← Адаб

Адаб · id 601

الأنوار ومحاسن الأشعار

الشمشاطي

Полный текст (124 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بسمِ اللهِ الرحمنِ الرَّحِيم وبِهِ نَستَعِين باب في السُّيوف والرِّماح وجميعِ السِّلاح نَذكر في ابتدائهِ يَسيراً من الأَخبار، في فَضل السِّلاح وصِفَته، ثمّ نُتبِع ذلِك بما قيل في السيوف، ثمّ في الرِّماح، ثمّ في القِسِيّ والسِّهام، ثمّ في الدُّروع والبَيْض، ثمّ في جميع السِّلاح مُجملاً، إِن شاءَ الله. يُرْوَى أَنّ رسول الله صلى الله عليه وعلى آلِه، لبِسَ يومَ أُحُدٍ دِرْعَيْن ظَاهَرَ بينهما. واشترَى يزيدُ بن حاتم أَدراعاً فقال: إِنّي لستُ أَشترِي أَدْرَاعاً إِنّما أَشترِي أَعماراً. وقال حَبيب بن المُهَلَّب: ما رأَيت رَجُلاً في الحَرْب مُسْتَلْئِّماً إِلاّ كان عندي رَجُلَيْن، ولا رأَيْت حاسِرَيْنِ إِلاّ كانَا وَاحداً. فسمع الحديثَ بعض أَهلِ المعرفة فقال: صَدَقَ، إِنّ للسِّلاح فَضِيلةً، أَمَا تَراهم يُنادُون: السِّلاَحَ السِّلاحَ، ولا يُنَادون: الرّجالَ الرِّجالَ. وقال عُمَر بن الخَطّاب لعَمْرِو بن مَعْدِ يكَرِبَ: أَخْبرْني عن السِّلاح، قال: سَلْ عما شِئْتَ منه، قال: الرُّمْح، قال: أَخوك وربّما خَانَك، قال: النَّبْل، قال: مَنَايَا تُخطِئُ وتصِيب، قال: التُّرْسُ، قال: ذاك المِجَنُّ، وعليه تَدُورُ الدَّوائر، قال: الدِّرْع، قال: مُشْغِلَةٌ للراجِل، مُتعِبَةٌ للفارِس، وإِنَّهَا لَحِصْنٌ حَصِينٌ، قال: السَّيْف، قال: ثَمَّ قَارَعَتْك أُمُّك عن الثُّكْل، يا أَميرَ المؤمنين، قال عُمرُ: بل أُمُّك، قال: الحُمَّى أَضْرَعَتْنِي لك. وقال أَمير المؤمنين عليٌّ ﵇: السَّيْف أَنْمَى عَدَداً، وأَكْرم وَلداً. وذَكَرَ أَعرابيٌّ قَوْماً تَحَارَبُوا فقال: أَقْبَلَت الفُحُول، تَمْشي مَشْىَ الوُعول، فلمّا تَصَافَحُوا بالسُّيُوف فغَرَت المَنَايَا أَفواهَها. وذكَر آخَرُ قَوماً أَغارُوا على قومٍ فقال: جَعَلوا المُرَّان أَرْشِيَةً فاسْتَقَوا بها أَرْوَاحَهم. وحَذَّرَ أَعْرَابِيٌّ من اليَمَامَة قَوْمَه من جُنْدٍ أَنفَذَهم السلطانُ إِليهم فقال: لا أَغرُّكم من نُشَّابٍ، معهم في جعَاب، كأَنَّهَا أُيُورُ الفِيَلَةِ، يَنْزِعُون في قِسِيٍّ كأَنَّهَا العَتَلُ تَئطُّ إِحداهنّ أَطِيطَ الزُّرْنوق، يَمْغَطُ أَحدُهم فيها حتَّى يَتَفَرَّقَ شَعرُ إِبْطِه، ثمّ يُرْسِل نُشَّابةً كأَنّهَا رشَاءٌ مُنْقَطِعٌ، فما بَيْنَ أَحَدِكم وبين أََن تَنْفَضِخَ عَيْنُه، أَو يَنْصَدِعَ قَلْبُه، مَنزِلَةٌ. فخَلع قلوبَهم فطاروا رُعْباً. ووصَّى أَبو الأَغَرِّ ابنَهُ وقد وَقَعَ بينَ بني عمِّه وحُلفائهم شرٌّ فقال: يا بُنَيَّ كنْ يداً لأَصحابك على مَن قاتَلَهم، وإِيّاك والسَّيْفَ فإِنّه ظِلُّ الموت، واتَّقِ الرُّمْحَ فإِنّه رِشَاءُ المَنيَّة، ولا تَقرَبِ السِّهامَ فإِنّها رُسُلٌ ولا تُؤَامِرُ مُرسِلَهَا، قال: فبِمَ أُقاتِلُ؟ قال: بما قال الشاعر: جَلاَمِيدُ يَمْلأْنَ الأَكُفَّ كأَنّهَا ... رُؤوسُ رِجال حُلِّقَتْ في المَوَاسمِ ؟ في السُّيوف قال أَبو زيد: الصَّمْصَام: الماضي، وقال الأَصْمَعِيُّ: الصارِم هو الصَّمْصَامَة الذي لا يَنْثَنِي. الصَفيحة: السّيف العَريض، والقَضِيب: الدّقيق. والمُشَطَّب: الذي فيه طَرَائقُ. والْمِخْذًَم: الذي يَنْتَسِفُ القطْعَةَ أَو يَشُقُّ المَوْضِعَ حتَّى يَفْصِلَه. والرَّسُوبُ: الّذي إِذا وَقَعَ غَمُضَ مَكَانُه فدَخَلَ والمَأْثور: الّذي في مَتْنه أُثُرٌ. الأَفَلّ: الذي بشَفْرَتَيه تَكسُّرٌ وفُلولٌ من كَثْرة ما ضُرِبَ به. والكَهَام والدَّدان: الكَلِيلانِ. والطَّبِعُ: الذي اشتَدَّ صَدَؤُه حتى يَدْخلَه مِثْلُ الجَرَبِ لا يُخْرِجُه الصَّقْلُ. والأَنيث الذِي من حَدِيدٍِ غيرِ ذَكَرٍ.

стр. 2

والمِعْضَدً: الذِي يُمْتَهَن في قَطْعِ الشَّجرِ وغيرِه. والخَشِيبُ: الصَّقِيل: المُهنَّد، مَنْسُوبٌ إِلى الهِنْد. اليَمَانِي: منسوبٌ إِلى اليَمن. المَشْرَفِيّ: مَنسوب إِلى المَشَارِف، وهي قُرىً للعَرب تَدْنو من الرِّيف، القُسَاسِيّ: نُسِبَ إلى جَبَلِ قُسَاسٍ فيه مَعْدِنُ حَدِيدٍ، العَضْب: القاطع المُطَبِّق، الذي إِذا أَصابَ المَفْصل قَطَعه، لا يَمِيل يَميناً ولا شِمالاً، المُذَكّرَة: سُيوفٌ شِفَارُها ذُكورٌ ومُتُونها من أَنيثِ الحَديد. سَيْفٌ سَقّاط: الذي يَقْطَع الضَّرِيبة ثمّ يَسْقط إِلى الأَرْضِ. والسُّرَاط: الذي يَقْطع كل شْيءٍ، كأَنّه من الاسْتِراطِ. نَصْلٌ أَزْرَقُ، إِذا كان أَبيضَ. ولمُزَرِّدٍ: وأَملَسَ هِنْدِيّ متَى يَعْلُ حَدُّه ... ذُرا البَيْضِ لم تَسْلَم عليه الكَوَاهِلُ سُلاف حَدِيدٍ ما يَزَالُ حُسَامُهُ ... ذَلِيقاً وقَدَّتْهُ القُرُون الأَوَائلُ ولأَوْس بن حَجَر: وأَبْيَضَ هِنْدِيَّاً كأَنّ غِرَارَه ... تَلأْلؤُ بَرْقٍ في حَبِيٍّ تَكَلَّلاَ إِذَا سُلَّ مِنْ غِمْدٍ تَأَكَّلَ أَثْرُهُعلَى مِثْلِ مِصْحَاةِ اللُّجَيْنِ تَأَكُّلاَ كأَنّ مَدَبّ النَّمْلِ يَتَّبِع الرُّبَا ... ومَدْرجَ ذَرٍّ خَافَ بَرْداً فأَسْهَلاَ علَى صَفْحتَيه بعْدَ حِينِ جِلاَئه ... كَفَى بالَّذي أُبْلي وأَنْعَتُ مُنْصُلاَ ولأَعرابِيّ: يَكْفِيكَ من قَلَعِ السَّماءِ مُهنَّدٌ ... فوقَ الذِّرَاعِ ودُونَ باعِ البائعِ صافي الحَديدَة قد أَضَرَّ بنَصْلِهِ ... طُولُ الدِّيَاس وبَطْنُ طَيْرٍ جائِعِ أُمِرَ البَوَارقُ والرِّيَاحُ بحَمْلِهِ ... فحَمَلْنَه لمَضايرٍ ومَنَافِعِ وتَرَى مَضارِبَ شَفْرَتَيْه كأَنَّهَا ... مِلْحٌ تَناثَرَ من وَراءِ الدَّارعِ ولرجلٍ من أَشجع: صافِي الحديدة لا تُشْوِي ضَريبتُه ... يَبِيت وَهْوَ ضَجِيعي دُون أَطْمَارِي لم يَنْبُ بي قطُّ في أَمرٍ أَهُمّ به ... ولا تَحدَّثَ بينَ الناسِ أَسْراري كأَنّ مَتْنيْهِ من عَهْدِ الصِّقَال به ... مَتْنَا خَلِيجِ رَبِيعٍ ماؤُهُ جارِي وأَنشدَنا أَبو الحسن الأَخفش في السيوف: ومُسْترْدَفَاتٍ هُن عَوْنٌ على السُّرَى ... حِسَانٌ وما آثارُهَا بحِسَانِ وكالطّائرِ المُنْقَضِّ في لَمعانِهِ ... لدَى الرَّوْعِ سَامٍ دائمُ الخَفَقانِ وأيضاً: ومُهَنَّدٍ كالمِلْحِ ليس بحَدِّهِ ... عَهْدٌ بتَمْوِيهٍ ولا بِصقالِ تُرْضِيكَ هزَّتُهُ إِذا خَفّقْتَهُ ... وتَقول حين تَراه هذا بَالِي وهذا مأْخوذ من قول امرئ القيس بن حُجْر: مُتَوَسِّداً عَضْباً مَضارِبُه ... في مَتنِه كمَدَبَّةِ النَّمْلِ يُدْعَى صَقِيلاً وهو ليس له ... عَهْدٌ بتَمْوِيهٍ ولا صَقْل وللأُخَيطِل: وبكَفِّه عَضْبُ الذُّبَابِ مُهَنَّدٌ ... يَرْتَجُّ فيه ماؤُهُ المَوّارُ نجْمٌ إِذا أَطْلَعْتَه في مُهْجةٍ ... خَمَدَتْ ولكِنْ كُلُّه أَنْوَارُ وكَأَنهُ الأَقْدارُ إِلاّ أَنّه ... سَبَّاقُ ما تَأْتِي به الأَقْدارُ ولصالح بن جَنَاحٍ: أنعَمْ صَبَاحاً بالسُّيوفِ وبالقنَا ... إِنّ السُّيوُفَ تَحيَّة الفُرْسَانِ وجَرّدَ مُوسَى الهادي سيفَ عَمْرو بن مَعِْدِ يكَرِبَ الصَّمصامَة، ووَضعه بين يدَيه، وأَذِنَ للشُّعراء فدخَلوا، ودَعَا بمِكْيَل فيه بَدْرَة دَنانِير وقال: قولوا في هذا السَّيف، فمن أَصاب صِفَتَه فهذا له، فبدَرَهم ابنُ يَامِينَ البصرِيُّ فقالَ: حاز صَمْصامةَ الزُّبَيْدِيّ من بَي ... نِ جميعِ الأَنام مُوسَى الأَمِينُ سَيْفَ عَمْرو وكان فيما سَمِعْنَا ... خَيْر ما أُغْمِدَتْ عليه الجُفونُ أَخضَرَ اللَّوْن بَيْنَ حَدَّيْه بُرْدٌ ... مِنْ ذُبَاحٍ تَمِيسُ فيه المُتُونُ

стр. 3

أَوْقَدَتْ فَوْقَه الصَّوَاعِقُ ناراً ... ثمّ شابَتْ به الذُّعَافَ القُيُونُ فإِذا ما سَلَلْتَه بَهَرَ الشَّمْ ... سَ ضِياءً فلم تَكَدْ تَستَبِينُ ما يُبَالِي إِذا انْتَضَاهُ لِضَرْبٍ ... أَشِمالٌ سَطَتْ به أَمْ يَمِينُ وكأَن المَنُونُ نِيَطتْ إِليه ... وهُوَ مِن كلِّ جانِبَيْه مَنُونُ يَسْتطِيرُ الأَبْصَارَ كالقَبَسِ المُشْ ... عَلِ ما تَسْتَقِرُّ فيه العُيُونُ فكأَنّ الفِرِنْدَ والجَوْهَرَ الجا ... رِيّ في صَفْحَتَيهِ ماءٌ مَعِينُ نِعْمَ مِخْراقُ ذِي الحَفيظةِ في الهَيْ ... جَاءِ يَعْصَى به ونِعْمَ القَرينُ فدفع إِليه الدنانيرَ، فقَسَمَها ابن يَامِينَ بينَه وبين مَن حضَرَ من الشعراء: ولإسْحَاق بن خَلَفٍ: أَلْقَى بجَانِبِ خَصْرِه ... أَمْضَى مِنْ الأَجَلِ المُتَاحِ وكَأَنّمَا ذَرَّ الهَبا ... ءُ عليه أَنْفاسَ الرِّيَاحِ ولغيره: وصارمٍ باتكِ الحَدَّيْن ذي ِشُطَبٍ ... ظامٍ وفي مَتْنِه مِن مائِه غُدُرُ كالفَجْرِ في رَوْنَق الإِفرِند مُنْصَلِتاً ... تَكادُ فيه عُيونُ المَوْتِ تَنْفجِرُ ولابن أَبي زُرْعَةَ الكِنَانيّ: مُسْتبْطِنٌ صارِماً كالمَوْتِ سَلَّتُه ... ما يَلْقَ مِن كلِّ شَيءٍ فهو قاطِعُهُ تَرَى المَنَايَا القَوَاضِي في مَضَارِبِهِ ... ودِيفَ فيه من الذِّيفَان ناقِعُهُ إِنّي إِذا ما نَبَا سَيفٌ بُمعْتَرَكٍ ... سيَّانِ حاسِرُه عنْدي ودَارِعُهُ ما كان يُحْصِنُ منه خالِداً بيَدِي ... وَرْقاءُ نَسْجٍ أَجَادَ السَّرْدَ صانِعُهُ لَو الفَرزْدَق يَومَ العِلْجِ صالَ به ... لمْ يَنْبُ عنه ولمْ تُذْمَم مُجَاشِعُهُ وله أيضاً: ومُهنَّدٍ يُعْشِي العُيو ... نَ سَنَاه من قَبْلِ الصِّقَال صافِ كأَنّك تَنْتضِي ... من جَفْنه رَقْرَاقَ آلِ متَردِّدٌ فيه الفِرِنْ ... دُ تَرَدُّدَ الماءِ الزُّلاَلِ للعِتْقِ في مَتْنَيهِ سِيمَ ... الا تُغَيِّرهَا الَّليالِي وجَوَاهِرٌ يَنْسُبْنهُ ... لِلْعَين من قَبْل السُّؤال ولأَبي الهَول: حسُامٌ رَقيقُ الشَّفْرتَينِ كأَنّه ... منَ الله في قَبْضِ النُّفوسِ رَسُولُ كأَنَّ جُنودَ الذَّرِّ كَسَّرْنَ فَوقَه ... قُرونَ جَرَادٍ بَيْنَهنّ ذُحُولُ كأَنّ على إِفْرِنْدِه مَوْجَ لُجّة ... تَقَاصَرُ في ضَحْضَاحِهِ وتَطولُ إِذا ما تَمَطَّى المَوتُ في يَقَظَاتِه ... فلا بُدَّ من نَفْسٍ هناك تَسِيلُ ولِشرشير الجَدَليّ: ومهَنَّدٍ عَضْبٍ إِذا ماسُلَّ في ... ظُلَمِ الخُطوبِ أَبَانَ عن قَصْدِ الهُدَى يُنْضَى فيَخْتَلِس الطُّلَى مِنْ قَبلِ أَنْ ... تُدْنَى ذُبَابَاه إِلى خَلسِ الطُّلَى مُتَمَلْمِلٌ بفِرنْدِه فكَأَنَّمَا ... حُمْرُ الفَرَاشِ بُعِثْنَ فيه والدَّبَى يَخْضَرّ منْتَصِباً ويَقْنُؤ حَانِياً ... ويَمورُ مُهتزّاً ويَجْرِي مُنْتَضى وله أَيضاً: حازَ الأَميرُ عن البَرِيَّة مُنْصُلاً ... ما حازَه أَحَدٌ مِن الأُمَرَاءِ جاري الفِرِنْدِ كأَنّه في لَمْعِهِ ... آلٌ زَهَتْه وْقَدَهُ المَعْزَاءِ وكأَنَّ رَونَقَه حِدَاقُ جَنَادِبٍ ... يَلْمَعْنَ في مَسْجُورةِ الرَّمْضاءِ يُنْضَى فيتَّقِدُ اتِّقادَ النّارِ تُذْ ... كيهَا ويُطَّرِدُ اطِّرَادَ المَاءِ مُتَلوِّماً كالحَينِ يَطْلُبُ باغياً ... ومُصمِّماً كالحَيَّةِ الصَّمَّاءِ وما أحسنَ ما قال الوَليدُ بن عُبَيد:

стр. 4

يَتَنَاوَل الروحَ البَعِيدَ مَنَالُه ... عَفْواً ويَفْتَح في القَضَاءِ المُقْفَلِ ماضٍ وإِن لم تُمْضِه يَدُ فَارسٍ ... بَطَلٍ ومَصقولٌ وإِن لم يُصْقَلِ يَغْشَى الوَغَى فالتُّرْسُ لَيسَ بجُنَّةٍ ... من حَدِّه والدِّرْعُ ليسَ بمَعقِلِ مُصْغٍ إِلى حُكْمِ الرَّدَى فإِذَا مَضَى ... لم يَلْتَفِتْ وإِذا قَضَى لم يَعْدِلِ مًتَوَقِّدٍ يَفْرِى بأَوَّلِ ضَرْبةٍ ... ما أَدرَكَتْ ولَوَ أنَّها في يَذْبُلِ وإِذا أَصَاب فكلُّ شَيْءٍ مَقْتَلٌ ... وإِذَا أُصِيب فما لَه منْ مَقْتَلِ ولعبَيد الله بن مَسعود: وحُسَامٍ صَافِي الحَدِيدةِ ماضِي الْ ... حَدِّ ذي رَوْنقٍ كمثْلِ الشِّهابِ أَخضرِ اللَّونِ ذي فِرِنْدٍ كأَنّ النّ ... مْل دبَّتْ في مَتْنه والذُّبِابِ حُكْمُه في النُّفوس أَمْضَى من المَو ... تِ إِذَا يُنْتضَى ليَومِ ضِرَابِ وليَعقوبَ التَّمّارِ: بكُلّ حُسامٍ كالعَقيقةِ صَارِم ... إِذا قَدَّ لم يَعْلَق بصَفْحَتِه الدَّمُ ولعليّ بن العباس: خَيرُ ما استَعْصَمتْ به الكَفُّ عَضْبٌ ... ذَكَرٌ حَدُّه أَنِيثُ المَهَزِّ ما تَأَمَّلتَه بعَينَيك إِلاّ ... أُرْعِدتْ شَفْرَتاهُ من غير هَزِّ مِثْلُه أَفزَعَ الشُّجاعَ إِلى الدِّرْ ... ع فغَالَى بها على كُلِّ بَزِّ ما يُبالِي أَصَمَّمَتْ شَفْرَتاهُ ... في مَحَزٍّ أَمْ جارَتَا عن مَحَزِّ وله أيضاً: حُسامٌ لا يَلِيق عليه جَفْنٌ ... سَرِيعٌ في ضَرِيبتِه ذَرِيعُ يَقولُ النّاظِرون إِذا رَأَوهُ ... لأَمْرٍ ما تُغُولِيَتِ الدُّرُوعُ وله أيضاً: يُشَيِّعه قَلبٌ رُواعٌ وصارمٌ ... جُرَازٌ قديمٌ عَهدُه بالصَّياقلِ تَشيمُ بُروقَ المَوت من صَفَحاته ... وفي حَدِّه مِصْداقُ تِلك المَخَايلِ ولعبد الله بن المعتزّ: وَسْطَ الخَمِيس بكَفّه ذَكَرٌ ... عَضْبٌ كأَنَّ بمَتْنِه نَمَشَا صافِي الحَدِيدِ كأَن صَيْقَلَه ... كَتَبَ الفِرِنْدَ عليه أَو نَقَشَا وله أَيضاً: ولي صارِمٌ فيه المَنايَا كَوَامِنٌ ... فما يُنْتَضَى إِلاّ لِسَفْكِ دمَاءِ تَرَى فوقَ مَتْنَيْه الفِرنْدَ كأَنّه ... بَقِيَّةُ غَيْمٍ رَقَّ دونَ سَماءِ ولغيره: في كَفِّهِ ماضِي الغرَارِ كأَنّه ... في العَينِ لُجٌّ قائمٌ مُتحَيِّرُ صَافٍ تصَوِّبُه فتُقْسمُ إِنه ... لَيَسيلُ إِلاّ أَنَه لا يَقْطُرُ قال الفرّاءُ: يقال أُثُر السَّيف وأَثْرُه يعني شُعاعَه وفِرِنْده وما يُرَى فيه كأَرجُلِ النَّمْلِ، قال: وأَنشدَني أَبو ثروان: كأَن بَقَايا الأَثْرِ فوقَ مُتُونِه ... مَدَبُّ الدَّبَا فَوقَ النَّقَا وهو سارِحُ قال: وأَنشدَني بعض بني عَقِيلٍ: كأَنّهمْ أَسْيُفٌ بِيضٌ يَمَانِيَةٌ ... عَضْبٌ مَضَارِبُها باقٍ بها الأُثُرُ وقال: يُقَال: سُقْت الرّجُل بالسَّيْف، وعَصِيت به أَعْصى به، إِذَا عَملْتَ به ما تَعْمَلُ بالعَصَا، قال جريرٌ: تَصِفُ السُّيُوفُ وغَيرُكم يَعْصَى بها ... يا بْنَ القُيُونِ وذَاك فِعْلُ الصَّيْقَلِ ولمحمّد بن الحسن: وصاحِبَايَ صارِمٌ في مَتْنِه ... مِثْلُ مَدَبّ النَّمْلِ يَعْلو في الرُّبَا كأَنَّ بَيْنَ عَيْرِه وغَرْبِه ... مُفْتَأَداً تَأَكَّلَتْ فيه الجُذَى يُرِى المَنُونَ حينَ تَقْفُو إِثْرَهُ ... في ظُلَمِ الأَكْبَادِ سُبْلاً لا تُرَى إِذا هَوَى في جُثَّةٍ غَادَرَهَا ... مِن بَعدِ ما كَانَتْ خَسَاُ وَهْيَ زَكَا ولأَحْمَد بن محمّد المَصِّيصيّ: أَجْرَى الزَّبَرْجَدُ فيهِ جَدْوَلاً لَعِبَتْ ... عَقَائقٌ فَوْقَه باللُّؤْلُؤِ البَدَدِ

стр. 5

يكْتَنُّ تَحْتَ شَمَالِ البَدْرِ بارقُه ... وتَارَةً يَتَرَاءَى في يَدِ الأَسَدِ وله أَيضاً ممّا جوَّد فيه: ذُو مَدْمَعٍ من غيرِه مُسْتَعْبِرٍ ... وتَبَسُّمٍ من نَفْسِهِ مُتَوَالِ وكَأَنّمَا نَشَرَ الفِرِنْدُ بمَتْنِهِ ... دِيبَاجَةً خَضْرَاءَ إِثْرَ صِقَالِ ويُرِيكَ في لأْلائِهِ مُتَوقِّداً ... حَنَق المَنُونِ به على الآجالِ وللعَبْدِيّ: تَغْلَبِيّ في كَفِّهِ مَشْرَفيّ ... لنُفوسِ العِدَا شَرُوبٌ أَكولُ صارِمٌ لو رَمَى به الطَّودَ فَلَّ ال ... طَّوْدَ وارْتَدَّ لَيْسَ فيه فُلولُ كادَ ماءُ الفِرِنْدِ فيه ونَارُ ال ... طَّبْعِ تَعْلو هذِي وذَاك يَسٍيلُ وكان على سَيف بِسْطَام بن قَيْسٍ الشَّيْبَانيّ، واسمُ سَيْفِه المُحَوَّل مكتوباً: نَصْلٌ يَقُدٌ الكَبْشَ وهو مُدَجَّجٌ ... عَضْبُ المَضَارِبِ كالشِّهابِ السَّاطعِ وكان على سَيف عُتَيْبَةَ بنِ الحارثِ بن شِهَاب مكتوباً: ففِي أَيِّ حالاتي شَهِدْتِ فإِنّني ... إِذَا الحَرْبُ شُبَّت عَن حَرِيمِكِ دَافِعُ بذِي شُطَبٍ صافِي الحَدِيدِ كأَنّه ... إِذَا هُزَّ بَرْقٌ في دُجَى اللَّيْلِ لاَمِعُ وعلى سَيْفِ عامِرِ بن الطُّفَيلِ مَكْتوبٌ: وذِي حُبُكٍ في المَتْنِ صافٍ كأَنَّه ... لَوَامِعُ بَرْقٍ في الدُّجَى يَتَوَقَّدُ وكان على سَيْف عَمْرِو بن مَعْد يكَرِبَ القُلْزُمِ مكتوباً: ذَكَرٌ على ذَكَرٍ يَصولُ بصارمٍ ... عَضْبٍ يَمَانٍ في يَمِينِ يَمَانِ ؟ في الرِّمَاح الخَطِّية: مَنْسُوبَةٌ إِلى الخَطّ، وهي جزيرة بالبَحْرَيْن، والرُّدَيْنِيّة: مَنْسُوبةٌ إِلى رُدَيْنَةَ، امرأَة تَبيع القَنَا بالخَطّ، الأَزَنِيّة واليَزَنِيّة: منسوبةٌ إِلى ذِي يَزَن الحِمْيريّ، وكان مَلِكاً يَجمع السِّلاحَ. المِتَلّ: الغَليظُ الشديدُ اللَّدْنُ اللَّيِّنُ. الخَطِل: الشديدُ الاضطرابِ الذي يَفْرُط. الزّاعِبيّ: الذي إذا اهتَزَّ تَدافَعَ كُلّه كأَنّه يَجْرِي، ومنه: مرَّ يَزْعَب بحِمْلِه، إِذا مَرَّ يَتدافَع به. ومن أَحسن ما قيل في الرِّماح قَول سَلاَمةَ بنِ جَنْدَلٍ: بالمَشْرَفِيّ ومَصْقولٍ عَوَارِضُها ... صُمِّ العَوامِل صَدْقَاتِ الأَنابِيبِ سَوَّى الثِّقافُ قَناهَا فهْي مُحكَمةٌ ... قلِيلَةٌ الزَّيْغِ من سَنٍّ وتَرْكيبِ زُرْقاً أَسِنّتَها حُمْراً مُثقَّفَةً ... أَطْرَافُهنّ مَقِيلٌ لِليَعَاسِيبِ كأَنَّها بأَكُفِّ القَوْمِ إِذْ لَحِقوا ... مَوَاتِحُ البِئرِ أَو أَشْطَانُ مَطْلوبِ وقولُ مُزَرِّد: ومُطَّرِدٌ لَدْنِ الكعُوبِ كأَنَّمَا ... تَغَشّاهُ مُنْبَاعٌ منَ الزَّيْت سائلُ أَصَمّ إِذا ما هُزَّ مَارَتْ سَرَاتُه ... كَمَا مَارَ ثُعْبانُ الرِّمَالِ المُوَائِلُ له لَهْذَمٌ مَاضِي الغِرَارِ كأَنَّه ... هِلاَلٌ بَدَا في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ ناحِلُ وقولُ أَوس بن حَجَر: وإِنّي امْرُؤٌ أَعدَدْتُ للحَرْب بعدَ مَا ... رَأَيْتُ لها ناباً من الشَّرِّ أَعْصلاَ أَصَمَّ رُدَيْنيَّا كأَنَّ كعُوبَهُ ... نَوَى القَسْبِ عَرَّاصاً مُزَجّاً مُنَصَّلاَ عليه كمِصْبَاحِ العَزِيزِ يَشُبُّهُ ... لِفِصْحٍ ويَحْشوهُ الذُّبَالَ المُفَتَّلاَ وقال الأَصمَعِيّ: أَحِسن ما قالت العربُ في طول الرِّمَاح قَول القُطَاميّ: قَوَارِشُ بالرِّماحِ كأَنَّ فيها ... شَوَاطِنَ يُنْتَزَعْنَ بها انْتِزَاعَا تقارشوا: تطاعَنوا ولعنترة: يَدْعُون عَنْتَرَ والرِّماحُ كأَنّها ... أَشْطانُ بِئرٍ في لَبَانِ الأَدْهمِ وقال الأَصْمعيّ: أَحسنُ ما قِيلَ في صِفة رُمْحٍ قول أَبي زُبَيْد الطّائيّ: وأَسْمرَ يَرْبُوعٍ يَرَى ما أَرَيْتَه ... بَصِيراً إِذَا صَوَّبْتَه للمُقَاتِلِ

стр. 6

وقال ابن الأَعْرَابِيّ: أحسنُ ما وُصِفتْ به الرِّمَاحُ قول الشاعر: وبكلّ عَرَّاصِ المَهَزَّةِ مارِنٍ ... فيه سِنَانٌ مِثْلُ ضَوْءِ الفَرْقَدِ سُمْرٌ مَوَارِنُ مِن رِمَاحِ رُدَيْنَةٍ ... زُرْقُ الظُّبَاةِ سُقِينَ سُمَّ الأَسْوَدِ وكان يُنْشِد أَيضاً قَولَ مِسْكِينٍ الدَّارِميّ ويُعْجبُه: بكلّ رُدَينيٍّ كأَنَّ كعُوبَه ... قَطاً نَسَقٌ مُسْتَورَدُ الماءِ صائِفُ كأَنّ هِلاَلاً لاحَ فوْقَ قَناتِه ... جَلاَ الغَيْمَ عنه والقَتَامَ الحَرَاجِفُ ولأَعرابيّ: أَصمَّ رُدَينيّاً كأَنّ سِنَانَه ... سَنَا لَهَبٍ لم يَسْتَعِرْ بِدُخانِ ولآخر: مَعِي مارِنٌ لَدْنٌ يزِينُ قَنَاتَه ... سِنَانٌ كنِبْرَاسِ النِّهامِيّ مِنْجَلُ تَقَاكَ بكَعْبٍ وَاحد وتَلَذُّهُ ... يَدَاكَ إِذا ما هُزَّ بالكَفّ يَعْسِلُ يقول كأَنّ كِعَابَه كَعْبٌ وَاحدٌ، لصَلاَبته واسْتِوَائهِ يَعْسِلُ: يضطرب. وما أحسنَ ما قَالَ حَبِيبُ بنُ أَوْسٍ الطّائِيّ: أَنْهَبْتَ أَرْوَاحَها الأَرْمَاحَ إِذْ شُرِعَتْفما تُرَدُّ لِرَيْبِ الدَّهْرِ عنْه يَدُ كأَنَّها وهْيَ في الأَرْوَاحِ وَالِغَةٌ ... وفي الكُلَى تَجِدُ الغَيْظَ الذِي نَجِدُ مِن كُلِّ أَزْرقَ نَظّارٍ بلا نَظَرٍ ... إِلى المَقَاتِلِ ما في مَتْنِه أَوَدُ كأَنَّه كان تِرْبَ الحُبّ مُذْ زَمَنٌ ... فلَيْسَ يُعجِزُه قَلْبٌ ولا كَبِدً وله أيضاً: وأَخضرَ مُحْمَرِّ الأَعالِي يَزِينُهُ ... سِنَانٌ بحَبّاتِ القُلُوبِ ممتَّعُ مِن الَّلاءِ يَشْرَبْنَ النَّجِيعَ من الكُلَى ... غَرِيضاً ويَرْوَى عَرُّهنّ فيَنْقَعُ ولعُبَيدِ الله بن مَسْعود: وأَصمِّ الكُعُوبِ أَسْمَرَ لَدْنٍ ... يَتَثَنَّى كالحَيَّة المُنْسابِ زَاعِبيّ سِنَانُه يَنْهَبُ الأَنْ ... فُسَ من أَهْلِها غَدَاةَ النِّهَابِ ولغيره: ولَدْنٍ تَغَارُ عليه العَروسُ ... إِذَا مَا تَثَنَّى بحُسْنِ القَوَامِ له مُقْلَةٌ كُحِلَتْ بالسَّعِيرِ ... فأَعْجِبْ به ناظِراً عن ضِرَامِ ولابن المعتزّ: وَفِتْيان صِدْقٍ يَحُشُّونَها ... بزُرْقِ الأَسِنَّةِ فَوْقَ القَنَا كغَابٍ تَحَرَّقُ أَطْرافُهُ ... عَلى لُجّةٍ من حَدِيدٍ جَرَى وقلْتُ: ومُقَوَّمٌ تَهْتَزُّ أَعْطَافُ الرَّدَى ... في هَزِّهِ بيَدِ الحِمَامِ مُثَقَّفُ خَرِسٌ مَتى شَهِدَ الوَغَى بلِسَانِهِ ... نَطَقَتْ بحُجَّتِهِ المَنَايَا العُكَّفُ يَرْنو إِلى حَبِّ القُلُوبِ بمُقْلَةٍ ... زَرْقَاءَ أَرْمدَها الرَّدَى ما تَطرِفُ صَادٍ مَتى يَرِدِ النُّفوسَ يَجِدْ بها ... رِيّاً وتُصْدِرُهُ المَنايَا يَرْعُفُ ولدِعْبِلِ بن عليّ الخُزَاعيّ: وأَسْمَرٍ في رَأْسِه أَزْرَقٌ ... مِثْلُ لِسَانِ الحَيَّةِ الصَّادِي ولغيرِه: ومُثَقَّفٍ كالأُفْعُوانِ تَخَالُهُ ... يُبْدِي التَّثَاؤُبَ عن لَهِيبِ ضِرَامِ وهذا منقول من قَوْلِ أَحمَدَ بن محمّدٍ المَصّيصيّ: كأَنَّمَا حَيَّةٌ فَزْعَانُ في يَدِهِ ... أَبْدَى التَّثاؤُبُ مِنْه عَن سَنَا لَهَب في القِسِيِّ والسِّهام ممّا يُستجاد ويُقَدَّم في ذلك قَوْل أَوس بن حَجر: ومَبْضُوعَةً مِنْ رأْسِ فَرْعٍ شَظِيَّةً ... بِصَوْدٍ تَرَاه بالسَّحابِ مُكَلَّلاَ فجَرَّدها صَفْرَاءَ لا الطُّولُ عابَها ... ولا قِصَرٌ أَزْرَى بها فتُعَطَّلاَ كَتُومٌ طِلاَعُ الكفِّ لا دون مَلْئِهِا ... ولا عَجْسُها عن مَوْضعِ الكَفّ أَفْضَلاَ إِذَا ما تَعاطَوْها سَمِعْت لصَوْتها ... إِذَا أَنْبَضوا عنها نَئِيماً وأَزْمَلاَ

стр. 7

وإِن شُدَّ فِيها النَّزْعُ أَدْبَرَ سهْمُنا ... إلى مُنتَهىً من عَجْسِها ثُمَّ أَقبَلاَ ويصف السِّهام فيقول: وحَشْوَ جَفِيرٍ من فُرُوعٍ غَرَائبٍ ... تَنطَّع فيها صَانعٌ وتَأَمَّلا تُخُيِّرْنَ أَنْضاءَ ورُكِّبْنَ أَنصُلاً ... كجَمْرِ الغَضَا في يَوْمِ رِيحٍ تَزَيَّلاَ فلمَّا قَضَى مِنْهُنَّ في الصُّنْعِ نَهْمَةًفلَمْ يَبْقَ إِلاَّ أَنْ تُسَلَّ وتُصْقَلاَ كَسَاهُنَّ مِن رِيشٍ يَمَانٍ ظَوَاهِرٍ ... سُخَاماً لُؤاماً لَيِّن المَسِّ أَطْحَلاَ يَخُرْنَ إِذَا أُنْفِزْنَ في ساقِط النَّدَى ... وإِن كانَ يَوْماً ذَا أَهاضيبَ مُخضِلاَ خُوار المَطافِيلِ المُلَمَّعَةِ الشَّوَى ... وأَطلائِها صادَفْنَ غَرْثَانَ مُثْقَلاَ وقولُ الشَّنْفَري: وإِنِّي كَفاني فَقْدَ مَنْ لَيْسَ جَازِياً ... بِنُعْمَى ولاَ فِي قُرْبِه مُتَعلَّلُ ثَلاثَةُ أَصحاب فُؤَادٌ مُشَيَّعٌ ... وأَبْيَضُ إِصْلِيتٌ وصَفْرَاءُ عَيْطَلُ هَتُوفٌ من المُلْسِ المُتُونِ يَزِيُهَا ... رَصَائعُ قد نِيطَتْ إِليها ومِحْمَلُ إِذَا زَلَّ عَنْهَا السَّهْمُ حَنَّت كأَنّهَا ... مُرَزَّأَةٌ ثكْلَى ترِنُّ وتُعْوِلُ ويُسْتَجاد قول الشَّمّاخ: مُطِلٌّ بزُرْقٍ مَا يُدَاوَى رَمِيُّهَا ... وصَفْرَاءَ من نَبْعٍ عَليْهَا الجَلاَئزُ تَخَيَّرَهَا القَرَّاسُ من فرْعِ ضالةٍ ... لَها شَذَبٌ من دُونها وحَوَاجِزُ فما زال يَنْحُو كلَّ رَطْبٍ ويابِسٍ ... ويَنْغَلُّ حتّى نالَهَا وهو بَارِزُ وفيها: أَقَامَ الثِّقافُ والطَّرِيدةُ دَرْأَهَا ... كما أَخْرَجَتْ ضِغْنَ الشَّمُوسِ المَهَامِزُ إِذا أَنبَضَ الرَّامونَ عنها تَرنَّمتْ ... تَرَنُّمَ ثَكْلَى أَوجَعتْهَا الجَنَائزُ هَتُوفٌ إِذا ما خَالَطَ الظَّبْيَ سَهْمُها ... وإِنْ رِيعَ منها أَسْلَمتْهُ النَّوافِزُ كأَنّ عَلَيْهَا زَعْفَرَاناً تُمِيرُه ... خَوازِنُ عَطّارٍ يَمانٍ كَوَانِزُ إِذا سَقَطَ الأَنْدَاءُ صِينَتْ وأُشْعِرَتْ ... حَبِيراً ولم تُدْرَجْ عليهَا المَعَاوِزُ وأَنْشَدَ الرّيَاشيّ لأَعْرَابيّ في القَوْس: قد قَبضَتْ شِمالُه عليهَا وجَذَبَتْ يَمِينُه إِلَيْهَا تَحِنُّ في مَرْبُوعِ مَثْنوَيْهَا حَنِينَ ثَكْلَى فقَدَتْ اِبْنَيْها ولأَبي تمام: وإِذَا القِسِيُّ العُوجُ طَارَتْ نَبْلُهَا ... سَوْمَ الجَرَادِ تَسِيحُ حينَ تُطَارُ ضَمِنَتْ له أَعجَاسُها وتكَفَّلَتْ ... أَوْتَارُهَا أَن تُنْقَضَ الأَوْتَارُ وأَنْشَدَ الأَصمعي لسَيْف بن ذي يزَن في صفة النُّشّاب: هَزُّوا بَنَاتِ الرِّماحِ نَحْوَهُمُ ... أَعْوَجُهَا طائحٌ وأَقْومُهَا كأَنَّهَا بالفَضَاءِ أَرْشِيَةٌ ... يَخِفُّ مَنْقُوضُها ومُبْرَمُها ولأعْرَابيّ: وفي عُنُقي سيفُ حُسامٌ مهنَّد ... ومُرْهَفةٌ زْرْقٌ سِدَادٌ عُيورُها سَماحجُ أَشباهٌ على قَدِّ وَاحِدٍ ... تهرُّ أَعاديها وتَغْلِي قُدُورُها ولأَبِي كبير الهُذَليّ: مُسْتَشْعِراً تَحْتَ الرِّداءِ إِشَاحةً ... عَضْباً غَموضَ الحَدِّ غَيْرَ مُفَلَّلٍ ومَعَابِلاً صُلْعَ الظُّبَاتِ كأَنَّهَا ... جَمْرٌ بمَسْهَكَةٍ يُشَبُّ لمُصْطَلِي نُجُفاً بَذَلْتُ لهَا خَوَافيَ نَاهضٍ ... حَشْرِ القَوَادِمِ كاللِّفاعِ الأَطْحَلِ فإذا تُسَلُّ تَخَشْخَشتْ أَرْياشُها ... خَشْفَ الجَنُوبِ بيَابِسٍ من إِسْحلِ ولعتّاب بن وَرْقَاءَ: فحَطَّ عن مَنْكِبِهِ شِرْيَانةً ... مِمَّا اصْطفَى باري القِسِيِّ وانْتَقَى

стр. 8

أُم بَنَاتٍ عَدَّها صانِعُها ... سِتّينَ في كِنَانَةٍ ممَّا بَرَى ذاتَ رُؤُوسٍ كالمَصابِيح لهَا ... أَسَافِلٌ مِثْلُ عَرَاقِيبِ القَطَا ولابن طَبَاطَبَا: مَضى علىٌّ نحْوَ ميْدَانِه ... فِي فِتْيَةٍ رَاحَ بِهِمْ للنِّضالْ يا حُسْنَه والقَوْسُ في كَفِّه ... كالمُشْتَرِي أَشْرَقَ عنْد الهِلاَلْ وللحَلَبيّ في رامٍ: وقالُوا ذاك أَرْمى مَنْ رَأَيْنا ... فقُلْتُ رَأَيْتُم الغَرَضَ القَرِيبَا وهل يُخْطِي بأَسْهُمِه الرَّمَايَا ... ومَا يُخْطِي بمَا ظَنَّ الغُيُوبّا يُصِيب ببَعْضِها أَفْوَاق بعْضٍ ... فلَوْلاَ الكَسْرُ لاتَّصَلتْ قَضِيبَا بكُلِّ مُقوَّمٍ لمْ يَعْصِ أَمْراً ... له حتَّى ظَنَنّاهُ لَبِيبَا يُرْيِكَ النَّزْعُ بَيْنَ الفُوقِ منه ... وبَيْن رَمِيَّةِ الهَدَفِ اللَّهِيبَا في الدُّروع لمزَرِّدٍ: ومَسْفُوحةٍ فَضْفَاضةٍ تُبَّعِيَّةٍ ... وَآهَا القَتِيرُ تَجْتَوِيها المَعَابِلُ دِلاَص كظهْرِ النُّونِ لا يَستطيعُها ... سِنَانٌ ولا تِلْكَ الحِظَاءُ الدَّوَاخِلُ مُوَشَّحَة بَيْضاء دَانٍ حَبِيكُهَا ... لهَا حَلَقٌ بين الأَنَامِلِ فاضِلُ مُشهَّرَة تُحْنَى الأَصَابعُ نَحْوَها ... إِذَا جُمِعَتْ يَوْمَ الحِفاظِ القَبَائِلُ وَصَفَها أَنّها سابغةٌ، كما قال عَمْرُو بن مَعْدِ يكَرِبَ: وأَعْدَدْتُ للحَرْب فضْفاضَةً ... دِلاَصاً تَثَنَّى على الرَّاهِشِ وقال الأَصمعيّ: لئن أَجادَ في صِفَةِ الدِّرْع لقَد عابَ مَن يَلْبَسها، وذلك أَنّ الفُرْسانَ المَذْكورين لا يَحْفِلُونَ بسُبُوغِ الدِّرْع، وأَنْشَد: والدِّرْعُ لا أَبْغِي بها نَثْرةً ... كُلُّ امْرئٍ مُسْتَوْدَعٌ ما لَهُ أَي مَن قُدِّرَ عَلَيْه شْيءٌ أَصابَه. ورَوَى غيرُ الأَصمعي هذا البيت لابن الَّزيَّابة التَّيميّ: والدِّرْعُ لا أَبْغِي بها ثَرْوَةً ... كلُّ امْرِئٍ مُسْتَوْدَعٌ ماله أَي الدِّرْع لا أَبِيعها بمالٍ، يقول المالُ مُسْتوْدَعٌ عند النّاس، ودِرْعي عندي لا أَبيعها ولا أُضيعها، ولكنّي أُؤَدِّي فيها الأمانَة. وهذا مثَلٌ. وأَنشد الأَصمعيِّ للأَعشى: وإِذا تكون كِتيبةٌ ملْمومةٌ ... خَرْساءُ يَخْشَى الذَّائدُون نِهَالَهَا كُنْتَ المقدَّم غيْرَ لابِس جُنَّةٍ ... بالسَّيْف تَضرِبُ مُعْلِماً أَبْطالَهَا وعَلِمتَ أَنّ النَّفْس تَلْقَى حَتْفَها ... ما كان خالِقُها المَلِيكُ قَضَى لهَا وقال: لمّا أَنشد كثير بن عبد الرحمن عبدَ الملك بن مروان: على ابنِ أَبِي العاصِي دِلاصٌ حَصِينةٌ ... أجاد المُسَدِّي سَرْدها وأَذَالَها يَؤودُ ضَعيفَ القوْم حَمْلُ قَتِيرِها ... ويسْتَضْلِعُ الطِّرْفُ الأَشمُّ احْتِمالها قَال له عبد الملك: هلاّ قُلت كما قال الأعشى وإِذا تكون كتيبة ... الأبيات. فقال: يا أَمير المؤمنين، وصَفْتُك بالحَزْم، ووَصفَ الأَعشى صاحبه بالخُرْق، فقال عبدُ الملك: بل وَصَفَ صاحِبَه بالشجاعة والإِقدام، ووَصفْتَني بالجُبْن والإحجام. وما أَحسنَ ما قال أَوس بن حَجر: وأَمْلَس صُولِيّاً كنِهْيِ قرَارَةٍ ... أَحَسَّ بقاعٍ نفحَ رِيحٍ فأَجْفَلاَ كأَنّ قُرُونَ الشَّمْسِ بعْد ارتِفَاعِها ... وقد صَادَفَتْ طلْقاً من النَّجْم أَعزَلاَ تَردَّدَ فيه ضَوْءُها وشُعَاعُهَا ... فأَحْصِنْ وأَزْيِنْ لامْرِئٍ أَن تَسَرْبَلاَ وقال أَبو عبيدة: أَحسُ ما قِيل في صِفةِ الدُّروع: وبِيضٍ من النَّسْج القدِيم كأَنَّهَا ... نِهاءُ نقِيعٍ مَاؤُه مُتَرَافِعُ تُصَفِّقُها هُوجُ الرِّياحِ إِذا جَرَتْ ... وتعْقُبُهَا الأَمْطارُ فالماءُ راجِعُ وللجُميْح الأَسديّ واسمه مُنْقِذ:

стр. 9

مُدَّرِعاً رَيْطةً مضاعفةً ... كالنهِي وفَّى سَرَارَهُ الرِّهَمْ ولمُعقِّر بن قَيْس: وخَيْلٍ قدْ دَلَفتُ لهَا بِخَيْلٍ ... عليها الشُمْطُ من أَولادِ عَبْسِ علَيْهمْ كُلُّ سابِغةٍ دِلاَصٍ ... كأَنّ قتِيرَها حَدَقُ ابنِ عِرْسِ ولعبد الله بن سلام: ولم تَر يحيى فوقَه تُبَّعِيّةٌ ... تَرُدُّ غِرار السَّيْفِ والسَّيفُ قاضِبُ تقارَبَ منها السَّرْدُ حتّى كأَنّما ... تَخازَرُ فيهَا بالعُيُون الجَنادبُ هذا البيتُ حَسنُ المعنى، لأَنّ أَكثر من وَصَفَ الدُّروعَ شَبَّهَها بحَدَق الجَرادِ، والجَنَادِبُ ضَرْبٌ منها، ولم يَرْضَ هذا حتّى قال تخازَرُ أَلف والتخازُرُ تصْغِير العَيْن، فجعلَها مِثل عُيُونِ الجَرَادِ المصغَّرة، وهذا إِغراقٌ في الوَصْف. في السِّلاح مُجمَلاً قال امرؤ القَيس: ومُطَّرِداً كرِشَاءِ الجَرو ... رِ من خُلُبِ النَّخْلةِ الأَجْرَدِ وذا شُطَبٍ غامِضاً كَلْمُه ... إِذَا صَابَ بالعَظْم لم يَنْأَدِ ومشْدودةَ السَّكِّ مَوْضُونةً ... تَضاءَلُ في الطَّيِّ كالمِبْرَدِ تَفِيضُ على المَرْءِ أَرْدَانُها ... كفَيْضِ الأَتِيِّ على الجَدْجَدِ ولعَوْف بن الخَرِع: أَعْدَدْتُ للأَعداءِ مَوْضونَةً ... فَضْفاضةً كالنِّهْي بالقَاعِ أَحفِزُها عنّي بذِي رَوْنقٍ ... مُهنَّدٍ كالمِلْحِ قَطّاعِ صَدْقٍ حُسَامٍ وَادِقٍ حَدُّه ... ومُجْنَإٍ أَسْمَر قرَّاعِ ولزهير: ومُفَاضةٍ كالنِّهْي يَنُسِجُه الصَّبَا ... بَيْضاءَ كَفَّتَ فَضْلَهَا بمُهنَّدِ صَدْقٍ إِذا ما هُزّ أُرْعِشَ مَتْنُهُ ... عَسَلاَن ذِئبِ الرَّدْهةِ المستَورِدِ ولغيره: ولا تُوعِدَني إِنّني إِن تُلاقِني ... مَعِي مَشْرَفيٌّ في مَضارِبِه قَصَمْ ونَبْلٌ قِرَانٌ كالسُّيُوفِ سَلاَجِمٌ ... وفَرْعٌ هَتُوفٌ لا سَقِيٌّ ولا نَشَمْ ومُطّرِدُ الكعْبَينِ أَحْمرُ عاتِرٌ ... وذَاتٌ قتِيرٍ في مَوَاصِلِهَا دَرَمٌ مُضاعفَةٌ جَدْلاءُ أَو حُطَمِيَّةٌ ... تُغشِّي بَنَانَ المرْءِ والكَفَّ والقَدَمْ ولعبد قَيس: وأَصْبَحْتُ أَعْددْتُ للنّائبا ... تِ عِرْضاً نَقِيّاً وعَضْباً صقيلاَ ووَقْعَ لِسَانٍ كحَدِّ الحُسامِ ... ورُمْحاً طويلَ القّناةِ عَسُولاَ وسَابِغةً من جِيَادِ الدُّرو ... عِ تَسمعُ للسَّيف فيها صَليلاَ كماءِ الغَديرِ زَفَتْهُ الدَّبُورُ ... يَجُرُّ المُدَجَّجُ فيها فُضُولاَ وأَنشدنا الأَخفش الأعرابيّ، ورَواها أَبو تمّام في الحماسة لحَنِيفَة بن حُنَيٍّ: أَعْددْتُ أَخْرسَ للطِّعان ونَثْرةً ... زَغْفاً ومُطَّرِداً من الخِرْصَانِ وفُرُوعَ شَوْحَطةٍ كأَنّ نَذِيرَها ... في الكَفِّ عَوْلَةُ فَاقِدٍ مِرْنَانِ وسَلاجِماً صُلْعَ الرُّؤُوسِ كأَنَّهَا ... أَفْواهُ أَفْرِخةٍ من النِّغْرانِ والخَيْلُ تَعلمُ حين شَمَّصَها القَنَا ... وعَلاَ رَوَادِفَها النَّجِيعُ مَكانِي أَنْ لا أَفِرّ عنِ القِتالِ فأُزْدَهَى ... حتَّى أُرَوِّيَ صَعْدَتي وسِنَانِي ولآخرَ: أَعْدَدتُ بَيْضَاءَ للحُرُوب ومَصْ ... قولَ الغِرارَينِ يَفْصِم الحَلَقا وفَارِجاً نَبْعةً ومِلءَ جفِ ... يرٍ من نِصَالٍ تَخالُهَا وَرَقا وأَرْيحيّاً عَضْباً وذا خُصَلٍ ... مُخلَوْلِقَ المَتْنِ سابِحاً تَئِقَا يَمْلأُ عَيْنَيْك في الفِنَاءِ ويُرْ ... ضِيك عَفَافاً إِن شئْتَ أَو فَرَقا ولآخر: وبَيْضاءَ مِثْلِ النِّهْيِ رِيحَ ومَدَّهُ ... شَآبِيبُ غَيْثٍ يَحْفِشُ الأُكْمَ صائفُ

стр. 10

ومُطَّرِدٍ يُرْضِيكَ قبلَ ذَوَاقِهِ ... ويَمْضِي ولا ينْآدُ فيما يُصادِفُ ولعَمرو بن مَعد يكربَ: أَعْدَدْتُ للحَدَثانِ سابِغةً وَعَدّاءً عَلنْدَى نَهْداً وذَا شُطَبِ يَقُدُّ البَيْضَ والأَبْدانَ قَدّ؟ اً وعَلِمْتُ أَنّي يوم ذاك مُنَازِلٌ كَعْباً وسَعْدَا قَوْماً إِذا لَبِسوا الحَدِيدَ تنمَّروا حَلَقاً وقِدَّا كلُّ امْرِئٍ يَجْرِي إلى يَوْمِ الهِيَاجِ بما اسْتَعَدَّا ولبعض العرب: سِرْنا إِليهِمْ بكُلِّ سَلْهبةٍ ... وكَلِّ صافِي الأَدِيمِ كالذَّهَبِ وكُلِّ عَرَّاصةٍ مُثقَّفَةٍ ... فيها سِنَانٌ كشُعْلةِ اللَّهَبِ وكلِّ عَضبٍ في مَتْنِهِ أُثُرٌ ... ومشْرفيّ كالمِلْحِ ذِي شُطَبِ وكلِّ فَضْفاضةٍ مُضَاعَفةٍ ... من نَسْجِ داوودَ غيْرِ مُؤْتشَبِ ولحسان بن ثابت: وقد أَروحُ أَمامَ الحَيِّ مُنْطَلقاً ... بصارمٍ مثْلِ لَوْنِ المِلْحِ قَطّاعِ يَدْفَعُ عني ذُبابَ السَّيْفِ سابِغةٌ ... مَوّارةٌ مثْلَ جَرْيِ النِّهْيِ بالقَاعِ في فِتْيةٍ كسُيُوفِ الْهِنْدِ أَوْجُهُهُمْ ... لا يَنْكُلُون إِذا ما ثَوَّبَ الدَّاعِي وأَنشدَ حسّان هذه الأَبْياتَ رسُولَ الله صلَّى الله عليه وعلى آله، فتبسَّم، فظنّ أَنّ تَبسُّمَه مِن وَصْفه معَ ما هُو عليه من جُبْنِه فذَكر الزُّبيرُ أَنّ قَوْمه يدْفعُون أَنْ يكون جَباناً، قالُوا: ولكِن أَقعده عن الحرْبِ أَنّ قَوْمه يدْفَعُون أَنْ يكون جَباناً، قالوا: ولكِن أَقعده عن الحرْبِ أَنّ أَكْحلَه قُطِع، فذَهب منه العَملُ في الحرب، وأَنشدوا قَوْل حسّان: وقدْ كنتُ أَشْهدُ وَقْعَ الحُرو ... ب يَحْمَرُّ في كَفِّيَ المُنْصُلُ وَرِثْنَا من المجْدِ أُكْرومةً ... يُوَرِّثُهَا الآخِر الأَوَّلُ أَضَرَّ بجسْمِيَ مَرُّ الدُّهورِ ... وخَانَ قِرَاعَ يَدِي الأَكْحَلُ وقال محمد بن يزيد: وقيل: الدّلِيلُ على أن حسّاناً لم يكن جباناً من الأصل أَنّه كان يُهَاجِي خَلْقاً، فلم يُعَيِّرْه أَحدٌ منهم بالجُبْن. ولعبد الله بن المُعْتزّ: د وسُيوفٌ كأَنَّها حينَ هُزَّتْ ... وَرَقٌ هَزَّهُ سُقُوطُ القِطَارِ ودُروعٌ كأَنَّها شَمطٌ جَعْ ... دٌ دَهِينٌ تَضِل فيه المَدَارِي وسِهامٌ ترْدِي الرَّدَى من بعِيدٍ ... وَاقِعاتٌ مواقِعَ الأَبْصارِ وله أيضاً: بحيْثُ لا غَوْثَ إِلاّ صارِمٌ ذَكَرٌ ... وجُنَّةٌ كحَبَابِ الماءِ تَغْشانِي وصَعْدَةٌ كرِشَاءِ البِئْر ناهِضةٌ ... بأَزْرقٍ كاتِّقادِ النَّجْمِ يقْظَانِ وله أَيضاً: وقدْ أْلاقِي بَأْسَ العُداةِ بصَمْ ... صامٍ رَسُوبٍ كالنَّار تَتَّقِدُ وعاسِلٍ كالشُّعَاع ماضِ إِلى ال ... نَّفْسِ ودِرْعٍ كأَنّه الزَّبَدُ ونَبْعةٍ لا يفُوتُ هارِبُها ... وقَارِحٍ بَعْدَ شدِّهِ يَعِدُ ولأَبي دُلَفَ: وفَضْفَاضَةٍ يُعْشى العُيُونَ قَتِيرُها ... تَرُدُّ شَبا سُمْرٍ القَنَا والقَوَاطِعا وسمْراءَ تَغْتالُ الثِّقَافَ جَلاَلةً ... وتُهْدِي لأَبْناءِ الحُروبِ القوَارِعَا قدِ اعْتَدَلَتْ أَطْرَافُهَا فكَسوْتُهَا ... سِناً كمِقْبَاسِ الشَّرَارةِ لاَمِعَا والمقدَّمُ المُسْتجادُ المشهورُ قولُ عمرو بن كُلْثُوم: عليْنَا البَيْضُ واليَلَبُ اليَمانِي ... وأَسْيَافٌ يَقُمْنَ ويَنْحَنينَا عليْنَا كُلُّ سَابِغةٍ دِلاَصِ ... تَرىَ فَوْقَ النِّجَادِ لها غُضُونا إِذَا وُضِعَتْ عن الأَبْطَالِ يَوْماً ... رأَيْت لها جُلُودَ القوْمِ جُونَا كأَنَّ مُتُونَهنّ مُتُونُ غُدْرٍ ... تُصَفِّقُها الرِّياحُ إِذا جَرينا وللحَلَبِيّ:

стр. 11

فمتَى أَراكَ وفَوْقَ سَرْجِكَ أَجْدَلٌ ... يَسْعَى به نَحْوَ الكَرِيهةِ أَجْدَلُ وعليْك من نَسْجِ الحَديدِ مُفَاضَةٌ ... كالنِّهْيِ يَنْفَحُهُ الصَّبَا والشَّمْأَلُ مُتَوَشِّحاً لَدْنَ المَهَزِّ كأَنّما ... في جفْنِهِ منه شِهَابٌ يُشْعَلُ ويَداكَ تعْتَوِرَانِ مَتْنَ مُثَقَّفٍ ... لَهْفانَ مِن عَلَقٍ يُعَلُّ ويُنْهَلُ وللمتنبي في صِفةِ التَّجَافِيف بعد ذِكْرِه الجَيْشَ، وقد ذكرناه في مَوْضِعه: حوَاليْهِ بحْرٌ للتَّجافِيفِ مَائِحٌ ... يَسِيرُ به طَوْدٌ من الخَيْل أَيْهَمُ على كُلّ طاوٍ تحْتَ طاوٍ كأَنَّه ... من الدَّمِ يُسْقى أَوْ من اللَّحْم يُطْعَمُ لها في الوَغَى زِيُّ الفَوَارِس فَوْقَها ... فكُلُّ حِصَانٍ دارِعٌ مُتَلَثِّمُ بابٌ في اختيار قطعةٍ من أَيّام العَرَب وما في وَقائِعهَا من العَجَب أَيّامُ العرب كثيرة، ولها وقَائعُ مشهورةٌ طويلةٌ، تَركناها لِطُولها وشهرتها، واقتنَعْنا بذكر ثلاثين يوماً من أَيّامها. فأَمّا المشهورةُ الطَّوِيلةُ منها فَوقائعُ بَكْرٍ وتَغْلب ابْنَى وائلٍ في حرْب البَسُوس، وتُسمِّيها العربُ البَتْراءَ، لأَنّها أَقلعَتْ عن غير تَكافُؤٍ في الدِّماءِ، ولا عَقْلٍ، ودامتْ أَربعين سنةً، في قول جميع الرُّواة. ووَقائعُ عَبْسٍ وذُبْيَان في حَرْب دَاحِسٍ والغَبْراءِ، وتُسمِّيها العربُ الكرِيمة، لأَنّها أَقْلعتْ عنْ عَقْلٍ وتَكافُؤٍ في الدِّماءِ، ودامَت الحربُ بينَهم أَربعين سنةً، في قول المُكثِرين من الرُّواة، وبِضْعةً وعشرِين سنة، في ... ول المقلِّلين منهُم. ووَقائعُ الأَوس والخزْرَج، ودامتْ سِتّين سنةً، ولم تكن كحروب هؤلاءِ في الشِّدّة ولَفِّ الخَيْلِ بالخيْل، وإِنما كانت تَخرُجُ الجَماعةُ إِلى الجماعةِ، فيَتَرَامُون بالحِجارة، ويتضَاربُون بالعِصِيّ، لِقُرب دارِ بعضِهم من بعضِ، وربما تَزاحفُوا بالسِّلاح. ولحروب هؤلاءِ أحاديثُ يَدْخلُ كلُّ وَاحدٍ منها في أَكْثَرَ من جُزْءٍ من أَجزَائنا، فتركناها لهذِه العِلّة. يَومُ جَدُودَ وهو يَوْمٌ لبني سعدٍ على بني شَيبانَ، وفيه مَقتلُ شِهَاب بن قَلَع بن جَحْدرٍ، جدّ المَسَامِعَة، قتَلَه مالكُ بن مَسْروق بن غَيلانَ الرُّبَيْعِيّ

стр. 12

خرجَ الحارِثُ بن شَرِيكٍ، وهو الحَوْفَزَانُ، في بني شَيْبان وأَفنَاءِ بكْرِ بن وَائِلٍ مُتَسانِدِين، على كلّ حَيٍّ منهم رئيسٌ؛ على بني قَيس بن ثعْلَبة حُمْرَان بن عَبْدِ عمْرِو بن بِشْرِ بن عمْرِو بن مَرْثَدٍ. وعلى بني تشيبان الحارِثُ شرِيك، وعلى بني عِجْلٍ أَبْجرُ بن جابِرٍ فساورا يُرِيدُون الغارَة على بني يرْبُوعٍ، فنذِرتْ بهم بنو يَرْبُوع، فحالُوا بينهم وبين الماءِ، وكان بيْن الحوْفزَانِ وبين عُتَيبة بنِ الحارِث بن شِهَاب اليرْبُوعِيّ مُوَادَعةٌ، فقال الحَوْفزَانُ: يا بني يَرْبُوعِ، واللهِ ما لَكم سَمَوْتُ فهل لكم في خَيْرٍ؟ نُصالِحُكُم على ما مَعَنا من الثِّيَاب والتَّمْر، وتُخلُّون سبِيلَنَا، ونَعْقِدُ على أَن لا نُروعَ حَنظَلِياً فصالَحوهم، وأَخذُوا منهم الثيابَ والتَّمْرَ وسارتْ بكرُ بن وائلٍ فأَغَارُوا على بني رُبَيعِ بن الحارث بن عَمْرٍو بن كَعْب بن سَعْدٍ، وهم خُلُوفُ فأَصابوا نَعَماً وسَبْياً، فأَتَى الصَّريخُ بني مِنْقَرٍ، فركبوا في طلَب القَوْم، فلحقوهم وهم قائلون، قد أَمِنوا من الطَّلَب، فكان أَوّلَ من لحَقَ بهم الأَهتمُ بن سُمىٍّ، فرفَع الحَوْفَزانُ رأسه، فإذا الأَهتَمُ قريبٌ منه، قال الحوفزانُ: من الرجلُ؟ فقال الأهتمُ: لا بلْ من أنت قال: أَنا الحارث بن شَرِيكٍ، وهذه بنو رُبَيْعٍ قد حَوَيْتُهَا، قال الأَهتمُ: وأَنا الأَهتمُ بن سُمَيٍّ وهذا الجيْشُ. ونادَى الأَهتمُ: يالَ سعد، ونادَى الحَوفزانُ يالَ وائلٍ، ولحقتْ خَيلُ بني سعدٍ، فقاتَلوا القومَ قتالاً شديداً، وقتل من الفريقين، ثم إن بكر بن وائل انهزمتْ، واستنقذَتْ بنو سَعْدٍ أَمْوَالَهم، ولحقَ مالكُ بن مسروقٍ الرُّبيْعِيّ شِهَابَ بن قَلَع بن جَحْدَرٍ وابنَ عمٍّ له معه، فقال مالكٌ لشهاب: من أنت؟ فقال: أَنا شِهابُ بن جَحْدَرْ ... أَطعنُهم عِنْد الكرّ تحت العجاج الأَكْدرْ ومعه العِدْلُ رجلٌّ من قومه فقال مالكُ مجِيباً له: وأَنا مالك بن غَيلانْ ... معِيْ سِنانٌ حرّانْ وإِنما جِئتُ الآنْ ... أقسَمْتُ لا تَؤُوبانْ حتّى يَؤوبَ العِدْلانْ فحمَلَ على شهابٍ، فقَتله ثَم حملَ على ابن عم له آخر فقتله وأَسرَ الأَهْتَمُ بن سُمَيٍّ حُمْرانَ بن عَمرو، وأَسَر المنذر بن مُشَمِّتٍ المِنْقَرِيُّ أَحدُ بني جَرْوَلٍ عَوْفَ بن النُّعمان الشَّيبانيَّ. وأَسرَ فَدَكيٌّ بنُ أَعْبَد، أَبْجَرَ بنَ جابِرٍ. وأَدْرَكَ قيسُ بن عاصِمٍ الحارثَ بنَ شَرِيكٍ، والحَارثُ على فرسٍ لَه يُدعى الزَّبِدَ وقَيْسٌ على فَرسٍ صغير السِّن فكان فَرسُ الحوفَزَانِ إذا استَوَت بهما الأَرضُ لَحِقَه قَيْسٌ فيقول: اسْتَأْسِرْ حارِ خَيرَ أَسِيرٍ، فيقول الحارِث: ما شاءَ الزّبِدُ، وإِذا عَلَوْا ظَهْراً من الأَرض فاتَهُ الحارِثُ، لسِنّ فرسهِ وقُوَّتِه، فلمّا تَخوَّفَ قَيْسٌ أَن يَفوتَه، زَرَقه برمحه زَرْقَةً هَجَمتْ على جَوْفِه وأَفلَت بها فسُمِّي الحارثُ الحَوفزانَ، فقال في ذلك سَوّارُ بن حَيّانُ المنقَرِيّ: ونَحْنُ حَفَزْنَا الحَرْفَزَانَ بطَعْنةٍ ... سَقَتْه نَجِيعاً من دَمِ الجَوْفِ أَشْكَلاً وحُمْرَانُ أَدَّتْه إِلَيْنَا رِمَاحُنَا ... يُعَالِجُ غُلاًّ في ذِرَاعَيْه مُقْفَلاَ وقالَ صَعْصَعَةُ بن مالِكٍ في ذلك: وإِنْ تَسْأَلِ الحَيَّ مِنْ مالكٍ ... تُخَبِّرْكَ ذُهْلٌ وشَيْبَانُهَا بوَادِي جَدُودَ وقد بُوكِرتْ ... بضَيْق السَّنَابكِ أَعْطَانُهَا بأَرْعَنَ كالطَّوْدِ من وَائلٍ ... يَرُومُ الثُّغورُ ويَعْتانُها تكادُ له الأَرْضُ من رِزِّهِ ... إِذَا سَارَ تَرْجُفُ أَركانُهَا قَدَامِيسُ يَقْدُمُها الحوَفَزانُ ... وأَبْجَرُ تَخْفِقُ عِقْبَانُهَا أَقَمْنَا لهمْ سُوقَ مَلْمُومَةٍ ... يُدِيرُ رَحَا الحَرْبِ فتْيانُهَا بمَشْهُورَةٍ جُرِّبَتْ قَبْلَهُمْ ... تَوَقَّدُ في الحَرْب شُهْبَانُهَا فأَلْفَوْا لنَا كلَّ مَجْدُولةٍ ... تُصَانُ لِدَاوُودَ أَبْدَانُهَا

стр. 13

وكلَّ شَدِيدِ مَجَالِ الذَّنُوبِ ... شَدِيدِ قَرَى المَتْنِ عُرْيَانُها وقال الأَهْتَمُ بن سُمَيٍّ في ذلك: تَمَطَّتْ بحُمْرَانُ المَنِيّةُ بَعْدَمَا ... حَشَاهُ سِنَانٌ مِن شُرَاعَةَ أَزْرَقُ دَعَا يالَ قَيس وادَّعَيْتُ لمِنقَرٍ ... وكُنْتُ إِذَا لاقَيْتُ في الحَرْبِ أَصْدُقُ ثمّ إِنّ الأَهْتَمَ جَزَّ ناصيةَ حُمْرَانَ، ومَنَّ عليه. ففي ذلك يقُولُ الفَرَزدقُ: أَينْسَى بَنُو سَعْدٍ جَدُودَ التّي بها ... خَذَلْتم بني سَعْدٍ على شَرِّ مَخْذَلِ عَشِيَّةَ وَلَّيْتمْ كأَنَّ سُيوفَكمْ ... ذَآنِينُ في أَعْنَاقِكُم لم تُسَلَّلِ وشَيْبَانُ حَوْلَ الْحَوْفَزانِ مُوائِلٌ ... مُنِيفٌ بزَحْفٍ ذي زَوَائدَ جَحْفَلِ دَعَوْا يالَ سَعْدٍ وادَّعَوا يالَ وَائِلٍ ... وقدْ سُلَّ مِن أَغمادِها كلُّ مُنْصُلِ قَبِيلَيْنِ عنْدَ المُحصَنَاتِ تَصاوَلُوا ... تَصاوُلَ أَعْنَاقِ المَصَاعِبِ مِنْ عَل وفي ذلِك يقولُ قَيْسُ بن عاصِمٍ الْمِنْقَرِيُّ: جَزَى اللهُ يَرْبُوعاً بأَسْوَإِ سَعْيِهَا ... إِذَا ذُكِرَتْ في النّائباتِ أُمُورُهَا ويَوْمَ جَدُودٍ قدْ فَضَحْتُمْ أَباكُمُ ... وسَالَمْتُمُ والخَيْلُ تَدْمَى نُحُورُهَا فأَصْبَحْتُمُ واللهُ يَعْلَم ذاكُمُ ... كمَهْنُوءةٍ جَرْبَاءَ أُبْرِزَ كُورُهَا ستَخْزِمُ سَعْدٌ والرِّبَابُ أُنوفَكم ... كما غَاطَ في أَنْفِ الظَّؤُورِ جَرِيرُهَا أَفَخْراً علَى المَولَى إِذَا ما بَطِنْتُمُولُؤْماً إِذَا ما الحَرْبُ شُبَّ سَعِيرُهَا أَتانِي وَعِيدُ الحَوْفَزَانِ ودُونَه ... مِن الأَرْضِ صَحْراوَاتُ فَلْجِ وقُورُهَا أَقِمْ بسَبِيلِ الحيِّ إِن كُنْتَ صادِقاً ... إِذَا حَشَدَتْ سَعْدٌ وثَابَ نَفِيرُهَا عَصَمْنَا تَمِيماً في الحُرُوبِ فأَصْبَحَتْ ... يَلوذُ بِنا ذُو مالِهَا وفَقِيرُهَا وقال مالكُ بن نُوَيْرَةَ اليَرْبوعيُّ يَرُدُّ على قَيْس بن عاصمٍ: سأَسْأًلُ من لاقَى فَوارِسَ مِنْقَرٍ ... رِقَابَ إِمَاءٍ كَيْفَ كانَ نَكِيرُهَا وكُنْتُمْ بَغَاثاً إِذْ لَقِيتُمْ نِدَادَكمْمِنَ القَوْم ضَأْناً لا بنِ كُوز عُشُورُهَا فَهذا أَوَانُ القَدْعِ بَيْنِي وبَيْنَكمْ ... كَوَادِنَ جُنْدٍ نَفَّلتْها أَيورُهَا مَجُوسِيّةٌ كَعْبُ بن سَعْدٍ ويَنْتهِي ... إِلى بَيْتِ قَيْسٍ غَدْرُهَا وفُجُورُها ؟ يَومُ أَبَايِضَ وهو يومٌ لبَكْرِ بن وائلٍ على بني تَمِيم، قَتلَتْ فيه طَرِيفاً بشَرَاحِيلَ، حين قَتَلَه ابنُه حُمَيْصِيصَة بن شَرَاحيل. وقُتِل أَبو الجَدْعاءِ الطُّهَويُّ، قَتَلَه سَعْدُ بن عُبَادِ بن مَسْعُودٍ. كانتِ العَرَبُ في الشَّهْر الحَرَام تأْتِي عُكَاظَ، وقد أَمِنَ بعضُهُم بَعْضَاً، وهم مُتَقَنِّعون، كيلا يُعرفوا، وكان طَريفُ بن عمرِو بن تميم العنبرِيُّ لا يَتَقَنَّعُ، فوَافَى عُكاظَ سنةً، وقد حَشَدَتْ بكرُ بن وائلٍ، وكان طَرِيفٌ قد قَتلَ قَبْلَ ذلك شَرَاحِيلَ الشَّيبانيَّ، من بني أَبي رَبِيعةَ بنِ ذُهْلِ بن شَيْبانَ، فقال حُمَيْصِيصَة بن شَرَاحِيل: أَرُوني طَرِيفاً، فأَرَوْهُ إِيّاه، فجعل كُلَّما مَرَّ به طَرِيفٌ تَأَمَّلَه ونَظَر إِليه، حتَّى فَطَنَ له طَرِيفٌ، فقال: مالَك تَنْظُرُ إِليَّ؟ قال: أَتوَسًّمُك لأَعْرِفَكَ، فإِن لَقِيتُك في حَرب فلِلّهِ عليَّ أَنْ أَتتُلك أَو تَقْتلَني، فقال في ذلِك: أَوَ كُلَّما وَرَدَتْ عُكَاظَ قَبِيلةٌ ... بَعَثُوا إِليَّ عَرٍفَهُم يَتَوَسَّمُ فتَوَسَّموني إِنّنِي أَنا ذَاكُمُ ... شَاكٍ سِلاَحِي في الحَوادِث مُعْلَمُ تَحْتِي الأَغرُّ وفَوْق جِلْدي نَثْرَةٌ ... زَغْفٌ تَرُدّ السَّيْفَ وَهْوَ مُثَلَّمُ ولكُلّ بَكْرِيٍّ لَدَيَّ عَدَاوَةٌ ... وأَبو رَبِيعَةَ شانِئٌ ومُحَلِّمُ

стр. 14

حَوْلي أُسَيِّدُ والهُجَيْمُ ومَازِنٌ ... وإِذَا حَللْتُ فحَوْلَ بَيْتِي خَضَّمُ وجَرى بينَ بَني أَبي رَبيعةَ بن ذُهْلٍ وبين بني مُرَّة بن ذُهْلٍ خُلْفٌ، بِسببِ حُلَفاءَ لهم يقال لهُم بنو عائِذةَ بنِ لُؤَيٍّ، فإنْمَا زَت بنو أَبي ربيعة مع سيدها هانئ بن مسعودٍ، وسارُوا عنهُم حتى نَزَلُوا على ماءٍ لهُمْ يقال له مُبَايض، فهرَبَ عَبدٌ لهُم، فأَتَى بِلادَ تَمِيم، فأَخْبَرَهم فقال: إِنّ حَيّاً حَرِيداً من بَكْر بن وَائِلٍ، وهم بنو أَبي رَبِيعَةَ، قد نَزَلوا على مُبايِض. فلمّا تحقَّقوا ذلك قال طَرِيفٌ: هؤلاءِ ثَأْرِي، ومَن كنتُ أَبْغِي، يالَ تَمِيمٍ إنما هم أَكلَةُ رأْسٍ. وأَقبلَ في بني عمرِو بن تَمِيمٍ واستَغْوَى قبائلَ من تميمٍ، فأَتَاه أَبو الجَدْعاءِ الطُهَوِيّ في بني طُهَيَّة وفيمن تبعَه من بَنِي حَنْظَلَة، وفَدَكِيُّ بن أَعْبَدَ فيمن تَبِعَه من بَني سَعْد بن زَيْدِ مَناةَ، فأَقْبَلُوا مُتَسانِدين، حتّى إذا كانوا قريباً منهم باتُوا ليُصَبِّحوهُم بالغَارَة، فبَصُرت بهم أَمَةٌ كانَت تَرْعَى لرجلٍ من بني عائذةَ يقال له سُميرُ بن أَحْمَرَ، فقالت لمَولاهَا: لقد رأَيتُ بالدَّوِّ نَعَماً كثيراً، فقال: يا بنِي أَبي رَبيعة، من أَي الوَجْهِ سَرَحَ نَعَمُ عُبَادِ بن مسعُود؟ فَقَالُوا من هذا الوَجْه خِلافَ الوَجْهِ الذي جاءَتْ منه الجَارِيةُ فقال: يا هؤلاء، قد واللهِ جَاءَتْكم تميمٌ، فارْتَئُوا رأْيَكُم، وانْظُروا في أَمركم. فاجْتَمَعُوا إِلى سَيّدهم هانئٍ فقال لهم: أَطِيعُوني اليومَ وإِلاّ انْتَحَيْتُ على ظُبّةِ سَيفي. فقالوا له: قُلْ نُطِعْكَ. قال: احْتَمِلُوا. فاحتَمَلوا. ثمّ قال: لا يَتَخَلَّفَنّ عنّي أَحدٌ يُطيقُ حَمْلَ السِّلاح، فأَتَوهُ، فانْتَهَى بهم إِلى عَلَم مُبَايِض، فأَقَام عليه بهِم، وأَمرَهُم فشرَّقُوا بالأَمْوَال والسَّرْح، وصَبّحتْهُم بنو تَمِيم وقد حَذِروا فقال طَرِيفٌ لبني تميم: أَطِيعُوني وافرُغُوا من هؤلاءِ الأَكْلُبِ يَصفُ لكم ما وراءَكم. فقال أبو الجدعاءِ وفَدَكِيُّ بن أَعْبَدَ: نُقَاتِلُ أَكْلُباً أَحْرَزوا أَنْفسَهم ونَدَعُ أَموالَهُم؟ ما هذا برَأْيٍ. وخالَفُوه، وقال هانِئٌ لأَصحابه: لا يُقاتِلَنّ رَجُلٌ منكم. ومَضَتْ بنو تميمٍ حتى لَحقَتْ بالنَّعَم والعِيَال، فقل رجلٌ من بني تميم لغلامَيْن لَحِقَهما من بَكْر بن وائل على جَمَلٍ: مَن أَنتُما؟ فقالا: ابنَا هانئ بن مسعودٍ، قَبِيصَةٌ وعامِرٌ، فقال: ناوِلاني أَيْدِيَكما، فأَمّا قَبِيصةُ فأَبَى. وناوَلَه عامِرٌ يَدَه، فضَبَطَها وغَمزَ فرسَه فاقتلَعَهُ عن الجمَل وقال: يَكْفِينِي هذا من الغنيمَة، ومضَى به قَبْلَ القِتَال، وصارَتْ بنو تميمٍ في النَّعَمِ والعِيَالِ، وهانئٌ يكفُّ أَصحَابَه عن القِتال، فكان أَوّلَ من مَرَّ به حَمُولَةُ عُبَادِ بن مسعودٍ ونَعَمُه، وفيها بَناتُه وحُرَمُه، فقال عُبادٌ لهانئٍ: واللهِ لتأْذَنَنَّ لي في القتال أَو لأَفْجُرَنَّ. قال: قد أَذنْتُ لك ولبَنِيكَ، ولستُ آذَنُ لغيرِكم. فنزَلَ عُبَادٌ من العَلَم في ثمانيةٍ من وَلَدهِ، فاعترَضوا القومَ، وقال عُبَادٌ لبَنِيه: لا تَنظُروا حيث يقَعُ السِلاحُ منكم، ولكن انْظُرُوا حَيُث تَضَعون سِلاحَكم من الرَّجُلِ، فأَوَّلُ من لَقُوا أَبو الجَدعاءِ الطُهَويّ وهو يَسُوقُ حَمُولَة عُبَادٍ وأَهْلَهُ، قال سعْد بن عُبَادٍ: فاعترضتُ أَبا الجَدْعَاءِ، وأَقْبَلَ نَحْوِي بسِنَانٍ كأَنَّه شُعْلَةُ نارٍ، فمارَ السِّنانُ بين عَضُدي ودَفّى، فذَكرْتُ وَصِيّةَ أَبي ورأَيتُ فَتْقَ الدِّرْع من تحْتِ لَبَّتهِ، فأَطْعُنُهُ في المَوْضِع طَعْنةً خَرَجَتْ من بين كَتفيه وخَرَّ ميتاً، وهربَ فَدَكيُّ بن أَعْبَدَ. وأَذِنَ هانئٌ للناس في القتال، فانْحَدَروا واعترضوا بني تميمٍ وقد تَشاغَلوا بالغَنائم، وأقبَلَ حُمَيْصِيصةُ بن شَرَاحِيلَ بنِ جَنْدَلِ بن قَتادَةَ بن مَرْثَد بن عامرٍ بن أَبي رَبِيعَة، وليس له هَمٌّ غير طَرِيف، فلما رَآهُ طَريفٌ قال: اذْكُرْ يمِينَك. واختلَفَا طَعْنَتَيْن، فطَعنَه حُمَيْصِيصة فقتَلَه، وانهزَمَتْ بنو تَميمٍ وقُتِلَ مِنْهم خَلْقٌ كَثِيرٌ، فقال أَبو مارِدٍ أَخو بني أَبي ربيعة:

стр. 15

خاضَ العُدَاةَ إِلى طَرِيفٍ في الوغَى ... حُمَصِيصَةُ المِغْوَارُ في الهَيْجَاءِ وقال حُمَيْصِيصةُ يرُدُّ على طَرِيفٍ قوله: أَو كلَّمَا وردَتْ عكاظَ قبيلَةٌ ولقد دَعَوتَ طَرِيفُ دَعْوَةَ جَاهِلٍ ... سَفَهاً وأَنتَ بمنْظَرٍ قَد تَعْلَمُ وأَتَيْتَ حَيّاً في الحُروبِ مَحَلُّهم ... والجَيْشُ باسمِ أَبيهِم يُسْتَهْزَمُ فوَجَدْتَ قَوْماً يَمْنَعُون ذِمَارَهمْ ... بُسْلاً إِذَا هَابَ الفَوَارِسُ أَقْدَمُوا وإِذَا دعَوْا بأَبِي رَبِيعَةَ أَقْبَلوا ... بِكَتَائِبٍ دُونَ النّسَاءِ تَلَمْلَمُ سَلَبُوكَ دِرْعَك والأَغَرَّ كِلَيهِمَا ... وبَنُو أُسَيِّدَ أَسْلَمُوك وخَضّمُ وقالت ابنَةُ أَبي الجَدْعَاءِ تَرْثي أَباها، وتَذُمّ قومه ومن كان معه: ليَبْكِ أَبا الجَدْعاءِ ضَيْفٌ مُعَيَّلُ ... وأَرْمَلَةٌ تَغْشَى النَّدِيَّ فتَرْمُلُ ولوْ شَاءَ نَجَّاهُ من الخَيْل سابِحٌ ... جَمُومٌ على السَّاقَينٍ والسَّوْطُ مُفْضَلُ ولكنْ فَتىً يَحْمِي ذِمارَ أَبِيكُمُ ... فأَدْرَكَه مِن رَهْبَةِ العَارِ مَحْفِلُ دَعَا دَعْوَةً إِذْ جَاءَه ثَمّ مالِكاً ... ولم يَكُ عبدُ اللهِ ثَمَّ ونَهْشَلُ وغَابَتْ بنُو مَيْثَاءَ عنْه ولم يَكنْ ... نُعَيْمُ بنُ شَيْطَانٍ هُنَاك وجَرْوَلُ ولكِنْ دَعَا أَشْبَاهَ نَبْتٍ كأَنَّهُمْ ... قُرُودٌ على خَيْلٍ تَخُبُّ وتَرْكُلُ لقدْ فَجَعتْ شَيْبَانُ قَومِي بفَارِسٍ ... مُحَامٍ على عَوْرَاتِهِمْ لَيْسَ يَنْكُلُ وَجَدْتُم بني شَيْبَانَ مُرّاً لِقَاؤُهُمْ ... وكانَتْ بَنُو شَيْبَانَ ذلِكَ تَفْعَلُ وأَرْسَل هانئٌ بمائَةٍ من الإِبل، فافْتَكَّ بها ابنَهُ عامراً. يَومُ خُوَيٍّ وهو لقَيْسِ بن ثَعْلَبَةَ على بني يَرْبوعٍ وأَسَدٍ وفيه قُتِلَ يَزيدُ بن سَلمَةَ بن الحُمَّرةِ بن جَعْفَرِ بن يَرْبوع بن ثَعْلَبَة بن يَرْبُوع بن حَنْظَلَةَ، قتلَهُ عَمْرُو بن حَسَّانَ وبِشْرُ بن عبدِ عَمرِو بن بِشْرِ بن مَرْثَدٍ.

стр. 16

سارَ عبدُ عَمْرِو بن بِشْر بن مَرْثَدٍ، حتى إذا كان بخُوَيٍّ عَرضَ له المُنْبَطِحُ الأَسَديُّ، في بني أَسَدٍ، وزَيْدُ الفَوَارِسِ بن حُصَيْن بن ضِرارٍ، في بني ضَبَّةَ، ويَزيدُ بن القُحارِيَةِ اليَرْبُوعيُّ، في بني يَرْبُوعٍ. وكانَت اجتمعَتْ هذهِ القبائلُ يوم النِّسارِ، واصطَلَحَتْ، فقالَت بنو قَيٍس. نحن مُجْتَازُون، ولَسْنَا نُرِيدُ الغَارَةَ، فخَلُّوا لنَا سَبِيلَنَا، وكان ضُبَيْعَةُ بن شُرَحْبِيلَ بنِ عَمْرِو بن مَرْثَدٍ أَسَرَ قبْلَ ذلِك اليومِ بِيَسيرٍ هَرْثَمَةَ بن الحُصَيْنِ، أَخا زَيْد الفَوَارسِ، فمن عليه واطلقه بلا فداء فلما عرف زيد الفوارس، بني قَيْسٍ اعتزَلَ بقَوْمه تَشَكُّراً لما كان منهم إلى أَخِيه، وشَدَّ يَزِيدُ بن سَلَمَةَ اليَرْبُوعِيُّ في بني يرْبُوع وبني أَسَد، على بني قَيْس بن ثَعْلَبَة، وكانت يَرْبُوعٌ وأَسدٌ تُضْعِفُ على بني قَيْسٍ في العَدَدِ، فاقتَتلوا قِتالاً شَدِيداً، ونادَى عبْدُ عَمْرِو بن بِشْرٍ ابنه بِشْراً وابنَ أخيه عَمْرَو بن حَسّانَ بن بِشْرٍ، وكانا يعرفان بالجَعْدَين، فقال لهما: والذي يُحْلَفُ به، لئن فاتَكما اليَوْمَ يَزِيدُ بن سَلَمَةَ، لم تأْسِرَاهُ، ولم تَقْتُلاهُ، إِنْ أَنا رُزِقتُ عليه الظَّفَرَ، لا تَرجِعَان معي جَمِيعاً أَبداً حتى أَقتُلَ أحدَكما. فاقتتَلوا - وزَيدُ الفَوارسِ واقفٌ ببني ضَبَّةَ سَحَابَةَ يَومهم - أَشدَّ قِتَالٍ يكونُ، فلما وَلَّى النَّهارُ وطالَ الشرُّ بينهم انهزمَتْ بنو أَسد، واتبعَتْهم يَربوعٌ، وولَّى يزيدُ بن سَلمةَ، فاتَّبعَهُ بِشْرُ وعَمْرٌو، ويَزِيدُ تَمَطَّرُ بهِ فَرَسُهُ، فخامَ عَمْروٌ أَن يَفُوتَه، فزَرَقَه بالرُّمح بين وَرِكَيْه زَرْقةً خالطَتْ بَطْنَهُ، فوقَع عن فَرَسَه، فأَسَرَهُ عَمْرٌو، وأَتى به عَبْدَ عَمروٍ، فقالَ زيد الفوارِسِ: يا عبد عَمْروٍ، إنه قد حَجَزَني عن نَصْرِ إخوَتي منذُ اليومِ يَدُكم عندي في أَسْرِ أَخي، وفي يَدِك سيّدُ قَوْمِه، يَعْنِي يَزِيدَ، فلَكَ به مائة من الإِبل ودَعْهُ، فقال يزيدُ: يا زيدُ لا تَفْدِني، فإِنّي ميّتٌ، وبالَ دماً. فعرفوا أَنَّه مَيِّتٌ وباتَتْ ضَبّةُ ناحِيةً وبنو قَيس بن ثعلبة ناحِيَةً، وكان قد أَصابَتْ وائلَ بنَ شُرَحْبيل بن عَمْرِو بن مَرْثَدٍ ثِنْتَا عشرةَ جِرَاحةً، فسَأَل ضُبَيْعَةُ بن شُرَحْبِيل زَيْدَ الفَوَارِسِ أَن يَتْرُكَه عندَه إِلى أَن يُعافَى من جِرَاحاته، ففَعلَ، وانطلقَتْ بنو قَيْس بن ثَعْلَبَةَ في اللَّيْل، وماتَ يَزيدُ بن سَلمةَ ببطن خُوَيٍّ، فدفَنوه ومَضَوا. وقال ضُبيعَة بن شُرَحْبِيل: وغَادَرْنَا يَزِيدَ لَدَى خُوَيٍّ ... فلَيْسَ بآيِبٍ أُخْرَى اللَّيَالِي وقال أَيضاً: لَقُونَا بالمُنِيفَةِ منْ خُوَيٍّ ... وليسَ لنَا ولا لهُمُ عَرِيبُ ولاَ قَوْنَا بمِثْلَيْنَا رِجَالاً ... وخَيْلاً كُلَّمَا ثَابَتْ تَثُوبُ فقَاتَلْنَاهُمُ يَوْماً كَرِيثاً ... إِلى أَن حَانَ مِنْ شَمْسٍ غُرُوبُ ولما بلغَ بني يَربوعٍ مَوتُ يَزِيدَ بن سَلمَةَ أَتَوا زيدَ الفَوارِس فقالوا: أَعْطِنا وائلاً نَقْتُلْه بيزيدَ، فخافَه وائلٌ لأَنَّه لم يرَ منه جِدّاً في مَنْعِه، فهَرَبَ من عنْدِه، وأَتَى قِرْوَاشَ بن حَوْطٍ، أَحد بني صِرْمةَ، فاستجارَهُ فأَجَارَهُ ومَنعَهُ، فأَتَاهُ زَيْدُ الفَوَارسِ، فقال: مالَك ولِجَارِي؟ قال: ليس بجارٍ. فتَنازَعا فيه حتى عَظُم الشَّرُّ بينهما، فحكَّما رجلاً من بني السِّيدْ بن مالك بن بَكْرِ بن سَعْدِ بن ضَبَّة، قال: فإِنّي أَخَيِّرُ وائلاً، فمن اخْتَارَ فهو جارُهُ، فاختارَ قِرْوَاشاً، فدُفِعَ إِليه، وهَدَأَ الحَيَّانِ ثَعلبةُ وبَكْرٌ، فقال قِرواشٌ: سيَعْلَمُ مَسْرُوقٌ وفَائِي ورَهْطُهُ ... إِذَا وائلٌ حَلَّ القِطَاطَ ولَعْلَعَا بأَنّي له جَارٌ وَفِيٌّ ولمْ أَكُنْ ... له مِثْلَ مَنْ رَاءَى بغَدْرٍ وسَمَّعَا وقال وائلٌ يمدحُ قِرْوَاشاً: أَبْلِغْ سَرَاةَ بني قَيْسٍ مُغَلَغَلَةً ... مَنَ سَارَ غَوْراً به منهمْ وأَنْجَادَا

стр. 17

أَنّى وفَى بِيَ قِرْوَاشٌ وأُسْرَتُهُ ... أَيّامَ يُتَّخَذُ الجِيرَانُ أَزْوَادَا أنّى وَفَتْ بِيَ قَبْلَ اليَومِ ذِمَّتُه ... إنّ الكَرِيمَ إِذا اسْتَرْفَدْتَهُ زَادَا مِن كُلِّ ذِرْوَةِ مَجْدٍ نَالَهَا أَحدٌ ... أَوْرَثَهَا صِرْمَةُ الضَّبِّيُّ أَوْلاَدَا يَومُ ذِي الأَثْلِ وفيه مَقْتَلُ صَخْر بن عَمْرو بن الشَّرِيدِ، قَتَلَه رَبِيعَةُ بن ثَوْرٍ الأَسدِيُّ. قال أَبو عُبَيْدة: غَزَا صَخْرُ بن عَمروٍ، وأَنَسُ بن عَبّاسٍ الرِّعْليُّ، من بني سُلَيم، بَني أَسَد بن خُزَيمة، في بني عَوفٍ وبني خُفَافٍ، وكانا مُتَسانِدَينِ، صَخرٌ على بني خُفَافٍ، وأَنسٌ على بني عَوْفٍ، فاكتسَحَا أَمْوَالَ بني أَسدٍ، وسَبَيَا ومَضَيَا، فأَتَى بني أَسَدٍ الصَّريخُ، فتَبِعُوهُم حتى لحقوهُم بذاتِ الأثل، فاقتتَلوا قِتَالاً شديداً، وطَعَنَ ربيعَةُ بنُ ثَوْرٍ الأَسَدِيُّ صَخْراً في جَنْبه، فأَدْخَلَ جَوْفَهُ حَلَقاً من الدِّرْع، فانْدَمَل عليه، ونَتَأَتْ من الطَّعْنَة قِطْعَةٌ تَدَلَّتْ واستَرخَتْ، فمَرَضَ لذلك، وبقي شُهُوراً، فسَمِعَ ذاتَ يومٍ امرأَةً تُسائلُ امرأَته سَلْمَى: كيْف تَرَيْنَ صَخْراً؟ قَالت: لاحَيٌّ فيُرْجَى، ولا ميِّتٌ فيُنْعَى لَقِينَا منه الأَمَرَّيْنِ، فقال صَخرٌ حين سَمِعَ مقالتَهَا: أَرَى أُمَّ صَخْرٍ ما تَمَلُّ عِيَادَتِي ... ومَلَّتْ سُلَيْمَى مَضجَعِي ومَكَانِي فأَيُّ امْرِئٍ ساوَى بأُمٍّ حَلِيلةً ... فلا عَاشَ إِلاَّ في شَقاً وهَوَانِ وما كُنتُ أَخشَى أَن أَكون جِنَازَةً ... عَلَيْكِ ومَنْ يَغْتَرُّ بالحَدَثانِ لعَمْرِي لقَد نَبَّهْتِ مَن كانَ نائماً ... وأَسْمَعتِ منْ كانَتْ لهُ أذُنانِ أَهُمُّ بهَمِّ الحزْمِ لَو أَستَطيعُه ... وقد حِيلَ بينَ العَيْر والنَزَوانِ فلما طال عليه البَلاءُ قالَ: الموتُ أَهْوَنُ ممّا أَنا فيه، وأَمَر بقَطْعِها، فأَحْمَوْا له شَفْرةً فقطَعوها، فيئسَ من نفَسِه، وسَمِعَ أُختَه الخَنْسَاءَ تَسْأَلُ عنه: كيف كان صبرُهُ؟ فقال: فإنْ تَسْأَلِي بي هل صَبْرتُ فإِنّني ... صَبورٌ على رَيْبِ الزمانِ أَرِيبُ كأَنّي وقد أَدْنَوْا إِلَيَّ شِفَارَهُمْ ... من الصَّبْرِ دامِي الصَّفْحَتَيْنِ نَكِيبُ ومات فدُفِنَ قريباً من عَسِيبٍ، وهو جَبَلٌ بأَرْضِ بني سُلَيْمٍ إِلى جَنْبِ المدينَة، ورَثَتْهُ الخَنْسَاءُ بمَرَاثٍ كثيرَةٍ، قد أَثْبَتْنَا بعضَهَا في باب المرَاثي. ؟ يَومُ الكَدِيدِ وهو يَوْمٌ لبَنِي سُلَيم على بني كِنَانَةَ، وفيه مَقتَل ربيعة بن مُكَدَّم. قال أَبو عمْرو بن العَلاءِ: وَقَعَ تَدَارُؤٌ بين نَفَرٍ من بني سُلَيم، ونَفَرٍ من بَنِي فِرَاس بن مالك بن كِنَانَة، فقَتَلَتْ بنو فِرَاسٍ رَجُلَيْن من بني سُلَيْم، ثمّ إِنّهُم وَدَوْهُمَا، وضَرَب الدَّهْرُ من ضَرْبه، فخَرَجَ نُبَيْشَةُ بنُ حَبِيبٍ السُّلَميُّ غازياً، فلَقِي ظُعُناً من بني كِنَانَة بالكَدِيد، في رَكْبٍ من قَوْمِه، فبَصُرَ بهم نَفرٌ من بني فِرَاسِ بن مالِكٍ، فيهم عبدُ الله بن جِذْلِ الطِّعَان، والحارث بن مُكدَّم، أَبو الفرعَة وأَخوه رَبِيعَةُ بن مُكدَّم مَجْدُورٌ يومئذٍ، يُحمَلُ في مِحَفَّة، فلمّا رأَوهم قال الحارثُ بن مُكدَّم: هؤلاءِ بنو سُلَيم يَطلبون دِماءَهم. فقالَتْ أُمُّ عَمْروٍ بنْتُ مُكدَّمٍ: واسُوءَ صَبَاحَاه: فنزَلَ رَبِيعَةُ بن مُكدَّم ورَكِبَ فرَسَهُ، وأخَذَ قَناتهُ، وتوجهَ نحو القوم وهو يقول: لقَدْ عَلِمنَ أَنّني غَيْرُ فَرِقْ لأَطعُنَنَّ فيهِمُ وأَعْتَنِقْ وأَصْبَحَنْهُمْ حِينَ تَحْمرُّ الحَدَقْ عَضْباً حُسَاماً وسِنَاناً يَأْتَلِقْ

стр. 18

فحَمَلَ عليه بعضُ بني سُلَيْمٍ، فاستَطردَ لهم في طريق الظُّعْنِ، ثم عَطَفَ عليهم فقتلَ منهم جماعةً، فانجفَلوا بينَ يَدَيْه، ويَرْمِيه نُبَيْشَة بسهمٍ، فأَصابَ مأْبِضَ عَضُده، فلحقَ بالظُّعنِ يَسْتَدْمِي حتى انتهَى إِلى أُمّه أُمِّ سيَّارٍ، فقال: شُدِّي على يَدِي عِصَابةً. وهو يَرْتَجزُ ويقولُ: شُدِّي عليَّ العُصْبَ أُمَّ سَيَّارْ فقَدْ رُزِيتِ فارِساً كالدِّينارْ يَطْعنُ بالرٌّمحِ أَمَامَ الأَدْبارْ فأَجَابتْهُ أُمُّه: إِنَّا بنُو ثَعْلَبَةَ بنِ مالكِ مُرَزُّؤُو خِيَارِنَا كذلِكِ مِنْ بَيْنِ مَقْتُولٍ وبَيْنِ هالِكِ ولن يكونَ الرُّزْءُ إِلاّ ذلِكِ وشَدَّتْ عليْه أُمُّه عِصَاباً، فاسْتَسْقاهَا ماءً، فقالت: أُفَّك، إِن شَرِبْت الماءَ مُتَّ، فقال ربيعةَ للظُعْن: أَوْضِعْنَ رِكَابَكُنّ حَتَّى تَنْتَهِينَ أَدْنَى بُيُوتِ الحيِّ، فإِنّي لِمَا بِي، وسوف أَقِفُ دونكنّ على العَقَبَة، وأَعتمدُ على رُمْحي، ولن يُقدِموا عليكنّ، لمكاني، ففَعلْن، ونَحَوْنَ إِلى مأْمَنِهنّ، وشَدَّ على القوم راجعاً، فقَتَلَ فيهم، ومازال يَذُبُّهم إِلى أَن نَزَفَه الدَّمُ، فاعتمدَ على رُمْحه. قال أَبو عمرٍو: ولا نعلم قتيلاً ولا مَيِّتاً حَمَى ظَعَائنَ غيرَهُ وإِنّه يومئذ غُلامٌ له ذُؤابةٌ، فما زالَ واقفاً على مَتْنِ فَرَسهِ مُعتمِداً على رمحه إلى أن مات، وما تَقْدُمُ القومُ عَلَيْه، فقال نُبَيْشةُ: إِنّه لَمَائلُ العُنُقَِ على رُمْحِه وما أَظُنُّه إِلا قد ماتَ، فرمَى فَرَسَه، فقَمَصَتْ وزَالَتْ، فسَقَطَ عنها ميِّتاً، وفَاتَهُم الظُعْنُ، ولَحِقُوا أَبا الفَرْعَةِ الحارِثَ بنَ مُكدَّمٍ فقتَلوه، وأَمَالوا على رَبِيعَةَ أَحْجَاراً، فمَرَّ به رجلٌ من بني الحارث بن فِهْرٍ، فنفرَت ناقتُه من تلكَ الأحجار، فقال يَرْثِيه ويَعْتَذِرُ ألا يكونَ عَقَر على قَبرِه، ويُعَيِّرُ مَن فَرَّ وأَسْلَمَه من قَوْمه، وتُروَى لحسَّانِ بن ثابتٍ: نَفَرَتْ قَلُوصِي من حِجَارَةِ حَرَّةٍ ... بُنِيَتْ على طَلْقِ اليَدَيْنِ وَهُوبِ لا تَنْفِري يا نَاقَ منه فإِنَّه ... سَبّاءُ خَمْرٍ مِسْعَرٌ لحُروبِ لولا السِّفَارُ وبُعْدُ خَرْقٍ مَهْمَهٍ ... لتَرَكْتُهَا تَحْبُو على العُرْقُوبِ فَرّ الفَوارِسُ عن رَبيعةَ بعدَمَا ... نَجّاهُمُ من غُمَّةِ المكروبِ نِعمَ الفَتَى أَدَّى نُبَيْشَةُ بَزَّهُ ... يَومَ الكَديدِ نُبَيْشَةُ بنُ حَبيبِ وجزع عليه عبد الله بن جِذْلِ الطِّعَانِ جَزَعاً شدِيداً ورَثاهُ بِعِدَّةِ مَرَاثٍ، منها: خَلَّى عليَّ رَبِيعَةُ بنُ مُكَدَّمٍ ... حُزْناً يَكَادُ له الفُؤادُ يَزُولُ فإِذا ذَكرْتُ رَبِيعَةَ بنَ مُكدَّم ... ظَلَّتْ لِذِكْراهُ الدُّموعُ تَسِيلُ نِعْمَ الفَتَى حَسَباً وفَارِس بُهْمَةٍ ... يَرْدِي بشِكَّتِه أَقَبُّ دَؤُولُ سَبَقَتْ به يَوْمَ الكَدِيد مَنِيَّةٌ ... والنَّاسُ إِمّا مَيِّتٌ وقَتِيلُ كَيْفَ العَزَاءُ ولا تَزَالُ خَرِيدَةٌ ... تَبْكِي رَبِيعَةَ غادَةٌ عُطْبولُ وقال أيضاً: لأَطْلُبَن برَبِيعَةَ بنِ مُكدَّمٍ ... حتَّى أَنالَ عُصَيَّةَ بنَ مَعِيصِ بِقِيَادِ كُلِّ طِمِرّةٍ مَمْحوصَةٍ ... ومُقلِّصٍ عَبْلِ الشَوَى مَمْحوصِ وقال أيضاً: أَلاَ للهِ دَرُّ بَني فِرَاسٍ ... لقَدْ أُوْرِثْتُمُ حُزْناً وَجِيعَا غَدَاةَ ثَوَى رَبِيعَةُ في مَكَرٍّ ... تَمُجُّ عُرُوقُه عَلَقاً نَجِيعاً فلَنْ أَنْسَى رَبِيعَةَ إِذْ تَعَالَى ... بُكاءُ الظُّعْنِ تَدْعُو يا رَبيعَا وقالَ حسانُ بن ثابتٍ يَرْثِيه ويَحضُّ على قتَلَتِهِ: سَقَّى الغَوَادِي رَمْسَكَ ابنَ مُكَدَّمٍ ... من صَوْبِ كُلِّ مُجَلجلٍ وَكّافِ أَبْلِغْ بَنِي بَكْرٍ وخُصَّ فَوَارِساً ... لُحِفُوا المَلاَمَةَ دُونَ كلِّ لِحَافِ

стр. 19

أَسْلَمْتُمُ حَذَرَ الطِّعانِ أَخاكُمُ ... بَيْنَ الكَدِيدِ وقُلَّةِ الأَعْرافِ حتَّى هَوَى مُتَزايلاً أَوْصَالُه ... للخَدِّ بينَ جَنادِلٍ وقِفَافِ للهِ دَرُّ بني عَليٍّ إِنْ هُمُ ... لمْ يَثْأَرُوا عَوْفاً وحَيَّ خُفَافِ ؟ يومُ بُرْزَةَ وهو يومٌ لبني كِنَانَةَ على بني سُلَيمٍ، وقُتِلَ فيه ذو التاج مالكُ بن خالدِ بن صَخْر بن الشَّرِيد، وأَخوه كُرْزٌ، قَتَلَهُمَا عبدُ الله بن جِذْل الطِّعانِ، وكانتْ تَوَّجَتْ مالكاً وملَّكَتْهُ عليهم: خرجَ مالكُ بن خالدٍ ذو التاج في بني سُلَيْم، فَغَزَا بني كِنَانَة، ومعَه دَليلانِ من أَسْلَم، ولم يَتْبَعْهُ نُبَيْشَة ابن حَبِيب، فأَغَارَ على بني فِرَاس بنِ مالكِ بن كِنَانَة، بِبُررْزَةَ، فخرجت إليه بنو فِرَاسٍ، ورئيسُهَا عبد الله بن جِذْلِ الطِّعَانِ، فاقتتَلُوا، ثم دَعَا عبدُ الله بنُ جِذْل الطّعان للبِرَاز، فبرزَ له هِنْدُ بن خالدٍ، قال: أَخُوكَ أَسَنُّ منك، فرَجَع إِلى مالكٍ أَخيه فأَخْبَرَهُ بقول عبد الله فبرَزَ له مالك، فارتجَزَ عبد الله وقال: ادْنُوا بني قِرْفِ القِمَعْ ... إِنّي إِذَا الْمَوْتُ كَنَعْ لا أَستغيثُ بالجَزَعْ ثم شدَّ على مالِكٍ فقتلَه فبرزَ له أَخوه كُرْزٌ، فشدَّ عليه عبدُ الله فقتله وهو يقول: قدْ علمَ النَّدْمانُ إِذْ أُساقِيهْ ... وعَلِمَ القِرْنُ إِذَا أُلاقِيهْ أَنّي لكُلِّ رَاهِنٌ أُكَافِيهْ فشدَّ عَمْرو بنُ خالدٍ على عبد الله وهو يقول: هذا مقَامِي وأَمَرْتُ أَمْرِي فبَشِّرُوا بالثُّكْلِ أُمَّ عَمْروِ فتَخَالَسَا طَعْنَتَيْن، فجَرَحَ كُلُّ واحدٍ منهُمَا صاحبَه وتَحَاجَزَا، ثمّ اشتَدَّ القِتَالُ، وقُتِلَ من بني سُلَيْم جَماعةٌ وانهزَمَتْ، وقال عبد الله بن جِذْل الطِّعَانِ في ذلِك: تَجنَّبْتُ هِنْداً رَغبةً عن قِتَالِه ... إِلى مَالكٍ أَعشُو إِلَى ذِكْرِ مالِكِ وأَيْقَنْتُ أَنّي ثائِرُ ابنِ مُكَدَّمٍ ... غَدَاتَئذٍ أَو هَالِكٌ في الهَوَالِكِ فأَنْفَذْتُه بالرُّمْح حين طَعَنْتُه ... مُغَالَبَةً ليسَتْ بطَعْنةِ فَاتِكِ وأَثْنِ لكُرْزٍ في الغُبَار بطَعْنةٍ ... عَلَتْ جِلْدَهُ منها بأَحْمَرَ عَاتِكِ قتَلْنَا سُلَيْماً غَثَّها وسَمِيْنَها ... فصَبْراً عُصَىّ قد صَبَرْنا كذلكِ دَهِمْنَا هُمُ بالخَيْل تَشْتدُّ بالضُّحَى ... بغَابَاتِ أَثلٍ مُشْرِفَاتِ الحَوَارِكِ فِدًى لهُمُ نَفْسِي وأُمِّي فِدًى لهُمْ ... بِبُرْزَةَ إِذْ يَخْبِطْنَهُم بالسَّنَابِكِ فإِن تَكُ نِسْوَانِي بَكَيْنَ فقدْ بَكَتْ ... كما قَدْ بَكَيْنَ أُمُّ كُرْزٍ ومالِكِ وقال أَيضاً: قَتَلْنَا مَالِكاً فابْكُوا علَيْهِ ... وما يُغْنِي من الجَزَعِ البُكَاءُ وكُرْزاً قد تَركْنَاهُ صَرِيعاً ... تَسِيلُ على تَرَائِبِهِ الدِّماءُ فإِنْ تَجْزَعْ لذَاكَ بنُو سُلَيمٍ ... فقد وَأَبِيهِم غُلِبَ العَزَاءُ فصَبْراً يا عُصَيُّ كما صَبَرْنَا ... وما فِيكُمْ لوَاحِدِنا كِفَاءُ فلا يبْعَدْ رَبيعةُ مِنْ نَديمٍ ... إِذَا لم تَنْدَ بالنَّوْءِ السَّمَاءُ فكَمْ مِنْ غارةٍ ورَعِيلٍ خَيْلٍ ... تَدَارَكَهَا وقدْ حَمِسَ اللِّقَاءُ ولمّا اتَّصل بيزيدَ بنِ عَمرِو بن خُوَيْلدِ بن الصَّعِق، أَخى بني نُفَيل بن عَمْرِو بن كِلاَبٍ، مَقْتَلُ مالكٍ وكُرْزٍ ومَن قُتِل من بني سُلَيم مِنْ رَكْبٍ لَقُوهُ، قالَ يَرْثِي مالِكاً، ويَحُضُّ عبّاساً الأَصَمَّ أَبا أَنَسٍ الرِّعْلِيّ، على بني فِرَاسٍ والطَّلَبِ بدمائهِم: لعَمْري وما عَمْرِي عَلَى بهَيّنٍ ... لقدْ خبَّر الرَّكْبُ اليَمانِي فأَوجَعَا نَعَوْا مَالِكاً فقُلْتُ ليس بمالكٍ ... ولم أَسْتَطعْ عن مَالِكٍ ثَمَّ مَدْفَعَا

стр. 20

فأَبْلِغْ سُلَيماً أَنَّ مَقتلَ مَالِك ... أَذَلَّ سُهُولَ الأَرْضِ والحَزْنَ أَجمَعَا فلِلّه عَيْنَا منْ رَأَى مِثْلَ مالكٍ ... قَتِيلاً بحَزْنٍ أَو قَتِيلاً بأَجْرَعَا فلاَ تَشْربَنْ خَمْرَا ولا تَأْتِ حاصِناً ... أًَبا أَنَسٍ حتَّى يَرَوْكَ مُقنَّعَا فلَوْ مَالِكٌ يَبْغِي التِّرَاتِ لَقد رَأَوْانَواصَِيَ خَيْلٍ تَنفُضُ السُّمَّ مُنْقَعَا أَنَازِلةٌ غَدْواً فِرَاسٌ بفَخْرِها ... عُكَاظَ ولم نَجْزِئْ لها الصَّاعَ مُتْرَعَا فأَجابَه عبدُ الله بن جِذْلِ الطِّعانِ: لعَمْري لقد سَحَّتْ دُموعُك ضِلّةً ... تُبَكِّي على قَتْلَى سُلَيْمٍ وأَشْجَعَا فهَلاَ شُتَيْراً أَو مَصَادَ بنَ خالدٍ ... بَكيتَ ولم تَتْرُكْ لها الدَّهْرَ مَجْزَعَا تُبَكِّي على قَتْلَى سُلَيْمٍ سَفَاهَةً ... وتَتْرُكُ مَن أَمْسَى مُقيماً بضَلْفَعَا كمُرْضِعةٍ أَوْلاَدَ أُخْرَى وضَيَّعَتْ ... بَنِيهَا فلم تَرْقَعْ لذلِك مَرْقَعَا لقَدْ تَركَتْ أَفناءُ خِنْدِفَ كُلَّها ... لعَيْنَيْك مَبكًى إِنْ بَكيْتَ ومَدْمَعَا تُحَرِّضُ عَبَّاساً علَيْنَا وعِنْدَهُ ... بَلاَءُ طِعَانٍ صَادقٍ يَوْمَ نصْرَعَا فإِنَّا بهذا الجِزْع قد تَعْلَمونَه ... وإِنَّ على الجفْرَيْن دهْماً مُمَنَّعَا يومُ الفَيْفَاءِ وهو يومٌ لبني سُلَيمٍ على بني كِنانة قال أَبو عُبَيْدَةَ: لما بلَغَ بني سُلَيْم قولُ يزيدَ بن عَمْروٍ، قالتْ بنو الشَّرِيد، وما لرجُل من بني رِعْلٍ يَطلُبُ ثأْرنا، فأَحْرَمُوا النِّساءَ والدُّهْنَ وشُرْب الخَمْرِ أَو يُدْرِكوا ثَأْرهُم من بني كنانة. فَغَزَا عمرو بن خالدٍِ بن صَخْر ابن الشّريد بقومِهِ في أَلفِ فارِسٍ وأَلفِ رامٍ بني فِراسِ بن مالكٍ، فاقتتَلُوا قِتَالاً شديداً، تَنَاصَفُوا فِيه، وعلى بني فِراسٍ عبد الله بن جِذْل الطِّعان، ثم إِن بَني سُلَيمٍ قَتلَتْ منهم نَفراً غير مذكورِين، وسَبَوْا سَبْياً فيهم أُمُّ عَمْروٍ بنْتُ مُكَدَّمٍ، فقال عبَّاسُ بن مِرْداسٍ يردُّ عَلى عبد الله بن جِذْلِ الطِّعانِ قولهُ: تَجَنَّبْتُ هِنْداً رَغبةً عن قِتَالِه: أَلاَ أَبْلِغَا عنّي ابنَ جِذْلٍ ورَهْطَهُ ... فكَيْفَ طَلَبْنَاكُمْ بكُرْزٍ ومَالِكِ غَدَاةَ فَجَعْناكمْ بسَعْرٍ وبابْنِهِ ... وبابْنِ المُعَلَّى عاصمٍ والمُعَارِكِ ثَمانِيةُ منكمْ ثأَرْنَاكُمُ بِهَا ... جَمِيعاً وما كانُوا بَوَاءً بمَالِكِ قَتَلْنَاكُمُ ما بَينَ مثْنَى وموْحَدٍ ... تَكُبّكُمُ أَرْماحُنا في المَعَارِكِ نُذِيقُكُمُ والمَوْتُ يبْنِي سُرادِقاً ... عليكُم بنا حَدَّ السُّيُوفِ البَواتِكِ تَلوحُ بأَيْدينا كما لاحَ بَارِقٌ ... تَلأْلأَ في داجٍ من اللَّيْلِ حَالِكِ فطَوْراً نُلاقِيكُمْ وطَوْراً نَعُلُّكُمْ ... بخَطّيَّةٍ فيها سِمَامُ النَّيَازِكِ صَبْحَناكُمُ العُوجَ العَناجِيجَ بالضُّحى ... تَمُرُّ بِنَا مَرَّ الرِّياح السَّوَاهِكِ إِذا خَرجَتْ من هَبْوة بَعْدَ هبْوَةٍ ... سمَتْ نَحْوَ مُلْتَفٍّ مِن المَوْتِ شَابِكِ مُوَكَّلَة بالسَّيْرِ نَحْوَ عَدُوِّنا ... وبالرَّكْضِ منّا المُلحَقِ المُتَدَارِكِ وقال هند بن خالدِ بن صخرِ بن الشَّرِيد: قَتَلْتُ بمالِكٍ عَمْراً وحِصْناً ... وجَلَّيْتُ القَتَامَ عن الخُدُودِ وكُرْزاً قَدْ أَبأْتُ به شُرَيْحاً ... علَى إِثْرِ الفَوَارِسِ بالكَدِيدِ جزَيْنَاهُمْ بما انتَهَكُوا وزِدْنَا ... علَيْهمْ مثلْ ذَاكَ مِن المَزِيدِ جَلَبْنَا من جُنُوبِ الفَرْدِ جُرْداً ... كطَيْرِ الماءِ غَلَّسَ المْوُرُودِ

стр. 21

عليها كلُّ أَرْوَعَ أَرْيحِيٍّ ... كضَوْءِ البَدْرِ منْ آلِ الشَّرِيدِ صَبَحْنَا الحَيَّ حَيَّ بَني فِرَاسٍ ... مُلَمْلَمَةً تَوَقَّدُ في الحَدِيدِ ولمّا سَمِع نُبيْشَةُ هذا الشِّعرَ غَضِبَ من ذِكْرِهِ يومَ الكَدِيد وافتخاره به، لأَنّه لم يَشهده هِند بن خالد، ولا أَحدٌ من بني الشَّرِيد، وإِنّما كان لنُبَيْشة دون بني الشَّرِيد فقال: تَنَحَّلُ صُنْعَنَا في كُلّ يَوْمٍ ... كمَخْضُوبِ البَنَانِ ولا تَصِيدُ وتَأْكُلُ ما يَعافُ الكَلبُ منه ... وتَزْعُمُ أَنَّ والدَِكَ الشَّرِيدُ أَبى لي أَنْ أُقِرُّ الضَّيْمَ قَيْسٌ ... وصَاحِبُهُ المُوَارِيهِ الكَدِيدُ قال أَبو عبيدة: وإنما فخَرَ هنْدُ بن خالِدٍ بيَوم الكَديدِ لأَنّ بني الشَّرِيد لم يَقْتَلوا يَوْمَ الفَيْفَاءِ أَحداً، فأَراد أَن يُبِيئِهما بأَخَوَيْه مالكٍ وكُرْزٍ، فلمَا آبَ غَزِيُّ بني سُلَيمٍ إلى أَهْلِهم من الفَيفَاءِ، ومعهم من التَقَطُوا من السَبْي، وفيهِم أُمُّ عَمْروٍ بنت مُكدّم، قامَ نساءُ بني سُليم يَبْكِينَ مالكاً وكُرْزاً، فذَكَرَتْ أُمُّ عَمروٍ أَخاها رَبِيعةَ، فقالت تَبكيه: هَلاَّ على الفَيَّاضِِ عَمْروِ بن مالكٍ ... تُبَكِّينَ إِذْ تَبْكِينَ وابْنِ مُكَدَّمِ فَتًى هوَ خَيْرٌ من أَخيكُنَّ مَالكٍ ... إِذَا احْمَرًّ أَطْرَافُ الرِّمَاحِ من الدَّمِ وشُبَّتْ حُرُوبٌ بينَكُمْ وتقَصَّفَتْ ... عَوَالٍ بأَيِدِي شَجْعةٍ غَيْرِ لُوَّمِ وهي أَبياتٌ. ولم تَزل الحروبُ والمغاوراتُ بين بَنِي فِرَاسٍ وبني سُلَيْم، وقُتِل في حُروبهم نُبَيْشَة ولم تُدْرِكْ بَنُو سُلَيم البَوَاءَ بمَن قَتَلَتْ بنو فِرَاس، حتى جاءَ الإسلامُ، وكان يوم فتْح مَكَّةَ، فوَجَّهَ رسول الله صلى الله عليه وآله، خالِدَ بن الوليدِ بن المُغِيرةِ إلى أَهلِ الغُمَيْصاءِ من بني كِنانَة، ونَدَب معه بني سُلَيم، وكانت بنو كِنانَة قَتلَتْ غَمَّ خالدِ بن الوليدِ الفَاكِهَ بن المُغِيرةِ في الجاهِليّة، وكانًَت بنو سُلَيْم تَطْلُبهم بما أَصابُوا منهُم من القَتْلَى، فأَذْرَعُوا القَتْلَ في بَنِي كِنَانَة، للِّثأَْرِ القديم، والتِّرَةِ التي كان خالدٌ يَطْلبهم بها بدَمِ عَمِّه، فوَدَاهُم رسول الله صلى الله عليه وآله بعدما قتَلهم خالدٌ. وتبرّأَ ﵇ مما صَنَع بهم خالدٌ. فقالت سَلْمَى بنْتُ خالدٍ امرأَةٌ من بني كِنَانَةَ: واللهِ لوْلاَ رَهْطُ آلِ مُحمّدٍ ... لَلاقَتْ سُلَيْمٌ يَوْمَ ذلك ناطِحَا لبَالَطَهمْ زَيْدٌ وأَصحابُ جَعْفرٍ ... ومُرَّةُ حتَّى يُصْبِحَ البَرْكُ سَارِحَا وكَمْ فيهمُ يومَ الغُميْصَاءِ مِنْ فَتًى ... أُصِيبَ ولم يَشْملْ له الرَّأْسُ وَاضِحَا ومِنْ سيّدٍ كَهْلٍ علَيْهِ مَهَابَةٌ ... أُصِيبَ ولم يَجْرَحْ وقد كان جارِحَا أَطافَتْ بخُطّابِ الأَيَامَي فطُلِّقَتْ ... غَداتَئِذٍ منْ كانَ منهُنّ ناكِحَا فأَجابَتْهَا الخَنْساءُ ابنةُ عمْرو، ويقال بل عَبّاسُ بن مِرْدَاسٍ والثَّبتُ أَنّهَا للخَنْساء: دَعِي عنك تَقْوَالَ الضَّلالِ كَفَى بنَا ... لِكَبْشِ الوَغَى بالأَمْسِ يا سَلْمُ ناطِحَا فخَالِدُ أَوْلَى بالتَّعَذُّرِ منْكُمُ ... غَداةَ عَلاَ نَهْجاً مِن الحقِّ وَاضِحَا إِلَيْكم بإِذْنِ الله يَبْغِي مُصَمِّماً ... سَوَانِحَ لا تَكْبُو لَهَا وبَوَارِحَا نَعَوْا مَالِكاً بالقَاعِ لمّا هَبَطْنَه ... عَوَابِسَ مِنْ كابِي الغُبَارِ كَوَالِحَا فإِن نَكُ أَبْكَيْنَاكِ سَلْمَى فرُبَّما ... تَركْنَا علَيْكُم نائِحاتٍ ونائِحا فأَقَّرَّتِ الخنساءُ أَنّهم طلَبوهم بمالكٍ في قولهم نَعوْا مالِكاً بالقَاعِ وأَنّهُم لم يُدْرِكُوا به من قَتَلوا منهم قبْلَ ذلك. ؟ يَومُ بُطَاحٍ

стр. 22

وفيه مَقْتَلُ مالكِ بن نُوَيرةَ اليَرْبُوعِيّ، قَتَله ضِرَارُ بن الأَزْورِ الأَسدِيّ، أَمرَه بذلك خالدُ بن الوليد. كان مالكُ بن نُويرة يُسمى الجَفُولَ وكان النبيُّ صلَّى الله عليه وآله بَعَثَهُ مُصدِّقاً لَقوْمه، وبعثَ أَيضاً وُجُوهاً من العَرب سُعَاةً على الصَّدَقة، منهُم الزِّبْرِقانُ بن بَدر، قال فقُبِضَ النَّبيُّ صلى الله عليه وآله، وفي أَيديهم الصَّدقةُ، فأَكلوها غيرَ الزِّبرْقان وَحْدَهُ، فإِنّه سارَ بها حتَّى أَتَّى بها إلى أَبي بكر، ثم أَنْشأَ يقولُ: وفَيْتُ بأَذْواد النَّبِيّ وقدْ أَبى ... سُعَاةٌ فَلَم يَرْدُدْ بَعِيراً مُجِيرُهَا أَرَدْتُ بها التَّقْوَى ومَجْدَ حَدِيثِها ... إِذَا عُصْبَةٌ سامى قَبيلى فَخُورُهَا وإِنِّيَ من قَوْمٍ إِذا عُدَّ سَعْيُهُم ... أَبَى المُخْزِيَاتِ حَيُّها وقبُورُهَا صِغَارُهُمُ لم يَطْبَعُوا وكِبَارُهمْ ... أُصِيبَتْ منَايَاها عِفَافاً صُدُورُها وأَشْوَسَ سامٍ قد عَلوْتُ وعُصْبَةٍ ... حَنَاقَى غِضَابٍ صَدَّ عنِّي فَجُورُها أَبَى رَهْبَة الأَعداءِ مِنّي جَراءَتِي ... وفَتْكِي إِذَا ما النَّفْسُ نَاجَى ضَمِيرُهَا ولَيْلَةِ نَحْسٍ في الأُمورِ شَهِدْتُهَا ... بخُطَّةِ عَزْمٍ قَدْ أُمِرَّ مَرِيرُها وأَبْوَابِ مَلْكٍ قد دَخَلْتُ وفَارِس ... طعَنْتُ إِذَا ما الخَيْلُ شَدَّ مُغِيرُهَا وفَرَّجْتُ أُولاَهَا بنَجْلاءَ ثَرَّةٍ ... يَخَافُ على رَاجِي الحَياةٍ بَصِيرُهَا فلما بلغَ مالكَ بنَ نُوَيْرَة وَفاةُ النبي صلى الله عليه وآله، أَمسَك الصَّدَقةَ، وفرَّقَهَا في قَومه، وجَمعهم وقال: إِنّ هذا الرجلُ قد هَلَكَ، يعنِ محمَّداً ﵇، فإِن قامَ قائمٌ من قريشٍ تجتمعُ عليه العرَبُ جميعاً رَضِيَ منكم أن تدخُلوا في أمرِه، ولم يَطْلُب ما مَضَى من هذِه أَبداً ولم تكونوا أَعطَيْتم النّاسَ أَموالَكم فأَنْتُم أَولى بها وأحقّ، وقال في ذلك: وقال رجالٌ سُدِّدَ اليَوْمَ مَالِكٌ ... وقال رِجَالٌ مالِكٌ لم يُسَدَّد فقُلْتُ دَعُوني لا أَبَا لأَبِيكم ... فلمْ أُخْطِ رَأْياً في المَعَادِ ولا البَدِي وقُلْتُ خُذُوا أَموالَكُم غير خائِفٍ ... ولا نَاظرٍ فيما يَجِئُ به غَدِي فدُونَكُمُوها إِنَّهَا صَدَقَاتُكمْ ... مُصَرَّرَةُ أَخْلافُهَا لم تُجَدَّدِ سأَجْعَلُ نَفْسي دُون ما تَحذَرُونَه ... وأَرهَنُكُم يَوْماً بما مَلَكَتْ يَدِي فإِن قامَ بالأَمْر المُخلَّفِ قائمٌ ... أَطَعْنا وقلنا الدِّنُ دِينُ محمَّدٍ ﵇، فبلغ أبا بكر قوله فعاهَدَ الله خالدُ بن الوليد لَئنْ أَخَذَه لَيقْتُلَنَّه ولَيجعلَنَّ هامتَهُ أُثْفِيّةً للقِدْرِ، ففعل ذلك خالدٌ حين ظَفِرَ به، ولما سارَ خالدٌ لِلقاءِ بني يَرْبوع، خَرَج ضِرَارُ بن الأزْوَرِ طَلِيعَةُ، وخَرجَ مالكٌ طَلِيعَةً لأَصحابه يومَ بُطَاحٍ، فالتَقَيَا فسأَل كلُّ وِاحِدٍ منها صاحبَه عن اسمِه، فقال ضِرَارٌ: أَنا ضِرارٌ، وقال مالِكٌ: أَنا مالك، قال ضِرارٌ فأَنْتَ آمِنٌ. ثم شَدَّ عليه فقتلَهُ. وقال محمدُ بن الحسن: ليس هذا الحديثُ مأْخوذاً به، قُتِلَ مالكٌ صَبْراً بين يدَيْ خالد، قتَلَهُ ضِرارٌ فلذلك قال: مُتمِّمٌ: أَدْعَوْتَهُ باللهِ ثمّ قَتَلْتَهُ ... لَو قد دَعَاكَ بذِمَّةٍ لم يَغْدِرِ وخَبَرُ هذا البَيْت يأْتِي في باب المَراثي إن شاءَ الله. وقال مُتمِّمُ بن نُوَيْرَة يَرْثي أَخاه مالكاً ويهجو ضِراراً: ألا مَنْ مُبْلغٌ عنّي ضِرَاراً ... ولم أَخَفِ الغَوَائِلَ من ضِرَارِ فكَيْفَ تَرَكْتَ رَهْطَكَ والمَوَالِي ... كذلك رَائشٌ مِنهْم وبَارِي وأَصبحَ مَنْ شَمِتَّ به تَأَرَّى ... كشَعْبِ الصَّاع مِن قَدَحِ النُّضَارِ فإِنّك سَوْفَ تُدِركُكَ المَنَايَا ... ذَمِيماً ثمَّ تُتْرَكُ في الدِّيَارِ

стр. 23

وإنّك قد عَمِرْتَ بعَيْش سَوْءٍ ... كعَيْشِ الكَلْب في ظِلِّ الحِمَارِ وإِنِّ لا لَعَمْرُ أَبِيكَ أَنْسَا ... لِشيءٍ بعد فارِسِ ذِي الخِمَارِ غَدَاةَ نَعَاهُ ناعِيهِ فكادَتْ ... عَليَّ الأَرْضُ تُظْلمُ بالنَّهَارِ شَدِيدُ الرُّكْنِ زَيْنٌ للمَوَالِي ... عَلى الأَعْدَاءِ أَخْشَنُ ذو ضِرَارِ يَومُ النِّسار وهو يومٌ لبني أَسَدٍ وغَطَفانَ وطَيِّئٍ، وهم الأَحاليفُ، على بني عامرٍ، وفيه مقْتَلُ شُرَيحِ بنِ مالكٍ القُشَيْريِّ - قتلَه قَدُّ بن مالكٍ الوَالِبيُّ - وعُبَيْدِ بن مُعَاوِيةَ بن عبد الله بن كِلابٍ، والهَصَّان - وهو عامِرُ بن كَعْب - قتَلهما بنو أَسدٍ وبعدَه يومُ الجِفارِ. كان سببُ يوم النِّسار أَنّ بني تميم كانوا يأْكُلُون عُمُومَتَهم بني ضَبَّةَ وبني عبدِ مَناةَ، فأَصَابُوا رَهْطاً من بني تميم، فطَلبَتْهُم تميمٌ، فلحقتِ الرِّبَابُ ببني أَسَد بن خُزَيْمَة، وهم يَوْمئذ حُلفاءُ لبني ذُبْيَانَ بن بَغِيضِ بن غَطَفَانَ وحُلَفاؤُهم أيضاً بنو طَيٍّ. ورئيسُ ذبيانَ حصنُ بن حذيفة بن بدرٍ، ورئيسُ بني أَسد عَوْفُ بنُ عبدُ الله بن عامِر بن جَذيِمة بن نَصر بن قُعَيْن، ويقال خالدُ بن نَضْلة الأَسَدِيُّ ورئيس الرِّبَاب يومَ النِّسار الأَسودُ بن المُنذِر، أَخو النُّعمان، وحَدَّث قٍيْسُ بنُ غالب أَنّ رئيسَ الرِّباب وجَمَاعةِ الأَحاليفِ يَومَ النِّسَار حِصْنُ بن حُذيفة. وأَنشد في تَصْداقِ ذلك قول زُهَير: ومن مِثْلُ حِصْنٍ في الحُرُوب ومثْله ... لإِنْكارِ ضَيْمٍ أَو لأَمْرٍ يُحَاوِلُهْ إِذا حَلَّ أَحياءُ الأَحالِيفِ حَوْلَه ... بذِي لَجَبٍ هَدَّاتُهُ وصَوَاهِلُهْ وبلغ بني تميمٍ أَنّ الرِّبَابَ قد لَحِقتْ ببني أَسدٍ وأَحلافِها، فاستمدّ بنو تميمٍ بني عامرِ بن صَعصَعَة، فأَمدُّوهم، وعلى بني تميمٍ حاجِبُ بن زُرَارَة، وعلى بني عامِرٍ شُرَيْح بن مالكٍ القُشَيريُّ، أَو مالكُ بن كعبٍ أَحدُ بني أَبي بكرِ بن كِلابٍ، فسار هؤلاءِ وهؤلاءِ، حتى التقَوْا بالنِّسَار، فاقتتَلوا قِتَالاً شديداً، فصبَرَتْ بنو عامر يومَئذٍ، فاستْحَرَّ فيهم القتلُ، وانفَضَّتْ بنو تميمٍ ووَاءَلَتْ لا تُلْوِي على أَحَدٍ، ولم يُصَبْ منهم كثيرٌ فهُزِموا وقُتِلُوا وسُبُوا، فغَضِبَتْ تميمٌ لبني عامِرٍ فسارُوا إِلى بني أَسَدٍ فالْتقَوا بالجِفَار، فلَقُوا أَشدَّ ممّا لَقيَتْ عامِرٌ. ونحن نَذكُرُه بعد فَراغِنَا من ذكر يوم النِّسَار. وقَتَلَ قَدُّ بن مالكٍ الوَالبيُّ - ثمّ الأَسَدُّى - شُرَيحَ بنَ مالكٍ القُشَيريَّ رأْسَ بني عامرٍ، فقال سَهْمٌ الأَسديُّ في الإسلام مفتخِراً بذلك: وهُم تَرَكُوا رَئِيسَ بَني قُشَيرٍ ... شُرَيحاً للضِّباع وللنُسورِ وقَتَلُوا عُبَيْد بن مُعَاوية بن كِلابٍ، وقتَلوا الهِصَّانَ وهو عَامِرُ بن كَعْب، من بني أَبي بَكْر بن كِلابٍ، وأَسرَ خَالدُ بنُ نَضْلَة الأَسَدِيُّ دُودَانَ بنَ خالدٍ أَحَدَ بني نُفَيْل بنِ عَمْرِو بن كِلابٍ، وأَسَرَ أَيضاً حَنْثَرَ بن الأَضْبَط الكِلابيّ. فقال خالدُ بن نَضْلَة الأسَديُّ في أَسْره إيّاهما: تَدَارَكَ إِرخاءُ النَّعامة حَنْثَراً ... ودُودَانَ أَدَّت في الصِّفادِ مُكَبَّلاَ وسَبَوْا نِسْوَةً منهم، فصارَتْ سَلْمَى بنتُ المُحلّقِ لعُرْوة بن خالِدِ بن نَضْلَة الأَسَديّ، وصارَت العَنْقَاءُ ابْنَةُ هَمّامٍ، منم بني أَبي بكر بن كِلابٍ، لزِيَاد بن زُبَيْر بن وَهْب بن أَعْيَا بن طَرِيفٍ الأَسَدِيّ، وصارَتْ أُمُّ خازِمٍ بنتُ كِلاَبٍ لأَرْطَاةَ بن مُنْقِذٍ الأَسَدِيّ، وصَارَتْ رَمْلَةُ بنتُ صُبَيْحٍ للحارثِ بن جَزْءِ بن جَحْوَانَ الأَسَدِيّ. وصارَت هِنْد بنتُ وَقَّاصٍ لقَيْس بن عبدِ الله الفَقْعَسيّ، وصارَت أُمامةُ بنتُ العَدَّاءِ لأُسامة بن نُمَيْرٍ الوالبيّ. فقالتْ سَلْمَى بنتُ المُحلّقِ تُعَيِّرُ جَوَّاباً بفَرَّتِهِ والطُفيلَ: لَحَى الإِلهُ أَبَا لَيْلَى بفَرَّتِهِ ... يَوم النِّسَارِ وقُنْبَ العَيرِ جَوّابَا

стр. 24

كيْفَ الفخَارُ وقد كانتْ بمعْتَرَكٍ ... يَوْم النِّسارِ بنو ذُبْيانَ أَرْبابَا لم تَمْنعُوا القوْمَ إِذ شَلُّوا سَوَامَكمُ ... ولا النِّسَاءَ وكانَ القَومُ أَحْزابَا وحمَى بعد ذلك بني عامرٍ وبني تميمٍ بنو خُوَيْلِدِ بن نُفيْل بن عَمْرو بن كِلابِ، وهم بنو بِنْت الحَرِيش فقالت الفارِعَةُ بنتُ مُعَاوية القُشيْريًّة في كلمةٍ لها: لَوْلاَ بنُو بِنتِ الحَرِيش تُقُسِّمَت ... بيْنَ القبَائِلِ مازِنٌ والعَنْبَرُ وقال بِشْرُ بن أَبي خازِمٍ في تَصْداقِ حَدِيثِ غَطَفانَ وبني أَسدٍ وأَنّ بني ضَبَّة استغاثُوهم ودَعَوْهم فأَغاثوهم قَصيدةً أَوّلُها: عفتْ من سُليْمَى رَامَةٌ فكَثِيبُهَا وفيها: أَجَبْنَا بني سَعْدِ بن ضَبّةَ إِذْ دَعَوْا ... وللهِ مَوْلَى دَعْوَةٍ لا يُجِبيبُهَا وكُنّا إِذا قُلْنا هَوَازِنُ أَقبِلِي ... إِلى الرُّشْدِ لمْ يأْتِ السَّدادَ خَطِيبُهَا عَطفْنا لهُمْ عَطْفَ الضَّرُوسِ من المَلاَ ... بشهْبَاءَ لا يَمْشِي الضَّرَاءَ رَقيبُهَا فلمَّا رَأَوْنَا بالنِّسارِ كأَنَّنا ... نَشَاصُ الثُّريّا هَيَّجَتْها جَنُوبُهَا جعَلْنَ قُشيْراً غايَةً يُهْتدَى بها ... كمَا مَدَّ أَشْطانَ الدِّلاءِ قَليِبُهَا لَحَوْنَاهُمُ لَحْوَ العِصىّ فَأَقبَلوا ... على آلةٍ يَشْكو الهَوَانَ حَرِيبُهَا لَدُنْ غُدْوةً حتَّى أَتَى اللَّيْلُ دُونَهمْوَأَدْرَكَ جَرْيَ المُبْقِياتِ لُغُوبُهَا بني عامِرٍ إِنّا تَرَكْنَا نِسَاءَكمْ ... مِن الشَلِّ والإيجافِ تَدْمَى عُجُوبُها وقال عبيدُ بنُ الأَبْرص في ذلك، ويَذكُرُ غَضَبَ بني تميمٍ لبني عامِرٍ: ولَقَد تَطَاوَل بالنِّسارِ لَعامرٍ ... يَوْمٌ تَشِيبُ له الرُّؤُوسُ عَصَبْصَبُ ولَقَد أَتَاني عن تميمٍ أَنَّهم ... ذَرِبوا لِقَتْلَي عامِرٍ وتَغَضَّبوا رَغْمٌ لَعَمْرُ أَبِيك عنْدي هَيِّنٌ ... إِنِّي يَهُونُ عَليَّ أَلاَّ يُعْتَبْوا يَومُ الجِفار وقال أَبو عُبَيْدَة فلما كانَ على قَرْنِ الحَوْلِ، بعد يوم النِّسَارِ التقَوا بالجِفَار، وعلى الناس جميعاً رُؤساؤُهم الذين كانوا عليهم يوم النِّسار، إلا بني عامر، فإِنّ عبدَ الله بنَ جَعْدةَ بن كَعْبٍ كان رئيسَهم، فاقتتَلُوا قِتَالاً شديداً، فصبرَتْ تميمٌ، فاستَحَرّ بهم الشَّرُّ وببني عَمْرو بن تميم خاصَّةً، وكان يَوْمُ الجِفَار يُسَمَّى يومَ الصَّيْلَم، وهَرَبَ يومئذٍ حاجبُ بن زُرَارَة، فقال بِشر بن أَبي خازِم في فِرَارِهِ وفي غضب تميم لبني عامرٍ يومئذ في قصيدةٍ أَوَّلُها: لِمَنِ الدِّيارُ غَشِيتُهَا بالأَنْعُمِ وفيها: ساِئلْ تَمِيماً في الحُرُوب وعامِراً ... وهَلِ المُجرِبُ مثْلُ مَنْ لم يَعْلَمِ غَضِبَتْ تَمِيمٌ أَن تُقَتَّلَ عامِرٌ ... يَوْمَ النِّسَارِ فأُعْتِبوا بالصَّيْلَمِ ففَضَضْنَ جَمْعَهُم وأَفْلَتَ حاجِبٌ ... تَحْتَ العَجاجَةِ في الغُبَارِ الأَقْتَمِ وهي طويلةٌ. وقال أيضاً في ذلك: ويَومُ النِّسارِ ويَوْمُ الجِفَا ... رِكانَا عَنَاءً وكانَا غَرَامَا فأَمَّا تَمِيمٌ تَمِيمُ بنُ مُرٍّ ... فأَلْفَاهُمُ القَوْمُ رَوْبَى نِيَامَا وأَمَّا بنُو عَامِرٍ بالنِّسارِ ... ويَوْمَ الجِفَارِ فكَانُوا نَعَامَا وقال عَبِيدُ بن الأَبرص في ذلك: وغَدَاةَ صَبَّحْنَ الجِفَارَ عَوَابِساً ... يَهْدِي أَوَائلَهُنّ شُعْثٌ قُطَّبُ لَمّا رأَوْنا بالعَجَاجَة فَوْقَنَا ... والخَيْلُ تَبْدُوا تَارَةً وتغَيَّبُ جَمْعٌ كأَنَّ سَنَا القَوَانِس فَوْقَنَا ... نارٌ على شَرَفِ اليَفَاعِ تَلَهَّبُ تَمْشِي بنا أُدْمٌ تَئطُّ نُسُوعُهَا ... خُوصُ العُيُونِ كأَنهنّ الرَّبْرَبُ

стр. 25

ودُرُوعُنَا قَدْ أُخْفِيَتْ مِن خَلْفِنَا ... وجنَابُنَا وُرْقُ المَرَاكِلِ تُجنَبُ من كُلّ مَمْسُودِ السَّرَاةِ مُقَلِّصٍ ... قدْ شَفَّهُ طُولُ القِيَادِ المُتْعِبُ وطِمِرَّةٍ كالسِّيد خاظٍ لَحْمُها ... مَجْدُولَةٍ جَدْلَ العِنَانِ تقَرَّبُ وَلَّوْا وقَدْ شَرِبُوا بكأَْسٍ مُرَّةٍ ... فِيها المُثَمَّلُ ناقِعاً فلْيَشْرَبُوا وقال سَهْمٌ الأَسَدِيُّ وحُمِلَ على بِشر بن أَبي خازِمٍ: فَسائِلْ عَامِراً وبنِي تَميمٍ ... إِذَا العِقْبَانُ طَارَتْ للْقِرَاعِ بكُلِّ مُجَرِّبٍ كاللَّيْثِ يَسْمُو ... إلى أَقْرَانِه عَبْلَ الذِّراعِ فصَبَّحْنَ الجِفَار يُثِرْنَ نَقْعاً ... بكلِّ قَرَارَةٍ وبكلِّ قاعِ كأَنَّ سَنَا قَوَانِسهمْ ضِرَامٌ ... مَرَتْهُ الرِّيحُ في أَعْلَى يَفَاعِ وكمْ غادَرْنَ مِنْ كابٍ صَريعٍ ... تُطِيفُ بشِلْوِه عُرْجُ الضَّبَاعِ وكمْ مِنْ مُرْضِعٍ قد غادَرُوهَا ... لَهِيفَ القَلْبِ كاشِفةَ القِنَاعِ ومِنْ أُخْرَى مُثَبَّرةٍ تُنادِي ... لَقَدْ خَلَّيتُمونَا للضَّيَاعِ وقال نابغةُ بني ذُبْيَانَ يَمُنُّ على عُيَينَةَ بنِ حِصْنٍ ببَلاءِ بني أَسَدٍ يومَ النِّسَار ويوْم الجِفَار فقال: أَلِكْنِي يا عُيَيْنُ إِليك قَوْلاً ... ستَحْمِلُه الرُّوَاةُ إِليْك عَنّي إِذا حَاوَلْتَ في أَسَدٍ فُجوراً ... فإِنّي لَسْتُ منكَ ولَسْتَ منّي هُمُ دِرْعِي التِي اسْتَلأَمْتُ فيها ... إِلى يَوْمِ النِّسَارِ وهُمْ مجَنِّي وهُمْ وَرَدُوا الجِفَارَ على تَمِيمٍ ... وهُمْ أَصحابُ يَوْمِ عُكاظَ إنّي شَهِدْتُ لَهُمْ مَوَاطِنَ صادِقَاتٍ ... أَتيْتُهُمُ بنُصْحِ الصَّدْرِ منّي يَومُ ذَاتِ الحَنَاظِل وهو يومٌ لبني تميمٍ على بني أَسَدٍ وفيه مقتَلُ مَعْقِل بن عامرٍ الأَسديّ أَخي حَضْرمِيّ بن عامرٍ. وبَعْدَ يَوْمِ الجِفَار أَغار عَمْرُو بنُ أُبَيْرٍ، في بني كَعْب بن سَعْدِ بن زَيْد مَناةَ بن تميمٍ على بني أَسدٍ، فصَادَفَهم بذاتِِ الحَناظِل، فاقتتَلوا قِتَالاً شَدِيداً، فقَتَلَ عَمْرُو بن أُبَير مَعْقِلَ بنَ عامرٍ، وانهزمَتْ بنو أَسدٍ وقُتِلَ منهم نَفرٌ، وأَصابتْ تميمُ سَبْياً ونَعَماً، فقالَت أُختُ مَعْقِل تَرْثيه: أَلا إِنَّ خِرَ الناس أَصبح ثاوِياً ... قَتِيلُ بَنِي سَعْدٍ بذَاتِ الحَناظِلِ صَبَرْتَ على حَدِّ الرِّمَاحِ كأَنّهَا ... غَدَاةَ تَوَالَى فيك وَسْمِيُّ وَابِلِ فإِنْ تَكُن الغاراتُ أَرْدَيْنَ مَعْقِلاً ... وأَصبَح رَهْنَ القَاعِ بَيْنَ الأَعَاوِلَ فمَا كانَ وَقّافاً إِذَا الخًيْلُ أَحْجَمَتْ ... ولا طائشاً نِكْساً غَدَاةَ المَنَاضِلِ وقد كَانَ مِغْيَاراً على كُلِّ حُرّةٍ ... وفارِسَ أَفْرَاسٍ وكَهْفَ أَرَامِلِ وقال عَمْرو بنِ أُبِيرٍ في ذلِك: بنِي أَسَدٍ إِنَّا تَركْنَا سَرَاتَكمْ ... غَدَاةَ التقَيْنا حَوْلَها الطَّيْرُ تَحْجِلُ ونحنُ طَعنّا مَعْقِلاً فكأَنّما ... هَوى مِن طَمَارٍ يَوْم ذلكَ مَعْقِلُ فظَلَّ مُكِبّاً والكَتِيبةُ حَولَه ... يَمُجُّ دَماً مِنْهُ نِيَاطٌ وأَبْجَلُ يومُ خَوٍّ لبني تَغلِبَ على بني فَزَارة، وفيه أُسِرَ حُذَيفةُ.

стр. 26

أَغَارَ عمرُو بن كُلْثُومٍ، في جَمْعٍ من بني تَغْلِبَ، على بني ذُبْيَانَ، بموضِع يقال له خَوٌّ، والذَّنائِب، فقاتَلوه قِتالاً شديداً، ثم إِنّ بني ذُبيان انهَزَمتْ، وحَمَل عَمْرٌو على حُذَيفةَ بنِ بَدْرٍ فأَسَرهُ، وأَصابوا أَسْرى، ونَعَماً كثيراً، وسَبَايَا، فلمّا وَافَى بِهِ بني تَغلِبَ نَاشدوه في قَتْل حُذيفة، وأَشارُوا عليه بذلِك، فأَبَى عَمْرٌو، وقال حُذيفة أَنا أَشتَرِي نَفْسي منك بأَلْفِ ناقَةٍ حمراءَ، سَوْدَاءِ، المُقْلةِ، فقال عَمْرٌو: أَنتَ سَيّدٌ من ساداتِ مُضَر، وأَنا أُحِبُّ الاصطناعَ، إِلى مِثلِك، فأَطْلَقَه، وجَزَّ نَاصِيَتَهُ، ورَدَّهُ إِلى قَوْمه، وقال في ذلك عمرٌو: أَلَمْ تَرَ أَنّني رَجُلٌ صبورٌ ... إِذا ما المَرْءُ لم يَهْمُمْ بصَبْرِ وأَنِّي بالذَّنائِبِ يَوْمَ خَوٍّ ... مَننْتُ على حُذَيفَةَ بَعْدَ أَسْرِ ولَوْ غَيْرِي يَجِيءُ به أَسيراً ... لَنَالَ بهِ رَغيبةَ ذُخْرِ دَهْرِ ولكنّي مَنَنْتُ وكان أَهْلاً ... لِما أَوْلَيْتُ في حَمَل بن بَدْرِ وقال حُذَيفةُ يشكُر عَمرَو بن كُلْثومٍ: إِنّي لمُثْنٍ وإِنْ كانَتْ عَشِيرتُهُ ... خُزْرَ العُيُونِ عَلى عَمْرِو بنِ كُلْثُومِ المُطْلِقِ الغُلَّ عَنِّي بَعْدَ ما شَنَجَتْ ... كَفِّي وما ذَاكَ مِنْ عَمْرٍو بمَكْتُومِ إِذْ قَامَ من جُشَمٍ عُزْلٌ تُناشِدُهُ ... قَتْلِي وتَأْمُرُهُ بالذّمِّ واللُّومِ فاخْتَارَ مِنَّتَه عِنْدِي وقال لَهُمْ ... كُفُّوا فَمَا مَنْ رَجَا عَفْوِي بمَحْرُومِ أَمْسَى حُذيفةُ مَوْسُوماً وأُسْرَتُه ... بالشُّكْرِ ما اسْتنَّ آلٌ في الدَّيَامِيمِ إِنْ يَشْكُرُوكَ فإِنَّ الشُّكْرَ مَكْرُمَةٌ ... أَوْ يَكْفُرُوك فما شُكرِي بمَذْمُومِ يَومُ وَادِي الأَخْرَمَينِ لبني تَغلِبَ على صُدَاء وهي جُمْجُمةُ مَذْحِج خَرجَ عَمْرُو بن كُلثوم في ليلةٍ مَطِيرة، فسمعَ رَجُلاً يَتغنَّى ويقول: أَلا قُلْ لعَمْرٍو ضلَّل اللهُ سَعْيَهُ ... وعَمْرٌو مَتى مَا يُمْنحِ النُّصْحَ يَلْجَجِ أَتُنْحِي على أَحْيَاءِ قيْس وخِنْدِفٍ ... وتَعْدِلُ عَنْ شُمِّ العَرَانِينِ مَذْحِجِ وتَخْشَى ابنَ لَيْلَى أَنْ تَنَالَ رِمَاحُهمْفَوَارِسَكَ الأَدْنَيْنَ يا عَمْرُو فاهْتَجِ فتَبيَّنهُ عَمْروٌ، فإِذا هو شَيخٌ من بني جُشَم، وأَخْوالُه صُدَاء من مَذْحِج. فحَلَف عَمْرٌو لا يَغْسِلُ رأَْسَه حتَّى يَغْزوَ صُدَاء، وهم يومَئذٍ هَامَةُ مَذْحِج، قد اتَّقاهَا النّاسُ، فخرج في عِدَّةٍ من بني تَغلِبَ، وكان الطريقُ بَعِيداً فكَلَّتْ خيْلُه، وصَبَحهم بوَادِي الأخْرَمَيْنِ، وخَرَجتْ إِليه صُدَاء، ورَأْسُها جَحْشٌ الصُّدَائيُّ، وهو شيخٌ كبيرٌ قد انحنَى وكان يُفضَّلُ على سائرِ فُرْسَانِ مَذْحِجِ، فنادَى جَحْشٌ: أَيْن عَمْرُو بن كُلثوم؟ فقال عَمْرٌو: إِلي يا جَحْشُ، فقال جَحْشٌ: يا عَمْرُو يا عَمْرُو أَقِمْ لي صَدْرَكَا يا عَمْرُو يا عَمْرُو أَبِنْ لي أَمَركا لعَلَّ ما أَبْصَرْت مِنّي سَرَّكَا يا طالَ ما غَرَّك ما قدْ غَرَّكَا فحمَل عليه عَمرو بن كُلثوم وهو يقول: يا جحْشُ يا جَحْشُ مَنَتْكَ الأَسْبابْ إِنْ تَكُ وَثَّاباً فإِنِّي وَثّابْ والنّاسُ أَذْنابٌ ونحن أَرْبابْ أَنا ابْنُ كُلْثومٍ وجَدِّي عَتّابْ واختلفَا طَعْنَتْين، فَطَعَنْه جَحشٌ فصرعَهُ، وحَمَاه الأِودُ بن عمرٍو في فَوارِسَ من بني جُشَمَ فلما استوَى عَمْرٌو على ظهْرِ فرشِه عَاوَدَ القِتال، فدَامَتِ الحَربُ، واشتدَّت بَقيَّةَ يَومهم، ثمّ إِنّ عَمْراً حَمَل على جَحْشٍ فطعَنه فقتلهُ وقُتِل على دَمِهِ سَبعون رجُلاً. وأَصَابَتْ بنو تغلِبَ الأَسْرى والنّساءَ والنَّعَم، فقال عَمرو بنُ كُلثوم في ذلك: ليْجزِ اللهُ من جُشَمَ بنِ بَكْرٍ ... فَوَارِسَ نَجْدةٍ خَيرَ الجَزَاءِ

стр. 27

بمَا حَامَوْا عَليَّ غَدَاة دَارَتْ ... بوَادِي الأَخْرَمَيْنِ رَحَى صُدَاءِ بضرْبٍ تَشْخَصُ الأَبْصَارُ منه ... وطَعْنٍ مِثْل إفْرَاغِ الدِّلاءِ صبَاحَ الخيْلِ دامِيَة كُلاَهَا ... تَرَقَّصُ بالفَوارِس كالظِّبَاءِ وأَعْرَض فارِسُ الهَيْجاءِ جَحْشٌ ... وجَحْشٌ نِعْمَ حامِيَةُ النِّسَاءِ فنَادَى في العَجَاجة أَيْن عَمْرٌو ... كأَنّي فَقْعَةٌ أَو طَيْرُ مَاءِ فأَطعُنُهُ وقلْتُ له خُذَنْهَا ... مُشَوّهةً تَبَجَّسُ بالدِّماءِ فما افْترَقَتْ لذَاك بَنَاتُ نَعْشٍ ... ولا كسَفَتْ له شَمْسُ السماءِ قَتلْنا منهُمُ سبعين جَحْشاً ... ووَلَّوْنَا بأَقْفِيَةِ الإِماءِ وأُبْنَا بالهِجَانِ مُرَدَّفاتٍ ... خَطبْناهنّ بالأَسَلِ الظِّمَاءِ وقُدْنَا مِنْهُمُ سَرَوَاتِ قوْمٍ ... كجُرْبِ الإِبْلِ تُطْلَى بالهِنَاءِ وقال المُشسمْرِخ الصُّدَائيّ: يالَ الرِّجَالِ لحَادِثِ الأَسْبابِ ... ولِمَا لَقِينَا من بَنِي عَتَّابِ كُنّا أُنَاساً لا يُرَوَّعُ سِرْبُنَا ... في مَنْزِلٍ من مَنْزِلِ الأَرْبَابِ حتَّى رَمَى عَمْرٌو قرِيعَةَ أَرْضِنَا ... خَيْلاً تَقدَّمُها ذَوُو الأَحْسَابِ مِن تَغلِبَ الغلْباءِ طَعْنُ رِماحِهمْ ... أَوْدَى لعَمْرُ أَبِيك بالأَحْزابِ لمَّا رَأَيْناه يُحَضِّضُ خَيْلَه ... والنَّقْعُ مُعْتلِجُ العَجَاجَةِ كَابِي والحَيُّ من جُشَمَ بنِ بَكْرٍ حَوْلَه ... يَتبَادَرون دَعَوْتُ في أَصْحَابي فحمَى الذِّمارَ ذَوُو الحِفَاظ فقُتِّلوا ... وجَثَا بَقيّتُهُمْ على الأَعْقَابِ وكان في الأَسْرَى عبدُ الله بنُ سُوَيْدٍ الصُّدَائِيّ، وكان قد قَتلَ يومئذٍ في بني تغْلِبَ، فأَخذه عَمْرٌو ليَقْتُله فقال: ما في رَبِيعَة مَرْجُوٌّ ولا مُضَرٍ ... أَوْلَى بها مِنْك يا عَمْرو بن كُلْثومِ إِنّ الأَرَاقِمَ لنْ تَنْفكَّ صَالحةً ... مُبَرَّئينَ من الفحْشاءِ واللُّومِ ما دَافع اللهُ عن عُمَرٍو مَنِيَّتَه ... فاخْتَرْ فِدًى لك بَيْن المَنِّ والكُومِ فقال عَمروٌ: اشْترِ نفْسَك. فأَعْطاهُ حتَّى رَضِيَ، فقال عَمْرٌو: لك مِن مالي ما عَرَضْت، ولك نَفْسُك. فمَنَّ عليه، وحَمَله وكَسَاهُ. يَومُ سَفْحِ مُتَالِعٍ وهو يومُ لبني تَغلِبَ على بني تميمٍ أَغارَ عَلْقمَةُ بن سَيْفِ بن شَرَاحِيل بن مَعْشرِ بنِ مالِك بن جُشم بنِ بَكْرٍ، على أَخْلاطِ تميمٍ فلَقِيَهم بسَفْحِ مُتالِعٍ: جَبَلٍ ممّا يَلِي الحِجاز، وكان مَقادُهُ إِليهم قريباً من شهْرٍ، فلمّا الْتَقوْا نادَتْ تميمٌ: ياَل خِنْدِف. ونادَتْ تَغلِبُ: يالَ تَغْلِبَ، وتَعَاظمَ الشَّرُّ بينهم، وَثبَتتْ أَخْلاطُ تميم وبنو سَعْدٍ، حتى أَسرَعَ القتْلُ فيهِم وحَمَل ابنُ قَوْزَعٍ الكِسْرِيُّ كِسْر بن كعْبِ بنِ زُهَيْر بن جُشَم بنِ بكر على خَيْثَمةَ السَّعْدِيّ، وكان فارِسَ بني سَعْد، فصَرَعَهُ، وأَفْلتَ الحارثُ بن الأضْبَطِ بطَعْنةٍ مات منها بَعْدُ، وأُجْلِيَت تميمٌ عن الدار بعدَ قَتْلٍ كثِيرٍ، وأَصابَتْ بنو تَغلبَ النّسَاءَ والأَمْوَالَ والأَسْرَى، ولم يبق أَهلُ بيْتٍ في تميم إِلاّ وقد أُصيبوا بمُصِيبةٍ، وقال ابن قَوْزَعٍ الكِسْريّ في ذلك: لَعَمْرُك ما قَاد الجِيَادَ على الوَغَى ... مَقَادَ ابنِ سَيْفٍ فارِسِ الخَيْلِ عَلْقمَهْ أَبَاحَ تمِيماً يَوْم سَفْحِ مُتَالِعٍ ... بخَيْلٍ كأَمْثالِ القِدَاحِ مُسَوَّمَهْ أَصَابَ بها شَهْراً على كُلِّ علَّةٍ ... لهَا مِنْ تَشَكِّيها أَنِينٌ وحَمْحَمَهْ فأَوْرَدَها قبْلَ الصَّباحِ مُتَالِعاً ... صِحَاحاً فجَالَتْ في العَجَاجِ مُكلَّمَهْ

стр. 28

يَخُوضُ لَظَاهَا عُصْبَةٌ جُشَمِيَّةٌ ... لها تَحْت نَقْعِ الخِنْدِفِيِّينَ غَمْغمَهْ وكُنَّا أُنَاساً لا نَرَى القَتْلَ سُبَّةًومنْ تَغْلِبَ الغَلْبَاءِ في النَّاس جُمْجُمَهْ ثمّ إِنَّ عَلْقَمَةَ بنَ سَيْفٍ أَعتَق النَساءَ وحَملَهنّ إِلى قوْمِهنّ قبْل أَن يَصِل إِلى بِلاده، فقالت امرأَةٌ من بني مُجَاشِعٍ: جَزَى الرَّحمنُ عَلْقمَةَ بنَ سَيْفٍ ... على النَّعْمَاءِ خَيْرَ جَزَا مُثَابِ عَنَ آلِ مُجَاشِعٍ وبَنِي فُقيْمٍ ... وأَحْيَاءِ البَرَاجِمِ والرَّبَابِ وحَيَّيْ نَهْشَلٍ وسَرَاةِ سَعْدٍ ... بسَفْحِ مُتَالِعٍ ولِوَى إِرَابِ جَزَزْتَ نَوَاصِياً مِنَّا فرَاحَتْ ... نِسَاءُ الحَيِّ طاهِرَةَ الثِّيَابِ وأَطْلقْتَ العُنَاةَ وكان يَوْماً ... يَغَصُّ الشَّيْخُ منه بالشَّرَابِ فأَنْت المَرْءُ تُشْكَرُ نِعْمَتَاهُ ... عَليْنَا ما بَدَا وَضَحُ السَّرَابِ يَومُ الشَّربَّة وهو يَوْمٌ لبني تَغلِبَ على بني فَزارَة كان الأَخنسُ بنُ شِهابِ بن شَرِيقِ بن ثُمَامَة بن أَرْقمَ بن عَدِيّ بن مالكِ بن رِزَاحِ بن مُعاوِيَةَ بن عَمْرِو يُغْير على كَلْبٍ وغيرهم، فقال يوماً حَمَلُ بنُ بَدْرٍ الفزَارِيُّ، وعندَه أُناسٌ من النَّمِر: أَبْلِغُوا عَنّي الأَخنسَ بنَ شِهَابٍ أَنّ فزَارَة ليستْ كمَن يُغِيرُ عليه من كَلْبٍ وغيرِهَا، وقد عَجِبْتُ له إِذْ هو مِنْ بني مُعَاوِيةَ بن عَمْرٍو كيفَ بَلغَ ما بَلغَ، فقبَح اللهُ بني تَغلِبَ، كيف يُعطُون مِثْلَهُ مَقَادَهم. وتكَّلَم فيه بكلِّ قبِيحٍ. فلمّا رجَع النَّمَرِيّون من عندِ حَمَل بَلَّغوا الأَخنسَ مَقالةَ حَمَلِ بن بَدْرٍ. فقال أَمَا كان ثَمَّ مَنْ نَهاهُ؟ فقالوا: بلى، قد نَهَاهُ أَخوهُ يَزِيدُ بن بَدْرٍ فلم يَنْتهِ. فعَزمَ الأَخنسُ على غَزْوِ بني فَزَارَة، فجمع خَيْلاً من أَخلاطِ بني تَغلِبَ، فغزَاهم، فقاتلوهُ بالشَّرِيّةِ قتالاً شديداً، وانفَرَدَ يَزِيدُ بن بَدْرٍ، وكان فارسَ الجميع يومئذٍ، فحمَلَ عليه الأَخْنَسُ، فطعنَه فصرعَهُ وأَسرَهُ، واستَحَرّ القتلُ في بني فَزَارَةَ وولَّى حَمَلُ بنُ بَدْرٍ، فَنَادَاه الأَخْنَسُ: إِلى أَيْن يا حَملُ؟ وقال: عُودِي فَزَارَ ولا تَجْزَعِي ... فإِنّا أُنَاسٌ لنَا مَرْجِعُ وأَصابَ الأَخْنَسُ الأَسَارَى والنِّسَاءَ، وبَذَلَتْ بنو فَزَارَةَ في يَزِيدَ من الدِّيَةِ أَلْفَ بَعِيرٍ، وبَعَثُوا بذلك وُفُوداً. فقالَ الأَخنسُ: ما الّذِي بذَلْتم في صاحِبك بأَغْنَى من ذُبَابِ خَيْلِكم، فواللهِ لا يَكُون أَمْرِي فيكم أَمَماً. فبَكَى الوَفْدُ وقالوا: كَبَا بِك جَدُّ قَوْمِك يا يَزيدُ! ولم يَشُكّ في قَتْله بنو تَغلِب وبنو فَزارَة، ثُمَّ دعَا به الأَخْنَسُ فأَطْلقَه مَنّاً عليه، وحمَلَه، وكان قَبْلَ ذلِك مُكْرِماً له، فقالَ الأَخْنَسُ في ذلِك: أَلَمْ تَرَنٍ مَنَنْتُ على يَزِيدٍ ... ولمْ أُشْمِتْ به حَمَلَ بْنَ بَدْرِ رَفَعْتُ بهِ ذِمَامًَ أَبي شِهَابٍ ... ولمْ يَكُ أَسْرُهُ عِنْدِي بأَسْرِ ولَوْ أَنِّي أَشاءُ لَبَاتَ نُصْباً ... يُقَلِّبُ أَمْرَهُ بَطْناً لِظَهْرِ ولَوْ أَنّي أَشاءُ لَسَاقَ أَلْفاً ... كهَضْبِ الطَّوْدِ مِن سُودٍ وحُمْرِ ولكِنّي حَفِظْتُ بَنِي أَبِيه ... بنعمة فكه لبقاء دهر وكان يزيد خير بني أبيه ... سِوَى حَمَلٍ وفيه كُلُّ نَذْرِ فَرَاكَضَنى وطَاعَنَني يَزِيدٌ ... فرَدَّ الخَيْلَ كاللَّيْثِ الهِزَبْرِ ولو غَيْرِي يُنَازِلُه يَزِيَدٌ ... لأَقْعَصَهُ بنَابٍ أَوْ بظُفْرِ وقال يزيدُ بن بَدْرٍ يشَكُر الأَخْنَسَ بن شِهَابٍ: جَزَى اللهُ عَنّي والجَزَاءُ بكَفِّه ... أَبا الغَمْر أَعْنِ الأَخْنَسَ بنَ شِهَاب تَدَارَكَنى مِنْ بَعْدِ بُؤْسِ بنعْمَةٍ ... وكُنْتُ أَسِيراً في جَنَاحِ عُقَاب

стр. 29

وقد عَرَضَتْ ذُبْيَانُ أَلفاً كأَنّها ... هِضَابُ أَجَا تَرْعَى بأَرْضِ رِبَابِ فقالَ لهم رُدُّوا القِلاَصَ فما الَّذِي ... بَذَلْتُم بأَغْنَى مِن جَنَاحِ ذُبَابِ ولمَّا رَأَتْ ذُبْيانُ ما قالَ أَخْنَسٌ ... تَعَزَّوْا وقالوا جَدُّ قَوْمِكَ كَابِ فأَطْلَقَني من بَعْدِ ما ظَنَّ قَوْمُه ... وقَوْمِيَ ظَنَّاً لم يَكُنْ بصَوَابِ ولمْ يَبْلُغ احَمْدَ الطَّوِيلَ بَقاؤُهُ ... ببَكْر قَعُودٍ في القِرَى وبِنَابِ وقال الأخنسُ أَيضاً: ونحْنُ أُناسٌ لا حُصُونَ بأَرْضِنا ... نلُوذُ بها إِلاَّ السُّيُوفُ القوَاطِعُ وجَاْوَاءُ تُعْشِي النَّاظِرِين كأَنَّها ... إذا ما بَدَتْ قَرْنٌ من الشَّمْس طالِعً وحامِي لِوَاءٍ قد قَتَلْنا وحَامِلٍ ... لِوَاءً مَنعْنَا والرِّمَاحُ شَوارِعُ وإِنّا لصَيَّادُو الفَوَارِسِ بالقَنَا ... وإِنّا لحَلاَّلُون حَيْثُ نُقَارِعُ ؟ يَومُ فَلْجٍ وهو يومٌ لبني تَغْلِبَ على بني تميم أَغارَ النُّعمانُ بن زُرْعَةَ بن هَرْمِيّ بن السَّفَّاح بن خالِدِ بن كَعْب بن زُهَيرِ بنِ تَيْم بن أُسامَةَ، في خَيْل من بني تَغلِبَ، على بني تميم بفَلْجٍ، فلَمّا التقَى النّاسُ، وكان على تَميم هُرَيمُ بن مالكٍ، فنَادى: يالَ مُضَرَ: يا آلَ خِنْدَفَ: ونادى النُّعْمَانُ: يا آلَ تَغلِبَ: يا آلَ مالِكِ بنِ بَكْرٍ: فحَشَدَتْ تَغلِبُ، وحَشَدَتْ تَمِيمٌ، واشتَدَّ القِتَالُ، وعَظُمَ الشَّرُّ بين الفريقَيْن، وكَثُرَ القِيلُ، ثم إِنَّ حَسّانَ بنَ زُرْعَة، أَخَا النُّعْمَانِ، حَمَلَ على هُرَيمِ بن مالك الحَنْظَلِيّ، فطَعَنَه فصَرعَهُ، وتَنادَى القَوْمُ على دَمِهِ، فقُتِل من بني تميمٍ يومَئذٍ مالكُ بن قُرَّةَ، وعَوْفُ بن حابِسٍ وابنُ حُرْثَانَ، وعِقَالُ بن أَوْسٍ وعُطَارِدُ بنُ حارِثة، وخَلْقٌ. وأُسِرَ من سَرَواتِهم نَفَرٌ، وأَصابَتْ تَغْلِبُ سَبَايَا وأَمْوالاً عِظَاماً، وقد كانت تَغلِبُ جالَتْ جَوْلَةً، فثبتَتْ بنو تَيْم بن أسامةَ خاصَّةً، حتى أَزالُوهم عن أَفارِيقهِم، وكانت كُمَاةَ النَّاسِ يومئذٍ بنو زُهَير بن تَيْمٍ، وأَوّلُ مَن قُتِلَ في هذِه الوَقْعَةِ غُلامٌ من بني عِمْرانَ بن تَغْلِبَ يُكْنَى أَبا أُثَالٍ، كان حليفاً في بني حَنْظَلَة، فقال في ذلك اليَوْم النُّعْمَانُ بن زُرْعَةَ: لَعَمْرُ أَبِيكَ والأَنْبَاءُ تَنْمِي ... وقَدْ تُجْلَى العَمَايَةُ بالسُّؤَالِ لِنعْمَ فَوَارِسُ الهَيْجَاءِ تَيْمٌ ... عَلى فَلْجٍ صَبَاحَ أَبِي أُثَالِ غَدَاةَ رَأَتْ نَوَاصِيَهَا تَمِيمٌ ... عِجَالَ الشَّدِّ سَاقِطَةَ النِّعَالِ عَليْهَا كُلُّ أَصيَدَ مَالِكيٍّ ... مِن الشُّمِّ الشَّرَامِحَةِ الطِّوَالِ فَدَارَت بَيْنَنَا رَحَيَا مُدِيرٍ ... يُسَاقَوْنَ المَنِيَّةَ بالسِّجَالِ طِعَانٌ تَخْرُجُ النَّسَماتُ منهُ ... وضَرْبٌ يَخْتَلِي هَامَ الرِّجَالِ فغُودِرَ مَالِكٌ وأَبو يَزِيدٍ ... وقَعْقَاعٌ وأَجْلَوْا عن عِقَالِ وَأُبْنَا بالنِّهَابِ وبالسَّبَايَا ... وبالأَسْرَى تُقَوَّدُ في الغِلالِ فقُولاَ لِلأَرَاقِمِ غَيْرَ بَغْيٍ ... وبَغْيُ المَرْءِ أَقْرَبُ للسَّفَالَ أَلاَ إِنِّي رَأَيْتُ بني زُهَيرِ ... فَوَارِسَ مَالِكٍ يَوْمَ النِّزَالِ كمَا أَنِّي وَجَدْتُ سَرَاةَ غَنْمٍ ... بَنِي تَيْمٍ إِذَا اخْتَلَفَ العَوَالِي وقال حسّان بن زُرْعةَ في قَتْلِه هُرَيْمَ بنَ مالِك الحَنْظَلىّ: سَائِلِي عَنِّي زُهَيْراً تُخْبَرِي ... يَوْمَ فَلْجٍ والمَنَايَا تَخْتَطِفْ يَوْمَ غَادَرْتُ هُزَيماً ثَاوِياً ... وسِنَانُ الرُّمْحِ فيه مُنْقَصِفْ

стр. 30

تَعْصِبُ الطَّيْرُ عليه كُلَّمَا ... حَاوَلَ النَهْضَ تَأَبَّاهُ النَّزَفْ فنَأَى مِنِّي وفي حَيزومِه ... مِثْلُ جَيْبِ الدِّرْعِ تَمْكُو وتَكِفْ ولقَدْ تَعْلَم تَيْمٌ أَنّني ... نِعْمَ حَشْوُ الدِّرْعِ في اليَوْمِ الكَسِفْ إِذْ لَقِينَا مِن تَمِيمٍ عُصْبَةً ... كقُرُومِ الشَّوْلِ تَمْشِي في الزَّغَفْ يَوْمَ نادَتْ في وَغَاهَا خِنْدِفاً ... وتَنَادَيْنَا بآبَاءٍ شُرُفْ من زُهَيْر دُونَ حَيَّيْ مالِكٍ ... وزُهَيْرٌ نِعْمَ مِرْدَاةُ الهَدَفْ وأَبِي السَّفَّاجُ أَلْفَى خَالِداً ... تَالِدَ المجْدِ وكَعْبٌ قد عُرِفْ عِصْمَةُ النَّاسِ إِذَا مَا أَمْحَلُوا ... وشِهَابٌ حِينَ تَصْطَكُّ الحَجَفْ وقالت الحَنْظليَّةُ ترْثِي مَنْ أُصِيبَ منهُم من قصيدَة: إِنَّ ابْنَ زُرْعَةَ حَسَّاناً وأُسْرَتَه ... جَرُّوا عَلَيْنَا شُؤُوناً ذَاتَ أَشْجَانِ أَبْقَى ابنُ زُرْعَةَ أَنْوَاحاً مَفَجَّعَةً ... تَفْرِي الجُيُوبَ عَلى عَوْفٍ وحُرْثَانِ فانْعَيْ عِقَالاً وقَعْقاعاً ومِن عُدُسٍ ... زَيْدَ بنَ عَمْروٍ وأَوْساً وابنَ زَبَّانِ ؟ يَومُ وَادِي الكنْهَلِ وهو يَومٌ لبني تَغْلِبَ على قَيْسِ بن ثَعْلَبةَ أَغَارَ النُّعْمَانُ بن زُرْعةَ على بكر بن وائلٍ، فأَوْقَع ببني قيس بن ثَعلبةَ، بوادِي الكَنْهَلِ، فاقتتلوا أَشدَّ قِتَالٍ يكونُ، وبَرزَ شَيبانُ بن شِهَابٍ، وهو جَدُّ بني مِسْمَعٍ، فنادَى: هَلْ من مُبَارِزْ؟ فحمَلَ عليه النُّعْمَانُ وطَعَنَهُ فصرَعَهُ، ونادَى ابنُه مِسْمَعٌ: يالَ قيْسِ بنِ ثَعْلبةَ، سيِّدُكم قَحَمَتْهُ الخَيْلُ. ومات من جِرَاحتِه بعد ذلِك، وخرجَ من بعدِهِ هُبَيرةُ بن مالك، فبرَز إِليه رَجلٌ من بني وَائِل بن غَنْمِ بن تَغلِبَ، فطعَنهُ فصَرعَهُ عن الفَرَس: وقُتِلَ الصُّدَيُّ بن ثَعْلَبَةَ ومالكُ بنُ تَيْم، وحَسّانُ بن عَمْرو، في فَوارِسَ من بني قيْس، وصَبَرتْ بنو ضُبَيْعة، حتى أَسْرَعَ القَتْلُ فيهم، وثَبتَتْ بنو سَعْدِ بن مالِك، وبنو مُرّةَ بن عُبادٍ، ثُمَّ انكشفَ القوْمُ، وأَصابَتْ بنو تَغْلِب أُسَارَى كثيرةً وكَفّوا عن النِّساءِ، فقال النُّعمانُ بن زُرعَةَ في ذلك من قَصِيدةٍ: ولوَ أنَّ سَلَمَى أَبْصَرتْنِيَ في الوَغَى ... وجُمُوعَ قَيْسِ يَوْمَ وَادِي الكَنْهَلِ وبِرايَتِي هَامَ الكُمَاةِ كَأَنما ... تُذْرِي السُّيُوفُ بها نَقِيف الحَنْظَلِ يَمْشُون في الزَّغَفِ المُضَاعَفِ نَسْجُه ... مَشْيَ الجِمَالِ إلى الجِمَالِ البُزَّل في مَأْزِقِ تَدْعُو الأَرَاقِمُ وَسْطَه ... بالمَشْرَفِيّ وبالوَشِيجِ الذُّبَّلِ أَيْقَنْتِ أَنّ أَباكِ غَيْرُ خِدَبَّةٍ ... رَثِّ السِّلاَحِ ولا اليَرَاعِ الأَعْزَلِ ودعَوْا ضُبَيْعَةَ ثُمَّ تَيْماً بَعْدَهَا ... وثَنَوْا بثَعْلَبَةَ الأَغَرِّ الأَوَّلِ فدَعَوْتُ في حَيِّ الأَراقِمِ دَعْوَةً ... خَطِفَتْهُمُ خَطْفَ الخُشَامِ الأَجْدَلِ وَاعْتَمْتُ شَيْباناً بأَوَّلِ طَعْنَةٍ ... فهَوَى لحُرِّ جَبِينِه في القَسْطَلِ في فِتيَةٍ بِيضِ الوُجُوهِ كأَنَّهُمْ ... شُهُبٌ تُضِئُ ظَلاَمَ لَيْلٍ مُقْبِلِ للهِ دَرُّهُمُ فَوَارِسَ بُهْمَةٍ ... لوْ غَيرٍُ تَغْلبَ رَامَها لم يُغْلَلِ وقالت الجَحْدَرِيَّة: ألاَ لاَ تَلُومُوا عَلى تَغْلِبٍ ... فإِنّ بني تَغْلبٍ أَوْجَعُونَا أَشَابُوا الذَّوَائبَ قَبْلَ المَشيبِ ... ونَالُوا عُمَومَتَنَا والْبَنِينَا وأَوْطَوْا ضُبَيْعةَ يَومَ اللّقَاءِ ... وتَيماً وثَعْلَبَةَ الأَكْرَمِينَا

стр. 31

وأرْدَوْا هُبيْرةَ في فِتْيَةٍ ... قَمَاقِمَ كانُوا المَصَابِيحَ فِينَا وشَيْبَانُ كانَ لنَا عِصْمَةً ... ومَأْوَى الأَرَامِلِ والمُوتَمِينَا وكانَ الصُدَىُّ على قَوْمِه ... كغَيْثِ الرَّبِيعِ عَلى المُسْنِتِينَا فإمَّا تَقُودُوا إِلى تَغْلِبٍ ... شَوَازِبَ قُبَّاً ثُبِيناً ثُبِينَا عَلَيْها رِجَالٌ عُكَابِيَّةٌ ... كأُسْدِ الشَّرَى لا تُرِيدُ العَرِينَا فتَجْزِي الأَرَاقِمَ ما أَسْلَفَتْ ... إِليْنَا وكانُوا لَنَا وَاتِرِينَا وإلاَّ فبُوءُوا بِتِلْك الَّتي ... تُذِلُّ الرِّقَابَ وتُبْكِي العُيُونَا ؟ يومُ الجِفَارِ وهو يَومٌ لبنِي تَغْلِبَ على بني تَمِيمٍ بلغَ النُّعْمَانَ بن زُرعَة أَنّ بني حَنْظَلَةَ تَتَمَنَّى لِقَاءَ بني تَغْلِبَ. وأَنّ سائرَ بني تميم عازِمُون على قَصْدهم، فحَلفَ النُّعْمَانُ أَنَّهُ لا يَغْسِل رَأْسَهُ حتَّى يَغْزُوَ الجِفَارَ، فجَمعَ بني تَغِلبَ، وأَغَارَ على بني تَمِيم بالجِفَار، فالْتَقَوْا واقتتَلوا يوَمهم أَشَدَّ قِتَال، فثبتَتْ بنو تميم لبني تَغِلبَ، حتَّى أَسْرَع القَتْلُ في الفَرِيقَيْن، وجعلَ أَبو شُتَيْر الحَنْظَليُّ يَحْمِلُ على بني تغلِبَ فيُسرع فيهم، فحمَلَ عليه النُّعْمَانُ بن زُرْعَةَ فقتلهُ، وقُتِلَ من بني نَهْشَل ومُجَاشِعٍ، وأَبَانَ فَوَارِسُ يُعْرَفون بأَسْمَائهم، وحَملَ النُّعْمَانُ بن عُقْفَانَ بنِ عَمْرِو بن عَنْ. ِ بن الخُنَابِسِ بن سَعْدِ بن كِنَانَةَ بن تَيْم بن أُسامَة، على ثَعْلبَة بن قُرَّةَ، أَخى بني يَرْبوع، فقتلَهُ وقُتِلَ عَمْرُو بن رَبِيعَة الحَنْظليُّ، وكان فارِسَ بني حَنْظَلَة، وانهزَمَتْ تميمٌ، وأَصابَت تَغْلِبُ نَعَماً ونِسَاءً. فلما انصرفَتْ تَغْلِبُ عن غَزْوِ تَميم وَجَّه النُّعْمَانُ الخَيْلَ إِلى نَجْرَانَ، فَأصَابَ أَحْيَاءً من مَذْحِج، وقَتَلَ منهم خَلْقاً، وأُصيبَ من بني تَغلِبَ في ذلِك اليَوم سَبْعَةُ فَوَارِسَ، وأَصابَتْ بنو تَغلِبَ نَعَماً وسَبْياً ثمّ انصَرفوا وقال النّعْمَانُ بن زُرْعة في ذلك: تَمَنَّتْنَا بنو عُدُسِ بن زَيْدٍ ... فلَمْ تَصْدُقُ بني عُدُسٍ مُنَاهَا تَمَنَّوْنَا غَدَاةَ رَحَى خُشَافٍ ... ومُنْيَتُنَا فَوَارِسُنَا شجَاهَا رَأَوْا جَمْعاً فَوَارِسُهُ زُهَيْرٌ ... يُسَاقُونَ المَنيَّةَ مَنْ سَقَاهَا عَلى لُحُقِ الأَياطِلِ مُضْمَرَاتٍ ... كأَسْرَابِ القطَا شَنِحٍ نَسَاهَا بأَيْدِيهمْ قَوَاضِبُ مُرْهَفَاتٌ ... يَرُدُّ المُصْطَلِين بها لَظَاهَا فدُرْنَا في عَجَاجَتِهَا جَمِيعاً ... كمَا دَارَتْ على قُطُبٍ رَحَاهَا فظِلْنَا نَخْطَفُ النَّسَمَاتِ خَلْساً ... كخَطْفِ الطَّيْرِ بَازٍ قَدْ عَلاَهَا وضَرْبٍ ما يُبِلُّ به كَلِيمٌ ... ببِيضِ الْهِنْدِ مَصْقُولاً ظُبَاهَا فغُودِرَ مِن سَرَةِ بني تَمِيمٍ ... ذَوُو نَجَدَاتِهَا وذَوُو نُهَاهَا فَوَارِسُ في مُلِمّةِ كُلِّ يَوْمٍ ... علَى الأَذْقَانِ مائلَةٌ طُلاَهَا ولمّا أَنْ رَأَيْتُ أَبا شُتَيْرٍ ... يَرُدُّ الخَيْلَ دَامِيةً كُلاَهَا رَمَيْتُ سَوَادَهُ بأَقَبَّ نَهْدٍ ... وخَيْلاَنَا تَكَدَّسُ في وَغَاهَا فبَاءَ بطَعْنةٍ منْ مَالِكيٍّ ... تَأزَّرَ بالمَكَارِمِ وارْتَداهَا بأَسْمَرَ ما يزَالُ له قَنِيصٌ ... على قَبَّاءَ تَخْفِقُ أَيْطلاَها وكان الكَبْشَ قد علِمَتْ مَعَدٌّ ... ومَنْ هُوَ عنْدَ نِسْبَتِهَا فَتَاهَا وقال النُعمان بن عُقفَان: سائِلْ فُقَيماً بالجِفَار ونَهْشلاً ... ومُجَاشِعاً وبني أَبَانٍ تُخْبَرِ عنَّا غَدَاةَ رَأَوْا فَوَارِسَ تَغْلبٍ ... دُونَ القَصِيمَةِ في العَجَاجِ الأَكْدَرِ

стр. 32

مُتَسَرِّعِينَ إِلى الهِيَاجِ كأَنَّهم ... أُسْدُ الغَرِيفِ على سَوَاهِمَ ضُمَّرِ واسْأَلْ بثَعْلَبةَ بنِ قُرَّةَ إِذْ ثَوَى ... تَبْكِي عليه مَآتِمٌ من جَعْفَرِ نَوْحَي مُفَجَّعةً كأَنّ حَنِينَهَا ... بَعْدَ العِشَاءِ حَنِينُ نِيبٍ حُسَّرِ غادَرْتُه جَزَراً يَنُوءُ بصَدْرِه ... بَيْنَ الفَوَارِسِ ثَاوِياً لم يُقْبَرِ يَوم الأَثْلَب وهو يوم لبني تَغلِبَ على هَوَازِن، وفيه نُكِسَ مُلاعِبُ الأَسِنَّةِ أَغارَ فُرْطُ بنُ السُّفَيْح بن السَّفّاحِ، في بني تَغلِبَ، على عُليَا هَوازِنَ، بعد ما كَلَّتْ خيْلُهُ وحَفِيَتْ، فأصابَهم جامعينَ بالأَثْلَب، قد حَذِرُوهُ، فقاتلوه قِتالاً شديداً، حتَّى كَثُرَتِ القَتْلَى بين الفَريقَيْن، وانهزَمتْ بنو تَغلِبَ، ثمَّ إِنّ قُرطاً كَشَفَ رأْسَه وصاحَ: يالَ مالِك: يالَ أُسامةَ: إِلى أَينَ؟ وذَمَرَهُم فتَراجَعُوا، وحمَل على أَبي بَرَاءٍ مُلاَعِبِ الأَسِنَّةِ، واسمُهُ عامِرُ بن مالِك بن جَعْفَر بن كِلاَب، وهو يومَئذٍ فارسُ هَوَازِن، فطعَنُه فصَرَعَهُ عن الفَرش، وحامَتْ عليه هَوَازِنُ حتى استَنْقَذَتْهُ، وانهزَمَتْ هَوَازِنُ، وأَتْبَعَهم قُرْطُ بنُ سُفَيْحٍ، لا يَلْحَقُ فارساً إِلاَّ صَرَعَهُ، وغَنِمَ وسَبَى. وقالَ قُرْطٌ في ذلِكَ: يا مَيَّ لو أَبْصَرْتِنِ وفَوَارِسي ... حَوْلِي وقدْ هُزِمَتْ فَوَارِسُ تَغْلِبِ إِذْ قاَلَ فارِسُ عامِرٍ لهَوازنٍ ... لله دَرُّكِ قَدْ قَدَحْتِ فأَثْقبِي فكَشَفْتُ رَأسِي ثمّ قُلْتُ لِمَالِكٍ ... كُرُّوا عَلَيْهِمْ يا فِدَاؤكُمُ أَبِيِ فحَمَوْا فَوَارِسَ مالِكٍ من خَلْفِهِمْ ... شَرَقُ الأَسِنَّةِ من دَمٍ مُتصَبِّبِ لعَرَفْتِ مِنّي أَيّ فارِسِ بُهْمَةٍ ... قُرْطٌ وقَوْمُكِ في العَجَاجِ الأَصْهَبِ لَوْلاَ فَوَارِسُ مَالِكٍ وكِفَاحُهمْ ... لَهَوَتْ فَوَارِسُنا غَدَاةَ الأَثْلَبِ ولقدٍْ طَعَنْتُ أَبا بَرَاءٍ طَعْنَةً ... شَرِقَ السِّنَانُ بها وصَدْرُ الثَّعْلَبِ نَجْلاَءَ تَقْذِفُ بالسيَارِ كَأَنّها ... دَلْوٌ مَتَى ما يَسْبُرُوها تشْعَبِ وخَرَائِدٍ بِيضِ الوُجُوهِ عَقَائِلٍ ... سَبْيِ الأَرَاقِم أُنَّسٍ كالرَّبْرَبِ وعيَرَّتْ هَوَازِنُ أَبَا بَرَاءِ بانهِزامه من قُرْطِ بن سُفَيْحٍ فقالَ أَبو بَرَاءٍ عامِرُ بنُ مالكٍ في ذلِكِ: لعَمْرُك ما طَعْنُ الرَّئيس ببِدْعَةٍ ... خِلاَلَ الوَغَى ذَا نَجْدَةٍ مِن هَوَازِنِ سَمَوْتُ إِلى الخَيْلِ المُغِيرةِ صبْحَةً ... فعَارَضَنٍ قُرْطٌ بأَسْمَرَ مَارِنِ فجَاشَتْ به نَفْسِي وللمَرْءِ نَبْوَةٌ ... فكُنْتُ كضِرْغامٍ خَضِيبِ البَرَاثِنِ نَبَا عِطْفُهُ عن قِرْنِه حَيْثُ لم يَجِدْ ... مَصِيداً بجَأْشٍ في العَجَاجَةِ سَاكِنِ فإِن أَلْقَ قُرْطاً أَجْزِه حَذْو نَعْلِه ... بَوَاءً وما قُرْطٌ لِتِلْك بآمِنِ يَومُ جَوِّعَتِيكٍ وهو يوم لبني تَغْلِبَ على بني قيس بن ثَعْلَبة

стр. 33

أَغارَ سَلَمَةُ بن قُرْطِ بن سُفَيْح، في خَيْلٍ من مالكٍ بن بَكْرٍ، ومعهُ بِشْرُ بن سَوَّارِ بن شِلْوَةَ بن عَبْد الحَارث بِن جُنْدُبِ بن الحَارِثِ بن مالِكٍ بن بَكرٍ، على بني قَيْس بن ثَعْلَبَة، فخَرَجَ إِليه أَحْياءُ بني قَيْس: بنو تميم بن قَيْس وضُبَيْعَة بن قَيْس، وبنو سَعْد بن قَيْس، وفَوارِسُ بني جَحْدَرٍ، وهم حُمَاةُ القَوْم وأَنجادُهُم، وجاءَ الحُطَمُ في خيلٍ كثيرةٍ، فالتَقَوْا بعَتِيكٍ صَبَاحاً، فاقتتَلُوا قِتَالاً شديداً، وخَرَجَ الحُطَمُ ونادَى إِلى البِرَازِ فخَرَجَ إِليه بِشْرُ بن سَوّارٍ، فحمَلَ عليه فطَعَنَهُ فصَرَعَهُ وأَسرَهُ، وتَعَاوَرَ القَوْمُ الطِّعَانَ، فصبَرَتْ بنو جَحْدَرٍ، وأُصِيبَ من بني تميمٍ ابن قَيْسٍ ابْنَا عُمَيْر، وطَعَنَ سَلَمَةُ بن قُرْطٍ حُمْرَانَ ابنَ عبدِ عَمْرو بن عَمْرو بن مَرْثَدٍ، فأَفْلَتَ بها، وانهزمَتْ بنو قَيْسٍ، وأَصابَت تَغْلبُ سَبَايَا ونَعَماً كثيرةً في تلك الوَقعةِ. وقال سَلَمة: لله دَرُّ فَوَارِسٍ من تَغْلبٍ ... خَضَبُوا الأَسِنَّةَ مِن فَوَارِسِ جَحْدَرِ لا يَنْثَنون إِذَا الصِّفَاحُ تَخَالَفَتْ ... يَوْمَ الهِيَاجِ وكُلُّ لَدْنٍ أَسْمَرِ وَطِئُوا ضُبَيْعَةَ يَوْمَ خَوٍّ وطْأَةً ... شَابَ الوَلِيدُ لَهَا مَشِيبَ الأَكْبَرِ ولَقَدْ عَطَفْنَ على عُبَادٍ عَطْفةً ... أَعْجَلنَ نِسْوتهنَّ شَدَّ المِئْزَرِ ولَقدْ شَفَى نَفْسِي وأَذْهبَ وَغْمَهَا ... قتْلَى بمُعْتَلجِ العَجَاجِ الأَكْدَرِ مِن حَيِّ قيْسٍ والضُّبَيْعِ وجَحْدَرٍ ... كانوا الشِّفاءَ لكُلِّ ثَارٍ مُوغرِ ولقدْ دعَا حُطَمُ النِّزَالَ فبَزَّه ... بِشْرُ بن شِلْوَةَ نَفْسَهُ في العِثْيَرِ فثَوَى يُقَوَّدُ في الغِلاَلِ جَنِيبَةً ... يَمْشِي العِرضْنَةَ كالْخِدبِّ الأَزْورِ واسْتيِقَ من تَيْمٍ خَرَائدُ أُنَّسٌ ... من ثَيِّبٍ أَو كَاعِبٍ كالجُؤذَرِ وقال بِشْرُ بن سَوَّارِ بن شِلْوةَ، وكان من أَعْلام تَغْلِبَ وساداتِهَا: حَلَفتُ يَمِيناً غيرَ ذي مَثْنَوِيَّةٍ ... بأَنّ ابنَ قُرْطٍ مَاجدٌ وابنُ مَاجِدِ سَمَا بالعَناجِيجِ الجِيَادِ على الوَجَى ... يُنَكِّبُها بالجَرْيِ صُمَّ الجَلاَمِدِ إلى سلَفَي حَيَّيْ عُكَابَةَ هَمُّهُ ... لِقاءُ بنِي قَيْسٍ بأَقْصَى المَوَارِدِ فصَبَّحَهَا قُباً تَضِبُّ لِثَاتُهَا ... علَيْهَا رِجَالُ المَوْتِ مِنْ آلِ خَالدِ فلمَّا الْتَقَيْنَا جَالتِ الخَيْلُ جَوْلَةً ... بكُلِّ فَتىً حَامِي الحَقِيقَةِ ذَائدِ ولمّا تَنادَوْا يالَ قَيْسٍ وأَقْبَلتْ ... فَوَارِسُ مِنَّا كالأُسُودِ الحَوَارِدِ بكُلِّ رُدَينيٍّ أَصَمَّ كُعُوبُهُ ... وأَبيضَ مَصْقُولِ الغِرَارَيْن فَارِدِ ووَلَّتْ عُبَادٌ عَنْ فَوَارِسَ منهُمُ ... مِنَ المَعْشَرِ البِيضِ الطِّوالِ السَّوَاعِدِ عَنِ ابْنَيْ نُمَيْرٍ مَالكٍ ومُرَقّشٍ ... وحَسّانَ في أَكفائهِ والمجَالد فَوَارِسُ أَبْقَوا كُلَّ يَوْمٍ ولَيْلةٍ ... مَآتِمَ نَوْحَى شَجُوُها غَيرُ بَاردِ وعَنْ حُطَمٍ وَلَّتْ فَوَارِسُ قَوْمِه ... ولمْ أَكُ عنه في البِرَازِ برَاقِدِ فَرَاحَ يُغَنّيه الحَدِيدُ كأَنَّه ... قَرِيعُ هِجَانٍ في عِشَارٍ طَرَائِدِ شَفَيْنَا مِن الحَيِّ العُكَابِيّ غُلَّةً ... وأُبْنَا بأَنْعامٍ لهمْ وخَرَائِدِ ورَاحتْ بحُمْرَانَ بنِ عَمْرو مَنِيّةٌ ... فلَيْسَ إِلى الحرْبِ العَوَانِ بعَائدِ وقالت أُختُ الحُطَم: أَشابَ الذَّوائبَ قَبْلَ المَشيبِ ... نَوَائحُ تَبْكِي لأَسْرِ الحُطَمْ وقَدْ كَانَ في الحَرْب ذَاتُدْرَإِ ... بَصِيرَ السِّنَانِ بطَعْنِ البُهَمْ

стр. 34

فأَصْبَحَ في الحَيّ مِن تَغْلِبٍ ... إِذَا نَامَ ذُو سَهَرٍ لم يَنَمْ وللهِ تَغْلِبُ من مَعْشَرٍ ... إِذَا أَبْدَت الخَوْدُ عَنْهَا الخَدَمْ هُمُ صَبَّحونَا بمشْبُوبةٍ ... عَلَيْهَا ابنُ قُرْطٍ كلَيْثِ الأَجَمْ فَوارِسُهَا الشُّمُّ مِن مالكٍ ... وتَيْمٌ هي الأَنْفُ مِنْهَا الأَشَمْ فأَرْدَوْا فَوَارِسَها المُعَلَمِين ... ولَيْسَ المُصَابُ به كالأَمَمْ فلاَ تَبْعَثوا الحَرْبَ بَعْد الحِيَادِ ... وأُوبُوا صِغَاراً بقَرْنٍ أَجَمْ وبَكُّوا عَلى المَعْشَرِ الأَكْرَمِينَ ... غَدَاةَ اللِّقَاءِ بدَمْعٍ سَجِمْ ثم إِن بِشْرَ بن سَوَّارٍ مَنَّ على الحُطَم وجَزَّ ناصيتَه وأَطْلَقَه. ؟ يَومُ الكُلاَبِ الأولِ وهو يوم لبني تَغلِبَ على غَسّان ولَخْم وبُطُونٍ من اليمَن، وفيه مَقْتَلُ عَمْرو بن نائِل مَلِكِ لَخْمٍ: كان ابنُ عُنُق الحَيّةِ واسمُه أَوْفَى بن يَعْفُرَ الَغسّانيّ وعُنُقُ الحَيَّةِ بلُغة حِمْيَر: مَلِكُ الملوك بَعُ مَلِكاً من مُلوكِ غسّانَ يقال له لَبِيدُ بن النمِس ليُملِّكَه على بني تَغلِب، فلمّا قَدِمَ عَلَيْهِم تزوَّجَ امرأةً من بني عِمرَانَ ابنِ تغلبَ يقال لهَا: عمرةُ بنتُ الخُنَابِس ثم إن بني تَغْلبَ كَرِهوا أَنْ يملكوه عليهم، ومَنعوه الإِتَاوةَ، فأَقَامَ على غيرِ ذِمّة فنازعتْه امْرَأَتُهُ الكَلاَمَ، فلَطَمَ وَجْهَها وقال: كأَنَّكِ تُرَيْن أَنّكِ حُرَّةٌ، قالت: وما يَمنَعُني وأَبِي عِمرانُ، وجَدِّي.... الوُجِيهَةُ ابْنَةُ عَمْرو بن عامر ملك الاَزدِ، قال: تلك القَرابَةُ منَعَتك، لولا ذلكِ لشَدَدْتُ شَعرَكِ إِلى ذَنَبِ قَلُوصٍ جَرْباءَ صَعْبَةٍ حتَّى تُقَطّعك. فخَرجَتِ المرأَةُ حتى أَتتْ كُلَيْباً وهي تَبكي وتقول: ما كُنْتُ أَخْشَى والحَوَادِثُ جَمّةٌ ... أَنَّأ عَبِيدُ الحَيِّ مِن غَسَّانِ حتَّى عَلَتْنِي مِنْ لَبِيدٍ لَطْمَةٌ ... سَدِرَتْ لِحَامِي حَرِّهَا العَيْنانِ لا تَبْرَحوا الدَّهْرَ الجَدِيدَ أَذِلّةً ... شُنْجَ الأَعِنَّةِ يوم كلِّ رِهَانِ لَوْلاَ الوَجِيهَةُ قَطَّعَتْنِي بَكْرَةٌ ... جَرْبَاءُ مُشْعَلَةٌ مِنَ القَطِرَانِ وأَعْلَمَتْ كُلَيْباً الخَبَرَ، فقال لها: إِنّي قاتِلُه، وخَرجَ كُليبٌ يَدُورُ في الحَيِّ لَيْلَتَه، فسَمِعَ لَبِيداً وقد أَخَذَ فيه الشَّرَابُ وهو يَتَغَنَّى: طَالَ لَيْلِي فمَا أَحُسُّ هُجُودَا ... أَرْقُبُ النَّجْمَ للمُغَارِ عَميدَا مِنْ حَدِيثٍ نَمَى إِليَّ عَنِ المَرْ ... ءِ كُلَيْبٍ فَزَادَ حِقْدِي وَقُودَا يا بَنِي تَغْلِبٍ عَلاَمَ تَقُولُوا ... نَ كُلَيْبٌ يُهْدِي إِليَّ الوَعِيدَا نَحْن كُنّا المُلوكَ في عُصُر الدَّهْ ... رِ وكُنْتُمْ فِيم الأَنَاةُ عَبيدَا إِنّ في مَنْعِك الإِتَاوَةَ حَرْباً ... ونَكَالاً يُشَيِّبانِ الوَلِيدَا فاقْبَلِي ما أَتَاكِ مِن قِبَل المَل ... ك ولا تَهْلِكِي هَلاَكَ ثَمُودَا فلمّا سَمِعَ كُليبٌ الغِنَاءَ دخلَ مُغْضَباً على لَبِيد فقتله، وقال: نحن عَبِيدٌ كما قلتَ إِن لم نُغَيِّر. ثم خَرَجَ وهو يقول: إِن يكنْ قَتلُنا الملوكَ خَطَاءُ ... أَو صَوَاباً فقد قَتَلْنا لَبِيدَا وخَلَعْنَا المُلوُكَ إِنَّ لنا اليَوْ ... مَ جِيَاداً مَنْسوبَةً وعَديدَا وحُلوماً لنَا يَعِيشُ بها النّا ... سُ ورُكْناً مِنَ الحِفَاظِ شَدِيدَا إٍِنْ يُرِدْنَا بكَيْده عُنُقُ الحَيَّ ... ةِ لا أُلْفَ عِنْدَهَا رِعْدِيدَا نُوقِدُ الحَرْبَ بالذِي عَرَفَ النَّا ... سُ بها تَغلِباً ونُذْكِي الوَقُودَا ونَرُدُّ الأَنَاةَ ردَّ ذَوِي العِ ... زِّ ولا نَجْعَلُ الحُرُوبَ وَعِيدا

стр. 35

فلما سمِع ابنُ عُ، ُقِ الحَيَّة بمقْتَل لَبِيد ساءهُ ذلك، ودَخَلَ عليه أَخو لبيد، فحَيّاه بتَحيَّة المُلك ثم قال: اجْبُرَنْ ذَا مُصِيبَةٍ بأَخِيهِ ... هَلْ لِمَا كَان من كُلَيْبٍ نَكيرُ إِنْ تَقْدْ نَحْوَه المُسَوَّمةَ الجُرْ ... دَ لَهَا بالمُدَجَّجِين زَفِيرُ فَوْقَها الشُّمُّ مِنْ ذَوَائبِ غَسَّا ... نَ ولَخْمٌ وبَارِقٌ وبَكِيرُ مُحْقِبِي كُلِّ نَثْرةٍ كَبَّهَا السِّيُّ ... يَرُدُّ النِّجَادَ عَنْهَا القَتِيرُ تُدْرِكِ الثَّارَ أَو يُقَلِّدْكَ ذَا العَا ... رَ كُلَيْبٌ فاخْتَرْ وأَنتَ بَصِيرُ فقال له الملك: اجْلِي فلن يُطَلّ دَمُ أَخيك ثمّ دعا بالخَمْر والقِيَان، فلمّا أَخَذَ فيه الشَّرَابُ قال: قدْ كُنْتُ أَحْسَبُ أَنَّ تَغْلِبَ وَائِلٍ ... سَتَجُرُّ حَرْباً قَبْلَ قَتْلِ لَبِيدِ فَالْيَوْمَ إِذْ قَتَلُوا لَبِيداً فالشَّجَا ... مِن دُونِ ذلِكَ دُونَ حَبْلِ وَرِيدٍ ويَدِي لهمْ رَهْنٌ بكُلِّ مُضَمَّرٍ ... مَرِطِ الجِرَاءِ وشَطْبَةٍ قَيْدُودِ يَخْرُجْنَ مِن خَلَلِ الغُبَارِ عَوابِساً ... لُحُقَ الأَيَاطِلِ كالرَّشَا المَجْرُودِ حَتَّى تُصَبِّح تَغْلِب ابْنَةَ وَائِلٍ ... حَرْباً يُشَبُّ سَعِيرُها بوَقُودِ ثم إِنّ ابنَ عُنُق الحَيَّة جَمعَ لبني تَغلِبَ جَمعاً عظيماً، وسارَ إِليهِم، وسارُوا، فالتَقوا بالكُلاَب، فاقتتَلوا قِتَالاً شَديداً، فكان أَوَّل النّهَارِ لغَسّان، ثم إِنّ كُلَيباً صمَدَ لِعَمْرِو بنِ نائِل مَلِكِ لَخْم، فطعنَه فقتَلَه، وكانَ على المَيْمَنَة، فانْهَزَمَ القوْمُ، ونادَى ابنُ ذي الحيلانِ: يالَ صَدِف، فأَجابَهُ بَنُو نَوَاس وحَامَوْا على لِوَائِهِم وقاتَلوا، حتى أَسرَعَ القَتْلُ فيهم، ونَزَلتْ غَسّانُ يَمشون في الحَديد، فاقتتَلوا أَشَدّ قِتَال يكون، حتّى جَنَّهم اللَّيْلُ، وقُتِل منهُم خَلْقٌ كثيرٌ، ووَلَّتْ غَسّانُ مُنْهزِمةً، وكفَّ بنو تَغلِبَ عَنِ اتِّبَاعِهِم، فلمّا قَدِمَ ابنُ عُنُق الحَيَّة على قَومه عَذَلوه، فقال: لا تَلُومُوني، فلَكم دِيَةُ القَتِيلِ، وفَكُّ الأَسِير، واللهِ لقد جئتُكُم من عنْد قَومٍ رأَيتُ المَنَاياَ تَلَظَّى في أَطْرافِ أَسِنّتِهِم. وقال عَمرو بن مُعاوِيةَ التَّغلبيّ: أَتَانَا ابنُ عُنْق الحَيَّة المَلْكُ قادِماً ... على أَمْرِه في تَغْلِبَ ابنَةِ وَائِلِ بجَيْشٍ نَضِلُّ البُلْقُ في حَجَرَاتِه ... تَخَالُ دَوِيّ الرَّعْدِ صَوْتَ الصَّواهِلِ فلَمّا الْتَقَيْنَا بالكُلاَب كأَنَّنَا ... أُسُودُ الشَّرَى لاَقَيْنَ أُسْدَ الغَيَاطِلِ رَميْنَاهُمُ بالفَيْلَقِ الضَّخْمِ وانْتَمتْ ... فَوَارِسُ مِنَّا بالقَنَا والمَنَاصِلِ وقُلْنَا ونَحْنُ القوْمُ نَمْنَعُ سِرْبَنَا ... عَلى ذَاك كُنَّا في الخُطُوبِ الأَوائلِ بَنِي تَغْلبٍ إِنّ الفِرَارَ خَزَايَةٌ ... ولَيْس امْرؤٌ هَابَ الحِمَامَ بآئلِ فحَامُوا عَلى أَحسابِكم بِسُيُوفِكمْ ... فلَلمَوْتُ خَيرٌ من سِبَاءِ العقائلِ فشَدّ كُلَيبٌ شَدَّةً ورِمَاحُهمْ ... شَوَارِعُ فينَا بيْنَ صَادٍ ونَاهِلٍ فأَفْرَجَتِ الخَيْلاَنِ عَنْه ورُمْحُه ... خَضِيبٌ مِن اللّخْمِيّ عَمْرِو بنِ نائِلِ ودَارَتْ رَحَانَا واسْتَدَارَتْ رَحَاهُمُ ... وكُلٌّ بَصِيرٌ في الوَغَى بالمَقاتِلِ فمَا زَالَ ذَاكَ الدَّأْبُ حَتَّى تَوَاكَلَتْ ... فَوَارِسُ مِنْ غَسَّانَ غَيرُ تَنَابِلِ وطَارَتْ بعُنْقِ الحَيَّةِ المَلْكِ سَهْوَة ... تَدِفُّ دَفِيفَ الأَخْدَرِيّ المُوَائلِ ووَلَّوْا شَعَاعاً والقَنَا مُتْلَئِبّةٌ ... تُكَسَّر في أَكْتَافِهِمْ والكَوَاهِلِ وقال أخو عَمْرِو بن نائل اللَّخميّ من أَبْيَاتٍ:

стр. 36

إِنّي غَزَوْتُ إِلى قَوْمٍ جَحَاجِحَةٍ ... كانُوا لأَوَّلِنا في الدَّهْرِ أَنْصارَا شُمْس العَداوةٍ مَخِشيّ أَسِنَّتُهمْ ... لمْ يُدْرِكِ النَّاسُ منْهم قَطُّ أَوتَارَا يكْسُون هَامَ مُلُوكِ النّاسِ ضَاحِيةً ... بِيضَ الصَّفِيحِ إِذا ما مَلْكُهُمْ جَارَا إِنَّ الكُلاَبَ به قَتْلَى مُصْرَّعةٌ ... كَانُوا لَنَا سُنَّةً نَقْضاً وإِمْرَارَا لَوْلاَ الظَّلامُ وأَنّ اللَّيْلَ خالَطَهمْ ... لم تُبْقِ تَغِلبُ مِن حَيَّيْك دَيَّارَا غَسَّانُ صُبْرٌ وأَحْيَا تَغْلِب بُهَمٌ ... كُلٌّ يُحَدِّدُ أَنْيَاباً وأَظْفَارَا وقال ابن عُنُق الحَيّة: ظَنَنْتُ ظُنُوناً فأَخْلَفْنَنِي ... كَمَا أَخْلَفَ السَّفْرَ رَيْعُ السَّرَابِ وقالُوا الغَنِيمَةُ في تغْلِبٍ ... فسِرْنَا إِليهِمْ بجَيْشٍ سِغَابٍ ذوَائبَ مِن كُلِّ صُيّابَةٍ ... ولَيْسَ القَوَادِمُ مثْلُ الذُّنَابِ علَى كُلّ جَرْدَاءَ خَيْفَانَةٍ ... ولاَحِقَةِ الإِطْلِ مِثْلِ العُقَابِ فَوَارِسُهَا الشُّمُّ مِن مالِكٍ ... وعَمْرو ولَخْمٍ وحَيَّيْ شِهَابِ أَقُودُ خَمِيْساً له أَزْمَلٌ ... وقَدْ قَادَني الحَيْنُ نُحْوَ الكُلاَبِ إِلى أُسْرَةٍ غَيْر مَذْمومةٍ ... إِذَا أَبْدَتِ الحَرْبُ حَجْلَ الكِعَابِ وقَامَتْ رَحَانَا على قُطْبِها ... وفَرَّتْ هُنَالِك عنْ حَدِّ نَابِ وجَاءَ الأَرَاقِمُ لا يَنْثَنُونَ ... كأُسْدٍ خَوَارِجَ مِنْ بَطْنِ غابِ سَوَاكِنَة الخَيْلِ في نَقْعِها ... بطَعْنِ النُّحورِ وضَرْبِ الرِّقابِ ووَقْعِ الصِّفَاحِ على الدَّارِعِينَ ... وأَسْرِ الكُمَاةِ وحَوْيِ النِّهابِ فأَمْعَنْتُ رَكْضاً على قَارِحٍ ... يَمُجُّ نَجِيعاً من المَوْتِ جَابِ وقَدْ زَايلَ القَلْبَ أَنْيَاطُه ... ولَمْ يَبْقَ إِلاّ نِيَاطُ الحِجَابِ وقال مُهلْهِلٌ في هذا اليومِ قَصِيدةً طَوِيلةً أَوَّلُهَا: لَوْ كَان شَيءٌ لابْنِ لِحْيَةَ ناهِياً ... لَنَهَتْه عَنّا وَقْعَةُ السُّلا؟ َّنِ ويقول فيها: لَمّا رَأَوْنَا بالكُلاَبِ كأَنَّنا ... يَوْمَ اللِّقَا أُسْدٌ عَلى خَفَّانِ نَهَضَ الكُمَاةُ بكُلِّ أَبْيَضَ صارِمٍ ... وبكُلِّ أَسْمَرَ مَارِنٍ حَرَّانِ يَمْشونَ في حَلَقِ الحَدِيدِ كَأَنّهمْ ... جُرْبُ الجِمَالِ طُلِينَ بالقَطِرانِ فنَجَا بمُهْجَتِهِ وأَسْلَمَ قَوْمَهُ ... مُتَسَرْبِلِينَ زَوَاغِفَ الأَبْدَانِ وبنُو نُوَاسٍ تَحْتَ ظِلِّ لِوَائِهمْ ... مُتَعَطِّفِينَ علَى ابْنِ ذِي الحيلاَنِ وهَوَى ابْن نَائلَ في المَكَرِّ كأَنَّه ... والرُّمْحُ شاجِرُهُ قَرِيعُ هِجَانِ ؟ يَومُ الكُلاَبِ الثاني كان بَدءُ هذا اليومِ أَن الغَلْفاءَ سَلَمَةَ بنَ عَمرو بن الحارِث الكِندِيَّ كان في بني تَغلِبَ مَلِكاً، وكان أَخوهُ شُرَحْبِيلُ مَلِكاً على بني تميم وقيسٍ وبطونٍ من بَكْرِ بن وائل، فعَلاَ الشَرُّ بين المَلِكَيْن، حتى جعلَ كلُّ واحد منهما لمن جاءَ برأْسِ أَخِيه مائةً من الإِبل، فبعثَ شُرَحْبِيلُ مُجاشِعَ بن العَقِيلَةِ التَّميميَّ في خَيْلٍ من بني تَمِيم، فأَغَارُوا على ناحِية لبني تَغْلِبَ، فأَصَابُوا أفراساً سائمةً، فقال رجلٌ من بني ذُهْل بن شَيبَانَ كان معهم: لا تَاْخُذَنْ أَفراسَ تَغلِبَ إِنّهَا ... يا بْنَ العَقِيلَةِ شَوْبُ سمٍّ ناقِعِ والشَّرُّ يَبْدؤهُ الصَّغيرُ وهذِه ... فيها مَهَالِكُ نَهْشَلٍ ومُجَاشِعِ فأَخذَها التميميُّ وقال:

стр. 37

أَتُرَى تميمٌ لا أَبَا لأَبِيكُمُ ... تَخْشَى الّذِي تَخْشَوْنَه من تَغْلِبِ أَمْ هَلْ سَمِعْتَ بضَيْغمٍ ذِي لِبْدَةٍ ... أَلقَى فَرِيسَتَه مَخَافَةَ ثَعْلَبِ فلأَخْطَفَنْهَا يا بْنَ ذُهلٍ خَطْفَةً ... خَلْساً كخَطْفِ الصَّقْرِِ شِلْوَ الأَرْنبِ فلمّا دخَلَ بالأَفْراس على شُرَحْبِيلَ المَلِكِ ونَظَرَ إِليها أَعجبَتْه فقال: لا أَعْدِمَنَّ فارِساً مُجَاشِعَا قدْ نَالَ مِنْ تَغْلِبَ أَمْرَا فَاجِعَا أَفْرَاسَ صِدْقٍ لم تَكنْ نَزَائعَا قُبّاً كأَمْثَالِ القَنَا رَوَائعَا ثمّ أَقبلَ يُزْرِي على بني تغلِبَ ويضَعُ منها وكانَ حَنَشُ بنُ مالك التَّغْلبيّ زَوّاراً للمُلوك، عظيمَ القدْرِ فيهم، وكان عنه يومئذ، وابنُه مَعْبَدُ بن حَنش قائمٌ على رأْسِه، بيَده قَوْسٌ له عرَبيَّة، فرَفَعَ مَعْبَدٌ قَوْسَه فضَرَبَ بها هامَةَ المَلِك فطَيَّرَها عن رأْسِه، وسقَط المَلك مَغْشيّاً عليه، وتَصَايحَ النَّاسُ: قُتِلَ المَلِكُ، فدَخَلَ ابنُه عَمْرٌو، فرأَى ما بأَبِيه، فاستوثَقَ من مَعْبَد، فلمّا أَفاقَ قدَّم مَعْبَداً فضَرَبَ عُنُقَه، وجعلَ رأْسَهُ بين يدَيْه، فدَخَلَ حَنَشٌ فقال: لا خَيْرَ لك في صُحْبَتي بَعْدَ هذا الرَّأْسِ، فسَرِّحْنِي سَرَاحاً جَميلاً، فوالله لا أَغْسِلُ رأْسِي حتّى أَلقَاكَ في الخَيْلِ التي أَزْرَيتَ عليها، فسَرَّحَه وأَجَّله ثلاثاً، فلحِقَ ببني تَغْلب. وقال حَنَش بن مالك: لعَمْرُك ما لي في جِوَارِك حَاجَةٌ ... ولا خَيْرُ عَيْشٍ بعد قَتْلِك مَعْبَدَا أَمِن ضَرْبةٍ بالقَوْس لم يَدْمَ كَلْمُهَا ... ضَرَبْتَ بمَصْقُولِ الذُّبَابِ مُقَلَّدَا فتًى مالَ رَيْعانُ الشَّبابِ بحِلْمِه ... ولمْ يُصْدِرِ الأَمْرَ الذِي كانَ أَوْرَدَا ولو كُنْتُمُ إِذْ زَلَّتِ النَّعْلُ زَلّةً ... ذَخَرْتُمْ بها عنْدِي لقَوْمِكمْ يَدَا فإِن تُبْقِني الأَيَّامُ أَجْزِك مِثْلَها ... شُرَحْبِيلُ في شِبْلَيْك عَمْرْو وأَسْوَدَا وإِلاَّ أَنَلْ ثَأْرِي مِن اليَومِ أَجْزِهِ ... بما قَدَّمَتْ كَفَّاهُ في مَعْبَدٍ غَدَا ولَنْ يَسْبِقوا آلَ الْمُرَارِ بثَأْرِه ... مَدَى الدَّهْرِ ما نَاحَ الحَمَامُ وغَرَّدَا فإِنْ أَنا لمْ أَغْشَ الكُلاَبَ بفِتْيَةٍ ... على كُلِّ مَحْبُول الرِّحَالِة أَحْرَدَا وكُلِّ سبُوحٍ في العِنَانِ مُقَلِّص ... كسِرْبِ القَطَا يَحْمِلْن مَجْداً وسُؤْدَدَا فَوَارِسُهَا مِنْ تَغْلِبَ ابْنَةِ وائلٍ ... بنو كُلِّ أَبّاءِ الدَّنِيَّةِ أَصْيَدَا فلا يَدْعُنِي القَوْمُ الحَدِيدُ لمالكٍ ... ولا زِلْتُ وَغْلاً في النَدَامَى مُزَنّدَا وأَخْبرَ حنشٌ بني تَغلِبَ بالخبَر، ووضَعَ ظُبَةَ سَيْفِه على سُرَّته وحلفَ لَيعمدنّ عليه حتى يخرجَ من ظَهْرِه أَو يُدْرِكُوا له ثأْرَهُ. فسَارَتْ بنو تَغلِبَ مُتَسانِدِين بسادَتهم، والتَّعْبِئَةُ إِلى سلمةَ بنِ خالدٍ، وكانت بنو دَارِم مع أَخوالها بني تَغْلِب، ورئيسُهم سُفيانُ بن مُجَاشِع، فقال سَلَمَةُ بن خالِدٍ لبني تَغْلِب: إِنْ حالوا بَينَكم وبين ماءِ الكُلابِ ظَفِروا بكم، فشقَّقَ مَزَادَ أَصحابِه حتى سفَحَ الماءَ، فسُمِّيَ السَّفّاح، وأَغَذُّوا السَّيْرَ حتّى نَزَلُوا على الكُلاَبِ، ونَزَل شُرَحْبِيلُ ومعَه بنو تميم وبُطون من اليَمن بأَسْفَلِه، وكانَ أَوّلَ مَن ورَدَ ماءَ الكُلاَبِ سَفيانُ بن مُجَاشِعِ بن دَارِمٍ، وابناه مُرّةُ وعامرٌ، وكانَت بنو شَيْبانَ قَتَلَت ابناً لمرَّة قبْلَ ذلك فقال: أَنا مُرَّةُ بنُ سُفْيَانْ ... والوِرْدُ وِرْدُ عَجْلانْ والشيخُ شَيْخٌ ثَكْلانُ وفي ذلك يقول الفرزدق: شُيوخٌ منْهُمُ عُدُسُ بنُ زَيْد ... وسُفْيَانُ الذِي وَرَدَ الكُلاَبَا وأَوُّلُ من وَرَدَ من بني تَغلِبَ رَجلٌ من بني عبْد بن جُشَمَ فارِس الخَرُّوب وورَدَ السَّفاحُ بالنّاس وهو يقول:

стр. 38

إِنّ الكُلاَبَ ماؤُنَا فخَلُّوهْ ... وسَاجِراً واللهِ لَنْ تَحُلُّوهُ فاقتتَلَ القوْمُ قِتَالاً شَدِيداً، وكان على مَيْمَنَةِ تميم واليَمَنِ وبَكرٍ عمْرُو بن شُرَحبِيلَ وعلى الميسرةِ الأَسوَدُ بن شُرَحبيلَ، وفي القلب أَبو عُمَيْرٍ المُجَاشِعيُّ، فقَصدَ حنَشُ بنُ مالكٍ المَيْمَنَةَ، وحَمَل على عَمْرِو بن شُرحبيل، فطعنه فصرعه، وقال يا بْنَ المُرَار، لهذا دَعَتْكَ تميم، وهذا بما كَسَبته يَدَاكَ ويَدَا أَبيك، وحمَلَ السّفَّاحُ على أًَبي عُمَير المُجاشِعيّ فطعَنَه فقتلهُ، وكثُرَتِ القَتلى بينهم، ثم وَلَّتْ تميمٌ، وأَسْرَفتْ تَغلبُ في قَتلِهم، ونَادى شُرَحْبِيلُ: يالَ تميم، فلم يُجِبه أحدٌ، وحملَ عليه أَبو حَنَش عُصْمُ بنَ النُّعْمَان التَّغْلبِيُّ فطَعَنَه فقتلَه، واحْتَزَّ رأْسَهُ، وجَاءَ به إِلى أَخيه وقلا: أَيّهَا المَلِك، مُر لي بهُنَيْدَةَ، فغضِبَ حين رَأَى رأْسَ أَخيه وقال. تَسْأَلُنِي إِبلاً وقَدْ قَتلْتَ أَخِي؟ قال: أَنتَ جَعلْتَهَا لمنْ أَتاكَ برأْسِه، وخَرجَ عُصْمٌ مغْضَباً وقال: قَتَلْتُ شُرَحْبِيلَ بنَ عَمْرِو بنِ حَارِيث ... هُمَاماً عليه التَّاجُ وابْنَ هُمَامِ فلاَ تَرْجُونْ يا بْنَ المُرَارِ نَصِيحَتِي ... ولا وُدَّ قَوْمٍ مُغْضَبِين رِغَامِ قَتَلْتُ لك السَّاعِي عليك وحَوْلَه ... تَمِيم ورَامَيْتُ الذين تُرَامِي ثم إن عُصْماً خَافَ سَلمَة المَلِكَ عَلَى، نفسه واسْتخْفَى، وقال سَلَمَةُ بن عَمْرو بن الحَارِث: أَلاَ أَبْلِغْ أَبا حَنَشٍ رَسولاً ... فمَا لَكَ لا تَجِيءُ إِلى الثَّوابِ وما لَكَ لا تَجِيءُ إِلى هِجَانٍ ... منَصَّبَةِ الغَوَارِبِ بالهِضَابِ تَعلَّمْ أَنّ خَيْرَ النّاسِ طُرّاً ... قَتِيلٌ بين أَحجارِ الكُلاَبِ تَداعَتْ حَولَه عَمرُو بن غنْمٍ ... وأَسْلَمَة جَعَاسِيسُ الرِّبَابِ وهي طويلة يُهدِِّدُ فيها أَبا حنَش. قال مُجِيباً له: قُلْ لذا الآكِل المُرَارِ خُذِ المُلْ ... كَ ولا تَبْكِيَنْ قَتِيلَ الكُلاَبِ قد تَرَكْنَا أَخَاكَ في حَمسِ النَقْ ... ع صَرِيعاً مُضَرَّجَ الأَثْوَابِ أَسلمَتْهُ على الكُلاَب تميمٌ ... بعد طَعْنِ الكُلى وضَرْبِ الرِّقابِ وأَجَبْنَاكَ إِذْ دعَوتَ وذُو التا ... جِ شُرَحبِيلُ ثَمَّ غَيرُ مُجابِ تَنْتَمِي حَوْلَكَ الأَرَاقِمُ في النَّقْ ... عِ كأُسْدٍ طَرِيرةٍ الأَنْيَابِ فانْثَنَتْ عنْه دَارِمٌ وبَنُو الفِزْ ... رِ ويَرْبُوعُهَا وحَيُّ الرِّبَابِ بينَ كابِي الجَبِين مُنْعَفِرِ الخَ ... دِّ وعانٍ مُشذَّبِ الأَصْحابِ فقتلْنَا لكَ ابنَ أُمِّك والمُلْ ... كُ عَقِيمٌ مُقَطِّعُ الأَنْسابِ أَصْبَحوا بالكُلاَبِ تَعْتَفِر الضّبْ ... عُ علَيْهِمْ وعَاوِيَاتُ الذِّئابِ فاعْتَدِلْ يا بْنَ ذِي المُرًَارِ على القَصْ ... دِ ولا يَغْرُرَنْكَ تِيهُ الشَّبابِ واختَرَنْ بينَ ما يَقول لك النَّا ... سُ وحربٍ تَحُرُّ بَرْدَ الشَّرَابِ ودخل مَعد يكرِبُ بنُ عِكَبّ من فَورِهِ وجماعةٌ من رُؤًَساءِ تَغلِبَ، إِلى الملِك وقالوا: إِنّ الغَدْرَ وقِلَّةَ الوفاء لا يَحْسُنُ بالملوك، فإِن أَنَصفْتنا من نَفْسِك وإِلاّ أَنصَفْنا أَنْفسَنا منك، ولا نَقنَع إِلاّ بأَن تُعْطِيَ أَبا حَنَش ما وَعَدتَه. قال: فإِنّي أَفعَلُ، وأَمَر له بمائة ناقة، وقال لأَبي حَنَش: تَرِبَتْ يداك: كَرِيمٌ قَتَلَ مَلكاً. وقد قال السَّفاحُ بن خالدٍ وعَمْرُو بن كُلثُومٍ وأُفنون بنُ مَعْشَرٍ، وجماعةُ شُعراءِ بني تَغْلِبَ في ذلك اليَوْمِ أَشعاراً كثيرَةً، ترَكْنَاهَا لطولهَا. ولجابر بن حُنَىٍّ التَّغْلبيّ من قصيدة:

стр. 39

ويوْمَ الكُلاَبِ قَد أَزَالَتْ رِمَاحُنا ... شُرَحْبيلَ إِذْ آلَى أَلِيّةَ مُقْسِمِ لَيَنْتَزِعَنْ أَرْماحَنَا فأَزَالَهُ ... أَبُو حَنَشٍ عن سَرْجِ شَقاءَ صِلْدِمِ تَناولَه بالرُّمْح ثمّ انْثَنَى له ... فخَرَّ صَرِيعاً لليَدَيْن وللْفَمِ وقال مَعدِ يكَرِبُ بن عَمْرِو بن الحارث لَمَّا بلغَهُ قَتْلُ أَخِيه شُرَحْبيل يَرثيه: إِنّ جَنبِي على الفِرَاش لنابِ ... كتَجَافِي الأَسَرِّ فوقَ الظِّرَابِ مِن حَدِيثٍ نَمَى إِليَّ فمَا تَرْ ... قَا دُمُوعِي وما أُسِيغُ شَرَابي مُرَّةً كالذُّعافِ أَكتُمُهَا النّ ... اسَ على إِثْرِ مَلَّةٍ كالشِّهابِ من شُرَحْبٍلَ إِذْ تَعاوَرُه الأَرْ ... مَاحُ مِن بَعدِ لَذَّةٍ وشَرَابِ أَينَ مُعْطِيكم الجَزِيلَ وحابٍي ... كمْ على الفَقْرِ بالعَطَايَا الرِّغَابِ أَحْسَنَتْ تَغْلبٌ وعَادَتُها الإحْ ... سَانُ بالحِنْوِ يَوْمَ ضَرْبِ الرِّقَابِ يَوْمَ وَلَّتْ بنو تَمِيمٍ وقَيسٌ ... خَيْلُهم يَتَّقِينَ بالأَذْنَابِ يا بْنَ أُمّي ولو شَهِدْتُكَ إِذْ تَدْ ... عُو تَميماً وأَنتَ غَيْرُ مُجَابِ لنَشَدَّدْتُ مِن وَرائك حَتَّى ... تَبلُغَ الرُّحبَ أَوْ تُبَزَّ ثِيَابي فارِسٌ يَضْرِبُ الكَتِيبَةَ بالسَّيْ ... فِ على جَيْبِهِ دمٌ كالمَلاَبِ يَومُ أُوَارَةَ وهو يومٌ لبني تَغْلِبَ على بكْر بن وائل وبني تميم، وفيه مقْتَل سَلمَةَ بنِ عَمْرٍو المَلِك، قَتله عَمْرُو بن دَوْسٍ التَّغْلِبيّ، ومَقْتلُ حارثةَ بن عَمْرِو بن أَبي ربِيعَة، قَتَلَه الجَوْنُ التَّغْلبيّ. وكان من حَدِيث هذا اليوم أَنّ بني تَغلبَ طَرَدَتْ سَلَمَةَ بن عَمرٍو الملكَ، وكان يُلقَّب بالغَلْفَاء، كَمَا قَتلَتْ أَخاه شُرَحبيل بنَ عَمرٍو، لتنَكُّره لأَبي حَنْشٍ، ورَأَوه بصُورةِ مَوتورٍ يَطلُب ثأْراً، فسار حتى أَتَى بكرَ بن وائلٍ، فقال له حارثةُ بن عَمْرِو بن أَبي رَبِيعة بن ذُهْل بن شَيْبَانَ: أَيّهَا المَلِك، لك عَليَّ نَصْرُ بكرِ بن وائلٍ بأَسْرِها. فأَقامَ فيهم ثلاثَ سنين، يجمع بكرْاً وتميماً واليمَنْ، وقلَّدَتْ بنو تَغِلبَ والنَّمِرُ أَمْرها عَمْرَو بنَ المُنْذِر، وهو ابنُ هِنْد، فسارَ سَلَمَة الملكُ في جُموعِ بكرٍ وتميم واليَمن، وسارَت بنو تغلب ورَئِيسُهَا عَمْرُو بن كُلْثُومٍ التغلبيُّ، والنَّمِرُ، ورئيسُها قَيْسُ بن زُهيْرٍ النَّمرِيُّ، ومعهم عَمْرُو بنُ هِنْد، فقالَ ثَعْلبةُ بن شَيبانَ العِجْليُّ: يالَ بَكْرٍ هل تَدْرُون إِلى من تَسِيروُن؟ إِلى أَصْحَابِ السُّلاَّنِ والكُلاَبَين وخَزَازَي، مع امرِئَ قَتَلَ أَخاه، وخُلِعَ من مُلْكه، إِنّه لمَسِيرٌ ما أُحِبُّه لكم، فخالَفُوهُ، فأَجمعَ على التَّنحِّي بمَن أَطاعَه مِن عِجْلٍ، فقال له ابنُهُ حَنْظلةً: يا أَبتِ أَتَخْذُلُ بَكراً في مِثْلِ هذا اليومِ؟ قال: يا بُنيِّ " اللَّحْيُ خَير من الوَهْي " فذهبت مثَلاً، ثم إِنَّهُم الْتَقَوْا بأُوَارةَ فاقتتَلوا أَشَدَّ قِتَالٍ يكونُ ودامت أَيّاماً وحَلَفَ عَمْرٌو إِنْ ظَهَرَ لَيَذْبَحَنَّ مَن قَدَرَ عَليه من بكْر على جَبلِ أُوارَةَ، حتَّى يَبْلُغَ الدَّمُ قَرَارَ الأَرضِ، فظَهَرت تَغلبُ وانهَزَمتْ بَكْرٌ، وحازَتْ تَغْلبُ بُيوتَهُم، وأَسَرَ عُبَيْدُ بن قَرْعَصٍ التَّغْلبيُّ سَلَمةَ الملِكَ، فبينَا هو يَقودُه إِذْ مَرَّ به عَمْرُو بنُ دَوْسٍ التَّغْلبيُّ، فضَرَبَه فقتلَه ففي ذلك يقول امرؤُ القَيْس: أَلا إِنّما أَبكَي العيونَ وشَفَّها ... قَتِيلُ ابنِ دَوْسٍ في حِبَالِ ابن قَرْعَصِ

стр. 40

وبَصُرَ الجَوْنُ التَّغلبيُّ بحارثة بن عَمْرٍو وقد انحازَ من أَصحابه هارباً، فأَتْبَعَه، فَتَرامَيَا بالنَّبْل حتى فَنِيَ، ثم تَطاعَنَا حتى تَقَصَّفَ رُمْحاهما، ثمّ اجْتَلَدَا بسَيفَيْهما ووَقَعَا إِلى الأَرْض. وصَرَعَهُ الجَوْنُ فشَّدّهُ وَثَاقاً، أَقبلَ به أَسيراً وقال: من مُبْلِغٌ شَيْبَانَ أَنِّي لم يكُنْ أَمْرِي خَفِيَّا رَامَيْتُهُ حتَّى إِذَا ... ما كانَ نَبْلاَنا نَفِيَّا طَاعَنْتُه حتّى إِذا ... ما كَان رُمْحانَا شَظِيَّا ضَارَبْتُه حتّى إِذا ... ما كانَ سَيْفانَا حَنِيَّا أَثخَنْتُه غَلَباً وكا ... ن مُمَنَّعاً صَعْباً أَبِيَّا ثم إِنّ عَمْرَو بنَ هند أَمَر بالأَسارَى فذُبِحوا على رأْسِ أُوَارةَ، فجعلَ الدّمُ يَجْمُدُ، فقال رَبِيعَةُ بن حبيبٍ التَّغْلبِي: أَنا أَبَرُّ يمِينَ الملكِ، قال بماذا؟ قَال، إذا التَّغْلبِي: أَنا أَبَرُّ يمِينَ الملكِ، التَّغْلبِي: أَنا أَبَرُّ يمِينَ الملكِ، قال بماذا؟ قال، إِذا قَتَلْتَ رَجلاً فصُبَّ على دَمِه رَوَايَا الماء، فإِنَّه يَبْلغُ قَرَارَ الأَرْض، فَفعَلَ ذلك، بعد أَن ذُبِحَ مِنهم مائةُ رجُلٍ، وسُمِّيَ رَبيعةَ يَوْمَئذٍ الوَصَّافَ وأَمرَ عَمْرُو بنُ هند بالنّساء أَن يُحَرَّقْنَ، فاستَوْهَبهنّ عَمْرو بنُ كُلْثُوم التَّغْلبيُّ وقَيْسُ بن زُهَيرْ النَّمَريًُّ. وقال بعضُ شعراءِ بني شَيْبان: سأُثْنِي على عَمْرٍو وقَيْسٍ كِلَيْهما ... ثَنَاءَ امْرِئٍ أَوْفَي بنَعْمَاءَ شَاكِرِ هُمَا أَعْتَقَا يَوْم الأُوَارَة سَبْيَنَا ... وقد كانتِ الأَنفاسُ عنْدَ الحَنَاجِرِ وقال عُبَيدُ بن قَرْعَصٍ التَّغْلبيّ: قد عَدَتْني حُرُوبُ تَغْلِبَ في القَيْ ... نِ وحَرْبٌ في سَلْهَمٍ وصُدَاءِ عَنْ مَزَارِ الحَبِيبِ إِذْ شَحَطَ البَيْ ... نُ وحَرْبٌ تُشَبُّ للغَلْفَاءِ إِذْ رَمانَا ببَغْيِهِ وبَنُو الحا ... رثِ قَوْمٌ يُزْهَونَ بالغُلَوَاءِ فتَلاَقَيْتٌه وقد سَطَعَ النَّقْ ... عُ ودَارَتْ دَوَائرُ البُرَحَاءِ بسَلِيم الكُعُوبِ مُعتَدِلِ النَّصْ ... ل طَرِيرِ الشَبَا علَى الأَعداءِ قُلْتُ والجُبْنُ مُمْسِكٌ بشَجَاهُ ... إِنَّهَا حَرْبُ تَغْلِبَ الغَلْبَاءِ فتَنَاهَوْا ياَل المُرَارِ عن البَغْ ... يِ فلَسْنَا مِنْ تِلْكُمِ الأَحْيَاءِ وقَدّم عمرُو بنُ هِنْد حارِثةَ ليقتُلَه، فقال للكَيِّس النَّمرِيّ: اقْتُل حارِثةَ، قال: ما أَنا كما سمَّتنْي أَمّي إِذنْ، ولكن أَدُلُّك على الأَبْلَهِ الشُّجاعِ قَيْسِ بن زُهَيْرٍ. فدعاه فقَتَلَه قَيسٌ، وقال الكَيِّس في ذلك: دَعَا لِحِبائِهِ عَمْرُو بنُ هِنْدٍ ... لأَضْرِبَ رَأْسَ حارِثَةَ بنِ عَمْرِو فقُلْتُ له علَيْك بمُرْتَقِنِّ ... وَلُوغٍ في دِماءِ سَرَاةِ بَكْرِ فَيكْفِينِيهِ قَيْسُ بني زُهَيرٍ ... فُرحْتُ ولمْ أَبُؤْ مِنْه بوِتْرِ وإِنّ بني أَبِي رَبيعَةَ طَلَبوا بدَمِ حَارِثَة، فلَم يزَالُوا يطْلُبون مِن قَيسِ بن زُهَيْرٍ غِرّةً، حتّى خَرَجَ في صَيْدِ له، فدُلّوا عليه، فقتلَهُ سَيْفُ بن حارِثةَ بأَبِيه وقال: شَفَى نَفْسِي وقَدْ سَقِمَتْ زَمَاناً ... نِساءُ النّمْرِ تَصْرُخُ كُلَّ فَجْرِ عَلى أَصداءِ قَيْس بَني زُهَيْرٍ ... كما هَتَكُوا بحارِثَةَ بن عَمْرِو بُيُوتَ الحَيِّ من ذُهْلٍ وخَصّوا ... بجَدْعِ الأَنْف مِن أَولادِ بَكْرِ وقال أُفْنُونُ التغلبيُّ في ذلك اليوم: هَزَمْنَا جَمْعَ حارِثَةَ بنِ عَمْرٍو ... مع الغَلْفاءِ في العُصَبِ العِجَالِ رَمَيْنَا همْ بأَرْعَنَ مُشْمَخِرٍّ ... يُهَدُّ لِصَوتِه صُمَّ الجِبَالِ فظَلُّوا بَيْن مُعْتَبَطٍ قَتِيلٍ ... وكابِي الجَدِّ يَرْسُفُ في الغِلاَلِ
следующие страницы →