى كنُونِ المَاشِقِ
وجُؤْجُوٍ لاَبِسِ وَشْىٍ رائِقِ
كأَثَرِ الأَقلامِ في المَهَارِقِ
أضو كبَقَايَا الكُحْلِ في الحَمَالِقِ
حتَّى بَدَا ضَوْءُ صَبَاحٍ فاتِقِ
وله في الكلاب والصقور:
وقِيدَتْ لِحتْف الصَّيْدِ غُضْفٌ كَوَاسبٌ ... كمِثلِ قِدَاحش البَارِيَات نَحَائِفُ
إِذا انْخرطَتْ من القلائدِ خِلْتَهَا ... تَرَامَى بها هُوجُ الرّيَاحِ العَوَاصِفُ
تَقاسَمَهَا قَبْضَ النُّفوسِ أَجادِلٌ ... ففِى الأَرْض نَهّاشٌ وفي الجَوّ خاطِفُ
كأَنّ دِلاَءً في السَّمَاءِ تَحُطُّهَا ... وتَرْقَى بها أَيدٍ سِرَاعٌ غَوَارِفُ
يُشَقِّقُ آذَانَ الأَرَانبِ صَكُّهَا ... كما صَكَّ أَنْصافَ الكَوَافِيرِ خَارِفُ
فصَبَّحَ خِزَّانَ القُرَيَّةِ غُدْرَةٍ ... شَياطِينُ في أَفْوَاههنّ المَتَالِفُ
وله في الفرس والصقر:
قد أَغْتَدِى والليلُ ذو مَشيبِ
بقَارحٍ مُسَوَّمٍ يَعْبُوبِ
ذي أُذُنِ كخُوصَةِ العَسِبِ
أَوْآسَهٍ أَوْفَتْ على قَضِيبِ
يَسْبِقُ شَأْوَ النَّظَرِ الرَّحيبِ
أَسْرَع من مَاءٍ إلى تَصْوِيبِ
ومن نُفُوذِ الفِكْر في القُلوبِ
وأَجْدَلٍ حُكِّمَ في التَّأْديبِ
صبٍّ بكَفِّ كلِّ مُسْتجيبِ
أَسْرَع من لحْظَةِ مُستَرِيبِ
وقال إسحاق بن خلف:
جِئنَا بِه من صَيْده نَزُفُّهُ
وكلُّنا من شَفَقٍ نَحُفُّهُ
أَشْغَى قَليلٌ رِيشُه وزِفُّهُ
مُختضِبٌ مِنْسَرُهُ وكَفُّهُ
من الدِّماءِ مزْجُهُ وصِرْفُه
سِيَّانِ ما قُدّامُهُ وخَلْفُهُ
ولأبي مليطٍ العنبريِّ يهجو صقراً:
مالك من صَقْر لقِيتَ حَتْفَكَا
أَمَا تَرَى إِلى الحُبَارَى خَلْفَكَا
لائِذةً لم تَرَ صَقْراً قَبلكَا
وأَرْنباً أُخْرَى أَثَرْناهَا لَكَا
وكَرَوانَاتٍ كَيِيراً حَوْلَكَا
تُقْبِل نَحْوىِ وتُوَلِّيَها اسْتَكَا
لقد عَرفْتُ أَذ رأيْتُ نَوْمَكَا
تَجْعلُ في ثِنْىِ الجناحِ رَأْسَكَا
إِنَّك لن تُغْنِىَ عنِّى نَفْسَكَا
وهذه الأبيات طريفةٌ في معناها، وقعت من الأفراد وإن لم تكن من الكلام البارع.
في اليائى والبواشيق
الباشق رقيقٌ لا يحمل الحرَّ ولا البرد، وإنّما يلعب فيه في الفصلين، وهو بطىء التأديب، لا يلعب به ويقوِّمه إلاّ أحذق الطُّرّاد، لدقَّة لعبه وتقويمه، ولم تقل فيه الشُّعراء كبير شيء إلاّ ما قد ذكرناه، واليؤيؤ في صلبة الصقر وصبره على البرد والحرّ، وهو من جنسه، ويشبهه في لونه.
قال أبو نواسٍ في يؤيؤٍ:
ويُؤْيُؤٍ أَسْفَعَ كالدّينارِ
أَدْكَن قَدْ وُشِّىَ باحْمرارِ
بنُقِطٍ مَلائِحٍ صِغَارِ
حُرٍّ يُقِرُّ أَعْيُنَ الأَحْرَارِ
كأَنَّ عُشْرَيهِ لَدَى الأَمْطَارِ
سُودُ مَدَارِى الخُرِّدِ العَذَارِى
يَعْمدُ للهَدَاهِدِ الصِّغَارِ
فمَا تَرَاهُ أعْينُ النُّظَّارِ
من خَطْفِه يَذْهَب بالأَبْصَارِ
حَتّى يَقُدّ ثَبَجَ الفَقَارِ
وله فيه:
قد أَغتِدى واللّيْلُ في مُكْتَمِّهِ
بيُؤْيُؤٍ أَسفعَ يُدْعَى باسْمِهِ
مُقابَل من خالِه وعَمِّهِ
فأَيُّ عِرْقٍ صالحٍ لم يَنْمِهِ
وقانِصٍ أَخْفَى به من أُمِّهِ
لوْ يَستطيعُ قَاتَه بَحْمِهِ
ما زَال في تَقديحِه ونَهْمِهِ
يُوحِى إليه كَلِماتِ عِلْمِهِ
يَقِيه من بَرْدِ الثَّرَى بكُمِّه
تَوْقِيَةَ الأُمِّ ابْنَها في ضَمِّه
بمَا يلذُّ أَنْفُها من شَمِّهِ
стр. 116
يُنَازِلُ المُكّاءَ عند نَجِمِهِ
بِالغَتِّ أَو يَنْزِلُ عند حُكمِهِ
يَرْكَبُ أَطرافَ الصُّوَى بخَطْمِهِ
وقد سَقَاهُ عَلَالً من سَمِّهِ
وله فيه:
قدْ أَغتدِى واللّيلُ في دُجَاهُ
كطُرَّةِ البُرْدِ على مَثْنَاهُ
بيُؤْيؤٍ يُعْجِبُ من يَرَاهُ
ما في الْيَآيِى يُؤْيؤٌ شَرْوَاهُ
من سُفْعَةٍ طُرَّ بها خَدّاهُ
أَزْرَقُ لا تَكْذِبُه عَيْنَاهُ
فلو يَرَى القَانِصُ ما يَرَاهُ
فَدَاهُ بالأُمّ وقد فَدَاهُ
مِن بَعْدِ ما تَذْهب حِملاقاهُ
لا يُوئِلُ المكّاءَ مَنكِباهُ
ولاَ جَناحانِ تَكنَّفاهُ
منه إِذا طارَ وقد تَلاهُ
دُون انْتِزَاعِ السِّحْرِ من حَشَاهُ
لو أَكثرَ التَّسبيحَ ما نَجّاهُ
هو الّذي خَوّلَناهُ الله
وقال أيضاً في الكلاب واليؤيؤ:
قد اغتدى مع القَنْيص المُدلجِ
بنَاطحٍ وعاطِفٍ ودُمْلُجِ
وكلّ مَحبوكٍ قرَاهُ مُدْمَجِ
مُحنِّبٍ أَضلاعُه مُعَوَّجِ
من السَّلوقِيَات غَير الأَجْنَجِ
ويُؤيؤٍ كالحَجَرِ المُدَحْرَجِ
قد رِيض في بَرْد جِبَالِ تَوّجِ
طَوِيلِ دفِّ ظَهْرِهِ مُدَبَّجِ
بمَنْسِرِ أَعْقَفَ مثْل المَنْسِجِ
كأنّما جَلَّى بعَيْنَى زُمَّجِ
ولشرشير في يؤيؤٍ:
ويُؤيُؤٍ بحُوّةٍ مجَزّعِ
مُخطَّطٍ بحِبَرٍ مدَرَّعِ
قد طُرَّ خَدّاهُ بلَوْنٍ أَسْفَعِ
كأَنّه من حُسْنِه في بُرْقُعِ
أَسْرَعَ ختْلاً من غُرَابٍ أَبْقَعِ
يَكادُ من مَيْعَتِهِ في المَنْزَعِ
يَسْبِق آناءَ الزّمَانِ المُسْرِعِ
وله في اليؤيؤ والباشق:
هل لك يا بْنَ القَانِصِ البطْرِيقِ
في يُؤْيؤٍ مُهذَّبٍ رَشِيقِ
كأَنّ عَيْنَيْه لدى التّحديقِ
فَصَّانِ مَخْروطانِ من عَقِيقِ
أَو باشَقٍ مُهّذَّب ممشوقِ
أٌقمَرَ مَوْشِىِّ الحُلَى مغروق
ميسر التقريج والتَّعريقِ
تَسْيِيرَ بُرْدٍ ناعِمٍ رَقِيقِ
فهْو بحُسْنِ المنظَر الأَنيقِ
أَجْلَبُ المعِشْقِ من المَعشوقِ
أَسْرع في الهُفُوِّ من حَرِيقِ
وفي اقْتِنَاصِ الطَّيْر من بُرُوقِ
يَفْعَل فِعْلَ الأَجْدلِ السَّحوقِ
وكلّ بَازىٍّ وسَوْذَنيقِ
فَهْوَ على مَنْظرِه المَرْمُوقِ
نِهَايةٌ في النَّفْعِ للصَّديقِ
والرِّفْدِ والقَضَاءِ للحُقُوقِ
وله أيضاً:
ويُؤيؤِ حُزْتُه من رأْسِ شاهِقةٍ ... جَلْسٍ يُرِيك شُخُوصَ الناسِ أَشباحَا
شَئْنِ السُّلاَمَى رَحِيبِ المنخرَيْنِ إِذا ... أَراحَ من غَيْرِ بُهْرٍ خِلْتَهُ ارْتاحَا
تَرى قَرَاهُ ودَفَيْه فتَحسبُها ... لأَحْرُفٍ سُطِرت فيهنّ، أَلواحَا
يُجِيلُ طَرْفاً يَرَى ما لَسْتَ مُدرِكَه ... بعيد مُطّرَجِ الأَجفانِ لَمَّاحَا
يَكادُ يَعلَمُ ما تُخْفِيه مُهْجَتُهُ ... من الحُقُودِ إِذا ما اهْتَزَّ أَوْصَاحَا
ولمحمد بن سعيد في باشقٍ:
قد أَغتدِى واللَّيْلُ حَيْرانُ الغَسَقْ
لم يَهْدِهِ قَطُّ إِلى نورِ الفَلَقْ
ببَاشقٍ يَرُوقُ عَيْنَىْ مَنْ رَمَقْ
مُسْتَحسَنِ الخِلْقةِ مَحمُودِ الخُلُقْ
يَمُرُّ كالسَّهْمِ إِذا السَّهْمُ مَرَقْ
أَسْرَع من خَطْفَةِ بَرْقٍ قد بَرَقْ
لو سابقَ الأَقدارَ أَعْطَتْه السَّبَقْ
إِذا رَأَتْه الطَّيْرُ مَاتَتْ مِن فَرَقْ
يَحُطُّهَا للأَرْضِ من أَعْلَى الأُفُقْ
يَسْطُو عيها بمَخَالِيبٍ ذُلُقْ
مُرْهَفَةٍ حُجْنٍ كأَنْصَافِ الحَلَقْ
ومنْسَرٍ ما يَلْقَ يَتْرُكْهُ مِزَقْ
فصَادَ عِشْرِين وعَشْراً في نَسَقْ
وراحَ إِنْ يُضْبَطْ نَشَاطاً لا يُطَقْ
فنَحْنُ في مُصْطَبَحٍ ومُغْتَبَقْ
وصَفْوِ عَيْشٍ لم يُكدَّرْ برَنَقْ
فالحمدُ للهِ علَى ما قَدْ رَزَقْ
ولعبد الله بن محمّد:
أَخَفُّ القَوَانِصِ جِسْماً ورُوحاً ... وأَجْمَعُها لأُمورٍ أُمورَا
стр. 117
وأَكْرَمُهَا باشقٌ حاذِقٌ ... يُسَاوِى البُزَاةَ ويَشْأَى الصُّفُورَا
يُقَلِّبُ عَيْنَيْن ياقُوتَتَيْنِ ... تَرَى التِّبْرَ حَولَهما مُستدِيرَا
ولأحمد بن الحسين المتنبيّ في باشقٍ للحسن بن عبيد الله صاد به سمانى:
أَمِنْ كلِّ شَىْءٍ بلَغْت المُرَادَا ... وفي كلّ شَأْوٍ شأَوْتَ العِبادَا
فمَاذا تَركْتَ لمَنْ لم يَسُدْ ... وماذا تَركتَ لِمَن كان سادَا
كأَنّ السُّمَانَى إِذا ما رَأَتْكَ ... تَصَيَّدُهَا تَشتَهِى أَن تُصَادَا
ولأبي الفتح الكاتب المعروف بكشاجم:
مَرَّ بنا في كفِّه باشقٌ ... فيه وفي الباشق شىْءٌ عَجيبْ
ذاكَ يَصِيدُ الطَّيْرَ من حالِقٍ ... وذَا بعْينَيْهِ يَصِيدُ القُلوبْ
ولأبي نواس في فنون الطَّرد:
قد أَغتدِى واللَّيْلُ كالمِدَادِ
والصُّبْحُ يَنْفِيهِ عن البِلادِ
طَرْدَ المَشِيب حالِكَ السَّوَادِ
غُدوَّ باغِى قَنَصٍ مُعتادِ
في فِتْيَةِ من مَعْشَرٍ أَنجادِ
بالخَيْلِ والكِلابِ والفِهَادِ
وتَوَّجىٍّ طَيِّعِ القِيَادِ
جَلَّ عن الصِّفَاتِ والأَنْدادِ
ذِى حجَنَاتٍ صَدْقَةٍ حِدَادِ
وللمريميّ:
قد بَاكرَ الصَّيْدَ في صِيدٍ تَخَيَّرَهُم ... كالبَدْرِ حَفَّتْهُ منهم أَنْجمٌ زُهُرُ
فغَادَرَ الوَحْشَ من صَرْعَى بأَسهُمِهِ ... كأَنَّهَا يومَ فَتْحِ الرَّقَّةِ الجُزُرُ
ومن طَوَالِعَ جَرْجَى من جَوَارِحِه ... ذا يَستقِلُّ وذا بالتُّرْب مُنْعَفِرُ
هاتِيك يَقْضِى عليها السَّهْمُ والوَتَرْ ... وتِلك يَحْكُمُ فيها النَّابُ والظُّفُرُ
شُهْبُ السَّمَاءِ وشُهْبُ الأَرضِ تَلْحقُها ... عُلْواً وسُفْلاً فما تُبْقِى ولا تَذَرُ
في إِثْرِ مُنُحرِفٍ منهنّ مُنْعطِفٍ ... وفوقَ مُنْحَدِرٍ منهنّ مُنْكَدِرُ
تُطْوَى إِذا انتَشَرَْ قَسْراً وَأَيْنَ بهاعن حَتْفِهَا وَهْىَ تُطْوَى حين تَنْتَشِرُ
ولديك الجنّ من قصيدة:
وغُضْفاً يَنْتَظِمْنَ الأَرْضَ نَظْماً ... تَنَثَّرُ فيه حَبّاتُ النُّفُوسِ
لها في كلِّ مَعرَكةٍ ضجَاجٌ ... ودَاهِيَةٌ كدَاهِيَةِ البَسُوسِ
وسِرْب حُبَاريَاتٍ فَوْقَ جَلْسٍ ... أُشَبِّهُهُ بمَشْيَخَةٍ جُلُوسِ
وفيها:
بَطاوِيَةِ الأَجَادلِ أَو بُزَاةٍ ... مُحَمِّجَةٍ لدَاهِيَةٍ شَمُوسِ
تَرَاهَا في بُرَاها مُنْغِضَاتٍ ... بأَرْؤُسها بحسٍّ أَو حَسِيسِ
فأُمُّ الطَّيْرِ في شَرٍّ وعَرٍّ ... وأُمُّ الوَحْشِ في يومٍ عَبُوسِ
وفيها:
وأَحْمر مذْبحٍ وقَراً وزَوْرٍ ... هَمُوس زِيَارَةِ القِرْنِ الهَمُوسِ
وأَبْيَض ما اطْمَأَنَّ من الذُّنَابَى ... إِلى الحاذَيْنِ كالقَصَبِ اللَّبِيِس
وأَسْوَدَ لهْذَمِ السَّيْرَيْنِ جَوْنٍ ... وأَزْرَق مِنْسَرٍ أَقْنَى نَهُوسِ
وأَصْفَر قِمّةٍ وحَجَاج عَيْنٍ ... فتَحسبُه تَكحَّلَ من وُرُوسِ
إِذَا بُعِثَت سَمِعْتَ لها زُهاءً ... وجَهْوَرَةً كجَهْوَرَةِ القُسُوسِ
كأَنّ على القَرَا دِيباجَ وَشْىٍ ... تَكَشَّفَ عن غُلاَلَةِ خَنْدَرِيسِ
كأَنّ جَآجِئاً منْهَا وهَاماً ... أَعارَتْهَا النُّفُوسَ يَدَا عَرُوسِ
في العقاب
يقال لها: عقابٌ ولقوةٌ، لسعة أشداقها، و: الشّغواء لتعقُّف منقارها، والفتخاءاللَّيّنة الجناح في الطَّيران، وعقابٌ خاتيةٌ: توِّت بجناحيها وله حفيفٌ. والمختُّ: المستحيى. وختا الرجل: تغيَّر لونه. ومفازة مختتئةٌ: لا يسمع فيها صوتٌ. والخداريّة: العقاب، للونها، قال الشاعر:
ولم يَلْفِظِ الغَرْثَى الخُدَاريّةَ الوَكْرُ
стр. 118
وللعرب الأول فيها صفاتٌ، فأمّا المحدثون فما نعرف لأحدٍ فيها شيئاً غير أبي نواس، فإنّه وصف صيدها وذكرها في مرثيته خلفاً الأحمر، وجاء بها مثلاً أنّها لا تنجو من الموت فقال:
لا تَئِلُ العُصْمُ في الهِضَابِ ولا ... شَغْوَاءُ تَغْذُو فَرْخَيْنِ في لَجَفِ
يُحْصِنُهَا الجَوُّ بالنَّهارِ ويُؤْ ... وِيها سَوَادُ الدُّجَى إِلى شَعَفِ
تَحْنُو بجُؤْشُوشِهَا على ضَرِمٍ ... كقِعْدَة المُنْحَنِى من الخَرَفِ
تحنو: تعطف، بجؤشوشها: بصدرها، الشَّغواء: العقاب، سميت بذلك لاختلاف منسرها الأعلى والأسفل، والشَّغا: أن يطول بعض الأسنان ويقصر بعضٌ، واللَّجف: ما أشرف من الصَّخر على الغار في الجبل.
وقال امرؤ القيس في العقاب:
كأَنّى بفَتْخَاءِ الجَناحَيْنِ لَقْوَةٍ ... على عَجَلٍ مِنّى أُطَأْطِىءُ شِمْلالِى
تَخَطَّفُ خِزَّان الشَّرَبَّةِ بالضُّحَى ... وقد حُجِرَتْ منها ثَعَالِبُ أَوْرالِ
كأَنّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْباً ويابِساً ... لَدَى وَكْرِهَا العُنّابُ والحَشَفُ البَالِى
هذا من أجود تشبهٍ للعرب صحّة معنى، وفصاحة لفظٍ، وجودة أقسام.
ولغيره:
عُقَابٌ عَقَبْنَاةٌ كأَنّ جَناحَهَا ... وخرطومَهَا الأَعْلَى بنارٍ ملَوَّحُ
يقال عقاب عقبناةٌ وعقنباةٌ، وهي ذوات المخالب.
ولشرشير:
وقُلَّةِ طَوْدِ مُشْمَخِرٍّ شِعَافُهُ ... لِمُلْتَمِسٍ قَصْدَ السَّبِيل مُزِيلِ
به وَكْرُ فَتْخَاءِ الجَنَاحَيْنِ لَقْوَةٍ ... شَدِيدَةِ أَرْسَاغِ الأَكُفِّ قَتُولِ
تُقَلْبُ عَيْنَىْ مُسْتَريبٍ أَكَنَّتَا ... بِقَلْتَىْ أَشَمِّ المَارِنَيْن أَسِيلِ
له جُؤْجُؤٌ كالفِهْرِ يَكْتَنُّ زَروَهُ ... بمُحْتَنكٍ صَدْقِ الظّهَارِ جَدِيلِ
وساقَا ظَلِيمٍ لوْ ظَنَابِيبُه عَلَتْ ... رَحِيبَا أَكفٍّ غَيْر ذَاتِ حجُولِ
أَظَافِيرُها حُجْنُ الأَشَافِى كأَنَّهَا ... شُعُوبُ صَياصِى في قُرُونِ وُعُولِ
فلمّا تَرَاءَى الوَحْشُ مُنْحَرِفاً دَعَتْ ... لأَعمارِهَا آجالُها برَحِيلِ
في الزُّمَّج
الزُّمَّج أخبث الجارج طبعاً، وأشدُّه مكراً، وربّما تناول عين الحامل له آنس ما كان به.
وحدَّثنا جحظة قال: كان بظهر الكوفة أعرابيّ له زمَّجٌّ يصيد بها في كلّ يومٍ ظبياً، فيتقوَّت به هو وعياله، فاتَّل خبرها بالواثق، فوجَّه في طلبها بخادمٍ له، فذكر الخادم أنّه وافى الأعرابيَّ وهو جالسٌ بفناء بيته، فسلَّم، فردَّ عليه وقال: ما أنت؟ قال: ضيفٌ، قال: انزل بالرُّحب والسَّعة، فنزل، وقام الأعرابيّ فدخل إلى بيته، وخرج إليه، فجلس معه يحدِّثه حتى قرب وقت الغداء، ثمّ دخل فأخرج إليه كالدَّجاجة العظيمة مشويّةً، فأكلاها، فلمّا أكل قال: أنا رسول أمير المؤمنين، جئتك في طلب الزُّمَّج، قال: يا هذا، هلاّ تكلَّمت قبل ذلك؟ جئتنى والله وما كان في بيتي شيءٌ، غير الزُّمَّج، فلم أدر ما أقريك، فذبحتها وشويتها وأكلناها.
فرجع الخادم إلى الواثق فأخبره الخبر، فعجب من كرم الأعرابيّ، ووجَّه فحمله ووصله بألف دينار.
ورأى المحدثين في الزُّمَّج كرأيهم في العقاب، لقلَّة وصفهم له، وما نعرف فيها غير قول بعضهم:
أَعَددتُ للنّدْمَانِ صَيْدَ زُمَّجِ
عَبْلِ السَّرَاةِ ذي قَوَامٍ عَسْلَجِ
كأَنّه في قَرْطَقٍ مُدَبَّج
بينَ ذُنَابَاهُ وبَيْنَ المنْسجِ
رِيشٌ كمِثْلِ الحُبُكِ المُزَبْرَجِ
يَدفُّ فِعْلَ العائِمِ المُلَجِّجِ
حُجْنٌ خَطَاطِيفُ بكَفَّىْ أَهْوَجِ
تَظُنُّهَا مَخْلوقَةً من عَوْسَجِ
ذي منْسَرٍ كقَرْنِ ظَبْىٍ أَدْعَجِ
وساقِ هِقْلٍ خاضِبِ مُضرَّجِ
أَطلقْتُه في يَومِ دَجْنٍ مُبْهِجِ
فرُحْتُ للشَّرْبِ بعَيْشٍ رَهْوَجِ
أَوْسَعْتُهمْ من القَدِيدِ المُنْضَجِ
ومن حَنِيذِ المُعَجَلِ المُلَهْوَجِ
في عناق الأرض الانثى
لأحمد بن طاهر: وَيْل بنَاتش الأَرْضِ من لَعُوبِ
стр. 119
إِذا اغْتَدَتْ بصَاحِبٍ مَصْحُوبِ
عاصٍ على المَلامِ والتأْنيبِ
فاشْتَرَفَتْ من جَانِبَىْ كَثِيبِ
مثْل اشْتِرَافش القَوْمِ للخَطِيبِ
ونَظَرَتْ كنَظْرَة الرَّقِيبِ
إِلى مُحِبٍّ وإِلى حَبِيبِ
تَخَالَسَا بالنَّظَرِ المُرِيبِ
بمُقْلةٍ تَشُقُّ في الغُيوبِ
فآنَسَتْ سِرْباً من السُّرُوبِ
ليس بمَحْروسٍ ولا مَرْبوبِ
فالْتَهَبَتْ كالكَوْكَبِ المَشْبُوبِ
وانْدَفَعتْ كالفَرَسِ اليَعْبُوبِ
وخَفِيَتْ كالقَاتِلِ المَطْلُوبِ
وظَهَرَت كالطالبِ القَرِيبِ
فرَجَعَتْ بثَعْلبٍ مَسْحوبِ
وأَتْبَعَتْ بأَرْنبٍ مَجْنُوبِ
أَدِيْبَةٍ تَأْوِى إِلى أَدِيبِ
مَرْهوبةٍ من أَنْفَسِ المَرْهُوب
تأْخذُ بالعُيُونِ والقُلُوبِ
في عناق الأرض الذكر
لعبد الله بن محمد:
مَن كان بالصَّيدِ كَسّاباً فقَانِصُهُ ... ذُو مِرَّةٍ في سِبَاعِ البِيْدِ مَعْدودُ
لكنّه كفَتَاةِ الحَىِّ بارِزةً ... من خِدْرِهَا مالِىءٌ للعَيْن مَودودُ
حُلْوُ الشمائل في أَجفانِه وَطَفٌ ... صَافِى الأَديمِ هَضِيمُ الكَشْح مَمْسودُ
فيه من البَدْر أَشْبَاهٌ مُوَافِقةٌ ... منْهَاله سُفَعٌ في وَجْهِه سُودُ
كوَجْهِ ذا وَجْهُ هذا في تَدَرُّرهِ ... كأَنّه منه في الأشكال مَقْدُودُ
له من اللَّيْث ناباهُ ومخْلبُهُ ... ومن غَرِيرِ الظِّباءِ النَّحْرُ والجِيدُ
فوَصْفُه ببَديعِ الحُسنِ مُشتَهرٌ ... ونَعْتُهُ بشدِيدِ البأْسِ مَوجودُ
يُصْغِى بأُذْنَيْنِ يُبْدِى وَشْكُ سَمْعِهِمَاله الّذِى غَيَّبَتْ في غَوْلِهَا البِيدُ
كآسَتَيْنِ على غُصْنٍ تَعَطَّفَتا ... من جَانِبَيْه وفي الرَّأْسَيْن تَحْدِيدُ
أَغَرّ يُصْبِيك أَو يُلْهِيك من دَعَجٍ ... في مُقلَتَيهِ على الخَدَّين تَخْدِيدُ
كعَنْبَرٍ عَوَّجَتْهُ في سَوَالِفها ... من بعدِ ما قوَّمَتْهُ الغادَةُ الرُّودُ
كأَنّه لاّبِسٌ من جِلْدِهِ فَنَكاً ... في لِينِه لِبَنَانِ الكَفِّ تَمهيدُ
مُلَمَّعٌ أَخْصَف العَيْنَيْنِ مُنْتَدِبٌ ... كأَنّه ببَدِيعِ الشَّكْلِ مَقصودُ
يَحْكِيهِ في إِرْبِه زَمْرُ الغَطَاطِ وفي ... لُطْفِ المكائِد منه السِّمْعُ والسِّيدُ
يَكادُ مِن سَدْكِهِ بالأَرْض يَخْرِقُها ... كأَنّه بحَثيِثِ الذُّعْرِ مَزءُودُ
يَنْسَابُ كالأَيْم هَبّالاً لبُغْيَتهِ ... حتَّى إِذا أَمكنَتْهُ وهْوَ مكدودُ
سَطَتْ عليه بها كَفُّ المَنُونِ فما ... تَبْغِى نَجَاءَ ورِرْدُ الحَيْنِ مَوْرُودُ
في النَّعام
لعليَ بن محمد الكوفيّ:
قد أَلْبسُ اليومَ حتى يَنْثَنِى خَلقاً ... وأَركبُ اللَّيْلَ بالغُرِّ الغَرَانيقِ
وأَنتحِى لنَعامِ البَرِّ سَلْهَبَةً ... كأَنَّهَا بَعْضُ أَحجارِ المَجَانيقِ
كأَنّما ريشُهَا والرِّيحُ تَفْرقُهُ ... أَسْمَالُ رَاهِبَةٍ شِيبَتْ بتَشقِيقِ
كأَنّهَا حين هَزَّتْ رَأْسَها ذُعُراً ... سُودُ الرِّجالِ تَعَادَى بالمَزَارِيقِ
فما استمدَّ بلحْظِ العينش ناظرُهُ ... حتّى تَغَصَّصَ أَعلاهنّ بالرِّيقِ
في قوس البندق
لأبي نواس:
يا رُبّ سِرْبٍ من إِوزٍّ رُتَّعِ
في صَخَبِ الحُوت بَرْودِ المكْرَعِ
فهنّ بين حُوَّمٍ ووُقَّعٍ
من كلِّ مَحبوكِ السَّراةِ أَدْرَعِ
مٌقَرّطٍ بتُومَتَين أَوْدْعِ
أَصْفر فَصِّ العَيْنِ أَحْوَى المَدْمَعِ
مَوْصُولَةٍ زَجَّتُهُ بالأَخْدَعِ
عُولِىَ مَتْناهُ بحُبْكٍ أَرْبَعِ
فهْو كبَيْتِ اللَّعبِ المُصَنّعِ
وشِقَقٍ صُفْرٍ لِذَاذِ المَنْزَعِ
وفي مَخالى الأَدَمِ المُرصَّعِ
стр. 120
مُحَدْرجات كالسِّمَامِ المُنْقَعِ
حتّى إِذا أَمْكَن كلُّ مَطْمَعِ
وحَسَرُوا حُرّ ضَوَاحِى الأَذْرُعِ
وجَادَهَا عارِضُ مَوْتٍ مُفْجِعِ
يَجُرُّ أَثناءَ حَشاً مقطَّعِ
وله في مثله:
ومَنْهضل يَعْتَمُّ بالغَلاَفِقِ
حَرىً من الإِوَزِّ والشَّرَاوِقِ
والغُرِّ من مُسِنّةٍ وعاتقِ
سُودِ المَآقِى صُفُرِ الحَمَالقِ
وأُخرٌ في خُضُرِ اليَلاَمِقِ
كأَنّمَا يَصْفِرْن من مَلاَعقِ
صَرْصَرَةَ الأَقْلامِ في المَهَارقِ
فهُنّ من مُقَارِبٍ أَو مَاشِقِ
غَادَيتُها قبْلَ الصَّبَاحِ الفاتِقِ
مُسْتَحْقِبي خَرائِطِ البَنَادِقِ
وشِقَقٍ من القَنَا رَشَائِقِ
مَخْزومةِ الأَوْسَاطِ بالمَناطِقِ
تَقْذَى مَآقِيهنّ بالفَلائِقِ
حتّى إذا قاموا مَقَامَ الرّامِقِ
وحَسَروا الأَيْدى إلى المَرَافق
وجَادَها عارضُ مَوْتٍ بَارِقِ
فهنّ بيْن قائظٍ أَو فاتقِ
وله في مثله:
قد أَغتدى والطَّيْرُ في أَوكارِهَا
بشقَّةٍ كالوَرْس في اصْفرارِهَا
يَخالُها الناظرُ في اسْتدْرَارِهَا
قُلْبَ نُضَارٍ صِيغَ من قِنْطَارِهَا
كأَنَّمَا المائلُ من فَقَارهَا
غُصْنٌ من البانِ على اصْوِرَارهَا
تميدُهُ الرِّيَاحُ في تَكرارِهَا
ستَّةَ أَسْيَار على اقْتدَارهَا
وليلَةٍ طالَتْ علَى سُمّارِهَا
أَرِقْتُ والقَوم إِلى أَسحارِهَا
شَوْقاً به هِجْتُ إِلى أَطيارِهَا
حتَّى إِذا عَنَّ على مُدَارِهَا
طَلَعْنَ مثْلَ الإِبْل في قَطَارهَا
فصَكَّهَا الطَّبْنُ على خَدارِهَا
صَكّاً فلم يَسْلَمْن من فِرَارِهَا
ببُنْدُقٍ مثْلِ شَرَارِ نَارِهَا
ثمّ تنازَعْنَا على كِبَارهَا
تَنَازُعَ الفُتّاكِ في مَغَارِهَا
أَذَفْتَها المَوْتَ على تَغْرَارهَا
برَمْيَةٍ تَصْعَدُ في أَقطارِهَا
وله في مثله:
لمَّا بَدَا ضَوْءُ الصَّباحِ فحَسَرْ
في حالِلِ الأَعْطَافِ مُحْمَرِّ الطُّرَرْ
قُمْتُ إِلى سَمْرَاءَ صَفْرَاءِ الوَتَرْ
لم تُؤتَ من طُولٍ بها ولا قِصَرْ
ولم تُعَبْ بأُبْنَةٍ ولا زَوَرْ
إِذا تَمَطَّى نازعٌ فيها زَمَرْ
ذات شَذًى تَنْزِعُ أَنفاسَ النُّغَرْ
في فِتْية مثلِ مصابيحِ الزُّهُرْ
إِذا تمطَّى طائرٌ فوقَ النَّهَرْ
خاضَ إِليه غَيْرَ وَانٍ فعَبَرْ
مُرَقشَّاتٍ بتَهَاويلِ الصُّوَرْ
فيها حُتُوفُ الطَّيْرِ تفْرِى وتَذَرْ
حتَّى صَبَحْنَا كلَّ نَحَامٍ نَعِرْ
يَرْعَيْن شتَّى ومَعاً ضاحِى الزَّهَرْ
فلو تَرَاهنّ وقد جَدَّ الذُّعُرْ
إِذْ جَدَّ جِدُّ الرَّمْىِ فيها وانْتَشَرْ
فهُنّ من بين صَريعٍ منعَفِرْ
وبين مَقضوبِ النِّياطِ مُنْبَهِرْ
صَادَفَه الحَيْنُ فلم يُنْجِ الحَذَرْ
وكُلُّ شْىءٍ بقَضَاءِ وقَدَرْ
ولشرشير في مثل ذلك:
ومَوْردٍ يُجْذِلُ عينَ الرَّامِقِ
منْتَنظمٍ بالغُرِّ والغَرَانِقِ
وكلَّ صَيْرٍ صافرٍ وناعِقِ
مَكْتَهِلٍ أَو بالِغٍ أوْ نافِقِ
مَوْشيَّة الصُّدور والعَواتِقِ
بكلِّ وَشْىٍ فاخِرٍ ونافِقِ
تَختالَ في أَجْنحةٍ خَوَافِقِ
كأَنَّما تَختالُ في قَرَاطِقِ
ومُعْلَماتٍ صُفُرِ النَّواهِقِ
يَرْفُلْن في قُمْص وفي يَلاَمِقِ
مُدبَّجات قُشُب النَّوافِقِ
مُجَزَّعاتٍ جُدُدِ البَنَائِقِ
كأَنَّهنّ زَهَرُ الحَدائِقِ
وخُضُرٍ مُذْهَمَة المَفَارِقِ
حُمْرِ الحِداقِ كُحُلِ الحَمَالِقِ
كأَنّما يِنْظُرْنَ من عقَائِقِ
بروْضَةٍ تَضْحَكُ عن شَقَائِقِ
بِيضِ النُّحورِ وُضَّحِ مَخَانِقِ
كأنما يجلين في مخانق
وحَالِكاتٍ خُطَّفٍ رَشَائِق
مُطَرَّفاتِ القُذَذِ الرَّقائِقِ
مُلمَّعاتِ القُرُبِ اللَّواحِقِ
كأَنّما نُطِّقْن بالمَناطِقِ
لو كُنّ إِنْساً شُقْنَ قَلْبَ الشائِقِ
стр. 121
حُسْناً وأَلْوَيْنَ بقَلْب العاشِقِ
وَرَدْتُهُ بكلِّ نَدْبٍ رائِقِ
يجُوزُ في الإِرْبةِ حِذْقَ الحاذِقِ
بمُلُسٍ نَوافِذِ خَوَارِقِ
غير حَيُودَاتٍ ولا مَوَارقِ
يَصْدُرْنَ بالبُغْيَةِ عن فَلاّئِقِ
كريمة النبعة والخلائق
طُوالَةِ الشِّيَاتِ حَسْبَ الدَّابِقِ
مَكِينَةِ الأَعجاسِ ظلْع السَّامِقِ
تَرْحبُ في الإِنْبَاضِ باعَ الرَّاشِقِ
طُولاً وتَسْتَنْفِضُ كتْفَ النّائقِ
مجموعَةِ الأَوْتَارِ في زَبَائقِ
قد جُعِلَتْ قَوَالب البَنَادِقِ
حتّى إِذا أَوْفَوا طِلاَعَ الوَاثِقِ
وشَمَّروا عن أَذرُعٍ نَوَاتِقِ
أَزْجَوْا لها شُؤْبُوبَ صَوْبٍ وَادِقِ
في راعدٍ من حَينهِ وبَارِقِ
خَرْقَاءَ يُرْدِى حَدْقُهَا من حَالقِ
فهُنّ بين رانِحٍ وزَاهِقِ
ولعبد الله بن المعتزّ:
لا صَيدَ إلاّ بوَتَرْ
أَصفَرَ مَجدولٍ مُمَرّْ
إِنْ مَسَّهُ الرّامِى نَخَرْ
ذي مُقْلةِ تَقْذِى مَدَرْ
يَطِرْنَ منها كالشَّرَرْ
إِلى القُلُوبِ والُثغَرْ
لمّا غَدَونا بسَحَرْ
واللَّيْلُ مُسْوَدُّ الطُّرَرْ
نأْخُذُ أَرضاً ونَذَرَ
جَاءَت صُفُوفاً وزُمَرْ
يَطْلُبْن من شاءَ القَدَرْ
عند رياضٍ ونَهَرْ
وهنَّ يسأَلْنَ النَّظَرْ
ما عِنْدَهُ من الخَبَرْ
فقامَ رامٍ فابْتَدَرْ
أَوْتَرَ قَوْساً وحَسَرْ
إِذا رَمَى الصَّفَّ انْتَثَرْ
فبَيْنَ هاوٍ مُنْحَدِرْ
وذِى جَنَاحٍ مُنكَسِرْ
فارْتَاحَ من حُسْنِ الظَّفَرْ
وقُلْنَ إِذْ حُقّ الحَذَرْ
وجَدَّ رَمْىٌ فاستَمَرّْ
ما هكذا يَرْمِى البَشَرْ
صارَ حَصَى الأَرْض مَدَرْ
ولعليّ بن العباس مما جوّد فيه في مثله:
وقد أَغْتِدى للطَّير والطَّيرُ هُجَّعٌ ... ولو آنَستْ مغْدَاىَ مابِتْنَ هُجَّعَا
بخِلَّيْن تَمَّا بى ثلاثةَ إِخُوة ... جُسومُهُمُ شَتَّى وأَرْوَاحُهُمْ معَا
فثَارُوا إلى آلاتِهم فتقَلَّدُوا ... خَرائطَ حُمْراً تَحْمِلُ السُّمَّ مُنْقَعَا
مُثَقَّفَةً ما اسْتَودَعَ القومُ مِثلَهَا ... ودَائِعهم إِلاّ لئلاَّ تُضَّيِّعَا
مُحمّلةً زَاداً خَفيفاً مُنَاطَةً ... من البُنْدُقِ المَوزونِ قَلَّ وأَقْنعَا
وما جَشَّمتْنى الطَّيْرُ ما أَنا جَاشمٌ ... بأَسْمائِها إِلاّ لِيجْشمْن مُضْلَعَا
كأَنّ دَوِىَّ النَّخْلِ أَخرى دَوِيّهَا ... إِذا ما حَفِيفُ الرِّيحِ أَوعاهُ مسْمَعَا
فللهِ عَيْنَا مَنْ رآهم إِذا انْتَهَوا ... إِلى مَوْقفِ المَرْمَى وأَقبَلْن نُزَّعَا
وقد وَقفُوا للحائِناتِ وشَمَّرُوا ... لَهنّ إِلى الأَنْصَاف سُوقاً وأَذْرُعَا
هُنالكِ تَلْقَى الطَّيْرُ ما طَيَّرتُ بهِ ... على كلّ شعْبٍ جامعٍ فتَصدَّعَا
فظلَّ صِحَابى ناعِمَيْنَ ببُؤْسِهَا ... وظَلَّت على حَوْضِ المَنِيَّةِ شُرَّعَا
طَرَائح من سُودٍ وبيضٍ نَواصِعٍ ... تَخالُ أَدِيم الأَرْضِ منهنّ أبْقَعَا
كأَنّ لُبابَ التِّبْر عند انْتِضائِهَا ... جَرَى ماؤُه في لِيطِهَا فتَرِيَّعَا
كأَنّك إِذْ أَلْقَيْتَ عنها صِيَانَهَا ... سَفَرْتَ به عن وَجْهِ عَذْرَاءَ بُرْقُعَا
كأَنّ ذُرَاها والقُرُونَ الّتى بها ... وإن لم تَجِدْهَا العَيْنُ إِلاّ تَتَبُّعَا
مَذَرُّ سحِيق الوَرْس فوقَ صَلايَةٍ ... أَدَبَّ عليه دَارِعُ النَّمْلِ أَكْرُعَا
ولا عَيبَ فيها غيرَ أَنّ نَذِيرَهَا ... يَرُوعُ قُلوبَ الطَّيْرِ حتّى تَضَعْضَعَا
تُقَلِّبُ نَحْوَ الطَّيْرِ عَيْناً بَصيرَةً ... كعيْنِك بلْ أَذْكَى ذَكاءً وأَسْرَعَا
стр. 122
مُرَبَّعَةً مَقسومةً بشباكها ... كتِمْثَال بَيْتِ الوَشْىِ حِيْكَ مُرَبَّعَا
تَقَاذَفُ عنها كلُّ مَلْسَاءَ حَدْرَةٍ ... تَمُرُّ مُروراً بالفَضَاءِ مُشَيَّعَا
يُحَاذِرُهَا العِفْريتُ عند انْصلاتِها ... فيُعْجِلُهُ الإِشفاقُ أَن يَتَسمَّعَا
كأَنّ بَنَاتِ الماءِ في صَرْحِ مَتْنِهِ ... إِذا ما عَلاَ رَوقُ الضُّحَى فتَرَفَّعَا
زَرَابىُّ كِسْرَى بَثَّهَا في صِحابِهِ ... ليُحْضِرَ وَفْداً أَو ليَجْمَعَ مَجْمَعَا
تُرِيك رَبيعاً في خَرِيفٍ ورَوْضةً ... على لُجَةٍ بِدْعاً من الأَمْر مُبْدِعَا
تَخَايَلَ فوقَ الماءِ زَهْواً كما زَهَت ... غَرَائرُ عينٍ ما يِلينَ تَصنُّعَا
وأَخْضَر كالطّاوُوس تَحسب رأْسَهُ ... بخَضْرَاءَ من مَحْضِ الحريرِ مُقنَّعَا
بنِيهُ بمنْقَارٍ عليه حَبَائِكٌ ... يُخيَّلْنَ في ضاحِيهِ جَزْعاً مُجَزَّعَا
يَلُوحُ على إِسْطامِهِ وَشْىُ صُفْرَةٍ ... تَرقَّشَ منها مَتْنُه فتلَمَّعَا
كمِلْعَقَةِ الصِّينِىّ أَخْدّمَهَا يَداً ... صَنَاعاً وإِن كانَتْ يدُ الله أَصْنَعَا
وعَيْنين حَمراوَيْنِ يَطْرفُ عنهما ... كأَنّ حجَاجَيْهِ بفَصَّيْن رُصِّعَا
طَرْفُ أَطرَافِ الجَنَاحِ تَخالُه ... بَنَانَ عَرُوسٍ باليُرَنَّا مُقَمَّعَا
ولإسحاق بن خلف في مثله:
قد أَسْفَرَ الصبْح وإِن لم يُسْفِر
فانْهَضْ فإِنَّ النُّجْحَ للمُبَكِّرِ
أَما تَرَى ضَوءَ الصَّباح الأَزْهَر
قد شَقّ سِرْبَالَ الظَّلامِ الأَخضرِ
وقد تَجلَّتْ نَعْسَةُ المُدَّثِّرِ
وقُرِّبَ الزَّورقُ فارْكَبْ تَعْبُرِ
فقامَ مثْلَ الشَّمسِ بينَ الأَبْدُرِ
كأَنّ في زَوْرَقِه المُقَيَّرِ
نُجُومَ ليْلٍ بَيْنَهُنَّ المُشْتَرِى
بفِتْيَةٍ عن الأَكُفِّ حُسَّرِ
قد قُلِّدُوا بالطّائفيّ الأَحْمَرِ
واسْتَخْلصُوا من بُنْدُقٍ مُدَوَّرِ
بنادِقاً من شَرِّ طِينٍ أَمْعَر
وشِقَقٍ صِيغَتْ بكَفَّىْ مَعْمَر
خُضْرِ الظُّهور في لِحَاءٍ أَصفرِ
كأَنّ في أَفْواهِها المُخَصّرِ
وفي مجاريهَا صَبيبَ عُصْفُرِ
ثُمّ افترقْنا بالكثِيب الأَعْفرِ
فِرْقَيْنِ مقسومَين عند المَعْبَرِ
من أَيْمَنٍ مُحْتَجنٍ وأَيْسَرِ
والطَّيرُ قد غَطَّيْنَ ماءَ الجَعْفَرِى
من بينِ صَفْراءَ وبينِ أَصْفَرِ
والثَّعْبُ يَتْرَى كنِظَامِ الجَوْهَرِ
والوَزُّ في آذِيِّهَا المُكَدرِ
زُرْقٌ مَآقِيهنّ لم تُحجَّرِ
تُبْدِى نَشِيجَ الهَائِم المُستَعبرِ
حتّى إِذا قُمْنَا قِيَامَ الأَزْوَرِ
ونهَضَتْ فقلْتُ خُذْ ذَا أَو ذَرِ
كأَنّ وَقْعَ البُنْدُقِ المُقَدَّرِ
فيَها وقدْ كَسّرَمَا لم يُجْبَرِ
وَقْعُ طُبُولٍ في نَوَاحِى عَسْكَرِ
لا يُرزَقُ الإِنْسَانُ ما لم يُقْدَر
ولعبد الله بن محمد في الجلاهق:
يا رُبَّ ضَحْضَاح قَريب المَشْرَعِ
مُطَّرِدٍ مثلَ السُّيُوفِ اللُّمَّعِ
مُحتَجرٍ عن الطريق المَهْيَعِ
مُجَلّلٍ بسَانحَاتٍ وُقَّعِ
من كُلّ مَوْشىِّ الطِّرَاز أَدْرَعِ
مُوشَّحٍ بمِرْطِه المُوَشَّعِ
أَو أَخْضرِ الرِّدْفِ طَريرٍ أَسْفَعِ
كأَنّ عَيْنَيْه ولمَّا يُهْرَعِ
فَصَّاعَقِيقٍ رُكِّبَا لإصْبَعِ
ذي جُمَّةٍ وَحْفٍ وفَرْقٍ أَفْرَعِ
قُرِّطَ حُسْناً بلالٍ أَرْبَعِ
وعِقْدِ دُرٍّ حَوْلَ جيدٍ أَتْلَعِ
فهْوَ لِعَينِ النّاظرِ الممَتَّعِ
كصَنَمٍ بجَوْهَرٍمُرَصَّعِ
وَرَدْتُه قَبْلَ انْتِباهِ الهُجَّعِ
بكلِّ جَذّامِ النُّهَى سَمَعْمَعِ
مُنْتَبِذِ المَرْمَى سَريعِ المَنْزَعِ
يَهْدِى بُنَيَّاتِ الدَّواهِى النُزَّعِ
стр. 123
إِلى بُنَيَّاتِ المِيَاهِ الوُقَّعِ
في صيد السَّمك
وصفة البلاليع والشِّبك وقصب الدِّبق أنشدني أبو الحسن الحرَّانيُّ قال: أنشدني أحمد بن محمد الضّبّىّ لنفسه في البلاليع والشِّبك:
أَكْرَمُ ما أَعْدَدْتُه من العُدَدْ
وما حَوَى صَحْبى به غِنَى الأَبَدْ
بنَاتُ قَيْنٍ حازَ في الحِذْق الأَمَدْ
على مَقَاديرِ مَخَاليبِ الصُّرَدْ
أو مثل ما عَايَنْتَ أَنْصَافَ الزَّرَدْ
لها رُؤُوسٌ في أَعَاليهَا أَوَدْ
كمِثْل أَنيابِ الأَفَاعِى أَو أَحَدّْ
ذَوَاتِ طُعْمٍ نَكِدٍ كلَّ النَّكَدْ
تُشَدُّ في أَذْنَابِ خَيْلٍ إِذْ تُشَدّْ
مُمَرَّةِ الفَتْلِ كإِمْرارِ المَسَدْ
نِيطَتْ بأَطْرَافِ يَرَاعٍ مُسْتَعِدّْ
صُمِّ الأَنَابيبِ قَريباتِ العُقَدْ
عُجْنَا بها من حَيْثُ ما عَاجَ أَحَدْ
فِى فَىِّ صَفْصَافٍ عليْنَا قد بَرَدْ
شاطىء نَهْرٍ لا بِسٍ دِرْعَ زَبَدْ
فأُطْلِقَتْ أَيدِيهمُ إِطْلاَقَ يَدْ
ولم تَزَلْ تُرْسَلُ طَوْراً وتُرَدّْ
حتّى تَنَادَوا قَدْمِن الحِيتَان قَدْ
ثمَّ بعثْنَا أَلْفَ عَيْنٍ في جَسَدْ
فجئنَنَا بمثْلِهنّ في العَدّدْ
أَلْفٍ من الحِيتان بِيضٍ كالبَرَدْ
مكْسُوَّةٍ دَرَاهماً ما تُنْتَقَدْ
كذلك الأَرْزَاقُ في جَزْرٍ ومَدّْ
والحمْدُ للمُهَيْمِن الفَرْدِ الصَّمَدْ
وأنشدني أبو القاسم عليُّ بن الحسين بن جعفر العلويّ، لأبي طالبٍ الحسين بن عليّ، في الشَّبك:
وشاحِبِ اللِّبْسَةِ والأَعْضاءِ
أَشْعَثَ نائِى العَهْدِ بالرَّجَاءِ
أَفْضَى به العُدْمُ إِلى الفَضَاءِ
فوَجْهُهُ للضِّحّش والهَوَاءِ
أَغْبَر يَحْوى الزُّرْقَ من غَبْرَاءِ
خَفِيفةٍ ثَقِيلةِ الأَرْجَاءِ
كأَنّهَا هَلْهَلَةُ الرِّدَاءِ
كَلّفَها لحْظ بَنَاتِ المَاءِ
بأَعْيُنٍ لم تُؤتَ من إِغْضاءِ
كَثِيرةٍ تُرْبِى على الإِحْصَاءِ
فأَقْبَلَت تَمْلأُ عيْنَ الرّائِى
بكلِّ صافِى المَتْنِ والأَحْشاءِ
أَبْيَض مثْل الفضَّةِ البَيضاءِ
أَو كذِرَاعِ الكاعِبِ الحَسْناءِ
رزْقاً رُزقْناه بلا عَنَاءِ
نَعُدُّهُ من سابغِ النَّعْماءِ
وله أيضاً:
وجَدْوَلٍ بين حَديقتَيْنِ
مُطَّرِدٍ مثْل حُسَامِ القَيْنِ
كَسَوْتُه وَاسِعةَ القُطْرَيْنِ
تَنْظُرُ في الماءِ بأَلْفِ عَيْنِ
رَاصدةً كلَّ قَريبِ الحَيْنِ
تُبْرِزُهُ مُجَنَّحَ الجَنْبَيْنِ
كمُدْيَةٍ مَصْقُولةِ المَتْنيْنِ
كأَنّما صِيْغَ من اللُّجَينِ
رزْقاً هَنيئاً يَمْلأُ اليَدَيْنِ
بغَيْرِ كدٍّ وبغَيْرِ أَيْنِ
وللحكمىّ في قصب الدِّبق:
رُبَّ خَفِىِّ الشَّخْصِ قد أُرِقَّا
عن أَن يجوبَ لفَلاةِ خَرْقَا
فصَار للعِيْشة يَبْغِى الطَّرْقا
بقَصَبَاتٍ قد جُعِلْن لِفْقَا
يَجعَلُ في أَطرافِهنّ دِبْقَا
تَهْبِط أَحياناً وحِيناً تَرْقَى
تَدْمَعُ عَيْنَاهُ إِذا ما نَقّا
دَمْعاً مُلحّاً ما يَكَادُ يَرْقَا
تَظُنُّه قد حَنَّ أَو قد رَقَّا
وهْوَ أفظ ما يكون خلقا
يا بُؤْسَ للعُصفور ماذَا يَلْقَى
من بأْسِهِ كَتْفاً له وخَنْقَا
وللعابسي فيها:
ما صائداتٌ لسْنَ بَارحَاتِ
ورَاكَباتٌ غيرُ سائرَاتِ
وقَد عَلَوْن غَيرَ مُكْرَمَاتِ
مَنَابِراً ولَسْنَ خاطِبَاتِ
وما طَعَامٌ ظلَّ بالفَلاةِ
يُقَرِّبُ المَوْتَ من الحَيَاةِ
وما رِمَاحٌ غيرُ جَارِحَاتِ
ولَسْن للطِّراد والغَاراتِ
يَخُضْن لا مِنْ عَلَقِ الكُمَاةِ
برِيقِ حَتْفٍ مُنْجِزَ العِدَاتِ
مُسْتَمْكِنٍ ليس بذى إِفلاتِ
يَنْشَبُ في الصُّدُور واللَّبّاتِ
أَسِنّةً غَيْرَ مُوَقَّعَاتِ
علىعَوَالِيهَا مُرَكَّباتِ
من قَصَبِ الرِّيش مُجَرَّداتِ
يُحسَبْنَ في القُنِىِّ شائلاتِ
أَذْنَابَ جرْذانٍ مُنَكَّسَاتِ
стр. 124
في الفخ
والفخّ تعرفه العرب قديماً، ولامرىء القيس وقد وصف ناقةً قال:
إِذا حَرَّكوها قلتَ أَسْرَعُ وَثْبَةً ... من الفَخِّ إِمَّا حُرِّكَتْ حَبَّةُ الفَخِّ
ولطرفة بن العبد أبياتٌ مشهورةٌ فيه.
وللحسن بن هانىء:
قد كادَ ذاك الفَخُّ أَن يَعْقِرَا ... واحْرَوْرَفَ العُصْفُورُ أن يَنْقُرَا
غَيَّبْتُ بالتُّربٍ عليه له ... بالمُسْتَوِى خَشْيةَ أَن يَنْفِرَا
لمّا رأَى التُّرْبَ رَأَى جِثْوَةً ... مائلَةَ الشِّخصِ فما اسْتَنْكَرَا
حتّى إِذا أَشْرَفَهَا مُوِقنا ... وعَايَنَ الحَبَّ له مُظْهَرَا
خَاطَبه من قَلْبه زَاجر ... قلت كُنْتُ لا أَرْهَبُ أَن يَزْجُرَا
فاحْتَرَبَتْ لا ونَعَم ساعةً ... ثمّ انْجلَى جُنْدُ نَعَم مُدْبِرَا
فأَعْمَلَ الفِكْرَ قليلاً فلا ... يَقْتُلُهُ الرَّحْمنُ ما فَكّرَا
فضَمّ كَشحَيْهِ إِلى جُؤْجُؤٍ ... كانَ إِذا اسْتَنْجَدَه شَمَّرَا
فلم يَرُعْنى غيْرُ تَدْويِمِهِ ... آمِنَ ما كُنْتُ له مُضْمِرَا
وله أيضاً:
رُبَّ بُنَىٍّ للرَّدَى مَنصوبِ
حَانِى الظِّهَارِ مُحكمِ التَّعْصيبِ
كمَا تُشدُّ القَوْسُ للتَّعْقِيبِ
مُوَتَّر بوَتِدٍ قَطُوبِ
آخُذُهُ بوَسَطِ الأُنبوبِ
ضَمَّ العُرُوقِ عَصَبَ الظُنْبوبِ
مُنْخَنس عن ناظرِ المنكوبِ
أُودِعَ حَيًّا في يَدَىْ شَعُوبِ
يَنْتَزِعُ الحَبَّ من القُلُوبِ
لمّا أَتَى العُصفورُ من قَريبِ
لاحَظَهُ لَحْظَةَ مُسْتَريبِ
مُرَجّماً في الظَّنِّ بالغُيُوبِ
ثُمَّ دَعَاهُ الحَيْنُ للتّكْذيبِ
بما ارْتَأَى فيه من الخُطُوبِ
فرَامَ لَقْطَ الحَبِّ بالتَّقليبِ
حتّى إِذا أَمكَنَ للْوُثُوبِ
هَوتْ أَكفُّ ابْنِ الرَّدَى المنصوبِ
منه إِلى جُؤْجُؤه النَّكيبِ
وللجدليّ فيه:
رُبَّ عارى الظَّهْر مُنْعَفِرٍ ... لاحِقِ الجَنْبَيْن من ضُمُرِهْ
كانَ في الأَصْلاب مُنْحنِياً ... قَبْلَ مدِّ الدَّهْر من عُمُرِهْ
ثُمَّ قد زادَ الحُنُوَّ له ... شَدُّ حَقْوَيْه إِلى قُترِهْ
أُحْكِمَتْ منه مَرَائرُه ... حينَ كَفَّ الرَّبْطُ من مدَرِهْ
كامنٍ في التُّرْب مُنْدَفنٍ ... وضَئيلِ الجسْمِ مُحْتَقَرِهْ
وأَكُفُّ الحَيْنِ مُشْرَعَةٌ ... لمُلاَقيهِ فمُخْتَبِرِهْ
فيه أَقْوَاتٌ مُطمِّعَةٌ ... نَفْسَ رائِيهِ ومُعْتَبِرِهْ
فإِذا المَغْرورُ حَاوَلَها ... نَبَذَتْ للْحَيْن في ذكرِهْ
فنَحَاهو مُعْمِلٌ حَذراً ... لو أَصابَ النَّفْعَ في حَذَرِهْ
كيف تُنجيه مَعَاصمُهُ ... ويَدُ الأَقْدَارِ في أَثَرِهْ
قد ذكرنا في فنون الطَّرد لجماعةٍ من الشُّعراء قطعةً وافرةً، فيها مقنعٌ إن شاء الله، ونلحق بها هذا الخبر: خرج المهديُّ وعليُّ بن سليمان إلى الصَّيد، ومعهما أبو دلامة، فسنحت لهما ظباءٌ، فرمى المهديُّ ظبياً فأصابه، ورمى عليُّ بن سليمان فأصاب كلباً، فضحك المهديُّ وقال لأبي دلامة، قل في هذا، فقال:
قد رَمى المَهْدِيُّ ظَبْياً ... شَكَّ بالسَّهْمِ فُؤَادَهْ
وعليُّ بنُ سُليمَا ... نَ رَمى كَلْباً فصَادَهْ
فهَنيئاً لهما كلُّ ... امْرِئٍ يَأْكلُ زَادَهْ
نقله العبد الفقير إلى رحمة ربَّه حسن بن يوسف ابن عبد الله بن مختار الأربليّ، عفا الله عنه وعن والديه، من نسخة ضعيفة النقل والخطِّ، كثيرة الخطأ والغلط، وصحَّحه جهد طاقته، وأهمل ما جهل بصحّته، ومنه ما نقله على صورته، ووقع الفراغ منه في شر المحرّم من سنة تسعٍ وثلاثين وستِّمائة، والحمد لله وحده، وصلاته على سيِّدنا محمَّد النَّبيّ الأمِّيّ وآله الطّاهرين.