Полный текст (124 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وقد أَنصف الإِبِلَ الذي يقول:
أَلاَ فرَعى اللهُ الرَّوَاحِل إِنّمَا ... مَطَايَا قُلوبِ العَاشقِين الرَّواحِلُ
على أَنّهنّ الوَاصِلاتُ عُرَا النَّوَى ... إذا ما نَأَى بالآلِفينَ التَّواصُلُ
وقد ذمَّ قومٌ السُّفُنْ، لارتحالِ أَحبابِهم فيها، فمن ذلك قول بعضهم:
يوم ذَمِّي للْجِمَالِ ولَمْ ... أَدْرِ أَنْ قد بُدِّلَتْ سُفُنَا
هذا ذَمَّ الجِمَالَ، وتَوَهَّمَ أَنَّ أحبابه يَرتحِلون عليها، فجَلسوا في السُّفن، وساروا في الماء فصارَت السُّفُنُ أَحقَّ بالذَّمِّ من الجِمالِ.
وقُلتُ في مِثله:
ليْسَ لِلغِرْبانِ إِنْ صا ... حتْ برَبْعِ الدَّارِ ذَنْبُ
ولقدْ سُبَّتْ جِمَالٌ ... ظُلِمَتْ حِينَ تُسَبُّ
إِذْ نَأَى في السُّفُن الأَحْ ... بَابُ فالْتَاعَ المُحِبُّ
هِيَ غِرْبانُ فِرَاقٍ ... إِذْ بِها شُتِّتَ شَعْبُ
وأيضاً:
ذَمَّ أُنَاسٌ غُرَابَ بَينٍ ... إِذْ صاحَ في الرَّبْعِ بالبِعَادِ
والنُّوقُ ذُمَّتْ كمَا عليها ... يَرْتَحِلُ الحيُّ والبَوَادِي
والسُّفْنُ أَوْلَى بالذَّمِّ منها ... إِذْ ضُمِّنَتْ سالِبَ الفُؤادِ
ونحوُ ذلك قولُ بعض المحدَثين أَحسبه السُّيُوفيّ:
لَمّا رَأَيْتُ السُّفِينَ مُنْحدِراً ... أَبْعَدَ عنْ مُقْلتَيَّ إِغْفائِي
وَقَفتُ أَبكِي على سَوَاحِلهَا ... فمِن بُكائٍي زِيادةُ الماءِ
وأَيضاً نحوُه:
سارَ الحبيبُ وخَلَّفَ القَلْبَا ... يُبْدِي العَزاءَ ويُضمِرُ الكَرْبَا
قدْ قُلْتُ إِذْ سارَ السَّفينُ به ... والشَّوقُ يَنْهَبُ عَبْرَتِي نَهْبَا
لوْ أَنّ لِي عِزّاً أَصولُ بهِ ... لأَخذْتُ كُلَّ سَفِينةٍ غَصْبَا
وللحلَبيّ:
إِنّها فُرقةٌ تُذِيبُ القُلوبَا ... وتَرُدُّ الشُّبَّانَ لا شَكَّ شِيبَا
سَلَبَتْ قَلْبِيَ العزَاءَ فقد أَض ... حَى وأَمْسَى من العَزاءِ سَلِيبَا
ما تَرَى السُّفْنَ كيف تَعْلَو حَبَابَ الْ ... ماءِ مِثْلَ المَطِيِّ تَعْلُو الكَثِيبَا
وكَأَنّ المَلاّحَ إِذْ حَثَّ أُولاَ ... هُنَّ حادٍ غَدَا يَحُثُّ نَجِيبَا
حنين الإبل
وإِذا رَجَّعت الإِبلُ الحَنينَ كان ذلك أَحسنَ صوتٍ يَهتاجُ له المُفَارِقُون، كما يَهْتَاجُون لِنَوْح الحَمَام، ولِلَمْع البُرُوق، ولِهُبوب الرِّياحِ من نحو أَرضِ الحبِيبِ.
نزَلَ عُقَيلِيّانِ بزوجِ لَيْلى عَشِيقةٍ المَجْنُونِ فلمّا تَهوَّرَ اللَّيْلُ حَنَّتْ قلُوصاهما، فقال أَحدُهما:
تَحِنُّ قَلُوصِي نَحْوَ نَجْدٍ وقد أَرَى ... بعَيْنَيَّ أَنِّي لَسْتُ مُورِدَها نَجْدَا
ولا وَارِداً أَمْوَاهَ أَجْبُلَةِ الحِمَى ... وإِنْ أَرْهقَتْ نَفْسي على وِرْدِهَا جهْدَا
وقال العُقَيليُّ الآخرُ:
حنَّتْ قَلوصِي آخرَ اللَّيْلِ حنّةً ... فيَا رَوْعةً ما راعَ قلبي حَنِينُها
سعَتْ في عِقالَيْهَا ولاَح لِعينها ... سَنَا بَارِقٍ وَهْناً فجُنّ جُنُونُهَا
فمَا برِحَتْ حتّى ارْعَوَيْنَا لِصَوْتِهَا ... وحتَّى انْبَرَى مِنّا مُعِينٌ يُعِينُها
تَحِنُّ إِلى أرضِ الحِجازِ صَبَابَةً ... وقد بُتَّ مِن أَهْلِ الحِجَازِ قَرِينُها
فيا رَبِّ أَطْلِقْ قَيْدَها وجَرِيرَها ... فقد رَاعَ مَنْ بالمَسْجِدَيْنِ أَنِينُها
فقالت ليلى:
لعَمْرِي لقدْ هاجَتْ عَلَيَّ صَبَابةً ... قلُوصُ العُقَيْلِيَّيْنِ لَيْلَةَ حَنَّتِ
قَعَدْتُ لها واللَّيْلُ مُلْقٍ روَاقَهُ ... فجَاوَبْتُهَا حتَّى مَلِلْتُ ومَلَّتِ
ولبعض العرب:
يَحِنُّ قَلوصي ذو الخَباطِ صَبَابةً ... وشِدَّةَ وَجْدٍ مِن تَذكُّرهِ تَجْدَا
стр. 72
تذَكَّرَ نَجْداً مَوْهِناً بعدَ ما انْطَوتْ ... ثَمِيلَتُهُ وازدادَ عنْ إِلْفِهِ بُعْدَا
تَذكَّرَ نَجْداً حادِثاً بعد قادمٍ ... ولا يَلبَثُ الشَّوْقانِ أَن يَصْدَعَا الكِبْدَا
فقلتُ له هيَّجْتَ لي شَاعِفَ الهَوَى ... أَصابَ حِمَامُ المَوتِ أَضْعفَنا وَجْدَا
ولتميم بن جميل الأَسديّ:
يَحِنّ قَعُودٍي بعدَما كَمُلَ السُّرَى ... بنَخْلَةَ والضُّمْرُ الحَرَاجِيجُ ضُمَّرُ
يحِنّ إِلى وِرْدِ الخَشَاشَة بعدَما ... تَرَامَى به خَرْقٌ من البِيد أَغْبَرُ
وبات يَجُوبُ البِيدَ واللَّيْل ما ثَنَى ... يَدَيْهِ لتَعْرِيسٍ يَحِنُّ وأَزْفِرُ
وبِي مثلُ ما يَلْقَى من الشَّوْق والهَوَى ... على أَنَّني أُخْفِي الذي بي ويُظْهِرُ
فقلتُ له لَمّا رأَيْتُ الَّذِي به ... كِلاَنَا ِإلى وِرْدِ الخَشاشَةِ أَصْوَرُ
فلَيْتَ الّذِي يَنْسى تَذكُّرَ إِلْفِهِ ... وشِرْباً بأَحْواضِ الخَشَاشَةِ يُنْحَرُ
ولغيره:
بَاتَتْ تُشَوِّقُني برَجْعِ حَنِينها ... وأَزِيدُهَا شَوْقاً برَجْعِ حَنِينِي
نِضْوَيْنِ مُقْتَرِنَيْن بينَ تِهامَةٍ ... طَوَيَا الضُّلُوعَ على جَوًى مَكْنُونِ
لو خُبِّرَتْ عنّي القَلَوصُ لخُبِّرتْ ... عن مُستَقَرٍّ صَبَابةِ المَحزونِ
ولعُروةَ بن حزام:
فلَو تَرَكَتْني ناقتِي من حَنِينها ... وما بيّ مِنْ وَجْدٍ إِذاً لَكَفَاني
فإِنْ تَحْمِلي شَوقِي وشَوقَكِ تُثْقَلِي ... ومَالَكِ بالحِمْلِ الثَّقِيلِ يَدَانِ
ولآخر:
حنَّتْ وما عَقلَتْ فكيفَ إِذا بَكَى ... شَوْقاً يُلامُ على البُكَا مَن يَعْقِلُ
ذَكَرَتْ قُرَى نَجْدٍ فأَقْلَقَها الهَوىَ ... وقُرى العِراقِ ولَيْلُهُنّ الأَطْولُ
وكأَنّمَا يُجْنَى لها ولِرَكْبها ... بنِطَافِ دِجْلَةَ والفُرَاتِ الحَنْظَلُ
وتَمُرُّ من لُجَج السّرابِ مَوَارِقاً ... والخَرْقُ أَغْبَرُ بالقَتَام مُجَلَّلُ
فغَدَتْ وأَيْدِي الصُّبْحِ تَلْمَعُ في الدُّجَى ... كالبِيض تُغْمَدُ تَارَةً وتُسَلَّلُ
ولجرير:
أَرَى نَاقتي حَنَّتْ طُرُوقاً وشَاقَها ... وَمِيضٌ إلى ذاتِ السَّلاسِلِ لاَمعُ
فقلْت لها حِنِّي رُوَيداً فإِنَّني ... إلى أَهْلِ نَجْدٍ من تِهَامَةَ نَازِعُ
فلمّا رَأَتْ ألاَّ قُفُولَ وإِنّمَا ... لَهَا مِن هَواهَا ما تُجِنُّ الأَضَالِعُ
تَمطَّتْ بمَجْدُولٍ طَوِيلٍ فطالَعَتْ ... وماذَا مِن البَرْق اليَمَانِي تُطَالِعُ
ولأعرابي:
أَرَاكِ اللهُ نِقْيَكِ في السُّلامَى ... علَى مَنْ بالحَنِين تُعَوِّلِينَا
فلَسْتِ وإِن حَنَنْتِ أَشدَّ وَجْداً ... ولكنّي أُسِرُّ وتُعْلِنِينَا
وبي مِثلُ الذِي بكِ غير أَنّي ... أَجِلُّ عن العِقَال وتُعْقَلِينَا
وممّا يُسْتَحْسَن في مثل هذا ويُسْتَغْرَب معناه، ويُحمَد اختصارُه قول أعرابيِّ من بني كلابٍ:
فَمن يَكُ لمْ يَغْرَضْ فإِنّي ونَاقتي ... بحَجْرٍ إِلى أَهْلِ الحِمَى غَرِضَانِ
تَحِنّ فتُبْدِي ما بها من صَبَابة ... وأُخفِي الذِي لولا الأُسَى لَقَضَانِي
يُرِيد: لقَضَى عليَّ، فأَخْرجَه لفصاحته وعِلْمِه بجواهرِ الكلامِ أَحسنَ مُخْرَج، قال الله " وإِذَا كَالُوهم أو وَزَنوهم " أَي كالًوا لَهُم.
وقد قالت الشعراءُ في تَفضيل ما بَيْنَ حَنِينَهم وحَنين الإِبل: قال ثعلبةُ بنُ أَوس الكِلابيّ:
وما عَوْدٌ يَحِنُّ ببَطْنِ نجْدٍ ... مُعَالِي الشَّوْقِ مُضطَمِرٌ قلِيلاَ
إِلى وَأدٍ تذكَّرَ عُدْوَتَيه ... أَسَنَّ به وكانَ به فَصِيلاَ
стр. 73
فبُدِّلَ مَشْرَباً من ذاك مِلْحَاً ... وظِمْئاً بعْد قصْرَيْهِ طَوِيلاَ
يَحِنّ إِذَا الجَنائبُ هيَّجَتْهُ ... ضُحَيَّاً أَو هَبَبْنَ له أَصِيلاَ
بأَكثَرَ غُلَّةً مِنّي ووجْداً ... على إِضْمارِيَ الهَجْرَ الطَّوِيلاَ
وله أيضاً:
وما ذُو مِشْفرٍ نِقْضٌ يَمانٍ ... بنَجْدٍ كان مُغْترِباً نَزِيعَا
يُمارِسُ رَاعِياً لا لِينَ فيه ... وقَيْداً قد أَضرَّ به وَجِيعَا
إِذا ما البَرقُ لاح له سَناهُ ... حِجَازيِّاً سَمعتَ له سَجِيعَا
بأَكْثَرَ غُلَّةً منّي ووَجْداً ... لَوَ أَنَّ الشَّمْلَ كانَ بنَا جَمِيعَا
ولآخر:
لعَمْركَ ما خُوصُ العُيونِ شَوَارِفٌ ... رَوائِمُ أَظْآرٍ عَطَفْن على سَقْبِ
يُفَدِّينَهُ لوْ يَسْتَطِعْن ارْتَشَفْنَهُإِذا اسْتَفْنَهُ يَزْدَدْن نَكْباً على نَكْبِ
بأَوجدَ منّي يوم وَلّتْ حُمُولُهمْ ... وقد طَلَعتْ أُولَى الرِّكَابِ من النَّقبِ
وكُلُّ مُصيبَاتِ الزَّمانِ رأَيتُها ... سِوَى فُرْقَةِ الأَحبابِ هَيِّنةَ الخَطْبِ
وقد قيل في بيت عنترة:
بَرَكَتْ علَى ماءِ الرِّداع كأَنّما ... بَرَكَتْ على قَصَبٍ أَجَشَّ مُهَضَّمِ
إِنّه يَصف حَينَها، وإِنّه شَبَّهَ شَجْوَ صَوْتِهَا بالمزاميرِ، وأَراد القَصب الذي يُزْمَرُ به.
وقال الراعي يصف الحادِيَ:
زَجِل الحُدَاءِ كأَنّ في خَيْشُومِه ... قَصباً ومُقْنِعةَ الحَنِينِ عَجُولاَ
المُقْنعُ: الرّافعُ رَأْسَه، في هذا المَوْضِع، وفي غيره: الذِي يَحطّ رأْسَهُ استِخْذاءَ ونَدَماً، قال الله " مُقْنِعِي رُؤوسِهم " هو الرّافِع رأْسَه.
؟ في حنين الإبل في سرعتها
أَنْشَدَنا أحمدُ بن جعْفَر بن محمَّد قال: أَنشدَنَا جَدّي أَبو العيناء محمّد بن القَاسم قال: أَنشَدَنا الأَصْمَعيّ:
إِذا عُقِلَتْ وإِن هي خُلِّيَتْ ... لِتَرْتَعَ لمْ تَرْتَعْ بأَدْنَى المَرَاتِعِ
كأَنَّ لَدَيْها سائقاً يَسْتَحِثُّها ... كَفى سائقاً بالشَّوْق بينَ الأَضالَعِ
ولإِدريسَ بن أَبي حَفصة نَحْوُ هذا، من قصيدة له في إٍِسحاق بن إبراهيمَ المُصْعَبيّ:
لَمَّا أَتَتْكَ وقد كانَتْ مُنَازِعَةً ... دَانَى الرِّضا بينَ أَيدِيها بأَقْيادِ
لهَا أَمَامَك نُورٌ تسْتَضِيءُ بهِ ... ومِنْ رَجائِك في أَعْقَابِهَا حَادِي
لها أَحادِيثُ مِن ذِكْراكَ يَشْغَلُها ... عَنْ الرُّبوع ويُلْهيها عن الزَّادِ
قال لي الصُّوليّ: أَنْشَدتُ هذه الأبياتَ عبد الله بن المعتزِّ فقال أَخذَها من قوْلِ أَخيه مَروانَ الأَكبرِ للمَهْدِيّ:
إلى المُصْطَفَى المَهْدِيّ خاضَتْ رِكابُنَادُجَى اللَّيْلِ يَخْبطْن السَّرِيحَ المُخدَّمَا
يَكُون لهَا نُورُ الإِمَامِ محمَّدِ ... دَلِيلاً به تَسْرِي إِذا اللَّيْلُ أَظْلَما
وأَنشدَ إِسْحَاقُ بنُ إبراهيم لأَعْرَابية:
قُلْ لحادِي المَطِيِّ رَفِّعْ قَلِيلا ... تَجْعَلِ العِيسُ سَيْرَهنّ ذَمِيلاَ
لا تَقِفْها على السَّبِيلِ ودَعْهَا ... يَهْدِهَا شَوْقُ مَنْ عَلَيْهَا السَّبيلاَ
والمشهور من هذا قَوْلُ محمّد بن أَبي محمّد اليزيديّ:
يا فرحتِي إِذ صَرَفْنَا أَوْجُهَ الإِبل ... نَحْوَ الأَحِبّةِ بالإِدلاج والعَمَل
نَحثُّهُنَّ وما يُؤتَيْن من دَأَبٍ ... لكنَّ للشَّوقِ حثّاً ليسَ للإِبلِ
وأَوَّلُ مَن نطق بهَذَا المعنَى عمْرُو بن شَأْسٍ الأَسدِيُّ قال:
إِذَا نَحْنُ أَدلجْنا وأَنتَ أَمَامَنا ... كفَى بالمطَايَا ضَوءُ وَجْهِك حادِيَا
أَليسَ يَزِيدُ العِيسَ خِفّةَ أَذْرُعٍ ... وإِنْ كُنَّ حسْرَى أَنْ تَكُون أَمامِيَا
في النَّواعير وحنينها
أنشدت لبعض الأعراب:
стр. 74
ولمّا نَزلْنا الساحليْنٍ تجاوبَتْ ... أبا عرنا لمَّا ازدَهَتْهَا النَّواعيرُ
وحنَّتْ نَوَاعيرُ الفُرَاتِ بأرضِهَا ... فلمَّا استحنَّت جاوَبَتْهَا الأبَاعِرُ
أبا عرنا بعض الحَنينِ فإنّه ... إلى غَير شيءٍ ما تحِنُّ النَّواعِرُ
سِوَى أنّهَا تُشجى الحزينَ الّذي به ... إلى رُؤيةِ الأَحبابِ داءٌ مُخَامِرُ
إذا نَحْن أخْفَيْنَا الَّدفينَ الّذي بنَامن الوَجْدِ نَمَّتْهُ الدُّمُوعُ البَوَادِرُ
وللمجنون:
باتَتْ تَحِنّ وما بها وَجْدُ ... وأحِنُّ من وَجْدٍ إلى نجْدِ
فدُموعُهَا تَسقى الرّياضَ بها ... ودُموعُ عَيْنى أَقْرحتْ خَدِّى
ولعبد الله ابن مسعود:
حَنَنْتُ إليك من شَجْوٍ وحَنَّتْ ... نواعيرُ الفُراتِ لغَيْرِ شجْوِ
١٢٣ - ألف خَلَوْنَ من الهَوَى ومُلئْتُ منه ... وليس أخو صَبَابَاتٍ كخلوِ
سَقَيْنَ الُحلْو من ثَمَرٍ وتسْقِى ... دُمُوعِى مِن هُمومى غَيْرَ حُلْوِ
وله أيضاً:
نَزَلْنَا بالفُرّات ضُحًى فحّنَّتْ ... نَوَاعِرُه حَنينَ المُعْوِلاتِ
وظلْتُ أحنُّ من شَوْقٍ وليسَتْ ... تحنُّ له نَوَاعِيرُ الفُراتِ
وبِتُّ من الصَّبَابَةِ مُستهاماً ... إليك وبِتْنَ مِنْهَا خالياتِ
سَوَاءً ما سَقَيْنَ وما جَرَتْهُ ... جُفونى من دُمُوعي الهاطلاتِ
وقلت:
نَزَلْنَا بأكْنافِ العِرَاق فهيَّجَتْ ... نَواعيرُه أحزانَنا حين حنَّتِ
تحِنّ وتَسْقى الرَّوْضَ ريًّا ولم تّذُقْ ... هَوَاىَ الّذي منه دُموعي اسْتَهلَّتِ
ولم تَعْرِفِ الشَّوْقَ الّذي في جَوانحي ... ولا حُرّقاً بين الضُّلُوعِ اسْتكنَّتِ
ولو عَلِمَتْ ما قَد لَقِيتُ ومُلِّكتْ ... لِسَاناً لبَاحَتْ بالهَوَى وتَشكَّتْ
ولعبيد الله بن مسعود:
ولمّا استَحَنَّتْ بالفُرَاتِ عَشيَّةً ... نَواعيِرُه كادَ الفؤادُ يَبينُ
تَحِنُّ بلا حُزْنٍ وشَوْقٍ أصابَهَا ... وللقَلْبِ من شَوْقٍ إليك حنينُ
سوَاءٌ بُكَاءُ العَيْنِ منّىَ والّذي ... بَكَيْنَ ولكنْ ما لَهنَّ عُيُونُ
على أّنّني والله قد أَقْرَحَ البُكَا ... جُفوني ولم تُقْرَحْ لهنّ جُفُونُ
ولأحمد بن محمّد المصِّيصيّ:
وَصَلَتْ نَوَاعيرُ الجِنانِ حنينَها ... فأَذْكَرت الهَوَى أخلاقُها
وكأَنّما طَفِقَتْ تُوَاصلُ أَدمُعي ... يَوْمَ النَّوَى وقد انْهمي مُهْراقُها
أعجِبْ بأجْسَامٍ بَدَائعَ خالَفَتْ ... فيخَلْقِهَا وتَنكَّرَتْ أخلاقُها
أفْواهُها أوْسَاطُها وعُيُونُها ... بجُنوبهِنَّ كثيرةٌ آماقُهَا
ولصالحٍ الدَّيلميّ يصف الدُّولاب:
ومُسْتَديرٍ بالا رُوحٍ تُدَبِّرُهُ ... يُديرُهُ قُطُبٌ في الأرضِ مَرْكوزُ
كأنّه فَلَكٌ تنقَضُّ أنْجُمُهُ ... إذا تَصَوَّبَ من كِيزَانِهَا كُوزُ
وللخبّاز البلديّ في دولاتب:
يَسُوقُ من جِجْلَةَ الرّوَاءَ له ... سَحَابَةٌ أُنْشِئَتْ من الخَشَبِ
نَجُومُ ماءٍ يُديرُها فَلَكٌ ... يكْثُرُ منه تَعَجُّبُ العَجَبِ
مُزمْزِمٌ ما يَبينُ مَنْطِقُهُ ... كقائِدِ التُّرْك غدْوةَ الشعبِ
يُتْعِبُ جِدًّا مُحصى تَقلُّبِهِ ... وهو مُعَافىً من شِدَّةِ التَّعَبِ
ولأبي طالب الحُسين بن عليّ:
بمشَعِّرٍ في السَّيْر إلاّ أنّه ... يَسْرِى فيمنعُهُ السُّرَى أن يَبْعُدَا
وَصَلَ الحَنينَ بعَبْرةٍ مسفوحةٍ ... حتّى حسبْناهُ مَشوقاً مُكَمَدَا
مُسْتَرْفِد ماءَ الفُراتِ ورافدٍ ... وَجْهَ الثَّرَى أكْرِمْ به مُسْتَرْفدا
стр. 75
ينفى الصَّدَى عن رَوْضةٍ نَفَحاتُهَا ... أرَجٌ وبَرْدٌ يَشْفيَانِ من الصَّدَى
كَمُلتْ مَحَاسِنُهَا فنَشْرٌ يُرْتَضَى ... وفَوَاكهٌ تُجْنَى وظِلٌ يُرتْدى
وله أيضاً:
كأنَ دُولابَها إذْ حنَّ مُغْتَرِبٌ ... ناءٍ يَحِنُّ إلى أَوْطَانِه طَربَا
باك إذَا عقَّ زَهْرَ الرَّوْضِ وَالدُهُ ... مِن الغمامِ غَدَا فيهِ آباً حَدِبَا
مُشمِّرٌ في مَسيرٍ ليس يُبْعِدُهُ ... عن المَحَلِّ ولا يُهْدى له تَعَبَا
ما زالَ يَطْلبُ رِفْد البَحْرِ مُجْتهِداً ... للْبَرِّ حتّى ارْتَدى النُّوَّارَ والعُشبَا
وللصَّنوبريّ:
فلكٌ من الدُّولابِ فيه كَواكبٌ ... من مائِهِ تَنْقَضُّ ساعَةَ تَطْلُعُ
مُتَلوِّنُ الأَصْواتِ يَخْفِضُ صَوتَه ... بغِنَائِهِ طَوْراً وطَوْراً يَرْفَعُ
أبَداً حنينُ الذِّئْبِ فيه مُرَدَّدٌ ... أبَداً زئيرُ اللَّيْثِ فيه مُرَجَّعُ
كم صُوِّبت فيه سُمَاريَّةٌ ... مُوجِفَةٌ كالنِّقْنقِ النّافِرِ
ونَعرَتْ بالماءِ ناعورةٌ ... حَنينُهَا كالبَرْبَطِ النَّاعِرِ
وتارةً تَحْسبُها قيْنَةً ... تُردِّدُ اللَّحْنَ على زَامِرِ
كأنَّما كيزانُهَا أنْجمٌ ... دائرةٌ في فَلَكٍ دائِرِ
ويدخل في هذا البات ما جاء في العروب والأرحية فمن ذلك ما أنشدناه أبو القاسم العلويّ لأبي طالب الحسين ابن عليّ الأنطاكيّ:
وابْنةِ بَرٍّ لم تَبِنْ عن زُهْدِ
أضْحَى بها البَحْرُ قَرِيبَ عَهْدِ
تعَافُهُ وهْوَ زُلالُ الوردِ
فليْسَ تَحْبُوهُ بصفْوِ الوُدِّ
إلاّ برَبْطٍ عندَه وشَدِّ
لمّا نَضَتْ مَلاحِفَ الإفرِنْدِ
واتَّشحَتْ من الدُّجى ببُرْدِ
تَوسَّطَتْ سَكْرَ صَفيحٍ صَلْدِ
فأشْبَهَتْ وَاسطَةً في عِقْدِ
مُطلَّةً علىرِكَابِ الوَفْدِ
كأنّهَا أمُّ النّعامِ الرُّبْدِ
عَجَاجُها شَيْبُ بَنِيها المُرْدِ
وَاجِدّةٍ بالبَرِّ أيَّ وَجْدِ
تذكَّرتْ طِيبَ ثَرَاه الجعْدِ
أيّامَ تُغْذَى بجَنىً كالشُّهْدِ
ولَمْعِ بَرْقٍ وحَنينِ رَعْدِ
فَهْيَ تُعيدُ أَنَّةً وتُبْدِي
كما يَئنُّ مُوثَقٌ في العِدِّ
لولا امْتِدَادُ الطُّنُب المُمْتَدِّ
لشَمَّرَتْ تَشمِيرَ ذاتِ الجِدِّ
فصافَحَتْ خَدَّ الثَّرَى بخَدِّ
وأنشدني للحلبيّ:
ويا نغم العُرُوبِ إذا تَوَالتْ ... فوَالَتْ بيْنَ طِيبِ النَّغْمَتَيْنِ
وَموْفِفُنا بصَفَّيْهَا كأنَّا ... لدَى صَفَّيْ نعَامٍ وَاقِعَيْنِ
طُيُورٌ وَاقِعَاتٌ طائِرَاتٌ ... فيَالكَ مَنْظَراً ذا مَنْظَرَيْنِ
بأجْنِحَةٍ لهَا في الصَّحُو نَوْءٌ ... يُقَصِّرُ عنه نوْءُ المِرْزَمَينِ
ويذكر فيها السُّفُن فيقول:
ويا سُفَنَ الفُرَاتِ بحَيْث تَهْوِى ... هُوِىَّ الطَّيْرِ بينَ الجَلْهَتَينِ
تَطَارَدُ مُقْبِلاتٍ مُدبِرَاتٍ ... على عَجَلٍ تَطارُدَ عَسْكَرَينِ
وأنشدني للأنطاكيِّ من قصيدة:
وللمَاءِ مِن حَولِنا ضَجَّةٌ ... إذا المَاءُ كافحَ تلك العُرُوبَا
حِبَالٌ تُؤَلِّفُها حِكْمةٌ ... فتَنْحُو البِحَارَ بها لا السُّهُوبَا
تُقَابِلُنا في قميصِ الدُّجَى ... إذا الأفْقُ أصبح منه سليبَا
حَيَازيمُها الدَّهْرَ منْصُوبةٌ ... تُعانِقُ للمَاءِ وَفْداً غَريبَا
عَجِبْتُ لهَا شاحِبَاتِ الخُدو ... دِ لمْ يُذْهِبِ الرِّىُّ عنْهَا الشُّحُوبَا
إذا ما هَممنَا بغشْيَانها ... رَكِبْنا لَها وَلَداً أو نَسِيبَا
يُجاوِرُها كُلُّ سَاعٍ يُرَى ... وإنْ جَدَّ في السَّيْرِ منها قَرِيبَا
стр. 76
خَلِىُّ الفُؤادِ ولكنَّهُ ... يحِنُّ فيُشْجِى الفُؤَادَ الطُّروبَا
وله أيضاً:
وزنْجِيَّةٍ عُرِفَتْ بالإباقِ ... فلَيْسَ لها رَاحَةٌ من وَثَاقِ
إذا اضطربَ الماءُ مِنْ حَوْلها ... رأيْتَ الحِبَالَ بها في تَلاقِ
يَثُورُ بهَا قَسْطَلٌ أبيضٌ ... على القوْمِ غَيْرُ كَيِيفِ الرّوَاق
فأبْناؤُها المُرْدُ شِيبُ الرُّؤوِس ... وأبْنَاؤهَا السُّودُ بِيضُ التَّراقِي
رَكِبْنا إليه غَدَاةَ الصَّبُوحِ ... مَطَايَا تَخبُّ كدُهْمِ العِتَاقِ
فظِلْنا نُمِيتُ لَدَيْهَا الزِّقَاقَ ... إلى أنْ حَيِينَا بمَوْتِ الزِّقَاقِ
وله أيضاً:
وسَوْدَاءَ آبِقَةٍ قُيِّدَتْ ... فَمِنْ كُلِّ وَجْهٍ لها حَابِلُ
تَوَسَّطَتِ البحْرَ حتَّى نَأَى ... علَى مَن أَقامَ بها السَّاحِلُ
وحَنَّتْ إلى البَرِّ مُشْتقاقةً ... إليه كمَا حَنَّتِ الثاكِلُ
ودارَ لها فَلَكٌ خارجٌ ... يَدُورُ بِهِ فَلَكٌ دَاخِلُ
فسُكَّانُهَا الدَّهْرَ من نَقْعِها ... شَبَابٌ وشَيْبُهُم شامِلُ
إذَا رَامَهَا فارِسٌ نَالَهَا ... ويعَعْجِزُ عن نَيْلِهَا الرَّاجِلُ
وله أيضاً:
وقَوَاطِناً في المَاءِ تَحْسَبُ أَنَّهَا ... شُمُّ الهِضَابِ لَبِسنَ لَيْلاً أَرْبَدَا
مِثْلُ الإماءِ السُّودِ خافَ إباقَها ... مَوْلًىفشَدَّ وَثَاقَها وتَشَدَّدَا
تَصَبَتْ حَيازِيماً لها مشْعوفَةً ... بالمَاءِ تَمنَحُهُ عِنَاقاً سَرْمَدَا
لم تَخْلُ من زَوْرٍ يُشَاهِدُ مَعْرَكاً ... ذا قَسْطَلٍ فيَشِيبُ فيه أمْرَدا
بِدَعٌ إذَا ما الفِكْرُ حَاوَلَ وَصْفَها ... يَوْماً تَحيَّرَ دُونَهَا وتَبلَّدَا
قال أبو القاسم: وكنّا مع أبي طالب على شربٍ، إلى جانب رحى على نهر الأرند، وهو النهر المقلوب، فقلت له: هل تعرف في الرَّحى شيئاً؟ قال: لا، ولكنّي أعمل السَّاعة، فعمل:
ومَنْزِلٍ رَقَّ به الهَواءُ
وطَابَ للشَّرْبِ به الثَّوَاءُ
بَنِيَّةٌ ما حَوْلَهَها بِنَاءُ
كمَا أُقِيمَ في يَدِ إنَاءُ
تَرْكُضُ فيه فَرَسٌ دَهْمَاءُ
تَكْنُفُهَا عَجَاجَةٌ بَيْضَاءُ
تَجْرِى وإِنْ أَعوزَهَا الفَضَاءُ
مَيْدَانُهَا وجِسْمُهَا سَوَاءُ
يَحْفِزُها جَارٍ له ضَوْضَاءُ
كِلاهُمَا لمَعْشَرٍ نَمَاءُ
يَوْمُ سُرُورٍ مابِه خَفَاءُ
ولَيْلَةٌ مُسْفِرةٌ غَرَّاءُ
رَحَاؤُها إنْ دَرَجَتْ رَحَاءُ
تَبْرُدُ مِن نَسِيمِها الأَحْشَاءُ
غُرَّةُ دَهْرٍ كُلُّه ظَلْمَاءُ
في البحر والمراكب والسُّفن
كتب عمر بن الخطّاب إلى عمرو بن العاص: إنّي أريد أن أغزي جيشاً من المسلمين البحر، فأخبرني عنه. فكتب إليه: إنّ البحر خلق عظيم، يركبه خلق ضعيف، دود على عود إن يمسكوا يفرقوا، وإن يصرعوا يغرقوا. فقال عمر: لا أحمل فيه مسلماً كارهاً أبداً.
ولعمر بن برَّاقة:
ألاَهَلْ للهُمومِ من انْفِرَاجِ ... وهَلْ لِي من رُكُوبِ البَحْرِ ناجِي
أَكلَّ عَشِيَّةٍ زَورَاءُ تَهْوِى ... بِنَا في مُظْلِمِ الغَمَرَاتِ ساجِى
يشُقُّ المَاءَ كَلْكَلُها مُلِحَّاً ... علَى ثَبَجٍ من المَاءِ الأُجَاجِ
كأنّ تَتَابُعَ الأَمْواج فِيه ... نِعَاجٌ يَرْتَعِينَ إلى نِعَاجِ
ومثل هذا أبي مهديٍّ:
أَشْرِفْ إلى البَحرِ تَرَى عُكَاشَا
ماءً تَرَى حِيتَانَهُ عِطَاشَا
يَرْتَعِشُ النَّبْتُ به ارْتعاشا
إذا علاَ تَيَّارُهُ وجَاشَا
وجَاحَشَتْ أمواجُهُ جِحَاشا
قُلْتَ كِبَاشٌ نَاطَحَتْ كِبَاشَا
ولأعرابي أغزاه الأسود بن بلالٍ في البحر:
стр. 77
أقُولُ وقد راحَ السَّفِينُ مُلَجِّجاً ... وقد بَعُدتْ بعْدَ التَّفرُّقِ دُورُ
وقد عَصَفَتْ ريحٌ من الموت قاصِفٌ ... وللْبَحْرِ مِنْ تَحْتِ السَّفينِ هَدِيرُ
ألاَ ليتَ أَجْرِى والعطاءَ صَفَا لكم ... وحَظِّى حَطُوطٌ في الزِّمَام وكُورُ
فلِلّه رَأْىٌ قادَنِى لسفينَةٍ ... وأَخضَرَ مَوَّارِ السَّرَابِ يَمُورُ
تَرَى مَتْنَه سَهْلاً إذا الرِّيحُ أَقلَعتْ ... فإنْ عَصَفَتْ فالسَّهْلُ منه وُعُورُ
ومن حسن ما قيل في ذلك قول مسلم بن الوليد الخزرجي:
ومُلْتطِمِ الأَمْوَاج يَرْمِى عُبَابُهُ ... بجَرْجَرَةِ الآذىّ للعِبْرِ والعِبْرِ
مُطعَّمة حِتانُه ما يَهُمُّهَا ... مآكلُ زادٍ من غَرِيقٍ ومن كَسْرِ
إذا أَعنَقَتْ فيها الشَّمَالُ تكفَّأَتْ ... جَوَارِيه أو قامَتْ مع الرِّيح لا تَجْرِى
كأنّ مَدَبَّ الرّيحِ في جَنْبَاتهَا ... مَدَبُّ الصَّبَا بين الرّغابِ من العُفْر
كَشفتُ أَهاوِيلَ الدُّجَى عن مَهُولةٍ ... بجَارِيةٍ مَحْمُولةٍ حَاملٍ بِكْرِ
لَطَمْتُ بخَدَّيها الحَبَابَ فأَصْبَحَتْ ... مُوَقَّفةَ الدَّايَاتِ مَرْثُومةَ النَّحْرِ
إذا أقبلَتْ رَاعَتْ بقُنَّةِ قَرْهَبٍ ... وإنْ أَدْبرَتْ رَاقَتْ بقَادِمَتَىْ نَسْرِ
تَجافَى بها البُوصِىُّ حتَّى كأنَّها ... تَسِيرُ من الإشفاق في جَبلٍ وَعْرِ
فحَامتْ وَجِيفاً ثمَّ مَرَّتْ كأنَّهَا ... عُقابٌ تَدَلَّتْ من هُوِىٍّ إلى وَكْرِ
هذا البيت مأخوذ من قول الأخطل في فرسٍ:
فظَلَّ يُفَدِّيها وظَلَّتْ كأنَّهَا ... عُقَابٌ دَعاهَا جُنْحُ لَيْلٍ إلى وَكُرِ
أنَافَ بهادِيها ومَدَّ زِمَامَها ... شَديدُ عِلاَجِ الكَفّ مُعتمِلُ الظَّهْرِ
إذَا ما عَصَتْ أرخَى جَرِيرٌ لرَأْسها ... فمَلَّكها عِصْيانَها وهْي لا تدْرِي
كأنّ الصَّبَا تَحْكِى بها حينَ وَاجَهتْ ... نَسِيمَ الصَّبَامَشْىَ العَرُوسِ إلى الخِدْرِ
وقال الوليد بن عبيد في أحمد بن دينارِ:
ولمَّا تَولَّى البَحْرَ والجُودُ صِنْوُهُ ... غَدَا البَحْرُ من أَخْلاقِه بَيْن أَبْحُرِ
غدَوْتَ على الميمون صُبْحاً وإنّما ... غَدَا المَرْكبُ الميمونُ تحتَ المظفَّرِ
أظلَّ بعِطْفَيْهِ ومَرَّ كأنَّمَا ... تَشوَّفُ من هَادِى حِصَانٍ مُشهَّرِ
إذا زمْجرَ النُّوتِىُّ فوْق عَلاَتِهِ ... رأيْتَ خَطِيباً في ذُؤابَةِ مِنْبَرِ
إذا عَصفَتْ فيه الجَنُوبُ اعْتَلَى له ... جَناحَا عُقَابٍ في السَّمَاءِ مُهَجَّرِ
إذَا ما انْكفَى في هَبْوَةِ المَاءِ خِلْتَه ... تَلفَّعَ في أَنْنَاء بُرْدٍ مُحَبَّرِ
وحَوْلك رَكّابونَ للهوْلِ عَاقَرُوا ... كُؤوسَ الرَّدَى من دَارِعِينَ وحُسَّرِ
يَسُوقُونَ أُصطولاً كأَنَّ سَفِينَهُ ... سَحائبُ صَيْفٍ من جَهَامٍ ومُمْطِرِ
كأنّ ضَجِيجَ البَحْرِ بين رِمَاحهمْ ... إذا اخْتَلَفتْ تَرْجِيعُ عَوْدٍ مُجَرْجِرِ
وقول المَرْيَمِىِّ: أحسنُ ما قيل ١٢٨ الف في السُّفُن والمَراكِب:
لمْ نزَلْ مُشفِقِين مُذْ قِيلَ سارتْ ... بك دُهْمٌ قَلِيلَةُ الأَوْضاحِ
كلُّ مَبْطُوحَةٍ خَلَتْ من شَوًى عَبْ ... لٍ ومِن حافرٍ أَقَبَّ وقَاحِ
أَصْلُها البَرُّ وهي ساكنةٌ في ال ... بَحْرِ سُكْنَى إقَامةٍ لابَرَاحِ
هيَ في المَاءِ وهْي صِفْرٌ من الما ... ءِ سِوى نَضْجِ مَوْجِهَا النَّضَّاحِ
وإذَا أُوقِرَتْ فذاتُ وَقَارٍ ... وإذا أُخْلِيَتْ فذَاتُ مرَاحٍ
стр. 78
وإذا ما انْثنتْ ولم يَسمَحِ الها ... دِى ثَنَاهُ الحادِى إلا الإِجماحِ
وتَرَاها في اللُّجِّ ذاتَ جنَاحَيْ ... نِ وإنْ لم تَكنْ بذَات جَنَاحِ
مِن مَطَايَا لا يَغْتدين ولا يَسْ ... أَمْنَ كَدَّ البُكُورِ بَعْدَ الرَّوَاحِ
مُنْشَآتٍ من الجَوَارِى اللَّوَاتِى ... لَسْنَ في صَنْعهِ الجَوَارِى المِلاَحِ
تالِداتٍ مُولَّدَاتٍ بلا حِ ... لّ نِكاحٍ ولا حَرَامِ سِفَاحِ
لا من البِيض بل من السُّودِ ألْوَا ... ناً ذَوَاتِ الأَلْواحِ لا الأَرْوَاحِ
جارِيَاتٍ مع الرِّياح وطَوْراً ... كاسِرَاتٍ بالجَرْىِ حَدّ الرِّيَاحِ
سارياتٍ لا يَشتكين سُرَى اللَّي ... لِ ولا يرتَقِبْنَ ضَوْءَ الصّباحِ
ساكِنَاتٍ لا خُضُوعِ سُكُونٍ ... جامحاتٍ لا اعْترامِ جِمَاحِ
سابِحَاتٍ في كُلِّ طامٍ عَمِيقٍ ... يتَّقِيهِ مُقَحّمُو السُّبّاحِ
لا يَخَفْنَ الغِمَارَ يُقْذَفْن فيها ... ويَخَفْنَ المُرُورَ بالضَحْضاحِ
إنْ صَدَمْنَ الحَصَى عَطِبْن ولا يَعْ ... طَبْن إمَّا صَدَمْنَ حَدَّ الرِّمَاحٍ
ما رأى الناسُ من قُصُورٍ على الما ... ءِ سِوَاهَا تَمُرُّ مَرَّ القِدَاحِ
يَتَسَبْسَبْنَ كالأَساوِدِ في الخِ - فَّةِ لا في مَقَادِرِ الأَشباحِ
وإذَا ما تَقَابَلَتْ قُلتَ سُودٌ ... من كِبَاشٍ تَقَابلَتْ للِنِّطاحِ
شُرْعُها البِيضُ كالغَمَامَاتِ في الصَّيْ ... يْف ضحَاحاً منها وغير ضحَاحِ
كم مُدِلٍّ بالمال والنَّفْسِ حَيْر ... انَ فقيرٍ فيها إلى المَلاّحِ
هو فَسْلٌ وربّمَا كافَحَ الفَسْ ... لُ وُجُوهَ الرَّدَى أشدَّ كِفَاحِ
قائِدٌ جُنْدُهُ لَهُمْ أَدَواتٌ ... نَفْعُهَا ثَمَّ فَوْقَ نَفْعِ السِّلاحِ
فإذا البَحْرُ صالَ صالُولا عليه ... بمَوَاضٍ تَمْضيِ بغَيْر جِرَاحِ
يُكْثِرُون الصِّياحَ حتى كأنَّ السُّ ... فْنَ تَجْرِى مِن خَوْفِ ذَاك الصِّيَاحِ
ولأبي نواس الحسن بن هانىءٍ:
بُنِنَتْ علَى قَدْرٍ ولاَءَمَ بينَها ... طَبَقان من قِيرٍ ومن ألْواحِ
فكأنَّهَا والماءُ يَنْطِحُ صَدْرَها ... والخَيْزُرانةُ في يَدش المَلاّحِ
جَونٌ من العِقْبَانِ تَبْتدِرُ الدُّجَى ... تَهْوِى بصَوْتٍ واصْطفاقِ جَنَاحِ
ولقيس بن الجهم:
أُجالِدُ صَفَّهم ولقد أرَاني ... على زَوْرَاءَ تَسجُدُ للرّياحِ
إذا قَطعَتْ برَاكِبها خَلِيجاً ... تّذكَّرَ ما عليه من جُنَاح
يقول: أنا اليوم أجالد صفَّهم، ولقد كنت على حالٍ غير هذه. زوراء تسجد للرّياح يعنى السفينة تطيع الرِّيح حيث مالت بها، فإذا سارت تذكَّر راكبها ذنوبه خوفاً أن يدركه الغرق.
وللحسين بن الضحّاك:
رَحَلْنَا غَرَابِيبَ زَيّافةً ... بدِجْلَة في مَوْجِهَا المُلْتَطمْ
سَوَابِحَ أيْقَنَّ أن لا قَرا ... ر دُون مُبَارَكةِ المُعْتصِمْ
ولغيره:
إنّا إليك اقْتَرَعْنَا كلَّ جارِيةٍ ... مِثْل الدُّجَى في الدُّجَى لا تشتكِي أَلَمَا
بِكْرٍ بُعُولَتُهَا أبناؤُنَا وإذا ... ما حُصِّلوا لم تَجِدْ قُرْبَى ولا رَحِمَا
سَحْمَاءَ مَلْطومَةِ الخَدَّين تَلْطِمُها ... أَيْدي غَوَاربِ طَامٍ ظَلَّ مُلْتَطِمَا
مُقَوَّمَاتِ الهَوَادِى مِنْ خَوَالِفها ... تُغْنَى بأثْفَارها أَنْ تَعْلُكَ اللُّجُمَا
برَاكِبٍ قائدٍ مِيلٍ لسائِقِها ... إذا انْتَشَى الرِّيحَ سارَتْ تَحْتَه قُدُمَا
стр. 79
بأجْنِحَاتٍ عِدَادٍ لا نُهوضَ بها ... لأَنْ تُجَارِى عُقَاباً لاّ ولاّ رَخَمَا
ولعليّ بن جيلة:
ومُغْلَولِبِ الآذىّ يَسْمُو لمدِّه ... غَوَارِبُ فيها المَوتُ بالمَوْتِ يَرْتَمِى
كأنَّ اعتلاجَ الماءِ في حَجَراتِها ... تَرَاطُنُ عُجْمٍ رَجَّعتْ بالتَّطَمَطُمِ
مَطَوْنَا على أَقْرَابِهِ جَرْمَقِيَّةً ... بَعِيدَاتِ قُرْبَى مِن جَدِيلٍ وشَدْقَمِ
من الدُّهْم لم تُنتَجْ لأُمٍّ ولا أبٍ ... ولا تَشتِكي أَيْنَ السُّرَى والتَّجَشُّمِ
مُوَكَّدةُ الأَسْماعِ لا يَستحِثُّهَا ... بزَجْرٍ ولا يَرْتَاحُها بالتَّرنُّمِ
إذَا ما المطَايَا قُوِّمتْ مِن رُؤُوسها ... فأَذْنَابُهَا منها هُدىً للِتَّقَوُّمِ
تَسِير إذَاسَارَت بأرْوَاحِ غيرِها ... مُركَّبَةً ي غَيْر لحْمٍ ولادَمِ
يُسَابِق لَحْظَ العَيْنِ أفْتَرُ سَيْرِهَا ... ولا تُقْتَفَى آثَارُهَا بالتَّرَسُّم
نَوَاجٍ إذاكَفْكَفْنَ ذَرْعَ بَطِيحةٍ ... رَدَدْنَ شَبَا آذِيِّهَا المُتَعجّمِ
بأجْنِحَةٍ قَدْ رُكِّبتْ في رُؤوسِهَا ... مُرَنَّقَةٍ كالمَضْرَحِىِّ المُدَوِّمِ
يَمُرُّ هُوِىَّ الرِّيح تَحْسبَ شَقَّها ... بحَيْزُومِهَا في الماءِ مُنْسَابَ أرْقَمِ
تَرَامى بها الأمواجُ وهي تَصُكُّها ... برَأْسٍ يُفَرِّى هامَةَ المَوْج صِلْدِمِ
كأنَّا وقدْ دَارَتء بنا الرّيحُ تَحتَها ... مَتَايِيهُ في دَاجٍ من اللّيلِ مُظلِم
ولعبد الصَّمد بن المُعذَّل:
وضَمَّنتُها كعُقَابِ الظَّلا ... مِ جَوْنضةَ فُلْكٍ بها تَرْفُلُ
فلاَحَتْ بدِجْلَةَ مُرْقَدَّةً ... كما ذُعِرَ النِّقْيِقُ المُجْفِلُ
وكادَ يُطَيِّرُها بالفَضَاءِ ... شِرَاعٌ مَرَتْ دَرَّهُ الأَحْبُلُ
كأنَّ هَمَاهِمَ حَيْزُومِهَا ... هَدِيرُ القُرُومِ بها أَفْكَلُ
إذا البَغْىُ أَعندَها في المَسير ... تَلاَقَى بها قُلَّبٌ حُوَّلُ
يُقَوِّمُها جَوْرُ سُكّانِها ... إذا هِىَ عن قَصْدِهَا تَعْدِلُ
فأَقْضى بها مَتْنُ مُغْرَوربٍ ... يُسَامِى غَوَارِبَهُ أَشْكَلُ
كأنّ تَلاطُمَ آذِيِّهِ ... رِيَاطٌ لها هُدبٌ مُخْمَلُ
ولغيره:
إِليك جالَتْ بنا مُضَبّرةٌ ... لا دَمَثٌ شَفَّها ولا جَبَلُ
لم تَشْكُ أَيْنَ السُّرَى وقد جَهِدَتْ ... ولم تّذِلَها الرِّحالُ والجّدُلُ
تُقيمُ أَدبارُها قَوَادِمَها ... ليسَ لها من أَمامِها قُبُلُ
تِستنطِقُ الماءَ في جَوَانِبِها ... عن نَغَمات لُغَاتُهَا شُكَلُ
هِبِلَّةٌ سَوْطُهَا الحِرَانُ من السِّي ... سرَةِ لولا الشِّرَاعُ والدَّقَلُ
ولأبي الشيص:
وبَحْرٍ يَحارُ الطَّرْفُ منه قَطعتُهُ ... بمَهْنُوءَةٍ من غير عرٍّ ولا جَرَبْ
مُوَثَّقةِ الأَلْواحِ لم يُدْمِ مَتْنَها ... ولا صَفحتَيهَا عضُّ رَحْلٍ ولا قَتَبْ
مقَيّلَةٍ لا تَشتْكي الأدين والوجى ... ولا تشتكي عَضَّ النُّسُوعِ ولا الدَّأبْ
يَشُقّ خَريرَ الماءِ حَدُّ جرائها ... إذا ما تَفَرَّى عن مَنَاكِبها الحَبَبْ
إذا اعْتَلَجَتْ والرِّيحُ في بَطْنِ لُجِّةٍ ... رَأيْتَ عَجَاجَ الموتِ من خَوفِها يَثِبْ
ولأحمد بن أبي طاهر:
إلى أبي أَحْمَدٍ أَعمَلتُ راحِلةً ... لا تَشْتَكي الأَيْنَ من حَلٍّ ومن رِحلِ
تَسْرِى بمُلْتَطِمِ الأَمْوَاج تَحْسبه ... من هَوْلِه جَبَلاً يَعلو على جبَلِ
стр. 80
كأنّ راكبها إِذْ جَدَّ مُرتَحِلاً ... بالسَّيْرِ منها مُقِيٌ غيرُ مُرتَحِلِ
لِجامُهَا في يَدِ النُّوتِىِّ من دُبُرٍ ... مُقَوِّمٌ زَيْغَها والمَيْلَ من قُبُلِ
ما زَال سائقُهَا يَجْرِى على مَهَلٍ ... جَرْياً يَفوتُ اجْتِهَادَ الخَيْلِ والإبِلِ
حتّى تَناهضتْ إلى حَيْثُ انْتهَى شَرَفُ الدُّ ... نْيَا وأَشْرَفَ بَاغِيها على الأَمَلِ
وأيضاً:
مُخضْرَمةُ الجنْبيْن صادِقةُ السُّرى ... تُراقِبُ من ذي الرَّكْبِ ما لا يُراقبُهْ
تكادُ نُفُوسُ القَوْم تَجرِى يِجَرْيِهَا ... إذا غَالَبتْ من مَوْجه ما تُغَالِبُهْ
يَصُدُّ ح بابَ الماء عن جَنَباتها ... إذا البحرُ ساحَتْ في السَّفينِ مَراكبُه
وللحسين بن الضَّحّاك:
إلى سُرَّ مَن رَا والمصِيف وظِلِّه ... دأبْنَا وأَدْأَبْنا السَّفِينَ المُقَيَّرَا
تُكَابِدُ أنفاسَ الهَجِير رَوَائحاً ... وتَخْطُر في بُرْدٍ من اللَّيْلِ أخضَرَا
إذَا ما استخَفَّتْهَا الرِّيَاحُ حَسِبْتَهَانُسُوراً تَلَتْ في لاَمِعِ اللِّيْلِ أَنْسُرَا
تُقِيمُ على قَصْدِ الطَّرِيق صُدُورَها ... شَكَائِم في الأذنابِ ساجاً وعَرْعَرَا
وللعباسيّ:
زنْجِيَّةٍ كُرْديَّةِ الحَلْىِ فَوْقَها ... جَنَاحٌ لها فَرْدٌ على الماءِ يَخْفُقُ
يُؤَدِّبُها أولادُهَا بعِصِيِّهِمْ ... فَتُحْبَسُ قَسْراً كيف شاءُوا وتُطْلَقُ
وله في سماريَّة:
كأنّي حِينَ تَعْتَذرُ المَطَايَا ... على فَتْخَاءَ نَاشِرَةٍ جَنَاحَا
بخَرْقٍ تَقْصُرُ الأَلْحاظُ عنه ... بَعِيدِ المَاءِ يَبْتَلِعُ الرِّيَاحَا
ولبعض المحدثين في سماريّات:
والماءُ تهوِى تارةً ... فيه سَفائِنُهُ وتصْعَدْ
فكأنَّهنَ عَقاربٌ ... دّبَّت على صَرْحٍ مُمرَّدْ
وممّا يدخل في هذا الباب قول محمّد بن أبي عينية يصف البصرة وهي تجمع البرَّ والبحر:
يا جَنَّةً فاتَتِ الجِنَان فما ... تَبلُغُها قيمةٌ ولا ثَمنُ
ألِفتُها فاتَّخذْتها وَطَناً ... إنَّ فؤادى لحُسْنها وَطَنُ
زُوِّج حِتانُها الضِّبَابَ بها ... فهذه كَنَّةٌ وذا خَتَنُ
فانْظُرْ وفَكِّرْ فيما تُطِيف به ... إنّ الأديبَ المفكِّرُ الفَطِنُ
من سُفُنٍ كالنَّعَام مُقْبِلةٍ ... ومن نَعامٍ كأنَّه سُفُنُ
ويدخل في هذا الباب قول عليّ بن العبّاس:
ولم أتَعلَّمْ قَطُّ من ذي سِبَاحةٍ ... سِوَى الغَوْصِ والمضعوفُ غيرُ مُغالِبِ
ولِمْ لا ولَوْ أُلْقيِتُ فيها وصَخْرةً ... لَوَافَيْتُ منها القَعْرَ أوَّلَ رَاسِبِ
وأَيْسَرُ إِشْفَاقي من الماءِ أنّني ... أَمُرُ به في الكُوزِ مَرَّ المُجَانِبِ
وأخَشْىَ الرَّدَى منه على كلّ شارِبٍ ... فكيفَ بأمْنِيهِ على كُلّ رَاكِبِ
وقد ألمَّ عليٌّ في هذا المعنى بقول أبي نواس، وهو ماحدَّثنا به محمّد به يحيى قال: حدَّثنى عليُّ بن سراجٍ، عن أبي وائلٍ اللَّخميَ قال: حدَّثني إبراهيم بن الخصيب قال: وقف أبو نواسٍ بمصر على النِّيل، فرأى رجلاً قد أخذه التِّمساح فقال:
أَضْمرتُ للنِّيل هِجْرَاناً ومَقْلِيَةً ... إذ قيل لِي إنّما التِّمساحُ في النِّيلِ
فمَنْ رَأَى النيلَ رَأْىَ العَيْنِ من كَثَبٍ ... فمَا أرَى النِّيلَ إلاّ في البَوَاقِيلِ
البَوَاقِيل: الكِيزانُ، واحدها بُوقَالٌ.
باب
في الرِّياع والمنازل والأطلال
وذكر السَّراب والآل
стр. 81
في هذا الباب ذكر منازل الأحباب وديارهم وأطلالهم وآثارهم، ومن وقف على آثار ديار أحبابه فعرفها أو شكّ فيها، وذكر من هيَّجته الرُّسوم فبكى بدمعه السَّجوم، حين عاين آثار أحبابه بعد الفراق، فتذكَّر أيّامهم وحنَّ واشتاق، وخاطب الدّار، وبكى على ما عفا من الآثار، إلى غير ذلك من ذكر السَّراب والآل، إن شاء الله.
قال أبو بكر محّمد بن الحسن: من أحسن ما خوطبت به الدّيار قول عدىّ بن الرِّقاع:
فسُقيتِ من دارٍ، وإِن لم تَسمَعِى ... أَصواتَنا، صَوْبَ الرَّبِيع المُسْبِلِ
ورُعِيتِ من دارٍ وإِن لم تَنْطِقِى ... بجَوَابِ حاجِتنا وإِن لم تَعْقِلىِ
قد كَانَ أَهْلُكِ مَرّةً لك زِينَةً ... فتَبَدَّلوا بَدَلاً ولم تَسْتَبْدِلىِ
فابْكِى إِذَا بَكَتِ المنَازلُ أَهلَها ... مَعْذورَةً وظَلَمْتِ إِن لم تَفعَلِى
ولأبي المشيَّع جبر بن خالد بن عقبة بن سلمة بن بعمرو بن الأكوع:
أمَنْزِلَتَىْ جُمْلٍ سلامٌ عليكما ... وإِن هِجْتما شَوقاً ولم تَنْفَعَا صَبَّا
يُبَرّحُ بي أَلاّ أَزالَ أَراكمُا ... فيغصبُنِى لُبِّى الهَوَى منكما غَصْبَا
أَلاَ طالَما هَيَّجْتُمَا بُرَح الهَوَى ... بقَلْبٍ سَقيمٍ لم يُطِق للنَّوَى شَعْبَا
ولمكنف بن ثميلة من ولد زهير بن أبي سلمى:
حَتَّى متَى أَنا بالدِّيارِ تَبِيلُ ... وجَدَى الدِّيَارِ ونَفْعُهُنّ قَلِيلُ
هَاجَتْ بذِى بَقَرٍ عليك صَبَابَةً ... دِمَنُ الدِّيَار ورَسْمُهنّ مُحِيلُ
إنّ المَنَازِلَ لا تَزالُ على البِلَى ... بالطَّلْحِ تَشْعَفُنى لهنّ طُلولُ
فسَقَى بذِى بَقَرٍ دِيَارَكِ مُسْبِلٌ ... هَزِمٌ يَجود عِرَاصَهَا ويَسِيلُ
ولغيره:
ذَكَّرَنِى وَادِى الأَرَاكِ المُجدِبُ
عَهْدَ صِبىً فيه لَسَلْمَى مَلْعَبُ
وَهْوَ بعُمْرَانِ الجَميعِ مُخصِبُ
يَطِيبُ فيه عَيْشُهُم ويَعْذُبُ
فأخرَبَ العامِرَ دَهْرٌ مُخرِبُ
فالشَّكُّ فيه لليَقيِن يَحْجُبُ
يَبْعُدُ في ظَنٍّ به ويَقْرُبُ
مُصَدِّقٌ قَلْبِى وطَرْفِى مُكذِبُ
وهذا ممَّن عرف دياره وديار أحبابه بقلبه، وأنكره طرفه لتغيُّره، وأوّل من نطق بهذا المعنى امرؤ القيس.
حدَّثني عليُّ بن الصَّبَّاح ورَّاق أبي محلّمٍ، قال أبو محلّم: أتعرف لامرىء القيس أبياتاً سينيَّةً قالها عند موته في قروحه والحلَّة المسمومة التي ألبسها غير أبياته ال أوَّلها:
ألما على القديم بعسعساه
فقلت: لا أعرف غيرها فقال يلى أنشدي جمامة من الرواة:
لِمَن طَلَلٌ دَرَسَتْ آيُهُ ... وغيَّرهُ سالفُ الأحْرُسِ
تنكَّرهُ العَنْنُ من حادثٍ ... ويَعرِفُه شَعَفُ الأَنْفُسِ
فهذا المعنى الذي ابتدأه امرؤ القيس، وأحسن كلَّ الإحسان فيه، وجاء به المحدث في أبياته الرَّجز التي ذكرتها، وأنا أذكر أبيات امرىء القيس لأنّها غريبة حسنة ثم أعود إلى ذكر من أخذ منه هذا المعنى:
فإمّا تَرَيْنِىَ بي عَرَّةٌ ... كأَنِّي نَكيِبُ من النِّقْرِسِ
وصَيَّرني القَرْحُ في جُبَّةٍ ... تُخالُ لَبِيساً ولم تُلْبَسِ
تَرَىْ أَثَرَ العَرّ في جلدْتى ... كما تَرْقُمُ الكَفّ في الأَطْرُسِ
وتُنْقُش فيه على نكْأةٍ ... كما ينقشُ الخَتْمُ في الجِرجسِ
فياربَّ يوم أجرِّع فيه المنيّة من شئت بالأكؤس الجرجس طين الختم، والجرجسانة الطِّينة منه والجرجس من البقّ يقال له: القرقس، فأخذ طريح بن إسماعيل الثَّقفىُّ قوله:
تنكَّرُهُ العينُ من حَادثٍ ... ويَعرفُهُ شَعَفُ الأَنفُسِ
وقال:
يَسْتَخْبِرُ الدِّمنَ القِفَار ولم تكن ... لِتَرُدَّ أَخْبَاراً على مُسْتَخبرِ
فظَللْتَ تَحْكُم بين قَلْب عارِفٍ ... مَعْنَى أَحِبَّتِهِ وطَرْفٍ مُنكِرِ
فأخذه أبو نواس فقال إلاّ أنّه قلبه فجعل الإنكار للقلب:
стр. 82
أَلاَ لاَ أرَى مثْلي امْتَرَى اليوْمَ في رَسْمِ ... تَعرَّفُهُ عَيْنى ويَلفِظُهوَهْمِىَ
ولو كان تنكره عينى ويعرفه وهمي لكان كالأوّل، ولعلّ أبا نواس قصد الخلاف وأعجبه قوله ويلفظه وهمي لأنّها لفظةٌ مليحةٌ، وقد تملَّح الحسن بن وهب بهذا المعنى إلاّ أنّه أجمله ولم يذكر القلب، من قصيدة:
أَبْلَيْت جِسْمِى من بَعدِ جِدَّته ... فما تكَادُ العُيُونُ تُبصِرُهُ
كأَنَّه رَسْمُ مَنزلٍ خَلَقٍ ... تَعْرِفُه العينُ ثمّ تُنْكِرُهُ
وزعم يحيى بن منصور الذُّهليّ أنّه عرف معاهد أحبابه فكتمها عينه فقال:
أَما يَتَفيق القَلْبُ إلاّ انْبَرَى له ... تَذكُّرُ صَيْف من سُعَادَ ومَرْبَعِ
أُخَادِعُ عَنْ عِرْفَانِهَا العَيْنَ إِننّيمَتَى تَعْرِفِ الأَطْلاَلَ عَيْنِىَ تَدْمَعِ
وقال غيره:
هي الدارُ التي تَعْرِ ... فُ أَو لاّ تَعْرِفُ الدَّارَا
تَرَى فيها لأَحبابِ ... ك أَعلاماً وآثارَا
فيُبْدِى القَلْبُ عِرْفاناً ... ويُبدِى الطَّرْفُ إنْكارَا
ولربيعة بن مقروم:
أَمِنْ آلِ هِنْدٍ عَرفْتَ الرُّسُومَا ... بحُمْرَان قَفْراً أَبَتْ أَن تَرِيمَا
تَخَالُ مَعَارِفَهَا، بعدَما ... أَتَتْ سَنَتَانِ عليها، الوُشُومَا
وقَفْتُ أُسَائلُهَا ناقَتي ... ومَاذَا يَرُدُّ سُؤالي الرُّسومَا
وذَكَّرَني العَهْدَ آياتُهَا ... فهَاجَ التَّذَكُّرُ قَلْباً سٌقِيمَا
وأنشد الحسن بن يحيى:
يا ديارَ الصِّبَا سَقَتْك الرِّهامُ ... حانَ من لَهْوِك اللَّذيذِ انْصِرَامُ
أَيُّ عَيْشٍ مَضَى بمَغْنَاك رَطْبٍ ... ونَعِيمٍ أَوْدَتْ به الأيّامُ
لمْ تَدَعْ فيكِ مُبْلِيَاتُ اللَّيَالي ... جِدَّةً فالجَديدُ منك رِمَامُ
كُنْتش بالآنِسَاتِ مُؤْنَسَةَ الرَّبْ ... عِ وعَنْكِ الخُطوبُ غُفْلُ نِيَامُ
وبُكَاءُ الطُّلُول يَشفِى منَ الوَجْ ... د إِذا بَانَ ساكنوهُ الكِرَامُ
وأيضاً
عَرَفْتُ لِسَلْمَى بالحِمَى مَنْزِلاً قَفْرَافأَسَبلْتُ دَمْعاً لا جَمُوداً ولا نَزْرَا
أَقول لصَحْبي والمَدَامعُ تُمتَرَى ... بما في الحَشَا مِن لَوْعَةٍ خِلْتُها جَمْرَا
قِفُوا وَقْفَةً فيها شِفَاءُ لذِى الهَوَىمن الوَجْد لا بَلْ تُدْرِكُونَ بها الأَجْرَا
فما بَعْدَ ذا اليومِ ارْتجاعُ ونَظْرةُ ... إلى الدَّارِ إِلاَّ أَنْ نَمُرَّ بها سَفْرَا
فقالُوا أَحقًّا لا تَزالُ مُكلَّفاً ... بمعْهدِ دارٍ لا تُبِينُ لَنَا خُبْراً
وماذَا الّذي يُغنِى إِنِ الرَّكْبُ أَوْقفُوا ... رِكابهُمُ في منْزِلٍ قَد عفَا عَصْرا
فقُلْتُ وطَالَ اللَّوْمُ حُيِّيتَ مَنْزِلاًأَطَالَ الشَّجَى أَوْ هاجَ مِن أَهْلِه ذِكْرَا
سَقَتْك الغوادِى وابِل المُزْنِ وارْتَدتْ ... عِرَاصُك مِن سُقْيَاهُ أَرْدِيةً خُضْرَا
ولأحمد بن أبي طاهر:
تِلْك الدِّيارُ لَوَ أنَّهَا تَتَكلَّمُ ... كانَتْ إليكَ من البِلى تَتظَلَّمُ
دَرستْ مَغانِيها ومَحَّ جَدِيدُها ... بل عَاد رسْماً رَبْعُها والْمَعْلمُ
لم يَبْقَ منها غيرُ آثَارِ الصِّبَا ... ومَعاهِدٌ يَشْجَى بهنَّ المُغْرَمُ
وأنشدنا محمّد بن يحيى قال: أنشدني أبي:
سَقَى اللهُ أَطْلاَلاً بأَكثِبةِ الحِمَى ... وإِن كُنَّ قد أَبْدَينَ للنّاس مَابِيَا
مَنَازِلُ لو مَرَّتْ بهنّ جنَازَتي ... لصَالحَ الصَّدَى يا صاحِبَيَّ انْزِلاَ بِيَا
وأنشد يعقوب بن السكّيت لأعرابيّ:
خليلّيَّ عُوجا من صُدُورِ الرَّكائبِ ... على طلَلٍ بين اللِّوَى فالمَذَانبِ
قِرىً لزَمَانٍ قد تَقارَبَ مُقْبِلٍ ... وبُقْيَا زَمَانٍ قد تَقادمَ ذَاهبِ
стр. 83
هذا الأعرابيّ جعل الطَّلل وهو ما شخص من آثار الدِّيار قوتاً للزَّمان، قد أكل الماضي منه، وقد بقيت منه بقيةٌ لما يأتي من الزَّمان.
ولقيس بن الخطيم:
أَتَعرِفُ رَسْماً كاطِّرَادِ المَذَاهِبِ ... لِعَمْرَةَ وَحْشاً غيرَ مَوْقفِ راكِبِ
دِيار الّتي كادَتْ ونحن على مِنىً ... تَحُلُّ بنا لَوْلاَ نَجَاءُ الرَّكائبِ
قال أحمد بن يحيى اطّراد المذاهب ذهابها ومجيبئها، قال: والمذاهب: أجفان السُّيوف وغير موقف راكب قد استوحش منها إلاّ أن يمرّ راكبٌ بها فيقف متعجِّباً لخلائها، وقال ابن حبيب: المذاهب: ألواحٌ مذهبةٌ وصحف مذهبةٌ كان يكتب فيها إلى الملوك ولا يكلَّمون.
وأنشد للنابغة الذُّبيانيّ:
وأَبْدَتْ سِوَاراً عَنْ وُشُومٍ كأَنَّهَا ... بَقِيَّةُ أَلْواحٍ عَلَيهنّ مُذْهَبُ
قال أحمد بن يحيى: أبدت سواراً، أي كانت الرِّيح ساورت التُّراب، فأبدت عن وشوم، وهي رسوم الدِّيار. وللوليد بن عبيد:
أَمَحَلَّتَي سَلْمَى بكاظِمَةَ اسْلَمَا ... وتَعَلَّمَا أَنّ الهَوَى ما هِجْتُمَا
هل تُرْوِيَانِ من الأَحبّةِ هائماً ... أَو تُسْعِدَانِ على الصَّبابَة مُغرَمَا
أَبكِيكما دَمْعاً لو أنّي علَى ... قَدْرِ الجَوَى أَبْكِى بَكَيْتُكُمَا دَمَا
أَينَ الغَزَالُ المُسْتَعِيرُ من النَّقَا ... كَفَلاً ومِن وَرْدِ الأَقَاحِى مَبٍْسِمَا
خُلِّفْتُ بعدَهُمُ أُلاحِظُ نِيَّةً ... قَذَفاً وأَنْشُدُ دَارِساً مُتَرَسِّمَا
طَلَلاً أُكَفْكِفُ فيه دَمْعاً مُعْرِباً ... بجَوىً وأَقْرَأُ منه خَطًّا أَعْجَمَا
تَأْبَى رُبَاهُ أَن تُجِيبَ ولم يَكُنْ ... مُسْتَخْبَرٌ ليُجِيبَ حتَّى يَفْهَمَا
وله أيضاً:
لدَارِكِ يا سَلْمَى سَمَاءُ تَجُودُهَا ... وأَنْفَاسُ رِيحٍ كُلَّ يَوْم تُعُودُهَا
وإِن خَفَّ مِن تلك الرُّسُومِ أَنِيسُهَا ... وأَخْلَقَ من بعْدِ الأَنِيسِ جَدِيدُهَا
مَنَازِلُ لا الأَيّام تُعْدِى على البِلَى ... رُبَاهَا ولا أَوْبُ الخَلِيطِ يُفِيدُهَا
وعَهْدِى بها من قبْلِ أَن تَحكُمَ النَّوَى ... على عِينِهَا أَلاَّ تَدُوم عُهُودُهَا
بَعِيدةُ ما بين المُحِبِّينَ والجَوَى ... ومَجْمُوعَةٌ غِيدُ اللَّيَالِي وغِيدُهَا
وللقصافيّ الأصغر:
محَلُّ الحيّ بالنّقوَين أَضحَى ... خلاءَ الرَّبْعِ مَهجورَ النَدِىِّ
تحمَّلَ أَهلُه ولقد أَراهُ ... شِفاءَ صَبَابةِ القَلبِ الشَّجِىِّ
ولأبي حفص الشَّطرنجيّ:
يا مَنْزِلاً دَرَسَتْ طُلُولُهْ ... وعَفَتْ مَعَالِمَه سُيُولُهْ
أَضْحى ولَيْسَ برَبْعِه ... إلاَّ الوُحُوشُ به تَجُولُهْ
ولعبد الله بن المعتزّ:
أَيُّ رَبْعٍ لآلِ هِنْدٍ ودَارِ ... دَارِساً غَيْرَ مَلْعَبٍ وأَوَارِى
وثلاثٍ دَنَوْنَ لا لاشْتِياقٍ ... جالِسَاتٍ على فَرِيسَةِ نارِ
وعِرَاص جَرَتْ عليها سَوَفي ال ... رِّيح حَتّى غُودِرْن كالأَسْطارِ
ومَغَانٍ كانتْ بها العَيْنُ مَلْأَى ... من غُصُونٍ تهتزُّ في أقمارِ
سَحَقَتْهَا الرِّيَاحُ في كُلِّ فَنٍّ ... ومَحَتْها بَوَاكرُ الأَمْطَارِ
أين أَهلُ الدِّيارِ عَهْدِي بهم في ... هَا جَمِيعاً لا أَيْن أَهْلُ الدِّيارِ
هذا من قول البحتري:
أَين أَهلُ القِبَاب بالأَجرعِ الفَرْ ... دِ تَوَلَّوا، لا أَيْنَ أَهْلُ القِبابِ
ولعبد الله أيضاً:
لمَنْ دارٌ ورَبْعٌ قَد تَعَفَّى ... بنَهْرِ الكَرْخِ مَهجور النَّوَاحِي
إذا ما القَطْرُ حَلاّهُ تَلاقَتْ ... على أَطلالِه أيدِي الرِّياحِ
مَحَاهُ كلُّ هَطّالٍ مُلِحٍّ ... بوَبْلٍ مِثْلِ أَفْوَاهِ الجِرَاحِ
стр. 84
فباتَ بِلَيْلِ باكِيَةٍ ثَكُولِ ... ضَرِيرِ النجْمِ مُتَّهَمِ الصَّبَاحِ
وأَسفَرَ بعد ذلك عن سَمَاءٍ ... كأَنَّ نُجُومَهَا حَدَقُ المِلاّحِ
وللبحتريّ:
هذي المنازلُ من سُعَادَ فسَلِّمَ ... واسْأَلْ وإِنْ وَجَمتْ فلم تَتَكَلَّمِ
آيات ربعٍ قدْ تأبدَ منجدٍ ... وحدوجُ حىً قد تحمل متهمِ
لؤمٌ بنَارِ الشَّوقِ إِن لمْ تحتدم ... وخَسَاسَةٌ بالدَّمْعِ إِن لم تَسْجُمِ
وله أيضاً:
آثَارُ نُؤْيٍ بالفِنَاء مُثَلَّمٍ ... ورِمَامُ أَشْعَثَ بالعَرَاءِ مُشَجَّجِ
دِمَنٌٌ كمِثْلِ طَرَائِقِ الوَشْمِ انْجلَتْ ... لَمَعَاتُهُنّ من الرِّداءِ المُنْهِجِ
يَضْعُفْنَ عن إِذكارِنَا عَهْدَ الصَّبَا ... أَوْ أَنْ يَهِجْنَ صَبَابَةً لم تَهْتَجِِ
وللعبّاسيّ:
هاتِيك دَارُهمُ فعرِّجْ واسْأَلِ ... مَقْسُومَةً بينَ الصَّبَا والشَّمْألِ
فكأَنّنَا لم نَغْنَ بينَ عِرَاصِهَا ... في غِبْطَةٍ وكأَنّهَا لم تحْلَلِ
لَجَّتْ جُفونُك بالبكاءِ فخَلِّها ... تَسْفَحْ على طَلَلٍ لشروةَ مُحْوِلِ
وله أيضاً:
يا دَارُ يا دَارَ أَطْرَابي وأَسجاني ... أَبْلَى جَدِيدَ مَغَانِيك الجَدِيدانِ
لئِنْ تَخلَّيْتِ من لَهْوى ومن طَرَبي ... لقَدْ تَأَهَّلْتِ من هَمِّى وأَحزاني
جادَتْكِ رائحةٌ في إِثْر باكرةٍ ... تُرْوِى ثَرىً منك أَمسَى غير رّيّانِ
حتّى أَرَى النَّوْرَ في مَغناكِ مُبتسِماً ... كأَنَّهُ حَدَقٌ في غَيْرِ أَجفانِ
لمَّا وَقَفْتُ على الأَطْلاَلِ أَبْكَاني ... ما كان أضحَكَني منْهَا وأَلْهَانِي
في كلِّ يَومٍ لعَيْنِي من جِنَايَتها ... فَيْضٌ أَمَا يَنْتَهِى عن ذَنْبِه الجَانِى
فمَا أَقولُ لدَهْرٍ شَتَّتَتْ يَدُه ... شَمْلِى وأَخْلَى من الأحباب أَوطَانِى
ولغيره:
ليت الدّيارَ إِذا تَحمَّلَ أَهلُهَا ... دَرَستْ فلم يُعلَم لها بمَكَانِ
إِنّ الدّيَارَ وإِن تَقادَم عَهْدُها ... مّما تُهَيِّج دَائمَ الأَحْزَانِ
ولآخر:
لَيْتَ الدِّيَارَ التي تَبْقَى لتَحْزُننا ... كانَتْ تَبِينُ إِذا ما أَهلُهَا بانُوا
يَنْأَون عنّا فلا تَنْأَىمَوَدَّتُهمْ ... والقَلْبُ فيهم رَهِينٌ حيث ما كانُوا
ولبعضهم:
يا مَنْزِلاً دَرَسَتْ منه مَعالِمُهُ ... قد قَطَّعَ القَلْبَ أَحزاناً وما عَلِمَا
نَفْسِى بأَهلِكَ مّذ بانُوا مُعَلَّقَةٌ ... حتّى يَعُودَ انْصِدَاعُ الشَّمْلِ مُلْتَئِمَا
فإِن يَكُنْ ذاكَ فالأَيّامُ مُحْسِنَةٌ ... وإِن بغَتْ فلَطَالَ الدهْرُ ما ظَلَمَا
وللتنوخيّ:
وطَالَ ما طَلَلْتُ دَمْعِي في طُلو ... لٍ خَفِيَتْ عن البِلَى مِن البِلَى
تَنَاهبَتْ أَيْدِي الهَوَاءِ رَسْمَها ... نَهْبَ الهَوَى أَنفُسَ أَبناءِ الهَوَى
فاقْتسمَتْها السارِيَاتُ مِثْلَ ما ... يَقْتِسِمُ المَأْسُورَ أَسْبَابُ الأَسَى
فهْيَ أَثافٍ مَاثِلاثٌ لمْ يَزَلْ ... بهَا الحَيا حتّى أَمَاتَها الحَيَا
وعَطْفَتَا نُؤْىٍ كنُونٍ عُرِّفَتْ ... أَو صُدُغٍ عُقْرِبَ أَوْ أَيْمٍ سَعَى
وأَشْعَثٍ لمْ تُبْقِ منه المُورُ إِلاّ ... مِثْلَ ما أَبْقَتْ من الصَّبْر النَّوَى
مَنَازِلٌ أَنْزَالُ مَن يَنزِلُهَا ... وَجْدٌ ودَمْعٌ وغَرَامُ وجَوَى
مَمْحُوَّةُ الأَطْلالِ كالطِّرسِ امَّحَى ... مُوحِشةٌ كالشِّيْبِ بالحُورِ سطا
كأّنَّها الإِلْفُ جَفَا أَو نَبْوّةُ الدّ ... هْرِ نَبَا أَو كَبْوَةُ الجَدِّ كَبَا
وله أيضاً:
стр. 85
مَغَانِي تَصَابٍ جَمّعتْ فِرَقَ الصَّبَا ... على نَكْبِهَا نَكْبَاءُ مُورٍ وحَرْجَفُهْ
لَبِسْن نُحُولِى أَو لَبِسْتُ نُحُولَهَا ... فتَعْرِفُ فيهَا كُلَّ ما فِىَّ تَعْرِفُهْ
تُرَاحُ بأَنْفَاسٍ فُؤادِي مَهَبُّهَا ... وتُسْقَى بمُزْنٍ دَمْعُ عَيْنِى يُكَفكِفُهْ
ولا غَرْوَ أَن يَبْلَى بِلَى الدّارِ مُغْرَماًفإنَّ بِلَحْظِ العَيْنِ يُدْنَفُ مُدْنَفُهْ
مَنَازِلُ أَنْزَالي إِذا ما نَزَلْتُهَا ... أسًى وقِرَى عَيْنِى بها الدَّمْعُ تّذْوفُهْ
تَحيَّفْنَ أيْدِي نَوْئِهَا أَيْدَ نُؤْيِهَا ... فلم يَبْقَ للأَيّامِ ما تَتَحَيَّفُهْ
وله أيضاً:
مَرَابِعُ لو كُنّ المَرَابِعُ أَنجماً ... لَكُنّ نُجُوماً للنُّجومِ المَوَائِلِ
أَشَاعِتُ كالخيلانِ في خَدِّ كاعِبٍ ... ونُؤْىٌ طَوَاه النَّأْىُ طَىَّ الخَلاخِلِ
وقَفْتُ بها والصَّبْرُ ليس بوَاقِفٍ ... عَلىّ ورُوحِي رَاحِلٌ في الرَّواحِلِ
وما زُرْتُهَا إِلاّ استَزارَتْ مَدَامِعِى ... فجاءَتْ بسُحْبٍ كالسَّحابِ الهَواطِلِ
وما اسْتَنْزَل الأَجْفَانَ مِن عَبَراتِها ... ، ولا سِّما أَن أَقفرَت، كالمَنَازِلِ
وللزُّريقيِّ:
تَسمَّعْ للمَنَازِل ما تَقولُ ... لأَمْرٍ ما تَكَلَّمِ الطُّلولُ
وكيفَ يُجِيبُ سائلَه مَحَلٌّ ... بسُلْمَانين من سَلْمَى مُحِيلُ
ومِثْل المستهامِ أَخِى التَّصَابِى ... شَجَتْ أَطْلالُهَا الدُّرسُ المُثُولُ
وقلت:
مَغَانِى الهَوَى هَيَّجْنَ قَلْباً مُتَيَّماًمُعَنًّى بأَشْجانِ الصَّبَابةِ مُغْرَمَا
وَقَفْتُ على أَطْلالِهَا مُتَرسِّماً ... فكادَتْ لفَرْطِ الشُّوْق أَن تَتكلَّمَا
عُهُودٌ عَهِدْنَاهَا تَشوقُ قُلوبَنَا ... سَقَاهَا عِهَادُ المُزْنِ ريًّا ودَيَّمَا
رَبَعْتُ على رَبْعٍ بها ولَطالَمَا ... غَنِيتُ بمَغْنَاهُ زَمَاناً تَجَرَّمَا
عفَتْ آيَهُ الأَنواءُ حتَّى تَغيَّرتْ ... مَعَالِمُه بَعْدِى وقد كان معْلَمَا
فيالَكَ مِن رَبْعِ التَّصَابِي ومَنْزِلٍ ... خَلاَ اللَّهْوُ منه حين خَلَّيْنَه الدُّمَى
لقَدْ هَمَّ أَن يُبدِي السّلامَ صَبَابَةً ... إليَّ ووَجْداً إِذْ وَفَفتُ مُسَلِّمَا
وأيضاً:
عَرِّجْ بمغْنَى الصِّبَا وأَطْلالِهْ ... فاسْأَلْهُ عن أُنْسِهِ وحُلاّلِهْ
يا رَبْعُ قد كُنْتَ للصِّبَا وَطَناً ... إِذْ أَنَا أَختالُ في ذُرَا خَالِهْ
فصِرْتَ مَبْكىً لكلِّ ذي شَجَنٍ ... أَسْعدَهُ طَرفُهُ بتَهْمَالِهْ
لمْ أعتقِبْ من رُسُومِ مَنْزِلها ... بعْدَ وُقُوفِى به وتَسْالِهْ
إلاّ حَنِيناً طَفِقتُ أَبْعثُهُ ... كأَنَّهُ رَجْعُ حَنَّةِ الوَالِهْ
وأنشدني محمد بن صدقة لحفص محصه يصف الأثافي:
شَجَتْك بأَعْراض المَحاضِر نُوقُ ... رَأَمْنَ وما في مِثْلِهِنّ طُروُقُ
على أحْرَجٍ مُطْلَنْفِىٍْ دافَعَتْ له ... أَذَى الرِّيح رُمْكٌ بالتُّرَابِ لُصُوقُ
أخذه من قول الكميت:
لم تُهِجْني الظُّؤَارُ في الدِّمْنَة القفْ ... رِ بُرُوكاً ومَالَها رُكَبُ
جُرْدٌ جلادٌ معطَّفاتٌ على ال ... أوْرَقِ لا مُصْحَفٌ ولا خَشِبٌ
أُنِخْنَ أُدْماً فصِرْن دُهْماً ومَا ... غيَّرَهنَّ الهِنَاءُ والجَرَبُ
هُنّ مَطايَا المُضَمَّنَات من ال ... جُوع دَوَاءَ العِيَالِ إِن سَغِبُوا
في الآل والسَّراب
للعرب في هذا كثير، تركنا ذكره لكثرته وشهرته، واخترنا شيئا يسيراً مما ليس بمشهور، من ذلك قول شرشيرٍ الجدليّ:
كأنّمَا الآلُ بأَغْوالِها ... سَوَائمٌ قد غَابَ رَاعِيهَا
стр. 86
تُتْلِعُ أَحياناً على أُكْمِهَا ... ثُمّ تَهَاوَى في مَهَاويِهَا
وفي مثله:
كأنَّما الآلُ بأَجْوازهَا ... حَبَائِلٌ تُشْزَرُ أَشْطَانُهَا
إِذا أُغِيرَتْ فانْطَوَى فَتْلُهَا ... تَقَطَّعَتْ مِن بَعْدُ أَقْراَنُهَا
وأيضاً:
كأنّ اطِّرادَ الآلِ فيها طَرَائدٌ ... تُحَاوِل من شَلِّ القَوَايِص منْهَدَا
وأيضاً:
كأنّ اطّرادَ الآلِ قبْلَ هَجِيرها ... ظِبَاٌْ تَبَارَتْ في الطِّرادِ وعِينُ
ولعليّ بن الجهم:
ومُلتحِفٍ بالآل قَفْرٍ كأنَّه ... إذا خَفَقَتْهُ الرِّيحُ بِيضُ مَلاَحِفِ
وقلت:
وِييدٍ تَغِشَّاهَا السَّرَابُ كأنَّهَا ... تُنَشًّرُ في أَرْجَائهنّ الطَّيَالِسُ
أَمَالِسُ يَعْمَى عن هُدَاهُ بِهَا القَطَا ... إذا قُلْت بادَتْ وَاصَلَتْهَا أَمَالِسُ
إذا اجْتَابَ رَكْبٌ خَفْضَهَا بعدَ رَفْعِهَا ... حَسِبْتَهُمُ غَرْقَى فطَافٍ وقَامِسُ
ولآخر:
كأنّ أطّرَادَ الآلِ بين جُرُومِهَا ... خُيُولٌ تُبَارِيها السِّباقَ خُيُولُ
تَرَى الأُكْمَ فيها مائِرَاتٍ كأنّها ... سَفِينٌ عليها في الغَمَامِ جُلُولُ
باب
في الأبنية والدور والصحون والقصور
من أحسن ما قيل في البناء قول عليّ بن الجهم في بناء المتوكّل:
مازِلْتُ أَسمَعُ أنّ المُلو ... كَ تَبْنِى على قَدْرِ أَقدارِها
ويُعرَفُ فَضْلُ عُقُولِ الرَج ... الِ بتَدْبيرها وبآثَارِهَا
فلمّا رَأَيْنَا بِنَاءَ الإِمَامَ ... رَأَيْنَا الخِلافة في دارِهَا
بَدائعُ لهم تَرهَا فارِسٌ ... ولا الرُّومُ في طُولِ أَعْمارِها
صُحُونٌ تُسَافِر فيها العُيونُ ... وتَحْسَرُ من بُعْدِ أَقْطارِها
وقُبَّةُ مُلْكٍ كأنّ النُّجو ... مَ تُصغِىة إليْهَا بأَسْراَرِها
تَخرُّ الُوفودُ لها سُجَّداً ... إذا ما تَجَلَّتْ لأبْصارِها
لها شُرُفاتٌ كأنّ الرِّبِيعَ ... كَسَاهَا الرِّياضَ بأَنْوارِها
نَظَمْن الفِسَافِسَ نَظْمَ الحُليّ ... لِعُونِ النِّساءِ وأَبكارِهَا
فهُنّ كمُصطَحبَاتٍ بَرَزْنَ ... لفِصْحِ النَّصَارَى وإِفْطَارِهَا
فمن بين عاقِصة شَعْرهَا ... ومُرْسِلةٍ عَقْدَ زُنّارِهَا
وأَرْوِقةٌ شَطْرُهَا للرُّخامِ ... وللتِّبرِ أَكْرَمُ أَشْطَارِهَا
إذَا لمَعتْ تَسْتَبِينُ العُيو ... نُ فيها مَنَابِتَ أَشْفَارِهَا
إِذَا أُوقِدَتْ نَارُها بالعِرَاقِ ... أضاءَ الحِجَازَ سَنَا نَرِهَا
وقول أبي عينية في قصر أنسٍ بالبصرة:
فياحُسْنَ ذاك القَصْرِ قصْراً ونُزْهَةً ... بأفْيَحَ سَهْلٍ غَيْرِ وَعْرٍ ولا ضَنْكِ
يُذكِّرني الفِرْدوس طَوْراً فأرعَوِى ... وطَوْراً يُوَاتِيني على القَصْفِ والفَتْكِ
بغَرْسٍ كأَبْقَارِ الجَوَارِى وتُرْبةٍ ... كأّن ثَرَاها ماءُ وَرْدٍ على مِسْكِ
كأنّ قُصُور القَوْم تَنْظُرُ حوْلَه ... إلى مَلِكٍ مُوفٍ على مِنْبَرِ المُلْكِ
يُدِلُّ عليها مُسْتَطِيلاً بمُلْكِهِ ... ويَضْحك منها وهْيَ مُطْرِقةٌ تَبكيِ
وأيضاً:
قُصُورُ المَالكيّةٍ كالعّذارَى ... لبِسْنَ خُلِيَّهنّ ليَوْم عُرْسِ
مُطِلاّتٍ عليى بَطْنٍ كَسَاهُ ... دَبِيبُ المَاءِ خِلقَةَ كُلِّ غَرْسِ
إذا بَردَ الظَّلام على ثَرَاهَا ... تَنَفَّس نَوْرُهَا من غَيْر نَفْسِ
يُفتِّقُها المِسَاءُ بكلِّ طِيبٍ ... ويُضحِكها مَطَالِعُ كلِّ شَمْسِ
وللمريميّ:
للهِ قَصْرٌ بنَاهُ ابنُ العلاءِ لقدْ ... زِيدَتْ به الغُوطَةُ الحَسْنَاءُ تَحْسِينَا
стр. 87
مُذكِّرٌ جَنَّةَ اللهِ التي ذُكِرَت ... في وَحْيِهِ وأُعِدَّت للمُطِيعينا
له مَحَاسِنُ أَعلاها كأَسْفلها ... نَقْشاً وفَرْشاً وتَزْويقاً وتَزْيِينَا
إِذا تَأَمَّلَ شِيْئاً من بَدَائعها ... طَرْفٌ تأمَّلَ دُرَّاً مِنءه مَكْنُونَا
قَصْرٌ غَدَا الحُسْنُ مَقْصُوراً عليه بهِ ... لمّا غَدَا مِسْكَناً للجُودِ مَسكُونَا
وللبحتريّ يذكر بناء المتوكّل ويصف القصر الذي سمّاه الجعفريّ، من قصيدة:
قد تَمَّ حُسْنُ الجَعْفَرِيّ ولم يكن ... لِيَتِمَّ إلاّ بالخَلِيفَةِ جعْفَرِ
مَلِكٍ تَبوَّأَ خَيْرَ دارٍ أُنشئَتْ ... في خَيْر دارٍ للأَنَامِ ومَحْضرِ
في رأْسِ مُشْرِفةٍ حَصَاهَا لُؤْلؤٌ ... وتُرابُهَا مِسْكٌ يُشَابُ بعَنْبرِ
مُخضَرّةٌ والغيْثُ ليس يسَاكبٍ ... ومُضِيئَةٌ واللَّيلُ ليس بمُقْمِرِ
وفيها:
أَزْرَى على هِمَمِ المُلُوكِ وغَضَّ من ... بُنْيانِ كِسُرَى في الزَّمَان وقَيْصرِ
عالٍ على لحْطِ العُيُونِ كأنَّما ... يَنظُرْنَ منه إلى بَيَاضِ المُشْتَرِى
مَلأَتْ جَوَانبُهُ الفَضَاءَ وعَانقَتْ ... شُرُفاتُه قِطَعَ السَّحَابِ المُمْطِرِ
وتَسِيرُ دجْلة تَحْتَه ففِنَاؤُهُ ... من لُجّةٍ غَمْرٍ ورَوْضٍ أَخْضَرِ
شَجَرٌ تُلاعِبُهُ الرِّياحُ فتَنثَنِى ... أعطافُه في سابحٍ متفَجِّرِ
قد جِئتُهُ فنزلتُ أَيْمَنَ مَنزِلٍ ... ورأيتُه فرأيْتُ أحسنَ منظرِ
فاعْمُرهُ بالعُمرش الطَّويل ونعْمَةٍ ... تَبْقَى بَشَاشتُهَا بَقَاءَ الأَعْصُرِ
وله أيضاً:
مَقاصِيرُ مُلْكٍ أَقْبَلَت بوُجُوهِهَا ... على منْظَرٍ من عُرْضِ دجْلةَ مُونِقِ
كأنّ القِبَابَ البَيْض والشَّمْسُ طَلْقَةٌ ... تُضَاحِكُهَا أنْصَافُ بَيْضٍ مُفَلَّقِ
ومِن شُرُفات في السَّمَاء كأنَّما ... قَوَادِمُ بِيضَانِ الحَمَام المُحَلّقِ
ولخالد الكاتب في برج المتوكّل:
بَنَى إمَامُ الهُدَى بُرْجاً يُقَال له ... بُرْجُ السُّرورِ وبُرْجُ اليُمْنِ والظَّفَرِ
كأنّه، والّذي يُبْقِي الإمَامَ له، ... بُرْجٌ من السَّعْد بين الشَّمْسِ والقَمَرِ
وأنا أستحسن قول القِصَافيّ يصف بناءً ابتناه محمّد بن عبد الله بن طاهر:
بَارَكَ اللهُ للأَمِيرِ ابي العبّا ... سِ في المَنْزِلِ البّديِعِ البِنَاءِ
بالمَحَلِّ المُبَارَكِ العَطِرِ التُّرْ ... بَةِ والمَرْبَعِ الرَّحِيبِ الفِنَاء
مَنْزِل فيه كلُّ ما صَبَت العَيْ ... نُ إليه من بَهجَةٍ وبَهَاءِ
ولعمري لقد افتتح القول بأحسن افتتاحٍ وابتداءٍ وكذلك كانت ابتداءات القصافي حسنةً عذبةً.
منها:
راحُوا ولَمَّا يُؤْذِنُوا برَوَاحِ
وأيضاً:
غَيْرِي أَطاعَ مَلامَةَ العّذَّالِ
وأيضاً:
في دَمْعِهِ الجَارِي وإِعْوَالِهِ ... ما يُخْبِرُ السائِلَ عن حالهِ
وشعره كلُّه على هذا.
وللحسين بن الضَّحاك:
وحَسْبُك بالخيْر من مَنْظَرِ ... إذا وَصَفَ الوَاصِفُونَ الخِيَارَا
زَهَا بمَجَالسَ رَقْرَاقةٍ ... تَخالُ دُجَى اللَّيْل فيها نَهَارا
كأَن جَوَاسِقَهَا أَنْجُمٌ ... يَزِينُ الأَكَابِرُ منها الصِّغارَا
ولا يَزْلقُ النَّعْلُ عن مَتْنِهَا ... إذا انْهمَر المُزْنُ فيها انْهِمَارَا
وله أيضاً:
يا وَاهِبَ الطّارِف والتَّلِيدِ
ما مِثْلُ بُنْيَانِكَ بالمَوجُودِ
فكَمْ به من جَوْسَقٍ مَشِيدِ
مُغْتَرِبٍ في وَصْفِه وَحِيدِ
قِبابُه في أَحْسنِ القُدُودِ
لأْلأُوها باقِيةُ الوُفُودِ
جالِسَةٌ للنَّظر الحَدِيدِ
فُضِّلْن في القِسْمَة والتَّحديدِ
стр. 88
على انْفِصَالِ أَنْجُمِ السُّعُودِ
كأَنّهَا في النَّظَرِ المشِيدِ
بَيْضُ أدَاحٍ لاحَ في صعدِ
وله أيضاً في بُرْج المتوكّل:
ما كان بالبُرْج مذْ كانتْ أوائلُنَا ... ولا يَكُون بِناءٌ مِثْله أَبَدَا
كأنّه فَلَكٌ تَختالُ أنجمُهُ ... إذا التَّهَلُّلُ من تِيجانِهِ اطَّرَدَا
يُضَاحِكُ الدُّرَّ في أكْنافِه فِلَقٌ ... من الزَّبَرْجَدِ ما يُحْصَى لَه عدَدَا
عَفَّى على عَرْش بلْقِيس ببهْجَتِهِ ... وفَاتَ في الحُسْنِ حتّى جاوَزَ الأَمَدَا
فنضْرَةُ البُرْجِ بالفِرْدَوس مُذْكِرَةٌ ... مَنْ قاسَ ما غَابَ عنه بالّذي شَهِدا
مُمَهَّدٌ بمِهَادٍ لا يُحِيطُ به ... وَصْفُ البَليغِ إذا ما جدَّ واجتَهَدَا
من اللُّجيْنِ به والتِّبر آنِيَةٌ ... لوْ صِيغَ من أُحُدٍ أَمثالُهَا نَفِدَا
وله أيضاً:
ما اجْتلَتْ عَيْنُ ناظِرٍ كجِنَانٍ ... شِدُتَ فيها جَوَاسِقاً وقُصُورَا
مُشْرِفات على حَدَائقَ وُشِّي ... نَ من النَّوْرِ سُنْدُساً وحَرِيرَا
فلنُوَّارِهَا إذا وَضحَ الصُّبْ ... حُ دير الزور! فِيفٌ يكادُ يُعْشِى البَصيِرَا
قدَّسَ اللهُ ما ابتَنيت وأثَّلْت ... تَ ولازَال آهِلاً مَعْمورَا
وله أيضاً:
ما رأينا بشراً قبلك في صورة بدر
شيَّد اللهَ له قَصْراً على لُجَّةِ بَحْرِ
مُشْرِفاً مُعْتَدلَ الصَّنْعَةِ في أَحْسَنِ قَدْرِ
بِدْعَةٌ أَلَّفَهَا لَفْظُكَ عن أحْكَمِ فِكْرِ
هِمَّةٌ غالَبْتَ عن سَوْرَتِهَا أَغْلبَ نَهْرِ
فَتَبَوَّأتَ على أَمْواجِه أَثْبَتَ قَصْرِ
تَحْتَهُ هَمْهمةٌ للرِّيح في نفخ ونَخْر
ومَجَالٌ لمَحِطِّ الماءِ في أَفْيَحَ غَمْرِ
مَنْزِلٌ فاضَ به سَيْبُك سَحًّا غيْرَ نزْرِ
وَصَلَ اللهُ لك العُمْرَ، أبا الفضل، بعُمْرِ
وقال الغلابيُّ: حدَّثنا الفضل بن عبد الرحمن بن شبيب بن شيبة قال: دخل عمِّى عبد الصمد بن شبيبٍ على عيسى بن جعفر بن المنصور وقد بنى قصره على نهر ابن عمر وبالبصرة، فأراد منه أن يصف بناءه فقال: أعزّ الله الأمير.
بنيت أحسن بناءٍ، بأوسع فضاءٍ، وأطيب فناءٍ، على أصفى ماءٍ، وأرقَّ هواءٍ، بين صرارٍ رعاءٍ وحيتانٍ وطباءٍ.
فقال له عيسى: والله. لبناء كلامك أحسن من بنائي. ووصله.
وفي هذا القصر يقول عبد الله بن أبي عيينة المهلّبيّ:
زُرْ وَادِىَ القَصْر نِعْمَ القَصْرُ والوَادِى ... لا بُدّ من زَوْرةٍ عن غَيْرِ مِيعادِ
زُرْهُ فليَس له شِبْهٌ يُقَارِبُه ... من مَنْزِلِ حاضرٍ إِنْ شِئْتَ أَو بَادِى
تُرْفَى قَرَاقِيرُهُ والعِيسُ وَاقفةٌ ... والنّونُ والضّبُّ والمَلاّحُ والحادِى
وحدَّثنا محمّد بن يحيى قال: حدَّثني مسبِّح بن حاتم العلكىُّ قال: حدَّثني يعقوب بن جعفر بن سليمان قال: قال أبي للأصمعيّ: ما أحسن ما قال هذا الفتى المهلَّبيُّ في قصر عيسى بن جعفر، وأنشده الأبيات، فهل سبقه أحدٌ إليها؟ قال: نعم: هذا خليفة بن خلف الأقطع دخل على يزيد بن عمرو بن هبيرة وقد بنى قصره، يريد القصر في طريق الكوفة فأنشده قصيدةً أوّلها:
قُرِنَتْ رُؤُوسُ ظِبَائِها ... بالزُّرْقِ من حِيتَانِهَا
مُكَّاؤُهَا غَرِدٌ يُجِي ... بُ الوُرْقَ من وَرشَانِهَا
هكذا أنشدنيه محمّد بن يحيى، وأنشدنيه عليُّ بن سليمان من ورشانها جمع ورشان، قال: وكذلك الكروان جمع كروان، وأنشد:
كأنّهم الكِرْوَانُ أَبصَرْن بَازِيَا
وللحسين بن الضَّحّاك في البديع:
إِنّ البَدِيعَ لَفَرْدٌ في مَحَاسِنه ... لا زالَ ظِلُّك عَمَّا تَبْتَنِى أَبَدَا
تَكَادُ تَختِلسُ الأَبصارَ بَهْجَتُه ... إِذا تَأَلَّقَ بالعِقْيانِ واتَّقَدَا
стр. 89
بالسَّعدِ والطّائِرِ المَيْمُون فاغْنَ بِه ... لا زَالَ عيشُك منه ناعِماً رَغَدَا
مُلِّيتَ مُلكَك تَطوِيه وتَنْشُرُه ... تِسْعِينَ كامِلَةً أَعْوَامُهَا عَدَدَا
وللمريمىّ:
إِنِّى سَأَنْعَتُ مَنْزِلاَ لمُهَذَّبٍ ... لا نَعْتَ إِلاَّ دُونَه إِغْرَاقُهُ
يَسْمُو ببَابٍ للمَكَارمِ فَتْحُه ... وعلى الصِّيانَةِ والتُّقَى إِغْلاقُه
لو كان مُرْتَفِعاً على قَدْر العُلاَ ... ما كَان إِلاَّ في المَجَرَّةِ طَاقُه
مَعمورةٌ عَرَصاتُهُ ورِحَابُه ... بالجُودِ قائمةٌ بها أَسواقُهُ
دُخَّالُه رَجُلانِ مَطْبِقُ طَرْفِه ... أو شاخِصٌ قد عَزَّهُ إِطْبَاقُهُ
هذَا يُحَيّرُ عَقْلَه خِيْرِيُّهُ ... ويَرُوقُ ذا حِيتَانُه ورِوَاقُهُ
أَيُّ الصّفاتِ يَزينُهُ لمُشَاهِدٍ ... إِنْ غابَ عنه فقَلْبُهُ يَشْتاقُه
أَحَلاَوَةُ التَّقْديرِ أَمْ إِحْكامُه ... أَم رَوْعَةُ البُنْيَانِ أَم إِيثاقُهُ
أَم صَحْنُهُ وسَماؤُه أَم سُفْلُه ... ونَقَاؤُهُ أَمْ عُلْوُهُ وطِبَاقُهُ
تَحْكِى زَخَارِفهُ زَخَارِفَ ما حَوَى ... فكأَنّما أَقسامُه أَعْلاقُهُ
وكأَنّمَا نُشِرَتْ عليه تُخُوتُه ... فعَلَتْه أَو نُثِرَتْ عليه حِقَاقُهُ
حَسَنٌ أَجادَ بِنَاءَه بَنَّاؤُهُ ... لأَغَرَّ حِسَّنَ خَلْقَه خَلاّقُهُ
باليُمْن يَسْكُنُه ويُزْغَمُ شَانِىءٌ ... ومُكَاشِرٌ بوِدَادِهِ مَذَّاقُهُ
ولابن طباطبا:
يا مَنْ رَأَىالقُبَّةَ الَّتِي اجْتَمَعَتْ ... مَنَاقِبُ الخُلْدِ في مَنَاقِبِهَا
كأَنَّهَا جَنّة مُزَخْرَفَةٌ ... زَيَّنَهَا رَبُّهَا لطَالِبهَا
تَظَلُّ فيها العُقُولُ حائِرةً ... ويَقْصُرُ الوَهْمُ عن عَجَائِبِهَا
دانَتْ لَهَا الجِنُّ عند رُؤْيتها ... للإِنْسِ إِذْ نحْن في غَرَائِبها
في سَمْكِها دِيمةٌ تَثُجُّ بلاّ ... سَحابةٍ أُنشِئَتْ لسَاكِبِها
تَهمِى لنا والسَّمَاءُ مُصحِيَةٌ ... لا يُرتَجَى الدَّرُّ من سَحائِبها
فيها نُقُوشٌ يَحكِى مُنَمْنَمُهَا ... مُنَمْنَمَ الرَّوْضِ في جَوَانِبِهَا
وللحلبيّ في قبَّة آبنوسٍ:
بَنَيْتَ عليكَ قُبَّةَ آبنُوسٍ ... تَتِيهُ على قِبَابِ الآبنُوسِ
تَطولُ برأْسها كِبْراً فتُضْحِى ... قِبَابُ النّاسِ خاضِعةَ الرُّوؤُسِ
كأَنَّ العَاجَ مُبتْمَسِماً عَلَيْهَا ... شُموسٌ يَبْتَسِمْنَ إلى شُموسِ
كأَنّ سَمَاءَهَا رَوضُ الأَقاحِى ... تُفَصَّلُ بالعُقُودِ وبالسُّلُوسِ
كأّنّ غِشَاءَها المُلْقَى قِنَاعٌ ... على عَيْطَاءَ بَكْرٍ عَيْطَموسِ
مُعَصْفَرَة اللّبُوسِ وآلُ حامٍ ... نِسَاؤُهُمُ مُعَصْفرةُ اللبُوسِ
كقيْنَةِ مَجْلِسٍ حَسناءَ تَعْلُو ... على الفَتَيَات في حُسْنِ الجُلُوسِ
تُكَفَّرُ في جَوَانبها الحَنَايَا ... كتَكْفيِر الشَّمَامِسِ والقُسُوسِ
لَئِنْ رَأَسَتْ لقد عَظُمَت وزَادَتْ ... رِيَاسَتُها بصَاحِبِهَا الرَّئِيسِ
ولأبي طالبٍ الحسين بن عليٍّ في قصرٍ:
والقَصُرُ يَبْسِمُ في وَجْهِ الضُّحَى فتَرَىوَجْهَ الضُّحَى عندَمَا أَبدَى له شَحَبَا
يَبِيتُ أَعْلاَه بالجَوْزَاءِ مُنْتَطِقاً ... ويَغْتَدِى يرِدَاءِ الغَيْمِ مُحْتَجِبَا
تَطامَنتْ نَحْوَه الإِيوانُ حينَ سَما ... ذُلاًّ وكيف تُضَاهِى فَارِسُ العَرَبَا
إِذا القُصورُ إلى أَرْبَابها انْتَسَبَتْأَضْحَى إِلى القِمَّة العَلْيَاءِ مُنْتَسِبَا
стр. 90
فصِلْهُ لا وَصَلَتك الحادثاتُ ولا ... زَالَتْ سُعُودُك حتَّى تُنفِدَ الحِقَبَا
بَرٌّ وبَحْرٌ وكُثْبَانٌ مُدَبَّحةٌ ... تَرَى النُّفُوسُ الأَمَانِي بَيْنَهَا كَثَبَا
ومَنْزِلٌ لا تَزَالُ الدَّهْرَ عَقْوَتُه ... جَدِيدةَ الرَّوْض جَدَّ الغَيْثُ أَو لَعِبَا
حَصْباؤُهُ لُؤُلؤٌ نَثْرٌ وتُرْبَتُه ... مِسْكٌ ذَكِىُّ فلو لم تَحْمِهِ انْتُهِبَا
وكُلُّ ناحِيَةٍ منه زَبَرْجَدةٌ ... أَجْرَى اللُّجَيْنُ عليها جَدْوَلاً سَرِبَا
وله أيضاً:
باليُمْنِ ما رَفَعَ الأَمِيرُ وشَيَّدَا ... وبجدَّةِ النَّعْماءِ ما قد جَدَّدَا
قَصرٌ أَنافَ على القُصُور يَحُلَّه ... مَلِكُ أَنافَ على المُلُوك مُؤَيَّدَا
قُلْنَا وقد أَعلاه جَدُّ صاعِد ... في الجَوِّ حتى ما يُصَادِفُ مَصْعَدَا
أَبَنِيَّةٌ ببِنَائِهَا فُضِحَ البُنَى ... أَمْ فَرْقَدٌ بسَنَاهُ شَانَ الفَرْقَدَا
غُرَفٌ تأَلَّقُ في الظَّلام فلوْ سَرَى ... بضِيائِهَا سارِى الدُّجُنَّةِ لاهْتَدَى
عُنِىَ الرَّبيعُ بها فنَشَّرَ حَوْلَهَا ... حُلَلاً تُدَبِّجُ وَشْيَهَا أَيدِي النَّدَى
وكَأَنَّمَا تُزْجِى السَّحَائِبُ فَوْقَهَا ... جَيْشاً يَهُزُّ البَرقُ فيه مِطْرَدَا
وكَاّنّما نَشَرَ الهَواءُ بجَوِّهَا ... من كلِّ ناحيةٍ رِدَاءً مُجْسَدَا
وللحسن بن محمّد بن الحسن:
دارُ أَمْنٍ مَيْمُونةُ الإِنشاءِ ... وعُلُوٌّ مُشَيَّدٌ بعَلاّءِ
بَرَزَتْ بَهْجَةُ التَّأَلُّقِ منها ... بين مَقْصُورَةٍ وبين خِبَاء
عَلِمَ النّاسُ أَنّهَا الفردُ في الحُسْ ... ن فدَانُوا لها بفَرْدِ البِنَاءِ
ورَأَوْا كَوْنَهَا بغَيْرِ نَدِيدٍ ... فدَعَوها نِهَايَةَ الأَشْيَاءِ
مِثْل عَدْنِ الجِنَانِ يُدْرِكُ فيها ال ... مَرْءُ ما شَاءَهُ من الأَهْواءِ
وكَاَنّ الضِّياءَ وَقْفٌ عَلَيْهَا ... فهْي تَكْسُو الآفَاقَ فَضْلَ ضِيَاءِ
مَنْزِلٌ أُسُّهُ الحَضِيضُ وأَعلا ... هُ يُسَاوِى كَوَاكِبَ الجَوزْاءِ
وفيها:
أُطُمٌ لا تكَاد تَبْلُغ بعضَ ال ... سَّمْكِ منها لَوَاحِظُ البُصَرَاءِ
فلَوَ أنّ الأَهْرَامَ أَهْرَامَ فِرِعو ... نَ رَأَتْها أَغْضَتْ على الأَقْذاءِ
ولَوَ أنّ الإِيوان إِيوَانَ كِسْرَى ... رامَ منها لَسَاخَ في الغَبْرَاءِ
في فَضَاءٍ لوْ طَاوَلَت منه دَهن ... اءُ تَمِيمٍ لم تُدْعَ أَرْضَ فَضَاءِ
في اسْتوَاءٍ يُضْحِى عِيَالاً عَلَيه ... مِن صُحُونِ الأَيّام كلُّ اسْتِوَاءِ
وفيها:
وكأَنّ الرِّوَاقَ حُكِّمَ في الحُسْ ... نِ فلَمْ يَعْدُ كَثْرَةَ الإِحْتِوَاءِ
فاخِرٌ والمُحَنَّبَات بتيجا ... نِ سُقوفٍ مَلْزُوزَةِ الأَصْلاءِ
ناظِرَات بأَعْيُنٍ بين كَحْلاَ ... ءَ ولمْ تَكْتحِلْ إِلى شَهلاءِ
ساكنَات إِذا العيُونُ تَحرَّكْ ... نَ لشيْءٍ باللَّحْظِ والإِيماءِ
لم يُغَمِّضن مُذْ فتحْنَ يَدَ الدَّهْ ... رِ لغَضٍّ يوماً ولا إِغْفَاءِ
مُحْدقات بها حَدائِق نورٍ ... ما غَذَتْهَا بَوَاكِرٌ الأَنْدَاءِ
وفيها:
دارُ مَجْدٍ حَوَتْ أَفانينَ كانتْ ... أَعْيُنُ الخَلْقِ دُونَهَا في غِطَاءِ
نُزْهةٌ للعُيون مُذهِبَةٌ للْ ... هَمِّ كَشّافةٌ جَوَى البُرَحَاءِ
لوْ سَعَتْ ساحةٌ بمِدْحَةِ بانٍ ... لم تَكُنْ عَنْه سُوحُها ببِطَاءِ
كَعْبَةٌ حَجَّها العُفَاةُ فآبُوا ... بعْدَ إِمْلاقِهم من الأَغنياءِ
ولعبد الله بن المعتزّ يصف الثريّا:
стр. 91
حَلَلْت الثُّرَيَّا خَيْرَ قَصْرٍ ومَنْزِلٍ ... فلا زَالَ مَعْمُوراً وبُورِك من قَصْرِ
جِنَانٌ وأَشجارٌ تَلاَقَت غُصُونُهَا ... وحُلِّين بالأَثمار والوَرَقِ الخُضْرِ
تَرَى الطَّيْرَ في أَغْصَانِهِنّ هَوَاتِفاً ... تَنقَّلُ مِن وَكْرٍ لهنّ إِلى وَكْرِ
هَجَرْت سِوَاهَا كُلَّ دارٍ عَرَفْتها ... وحُقّ لدَارٍ غَيْر دَارِكَ بالهَجْرِ
وأَنْهَارُ مَاءٍ كالسَّلاسِل فُجِّرَت ... لتُرضِعَ أَوْلادَ الرَّيَاحِينِ والزَّهْر
ومَيْدانُ وَحْشٍ تَرْكُضُ الخَيْلُ وَسْطَهُ ... فيُؤْخَذُ منها ما يُشَاءُ على قَسْرِ
إِذَا ما رَأَتْ ماءَ الثُّرَيَّا ونَبْتَهَا ... نَسِينَ وُثُوبَ الكَلْبِ فيهنّ والصَّقْرِ
وقلت في بيتٍ بناه الأمير أيَّده الله:
بَنَيْتَ بَيْتاً سَمَا للفَخْر مَصْعَدُهُ ... واحْتَلَّ في ذِرْوَةِ العَلْيَا مُشَيّدُه
قد عَانَقَ الأُفْقَ حتَّى خِلْتَهُ كَلِفاً ... قد طالَ مِن وَجْدِه فيه تَلَدُّدُهُ
للنُّورِ في دَوْرِه لِعْبٌ ومُؤْتَلَقٌ ... يَعلو ويَنْحِطُّ مُسْتَناٍّ تَوَقُّدُهُ
كأَنّه صارمٌ في كَفِّ مُدَّرِعٍ ... يَسُلُّه في الدُّجَى طَوْراً ويَغْمِدُهُ
بَنَاهُ ذو هِمّةٍ عِلْماً وهَنْدَسَةً ... عَقْلاً ووَطَّدَهُ فِكْرٌ يُردِّدُهُ
أَسَاسُه مَجْدُه والجُودُ حَائِطُه ... وأَرْضُه فَضْلُه والسَّقْفُ سُؤْدَدُهُ
كأَنّه صَرْحُ بلْقِيسٍ وقد كَشَفَتْ ... سَاقاً وظَنَّتْهُ ماءً خِيفَ مَوْرِدُهُ
أَقُول إِذْ كَلَّ وًصْفِي عنْه واعْتَذَرَتْ ... شَوَاهِدُ الحُسْنِ عنِّي حِينَ تَشْهَدُهُ
بَيْتَانِ في الأَرْضِ بَيْتُ الله نَعْرِفُهُذِكْراً وذا البَيْتُ نَغْشَاه ونَقْصِدُهُ
مُبَارَكٌ عَرَّفَ اللهُ الأَمِيرَ به ... يُمْنَ الجُلُوسِ ودَامَتْ فيه أَسْعُدُهُ
ولجعيفران الموسوس يصف قصراً ويهجو صاحبه:
يا قَصْرُ شانَكَ بُخْلُ صاحبك الّذي ... مافيه مَعْ إِمْسَاكِهِ مُسْتَمْتَعُ
أَنت العَروسُ لهَا جَمَالٌ فائِقٌ ... لكِنَّهَا في كلِّ يَومٍ تُصْدَعُ
وأيضاً في مثله لغيره:
بَنَى أَبُو جعفرٍ دَاراً فشَيَّدَهَا ... ومِثلُه لجِيَار الدُّروش بَنّاءُ
الجُوعُ داخِلُهَا والمَنْعُ طاهِرُهَا ... وفي جَوَانِبِهَا بُؤسٌ وضَرَّاءُ
ما يَنْفَعُ الدّارَ مِنْ تَزْوِيقِ صَاحِبِها ... وليسَ في جَوْفِهَا خُبْزٌ ولا مَاءُ
ولأبي الطَّريف يذمُّ بيته:
فلو كانَ لي بَيْتٌ يَحِلُّ دُخُولُه ... لأَمْتَعتُكم بالقَصْفِ والشُّرْبِ والسُّكْرِ
ولكِنّما لي بَيْتُ سُوءٍ كأَنَّه ... بَقِيَّةُ نَاوُوسٍ على سَاحِلِ البَحْرِ
ولابن المعتزّ في بيتٍ ضيّقٍ كان فيه هو وجماعة من أصحابه:
يارُبّ بَيْتٍ زُرْتُهُ وكأَنَّمَا ... قد ضَمَّنى من ضِيقهِ سِجْنُ
ما يُحْسِنُ الرُّمّانُ يَجْمَعُ نَفْسَهُ ... في قِشْرِه إلاّ كما نَخْنُ
وأخذ أبو العبّاس السَّفَّاح بيد عبد الله بن عليٍّ يدوِّره في أبنيةٍ كانت نبنى له، فتمثَّل عبد الله:
أَلَمْ تَرَ حَوشَباً أَضْحَى يُبَنِّى ... بِنَاءً نَفْعُهَا لبَنِى بُقَيْلَهْ
يُرجِّى أَنْ يُعَمَّرَ عُمْرَ نُوحٍ ... وأَمْرُ اللهِ يَطْرُقُ كلَّ لَيْلَهْ
فغضب السفّاح ونتر يده من يده. فحلف عبد الله أنه ما اعتمد سوءاً.
وبنى عليُّ بن محمّد بن عبد الله بن حسن داراً بالمدينة حسَّنها واجْتهد فيها، فلمّا فرغ منها قال:
حِسَّنْتُ دَارِى بعدَ عِلْمِى أَنَه ... سَيَفُوزُ بَعْدِى الوَارثونَ بحُسْنِهَا
فلَئِنْ بَنَيْتُ وكانَ غَيري نازِلاً ... فلَكَمْ نَزَلتُ مَنَازِلاً لم أَبْنِهَا
стр. 92
وقال محمّد بن يحيى: دخلت على أبي العبّاس عبد الله بن المعتزّ وقد هدم أكثر داره، وهو ينظر إلى الصُّنّاع كيف يبنون قبَّةً له، فكأنّى أشفقت من الغرم مع قلّة الدَّخل، فأومأت بالقول إلى ذلك، فأنشدني مساعداً لي:
أَلاّ مَن لِنَفْسٍ وأَشجانِهَا ... ودَارٍ تَداعَتْ بحِيطانِهَا
أَظَلُّ نهارِىَ في شَمْسِهَا ... مُلَقًّى مُعَنًّى ببُنْيَانِهَا
يُسَوَّدُ وَجْهِى بتَبْيِيضِهَا ... ويخْرَبُ كِيْسِى بعُمْراَنِهَا
وقال وقد مدَّت دجلة فخرَّبت بعض داره:
أَتَتْنِىَ دِجْلَةُ لمْ أَدْعُهَا ... فمَا صَنَعَ البَحْرُ ما تَصْنَعُ
طُفَيْلِيّةٌ لم تكن في الحسا ... ب تَأْكُلُ دارِى ولا تَشْبَعُ
فكَمْ مِنْ جِدَارٍ لنا مائِلٍ ... وآخَرَ يَسْجُدُ أَو يَرْكَعُ
ويُمْطِرُنا السَّقْفُ من فَوقِنَا ... ومِنْ تَحْتِنَا أَعْنُنٌ تَنْبُعُ
وأَصبَح بُسْتانُنا جَوْبَةً ... يُسَبِّحُ في مائِهِ الضِّفْدَعُ
وحدّثني أبو الحسن عليّ بن هارون بن عليّ بن يحيى بن أبي منصور قال: كان أبي نازلاً في جوار عبيد الله بن عبد الله بن طاهر، فانتقل عنها إلى دارٍ ابتاعها بنهر المهديّ، وهي دار إسحاق بن إبراهيم الموصليّ، فكتب إليه عبيد الله بن عبد الله مستوحشاً:
يا منْ تَحَوَّلَ عنّا وهْو يَأْلَفُنَا ... بَعُدْتَ جِدًّا فلأْياً صِرْتَ تَلْقَانَا
فاعْلَمْ بأنّك إِنْ بُدِّلْتَ جِيرتَنا ... بُدِّلْتَ دَاراً وما بُدِّلْت جِيرَانَا
فأجابه أبو هارون بن عليّ:
بَعُدْتُ عنك بدارِى دُونَ خالِصَتي ... ومَحْض وُدِّى وعَهْدِي كالّذِي كانَا
وما تَبَدَّلتُ مُذ فَارَقْتُ قُرْبَكُمُ ... إلاّ هُمُوماً أُعانِيهَا وأَحْزَانَا
وهلْ يُسَرُّ بسُكْنَى دَارِهِ أَحَدٌ ... وليسَ أَح بابُ هُ للدّارِ جِيرانَا
باب
في الطرد والجوارح
وما يصطاد من السوانح والبوارح
أول من افتنَّ في فنون الطَّرد وأبدع فيه أبو نواس، لأنّه عمل في سائر الجوارح، مثل الكلب والبازي والزُّرّق والشاهين والصَّقر واليؤيؤ والباشق والفهد الزُّمَّج والعقاب وعناق الأرض وجميع ما يصطاد به من الآلات مثل قوس البندق والفخّ وقصب الدِّبق وما شاكل ذلك، ولم يأت للعرب في الطَّرد شعرٌ مفردٌ، بل كانت تصف النّاقة وتشبِّهها بالبقرة الوحشيّة إذا آسد عليها القنّاص الكلاب، افتناناً منها في أشعارها، ثمّ تصف الكلاب والطَّرد، كقول النابغة في الكلاب:
أَهْوَى له قانِصٌ يَسعَى بأَكْلبِهِ ... عارِى الأَشَاجِع مِن قُنّاص أَنْمَارِ
يَسْعَى بغُبْسٍ طَوضاها، فَهْي طاوِيةٌ، ... طُولُ ارْتحالٍ بها مِنْهُ وتَسْيَارِ
وكقوله أيضاً:
فبَاتَ كأنّه قاضِي نُذُورٍ ... سَرَى لله يَنْتَطِرُ الصَّبَاحَا
فصَبَّحَهُ كِلاَبُ بني تَمِيمٍ ... بجَنْبِ الرَّدْهِ مِن جَدَهٍ كِفَاحَا
فلمَّا أَنْ تَبَيَّنَ ضارِياتٍ ... وكَلاّباً يَعنُّ بهنّ سَاحَا
فأَعملَ للنَّجاءِ مُخَذْرَفَاتٍ ... نَوَائِمَ أَذْرَفَتْ دَمْعاً صحَاحَا
فهنّ شَوَارِعٌ يَطْمَعنَ فيه ... ولن يَتْرُكْنَه لَجَرَىصِفَاحَا
فلمّا أَنْ دَنَونَ له تَأَبَّى ... ولولاَ بَأْوُهُ لَنَجَا طِمَاحَا
وله أيضاً:
فارْتَاعَ مِن صوتِ كَلاّبٍ فبَاتَ لَهُ ... طَوْعَ الشَّوامِتِ من خَوْفٍ ومن صَرَدِ
فبَثَّهُنّ عليه فاسْتَمَرَّ بِهِ ... صُمْعُ الكُعُوبِ بَرِيئَات مِن الحَرَدِ
وللبيد بن ربيعة:
حتّى إِذا يَئِس الرُّمَاةُ وأَرسَلوا ... غُضْفاً دَوَاجِنَ قَافِلاً أَعْصَامُهَا
فلَحِقْنَ واعْتَكَرتْ لهَا مَدَرِيَّةٌ ... كالسَّمْهَرِيَّةِ حَدُّها وتَمَامُهَا
لتَذُودَهنّ وأَيْقَنتْ إِنْ لم تَذُدْ ... أَنْ قَدْ أَحَمَّ مَعَ الحُتُوفِ حِمَامُهَا
стр. 93
فتَقَصَّدَتْ منها كَسَابِ وضُرِّجَتْ ... بدَمٍ وغُودِرَ في المَكَرّ سُحَامُهَا
وكقول زهير بن مسعودٍ الضَّبِّيّ:
فَنَالَ شَيْئاً ثُمَّ هاجَتْ بهِ ... مُؤْسَدَةٌ فيهنّ تَدرِيبُ
غُضْفٌ ضَوَارٍ طُوِيَتْ فانْطَوتْ ... كأَنّهَا ضُمْراً يَعَاسِيبُ
فجَال في وَحْشِيِّها نافِراً ... رَهْبَتَهَا والشَّرُّ مَرْهُوبُ
حتَى إِذَا قُلْتَ تَلاَقَيْنَهُ ... والحيْنُ.. للحينِ مجْلُوبُ
ثَنَّى لَها يَهْتِك أَسْحَارَها ... بمُتْمَئرٍّ فيه تَحْرِيبُ
حتَّى تَسَاقَطْنَ وخَلَّيْنهُ ... ورَوْقُهُ بالدَّمِ مَخْضوبُ
وللأخطل:
فأَرْسَلُوهنّ يُذْرِينَ التُّرابَ كما ... يُذْرِى سَبَائِخَ قُطْنٍ نّدْفُ أَوْتَارِ
حتَّى إِذا قُلْتُ نالَتْهُ سَوابِقُهَا ... وأَدرَكتْهُ بأَنْيَابٍ وأَظْفَارِ
أَنْحَى إِليهنّ عَيْناً غَيْرَ غافِلةٍ ... وطَعْنَ مُحتَقِرِ الأَقْرَانِ كَرَّارِ
وله أيضاً:
هَاجَتْ به ذُبَّلٌ مُسْحٌ جَوَاعِرُهَا ... كأَنّمَا هُنَّ مِن نَبْعِيَّعٍ شِقَقُ
فَظَلَّ يَهْوِى إِلى أَمْرٍ يُسَاقُ لَه ... وأَبْبَعَتَهُ كِلاَبُ الحَىِّ تَسْتَبِقُ
لمَّا لَحِقْنَ به أَنْحَى بمِغْوَلِهِ ... يَمْلاَ فَرَائِصَها من طَعْنِهِ العَلَقُ
وله أيضاً:
أَمَّ الخُرُوجَ فأَفْزَعَتْهُ نَبْأَةٌ ... زَوَتش المَعَارِفَ فَهْوض منها أَوْجَرُ
مِن مُخْلِقِ الأَطمارِ تَسْعَى حَوْلَه ... غُضْفٌ ذَوَابِلُ في القَلائِدِ ضُمَّرُ
ولبعض الرُّجّاز:
مُوَلَّعٌ يَقْرُو صَرِيماً قد بَقَلْ
صُبَّ عَلَيْه قانِصٌ لمَّا غَفَلْ
والشَّمْسُ كالمِرْآة في كَفِّ الأَشَلّْ
مُقَلدَّاتِ القِدِّ يَقْرُونَ الدَّغَلْ
وكانت أيضاً تصيد بالكلاب وبالخيل، ولم نجد لها إلاّ أبياتاً أنشدناها إبراهيم بن محمّد قال: أنشدنا أحمد بن يحيى، عن ابن الأعرابيّ، لأعرابيّ:
قد أَغْتَدِى واللَّيْلُ كالزّنجىِّ
يَنْهَضُ نَهْضَ العاتِبِ الوَجِىِّ
والصُّبْحُ خَلْفَ الفَلَق الدَّجِىِّ
بأَمعَرِ السَّاقَيْنش تَوَّجِىِّ
قَيدِ الإِوَزِّ ولَهَا البُنْجىِّ
ليس بمُحْثَلٍّ ولا عَجِىِّ
العاتب: الذي به ظلعٌ فهو يمشي على ضعفٍ، يقال: عتب يعتب عتباناً. ومن العتاب عتباً ومعتبةً، والفلق: الفجر، والدَّجِىّ: الذي فيه شيءٌ من سوادٍ، لهاً جمع لهاةٍ، البنجىّ: الكركيُّ، المحثلُّ، أصله التخفيف، أحثل فهو محثلٌ، إذا أسىءغذاؤه، العجىُّ: اليتيم من الحيوان من أمه، و: اليتيم من الناس من أبيه، وجمعه عجايا، وأنشد ابن الأعرابيّ:
عَدَانِي أَن أَزورَك أَنّ بَهْمِي ... عَجَايَا كُلُّها إلاّ قليلا
وما جاء للعرب من صفات العقبان والصُّقور فإنّما ذكروا أفعالها لأنفسها، لا أنّهم ضرَّوها على صيدها، فلمّا جاء الإسلام سئل النبي صلَّى الله عليه عن الصِّيد، فأنزل الله يسألونك ماذا أحلَّ لهم قل أحلَّ لكم الطِّيِّبات وما علَّمتم من الجوارح مكلِّبين تعلِّمونهنَّ ممّا علَّمكم الله فكلوا ممّا أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه واتَّقوا الله إنّ الله سريع الحساب ونحن نأتي بما نختاره من شعر أبي نواس في فنون الطَّرد مختلطاً بشعر غيره بعد قطعةٍ لبعض الأعراب في ثعلبٍ صاده، أنشدها محمّد بن الحسن له:
للهِ دَرُّ أَبي الحُصَيْن لَقَد بَدَتْ ... منه مَحَاوِلُ حُوَّليٍّ قُلَّبِ
وَرَدَ الحِبَالَةَ وهْيَ صُورٌ نحوَه ... طَمَعاً لِتَعْلَقَهُ ولمَّا يَرْتَبِى
حتَّى إِذا شَملَت مَعَاقِدُ طَرْفِهِ ... أَرْجاءَهَا تبأَمُّلٍ وتَأَرُّبِ
ويَدَاهُ وَاسِطتانِ لمَّا تَنْكُصَا ... أَو تقْدمَا لوُرُودِ عَزْمِ المَنْكبِ
صرَحَتْ به نَفْسُ النجىِّ مَخافَةً ... بادِرْ نَجَاءَكَ لا تُغَرّ فتشْعَبِ
стр. 94
فاسْتَدْبَرتْ إِحدَى يَدَيْهِ القَهْقَرَى ... وثَنَتْ به الأُخْرَى ثنِىَّ تَهَيُّب
فنَجَا وهَلْ يَنجو مَنَ اخطَأَهُ الرَّدَىفي البَدْءِ مِن عَوْدِ الرَّدَى المُتَأَوِّبِ
لم يَعْدُ بعْدَ نَجَائِهِ مِنْ ساعَةٍ ... أَنْ قامَ قَوْمةَ نافِضٍ مُتَرقِّبِ
فظَللْتُ منه بمُرتأًى من شَحْصه ... في كلِّ حالٍ أَمَّهَا أَو مَذْهَبِ
مُتَضَابِئاً طَوْراً لَدى اسْتِشْرَافه ... فمَتى يُوَهِّدْ في مَجَالٍ أَرْتَبِ
حتّى اطْمأَنّ وقامَ منَى شَخصُهُ ... بمَكَانِ دانٍ للرِّمايَة مُكْثِبِ
فنَحَوْتُه سَهْمِى فأَنْشَبَ صُلْبَه ... شَكّاً وأَيّ رَمِيَّةٍ لمْ أُنْشِبِ
ثمّ انثنَيتُ إِلى بُنَيِّى مالِئاً ... كَفَّىَّ مُغْتَبِطاً بعَيْشٍ مُخْصِبِ
أَبُنَىّ أَيَّةُ خَلّةٍ محمودةِ ... صَعُبَت على الطُلاَّب أَمْ لمْ تَصْعُبِ
في الكلب
من صفات الكلب أن يكون صغير الرأس، طويل العنق غليظها، وأن يشبه خلق بعضه بعضاً، وأن يكون أغضف مفرط الغضف وأن يكون بعيد ما بينهما، ويكون واسع العينين بعيد ما بينهما، ويكون أزرق العينين، عظيم المقلتين، ناتىء الحدقة، طويل الخطم لطيفه، واسع الشِّدقين، ناتىء الجبهة عريضها، وأن يكون الشَّعر الذي تحت حنكه طاقة طاقةً، ويكون غليظاً، وكذلك شعر خدَّيه، ويكون قصير اليدين، طويل الرِّجلين، لأنّه إذا كان كذلك كان أسرع في الصُّعود بمنزلة الأرنب.
قالوا: ولا يكاد يلحق الأرنب في الصُّعود إلاّ كلُّ كلبٍ قصير اليدين، طويل الرِّجلين، وينبغي أن يكون طويل الصَّدر غليظه، وأن يكون ما يلي الأرض من صدره عريضاً، وأن يكون عريض العضدين، مستقيم اليدين، مضموم الأصابع بعضها إلى بعض إذا مشى أو عدا، وهو أجدر أن لا يصير بينهما من الطِّين وغير ذلك ما يفسدها، ويكون ذكيَّ الفؤاد نشيطاً، ويكون عريض الظَّهر عريض مابين مفاصل عظامه، عريض ما بين أصل الفخذين اللَّذين يضمّان أصل الذَّنب، وطويل الفخذين غليظهما، شديد لحمهما، رزين المحمل، دقيق الوسط، طويل الجلدة التي بين أصل الفخذين والصَّدر، مستقيم الرِّجلين، ولا يكون في ركبتيه انحناءٌ، ويكون قصير الساقين دقيقهما، كأنّهما خشبتان من صلابتهما، وليس يكره أن تكون الإناث طوال الأذناب، ويكره ذلك للذُّكور، ولين شعره ممّا يدلُّ على القوَّة، وينبغي أن يكون الكلب شديد المنازعة للمقود وللسِّلسلة، وأن يكون العظمان اللَّذان يليان اللَّحيين صغيرين في قدر ثلاث أصابع، ويقال إنّ السُّود منها أقلُّها صبراً على الحرّ والبرد، وإنّ البيض أفرها إذا كنّ سود العيون، قالوا: ومن علامة الفره التي ليس بعدها شيءٌ أن يكون على ساقيه أو أحدهما أو على رأس الذَّنب مخلبٌ وينبغي أن يقطع من الساقين، لأنّه يمنعه من العدو، وخير الأشياء التي تطعم الكلاب الخبز الّذي ييبس، ويكون الماء الذي يسقاه يصبَّ عليه شيءٌ من زيتٍ، فإنّ ذلك كالقتّ المخض للخيل، ويشتدُّ عليه عدوه، قالوا: وخير الطَّعام في إسمان الكلاب رأس مطبوخٌ أو أكارع بشعرها، من غير أن تطعم من عظامها شيئاً، والسَّمن إذا أطعم منه قدر ثلاث سكرجات مرتين أو ثلاثاً فإنّ ذلك ممّا يسمِّنه. ويقال إنّه يعيد الهرم شاباً حتى يكون ذلك في الصِّيد وفي المنظر، والثَّريد من أردإ ما تأكله للعدو.
وقال أبو نواس:
لمّا تَبَدَّى الصّبحُ من حِجَابِهِ
كطَلْعةِ الأَشمطِ من جِلْبَابِهِ
هِجْنا بكَلْبٍ طالَ ما هِجْنَا به
يَنْتَسِفُ المِقْوَدَ من جِذَابِهِ
من مَرَحٍ يَغْلُو إِذا اغْلَوْلَى به
ومَيْعَةٍ تَغلِبُ مِن شَبَابِه
كأَنّ مَتْنَيْهِ لَدَى انْصِبَابِه
مَتْنَا شُجَاعٍ لجَّ في أنْسِيابِهِ
كأَنّما الأُطْفورُ في قِنَابِه
مُوسَى صَنَاعٍ رُدَّ في نِصَابِه
تَرَاهُ في الحُضْر إِذَا هَاهَا بِه
يَكادُ أَن يَخرُجَ من إِهَابِه
تَرَى سَوَامَ الوَحْشِ يُحْتَوَى بهِ
يُعْتَلْنَ أَسْرَى ظُفْرِهِ ونَابِهِ
وله أيضاً:
أَنْعَتُ كَلْباً أَهلُه في كَدِّهِ
стр. 95
قد سَعِدَتء جُدُودُهم بجدِّهِ
فكلُّ خَيْر عندهم من عندِه
يَظَلُّ مَوْلاهُ له كعَبْدِهِ
يَبِيتُ أَدْنَى صاحِبٍ من مَهْدِهِ
وإِن غَدَا جَلَّلَه ببُرْدِهِ
ذَا غُرَّةٍ مُحَجَّلاّ بزنْدِهِ
تَلَذُّ منه العَيْنُ حُسْنَ قَذِّهِ
تأْخِيرَ شدْقَيْه وطُولَ خَدِّه
تَلقَى الظِّباءُ عَنَتاً من طَرْدِهِ
يشرَب كأْساً شدّها في شَدِّهِ
يا لَكَ من كَلبٍ نَسِيج وَحْدِهِ
وله في الثعلب والكلب:
لمّا غَدَا الثَعلبُ في اعْتدائِهِ
والأَجَلُ المقدُورُ من وَرَائِهِ
صَبَّ عليه اللهُ من أَعْدَائه
سَوْطَ عَذابٍ صُبَّ مِن سَمَائَهِ
مُبَاركاً يكثرُ من نَعْمائِه
تَرَى لمَوْلاه على جِرَائِه
تَحدُّبَ الشَّيْخ على أَبنائِهِ
يُكِنُّه باللَّيْل في غِطَائَهِ
يُوسعُه ضَمّاً إِلى أَحْشَائه
وإِن غَدَا جُلِّلَ في رِدائِهِ
من خَشيَة الطَّلِّ ومن أَندائِهِ
يَضنُّ بالأَرذلِ من أَطلائِهِ
ضَنّ أَخِى عُكلٍ على عَطَائِه
حتّى إِذا ما انشامَ في مُلاَئِهِ
وصارَ لحْياهُ على أَنسَائهِ
تَنَسَّمَ الأَرْواحْ في أنبِرَائِه
خَضْخَضَ طُنْبُوبَيه في أَمعائِهِ
فخَضَّبَ الثَّعْلَبَ من دِمَائِهِ
يا لك مِن عادٍ على حَوْبَائِهِ
وله في كلب اسمه سرياح:
قد أَغتدِىفي فَلَقِ الصَّبَاحِ
بمُطعِمٍ بُوجِزُ في سرَاحٍ
مُؤيِّدٍ بالنَّصْرِ والنَّجَاحِ
غَذَتْهُ أَظآرٌ من اللِّقَاحِ
فهو كَمِيشٌ ذَرِبُ السِّلاحِ
ما البَرْقُ في ذِي عَارِضٍ لَمّاحِ
ولا انقِضاضُ الكَوْكَبِ المُنصَاحِ
أَجَدُّ في السُّرْعَة من سِرْيَاحِ
يَكَادُ عندَ ثَمَلِ المُرَاحِ
يَطِيرُ في الجَوِّ بلا جَنَاحِ
يَفِتَرُّ عن مِثل شَبَا الرِّماحِ
فَكَمْ وكَمْ ذي جُدَّةٍ لَياحِ
غَادَرَهُ مُضَرَّجَ الصِّفَاحِ
وأيضاً في كلب اسمه زنبور:
إِذا الشّياطِينُ رَأَتْ زُنبُورَا
قد قُلِّدَ الحَلْقَةَ والسُّيُورَا
بَكتْ لخِزَّانش القُرَى ثُبُورَا
أَزفَى تَرَى في شِدْقِه تأْخيرَا
تَرَى إِذَا عَارَضْتَهُ مَفرُورَا
خَنَاجِراً قدْ نبَتَتْ سُطُورَا
مُشْتَبِكَاتٍ تَنْظِم السُّحُورا
أُحْسِنَ في تَأْدِيبِه صَغِيرَا
حَتّى تَوَفَّى السِّتَّةَ الشُّهُورَا
مِن سِنِّه وبَلَعَ الشُّغُورَا
وعَرَفَن الإِيحاءَ والصَّفيرَا
والكَفَّ أَن تُومِىءَ أَو تُشِيرَا
يُعْطِيك أَقْصَى حُضْرِه المَذخُورَا
شَدّاً تَرَى من هَمْزِه الأُظْفُورَا
مُنَتشِطاً من أُذْنِه سُيُورَا
وله أيضاً:
أَعْددْتُ كلباً للطِّرَاد فَظَّا
إِذا غَدَا من نَهَمٍ تَلظَّى
وجَاذَبَ المِقْوَدَ واسْتَلَظَّا
كأَنَّ شَيْطَاناً به أَلَظَّا
يَكُظُّ أَسرَابَ الظِّبَاءِ كَظَّا
يَحُوزُ منها كلَّ يَوْمٍ حَظَّا
حتّى تَرَى نَجِيعَها مُفتَظَّا
وله أيضاً:
قد أَغتدِى والطَّيْرُ في مَثْواتِهَا
لم تُعْرِبِ الأَفواهُ عن لُغاتِهَا
بأَكلُبٍ تَمْرَحُ في قِدّاتِهَا
تَعُدُّ عِينَ الوَحْشِ منْ أَقْواتِهَا
قد لَوّحَ التَّقديحُ وَارِيَاتِهَا
وأَشْفَقَ القانِصُ من خُفَاتِهَا
من شِدَّةِ التَّقديح واقْتِيَاتِهَا
وقُلتُ قد أَحْكَمْتَها فهَاتِهَا
وأَدْنِ للصَّيْد مُعَلَّمَاتِهَا
وارْفَعْ لَنَا نِسْبَةَ أُمَّهاتِهَا
فجاءَ يُزْجِيها على شِيَاتِهَا
شُمَّ العَرَاقِيبِ مُوَثَّقَاتِهَا
مُشرِفةَ الأَكَتافِ مُوفَدَاتِهَا
سُوداً وصُفْراً وخَلَنْجِيّاتِهَا
تَرَى على أَفْخاذها سِمَاتِهَا
مُفدَّيَاتٍ ومُحَمَّيَاتِهَا
غُرَّ الوَجوهِ ومُحَجَّلاتِهَا
كأّنَّ أقماراً على لَبَّاتِهَا
قُودَ الخَرَاطيم مُخَرْطَمَاتِهَا
زُلَّ المآخِير عَمَلَّسَاتِهَا
стр. 96
مَفرُوشةَ الأَيدِي شَرَنبَثَاتِهَا
تَسْمعُ في الآذانِ مِن وَحَاتِهَا
مِنْ نهَمِ الصَّيْدِ ومنْ خَوَاتِها
لِتَفثَأَ الأَرْنبَ عن حَيَاتِهَا
إنّ حَيَاةَ الكَلب في وَفَاتِهَا
حتّى تَرَى القِدْرَ على مَثْفَاتِهَا
كَثيرَةَ الضِّيفَان من عُفَاتِهَا
يَقذِفُ جَالاَهَا بجَوْزِ شَاتِهَا
وله أيضاً:
لمَّا غَدَا الثَّعْلَبُ من وِجَارِهِ
يَلتَمِسُ الكَسْبَ على صِغَارِهِ
عارَضْتُه مِن سَنَنِ امْتِيَارِهِ
بضَرِمٍ يَمْرَحُ في شِوَارِهِ
في حَلَقِ الصُّفْرِ وفي أَسْيَارهِ
تَجْمعُ قُطرَيهِ من اضطمارِهِ
وإِنْ تَمَطَّى تَمَّ في أَسْيَارِهِ
عَشْراً إِذا قُودِرَ في اقتدارِهِ
كأَنّ لَحْيَيْهِ لَدَى افْترارِه
شكُّ مَسَامِيرَ عَلَى أَطْوَارِهِ
كأَنَّ خَلْفَ مُلْتَقَى أَشْفارِهِ
جَمْرَ غَضاً يُدْمِنُ في اسْتعارِهِ
سِمْعٌ إِذا اسْتَرْوَحَ لم تُمَارِهِ
إِلاّ بأَنْ يُطْلَق من عِذَارِهِ
فانْصَاعَ كالكَوْكَبِ في انكِدَارِهِ
لَفْتَ المُشِيرِ مَوْهِناً بنَارهِ
شَدّاً إِذَا أَخْصَفَ في إِحْضَارِهِ
خَرَّقَ أُذْنَيه شَبَا أَظفارهِ
حتّى إِذا ما انْشامَ في غُبَارِهِ
عَافَرَهُ أَخْرَقُ في عِفَارِهِ
فتَلْتَلَ المفْصَلَ من فَقَارِهِ
وقَدَّ عنه جَانِبَيْ صِدَارِهِ
ما خِيرَ للثَّعْلبِ في ابْتكارِهِ
وله أيضاً:
أَعْدَدْتُ كلْباً للطِّرَادِ سَلْطَا
مُقَلِّداً قَلائِداً ومُقْطَا
فَهْوَ الجَمِيلُ والحَسيبُ رَهْطَا
تَرَى له شِدْقَين خُطّاً خَطّا
ومَلطَماً سهْلاً ولَحيْاً سَبْطَا
ذاكَ ومَتْنَيْن إِذَا تَمَطَّى
قُلْت شِرَا كَانِ أُجِيدَا قَطَّا
يَمْرِى إِذا كَان الجِرَاءُ عَبْطَا
برَاثِناً سُحْمَ الأَثافِي نَشْطَا
تَخالُ ما دَمَّيْن منه شَرْطَا
ما إِنْ يَقَعنَ الأَرْضَ إِلاّ فَرْطَا
كأنّما يُعْجِلْن شَيْئاً لَقْطَا
أَسْرَع مِن قَوْلِ قَطَاةٍ قَطَّا
يَكْتَالُ خِزَّانَ الصَّحَارِى الرُّقْطَا
يَلْقَيْنَ منْهُ حَاكماً مُشْتَطَّا
لِلْعَظْمِ حَطْماً والأَدَيْمِ عَطَّا
وله أيضاً:
قد اَغْتَدِى واللَّيْلُ في إِهَابِهِ
أَدْعَجُ ما غُسِّلَ مِنْ خِضَابِهِ
مُدَثَّراً لمْ يَبْدُ مِن حِجَابِهِ
كالْحَبَشِيِّ اسْتُلَّ مِن ثِيَابهِ
بَهيْكَلٍ قُوبِلَ في أَنْسَابِه
يُصَافِحُ الكَذّانَ من أَظْرَابِه
بوُقَّحٍ تَقِيه في أنْسيابِهِ
شَبَا المَظَارِير وحَدَّ نَابِهِ
حتّى إِذا الصُّبْحُ بَدَا من بَابِهِ
وكَشرَتْ أَشْداقُه عن نَابِهِ
عنَّ لنَا كالرَّأْلِ لم يُورَى بِهِ
ذُو حُوّةٍ أُفِرِدَ عن أَصحَابِهِ
يَقْرُومِتَانَ الأَرضِ معْ شهَابِهِ
قُلْنَا له عَرِّه مع أَسْلابِهِ
فلاَحَ كالحَاجِب من سَحَابِهِ
أَو كالصَّنِيع اسْتُلَّ من قِرَابِهِ
فانْصاعَ كالأَجْدَلِ في انْصِبَابِهِ
أَو كالحَرِيق في هَشِيمِ غابِهِ
مُلْتهِباً يَسْتَنُّ في الْتهابِهِ
وله أيضاً:
يا رُبّ ثَورٍ بمكَانٍ قَاصِ
ذي زَمَعٍ دُلاَمِصٍ دَلاّصِ
باتَ يُراعِى النجمَ من خَصَاصِ
صَبَّحْتُهُ بضُمَّرٍ خِمَاصِ
لاحقَةٍ أَطْلاؤُها شَوَاصي
تمُرُّ بعْدَ الحُضُرِ البصْباصِ
منه لهَا حيْثُ يكُون الخَاصيِ
يَكْشِر عن نَابٍ له فرّاصِ
أّذْنَاه سَوْداوانِ كالعَنَاصِ
بها يُعَاطىِ وبهَا يُعاصىِ
وله أيضاً: قد أَغتدى قبْلَ انشقاق النُّورِ
واللَّيْلُ مُرْخٍ هدبَ السُّتُورِ
بمُخْطَفِ الجَنبَيْنِ والخَصورِ
مُلاَحَكِ الأَرْساغِ والفُقُورِ
أَسْودَ أَوْ ذي بَلَقٍ مَشْهورِ
زُيِّنَ بالتَّلويح والضُّمُورِ
حتَّى إِذا كانَ مع السُّفُورِ
عَنّ لنا للقَدَرِ المَقْدورِ
مُرْهَفةُ الأَعْجازِ والصدورِ
стр. 97
فشَدَّ فيها شَدَّةَ المُغِيرِ
أَو مثْل شَدِّ الحَنِقِ المَوتُور
فرَدَّ أُولاَهَا على الأَخِيرِ
ثمّ انْتحَى لسَلْهَبٍ دَرِيرِ
فصَادَهُ بلَهْذَمٍ مَطرُورِ
مُفرِّقٍ مجامِعَ السُّحُورِ
تخالُ منْهنّ شَبَا الأُطْفُور
مثْلَ سِنَان الحَرْيَةِ المَطْرُورِ
ورَدَّ بَيْنَ الأَيْنِ والفُتُورِ
عِشْرينَ عُلْجُوماً إِلى يَعْفُورِ
مَخْضُوبَة الأَظْلافِ والنُّحُورِ
قُلْ لظِبَاءٍ بالحَزِيز صُورِ
هَيْهَاتَ لا مَنْجَاةَ من زُنْبُورِ
فأَنْجِدِى إِن شِئْتِ أَو فغُورِى
يالَك يَوْماً جامِعَ السُّرُورِ
وفيما مرَّ من صفات الكلب لأبي نواس مقنعٌ، ونذكر صفات غيره، ثمّ نذكر بعد ذلك سائر الجوارح إن شاء الله.
ولشرشير الجدليّ في الكلب:
قدْ اغْتَدى واللَّيْلُ في حجَابهِ
لم تُحْلَل العُقْدةُ من نِقَابهِ
بأَغْضفٍ يَعيشُ مَنْ غَدَا بهِ
يَخُطُّ بالبُرْثُنِ في تُرَابهِ
خَطَّ يَدِ الكاتِب في كِتَابهِ
مُلْتَقِطاً للخَطْوِ في انْتدابهِ
لقْطَ يَدِ المَاهرِ في حِسابهِ
حتّى إِذا أُطْلِقَ عن جِذَابهِ
مَرَّ يَدُرُّ السَّحُّ من أَهْدَابهِ
كمّا يَدُرُّ القَطْرُ بانْسكابِهِ
مُنْضَرِجاً يَلْمَعُ في انْسِيابِهِ
كلَمَعَانِ البَرْقِ في سَحَابِهِ
أَو كانقِضَاضِ النَّجْمِ في شِهَابِهِ
يَنْتَصِلُ الأُطفورُ مِن قِنَابِهِ
كمَا يُسَلُّ السَّيْفُ في مَراَبِهِ
تَخالُه ما جَدَّ في إِلْهَابِهِ
مُفَرِّياً بالحُضْر من إِهَابِهِ
والوَحْشُ أَسْرَى طُفْرِه ونَابِهِ
وهذا إذا تأمّلته وجدت أكثره مأخوذاً من أبي نواس.
وله فيه:
يا رُبّ كَلْبٍ رَبُّهُ في رِزْقهِ
يَرَى حُقُوقَ النَّفْسِ دُونَ حَقِّهِ
تَرَاهُ في تَسريحِه ورِبْقِهِ
وحِذْقِه ببِرِّه ورِفْقِهِ
كعَاشِقٍ أَضْنَاه طُولُ عِشْقِهِ
أَصْفَر يُلْهِى العَيْنَ حُسْنُ خَلْقِهِ
كذَهَبٍ أَبْرَزْتَهُ من حُقِّهِ
ذي غُرَّةٍ قارِعَةٍ لفَرْقِهِ
وذي حُجُولٍ بَيّنَت عن سَبْقِهِ
وَيْلٌ لأَظْبٍ سَنَحَتْ لطُرْقِهِ
وله أيضاً فيه:
يا رُبّ كَلْبٍ أَهلُهُ في كَسْبِهِ
يَقُوتُهم بِسَعْيهِ وَدَأْبِهِ
يَطُنُّهُ الناظرُ رَبَّ رَبَّهِ
يَرَاهُ أَدْنَى من سُوَيْدَا قَلْبِهِ
يُؤْثِرُهُ على كَريمِ صَحْبِهِ
يَعْدُو بكَشْحٍ لاحِقٍ بجَنْبهِ
ومُقْلَةٍ مُبِينَةٍ عن إِرْبِهِ
أَجَدّ كالرِّثْمِ نَأَى عن سِرْبِهِ
مُمَلّك في العَدْو قُطْرَىْ سَهْبِهِ
يُلْحِقُ شَدّاً شَرْقَهُ بغَرْبِهِ
وله أيضاً:
لمّا أَجالَ الفَجْرُ في أَستارِهِ
كَفًّا وقَضَّى اللَّيْلَ من أَوطَارِهِ
عَدَوْتُ أَبغى الصَّيْدَ في ديَارِهِ
بأَتْلَعٍ يَنْسَابُ في ازْوِرارِهِ
مثْلَ انْسيَاب الأَيْمِ في اغْترارِهِ
مُثَفَّف كالسَّهْم في اضْطمارِهِ
ومَرِّه في الجوِّ وانْكِدَارِهِ
تَسْتَعِرُ الأَرضُونَ باسْتعارِهِ
أَصْفرُ قد رُوِّىَ مِنْ نُضَارِهِ
كَمَا تَرَوَّى الغُصْنُ من قِطَارِهِ
يَكْشِفُ إِن لاَقاكَ بافْترارِهِ
عن عُصُلٍ تَدْعُو إِلى جِذَارِهِ
يطِيرُ إِنْ قَلَّصَ عن أَشفارِهِ
عن عَيْنِه ما انْجَابَ من شَرَارِهِ
مُحَجَّلٌ يَسْتَنُّ في شَوَارِهِ
مثْلَ اسْتِنانِ المُهْرِ في عِذارِهِ
قد أَحْكَمَ التَّضبيرُ من إِضْمَارِهِ
فوَسْطُه يُدْمَجُ في أَقْطَارِهِ
يَمْثُلُ كاللَّيْث أَوَانَ زَارِهِ
مُسْتَوْضِحاً كطَالِبٍ بثَارِهِ
مُسَرْوِحاً يَدْعُو إلى أَوْتَارِهِ
يَقْضِى على الخائِمِ في وَجَارِهِ
مِن قَبْلِ أَن يَدْنُوَ من جِوَادِهِ
لا تُدْرِكُ الرِّيحُ لَدَى ابْتِدارِهِ
منه سِوَى الثائِر من غُبَارِهِ
أَطلَقْتُه للصَّيْدِ من أَسْيَارِهِ
فما كَفَفْتُ الطَّرْفَ عن مَصارِهِ
стр. 98
حتّى رَأَيتُ الصَّيْدَ في إِسَارِهِ
وله أيضاً:
قد اغْتدِى واللَّيْلُ في سَوَادِهِ
لم يُمْكِنِ الجَوْنَةَ من قِيَادِهِ
برَائِحٍ يَهتزُّ في مَقَادِهِ
مُؤْتَلِقٍ كالسَّيْف في اطِّرَادِهِ
أَغَرَّ مَنْسُوبٍ إِلى أَجدَادِهِ
يَلْحَظ كالمَوتور عن أَوْلاَدِهِ
أَو قَادحٍ للنّار عن زِنَادِهِ
يَسْترِقُ السَّمْعَ علَى بِعَادِهِ
أَلْحَاطُه تُخْبِرُ عن مُرَادِهِ
كأَنَّهَا تَصْدُر عن فُؤادِهِ
يَكْفِيه لَحْظُ العَيْنِ مِنْ إِيسْادِهِ
ووَعْدُهُ يُوجَدُ في إِيعادِهِ
يا بُؤْسَ للخِزَّانِ من مَصَادِهِ
ولِوُحُوش البِيدِ منْ مُدَّادِهِ
أُطْلِقُهُ للصَّيْدِ من سَدَادِهِ
فلا أَردّ الطَّرْفَ عن إِنْهَادِهِ
حتّى أُحِيلَ الكفَّ مِن إِرْفادِهِ
وله أيضاً:
وعَادَ الأَوَابِدُ قَبْلَ الصَّباحِ ... بنَدْبٍ يُفَرِّقُ فيهَا النُّدُوبَا
مَرْوحٍ طَمُوحٍ حَمِيزِ الفُؤا ... دِ تَحْسب في الطَّرف منه قُلُوبَا
حَصِيفٍ يَكَادُ لفَرْطِ الذّكَا ... ءِ يُبْدِى لمُسْتَخْبِرِيه الغُيُوبَا
كسَا صَدْرَهُ صُدْرَةً مِنَ حَرِيرٍ ... وشَقَّ على النَّحْرِ منه الجُيُوبَا
ويَفْتَرُّ عن قُصُلٍ شُزَّبٍ ... يَظَلُّ الحَدِيدُ لَدَيْها نَكِيبَا
إِذَا فَاتَ في الصَّيْدِ حفْظَ الرّقِي ... بِ كانّ الحِفَاظُ عَلَيْه رَقِيبَا
وله أيضاً:
غَدَوْتُ في يَوْم ضَرِيبٍ أَشْهَبِ
مُحْتَجبِ الجَوْنَةِ مُدْنىِ المَطْلَبِ
والطَّيْرُ عن لُغَاتِهَا لم تُعْربِ
بأَنْزَعٍ مُؤَدَّبٍ مُجَرَّبِ
مُضْطَمرِ الكَشْحَيْنِ هَادٍ شَرْجَبِ
مُؤَلَّلِ الأُذْنَيْن مُجْدٍ مُنْحِبِ
كأَنّه لاَبِسُ ثَوْبٍ مُذْهَبِ
مُتَّشِح بآخَرٍ مُعَصَّبِ
يَجْمَعُ بالوَثْبَة قُطْرَ السَّبْسَب
مُوَاصِلاً مَشْرِقَه بالمَغْرِبِ
يَنْقَضُّ في البِيد انْقضاضَ الكَوْكَبِ
كأَنّه إِذا سَمَا لمذْهَبِ
مُوفٍ على أَعدائِه مِن مَرْقَبِ
فظِلْتُ منه في جَنَاحٍ مُخْصبِ
ومَأْكَلٍ مُمَكّنٍ لمَشْرَبِ
ولعليّ بن محمّد العلويّ الكوفيّ في الكلب:
صَبَّ إلى عبَارَةِ المُلُوكِ
باتَ على الفِرَاشِ كالمَوْعُوكِ
من زَمَعٍ مُضْطَرِمَ التَّحرِيكِ
حتّى إِذا أَحسَّ بالدُّلُوكِ
وصَقَعَتْ أَوَاخِرُ الدُّيُوكِ
بادَرَ مثْلَ الرَّجُلِ المَسْلُوكِ
يَمْسَحُ وَجْهَ كَلبِهِ صُعلوكِ
أَصفَرَ مثل الذَّهبِ المَسْبُوكِ
ذي مُقلَةٍ قَلِيلِةِ الشُّكُوكِ
حَمّالِ أَوْزارِ الدَّمِ المَسفوكِ
وله أيضاً:
لَطَاَلَمَا نِمْتُ عن الصَّلاةِ
وقَدْ أَمِنتُ رَوْعةَ البَيَاتِ
بوزى يلاقي أوجُهَ العُداتِ
يَلقَاكَ جَوَّالٌ بشاهِقَاتِ
أَغضَفُ عَطَّافٌ على الأَصْوَاتِ
يَهْوِى هُوِىَّ الكَوْكَبِ المُنصَاتِ
مُيَمَّنُ السَّطْوةِ والشَّدَّاتِ
مُقتَدِرٌ منها على الأَقْواتِ
في هَبَوَاتٍ مُتَزَوْبِعَاتِ
يالّذَّتيِ فيك إلى المَمَاتِ
وله أيضاً:
يا أَيُّهَا الثَّعلبُ وَثْباً وَثبَا
تَأْبَى كِلابِى لك إِلاَّ حَرْبَا
إِنّ عَرُوساً مَلأَتْكَ رُعْبَا
كما رَأَيْتَ الكَوْكَبَ المُنصَبَّا
أَو عاصِفاً من الرِّياحِ هَبَّا
تَرَى لها إِذَا الطّرَادُ غَبَّا
طَرْفاً شَرَافِيّاً وخَدّاً شَطْبَا
وبُرْثُناً شَثْناً ومَتْناً رَحْبَا
يَقْطعُ أَمْراسَ القِيَادِ جَذْبَا
إِذَا اشرَأَبَّت مَرَحاً وشَغْبَا
لاصَقَ طُبْيَاهَا التُّرَابَ قُرْبَا
يا لَكَ كَلْباً ما ابتَغَيْتَ كَلْبَا
يَأْبَى فُؤَادِى لك إِلاَّ حُبَّا
ومن أحسن ما قيل في ذلك قول الحلبيّ:
ورَوْضَةٍ آزرَهَا ... طُبّاقُهَا وشَثُّهَا
стр. 99
واعْتَمَّ في أَرْجائِهَا ... جَثْجاثُهَا ورِمْثُهَا
واخْتَالَ في زَهْرِ الرَّبي ... ع سَهْلُها ووَعْثُهَا
للوَحْش فيها مَوْسمٌ ... طاَلَ لَدَيْه لَبْثُهَا
تَكادُ تَستخبِرُهَا ... أَمِلْكُهَا أَو إِرْثُهَا
تُبْدِى عُيوناً تَسْتَبِى ... خُنْثَ العُيُونِ خُنْثُهَا
جِئْتُ وقَد غُودرَ مِن ... قُمْصِ الدُّجَى أَرَثُّهَا
وللصَّبَاح سائقٌ ... وَرَاءَهَا يَحُثُّهَا
إِثْرَ سَحَابٍ قدْ تَلاَ ... مُرِذَّهَا مُلِثُّهَا
فالزَّهْرُ صَرعَى فيه كال ... أَبْكار حُمَّ طَمْثُهَا
أُزْجِى كأَمْثال الأُيُومِ نَهْسُهَاونَفْثُهَا
أَبعثُهَا تُدرِكُ ما ... يُدْرِكُ لَحْظِى بَعْثُهَا
مُنْقَضَّةً لبْثُ البُرُو ... ق في العِيَان لبْثُهَا
كأَنَّمَا أَذنابُها ... سِيَاطُهَا تَحُثُّهَا
كأَنّ مُنْبَتَّ الرِّيا ... ح في الفَلاَ مُنْبَثُّهَا
كَأَنَّهَا قَد أَقَسَمْ فمَا يَجُوزُ حِنْثُهَا
حتّى إِذا ما طاَلَ عَنْ ... أَرْوَاحِهنّ بَحْثُهَا
وضَمّ من أَقْطَارِهنّ ... مَكْرُهَا وخُبْثُهَا
ونَابَ عنْ نَبْثِ المُدَى ... في أُهْبِهنِّ نَبْثُهَا
اعْتَنقَتْ أَعْنَاقَهَا ... اعْتِنَاقَةً تَجْتَثُّهَا
كأَنّما جَاءَتْ ... بأَسْرَارٍ لهَا تَبُثُّهَا
فاقتُسِمَت أَشلاؤُهَا ... سَمِينُهَا وغَثُّهَا
للكَلْب ثُلْثَاهَا وما ... للقَوْم إِلاَّ ثُلْثُهَا
لَنَا اللُّحُومُ ولَهَا ... دِمَاؤُهَا وفَرْثُهَا
وقوله أيضاً:
يا رَوْضَةً صاغَ لهَا ... حُلِيَّها الأَشْرَاطُ
خِيطَتْ عَلَيْهَا حُلَلٌ ... ما خَاطَهَا خَيّاطُ
فبَعضُها مَطَارِفٌ ... وبَعضُها أَنْماطُ
كأَنّما غُدْرَانُها ... من حَوْلِهَا رِيَاطُ
للوَحْشِ في أَرجائِهَا ... قَبَائِلٌ أَخْلاطُ
وَافَت كَمَا تُوَافِى ... لِعيدِهَا الأَنبَاطُ
فنَاظِرٌ مِن سَبَجٍ ... أَحكمَهُ الخَرَّاطُ
ومُتَّقٍ بمِدْرَى ... كأَنّه خِيَاطُ
غَادَيْتُهَا ولم يُقِمْ ... أَعْلامَه الغُطَاطُ
بأَكلُب لو لَم تَطِرْ ... أَطارَهَا النَّشَاطُ
في ساعةٍ لأَدْمُعِ الْ ... مُزنِ بها انحِطَاطُ
تَمُدُّ طَوْراً شَخْصَهَا ... وتَارَةً تُمَاطُ
فجِئْنَ والطَّلُّ علَى ... آذَانِهَا أَقرَاطُ
قد نَحُفَت أَوْسَاطُهَا ... فمَا لَهَا أَوْسَاطُ
تَضْحَك عن مِثْل المُدَى ... وضِحْكُهَا اخِتلاطُ
حتَّى إِذا انشَقَّ لَها ... من فَجْرِها سِرَاطُ
وكادت الشَّمْسُ بأَط ... رافِ الدُّجَى تُمَاطُ
انبَسطَت كالشُّهب لا ... يُعْجِزُها انبِسَاطُ
كأَنَّهَا في صَفِّهَا ... أَنَامِلٌ سِبَاطُ
كأَنَّمَا أَذْنَابُهَا ... ثَمَّ لها سِيَاطُ
كأَنّمَا الأَكُفّ في ... رُؤوسها أَمْشَاطُ
كأَنَّمَا تَقتَتِلُ الْ ... أَرْجُلُ والآبَاطُ
فطَفِقَت والوَحْشُ في ... مَجَالِها يَشَاطُ
هذَا لِذَا عِقِالٌ ... وذا لِذا رِبَاطُ
نِيطَتْ بها دَاهَيةٌ ... مَسْكَنُهَا النِّيَاطُ
صَرْعَى تُشَقُّ قُمْصُهَا ... عَنَها ولا تُخَاطُ
وللناجم:
قد اغتَدِى واللَّيْلُ ذو أَوْضَاحِ ... قد شاع فيه لُمَعُ الصَّبَاحِ
стр. 100
بأَكلُبٍ في الضُّمْرِ كالقِدَاحِ ... بأَعْيُنٍ صادِقَةِ التَّلْماحِ
قُيودِ وَحْشِ الصَّفْصَفِ القِرْوَاحِ
كأَنَّما أُنِعلنَ بِالرِّياحِ
إِذَا نَحا الثَّلَّةَ مِنَها نَاحِى
رَأَيْتَهُ يَلعَبُ بالأَرْوَاحِ
وللفهميّ:
وَرَدْتُه بأَكلُبٍ كأَنّما ... أَدِيمُها قُدَّ مِنَ أحْدَاقِ المَهَا
كأَنّمَا غُرَوُهَا كَوَاكبٌ ... تَلوحُ في دَيجورٍ لَيْلٍ قد دَجَا
من كُلّ وَهْمٍ يَسبقُ الوَهْم إِذَا ... أَبصَرْتَه كالوَهْمِ من فرْطِ الوَحَى
ما البَرْقُ إلاّ وَتِداً إِذا عَدَا ... والرِّيحُ إِلاّ حَجَراً إِذا رَدَى
كأَنَّمَا أَيّامُنا من صَيْدِهَا ... أَيَّاُ تَشْرِيقٍ ورَبْعُنَا مِنَى
ولعبد الله بن المعتزّ في الكلب:
لَمَّا تَفرَّى أُفُقُ الضِّياءِ
وشَمِطَتْ ذَوَائبُ الظَّلْماءِ
قُدْنَا لعِينش الوَحْش والظِّباءِ
دَاهِيَةً مَحْذُورَةَ اللِّقَاءِ
تَحْمِلُها أَجْنِحَةُ الهَوَاءِ
تَسْتَلِبُ الخَطْوَ بلا إِبْطَاءِ
أَسْرع من جَفْنٍ إلى إِغضاءِ
ومُخْطَفاً مُوَثَّقَ الأَعْضَاءِ
خَالَفَهَا بجِلْدَةٍ بَيْضَاءِ
ذي مُقْلةٍ قَليلةِ الأَقْذاءِ
صافِيَةٍ كقَطْرَةٍ من ماءِ
آنَسَ بين الوَحْشِ والفَضَاءِ
أَحْوَى كظَهْر الرَّيْطةِ الخَضْراءِ
فيه مُسُوكُ الحيَّةِ الرَّقْطاءِ
كأَنَّهَا ضَفَائِرُ الشَّمْطاءِ
فصَاد قَبْلَ الأَيْنِ والإِعْيَاءِ
خَمْسينَ لم يَنقُصْنِ في الإِحْصَاءِ
وباعَنَا اللُّحُومَ بالدِّماءِ
وله أيضاً:
قَدْ أَغْتَدِى واللَّيْلُ كالغُرَابِ
مُلْقَى السُّدُولِ مُغْلَقَ الأَبْوابِ
حتَّى بَدَا الصُّبْحُ من الحِجَابِ
كشَيبَةٍ حَلَّتْ على شَبَابِ
بكَلْبَةٍ سَريعَةِ الوِثَابِ
تَفُوتُ سَبْقاً لَحْظَةَ المُرْتَابِ
لم يُدْمِ صَيْداً فَمُهَا بنَابِ
حِفْظاً وإِبْقَاءً على الأَصحابِ
وله أيضاً:
غَدَوتُ للصَّيْد بغُضْفٍ كالقِدَدْ
واللَّيْلُ قد رَقَّ على وَجْهِ البَلَدْ
وابْتَلَّ سِرْبالُ النَّسِيم وبَرَدْ
والفَجْرُ في ثَوْب الظَّلامِ يَتَّقِدْ
عَوَاصِفٍ مُنْتَهباتٍ للأَمَدْ
ما يَسْتَزدْها الشَّوْطُ من عَدْوٍ تَزِدْ
وتَقْتَضِى الأَرجُلُ والأَيْدِى تَعِدْ
لَمّا عَدَون وغَدَتْ خَيْلُ الطَّرَدْ
أَبْرَقَ بالرَّكْض الفَضَاءُ ورَعَدْ
وقامَ شَيْطَانُ الحَريصِ وقَعَدْ
وطَارَ نَقعٌ في السَّمَاءِ ورَكَدْ
كأَنّه مُلاءُ غَسّالٍ جُدُدْ
يَنْشُرُها السَّهْلُ ويَطْوِيها الجَدَدْ
مثْلُ القَريبِ عنْدَهَا ما قد بَعُدْ
وله أيضاً:
قد أَغْتَدِى بين الدُّجَى والنُّورِ
بضُمَّرٍ لَطائفِ الخُصورِ
تَمْرَحُ في الأَطْوَاق والسُّيُورِ
تُدْنِى وَرَاءَ القَنَص المَذْعورِ
تَسْمِيَةَ اللهِ من التَّكْبيرِ
وله أيضاً:
وكَلْبَةٍ غَدَا بها فِتْيَانُ
أَطْلَقَهم من يَدِهِ الزّمانُ
كأَنّهَا إِذا تَمَطَّتْ جانُ
أَو صَعْدَةٌ وخَطْمُهَا السِّنَانُ
والنَّجْمُ في مَغْرِبه وَسْنَانُ
والصُّبْحُ في مَشْرقهِ حَيْرانُ
كأَنّه مُضْطَجِعٌ عُريانُ
ونَجَمَتْ لحَيْنَها غِزْلانُ
فأَخذَتْ ما أَخَذَ العِيَانُ
وله أيضاً:
وكَلْبةٍ لمْ يُرَ وَقْتُ شَدِّهَا
قَطُّ إِذا ما أُطْلِقَتْ من عقْدِهَا
خُضْتُ بِهَا لَيْلاً يُرَى كجِلْدِهَا
كأَنَّه استعارَ لَوْنَ بُرْدِهَا
أَفْقَدَني الرّحمنُ يَوْمَ فَقدِها
وله أيضاً:
لَمَّا غَدَوْنَا والظَّلامُ قَدْ وَهَى
قُدْنَا لغِزْلان الدُّجَيل والمَهَا
ضَوَامِراً تَحْسَبُهُنَّ نُقَّهَا
يَصِدْنَ للغَادِى بِهِنَّ ما اشْتَهَى
وما انْتَهَت قطُّ به حيثُ انْتَهَى
стр. 101
فكلُّ ما شاءَتْ من الصِّيْدِ لَهَا
وله أيضاً:
تَخَالُهَا في حَلَقِ الأَطْوَاقِ
ضَوَاحكاً من سَعَةٍ الأَشْدَاقِ
ولغيره:
تَفُوتُ خُطَاهَا الطَّرْفَ سَبْقاً كأَنّهَا ... سهَامُ مُغَالٍ أ! ورُجُومُ الكَوَاكبِ
كأّنّ بَنَاتِ القَفْرِ حينَ تَفَرَّقَتْ ... غَدَوْن عليها بالمَنَايَا الشَّوَاعِبِ
واجتاز الحسن بن عبيد الله ببعض الجبال، فأثار الغلمان خشفاً، فالتقفته الكلاب، فقال المتنبيّ وهو في أفواهها:
وشامخٍ من الجبال أَقْوَدِ
يُسارُ من مَضِيقِه والجَلْمَدِ
في مثْلِ مَتْنِ المَسَدِ المُعَقَّدِ
زُرْناهُ للأَمْرِ الّذي لم يُعْهَدِ
للصَّيْد والنّزهةِ والتَّمرُّدِ
بكُلّ مَسْقِىِّ الدِّماءِ أَسْوَدِ
مُعَادوٍ مُقَوَّدٍ مُقَلَّدِ
بكُلِّ نابٍ ذَربٍ مُحَدَّدِ
على جِفافيْ حَنَك كالمبْرَدِ
كطالبِ الثّأْرِ وإِنْ لم يَحْقِدِ
يقْتُلُ من يقْتُلُه ولا يَدِى
يَنْشُدُ من ذَا الخشْف ما لم يفْقدِ
فثَارَ مِن أَخضرَ مَمْطورٍ نَدِى
كأَنّه بَدْءُ عِذَار الأَمْرَدِ
فلم يكَدْ إِلاّ لحَتْفٍ يَهْتَدِى
ولم يَقَعْ إلاّ عَلَى بطْنِ يدِ
وفي الكلاب
نَجنُبُ جِنّاناً سَلُوقِيّةً ... تَفُوتُ أَوْهَاماً وأَبْصارَا
من كُلِّ حَسْنَاءَ طِرَازيّةٍ ... تُعَرِّقُ الأَرْنَبَ إِحْضَارَا
كأَنّنَا في وَقْتِ إِرسالَها ... نُشْعِلُ في أَعْطافهَا نَارا
تَمُدُّ مَتَنَيْن أُمِرَّا كمَا ... قَرَنْتَ بالطُّومارِ طُومَارَا
كأّنّها صائمةٌ أَقسمَتْ ... أَن تجْعل الأَرْنَبَ إِفْطارَا
وبُوزجاً أَتعبَ في يَوْمه ... ذاكَ خَيَاشِيماً وأَظْفَارَا
ما عايَنَ البُنّج مُسْتَرْوِحاً ... إِلاّ خَلاَ بالتَّيْسِ حَقّارَا
ولعليّ بن العباس في الصَّيد بالكلب والطَّست:
لمّا دجَا اللَّيْلُ ولاَحتْ أَنجمُهْ
وحاصَرَتْ ضَوءَ الهلالِ طُلَمُهْ
في مَحْبسٍ عن الجَهُولِ أَكتُمُهْ
وخَيَّمَتْ في كُلَّ وادٍ خِيَمُهْ
فَهْوَ مٌقيمٌ ليس تَخْطُو قَدَمُهْ
هِجْنَا بكَلْبٍ وبطَسْتٍ يَقْدمُهْ
ذات حُلِىٍّ صاغَه مُنَمْنِمُهْ
يَضْربُهَا حامِلُها وتَلْزَمُهْ
كأَنَّهَا معشوقَةٌ تُكلِّمُهْ
بضَجّةٍ لِسَانُهَا ما يَفْهَمُهْ
يَحْكِى لِسَانَ الزُّطِّ لَوْ تُتَرْجِمُهْ
يَشْغَلُ آذَانَ الوُحوشِ نَغَمُهْ
حتَّى تَرَاهَا وُقّفاً تَسَفْهمُهْ
والكَلْبُ يَدْرِيه وما يَسْتعَجِمُهْ
حتَّى إِذا مالَ بنا تَقَحُّمُهْ
في سَبْسَبٍ وَعْرٍ كَثيرٍ أُكُمُهْ
يُلاعِبُ الأَكْحَلَ فيه أَرْثَمُهْ
ويَلْتَوِى على الشُجَاعِ أَرْقَمُهْ
تَنَشَّقَ الرِّيحَ فزَادَ قَرَمُهْ
واحْتَالَ واسْتَرْوَحَ ممَّا يَكْظِمُهْ
وحَفَرَ الأَرْضَ بشَمٍّ مخْطِمُهْ
وجذَبَ القَائدَ جَذْباً يُؤْلِمُهْ
فقَوَّمَ الضَّوْءَ له مُقَوِّمُهْ
كيْلا تَطِيشَ نَبْلُهُ وأَسْهمُهْ
فانْساب كالفهْد إلى ما يَغْنَمُهْ
شَدًّا وما هاهَا به مُعلِّمُهْ
فعَانقَ الصَّيْدَ وبات يَلْثَمُهْ
لوْ لمْ تَكُنْ أَنْيَابُهُ تَخْتَرِمُهْ
فلوْ تَرَانَا حَوْله نُعظِّمُهْ
ومن بَقايَا أَكْلِه نَستَطْعِمُهْ
كأَنّه وَالٍ ونحْنُ خَدَمُهْ
لقُلْتَ هذا ما يَضِيعُ حَشَمُهْ
مَا سَاعدَتْهُ باتِّصَالٍ عتَمُهْ
في الفهود
قال أبو نواس في فهدةٍ:
قد أَغتدِى والشَّمْسُ في حِجَابها
مَستورةٌ لم تَبْدُ من جِلْبابِهَا
لم يَقْطَع اللَّيْلُ عُرَا أَطنابِهَا
مثْل الكَعَابِ الرُّودِ في نِقَابِهَا
في فِتْيَةٍ لا مَذْقَ في أَحْسَابِهَا
مَعروفَةٍ بالفَضْل في آدَابِهَا
بفَهْدةٍ بُورِكَ في جَلاَّبِهَا
سُقْياً لَها وللّذى غَدَا بِهَا
стр. 102
رَاكَبةٍ تخْتَال في رِكَابِهَا
تَرْنُو بعَيْنٍ خِلْتَ في أَثْقَابِهَا
ضِرَامَ نَارٍ طَارَ من لُهَابِهَا
كأَنَّمَا النُّمْرَةُ في اغْترابِهَا
رقْمُ دَيَابِيجٍ علَى أَثْابِهَا
مُخْطَفة الكَشْحَيْن في اضطرابِهَا
كأَنَّهَا القَنَاةُ في انْتصابِهَا
والحَيّةُ الرَّقْطاءُ في انْسيابِهَا
وسُرْعَةُ العُقَاب في انْصبابِهَا
وتارَةً كاللَّيْث في وِثَابِهَا
مُعْفِيَة السَّائسِ من عِتَابِهَا
نَزّاهَةٌ لَفْسِهَا عن عابِهَا
فأَبْصرَتْ من حيْثُ أَمَّمْنَا بِهَا
عُفْرَ الظِّبَاءِ وَهْي في أَسْراَبِهَا
تَرتَعُ في المَرْتَعِ من جَنَابِهَا
ثُوَانِىَ الأَجْيَادِ من رِقَابِهَا
فأَقْبَلَتْ تَمْرَحُ في جِذَابِهَا
حتّى إِذا ما أَكْثرَتْ رَمَى بِهَا
فذَهَبتْ تَنْسَلُّ في طِلاَبِهَا
تَأْكلُ وَجْهَ الأَرض في ذَهَابِهَا
فلوْ تَرَى الفَهدَةَ في الْتهَابِهَا
وشِدّةِ الغَلوِ إِذا اغْلَوْلَى بِهَا
في نأْيِهَا عَنهنّ واقتِرابِهَا
تكَادُ أَن تَخرُجض من إِهَابِهَا
فالوَيْلُ منهُنّ لمَن يَصْلَى بِهَا
إِذ أَدْرَكَتُهنَّ بلا إِتعَابِهَا
فأَقبَلَتْ حَطْماً على أَصْلابِهَا
وعَرَّضَتْهنّ على عَذَابِهَا
بَيْنَ شَبَا مْخْلَبِهَا ونَابِهَا
يا حُسْنَ بَهنَانَةَ في احتضابِهَا
من صَائكِ الأَوْدَاجِ وانشِخابِهَا
فلوْ تَرَاهَا وهْيَ في انكبابِهَا
من نَهسِهَا للَّحم واسْتلاّبِهَا
كُلُّ يَفَدِّيها لَدَى إِيابَهَا
ولَذّةٍ ونَعمَةٍ تَغْنَى بِهَا
بَيْنَ قُدورٍ جَمَّةٍ نُؤتَى بِهَا
وبَيْنَ خامِيزٍ ومِن كَبَابِهَا
عَطيّة من رَبِّنَا وَهَّابِهَا
وله أيضاً في فهدٍ:
قد أَغتَدى واللَّيْلُ أَحْوَى السُّدِّ
والصُّبْحُ في الظِّلمَاءِ ذو تَبَدِّى
مثل اهْتزَازِ العَضبِ ذي الفِرِنْدِ
بأَهْرَتِ الشِّدْقَين مُرْمَئدِّ
أَزْبَر مَطْوىّ المَطَاععِلِّكْدِ
طاوِى الحَشَا في طَىِّ جِسْمٍ مَغْدِ
كَرّ الرِّوَا جَمِّ غُضُونِ الجِلْدِ
دُلاَمِزٍ ذي نَكَب مُسْوَدِّ
وشَجْرِ لَحْيَيْن ونَحْرٍ وَرْدِ
كاللَّيْثِ إلاّ نُمْرَةً في الجِلْدِ
للشِّبَحِ الجائلِ مُستَعدِّ
آنَسَ قَبْل النَّظَرِ المُرْتَدِّ
على قَطَاةِ الرِّدفِ رِدْفِ العَبْدِ
سِرْبَيْن عَنّا بجَبِينٍ صَلْدِ
فانْقَضَّ يأْدُو غَيْرَ مُجْرَهِدِّ
بلَهَبٍ منه وخَتْلٍ إِدِّ
مثْل انْسيَابِ الحَيّةِ العِرْبِدِّ
بكُلّ نَشْزٍ وبكلّ وَهْدِ
حتّى إِذا كَان كماهِ القَصْدِ
صَعْصَعَهَا بالصَّحْصَحَانِ الجُرْدِ
وعَاثَ منْهَا بقَرِيعِ الشَّدِّ
بَينَ شَريجَىْ طَمَعٍ وحَرْدِ
لا خَيْرَ في الصَّيْدِ بغير فَهْدِ
وله أيضاً فيه:
وليسً للطُّرَّاد إلاّ فَهْدُ
كأَنّمَا أَلْقَتْ عليه الكُرْدُ
من خُلْقِهَا أَو وَلَدتْهُ الأُسْدُ
وله أيضاً:
جاءَ مُطِيعاً بمُطَاوِعَاتِ
عُلِّمْنَ أَو قَد كنَّ عالمَاتِ
تُرِيكَ آمَاقاً لها مُخَطَّطاتِ
سُوداً على الأَشْدَاقِ سائلاتِ
تُلْوِى بأَذنابٍ مُعَقَّفَاتِ
عَلَى ظُهُورِ الخَيْل مُرْدَفَاتِ
حتّى إِذا كنّ على المَجْرَاةِ
حَيْثُ تظُنّ الوَحْشَ آخِذَاتِ
وهُنّ في الأَدْغَالِ كَالِحَاتِ
طَوَامِحَ الأَبْصَارِ شاخِصاتِ
على البُطُونِ مُتَبطّحاتِ
ثُمّ حَدَوْنَا الوَحْشَ مُقْبِلاتِ
فوَاثَبَتْهنّ مُشَمِّرَاتِ
وَثْبَ الشَّياطينِ المُسلَّطَاتِ
فَلَوْ تَرَى الوُحُوشَ مُجْجَعَاتِ
مِنْ بعْدِ ما قدْ كُنَّ رَاتِعاتِ
ما أَقْرَبَ المَوْتَ من الحَيَاةِ
ولعبد الصَّمد بن المُعَذَّل في فَهدَة:
كأَنّهَا والخُزْر من حِدَاقِهَا
والخُطَطُ السُّود على أَشداقِهَا
تُرْكٌ جَرَى الإِثمدُ في آماقِهَا
стр. 103
بَاتَتْ إلى الصَّيْدِ مِن اشْتِياقِهَا
كأُسْرَاءِ العُجْمِ في أَرْفَاقِهَا
تَهْوِى هُوِىَّ الرّيحِ في إِرْشاقِهَا
أَمَا رأَيْتَ النَّارَ في إِحْرَاقِهَا
وَلَمْعَةَ البارِقِ في ائْتِلاقِهَا
ولابن طباطبا العلويّ:
لَهَوْتُ فيه بصَوْتِ راكبَةٍ ... نازِلةٍ وَقْتَ كلِّ إِيمَاءِ
تُرْكِيَّة الوَجْهِ حينَ تَنْعَتُهَا ... رُوميّةِ المُقْلتَيْن كَحْلاءِ
أَبْرَزَهَا الحُسْنُ في مُشَهَّرَةٍ ... قد فُوِّفَتْ مثْل بُرْدِ صَنْعَاءِ
كأَنّمَا شَبَّكَ الإِلهُ بهَا ... ظُلْمَةَ ليْلٍ بشَمْسِ إِمساءِ
حتّى إِذا حِيشَت الظِّبَاءُ بهَا ... أُوذِنَ منها بوَشْكِ إِقْنَاءِ
وخَاتلَتْ عند ذَاك مُرْدِفَهَا ... سارِقةً نَفْسَهَا بإِخفاءِ
تُرَاقِبُ الوَحْشَ في مَرَاتِعِهَا ... بعَيْنِ وَاشٍ ورعْىِ حِرْباءِ
طالبَةٍ صَيْدَها على حَنَقٍ ... بجدِّ شَدٍّ لها وتَعْدَاءِ
شَفيقَةٍ بَعْدَ ذَاك تَحفَظُهُ ... من غير كَلْمٍ له وإِيْذاءِ
كأَنّما الظَّبْىُ وَهْو في يَدِهَا ... أُعْقِبَ من سُخْطِهَا بإِرضاءِ
أُبْنَا بهَا والظّباءُ مُوقَرَةٌ ... تَفُوتُ عَدِّى لَها وإِحْصَائى
أَسيرَةٍ في الوثَاق طَالبَةٍ ... بغَيْرِ وِتْرٍ لغَيْر أَعداءِ
ولشرشير الحدلي في الفهد:
وأَنْمرَ مَوْشىِّ القَمِيصِ مُوَلَّعٍ ... كأَنّ عليه منه رَقْماً مُوَشَّمَا
مُفْتَّلِ عَضْدَىْ سَاعِدَيْه كأَنّما ... أُغِيرَا بقِدٍّ ثُم شُدَّا فأُبْرِمَا
ونِيطَتْ فُضُولُ السّاعدَيْن فأُلْحِمَتْ ... برُسْغَيْن لُزَّا بالوُصُول فأُلْحمَا
وقد أُنْشِرَا عن بُرثُنَيْنِ مُزَيَّلٍ ... لُحُومُهما شَثْنَيْنِ لُمَّا وسُنِّمَا
تَكنَّفْنَ أَظْفاراً كأَنّ حُجُونَهَا ... حُجُونُ الصَّيَاصِي أَعْجزَتْ أَن تُقلَّمَا
بعَيْنَيْن لو يُدْنَى إِلى قَبَسَيْهِمَا ... ذُبَالٌ تَذَكَّى منْهما وتَضَرَّمَا
ونَابَيْن لوْ يَسْطُو الزّمانُ على الوَرَى ... بحَدَّيْهما كان الحِمَامُ مُقَدَّمَا
وشِدْقَيْن كالغَارَيْن يَلْتَهِمان ما ... من الرُّبْدِ والخُنْسِ الأَوَابِد أُلْهِمَا
فعلَّمتُهُ الإمِمساكَ للصَّيْدِ بعدَمَا ... يَئِستُ لجَهْلِ الطَّبْعِ أَن يَتَعَلَّمَا
فجَاءَ على ما شِئْتُهُ ووَجَدتُهُ ... مُحِلاًّ لما قد كان من قَبلُ خُرِّمَا
إِذَا ما غَدَوْنَا نَبْتغِى الصَّيْدَ أَسمَحَتْ ... لنا نَفْسُهُ أَلاَّ تُرِيقَ له دَمَا
ولا يَتَوَلَّى منه إِرْهَاقَ نَفْسِه ... ولكنْ يُؤَدِّيه صَحيحاً مُسَلَّمَا
يَرُومُ لنَا في ذاك سَمْعاً وطَاعَةً ... حِفَاظاً على ذِمَّاتنا وتَذَمُّمَا
فيَكْفِيه من إِحضارِه وَثَبَاتُهُ ... ومِن رَوَعَاتِ الصَّيْد أَن يتجَّهمَا
فلَسْنَا نَرُدُّ الطَّرْفَ إِلاّ بأَن نَرَى ... لقَبْضَتِه في جُثَّةِ الصَّيْد مِيسَمَا
كأَنّ إله الخَلْقِ أَصْفَاهُ رِقَّةَ ... وحَكَّمَةُ في نَفْسِه فتَحَكَّمَا
ولعبد الله بن المعتزّ في فهدة:
ولا صَيْدَ إلاّ بَوثّابَةٍ ... تَطِيرُ على أَربَعٍ كالعَذَبْ
تَضُمُّ الطَّرِيدَ إِلى نَحْرهَا ... كضَمِّ المُحِبَّة مَن لا تُحِبّ
إِذا ما رَأَى عَدْوَهَا خَلْفَهُ ... تَنَاجَتْ ضَمَائرُهُ بالعَطَبْ
لَهَا مَجْلِسٌ في مَكَان الرَّديفِ ... كتُرْكيَّةٍ قد سَبَتْهَا العَرَبْ
стр. 104
ومُقْلَتُهَا سائلٌ كُحْلُهَا ... وقد حُلِّيَتْ سَبَحاً في ذَهَبْ
فظَلَّتْ لُحُومُ ظبَاءِ الفَلاَ ... على الجَمْرِ مُعْجَلَةً تُنْتَهبْ
وله أيضاً في فهد:
قد أَغتدِى قبْلَ الغُدُوِّ بغَلَسْ
وللرِّياضِ في دُجَى اللَّيْلِ نَفَسْ
حتَّى إِذا النَّجْمُ تَدَلَّى كالقَبَسْ
قامَ النَّهَارُ في ظَلاَمٍ قد جَلَسْ
بلاحِقِ الوَثْبَةِ مُمْتَدِّ النَّفَسْ
نِعْمَ الرَّديفُ رَاتِباً فوقَ الفَرَسْ
يَنْفِى القَذَى عن مُقْلَة فيها شَوَسْ
كالزُّلَم الأَصفرِ صُكّ فانْمَلَسْ
لمّا خَرَطْنَاه تَدَانَى فَانْغَمٍ
إِذا غَدَا لم يُرَ حتَّى يفْتَرِسْ
وله أيضاً في الفهود:
أَنعتُهَا تَفْرى الفَضَاءَ عَدْوَا
نَوَازِياً خَلْفَ الطَّريدِ نَزْوَا
لا تُحِسنُ القُدْرَةُ منه عَفْوَا
قد وَجَدَتْ طَعْمَ الدِّمَاءِ حُلْوَا
وقلت في فهد:
ورَوْضةٍ باتَ الحَيَا بَها لَهِجْ
بَكَى على مِيثِ ثَرَاهَا ونَسَجْ
دَمْعاً أَعَادَ منْهُ حَيًّا ما دَرَجْ
فشَقَّقَتْ بُطُونَ أَصدافٍ نُتُجْ
عن دُرَرِ الغَوَّاص ذي القَلْبِ الثَّلِجْ
باكَرْتُهَا والصُّبحُ مفْتُوحُ الرِّيَحْ
واللَّيْلُ في جَيْشِ الظّلامِ مُدَّلِجْ
بأَفْطَسٍ أَرْقَشَ مَحْبُوكٍ شَنِجْ
إِذَا رَأَى العُفْرَ ولم يُؤْسَدْ يَهِجْ
إِلاّ يَصِدْ عَشْراً تِبَاعاً لا يَعْجْ
يَعُومُ من غُبَارِهنّ في لُجَجْ
بينَا تَرَاهُ قَامِساً حتّى خَرَجْ
ما تُبْصر العَيْنَان منه إِن مَعَجْ
إِلاَّ كَمَا عَايَنَتَا البَرْقَ اخْتَلَجْ
يَفْغَرُ عن مثْلِ المُدَى لم تَنْفَرِجْ
وفيها:
كأَنّه للحِقْدِ مَوْتورٌ حَرِجْ
يَنظُرُ من جَمْرٍ ويَشْحَى عن زَجَجْ
يُعمِلُ عَشْراً مُوثَقاتِ تَعْتَلِجْ
حُجْناً متَى تَقْبِضْ على الصَّخْرِ تَشُجْ
ثُمَّ انْثَنَى يَسْحَبُ رُمْحاً لم يُزَجْ
أَعُرَج للنَّخْوةِ مِنْ غَيْرِ عَرَجْ
يَرْفُل في دِيبَاجَة لم تُنْتَسَجْ
وَشْياً كمَا رُصِّعِ في العَاجِ السَّبَجْ
يا حُسْنَه في سُخْطِه إِذا سَمُحْ
وفيها في وصف ظبيٍ صاده:
عنّ له أَجْيَدُ أَحْوَى في بَرَجْ
يُغْضِى على سِحْرٍ ويَرْنُو عن دَعَجْ
مُتَوَّجٌ كمَا يُرَى عَقْدُ الأَزَجْ
بأَسْحَمٍ فيه انْحناءٌ وعَوَجْ
مُذَلَّقُ الإِبْرَةِ مَفتولُ الدَّرَجْ
كأَنّه خَرْطُ هِلالٍ مِن سَبَجْ
يَخْتَالُ في مِشْيَتِه إِذا هَدَجْ
بأَرْبعٍ مُرْهَفَةِ الخَلْقِ خُلُجْ
فيها ثَمَانٍ حُذِيَتْ حّذْوَ السُّرُجْ
مَقْدودةٌ خُضِبنَ حِنّاءَ الدُّلَجْ
كأَنّمَا خاضَ مِدَاداً قد مُزِجْ
دُوِّج غَيْماً فوقَ ظَهْرٍ مُنْدَمِجْ
حَتَّى إِذا أَفْضَى إلى البَطْنِ انْفَرَجْ
منها عن الشَّمْس ولكِنْ لا وَهَجْ
مُعَلَّقُ اللِّحيَةِ من فَوْق الشِّرَجْ
كأَنَّهَا مِكْنَسةُ العِطْرِ الأَرِجْ
يذب عن قمراء مطمار الردج
بمِثْلِ قَيْدِ الفِتْرِ نَضْنَاضٍ مِلَجْ
مِثْل لِسَانِ الأُفْعُوانِ المُخْتلجْ
وفيها:
آمَن ما كان معَ الإِجْلِ الدُّعُجْ
ولم يُرَعْ في سِرْبِه ولم يُهَجْ
عانَقَه ثَبْتُ الجَنَانِ والحُجَجْ
عِنَاقَ لا صَبَابَةٍ ولا بَهَجْ
صاغَ له قِلادَةً من الوَدَجْ
ولأحمد بن محمّد الضَّبّىّ في فهد الذِّبَّان:
أَعجَبُ مُسْتَفَادٍ ... أَفَادَنِى زَمَانِى
من الفُهُود فَهْدٌ ... في الاِسم لا العِيَانِ
تِلْك ذَوَاتُ أَرْبَعٍ ... وذاك ذو ثَمانِ
كأَنّما أَرْجُلُه ... مَخَالِبُ النِّغْرَانِ
سَيفاهُ سَيفَا فِيلٍ ... والدِّرْعُ دِرْعُ جَانِ
مُستأْنِسٌ ما إِن يَنِى ... والإِنْسُ في مَكَانِ
وصائِدُ وهو من الصّائدِ في أَمَانِ
стр. 105
ذُبَابَةٌ في كَفِّه الطّبَّارُ مثلُ العانِى
وليس يَبْغِى بدلاً ... بطَائِرِ الخَوَانِ
إِذا دَنَا فلم يَكُن ... بينَهما عَقْدَانِ
عَانَقَهُ أَسْرَعَ من ... تَعانُقِ الأَجْفَانِ
بخِفَّةِ الوُثُوبِ بَلْ ... بجُرْأة الجَنَانِ
فهْوَ عَزِيزٌ عِزّهُ في غَايَةِ الهَوّانِ
في البزاة
وفيها أربع لغاتٍ: يقال بازٍ وبازٌ وبازىٌّ وبازىءٌ والبازى أذكى الجوارح فؤاداً، وأسرعها انقياداً، وأحسنها منظراً، وأكرمها مخبراً، وآلفها للناس، وأسرعها إلى الاستئناس.
قال أبو نواس في بازىٍّ:
قد أَغتدِى والليلُ في الدَّيَاجِى
قبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ بانْبِلاجِ
في فِتْيَةٍ سَرَّهُمُ إِدْلاَجِى
ببَازىءٍ صِيدَ على ابْتِهَاجِ
كُرَّزُ عَامٍ جاءَ من منهاجِ
أَلْبَسهُ وَشْياً بلا نَسّاجِ
مُنَقَّطِ ناظِرُهُ بزَاجِ
تَخالُه يَنْظُرُ من سِرَاجِ
ومِنْسَرٍ يُشْرِف باعْوِجاجِ
تَخَالُه صُدْغاً على مِغْناجِ
زَرْفَنَهُ إِذ قَام للمِزَاجِ
في وَجْنَةٍ تَبْرُقُ مثل العَاجِ
حَلَلْتُ سَيرَتْهِ كفِعْل الرَّاجِى
ثُمَّ دَعَوْتُ دَعْوةَ المُنَاجِى
فمَرَّ كالبَرْقِ بلا انْعِرَاجِ
فصَادَ خَمسينَ من الدُّرَّاجِ
وله أيضاً:
ولقَدْ غَدَوتُ بدَسْتُبَانٍ مُعْلَمٍ ... صَخِبِ الجَلاَجِلِ في الوَظِيفِ مُسبَّقِ
حُرٍّ صَنَعناهُ لتُحسِنَ كَفُّه ... عَمَلَ الرَّفِيقةِ واسْتلابَ الأَخْرَقِ
يَجلُو القَذَى بعَقِيقَتَيْن اكْتنَّتَا ... بذُرَا سَلِيمِ الجَفْنِ غَيْر مُخَرَّقِ
أَلقَى زَآبِرَهُ وأَخْلَقَ بِزَّةً ... كانَتْ ذَخِيرَةَ صانِعٍ مُتَنَوِّقِ
فكأَنَّه مُتَدَرِّعٌ دِيبَاجةً ... عن قالِصِ التُّبّانِ غَيْر مُسَوَّقِ
فإذا شَهِدْتَ به الوَقِيعَةَ أَقْلَعَتْ ... عنه الغَيَابَةُ وهو حُرُّ المَصْدَقِ
وله أيضاً:
قد أَسْبِقُ القَارِبَة الجُونَا ... من قَبْلِ تَثوِيبِ المُنَادِينَا
بكُلّ معرُوفٍ بأَعْرَاقِه ... على عُيُونِ الأَرْمَنِيِّينَا
رَبِيتِ بَيْتٍ وأَنِيسٍ ولم ... يَرْبَ برِيشِ الأُمّ مَحْضُونَا
كُرَّزِ عامٍ صَاغَه صائِغٌ ... لمْ يَدَّخِرْ عَنْهُ التَّحَاسِينَا
أَلبسَهُ التَّكْرِيزُ من حَوْكِه ... وَشْياً على الجُؤْجُؤِ مَوْضونَا
له حِرَابٌ فَوق قُفّازهِ ... جَمَّعْن تأْنِيفاً وتَسْنِينَا
كلُّ سِنَانِ عيجَ من صَدْرِه ... تَخالُ مَحْنَى عَطْفِهِ نُونَا
ومِنْسَرٍ أَكْلَفَ فيه شَغاً ... كأَنَّه عَقْدُ ثَمَانِينَا
ومُقْلَةٍ أُشرِبَ آماقُها ... تِبْراً يَرُوقُ الصَّيْرَفيِّينَا
نُرْسِلُ منه عندَ إِطلاقِه ... أُمَّ مَنَايَا ودُرَخْمِينا
دَاهِيةً تَخْبِطُ أَعْجازهَا ... خَبْطاً يُحَسِّيها الأَمَرِّينَا
يحْمى عليها الجوّمن فوقِهَا ... حِيناً ويُعْرِيهَا أَحايِيْنَا
وهُنّ يَرْفعْن صُرَاحاً كما ... جَهْوَرَ في الشِّعب المُلَبُّونَا
فمُقْعَصٌ أُثْبِتَ في سَحْرِه ... وخاضِبٌ من دَمِهِ الطِّينَا
أَعْطَى البُزَاةَ اللهُ مِن قَسْمِه ... ما لمْ يُخَوِّلْهُ الشّوَاهينَا
وله أيضاً:
لَمّا رَأَيتُ اللَّيْلَ قد تَشزَّرَا
عنّى وعنء مَعْرُوفِ صُبْحٍ أَشْقَرَا
كَسَوتُ كفِّى دُسْتُباناً مُشْعَرَا
فَرْوَةَ سِنْجَابٍ لُؤَاماً أَوْبَرَا
تَقِى بَنَانَ الكَفِّ أَلاّ يَخْصَرَا
وَغَمْزَةَ البازِى إِذا ما طَفَرَا
أَبْرَشَ بُطْنَانِ الجَنَاحِ أَقْمَرَا
أَرْقَطَ ضاحِى الدّفَّتَينِ أَنْمَرَا
كأَنّ شِدْقَيْه إِذا تَضَوَّرَا
стр. 106
صُدْغانِ من عَرْعَرَةٍ تَفَطَّرَا
كأَنّ عَيْنَيْه إِذا ما اتَّأَرَا
فَصَّان قِيضَا من عَقِيقٍ أَحْمرَا
في هَامَةٍ عَلْيَاءَ تَهْدِى مِنْسَرَا
كعَطْفَةِ الجِيم بكَفٍّ أَعسَرَا
فالطَّيْرُ يَلْقَيْنَ مُلَقًّى مِدْسَرَا
مَشْقاً هذَاذَيْهِ ونَهْساً نَهْسَرَا
قوله صدغان من عرعرةٍ من قول علقمة بن عبدة حين وصف الظّليم فقال:
فُوهُ كشَقِّ العَصَا لأْياً تَبَيَّنُهُ ... أَسَكُّ ما يَسْمَعُ الأَصْوَاتَ مَصْلومُ
وقد جوَّده أبو نواس.
وله أيضاً:
أُطْرِيكَ يا بَازِيَنَا وأُطْرِى
أَقمَرَ من ضَرْبِ بُزَاةٍ قُمْرِ
يَصْقُلُ حِمْلاّقاً سَرِيعَ الطَّحْرِ
كأَنّه مُكْتَحِلٌ بتِبْرِ
في هَامَةٍ لُمَّتْ كلَمِّ الفِهْرِ
يُرِيحُ إِن أَراحَ لا مِنْ بُهْرِ
مِن منْخرٍ رَحْبٍ كعَقْدِ العَشْرِ
وجْؤْجُؤٍ كالحَجَرِ القَهْقَرِّ
في مَنْسِرٍ أَقنَى رُحَابِ الشَّجْرِ
شَثْنِ سُلاَمَى الكَفِّ وَافِى الشِّبْرِ
أَخْرَقَ طَبٍّ بانتزاعِ السَّحْرِ
فلِلْكَرَاكِىِّ بكُلّ وَتْرِ
وَقَائِعٌ من عَنَتٍ وأَسْرِ
وله أيضاً:
قَد أَغتدِى واللَّيْلُ في حِجَابِهِ
بكُرّزِىٍّ صادَ في شَبَابِهِ
بأَحْجَنِ الكَفّ إِذا افْتَلَى بِهِ
كأَنَّ صَوْتَ الحَلْقِ إِذ صَأَى بِهِ
تَأَوُّهُ الشاكِى لِمَا أَمَسَى بِهِ
فانفض كالجلمود إذا رمى به
فقَلَبَ النَّيْزَكَ في انْقلابِهِ
فما يَزَالُ خَرَبٌ يَشْقَى بِهِ
مُنْتَزَع الفُؤادِ من حِجَابِهِ
يَنْزُو وقدْ أَثْبَتَ في إِهابِهِ
مَخَالِباً يَنْشبْنَ من إِنشابِهِ
مثْل مُدَى الفَرَّاءِ أَو قَصَّابِهِ
يَخِرُّ للأَنْفِ إذا كبَا بِهِ
وله أيضاً:
قد أَغتدِى والشمسُ لم تَرَحَّلِ
بأَحْجَنِ الأَنْفِ كَمِىٍّ أَكْحلِ
كأَنّمَا في الدَّسْتبَانِ المُدْخلِ
منه إذا ضمّ مَوَاسِى الصَّيْقَلِ
فقُلْتُ للسّائِس شَمِّرْ أَرْسِلِ
فقال إِذْ أَرسلَه إِيهٍ قُلِ
وله أيضاً: لمّا رأَيْتُ اللَّيْلَ قد تَحسَّرَا
نَبَّهتُ خِرْقاً لم يَكنْ عَذَوَّرَا
أَبْلَجَ فَضْفَاضَ القَمِيصِ أَزْهَرَا
سَقاهُ كَفُّ اللَّيْلِ أَكْوَاسَ الكَرَى
فقَامَ واللَّيْلُ يُبَاهِى السَّحَرَا
منه ومَا الْتَاثَ وما تَنَظَّرَا
بأَسْفَعِ الخَدَّيْنِ طاوٍ أَمعَرَا
عَارِى الظَّنَابِيبِ إِذا تَغَشْمَرَا
فصَادَ في شَوْطَيْهِ حتّى أَظْهَرَا
خَمْساً وعِشرينَ وخَمْسَ عَشَرَا
فكَمْ تَرَى مِن خَرَبٍ مُعَفَّرَا
أَنْحَى له مَخَالِباً ومِنْسَرَا
ثُمَّتَ راحَ سامِياً مُصَدَّرَا
تَخَالُ أَعلَى زَوْرِهِ مُعَصْفَرَا
من صائِكِ الأَجْوَافِ أَو مُمَغَّرَا
يُدْرِك منها كلَّ ما تَخَيِّرَا
حَبَّ القُلُوبِ والغَرِيضَ الأَحَمرَا ولشرشير:
لا صَيْدَ إلاّ صَيْدُ بازٍ أَبْجَلِ
مجدِّلٍ بخَطْفِه للأَجْدَلِ
وقُلَّبٍ من البُزَاة حُوَّلِ
مُضْطَرمٍ مثْل الحَرِيقِ المُشْعَلِ
ذي مَنْكبٍ مُوفٍ وفَرْقٍ أَشْعَلِ
ومِنْسَرٍ كقَرْنِ ظَبْيٍ أَعْصَلِ
ومَنْخِرٍ كفُوقِ سَهْمٍ أَعزَلِ
وشِكّةٍ كزَرَدٍ مُوَصَّلِ
وذَنَبٍ كذَيْلِ بَكْرٍ مُسبَلِ
وهَامَةٍ كشَرْيَةٍ من حَنْظَلِ
ومُقْلَةٍ كجِذْوةٍ مِن مَشْعَلِ
وكَفِّ لَيْثٍ ذَاتِ حُجْنٍ ثُجَّلِ
كأَنَّهَا مَنحوتةٌ من جَنْدَلِ
تَقْصِدُ فكَّ مفْصلٍ عن مفْصلِ
كأَنَّهَا عالِمةٌ بالمَقْتَلِ
وله أيضاً: لمّا تَفرَّى اللَّيْلُ عن أَثْباجِهِ
وارْتَاحَ ضَوْءُ الصُّبْحِ لانْبِلاجِهِ
غَدوْتُ أَبْغِى الصَّيْدَ من مِنْهاجِهِ
بأَقْمَرٍ أَبْدَعَ في ابْتِلاجِهِ
أَلْبَسَهُ الخالِقُ من دِيباجِهِ
ثَوْباً كَفَى الصانِعَ من نِسَاجِهِ
وزانَ فَوْدَيهِ إِلى حَجَاجِهِ
بزِينةٍ كفَتْهُ نَظْمَ تَاجِهِ
стр. 107
يَجْمَعُ دلَّ الغِيدِ في إِبْهاجِهِ
وسَطَوَاتِ السِّيدِ في هِيَاجِهِ
مِنْسَرُه يُنْبِىءٌ عن خِلاجِهِ
وظُفرُهُ يُخْبِر عن عِلاَجِهِ
فلم نَزَل نَغذوه في استخراجِهِ
مِن قَبْجِهِ حَالاً ومن دُرَّاجِهِ
حَتَّى أَزالَ الزَّيْغَ عن مِزَاجِهِ
ونَهْنَهَ الهَمَّ عنِ اعْوِجاجِهِ
وله أيضاً:
انْتَزِعْ يا صاحِ بَازِيَنَا ... واغْدُ بنَفْىِ العُسْر من يُسُرِهْ
أَقْمَراً لوْ لاحَ في سَدَفٍ ... غَنِىَ الرّاؤُونَ عن قَمَرِهْ
قَلِقَ الأَجْفَانِ تَحْسبُه ... عاقِداً حِقْداً على وَغَرِهْ
كمَدَاكِ الطِّيبِ هامَتُه ... خَلْقُها يَدْعُو إِلى حَذَرِهْ
وكقَرْنِ الظَّبْىِ مِنْسَرُهُ ... في رِحابِ الشِّدْقِ مُنْقَعِرِهْ
وكجِزْعٍ حَوْلَه ذَهَبٌ ... مايُدِيرُ اللَّحظُ من بَصَرِهْ
مُتَقَبِّى يَلْمَقَىْ جِبَرٍ ... بشِعَارٍ شَفَّ عن صَدَرِهْ
باسِلٌ يَقْضِى بمَنْظَرِه ... حينَ تَلَقاهُ على خَبَرِهْ
وُثِقتْ بالفلْج عَزْمَتُه ... فهْوَ لا يَمْضِى على خطَرِهْ
نائلاً بالأَيْنِ بُغْيَتَهُ ... ظافِراً بالحَزْمِ في غَرَرِهْ
وإِذا أَطْبَى مَسَامِعَه ... رِكْزُ شَخْصٍ غابَ عن حَضَرِهْ
قُلْتَ في عَيْنَيه أَفئِدةٌ ... تَنْتَحِى ما قصَّ من أَثَرِهْ
يَنْبَرِى للطَّيرِ مُنْحرِفاً ... كانْبِعاثِ السَّهْم من وَتَرِهْ
فتَشَظَّى عنه مُقْشِعَةً ... كانْقِشَاعِ الدَّجْنِ عن مَطَرِهْ
ثمَّ يِشْآهَا فيَرْجِعُها ... كرُجوعِ الطَّرْفِ عن نَظَرِهْ
ويُفَرِّى رِيشَهَا بِتَكاً ... كانْتِثَار الزَّهْرِ عن شَجَرِهْ
ولعليّ بن محمّد العلويّ الكوفيّ فيه:
قد أَغتَدِى واللَّيْلُ وَرْدٌ مِنْسَرُهْ
كأَنَّمَا أَلقَتْ عليه أُزُرُهْ
مَوْكِب دُهْمٍ لائِحَات غُرَرُهْ
أَو أَسْوَد اللِّمَّة شابَتْ طُرَرُهْ
والفَجْرُ مولودٌ يَبِينُ صِغَرُهْ
يَطْوِى الظَّلامَ والظَّلامُ يَنْشُرُهْ
بأَشْوَسِ الغَدْوَةِ سامٍ نَظَرُهْ
يُبَادِرُ النّاظِرَ وَهْوَ يَبْدُرُهْ
كأنّ من يُبْصِرُهُ لا يُبْصِرُهْ
يزْهضاهُ بَعْدَ أَيْنِهِ تَجبُّرُهْ
فصَحَّ مَرْءَاهُ لَنَا ومخبَرُه
أَطْوَلُ عُمْرٍ ما رَآه أَقصَرُهْ
وللحسين بن الضحّاك في بازٍ للمتوكّل:
يَحْمِل فوْقَ الكَفِّ موشِىَّ القَرَا
مُلَمْلَمَ الخَلْقِ كجُلمودِ الصَّفَا
مُقْتَدِرَ المِنْسَرِ مَقْدودَ القَنَا
تَخالهُ غَضْبانَ من فَرْطِ الشَّغَا
أَلْبَسَهُ التَّكْرِيزُ مِن حِبْرِ الكُسَا
مَدَارِعاً رَقَّشَ فيها ومَحَا
كأَنّمَا نَمَّقَ من نُونٍ ورَا
مَدَارِجَ الذَّرِّ تَرَقَّى في النَّقَا
يَرْمِى بزَرْقَاءَ طَحُورٍ للقَذَى
يَطْوِى الحَمَاليقَ على جَمْرِ الغَضَا
يُدْرِكُ أَحفَى شَبَحٍ وإِن نَأَى
حتّى إِذا قَرْنٌ من الشمسِ بَدَا
وأَمسكَ السَّاقِطُ من قَطْرِ النَّدَى
عنَّ له سِرْبُ كَرَاكىٍّ سَدَا
مَدَّ مَدَى اللَّيْلِ إلى رَأْدِ الضُّحَى
مُنْجَذِباً يَقطَع أَجْوازَ الفَلاَ
فجَاذَبَ الإِرْسالَ طَبًّا فأَبَى
حتَّى إِذا قَابَلَ مُسْتضنَّ الصَّبَا
أَرْسَلَه ط؟ يَّانَ خَفّاقَ الحَشَا
فمَرَّ كالسَّهْم إِذا السَّهْمُ سَما
حتّى إِذا خَالَطَ أَو قِيل سَطَا
وشَدّ فَنَّينِ عِرَاضاً وتَلاَ
بنَيْزَكٍ إِن صكَّ دَمَّى وفَرَى
قَطَّعَها شَتَّى كأَسْرَابِ القَطَا
فجُلْن من بين خَساً إِلى زَكَا
صَوَارِخاً بين فَيَافٍ وقُرَى
وحَثّ عشْرَيه لأَقصاها مَدَى
стр. 108
أَبْعَدَهَا مُنْتَجَعاً ومُرْتضمَى
فصَدَّه عن قَصْدِ ما كَان نَحَا
يَحْطُّ إِنْ حِطَّ ويَعلُو إِنْ عَلاَ
بحَرِكٍ أَسْرَعَ من رَجْعِ الصَّدَا
حَتّى إِذا جَرَّعَه المَوْتَ حُسَا
وغَصَّ منه بشَجًى بَعْدَ شَجَا
وتَاهَ كالحَيْرَانِ من غيرِ عَمَى
أَنشَبَ من شِدْقٍ وقِحْفٍ وقَفَا
نَوَافِذاً حُجْناً كأَطْرَافِ المُدَى
فخَرَّ كالحِلْسِ إِذا الحِلْسُ هُوَى
وله أيضاً:
سَقَى اللهُ بالقَاطُولِ مَطْرَحَ طَرْفِكَا ... وخَصَّ بسُقْيَاهُ مَنَاكِبَ قَصْرِكَا
ولم أَنسَ بالشَّطَّين نَفْضَ غِيَاضِه ... بخَيْلِكَ أَطْرَافَ النّهَارِ ورِجْلِكَا
ودَسَّك للدُّرَّاجِ في جَنَباتِهِ ... وللغُرِّ آجَالاً قُدِرْنَ بكَفِّكَا
بشُهْبٍ كمَوْشِىّ الرُّخَامِ يُجِيلُهُ ... بمثْل خَفىِّ الوَحْىِ صَنْعَة رَبِّكَا
أَوِ اسْبَهْزَجىّ يَسْبِق الطَّرْفَ حَثُّهُ ... هَوَامِسُ عشْرَيْهِ مُطِيعٌ لأَمرِكَا
تَسُرُّك في تَشْمِيرهَا وقُدُودِهَا ... وحَسْبُك في التأْديب أَو فَوْقَ حَسْبِكَا
حُتُوفٌ إِذَا أَرسلتَهنّ قَوَاصِداً ... عِجَالٌ إِذا أَغْرَيْتهنّ بزَجْرِكَا
تُخَطِّفُ من صُغْرَى وكُبْرَى إِذَا ارتمتْ ... بيُمْنَى ويُسْرَى من بَوَادِر خَطْوِكَا
أَبَحْتَ حِمَاهَا مُصْعِداً ومُصَو؟ ِّباً ... وما رِمْتَ في حَالَيك مَجْلِسَ لَهوِكَا
ولعليّ بن الجهم في البزاة والبوازج:
وَطِئنَا رِيَاضَ الزَّعْفَرَانِ وأَمسكتْ ... علينَا البُزَاةُ البِيضُ حُمْرَ التَّدَارِجِ
ولم تَحْمِهَا الأَدْغَالُ مِنّا وإِنّمَا ... أَبَحْنَا حِمَاهَا بالكِلابِ البَوَازِجِ
بمُسْتَرْوِحَاتٍ سابِحَاتِ بُطُونُهَا ... على الأَرْضِ أَمْثَالَ السِّهَامِ الزَّوَالِجِ
ومُسْتَشْرِفَاتٍ بالهَوَادِى كأَنَّهَا ... وما عقَفَتْ منها رُؤُوسُ الصَّوالِجِ
فَلَيْنا بها الغِيطَانَ فَلْياً كأَنَّهَا ... أَنامِلُ إِحْدىَ الفَالِيَات الحَوَالجِ
قَرَنَّا البُزَاةَ والصُّقورَ وحُرِّمَتْ ... شَوَاهِينُنا من بَعْدِ صَيْدِ الزَّمَامِجِ
وفي البازى من قصيدة:
وقد حَملْنا كلَّ مُسَوْفزٍ ... أَدّبَه الحاذِقُ واخْتَارَا
مَضْطرِمٍ تَحْسبُه طالِباً ... عندَ جَمِيعِ الناسِ أَوْتَارَا
يَفْتُقُ حِمْلاَقيْنِ عن مُقْلَة ... يَخَالُهَا الناظِرُ دِينَارَا
صادِقَةٍ تُعمِلُ لَحْظاً إلى ... مَقَاتِلِ الطائِرِ نَظّارَا
مُخاتِلِ لكنْ له جُلْجُلٌ ... لم يَأْلُ إِعْذاراً وإِنْذارَا
كأَنَّه شُعْلَةُ نارٍ إِذا ... عَايَنَ قَبْجاً أَو خشنْشارَا
أَو عَرَبِىٌّ فاتِكٌ ثائِرٌ ... يخَاف في تَقْصيره العارَا
ولعبد الله بن المعتزّ في البازى:
غَدَوتُ للصَّيْد بفِتْيَانِ نُجُبْ
وسَبَبٍ للرِّزْق من خَيْرِ سَبَبْ
ذي مُقْلَةٍ تَهْتِكُ أَستارَ الحُجُبْ
كأَنَّهَا في الرَّأْسِ مِسْمَارُ ذَهَبْ
بمنْسرٍ مثْلِ السِّنَان المُختضِبْ
قد وَثِقَ القَوْمُ له بِمَا طَلَبْ
فهو إِذا جَلَّى لصَيْدٍ واضطرَبْ
عَرَّوْا سكَاكِنَهُمُ مِن القُرُبْ
قوله:
قد وَثِقَ القَوْمُ له بما طَلَبْ
مأخوذ من قول امرىء القيس:
إِذا ما رَكِبْنَا قال وِلْدَانُ أَهلِنَاتَعَالَوا إِلى أَنْ يَأْتىَ الصَّيْدُ نَحْطِبِ
أي هم واثقون بأَنّ الصَّيد يأتيهم.
وله أيضاً في قصيدة:
ونَذْعَرُ الصَّيْدَ ببَازٍ أَقْمَرِ
كأَنَّه في جَوْشَنٍ مُزَرَّرِ
ذي مُقْلَةٍ تُسْرِجُ فَوقَ المَحْجِرِ
ومِنْسَرٍ عَضْبِ الشَّبَا كالخَنْجَرِ
تَخَالُه مُضَمَّخاً بالعُصْفُرِ
وهَامةٍ كالحَجَر المُدَوَّرِ
стр. 109
وجُؤْجُؤٍ مُنَمْنَمٍ مُحَبَّرِ
كأَنَّه رَقٌّ خَفِىُّ الأَسْطُرِ
وذَنَبٍ كالمُنْصُلِ المُذَكَّرِ
أَو كجَنِىِّ الطَّلْعةِ المقَشَّرِ
وقَبْضَةٍ تَفْصِل إِن لم تَكسِرِ
قَلَّصَ فَوْقَ الدَّسْتَبَانِ الأَحْمَرِ
جَنَاحُهُ كرِدْيَةِ المُشَمِّرِ
وله فيه وفي الفرس:
لَمّا حَدَا الصُّبْحُ بِليلٍ أَدْعَجِ
مثْلِ القَبَاءِ الأَسوَدِ المفَرَّجِ
والنَّجمُ في غُرّةِ فَجْرٍ مُسْرَجِ
كالمُصْطَلِى باللَّهَبِ المؤَجَّجِ
رُعْنَا الوُحُوشَ بِابْنِ شَدٍّ مُدْمَجِ
أَشقرَ مَلْزوزِ القَرَا والمِنْسَجِ
قد خاضَ تَحْجيلاً ولم يُلَجَّجِ
كالخَوْدِ في جِلْبَاتِهَا المضَرَّجِ
رَمَت إلى مِعْصَمِهَا بالدُّمْلُجِ
ذي غُرَّةٍ مثلِ الصَّبَاحِ الأَبْلَجِ
وأَضْلُعٍ مثلِ شِجَارِ الهَوْدَجِ
لُزَّتْ بصُلْبٍ ذي فَقَارٍ مُرْتَجِ
كعُقَدِ الخَطِّىّ لم تَفَرَّجِ
وحافِرٍ أَزرقَ كالفَيْرُوزَجِ
ومُكْملٍ شِكَّتُهُ مُدَجَّجِ
أٌقْمَرَ مثْل المَلِك المُتَوَّجِ
ذي مِخْلَبٍ كالحَاجِب الدَّيْزَجِ
أبرش بطنان الجناح الديزج
كطَيْلَسانِ المَلِكِ المُدَبَّجِ
وله أيضاً فيه:
لَمَّا انْجلَى ضَوءُ الصَّباح وفَتَقْ
تَجَلِّىَ الصَّفْوةِ من تحتِ الرَّنَقْ
وأَنجُمُ اللَّيْل مَريضاتُ الحَدَقْ
والفَجرُ قد أَلْقَى على اللَّيْل طَبَقْ
غدوتُ في ثَوبٍ من اللَّيْل خَلَقْ
بِطارِحِ النَّظرِة في كلّ أُفُقْ
ذِي مِنْسَرٍ أَقْنَى إِذا شَكَّ خَرَقْ
مُختَضِبٍ في كلِّ يَومٍ بعَلَقْ
ومُقلةٍ تَصْدُقُهُ إِذا رَمَقْ
كأَنّهَا نَرْجِسَةٌ بلاَ وَرَقْ
يُنْشِبُ في الأَثباج حتَّى تَنفَتِقْ
مَخَالِباً كمثْلِ أَنْصَافِ الحَلَقْ
مَبَارَكٍ إذا رأَى لقَدْ لَحِقْ
يَسْبِقُ ذُعْرَ الطَّيْرِ من حيثُ امْتَرَقْ
حتَّى يَرَيْنَ المَوْتَ من قَبْلِ الفَرَقْ
وله أيضاً:
كأَنَّه لمّا بَدَا ... والصُّبْحُ لمْ يَنْبَلِجِ
قائدُ جَيْشٍ لَجِبٍ ... سارَ لِقَبْضِ المُهَجِ
فجِسْمُه من فَضّةٍ ... ودِرْعُه من سَبَجِ
وله أيضاً:
قد أَغْتدِى في نَفَسِ الصَّبَاحِ
بقَرِمٍ للصَّيْدِ ذي ارْتياحِ
مُعَلَّقِ الأَلْحاظِ بالأَشباحِ
يَرْكُضُ في الهَوَاءِ بالجَنَاحِ
قُمِّصَ رِيشاً حَسَنَ الأَوْضَاحِ
عليه منه كحَبَابِ الرَّاحِ
ذي جُلْجُل كالصُّرْصُرِ الصَّيّاحِ
تشبيه لمع بياض البازى بالحباب مليحٌ ظريفٌ، وكلك تشبيهه الجلجل بصوت الصُّرصر، وقد أخذ معنى قوله.
مُعَلّق الأَلْحَاظ بالأَشباح
من المثقِّب العبديّ حين وصف فرسه فقال:
كأَنَّهُ مُعَلْقٌ فيه بخُطَّافِ
ومن قول امرىء القيس: قيد الأوابد.
وله أيضاً:
قد اَغْتدِى وفي الدُّجَى مَبَالِغُ
وفيه للصُّبْح خَطِيبٌ نابِغُ
قُدَّ له قَمِيصُ وَشْىٍ سابِغُ
ومِنْسَرٌ ماضِى الشَّبَاةِ دَامِغُ
يمْلأُ كَفَّيْه جَنَاحٌ فارِغُ
وله أيضاً:
ذُو مُقْلَةٍ صَفْرَاءَ مثْلِ الدِّينَارْ
يَرْفَعُ جَفْناً مثْل حَرْفِ الزُّنّارْ
ومِنْسَرٍ كمثْلِ عَطْفِ الْمِسْمارْ
آنَسَ طَيْراً في خَليجٍ هَدَّارْ
من كلّ صَدَّاحِ العَشِىِّ صَفَّارْ
كأَنّه مُرجِّعٌ في مِزءمَارْ
فصَادَ قبلَ فَتْرَةٍ وإِصْحَارْ
خَمسينَ فهينّ سِمَاتُ الأَطفارْ
كأَنّه فيها شُوَاظٌ من نارْ
وله في البزاة والكلاب البوازج:
قُمْ صاحبِى نَغْدُو لِصَيْدِ الوَحْشِ
بضَارِيَاتٍ من بُزَاةٍ بُرْشِ
كأَنّما نَقَّطَهَا مُوَشِّى
وبُوزَجَاتٍ ضُمَّرٍ تَسْتَنْشِى
ذَوَاتِ شَمٍّ وذَوَات نَبْشِ
ووَابِلِ في العَدْوِ غيْر طَشِّ
لمّا رَأَى في اللَّيْلِ فَجْراً يَمْشِى
فكمْ كنَاسٍ قد خَلاَ وعُشِّ
ولعبد الله بن محمّد:
стр. 110
تُجَلَّى ببَازِىٍّ عُيُونُ ذوِى النُّهَى ... إليه لإِبْصارِ المَحَاسِنِ صُورُ
مكان سَوَادِ العَيْنِ منه عَقِيقةٌ ... وتِبْرٌ على خطِّ السَّوادِ يدورُ
تَمُورُ إذا ما رَنَّقتْ في مَآقِهَا ... كمَا مارَ من ماءِ الزُّجاجةِ نُورُ
فإِن جَحظَتْ عنه اسْتوَى في مَدَارِه ... وإِن مالَ عن لَحْظٍ ففيهِ شُطُورُ
له قَرْطقٌ ضافِى البَنائِق أَنْمَرٌ ... مُفوَّفُ ضَاحِى الشِّقَّتَيْن طَرِيرُ
ومِنْ تَحْتِه دِرْعٌ كأَنّ رُقُومَه ... تَعَارِيجُ وَشْىٍ أَرْضُهنّ حَرِيرُ
كأَنّ انْدِمَاجَ الرِّيش منه حَبَائكٌ ... بعقْبِ سَحَابَاتٍ لهنّ نُشُورُ
له هامَةٌ مَلْسَاءُ أَمّا قَذَالُهَا ... فمُوفٍ وأَمّا جِيدُهَا فقَصِيرُ
له مِنْسَرٌ يَحكِى من الظَّبْىِ رَوْقَه ... إِذا تمَّ للتَّحْبير منه سُطورُ
له فُرَقٌ فَوْقَ القَذَال كأَنَّهَا ... ولم يَعْرُهُ وَخْطُ القَتِيرِ، قَتِيرُ
أَتانَا به من رأْسِ خَلْقَاءَ حَزْنةٍ ... لها فَوْقَ أَرَآدِ الشِّعاف ذُرُورُ
سَبَاهُ صَغِيراً فاستَمَرَّ بحَزْمِه ... وردَّ إليه العَزْم وهو كَبِيرُ
وللمتنبيّ ونظر إلى بازٍ يطاير قبجةً حتى أخذها فقال:
وطائرةٍ تَبَبَّعُهَا المَنَايَا ... على آثارِهَا زَجِلُ الجَنَاحِ
كأَنّ الرِّيشَ منه في سهَامٍ ... على جَسَدٍ تَجسَّدَ من رِيَاحِ
كأَنّ رُؤوسَ أَقلامٍ غِلاظٍ ... مُسِحْنَ برِيشِ جُؤْجُؤهِ الصِّحَاحِ
فأَقْعصَهَا بحُجْنٍ تَحْت صُفْرٍ ... لَها فِعْلُ الأِسِنَّةِ والرِّماحِ
فقُلْتُ لكلّ حىٍّ يَومُ سُوءٍ ... وإِن حَرَصَ النُّفوسُ على الفَلاَحِ
في الزَّرارقة
الزُّرَّق يشبه البازى لوناً، ويقاربه فعلاً، وهو عند الطُّرَّاد ذكر البازىّ، ولم تكثر الشعراء في وصفه إكثارهم في وصف البازى.
قال أبو نواس في زرّق:
قد أَغْتدِى بزُرَّقٍ صَبِيحِ
مَحْضٍ لمَنء يُبصِرُهُ صَرِيحِ
مِمّا اشْتُرِى بالثَّمَنِ الرَّبِيحِ
بكَفِّ ضَنَّانٍ به شَحِيحِ
فلم يَزَلْ بالنَّهْم والتَّقديحِ
ورَشِّهِ بالمَاءِ والتَّلْوِيحِ
حَتَّى انْطَوَى إِلاّ مَجَالُ الرُّوحِ
وعَرَفَ الصَّوْتَ ووَحْىَ المُوحِى
فكَمْ وكم منْ طَربٍ طَمُوحِ
أِسْبَحَهُ طُمورُه في اللُّوحِ
من فَلَتَانٍ صَلَتَانِ شِيحِ
وضَرْبَةٍ بنَيْزْكٍ مَذْرُوحِ
فصادَ قَبْلَ الأَيْنِ والتَّبرِيحِ
تِسعينَ مُسْتَحْياً إِلى مَذبوحِ
وله أيضاً:
قد أَغتدِى بزُرَّقٍ جُرَازِ
أَقْنَى رَقِيقِ الزِّفّ والطِّرَازِ
زَيْنِ يَدِ الحامِلِ والقُفّازِ
يَصِيدُنا زُرْقاً ودَسْتَنجازِ
بحجنَاتٍ صَدْقَةِ التَّوْخَازِ
مثْل أَشَافِى الصَّنِعِ الخَرَّازِ
يَعْتامُها فَرْداً بلا جِلْوَازِ
ولا مُعَاناةٍ على فِرْوَازِ
مِشْقاً يَقُدُّ ثَبَجَ الأَجوازِ
قَدَّ ابْنِ بازٍ وصَنِيع بازِ
نِعْمَ الخليلُ ساعَةَ الإِعْوازِ
ولعبد الله بن محمّد في زرّق:
يا قانصُ أغْدُ علينا ... بزُرَّقٍ مَحبورِ
مُنَاهض للبَوَازِى ... مُغَالِبِ للصُّقورِ
له جَنَاحٌ وَثيرٌ ... مُضَاعَفُ التَّنْميرِ
مَظَاهَرٌ ببُرُودٍ ... مُبَطَّنٌ بحَرِيرِ
وكَفُّ سَبْعٍ هَصورٍ ... مُحَجَّنِ الأُطفورِ
ومِنْسَرٌ ذو انعطافٍ ... كقَرْنِ ظَبْىٍ غَرِيرِ
في هَامَةٍ كَنَفَتْهُ ... كالجَنْدَلِ المُستدِيرِ
وصَدْرِ بازٍ طَرير ... مُفوَّفِ التَّحْبِيرِ
كأَنَّهُ ثَوْبُ وَشْىٍ ... مُعَرَّجُ التَّسْيِيرِ
следующие страницы →