Полный текст (124 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
إِنّي غَزَوْتُ إِلى قَوْمٍ جَحَاجِحَةٍ ... كانُوا لأَوَّلِنا في الدَّهْرِ أَنْصارَا
شُمْس العَداوةٍ مَخِشيّ أَسِنَّتُهمْ ... لمْ يُدْرِكِ النَّاسُ منْهم قَطُّ أَوتَارَا
يكْسُون هَامَ مُلُوكِ النّاسِ ضَاحِيةً ... بِيضَ الصَّفِيحِ إِذا ما مَلْكُهُمْ جَارَا
إِنَّ الكُلاَبَ به قَتْلَى مُصْرَّعةٌ ... كَانُوا لَنَا سُنَّةً نَقْضاً وإِمْرَارَا
لَوْلاَ الظَّلامُ وأَنّ اللَّيْلَ خالَطَهمْ ... لم تُبْقِ تَغِلبُ مِن حَيَّيْك دَيَّارَا
غَسَّانُ صُبْرٌ وأَحْيَا تَغْلِب بُهَمٌ ... كُلٌّ يُحَدِّدُ أَنْيَاباً وأَظْفَارَا
وقال ابن عُنُق الحَيّة:
ظَنَنْتُ ظُنُوناً فأَخْلَفْنَنِي ... كَمَا أَخْلَفَ السَّفْرَ رَيْعُ السَّرَابِ
وقالُوا الغَنِيمَةُ في تغْلِبٍ ... فسِرْنَا إِليهِمْ بجَيْشٍ سِغَابٍ
ذوَائبَ مِن كُلِّ صُيّابَةٍ ... ولَيْسَ القَوَادِمُ مثْلُ الذُّنَابِ
علَى كُلّ جَرْدَاءَ خَيْفَانَةٍ ... ولاَحِقَةِ الإِطْلِ مِثْلِ العُقَابِ
فَوَارِسُهَا الشُّمُّ مِن مالِكٍ ... وعَمْرو ولَخْمٍ وحَيَّيْ شِهَابِ
أَقُودُ خَمِيْساً له أَزْمَلٌ ... وقَدْ قَادَني الحَيْنُ نُحْوَ الكُلاَبِ
إِلى أُسْرَةٍ غَيْر مَذْمومةٍ ... إِذَا أَبْدَتِ الحَرْبُ حَجْلَ الكِعَابِ
وقَامَتْ رَحَانَا على قُطْبِها ... وفَرَّتْ هُنَالِك عنْ حَدِّ نَابِ
وجَاءَ الأَرَاقِمُ لا يَنْثَنُونَ ... كأُسْدٍ خَوَارِجَ مِنْ بَطْنِ غابِ
سَوَاكِنَة الخَيْلِ في نَقْعِها ... بطَعْنِ النُّحورِ وضَرْبِ الرِّقابِ
ووَقْعِ الصِّفَاحِ على الدَّارِعِينَ ... وأَسْرِ الكُمَاةِ وحَوْيِ النِّهابِ
فأَمْعَنْتُ رَكْضاً على قَارِحٍ ... يَمُجُّ نَجِيعاً من المَوْتِ جَابِ
وقَدْ زَايلَ القَلْبَ أَنْيَاطُه ... ولَمْ يَبْقَ إِلاّ نِيَاطُ الحِجَابِ
وقال مُهلْهِلٌ في هذا اليومِ قَصِيدةً طَوِيلةً أَوَّلُهَا:
لَوْ كَان شَيءٌ لابْنِ لِحْيَةَ ناهِياً ... لَنَهَتْه عَنّا وَقْعَةُ السُّلا؟ َّنِ
ويقول فيها:
لَمّا رَأَوْنَا بالكُلاَبِ كأَنَّنا ... يَوْمَ اللِّقَا أُسْدٌ عَلى خَفَّانِ
نَهَضَ الكُمَاةُ بكُلِّ أَبْيَضَ صارِمٍ ... وبكُلِّ أَسْمَرَ مَارِنٍ حَرَّانِ
يَمْشونَ في حَلَقِ الحَدِيدِ كَأَنّهمْ ... جُرْبُ الجِمَالِ طُلِينَ بالقَطِرانِ
فنَجَا بمُهْجَتِهِ وأَسْلَمَ قَوْمَهُ ... مُتَسَرْبِلِينَ زَوَاغِفَ الأَبْدَانِ
وبنُو نُوَاسٍ تَحْتَ ظِلِّ لِوَائِهمْ ... مُتَعَطِّفِينَ علَى ابْنِ ذِي الحيلاَنِ
وهَوَى ابْن نَائلَ في المَكَرِّ كأَنَّه ... والرُّمْحُ شاجِرُهُ قَرِيعُ هِجَانِ
؟ يَومُ الكُلاَبِ الثاني
كان بَدءُ هذا اليومِ أَن الغَلْفاءَ سَلَمَةَ بنَ عَمرو بن الحارِث الكِندِيَّ كان في بني تَغلِبَ مَلِكاً، وكان أَخوهُ شُرَحْبِيلُ مَلِكاً على بني تميم وقيسٍ وبطونٍ من بَكْرِ بن وائل، فعَلاَ الشَرُّ بين المَلِكَيْن، حتى جعلَ كلُّ واحد منهما لمن جاءَ برأْسِ أَخِيه مائةً من الإِبل، فبعثَ شُرَحْبِيلُ مُجاشِعَ بن العَقِيلَةِ التَّميميَّ في خَيْلٍ من بني تَمِيم، فأَغَارُوا على ناحِية لبني تَغْلِبَ، فأَصَابُوا أفراساً سائمةً، فقال رجلٌ من بني ذُهْل بن شَيبَانَ كان معهم:
لا تَاْخُذَنْ أَفراسَ تَغلِبَ إِنّهَا ... يا بْنَ العَقِيلَةِ شَوْبُ سمٍّ ناقِعِ
والشَّرُّ يَبْدؤهُ الصَّغيرُ وهذِه ... فيها مَهَالِكُ نَهْشَلٍ ومُجَاشِعِ
فأَخذَها التميميُّ وقال:
стр. 37
أَتُرَى تميمٌ لا أَبَا لأَبِيكُمُ ... تَخْشَى الّذِي تَخْشَوْنَه من تَغْلِبِ
أَمْ هَلْ سَمِعْتَ بضَيْغمٍ ذِي لِبْدَةٍ ... أَلقَى فَرِيسَتَه مَخَافَةَ ثَعْلَبِ
فلأَخْطَفَنْهَا يا بْنَ ذُهلٍ خَطْفَةً ... خَلْساً كخَطْفِ الصَّقْرِِ شِلْوَ الأَرْنبِ
فلمّا دخَلَ بالأَفْراس على شُرَحْبِيلَ المَلِكِ ونَظَرَ إِليها أَعجبَتْه فقال:
لا أَعْدِمَنَّ فارِساً مُجَاشِعَا
قدْ نَالَ مِنْ تَغْلِبَ أَمْرَا فَاجِعَا
أَفْرَاسَ صِدْقٍ لم تَكنْ نَزَائعَا
قُبّاً كأَمْثَالِ القَنَا رَوَائعَا
ثمّ أَقبلَ يُزْرِي على بني تغلِبَ ويضَعُ منها وكانَ حَنَشُ بنُ مالك التَّغْلبيّ زَوّاراً للمُلوك، عظيمَ القدْرِ فيهم، وكان عنه يومئذ، وابنُه مَعْبَدُ بن حَنش قائمٌ على رأْسِه، بيَده قَوْسٌ له عرَبيَّة، فرَفَعَ مَعْبَدٌ قَوْسَه فضَرَبَ بها هامَةَ المَلِك فطَيَّرَها عن رأْسِه، وسقَط المَلك مَغْشيّاً عليه، وتَصَايحَ النَّاسُ: قُتِلَ المَلِكُ، فدَخَلَ ابنُه عَمْرٌو، فرأَى ما بأَبِيه، فاستوثَقَ من مَعْبَد، فلمّا أَفاقَ قدَّم مَعْبَداً فضَرَبَ عُنُقَه، وجعلَ رأْسَهُ بين يدَيْه، فدَخَلَ حَنَشٌ فقال: لا خَيْرَ لك في صُحْبَتي بَعْدَ هذا الرَّأْسِ، فسَرِّحْنِي سَرَاحاً جَميلاً، فوالله لا أَغْسِلُ رأْسِي حتّى أَلقَاكَ في الخَيْلِ التي أَزْرَيتَ عليها، فسَرَّحَه وأَجَّله ثلاثاً، فلحِقَ ببني تَغْلب.
وقال حَنَش بن مالك:
لعَمْرُك ما لي في جِوَارِك حَاجَةٌ ... ولا خَيْرُ عَيْشٍ بعد قَتْلِك مَعْبَدَا
أَمِن ضَرْبةٍ بالقَوْس لم يَدْمَ كَلْمُهَا ... ضَرَبْتَ بمَصْقُولِ الذُّبَابِ مُقَلَّدَا
فتًى مالَ رَيْعانُ الشَّبابِ بحِلْمِه ... ولمْ يُصْدِرِ الأَمْرَ الذِي كانَ أَوْرَدَا
ولو كُنْتُمُ إِذْ زَلَّتِ النَّعْلُ زَلّةً ... ذَخَرْتُمْ بها عنْدِي لقَوْمِكمْ يَدَا
فإِن تُبْقِني الأَيَّامُ أَجْزِك مِثْلَها ... شُرَحْبِيلُ في شِبْلَيْك عَمْرْو وأَسْوَدَا
وإِلاَّ أَنَلْ ثَأْرِي مِن اليَومِ أَجْزِهِ ... بما قَدَّمَتْ كَفَّاهُ في مَعْبَدٍ غَدَا
ولَنْ يَسْبِقوا آلَ الْمُرَارِ بثَأْرِه ... مَدَى الدَّهْرِ ما نَاحَ الحَمَامُ وغَرَّدَا
فإِنْ أَنا لمْ أَغْشَ الكُلاَبَ بفِتْيَةٍ ... على كُلِّ مَحْبُول الرِّحَالِة أَحْرَدَا
وكُلِّ سبُوحٍ في العِنَانِ مُقَلِّص ... كسِرْبِ القَطَا يَحْمِلْن مَجْداً وسُؤْدَدَا
فَوَارِسُهَا مِنْ تَغْلِبَ ابْنَةِ وائلٍ ... بنو كُلِّ أَبّاءِ الدَّنِيَّةِ أَصْيَدَا
فلا يَدْعُنِي القَوْمُ الحَدِيدُ لمالكٍ ... ولا زِلْتُ وَغْلاً في النَدَامَى مُزَنّدَا
وأَخْبرَ حنشٌ بني تَغلِبَ بالخبَر، ووضَعَ ظُبَةَ سَيْفِه على سُرَّته وحلفَ لَيعمدنّ عليه حتى يخرجَ من ظَهْرِه أَو يُدْرِكُوا له ثأْرَهُ. فسَارَتْ بنو تَغلِبَ مُتَسانِدِين بسادَتهم، والتَّعْبِئَةُ إِلى سلمةَ بنِ خالدٍ، وكانت بنو دَارِم مع أَخوالها بني تَغْلِب، ورئيسُهم سُفيانُ بن مُجَاشِع، فقال سَلَمَةُ بن خالِدٍ لبني تَغْلِب: إِنْ حالوا بَينَكم وبين ماءِ الكُلابِ ظَفِروا بكم، فشقَّقَ مَزَادَ أَصحابِه حتى سفَحَ الماءَ، فسُمِّيَ السَّفّاح، وأَغَذُّوا السَّيْرَ حتّى نَزَلُوا على الكُلاَبِ، ونَزَل شُرَحْبِيلُ ومعَه بنو تميم وبُطون من اليَمن بأَسْفَلِه، وكانَ أَوّلَ مَن ورَدَ ماءَ الكُلاَبِ سَفيانُ بن مُجَاشِعِ بن دَارِمٍ، وابناه مُرّةُ وعامرٌ، وكانَت بنو شَيْبانَ قَتَلَت ابناً لمرَّة قبْلَ ذلك فقال:
أَنا مُرَّةُ بنُ سُفْيَانْ ... والوِرْدُ وِرْدُ عَجْلانْ
والشيخُ شَيْخٌ ثَكْلانُ
وفي ذلك يقول الفرزدق:
شُيوخٌ منْهُمُ عُدُسُ بنُ زَيْد ... وسُفْيَانُ الذِي وَرَدَ الكُلاَبَا
وأَوُّلُ من وَرَدَ من بني تَغلِبَ رَجلٌ من بني عبْد بن جُشَمَ فارِس الخَرُّوب وورَدَ السَّفاحُ بالنّاس وهو يقول:
стр. 38
إِنّ الكُلاَبَ ماؤُنَا فخَلُّوهْ ... وسَاجِراً واللهِ لَنْ تَحُلُّوهُ
فاقتتَلَ القوْمُ قِتَالاً شَدِيداً، وكان على مَيْمَنَةِ تميم واليَمَنِ وبَكرٍ عمْرُو بن شُرَحبِيلَ وعلى الميسرةِ الأَسوَدُ بن شُرَحبيلَ، وفي القلب أَبو عُمَيْرٍ المُجَاشِعيُّ، فقَصدَ حنَشُ بنُ مالكٍ المَيْمَنَةَ، وحَمَل على عَمْرِو بن شُرحبيل، فطعنه فصرعه، وقال يا بْنَ المُرَار، لهذا دَعَتْكَ تميم، وهذا بما كَسَبته يَدَاكَ ويَدَا أَبيك، وحمَلَ السّفَّاحُ على أًَبي عُمَير المُجاشِعيّ فطعَنَه فقتلهُ، وكثُرَتِ القَتلى بينهم، ثم وَلَّتْ تميمٌ، وأَسْرَفتْ تَغلبُ في قَتلِهم، ونَادى شُرَحْبِيلُ: يالَ تميم، فلم يُجِبه أحدٌ، وحملَ عليه أَبو حَنَش عُصْمُ بنَ النُّعْمَان التَّغْلبِيُّ فطَعَنَه فقتلَه، واحْتَزَّ رأْسَهُ، وجَاءَ به إِلى أَخيه وقلا: أَيّهَا المَلِك، مُر لي بهُنَيْدَةَ، فغضِبَ حين رَأَى رأْسَ أَخيه وقال. تَسْأَلُنِي إِبلاً وقَدْ قَتلْتَ أَخِي؟ قال: أَنتَ جَعلْتَهَا لمنْ أَتاكَ برأْسِه، وخَرجَ عُصْمٌ مغْضَباً وقال:
قَتَلْتُ شُرَحْبِيلَ بنَ عَمْرِو بنِ حَارِيث ... هُمَاماً عليه التَّاجُ وابْنَ هُمَامِ
فلاَ تَرْجُونْ يا بْنَ المُرَارِ نَصِيحَتِي ... ولا وُدَّ قَوْمٍ مُغْضَبِين رِغَامِ
قَتَلْتُ لك السَّاعِي عليك وحَوْلَه ... تَمِيم ورَامَيْتُ الذين تُرَامِي
ثم إن عُصْماً خَافَ سَلمَة المَلِكَ عَلَى، نفسه واسْتخْفَى، وقال سَلَمَةُ بن عَمْرو بن الحَارِث:
أَلاَ أَبْلِغْ أَبا حَنَشٍ رَسولاً ... فمَا لَكَ لا تَجِيءُ إِلى الثَّوابِ
وما لَكَ لا تَجِيءُ إِلى هِجَانٍ ... منَصَّبَةِ الغَوَارِبِ بالهِضَابِ
تَعلَّمْ أَنّ خَيْرَ النّاسِ طُرّاً ... قَتِيلٌ بين أَحجارِ الكُلاَبِ
تَداعَتْ حَولَه عَمرُو بن غنْمٍ ... وأَسْلَمَة جَعَاسِيسُ الرِّبَابِ
وهي طويلة يُهدِِّدُ فيها أَبا حنَش.
قال مُجِيباً له:
قُلْ لذا الآكِل المُرَارِ خُذِ المُلْ ... كَ ولا تَبْكِيَنْ قَتِيلَ الكُلاَبِ
قد تَرَكْنَا أَخَاكَ في حَمسِ النَقْ ... ع صَرِيعاً مُضَرَّجَ الأَثْوَابِ
أَسلمَتْهُ على الكُلاَب تميمٌ ... بعد طَعْنِ الكُلى وضَرْبِ الرِّقابِ
وأَجَبْنَاكَ إِذْ دعَوتَ وذُو التا ... جِ شُرَحبِيلُ ثَمَّ غَيرُ مُجابِ
تَنْتَمِي حَوْلَكَ الأَرَاقِمُ في النَّقْ ... عِ كأُسْدٍ طَرِيرةٍ الأَنْيَابِ
فانْثَنَتْ عنْه دَارِمٌ وبَنُو الفِزْ ... رِ ويَرْبُوعُهَا وحَيُّ الرِّبَابِ
بينَ كابِي الجَبِين مُنْعَفِرِ الخَ ... دِّ وعانٍ مُشذَّبِ الأَصْحابِ
فقتلْنَا لكَ ابنَ أُمِّك والمُلْ ... كُ عَقِيمٌ مُقَطِّعُ الأَنْسابِ
أَصْبَحوا بالكُلاَبِ تَعْتَفِر الضّبْ ... عُ علَيْهِمْ وعَاوِيَاتُ الذِّئابِ
فاعْتَدِلْ يا بْنَ ذِي المُرًَارِ على القَصْ ... دِ ولا يَغْرُرَنْكَ تِيهُ الشَّبابِ
واختَرَنْ بينَ ما يَقول لك النَّا ... سُ وحربٍ تَحُرُّ بَرْدَ الشَّرَابِ
ودخل مَعد يكرِبُ بنُ عِكَبّ من فَورِهِ وجماعةٌ من رُؤًَساءِ تَغلِبَ، إِلى الملِك وقالوا: إِنّ الغَدْرَ وقِلَّةَ الوفاء لا يَحْسُنُ بالملوك، فإِن أَنَصفْتنا من نَفْسِك وإِلاّ أَنصَفْنا أَنْفسَنا منك، ولا نَقنَع إِلاّ بأَن تُعْطِيَ أَبا حَنَش ما وَعَدتَه. قال: فإِنّي أَفعَلُ، وأَمَر له بمائة ناقة، وقال لأَبي حَنَش: تَرِبَتْ يداك: كَرِيمٌ قَتَلَ مَلكاً.
وقد قال السَّفاحُ بن خالدٍ وعَمْرُو بن كُلثُومٍ وأُفنون بنُ مَعْشَرٍ، وجماعةُ شُعراءِ بني تَغْلِبَ في ذلك اليَوْمِ أَشعاراً كثيرَةً، ترَكْنَاهَا لطولهَا.
ولجابر بن حُنَىٍّ التَّغْلبيّ من قصيدة:
стр. 39
ويوْمَ الكُلاَبِ قَد أَزَالَتْ رِمَاحُنا ... شُرَحْبيلَ إِذْ آلَى أَلِيّةَ مُقْسِمِ
لَيَنْتَزِعَنْ أَرْماحَنَا فأَزَالَهُ ... أَبُو حَنَشٍ عن سَرْجِ شَقاءَ صِلْدِمِ
تَناولَه بالرُّمْح ثمّ انْثَنَى له ... فخَرَّ صَرِيعاً لليَدَيْن وللْفَمِ
وقال مَعدِ يكَرِبُ بن عَمْرِو بن الحارث لَمَّا بلغَهُ قَتْلُ أَخِيه شُرَحْبيل يَرثيه:
إِنّ جَنبِي على الفِرَاش لنابِ ... كتَجَافِي الأَسَرِّ فوقَ الظِّرَابِ
مِن حَدِيثٍ نَمَى إِليَّ فمَا تَرْ ... قَا دُمُوعِي وما أُسِيغُ شَرَابي
مُرَّةً كالذُّعافِ أَكتُمُهَا النّ ... اسَ على إِثْرِ مَلَّةٍ كالشِّهابِ
من شُرَحْبٍلَ إِذْ تَعاوَرُه الأَرْ ... مَاحُ مِن بَعدِ لَذَّةٍ وشَرَابِ
أَينَ مُعْطِيكم الجَزِيلَ وحابٍي ... كمْ على الفَقْرِ بالعَطَايَا الرِّغَابِ
أَحْسَنَتْ تَغْلبٌ وعَادَتُها الإحْ ... سَانُ بالحِنْوِ يَوْمَ ضَرْبِ الرِّقَابِ
يَوْمَ وَلَّتْ بنو تَمِيمٍ وقَيسٌ ... خَيْلُهم يَتَّقِينَ بالأَذْنَابِ
يا بْنَ أُمّي ولو شَهِدْتُكَ إِذْ تَدْ ... عُو تَميماً وأَنتَ غَيْرُ مُجَابِ
لنَشَدَّدْتُ مِن وَرائك حَتَّى ... تَبلُغَ الرُّحبَ أَوْ تُبَزَّ ثِيَابي
فارِسٌ يَضْرِبُ الكَتِيبَةَ بالسَّيْ ... فِ على جَيْبِهِ دمٌ كالمَلاَبِ
يَومُ أُوَارَةَ
وهو يومٌ لبني تَغْلِبَ على بكْر بن وائل وبني تميم، وفيه مقْتَل سَلمَةَ بنِ عَمْرٍو المَلِك، قَتله عَمْرُو بن دَوْسٍ التَّغْلِبيّ، ومَقْتلُ حارثةَ بن عَمْرِو بن أَبي ربِيعَة، قَتَلَه الجَوْنُ التَّغْلبيّ.
وكان من حَدِيث هذا اليوم أَنّ بني تَغلبَ طَرَدَتْ سَلَمَةَ بن عَمرٍو الملكَ، وكان يُلقَّب بالغَلْفَاء، كَمَا قَتلَتْ أَخاه شُرَحبيل بنَ عَمرٍو، لتنَكُّره لأَبي حَنْشٍ، ورَأَوه بصُورةِ مَوتورٍ يَطلُب ثأْراً، فسار حتى أَتَى بكرَ بن وائلٍ، فقال له حارثةُ بن عَمْرِو بن أَبي رَبِيعة بن ذُهْل بن شَيْبَانَ: أَيّهَا المَلِك، لك عَليَّ نَصْرُ بكرِ بن وائلٍ بأَسْرِها. فأَقامَ فيهم ثلاثَ سنين، يجمع بكرْاً وتميماً واليمَنْ، وقلَّدَتْ بنو تَغِلبَ والنَّمِرُ أَمْرها عَمْرَو بنَ المُنْذِر، وهو ابنُ هِنْد، فسارَ سَلَمَة الملكُ في جُموعِ بكرٍ وتميم واليَمن، وسارَت بنو تغلب ورَئِيسُهَا عَمْرُو بن كُلْثُومٍ التغلبيُّ، والنَّمِرُ، ورئيسُها قَيْسُ بن زُهيْرٍ النَّمرِيُّ، ومعهم عَمْرُو بنُ هِنْد، فقالَ ثَعْلبةُ بن شَيبانَ العِجْليُّ: يالَ بَكْرٍ هل تَدْرُون إِلى من تَسِيروُن؟ إِلى أَصْحَابِ السُّلاَّنِ والكُلاَبَين وخَزَازَي، مع امرِئَ قَتَلَ أَخاه، وخُلِعَ من مُلْكه، إِنّه لمَسِيرٌ ما أُحِبُّه لكم، فخالَفُوهُ، فأَجمعَ على التَّنحِّي بمَن أَطاعَه مِن عِجْلٍ، فقال له ابنُهُ حَنْظلةً: يا أَبتِ أَتَخْذُلُ بَكراً في مِثْلِ هذا اليومِ؟ قال: يا بُنيِّ " اللَّحْيُ خَير من الوَهْي " فذهبت مثَلاً، ثم إِنَّهُم الْتَقَوْا بأُوَارةَ فاقتتَلوا أَشَدَّ قِتَالٍ يكونُ ودامت أَيّاماً وحَلَفَ عَمْرٌو إِنْ ظَهَرَ لَيَذْبَحَنَّ مَن قَدَرَ عَليه من بكْر على جَبلِ أُوارَةَ، حتَّى يَبْلُغَ الدَّمُ قَرَارَ الأَرضِ، فظَهَرت تَغلبُ وانهَزَمتْ بَكْرٌ، وحازَتْ تَغْلبُ بُيوتَهُم، وأَسَرَ عُبَيْدُ بن قَرْعَصٍ التَّغْلبيُّ سَلَمةَ الملِكَ، فبينَا هو يَقودُه إِذْ مَرَّ به عَمْرُو بنُ دَوْسٍ التَّغْلبيُّ، فضَرَبَه فقتلَه ففي ذلك يقول امرؤُ القَيْس:
أَلا إِنّما أَبكَي العيونَ وشَفَّها ... قَتِيلُ ابنِ دَوْسٍ في حِبَالِ ابن قَرْعَصِ
стр. 40
وبَصُرَ الجَوْنُ التَّغلبيُّ بحارثة بن عَمْرٍو وقد انحازَ من أَصحابه هارباً، فأَتْبَعَه، فَتَرامَيَا بالنَّبْل حتى فَنِيَ، ثم تَطاعَنَا حتى تَقَصَّفَ رُمْحاهما، ثمّ اجْتَلَدَا بسَيفَيْهما ووَقَعَا إِلى الأَرْض. وصَرَعَهُ الجَوْنُ فشَّدّهُ وَثَاقاً، أَقبلَ به أَسيراً وقال:
من مُبْلِغٌ شَيْبَانَ أَنِّي لم يكُنْ أَمْرِي خَفِيَّا
رَامَيْتُهُ حتَّى إِذَا ... ما كانَ نَبْلاَنا نَفِيَّا
طَاعَنْتُه حتّى إِذا ... ما كَان رُمْحانَا شَظِيَّا
ضَارَبْتُه حتّى إِذا ... ما كانَ سَيْفانَا حَنِيَّا
أَثخَنْتُه غَلَباً وكا ... ن مُمَنَّعاً صَعْباً أَبِيَّا
ثم إِنّ عَمْرَو بنَ هند أَمَر بالأَسارَى فذُبِحوا على رأْسِ أُوَارةَ، فجعلَ الدّمُ يَجْمُدُ، فقال رَبِيعَةُ بن حبيبٍ التَّغْلبِي: أَنا أَبَرُّ يمِينَ الملكِ، قال بماذا؟ قَال، إذا التَّغْلبِي: أَنا أَبَرُّ يمِينَ الملكِ، التَّغْلبِي: أَنا أَبَرُّ يمِينَ الملكِ، قال بماذا؟ قال، إِذا قَتَلْتَ رَجلاً فصُبَّ على دَمِه رَوَايَا الماء، فإِنَّه يَبْلغُ قَرَارَ الأَرْض، فَفعَلَ ذلك، بعد أَن ذُبِحَ مِنهم مائةُ رجُلٍ، وسُمِّيَ رَبيعةَ يَوْمَئذٍ الوَصَّافَ وأَمرَ عَمْرُو بنُ هند بالنّساء أَن يُحَرَّقْنَ، فاستَوْهَبهنّ عَمْرو بنُ كُلْثُوم التَّغْلبيُّ وقَيْسُ بن زُهَيرْ النَّمَريًُّ.
وقال بعضُ شعراءِ بني شَيْبان:
سأُثْنِي على عَمْرٍو وقَيْسٍ كِلَيْهما ... ثَنَاءَ امْرِئٍ أَوْفَي بنَعْمَاءَ شَاكِرِ
هُمَا أَعْتَقَا يَوْم الأُوَارَة سَبْيَنَا ... وقد كانتِ الأَنفاسُ عنْدَ الحَنَاجِرِ
وقال عُبَيدُ بن قَرْعَصٍ التَّغْلبيّ:
قد عَدَتْني حُرُوبُ تَغْلِبَ في القَيْ ... نِ وحَرْبٌ في سَلْهَمٍ وصُدَاءِ
عَنْ مَزَارِ الحَبِيبِ إِذْ شَحَطَ البَيْ ... نُ وحَرْبٌ تُشَبُّ للغَلْفَاءِ
إِذْ رَمانَا ببَغْيِهِ وبَنُو الحا ... رثِ قَوْمٌ يُزْهَونَ بالغُلَوَاءِ
فتَلاَقَيْتٌه وقد سَطَعَ النَّقْ ... عُ ودَارَتْ دَوَائرُ البُرَحَاءِ
بسَلِيم الكُعُوبِ مُعتَدِلِ النَّصْ ... ل طَرِيرِ الشَبَا علَى الأَعداءِ
قُلْتُ والجُبْنُ مُمْسِكٌ بشَجَاهُ ... إِنَّهَا حَرْبُ تَغْلِبَ الغَلْبَاءِ
فتَنَاهَوْا ياَل المُرَارِ عن البَغْ ... يِ فلَسْنَا مِنْ تِلْكُمِ الأَحْيَاءِ
وقَدّم عمرُو بنُ هِنْد حارِثةَ ليقتُلَه، فقال للكَيِّس النَّمرِيّ: اقْتُل حارِثةَ، قال: ما أَنا كما سمَّتنْي أَمّي إِذنْ، ولكن أَدُلُّك على الأَبْلَهِ الشُّجاعِ قَيْسِ بن زُهَيْرٍ. فدعاه فقَتَلَه قَيسٌ، وقال الكَيِّس في ذلك:
دَعَا لِحِبائِهِ عَمْرُو بنُ هِنْدٍ ... لأَضْرِبَ رَأْسَ حارِثَةَ بنِ عَمْرِو
فقُلْتُ له علَيْك بمُرْتَقِنِّ ... وَلُوغٍ في دِماءِ سَرَاةِ بَكْرِ
فَيكْفِينِيهِ قَيْسُ بني زُهَيرٍ ... فُرحْتُ ولمْ أَبُؤْ مِنْه بوِتْرِ
وإِنّ بني أَبِي رَبيعَةَ طَلَبوا بدَمِ حَارِثَة، فلَم يزَالُوا يطْلُبون مِن قَيسِ بن زُهَيْرٍ غِرّةً، حتّى خَرَجَ في صَيْدِ له، فدُلّوا عليه، فقتلَهُ سَيْفُ بن حارِثةَ بأَبِيه وقال:
شَفَى نَفْسِي وقَدْ سَقِمَتْ زَمَاناً ... نِساءُ النّمْرِ تَصْرُخُ كُلَّ فَجْرِ
عَلى أَصداءِ قَيْس بَني زُهَيْرٍ ... كما هَتَكُوا بحارِثَةَ بن عَمْرِو
بُيُوتَ الحَيِّ من ذُهْلٍ وخَصّوا ... بجَدْعِ الأَنْف مِن أَولادِ بَكْرِ
وقال أُفْنُونُ التغلبيُّ في ذلك اليوم:
هَزَمْنَا جَمْعَ حارِثَةَ بنِ عَمْرٍو ... مع الغَلْفاءِ في العُصَبِ العِجَالِ
رَمَيْنَا همْ بأَرْعَنَ مُشْمَخِرٍّ ... يُهَدُّ لِصَوتِه صُمَّ الجِبَالِ
فظَلُّوا بَيْن مُعْتَبَطٍ قَتِيلٍ ... وكابِي الجَدِّ يَرْسُفُ في الغِلاَلِ
стр. 41
وللغَلْفَاءِ سَلْمَةَ بعْدَ هَدْءِ ... نَوَائحُ يَلْتَدِ مْنَ بسُوءِ حالِ
ونَالَ السَّيْفُ حارِثَةَ بنَ عَمْروٍ ... وخَامَتْ عَنْ حِمَايَتِهِ المَوَالِي
بهَضْبٍ مِن أَوَارَةَ والمَنَايَا ... مُوَكَّلَةٌ بأَعْنَاقِ الرِّجالِ
؟ يَومُ الكَثِيبِ
وهو يومٌ لعَدِيّ بن أُسَامَة على مُرادِ. وفيه مَقتَلُ عَمرو بن بِشْرٍ.
غزا ثَعْلبةُ بن حَبيب العَدَويّ في بني عَدِِيٍّ وأَخلاطِ مالك بن بَكْرٍ أَحياءَ مُرَادٍ وهُم يومئذٍ نزولٌ بماءٍ يُقال له الكَثِيبُ، فصبّحَهم، والتقَى الجَمْعانِ، وصَبَر بعضٌ لبعضٍ، ونادَى عَمْرو بنُ بِشْرٍ رِئيسُ مُرَادٍ: مَن يُبارِزُ؟ فبرَزَ إِليه ثَعْلبَةُ، فاخَتلفَا فَطَعَنَه ثَعْلَبَةُ فقَتَله، وولَّتْ مُرادٌ، وأَسْرفَتْ عَدِيٌّ في قَتْلِها، وأَصابَ ثَعْلَبةُ السَّبايَا والأَموالَ وقال في ذلك:
نَمانِي حَبِيبٌ أَبِي لِلْعَلاءِ ... وكَانَ حَبِيبٌ لِقَوْمِي عِمَادَا
سَوَادٌ مُوَرِّثُهُ المَكْرُمَاتِ ... وأَوْرَثَ ذاكَ عَدِيٌّ سَوَادَا
وكَانَ أُسَامَةُ في مَالكٍ ... إِذَا أَصْلَدَ الزَّنْدُ أَوْرَى زِنَادَا
فمِنْهُمْ جَمِيعاً وَرٍثْتُ العُلاَ ... فأَحْيَيْتُ مَجْداً وقُدْتُ الجِيَادَا
فأَمَّمْتُهَا نَحْوَ أَهْلِ الكَثِيبِ ... بفِتْيَانِ حَرْبٍ فأَفْنَتْ مُرَادَا
فصَبَّحْتُهم قَبْلَ ضَوْءِ الصَّبَاحِ ... مُسَوَّمَةً ما تَهَابُ البِعادَا
ونَادَى رَئِيسُهُمُ بالنِّزَالِ ... وعَبَّى لِكُلِّ سَوَادٍ سَوَادَا
فأَسْمُو لَهُ بطَرِيرِ السِّنَانِ ... وقَدْ كَانَ هذَا لِقَوْمِي عَتَادَا
وأَطْعُنُهُ فَهوَى لِلْجَبِينِ ... كأَنَّ عَلَى مَنْكِبَيْهِ جِسَادَا
وصَوْلُ الأَرَاقِمِ صَوْلُ الأُسُودِ ... يَجُوبُونَ بَعْدَ بِلادٍ بِلاَدَا
وأَخْلَتْ مُرَادٌ لَنَا دارَهَا ... ووَلَّوْا شَعاعاً وهَرُّوا الجِلاَدَا
وكان في مُرَاد جارٌ لهُمْ من كِنْدَةَ، ومَعَهُ أَهلُه ومالُه، فأُسِر وسُبِيَ أَهلُه وأُخِذَ مالُه، فبينَا ثَعْلَبة يعْتَرِضُ السَّبْيَ إِذْ هو بامرأَةِ الكِنْدِيِّ تقول:
يا صَاحِبَ الخَيْلِ الذِي تَوَرّدَا
علَى مُرَادٍ قَدْ حَوَيْتَ الخُرَّدَا
وقَدْ تَرَكْتَ الكَبْشَ مِنْهم مُقْصَدَا
أمنن علينا واتخذ فينا يدا
بيْضَاءَ في كِنْدَةَ أُفْشِيها غَدَا
إِنِّي أَراكَ سَيِّداً مُسَوَّدَا
تُورِي إِذَا وَأرِى الزِّنَادِ أَصْلَدَا
تَرَكْتَ بالبِيضِ مُرَاداً هُمَّدَا
فقَالَ لهَا ثَعْلَبَةُ: مَنْ أَنتِ؟ فعَرَّفَتْه، فدَعَا بِالكِنديِّ، فأَتاه وقال:
ثَعْلَبَةُ الخَيْرِ أَخو عَدِيّ
لاَقَى مُرَاداً بالأَضَا المَاذِيِّ
صَبَّحَهُمْ بالبيضِ والخَطّيّ
علَى الكَثِيب صَبْحَةَ الطَّسْمِيِّ
فهُمْ بِهَا كالخَشَبِ العَادِيّ
وقَدْ حَوَيْتَ العِزَّ بالهِنْدِيِّ
هَلْ لكَ في عَفْوٍ عَنِ الكِنْدِيِّ
ومِنَّةٍ منْك علَى السَّبِيِّ
فقال ثَعلَبة: يا بنِي عَدِيّ، هذا رجلٌ من كِنْدَةَ، وبَينَنا وبين أَوَّلِيهِ خُلَّةٌ، وقد وَهبْتُ له جميعَ ما أُخذَ منه، وما أُخِذَ منه، وما يَخُصُّني من سْبِي مُرادٍ، فهل لكم أَن تَسمحوا له بذلك، فإِنّ في الأَموالِ والسَّوَام مَقْنَعاً، فأَجابَه بنو عديٍّ إِلى ذلك، ووَهَبَ الكِنْدِيَّ السَّبْيَ عامّةً، ورَدَّ عليه إِبلَه وما أُخِذَ منه وقال: افخَرْ بهذَا السَّبْيِ على مُرادٍ. وقال الكِنْدِيُّ يَتشكَّرُ لبني عَدِيٍّ:
سأشكُرُ ما حَيِيْتُ بنِي عَدِيٍّ ... وشُكْرِي منْهُم لبَنِي حَبِيبِ
لثَعْلَبةَ الأَغَرِّ عليَّ مَنٌّ ... بإِطْلاقِي وفَكِّي مِن كُرُوبِي
وقد غُلَّتْ يَدَايَ فصِرْتُ رَهْناً ... أَسِيراً رَافِقاً بُرْدَيْ شَعُوبِ
стр. 42
فأَنْعَمَ نِعْمَةً سَبَقَتْ وسَارتْ ... بإِطْلاَقِ الكُبُولِ عَن الغَرِيبِ
وأَعطانِي الخَرَائدَ مِن مُرَادٍ ... وعِرْسِي مُنْتَهَى نَفْسِي وطِيْبِي
وأَعْطَاني مُؤَبّلةً هِجَاناً ... وقَدْ حُوِيَتْ علَى ماءِ الكَثِيبِ
فلَنْ أَكْفُرْ بَلاءَ بني عَدِيٍّ ... وعَفْوَهُمُ عَلَى حَدَثِ الخُطُوبِ
وقالت أُختُ عَمْرو بن بِشْرٍ تَرثِيه:
أَلاَ يا لَهْفَ نَفْسِي بعْد عَمْرٍو ... ومَصْرَعِهِ بمُعْتَرَكِ الصِّعَادِ
مُناخِ الضَّيفِ قَدْ عَلِمَتْ مُرَادٌ ... وغَيْثِ النَّاسِ في اللِّزَبِ الشِّدَادِ
لقَدْ لَقِيَتْ مُرَادٌ مِنْ عَديٍّ ... كَمَا لَقِيتْ قَبَائِلُ آلِ عَاد
وقالت امرأَةٌ من مُرادٍ أَيضاً:
يا عَيْنُ جُودِي ولا تَجْمُدِي ... لِقَوْمٍ أُتِيحَ لَهُمْ ثَعْلَبَه
هُمُ صَبَّحونَا قُبَيلَ الصَّبَاحِ ... على كُلّ سُرْحُوبةٍ سَلْهبَهْ
فأْوجِرَ عَمرٌو طَرِيرَ السِّنَانِ ... يُشَبَّهُ بالشُّعْلَةِ المُثْقَبَهْ
فخَرّ صَرِيعاً ووَلَّتْ مُرَادُ ... وجَالَتْ خُيُولُهُم المُقْرَبَهْ
يومُ حاجِرٍ
وهو يَوْمٌ لبني مالِكِ بن حُبَيْبٍ، على هَوازن، وفيه مقتلُ عَبِيدَة بن مالِكِ بن جَعْفَرٍ، قتَلهُ أُفْنُون.
خَرَجَ صُرَيْمُ بنُ مَعْشَرِ بن ذُهْلِ بن تَيم بنِ بَكْر بن مالك بن حُبَيْب وهو أُفْنُونُ، في جَمْعٍ من بني تَغلِبَ يُرِيدُ بني عامِرٍ، فأَغارَ عليهم بمَوضعٍ يُقال له حاجِزٌ، وكان سيِّدَ هَوَازِنَ ذلك اليَّوْمَ طُفَيْلُ بن مالِكٍ، فقاتلَتْه هَوَازِنُ عن حَرِيمها أَشَدَّ قِتَالٍ، ثمّ وَلَّتْ مُنْهَزِمةً، وأَخْلَتِ البُيُوتَ في أَيدِيهم، وعَطفَ عَبِيدَةُ بن مالِكِ بن جَعْفَرٍ على بني تَغلِبَ، في حُماةِ أَصحابِه، فقاتَلوهم حتَّى أَزالوهم عن البُيُوتِ، وحَملَ أُفنُونُ عَلى عَبِيدَةَ فطَعنَهُ فقتلَهُ، وولَّوْا، وأُسِرَ أَبو أَسماءَ حَبِيبُ بن الضَّرِيبَة، وهو فارسُ بني نَصْرٍ وشاعرُهم، وأُسِر أًَبنَاءُ مُسَافِرٍ، وعَبدُ الله بنُ نَصر، وهَرَبَ طُفَيْلُ بن مالكٍ رَكْضاً، وأَصابَتْ تَغْلِبُ النِّسَاءَ والنِّعَم.
وقال أُفْنُونُ في ذلِك:
سَمَوْنَا إِلى عُلْيَا هَوَازِنَ بالقَنَا ... وجُرْدٍ كأَمْثَالِ القِدَاحِ ضَوَامِرِ
تَئِنُّ أَنِينَ الحَامِلاَتِ وتَشْتَكِي ... عُجَايَاتِهَا مِن طُولِ نكْبِ الدَّوابِرِ
فمَا زَالَ ذاَك الدّأْبَ حَتَّى صَبَحْتُهَا ... عَلى ما بِهَا من جَهْدِهَا أَهْلَ حاجِرِ
فغُودِرَ في وَقْعِ العِجَاجَةِ مِنهُمُ ... عَبِيدَةُ يَدْعُو شَاغِراً يالَ عَامِرِ
صَرِيعَ قَناً في عُصْبَةٍ عامِرِيَّةٍ ... صَرِيحيَّةِ الأَحْسَابِ غَيْرِ عَوَاوِرِ
وقُدْنَا أَبَا أَسْمَاءَ فارِسَ قَوْمِه ... حَبِيباً وعبْدَ الله وابْنَىْ مُسَافِرِ
وأَفْلَتَنا رَكْضاً طُفَيْلُ بن مَالِكٍ ... وقدْ وَطِئَتْهُ خَيْلُنَا بالحَوَافِرِ
وحُورٍ كأَمْثَالِ المَهَا عامِرِيّةٍ ... عَذَارَى اجْتَليْنَا بالرِّمَاحِ الخَواطِرِ
ونَحْنُ مَتَى ما نَرْمِ قَوْماً ببِعْضَةٍ ... شَجًى ناشِبٌ بَيْنَ اللَّهَا فالحَنَاجِرِ
وقال أَبو دُوادٍ الرُّؤَاسيُّ:
إِنَّ الفَوَارِسَ مِن حُبَيبٍ جَدّعَتْ ... بعَبِيدَةَ الوهَّابِ حَيَّ هَوَازِنِ
أَوْدَى صُرَيْمٌ بالَّذِين هُمُ هُمُ ... أَهلُ الحفَائظِ والفَعالِ الزَّائِنِ
صَبَرُوا لكُلِّ مُهَنَّدٍ ذِي رَوْنَقٍ ... صَافِي الحَدِيدِ وكُلِّ أَسْمَرَ مَارِنِ
حتَّى تَكَشَّفَتِ العَجَاجَةُ عنْهُمُ ... صَرْعَى بأََبْطَحِ حَاجِرَ المُتَبَاطِنِ
وابنُ الضَّرِيبَةِ فِي فَوَارِسِ قَوْمِه ... طَوْعَ الجَنِيبَةِ كالقَرِيعِ السَّاخِنِ
يَومُ عَاقِلٍ
стр. 43
وهو يومٌ لبني زَيْدِ بن عَمرٍو، على بني أَسَد، وفيه مَقْتَلُ قَيْس بن جَابرٍ الأَسَدِيِّ، قَتلَه عُبَادُ بن عامِرِ التّغْلبيُّ.
أَغَار الهُذَيلُ بن هُبَيْرَةَ التَّغلبيُّ على بني أَسَدِ بن خُزَيمةَ، يومَ عاقِلٍ، ومع بني أَسَدٍ يومئذ طَوَائفُ من بَنِي كِنَانَةَ بنِ خُزَيمةَ فلَمَّا الْتَقى القوْمُ حملَ عُبادُ بن عامرٍ أَخو بني الدِّيلِ بن زيد بن عمْروٍ على قَيْس بن جابِر، وكان فارِسَ بني كاهِلٍ، فصَرعَهُ، ونادى الحارِثُ بنُ وَرْقاءَ الأَسدِيُّ: يالَ أَسَدٍ، ونادى الهُذَيلُ: يالَ تَغْلِبَ، واشتدَّ الأَمْرُ بين الحَيَّينِ، وقُتِلَ من بني الصَّيْداءِ وَائلُ بنُ الحارِثِ، وفَقْعَسُ بن عرِينةَ، ومن بني كاهِلٍ عَمْرُو بن زَيْدٍ، وسُفْيانُ بن الأَزْرقِ، في جماعَةٍ كثيرَةٍ، وأُصِيبَ نِسَاءٌ من بني غَاضِرَةَ وبني الصَّيْداءِ، وحَمَى القَوْمُ بَني كاهِلٍ حتى حجَزَ اللَّيْلُ بينهم، وعُبَادٌ يَكُرُّ عليهم في سَوَادِ الليلِ ويقول:
نحنُ بني زَيْدِ بنِ عمْرٍو في الذُّرَا
لا نَطْعُنُ الطَّعْنةَ إِلاَّ في الكُلَى
طَعْناً دِرَاكاً بعْدَهُ ضَرْبُ الطُّلَى
نِعْمَ حُماةُ القَوْمِ نَحْنُ في الوَغَى
وانصرفتْ تَغْلبُ، وقال الهُذَيلُ:
أَلمْ يَأْتِ أَحْيَاءَ الأَرَاقِمِ أَنَّنَاوَطِئْنَا قُعَيْناً وَطْأَةَ المُتَشَاقِلِ
وحيّ بَنِي الصَّيْداءِ نِلْنَا حَرِيمَهم ... غَدَاةَ التَقَيْنَا يومَ بُقْعَةِ عاقِل
ولَمَّا تَنَادَوْا دَعْوةً أَسَديّةً ... وعَمُّوا بها مِنْ دُونِ تلْك القَبَائلِ
ونَادَيْتُ في حيِّ الأَرَاقمِ دَعْوَة ... أَجَابتْ عَلَيْهمْ كُلّ جِنِّ وخَابِل
فأَجْلَوْا لَنَا عنْ مَالِكٍ وابْنِ فَقْعَسٍوقَيْسٍ وعَمْرٍو والفَتَى النَّجْدِ وَائلِ
ومِن أُسْرةِ المَهْزُولِ قَتْلَى كَثِيرَةٌ ... تَخَألُهُمُ في الهيْج أُسْدَ الغَيَاطِلِ
وأَسْرَى تَهَادَى في القِيَادِ ونِسْوَةٌ ... قُعَيْنِيَّةٌ مثْلُ الظِّباءِ الخَوَاذِلِ
وقالت ابنةُ قَيْس بن جابرٍ تَرثيِ أَباهَا وقَومَها:
تَطَاوَلَ لَيْلِي للهُمومِ الحَوَاضِرِ ... وشَيَّبَ رأْسِي يَوْمُ قَيْسِ بنِ جَابرِ
فإِنْ تَكُنِ الأَحْدَاثُ أَوْدَتْ بِفَارِسٍعَظِيمِ المِسَاعِي في السِّنِينَ الغَوَابِرِ
فقد عَلمَتْ أَحْيَاءُ زَيْدٍ وكَأهِلٍ ... وعَمْرٍو ووَدَّانٍ قَبِيلَ الغَوَاضِرِ
بأَنَّ أَبِي قَدْ كانَ فَارِسَ قَوْمِه ... به تَتّقِي حَدَّ الرِّمَاحِ الشَّوَاجِرِ
فلا يَهْنِئنْ حَيَّ الأَرَاقمِ فَقْدُهُ ... فكلُّ امْرِئٍ رَهْنٌ لِرَيْبِ المَقَادِرِ
؟ يَومُ غَبْغَب
وهو يومٌ لبني مُعاوية بن عمرٍو، على بني فَزارة خرجَ الأَخنَسُ بن شِهَابٍ فِي خَيلٍ من بني تَغلِبَ، فأَغار علَى بني فَزَارَة يومَ غَبْغَب، فاقتتَلُوا قِتَالاً شديداً وحمَلَ الأَخْنَسُ على حُذَيفةَ بنِ بَدْرٍ فطَعنَه فأَرْداهُ عن فَرَسه وتَنادَتْ فَزَارةُ فخَلَّصَتْه من المعرَكة، وصَبَروا حتى كثُر القتلُ بين الفريقَيْن، ثمّ انْهَزمت فَزَارةُ، وقُتِل منهم سَمْحُ بن عَمْروٍ الفَزَاريُّ، ومُرّةُ بن لَوْذانَ، والأَشهَبُ بن وَبْرةَ، وعمْرُو بن مُسْهِرٍ، وقُرّةُ بن عبد الله ومازِنُ بن نِيَارٍ، ومُرَّة بن ظالم، في قَتلَى كثيرةٍ، وأَصابوا سَبْياً ونَعماً.
فقالَ الأَخْنَسُ بن شِهَابٍ:
صَبحْنَا فَزَارةَ قَبْلَ الشُرُوقِ ... بشُمِّ العَرَانينِ مِن تَغْلِبِ
بكُلِّ فتًى غَيْر رِعْدِيدةٍ ... يُرَوِّي السِّنانَ إلى الثَّعْلَب
علَى كُلِّ جَرْدَاءَ سُرْحُوبةٍ ... وأَجْرَدَ ذي ميْعةٍ سَلْهَبِ
فلَمَّا رَأَوْها تُثِيرُ العَجَاجَ ... خَوَارِجَ مِنْ جانِبَيْ غَبْغَبِ
تَنَادى حُذَيْفَةُ في قَوْمهِ ... ونَوَّهَ بالأَقْرَبِ الأَقْرَبِ
فأَطْعُنُه فهَوَى لِلْجَبِينِ ... وحَصَّنَه آجِلٌ مُرْبَب
стр. 44
وأَقْشَعَتِ الحَرْبُ عنْ مازِنٍ ... وسَمْحٍ ومُرَّةَ والأَشْهَب
وعمْرٍو وقُرَّةَ في عُصْبةٍ ... مَقَاحِيمَ في حَرْبِهِمْ شُغَّبِ
وأُبْنَا بكُلّ فَزَارِِيَّةٍ ... مُهَفْهَفَةِ الكَشْحِ كالرَّبْرَبِ
وأُبْنَا بقَرْنٍ لَنا نَاطِحٍ ... وآبُوا بقرْنٍ لَهُمْ أَعْضَبِ
يومُ أَقْطانِ سَاجرٍ
وهو يومٌ لبني ثَعْلَبة بن بَكر على بني تَغلِب كان من أَمْر هذا اليوم أَنّ كَثِيفَ بن حّيي بن الحارث بن زُهيْر بن جُشَم بن بكْرٍ، أَغارَ على بكْر بن وَائل، في خَيْلٍ من بني تغلِبَ فقتَل وأَسَرو ... سَبْياً ونَعَماً، ولحِقَهُ مالكُ بن الصّامتِ، واسمُهُ زيدُ بن عَوْفِ بن عامرِ بن ذُهْل بن ثَعلبةَ، وأُمُّه كُومَةُ بنتُ ضَلِيعٍ، وبها كَأن يُنْسَبُ، وعَمْرو بن الزّبَّانِ في خيلٍ من بَكر، فاقتتَلَوا قِتَالاً شَدِيداً، وأُسِر كَثِيفُ بن حييّ، أَسرَهُ مالك وعمرٌو فقال مالكٌ: أَسِيرِي وقال عَمرُو أَسِيرِي، وتَلاحَيَا، وكانَ مالكٌ حليماً، وعَمرو بن الزّبان سفيهاً، فحَكَّما كَثِيفاً في ذلك، فقال كَثِيفٌ: لولا مالِكٌ لأُلْفِيتُ في أَهلي، ولولا عَمرٌو لم أُوسَر. فغضبَ عمرٌو فرفعَ يدَهُ فلطَمَ وَجْهَ كَثِيفٍ، فغَضِبَ مالك وقال: أَتلطِمُ وَجْهَ أَسيرِي؟ فاشترَى مالكٌ نَصِيبَ عَمْرٍو بمائةٍ من الإِبلِ وأَعتَقَهُ للَطْمَةِ عَمروٍ إِيّاه. فقال كَثِيفٌ: يا مالكُ، أَما ودِينِ آبائك لا أُحِلُّ حَلاَلاً ولا أُحرِّم حَارماً، ولا يَمسُّ رأْسي غِسْلٌ، حتى أُدرِكَ ما صنَعَ بي عمرٌو، وأَمّا أَنتَ فقد استَوجَبْتَ المِنّةَ عليَّ. وقال كَثِيفٌ:
حَلَفْتُ بما لَبَّي له كُلُّ مُحْرٍمٍ ... له لِمّةٌ حُفَّتْ من الشَعرِ الجَثْلِ
يَمِيناً أَرَى مِنْ آلِ زَبَّانِ وَاتِراً ... ليَطْلُبَ منّي دُونَ قَاطِعةِ الحَبْلِ
جَزَاءً بما أَسْدَى إِليَّ أَخوهمُ ... ليعْلَمَ أَنّ الحِلْمَ أَدْنَى من الجَهْلِ
وأَجْزِي بمَا أَسْدَى من الخَيْرِ مالِكاًأُكَافِي ذَوِي الأَحْسابِ والفَضْلِ بالفَضْلِ
فمكثَ كَثيفٌ بعد ذلك قليلاً، وخَرَجَ بنو زَبّانَ، وهم سِتَّةُ نفَرٍ، وفيهم عَمْرو بن الزَّبّان، في طَلَب إِبل لهُمْ نَدَّتْ، فوجدوها ونُتجوا ناقَةً ونَحروا وَلدَهَا، فبَيْنا هُم يَأْكُلُون إِذ بَصُرَ بهم رجلٌ من غُفَيْلَة ابنِ قاسِطٍ يقال له خَوْتَعةُ، فانطلَقَ حتَّى عرَّفَ كَثِيفاً موضعَهم، فركِبَ لوَقتِه في أَربعين فارساً، حتى أتاهم فأخذهم أخذاً، فعلم عمرُو بن الزَّبّان أَن كَثيفاً إِيّاه يُرِيدُ، قال كَثِيفٌ: يا عَمْرُو أَتذكُرُ لَطْمَتِي؟ قالَ: نعمْ، ولا خَدّ بَكْرِيٍّ هو أَفْضَلُ من خَدِّي، فدُونك فاقْتَدْ مِن عمّك، وإِن شِئتَ من أَخَوَيَّ. فقال كثيفٌ: بل أَنا قاتِلُك، فقال: لا تَبْدُ بالبَغْي، وخُذِ الحقَّ ولك فِدَاؤُنَا، قال: بل أَقتلُهم معك، قال: إِذَنْ يطْلبُك مَن هو أَشدُّ عليك منّي وأَطلَبُ بثأَرِه، وأَطْوَعُ في قَومه، قال كَثِيفٌ: " ذاك ما ذاك " فذهبت مثَلاً، ثم إنه قتلَهم، وجعل رؤوسهم في غِرَارةٍ علَّقَها في عُنُق الدُّهَيْم ناقَة لعَمْرِو بن الزّبَّان، وفيها يقول العربُ " أَشْاَمُ من الدُّهَيْم " مثلاً و " أَثْقَلُ من حَمْلِ الدُهَيْم ".
وقال الأَعرجُ الطائيّ يتَمَثَّلُ بالدُّهَيم:
يقُودهُمُ سَعْدٌ إِلى بَيْتِ أُمِّه ... ألاَ إِنّما يُزْجي الدُّهَيْمَ ومَا يَدْرِي
стр. 45
وإِنّ راعِياً للزَّبّان نَظَرَ في آخرِ اللَّيْل وهو يُوقِدُ ناراً إلى الدُّهيْم بارِكةً في عُرْضِ الإِبلِ، فقال: هذه واللهِ ناقةُ عَمْروٍ، قال له الزّبّانُ: انْظُرْ ما علَيْهَا، قال: أُرَاهُ بَيْضَ النّعام أَصَابَهُ بَنُوكَ فبعَثوا به، قال: انْظُرْ وَيلكَ عمّا يُفْرِخُ البيْضُ، فنَظَرَ فإذا الرُؤوسُ، فنادى بالوَيْل، وثَار الزَّبّانُ مذْعوراً، فلمّا نَظَر إلى الرُؤوس قال: " آخِرُ البزّ على القَلُوص " فذهبت مثلاً، ثم وضع الرؤوس بين يديه، وصرخَ: يالَ ثَعلبَةَ، يالَ بَكرِ بن وائِلٍ، فهاجَ النّاسُ إِليه من كُلِّ جانبِ، ومَكَثُوا حيناً لا يَعْرفُون من قتَلَهم، وإِنّ عَمْرو بن لأْي بن الحارث ابن موْأَلَة بن عَمْرو بن مالك بن تَيمِ اللهِ بن ثعلبةَ أَنشَدهم الناسَ، وذكَر أَمرَهم، فعُرِّفَ أَنّ خَوْتعةَ الغُفَلِيّ دَلّ علَيْهم كَثِيفاً فقَتلَهم، فعَرَّفَ الزّبّانَ فحلَفَ أَلاَ تَخْبُوَ لَهُ نارٌ، ولا يقْرُبَ النِّساءَ، ولا يُحَرِّم دَمَ غُفَلِيٍّ أَبداً حتّى يَدلُّوه على عَدوّه كما دلُّوا على بَنِيه ويُدرِك ثأْرَه من بني تغلِبَ، فنادَى في بكرٍ فأَجَابَتْه بنو ثَعْلَبة، وخذَلتْه لُجَيْمٌ وَيْشكُرُ وحُلفَاءُ كانُوا له من عَنَزَةَ ويَشْكُرَ.
٢٥٠ - فقال الزّبّانُ في ذلك:
أَبَنِي لُجَيمٍ منْ يُرَجَّى بعْدَكمْ ... والحيُّ قد حُرِبُوا وقد سُفِك الدَّمُ
ولَعَمْرُ وُدّي لَوْ جَمَحْنَ عَلَيْكم ... جَمْحَ اللُّيُوثِ لما قَعَدْنَا عَنْكُمْ
دَعْ عَنْك يَشْكُرَ إِذْ نَأَتْك بوُدّهَا ... فلَقَدْ بدا لي أَنَّهُم لمْ يأْلَمُوا
مَنْ مُبْلِغٌ عَنّي الأَفاكِلَ مالِكاً ... وبنِي قُدَارٍ أَنَّ حِلْفِي الأَعْظَمُ
وقال في مالك بن كُومَةَ:
بَلِّغَا مالكَِ بنَ كُومةَ أَلاّ ... يَأْتِي الَّليْلُ دُونَه والنَّهَارُ
كُلَّ شيءٍ سِوَى دِمَاءِ بني ذُهْ ... لٍ عَلَيْنَا يَوْمَ اللِّقَاءِ جُبَارُ
أَنَسِيتمْ قَتْلَي كَثِيفٍ وأَنْتُمْ ... ببِلادٍ بِهَا يَكُونُ العشَارُ
إِنّنِي قدْ أَتَتْ إِليَّ قَلُوصِي ... بأُمورٍ يَطِيحُ فيها الكِبارُ
عُضْلَة تَحْمِلُ الدَهِيَّ مِنَ الأَمْ ... رِ وفيها تَشَدُّدٌ ونِفَارُ
قَتَلُوا سِتَّةً بغَيْر قَتِيلٍ ... مُّلِكَ الذُّلُّ بعْدهُمْ والصَّغارُ
إِن نَجتْ نَجْوَةً بتَغلِبَ أَو نَجَّ ... تْ علَى نَأْيِها غُفَيلةَ دارُ
قبْلَ أَن نَثْأَرَ القتِيلَ بقَتْلَي ... بعْدَ قَتْلَى وتُنْقَضَ الأَوْتَارُ
فلَقدْ نَالَنَا بِذلك عارٌ ... وكَفَانَا بِذِي الرَّزِيَّةِ عارُ
ولما رجع كَثِيفٌ إلى بني تَغلِب وقد قتَلَ بني الزّبان، قال السُّفاحُ بن خالد بن كعب بن زُهَير:
أَلاَ يا للظَّعَائنِ لوْ سَريْنَا ... لَعلّ الخَيْلَ يقْضِيهنّ دَيْنَا
فلَمّا أَنْ أَتَيْنَ على ثَمِيلٍ ... تَأَزَّرْنَ المَجَاسِدَ وارْتدَيْنَا
أَلاَ من مُبْلِغٌ عَمْرو بنَ لأْيٍ ... بأَنّ بَنَانَ وِلدتِهِ لَديْنَا
فلَم نَقْتُلْهُمُ بدَمٍ ولكِنْ ... هَوانُهُمُ ولُومُهمُ علَيْنَا
ومَكَث الزبّانُ عَشْر سِنين ما أَدَركَ ببَنِيْه، ثم إِنْ رجُلاً من غُفَيْلَة، يقال له: وَقْشٌ، أَتى الزبّانَ ليْلاً، فعرّفه أَن قوماً من أَعدائِه بالأَقَاطن فقال الزَّبان: قدْ أَنَى لك، ونادَى يالَ بَكر، فاجْتمعت إِلَيْه بن ثَعلَبة، فالمُقَلِّلُ يقول إِنهم كانوا ثلاثمائة وستين فارِساً، وسَارُوا وأَوَثقَ الزَّبانُ وَقْشاً، وحَبَسه عند أَهلِه، فلما دَنَوٍْا الأَبْيَاتِ وَجَّهَ الزَبّانُ مَن حَزَرها ليلاً، فعَرَّفَه أَنّها نَحْو الثمانين بيتاً، فكبَسهم، فقتَل منهم ثَلاَثة عشر رَجلاً، وقُتِل أَبو مُحيَّاةَ بن زهير بنُ تَيم بن أُسامة، واسمُهُ ضِرارٌ وهو عَمُّ السّفاح.
وقال عَمْرو بن لأْيٍ:
ألا مَن مُبلِغُ السفّاحِ أَنّا ... قَتَلْنَا من زُهيرٍ ما ابْتَغَيْنَا
стр. 46
قَتَلْنَا مالكاً وأَخاه عَمْراً ... وحَيَّ بني أُسَامَة واشْتَفَيْنَا
وأَنا لَن يُقَوِّمَنا ثِقَافٌ ... ولا ضَرْبٌ إِذا نحْنُ الْتقَيْنَا
قَتَلْنَاكُمْ بقَتْلاَنا وزِدْنَا ... ورأْس أَبِي مُحَيّاةَ اخْتَلَيْنَا
فقالت بنو تَغلِب للسّفاح أَجِبْ عَمْراً فقال: لا، أَو تَفْعلوا كما فعَلَ القومُ.
يَومُ بَطْنِ حُنَين
وهو يومٌ لبني تغلِب على بني ثَعْلَبة ثم إِنّ السّفاحَ بن خالدٍ رَحَل ببني مالكٍ بن بَكْرٍ خاصّةً، فأَتْبعتْهم بنو جُشَم، مَخافةَ الانفرادِ، فصارَتْ منازِلُهم ممّا يلِي الجزِيرة ونَواحِي الخابور، وهي اليومَ مَنَازلُ جُشَم، فظنَّتْ بكرُ بن وائل أَنّ بني تغلب رحلت هاربةً منهُم، فأَمِنُوا وقالَوا: لا تَرْجع تَغلِبُ إِلى عِزِّهَا أو يَرجِعَ إلِيها كُلَيبٌ، ولما رجعَ الزَّبّانُ وقد أَدرَكَ ثأَ ْرَه أَطْلق وَقْشاً الغُفَلِيّ، وكَساهُ وسَرَّحَه، وانْضافَ إليه جَماعةٌ من الغُفَلِيّين، فساروا يُرِيدون أَهالِيَهم، وتَهَيَّأ مَسِيرُ السَّفَّاح يُريد بكر بن وائل، فهَجَم ليلاً على الزَوْرَاءِ، وهي عَيْنٌ بوَادِي السَّماوَةِ، فوَجَد وَقْشاً والرًَّكْبَ، فَأَخَذَهم وقال: هذا أَوّلُ الظَّفَرِ، هؤلاء أَحبُّ إِلَيّ من ظَفَرِي ببني ثَعْلَبَة بن عُكَابَةَ، فقتلَهُم، وسارَ حتَّى إِذا كان من بكرٍ على منزلٍ قال: مَن يَعْرِف لَنا خَبَر القَوْمِ؟ ولا يَخْرُجُ إِلاَّ مُجِيدٌ نَجُدٌ. فقال عَنْزُ بن الخُنَابِس بن سَعد بن كِنانَةَ بن تَيْم: أَنا قالَ عنْزٌ: فانطَلَقْتُ، فلمّا فَقَدْتُ أَصْواتَ الخَيْلِ والنّاسِ والإِبلِ نِمْتُ على فَرَسي، فما استَيْقَظْتُ إلاّ والفَرَسُ قائمٌ يَشرَبُ من بَعض مَقَارِي القَوم، فاستَيقَظتُ، وجَعلْتُ أَرُدُّ فَرَسي إِلى وَرائِه، فسمِعتُ جارِيَةً من الحيّ تقول لأَبِيهَا: يا أَبتِ، تَمْشِي الخَيْلُ على أَعقابِهَا؟ فقال لها: سَيْرَ فتاةٍ قدْ كَلَّتِ اللَّيْل فاستَحْيَت وأَدخَلت رأْسَها في لِحَافها، قال وَحزَرْتُ البُيُوتَ، فإِذَا هي نَيِّفٌ وسِتّون بيتاً.
ورَجَعَ إلى السَّفّاح فأَخبرَه ولَمّا قَرُبَ السَّفَّاحُ ومن معه من فُرْسَان بني تَغْلِبَ من البُيوت، عند طُلوع الفَجر، سَمِعَ غلاماً يَمْتَحُ دَلْواً ليَسْقِيَ نَعَمهُ، وهو يُنادِي برَفيقٍ له: أَوْرِدْهُنّ يا عَوْفُ. فقال السَّفاحُ: لَبَّيْك لبَّيْك، وصَبَّ عليهم الخَيْلَ، فلم يَنْهَضِ القَوْمُ حتى واسَطَهم البُيُوتَ، فقتلَ منهم ثمانيةً وخمسين رجلاً، وأَفلَتَ نَفرٌ في سَوادِ اللَّيْل، وأَخذَ رُؤْوسَهم على الإِبل، وقالت بنو تَغلِبَ للسفّاح: أَجِب الآنَ عَمْرَو بن لأْيٍ، فقال: أَمَّا اليوْمَ فنَعمْ، وقال
جَلبنَا الخيلَ من قَنَوَيْنِ قُبّاً ... فأَوْرَدْنَا نَوَاحِيَهَا حُنَيْنَا
ولَمّا صَاحَ صَائحُهمْ جِهَاراً ... أَلاَ يا عَوْفُ أَوْرِدْها عَلَيْنَا
فلَبَّيْتُ الصَّرِيخَ ولمْ يَرَوْنَا ... ولا حَسُّوا بنا حَتَّى اعْتَلَيْنَا
فنِلْتُ الثَّأْرَ واسْتَضْعَفْتُ منهمْ ... مِنَ القَتْلَى بما أَسْدَوْا إِلَيْنَا
ومِنْ حَيَّيْ غُفَيْلَةَ قَدْ شَفَيْنَا ... نُفُوسَ بَني أَبِينَا واشْتَفَيْنا
أَلاَ يَا آلَ ثَعْلَبَة بنِ ذُهْلٍ ... أَجُرْنَا في العِقاب أَم اهْتَدَيْنَا
وقال عَمْرُو بن لأْيِ بن الحارث بن مَوْأَلَةَ بنِ عامرِ بن مالكِ بن تَيمِ الله بن ثَعْلَبَةَ بن عُكَابةَ بن صَعْبِ بن عليّ بن بكر بن وائلٍ:
لعَمرِي لئِنْ سَفّاحُ تَغلِبَ نَالَنَا ... ببَطْنِ حُنَيْنٍ دُونَ تِلْكَ القَبَائلِ
وصَبَّحَ ذُهْلاً دُونَ بَكْرِ بنِ وَائلٍ ... من المَوْتِ كَأْساً بالرِّماحِ العَوَاسِلِ
لقَدْ رُعْتُه يَوماً بأَقْطَانِ سَاجِرٍ ... علَى كُلِّ وَرْهَاءٍ من الخَيْلِ خَابِلِ
عَلَيْهَا حُمَاةُ الخَيْلِ كُلُّ مرَزَّإِ ... طَوِيل نِجَادِ السَّيْفِ مِن آلِ وَائِلِ
стр. 47
وظَلَّ لهُم يَومٌ بمُخْتلِفِ القَنَا ... عَصِيبٌ على ذِي النَّجْدَةِ المُتَبَاسِلِ
وقال السفّاحُ بن خالدٍ لمّا رَجعَ إلى قومه:
وكَتِيبة لَفَّفْتُهَا بكَتِيبةٍ ... شَهْبَاءَ باسِلةٍ يُخَافُ رَدَاهَا
خَرْسَاءَ ظاهِرَةِ الأَدَاةِ كأَنّها ... نَارٌ يُشَبُّ سَعِيرُهَا بلَظَاهَا
فيها الكُمَاةُ بَنُو الكُمَاةِ كأَنهُمْ ... والخَيْلُ تَعْثُرُ في الوَغَى بقَنَاهَا
شُهُبٌ بأَيْدِي القَابسِينَ إِذَا بَدتْ ... بأَكُفِّهِمْ بَهَرَ الظَّلامَ سَنَاهَا
مِنْ كُلِّ أَرْوَعَ مَاجِدٍ ذي مِرَّةٍ ... أَنَّى إِذَا لَحِقَتْ خُصىً بكُلاَهَا
وعِصَابَةٍ شُمِّ الأُنُوفِ بَعَثْتُهُمْ ... لَيْلاً وقَدْ مَالَ الكَرَى بطُلاَهَا
فسَرَيْتُ في وَعْثِ الظَّلاَمِ أَقُودُهمْ ... حتَّى رَأَيْتُ الشَّمْسَ زَالَ ضُحَاهَا
وغَشِيتُ قَيْساً في القَلِيبِ غُدَيّةً ... وطَعَنْتُ أَوَّل فارِسٍ أُولاَهَا
وضرَبْتُ في أَبْطَالهِمْ فتَجَدَّلُوا ... وحَمَلْتُ مُهْرى وَسْطَهَا فحَمَاهَا
حَتَّى رَأَيتُ الخَيلَ بَعْدَ سَوَادِهَا ... كُمْتَ الجُلُودِ خُضِبْنَ مِنْ جَرْحَاهَا
يَعْثُرْنَ في عَلَقِ النَّجِيع وتَارَةً ... وَسْطَ العَجَاجِ يَطَأْن مِنْ صَرْعَاهَا
قُلْ لابْنِ لأْيٍ هَلْ ثَأَرْتُ بمَعْشَرِي ... أَمْ هَل مُغَاوَرَةٌ ولا أَغْشَاهَا
للهِ درُّ بني زُهَيْرٍ في الوَغَى ... يَوْمَ الطِّعَانِ إِذَا انْتَمَى قِرْنَاهَا
يومٌ لتَغْلِبَ على هَوَازِنَ
خَرجَ السَّفَّاحُ بن خالِدٍ في خَيْلٍ كَثٍرةٍ من بني تَغلبَ، يُريد الغارةَ على بني تَمِيمٍ، فلما جاوَزَ بُيوتَ الحَيِّ عارَضَهُ راكِبٌ في سَوادِ اللَّيْل، يَتغَنَّى ويقولُ:
هلْ من رَسُولٍ إلى السَّفّاحِ يُخْبِرُه ... أَنَّ القَبِيلَيْنِ مِنْ نَصْرٍ ومن جُشَمِ
سَارُوا إِلى الخَيْفِ أَنْصَاراً لإِخْوَتِهمْ ... فالدّارُ تنْعشُ بالنِّسْوانِ والنَّعَمِ
إِمّا تَنَلْهُمْ بأَمْرٍ كُنْتَ تَأْمُلُهأَو يَسْبِقُوا تَنْهَسِ الكَفَّيْنِ مِنْ نَدَمِ
إِنّي إِذَا ذَكَرَتْ نَفْسِي غَنِيمَتَهمْ ... جَاشتْ إِليَّ ولَيْس الأَمْرُ بالأَمَمِ
لَسْنَا ِإلى جُشَم نَهْدِي رِيَاسَتَها ... يَا بْنَ الكِرَامِ ولاَ عَمْرٍو ولا عُصَم
فقال السفّاحُ: من أَنت؟ قال: رجلٌ من خَثْعَم، كنتُ جاراً لبني جُشَمَ وإِنَّهُم ساروا ليَنْصروا هَوَازنَ على قَوْمِي، فعاهَدْتُ الله أَن أَقُود إِليهم فُرْسانَ تَغلبَ، فكُنْتَ رَئِيسَها وزِمامها، فقال: ما أَرَدْنَا غَيْرَ تميم، وإِنَّ عَهْدَنَا بهَوازِنَ لقَرِيبٌ، ولكنّا مُشَفِّعُوك بحَاجتِك، فسِرْ أَمَامَنَا. فقال عِكَبُّ بن عِكَبِّ بنِ كِنَانةَ بنِ تَيْمٍ: تَثَبَّتْ يا بنَ خالدٍ، لعلَّهَا خَدْعَةٌ، فقال له: عَنَّا يا عمّ، فلعَمْرِي لقَدْ لاقَيتُ جِمَارَ هَوازِنَ في اَقلَّ منِ عَدَدِنَا، فما كانُوا عنْدي إلاّ شَحْمَةَ شَاوٍ، فكيف وأَنتم فُرْسانُ تغْلِبَ وجمْرَتُهَا؟ سِرْ يا خَثعميًّ أَمامَنا، فسارُوا حتّى صبّحوهم على ماءٍ لهم، وقد اجتمَعتْ كَعْبٌ وكِلابٌ ونَصْرٌ وجُشَمُ وغُدَانَةُ مَخَافَةَ الغَارةِ عليهم، ورَئيسُ القَوْم عُمَارَةُ بن مالِكٍ، فاقتتَلوا قتالاً شديداً، وحَمَل عُمَارَةُ على السَّفّاح فطعَنَهُ فصرَعَهُ، ومالَتْ خَيْلُ القوْمِ عليْه، وحامَتْ بنو زُهَير على السَّفَاحِ حتى اسْتنقَذوه، فرَكِبَ فَرسه مُغْضباً، فشَدّ على عُمَارَةَ فاختلَفَا طَعْنَتَيْنِ، فَطعنَه السَّفّاحُ فدقَّ القَنَاةَ فيه، وثَنَّى بالسَّيْف فقَتَله، وتَنَادَى القَوْمُ على دَمِه، فقُتِل منهم خَلْقٌ كثيرٌ، وحمَلَ غَنْمُ بن مالكٍ المُعاوِيّ عبدِ الله بن كَعْبِ بن ضبَابِ بن كِلاَبٍ حتى قًتِل، فانكشَفوا انكشافاً قَبيحاً، وحازَ السفّاحُ ما في الدَّارِ من نَعَمْ، وسَبَى سَبْياً كثيراً.
стр. 48
وقال الخَثعميُّ واسمُه الحارِثُ بن حُبَيْشٍ:
أَلاَ للهِ درُّ بَنِي زُهَيرٍ ... إذَا السَّفَّاحُ يَهْتَبِلُ المُغارَا
عَلى عُلْيَا هَوازِنَ مِن كِلاَبٍ ... ومِنْ كَعْبٍ ومَنْ حَلَّ الإِزَارَا
سمَا بالخيْلِ يَقْدُمُها عَتُوداً ... كتَيْسِ الرَّبْلِ يدَّرِعُ الغُبَارَا
إلى أَنْ صَبَّحتْ لِقُرَابِ شَهْرٍ ... وقدْ صارَ الهِلاَلً لَها سِرَارا
قبَائلَ مِن هَوَازنَ ناظِرَاتٍ ... مَتى السَّفّاحُ يصْبحُها دَمَارَا
بأَبنَاءِ الحَوَاصِنِ من زُهَيرٍ ... فَوَارسَ لا يَرَوْنَ القَتْلَ عارَا
فَلمَّا جالَتِ الفُرْسَانُ تَدْعُو ... رَمَى السَّفّاحُ كَبْشَهُمُ عُمَارَا
بأَسْمَرَ لا يَزَالُ له قتِيلٌ ... فغَادرَهُ يَمُجُّ دَماً ونَارَا
ودَارَتْ بَيْنَهُمْ رَحَيَا مُدِيرٍ ... تُرَوِّي مِنْهُمُ الأَسَلَ الحِرَارَا
وقال السّفَاحُ في قَتْلِهِ عُمارَةَ بنِ مالِكٍ ومُحاماةِ بني زُهَير علَيْه.
لقد حامَتْ عليَّ بَنُو زُهيْرٍ ... ببِيضِ الهِنْدِ والأَسَلِ الحِرَارِ
غَدَاةَ عُمَارَةُ الجُشَميُّ يَسْمُو ... سُمُوَّ الفَحْلِ في ضَبَعِ البكَارِ
علَى قبَّاءَ تَخْفِقُ أَيْطَلاَهَا ... سنُون المَتْنِ كالمَسَدِ المُغَارِ
فيَطْعُنُنِي وأَطْعُنُه خِلاَساً ... كخَطْفِ الصَّقْرِ أَعْشَاشَ القِفَارِ
مَلِيّاً ثُمَّ أَضْربُهُ بعَضْبٍ ... تُطِيرُ ظُبَاتُهُ لَهَبَ الشَّرارِ
فخَرَّ لِوَجْهِهِ يَكبُو صَرِيعاً ... كأَنَّ شؤُونَها فِلَقُ النُّجارِ
ولما رَجعَ أَقبلَ عليه بعضُ نسائه تلُومُه على كَثْرَة غزَواتِهِ ومُبَاشَرة الحَرْب بنَفْسه، فقال:
تَقُولُ ابنَةُ العَمْرٍيِّ مَالَكَ لا نَرَىلك الدَّهْرَ إِلاَّ هَمَّ حَرْبٍ تَسَعَّرُ
عَتَادُك منها لأْمَةٌ تُبَّعِيَّةٌ ... وأَبْيَضُ من مَاءِ الحَدِيدِ ومِغْفَرُ
وأَسمَرُ خَطِّيٌّ كأَنّ كُعُوبَه ... نَوَى القَسْبِ فيه كالذُّبَالةِ يَزْهَرُ
وأَجْرَدُ مِثْلُ القِدْحِ جَأْبٌ كأَنَّه ... ظَلِيمٌ بأَعْلَى الرَّقْمتَينِ مُنَفَّرُ
فقُلْتُ لها لا الغَزْوُ يُدْنِي مَنِيّةً ... ولَنْ يَدْفعَ الإِشْفَاقُ ما كُنْتُ أَحْذَرُ
وإِنَّكِ لو أَبْصَرْتِني يوْمَ صَبَّحْتْ ... هَوَازِنَ أَمْثَالُ السَّرَاحِينِ ضُمَّرُ
أُعَرِّضُهَا للطَّعْنِ في كُلّ غَمْرةٍ ... فتَسلَمُ أَحْيَاناً وحِيناً تُعَفَّرُ
عَلَيْهَا الأُلَى مِنْ تَغْلبَ ابْنةِ وَائِلٍلهُمْ في قَدِيمِ المَجْدِ مَبْدًى ومَحْضَرُ
لأَيقَنْتِ أَنّي فَارِسُ الخَيْلِ والَّذِي ... إِليه العَوَالِي والصَّفِيحُ المُذَكَّرُ
كيَوْمَيَّ في حيَّيْ فُقَيْمٍ ونَهْشَل ... ولا مِثْلَ ما لاَقى الضِّبَابُ وجَعْفَرُ
فصَبَّحْتُهم قَبْلَ الشُّرُوقِ بِغارَةٍ ... مُذَرَّبةٍ فيها القَنَا والسَّنَوَّرُ
وغُودِرَ عبْدُ الله في النَّقْع ثَاوِياً ... عليه ذِئَابٌ ضَارِيَاتٌ وأَنْسُرُ
علَى وَجْهه يَدْعُو فَوَارِسَ قَوْمِهِ ... فلَمْ يَأْوِ إلاّ فارسُ القوْمِ مَعْمَرُ
فطَاعَنَنا صَدْرَ النَّهَارِ كأَنَّه ... ضُبَارمَةٌ يَحْمِي العَرِينَ غَضَنْفَرُ
فَمَا رامَ حَتّى بُلّ جَيْبُ قَمِيصهِ ... بمَلاّسةٍ تَنْفِي السِّدَادَ وتَفْغُرُ
وقال غَنْمُ بن مالكٍ في قَتْله عبْدَ الله:
ولمَّا رَأَوْني في الكَتيبة مُعْلِماً ... تَنَادَوْا وقالُوا ذَاكَ غَنْمُ بنُ مَالِكِ
وأَسْمُو لعَبْد الله والنَّقْعُ سَاطعٌ ... علَى ظَهْرِ مَوَّارِ العِنَانِ مُوَاشِكِ
فلاَقَيْتُه والخَيْلُ بَيني وبينَه ... بأَزْرَقَ مَخْشِيِّ الوَقِيعةِ بَاتِكِ
стр. 49
فَغَادَرْتُه يَكْبُو على حُرِّ وَجْهِهِ ... تُثِير عَلَيه نَقْعَها بالسَّنَابِكِ
يُنَادِي بأَعْلَى الصَّوْت يا آلَ عَامرٍوقَدْ أَدْبَرَتْ فِعْلَ الإِمَاءِ الفَوَارِكِ
بابٌ
في الخيل وصِفاتها و أَنسابها وشِيَاتِها
أنسَابُهَا
كانَ سُلَيْمَانُ بنُ دَاوُودَ ﵉ مُعْجَباً بالخَيْل وكانَ له أَلْفُ فَرَسٍ وَرِثَهَا عن أَبيهِ، فعُرِضَ يَوْماً عليه منها تِسْعُمِائَة فَرسٍ، ليس فيها إِلاَّ سابِقٌ رائعٌ، فشَغَلَتْهُ عن الصَّلاة، وقد فاتَتْهُ، فدعا رَبَّه، فرَدَّ عليه وَقْتَهُ، فصَلَّى ثمّ فكَّرَ فقال: بئْس المالُ مالٌ شَغَلَنٍ عن ذِكْر رَبِّي، رُدّوهَا علَيَّ فضُرِبتْ سُوقُهَا ورِقَابُهَا بالسُّيُوف، كما قال الله سُوقُهَا ورِقَابُها بالسُّيُوف، كما قال الله : " فطَفقَ مَسْحاً بالسُّوقِ والأَعْنَاقِ " وبَقِي في خَزائنه مائَةُ فَرَسٍ لم تَكُن عُرضَتْ عليْه، فقال: هذِه المائةُ أَحَبُّ إِليَّ من تلْكَ التِّسْعمائَةِ التي فَتَنَتْني عن ذِكْر رَبِّي، ولي في هذِهِ المِائَةِ ما أَقْضِي به لَذّتي ومآربي، فأَمْسَكَها، ثم إِنّ وَفْداً من أَهْلِ مصرَ قَدموا عليه فلمّا قَضَوا حاجاتِهم وَدَّعوه وقالوا: يا نَبيَّ الله، بلادُنا شاسِعَةٌ، ونحن سَفْرٌ مُمْلِقون، فزَوِّدْنا زَاداً يُبَلَّغنا. فدَعَا بفَرسٍ من تِلْك المِائَة، فأَعْطَاهم إِيّاه، وقال: هذا زادُكم، إِذا نَزَلْتم مَنزِلاً أَو حَلَلْتم بَلَداً فاحْمِلوا عليه بَعضَكُم، فإِنّه مُصِيبٌ لكُمْ من الوَحْش ما يكُفِيكُم ويُبَلِّغكم.
فجَعَلوا لا يَنزلون أَرْضاً إلاّ حَملَوا بعْضَهم عليه، فلا يُخْطِئُهم حِمارُ وَحْشٍ، ولا هِقلُ نَعامٍ أَو ظَبيٌ، كأَنَّه في أَيدِيهم، فقالوا: واللهِ ما لِفَرسنا هذا اسْمٌ إِلاّ زَادُ الرَّكْب، ما لَنَا زَادٌ غَيْرُهُ فسَمَّوه زَادَ الرَّكْبِ، ومنه أَصْلُ هذِه الخَيْل فلمّا قَدِمُوا بَلَدهم سَمِعتِ العَربُ، فأَتَوْهم بخَيْلهم، فسأَلوهم عَسْبَةُ، لنَجَابَتِهِ، ويُقال إِنْ هؤلاءِ القومَ الذين أَتَوا سليمان ﵇ من الأَزْدِ، فذَكَروا أن أَولَ فَرَسٍ انْتَشَر في العَرب بَعْدً من نِتَاجِ هذا الفَرَسِ لبنِي تَغْلبَ، يُقال له الدِّينَاريّ بن الهُجَيْسي، وكانَ أَجْودَ فَرسٍ كان للعرب، وكان أَعْوَجُ من نِتَاجِه، وكان لبني عامِرٍ، فأَغارت علَيهم بَهْرَاءُ، فأَصابوهم خُلُوفاً، قد غَزَوْا أَوفِى رعْيٍ، فأَصَابوا الفَرَسَ وهو مهْزولٌ أَعجَفُ ضَئِيلُ الجِسْم، إِذا مَشَى تَلَوَّى هُزَالاً فقال بهْرَاءُ: بئْس الفَرَسُ هذا، فخَرجَ أَجْوَدَ ما سُخِّرَ، وكان من نِتَاجِه بَعْدُ لبني تَغْلبَ النُبَاك والحلاّبُ، قال الأَخطل:
نَكُرُّ بناتِ حَلاّبٍ عَلَيْهمْ ... ونَزْجُرُهنّ بَيْنَ هَلاَ وهَابِ
وكان من نِتَاجه لبني يَرْبوعٍ ذو العُقَّال، وكان لبني أَسدٍ العَسْجَدِيّ ولاَحِقٌ وراعِقٌ والوَجِيهُ من نِتَاجه، قال النابِغَة:
فيهم بناتُ العَسْجَدِيّ ولاَحِقٍ ... وُرْقاً مَراكِلُها من المِضْمارِ
وكان لبني ثَعلَبَة بن سَعْد بن ذُبْيانَ التَّدْمُرِيُّ، فانتشرَ في العرب نَسْلُ زاد الرَّكْبِ.
هذِه رِوايةُ أَبيس عُبيْدة وقال الأَصمعيّ: الوَجِيهُ ولاحِق والغُرَاب ومُذْهَبٌ ومَكتومٌ وسَبَلُ وهي أُمُّ اَعْوَجَ، كانت لغَنِيٍّ، قال: وأَعَوْجُ لبني آكِلِ المُرَارِ، ثمّ صار لبني هِلاَل بنِ عَمْروٍ، قال طُفَيل الغَنَوِيُّ:
دِقَاقاً كأَمْثَالِ السَّرَاحِينِ ضُمَّراً ... ذَخَائرَ مَا أَبْقَى الغُرَابُ وَمُذْهَبُ
أَبُوها ومَكْتُومٌ وأَعْوَجُ سُلِّلَتْ ... وِراداً وحُوّاً ليسَ فيهِنّ مُغْرَبُ
وجِرْوَةُ الأصفَرُ لشدّاد بن عمروٍ أَبي عَنْترة، ومَيّاسٌ وهدّاجٌ لبَاهِلَة لبَنِي أَعْيَا، قالت ابنَةُ الدَّيَّانِ الحَارثيّةُ:
شَقِيقٌ وحَرِّيٌّ هَرَاقَا دِمَاءَنَا ... وفارِسُ هَدّاجٍ أَصابَ النَّوَاصِيَا
وقال آخر:
مَنَى لكَ أَنْ تَلْقى ابْنَ هِنْد مَنِيَّةٌ ... وفَارِسَ ميّاسٍ إِذَا مَا تَلَبَّبَا
стр. 50
والكَلْبُ لرجُل من بني عامرٍ أَو غَطَفان، وقُرْزُلٌ لطُفيلٍ أَبي عامرٍ قال، أَوْس.
واللهِ لولا قُرْزُلٌ إِذْ نَجا ... لَكَان مثْوَى خَدِّك الأَحْزَمَا
وذو الخِمَار لمالك بن نُوَيرة والجَوْنُ لأَرقمَ بن نُويرة.
وذاتُ النُّسوع لبِسْطام بن قَيس والنَّعامَةُ للحارث ابن عُبادٍ، ولها يقول:
قَرِّبَا مَرْبَطَ النَّعامَةِ مِنّي ... لَقِحَتْ حَرْبُ وَائلٍ عنْ حِيَالِ
وابنُهَا لبني سَدُوس واسْمُهَا الشَّيِّطُ، وكان للخُزَز بنِ لَوْذَانَ السَّدُوسيِّ وله يقول:
لا تَذكُرى فرَسي وما أَطْعَمْتُهُ ... فيكونُ جِلدُكِ مثْلَ لَوْنِ الأَجْرَبِ
والمُتَمَطِّرُ فرَسُ حيّان بن مُرَّةَ، من نسلِه، وكامِلٌ والزَّبِدُ للحَوفَزَانِ، وحَلاّبٌ وقيْدٌ لبني تغلب ومُخَالِسٌ لبني عُقَيْل، واليَحْموم والدَّفوف للنُّعمان بن المنذِر، والعَصَا لجَذيمة الأَبْرَش، والحَرونُ لمسلم بن عَمرو الباهليّ في الإِسلام والنَّحَّامُ لسُلَيْك بن السُّلَكةِ السَّعْدِيِّ، وفيه يقول السُّلَيْك:
كأَنَّ مَناخِرَ النَّحَّامِ لَمّا ... دَنَا الإِصْبَاحُ كِيرٌ مُسْتَعارُ
وفي بني تَغْلب فَرَسٌ يُقال لهَا العَصَا وفارسُهَا الأَخنسُ بن شِهاب، وكانت له زِيَمٌ، والحَرُونُ هو ابنُ الأَثاثيّ بن الخُزَز بن ذي الصُوفة بن أَعوجَ اشتراهُ مُسلمٌ من أَعرابيِّ بالبصرة بأَلف دينارٍ وكانَ له ابنٌ يُقال له البِطَانُ أَهْداهُ إلى الحَجّاج ووَلَدَ البِطَانُ البطِينَ ووَلَد البَطِينُ الذَّائدَ، وولدَ الذَّائدُ أَشقرَ مَرْوان، فأَصلُ هذه الخُيولِ زادُ الرَّكْب كما ذُكِر.
فَضْلُ الخَيْل
وما كان رسولُ الله صلى اللهُ عليه يسْتحِبُّ منها وأَسماءُ أََفراسِه ﵇
كان أَسماءُ أَفراسِ النبي صلَّى اللهُ عليه اللُحَيفَ واللِّزَازَ والظَّرِبَ وذَا اللِّمَّة والمُرتَجِزَ وأُمَّه الحِمَالَة التي أَفْلتَ عليها عامرُ بن الطُّفَيْل يومَ الرَّقَم، وفيه يقول أَبو شُريح:
نَجوتَ بنَصْلِ السَّيف لا غِمْدَ فَوقهَ ... وسَرْجٍ على ظَهْرِ الحِمالةٍ قاتِرِ
واشتراهُ رسولُ الله صلى اللهُ علَيْه، بشهادة من خُزَيمة، من سواءٍ بمائَتَيْ ناقةٍ ليس فيها حَدَّاءُ ولا زَبّاءُ ولا ذاتُ عَوَر، وكان له صلى اللهُ عليه فرسٌ يقال له السَّكْبُ، وكان لَهُ السِّرحانُ، واسمُ بغلتِه الدُلْدُلُ، وحِمارُه يَعْفورٌ، وسيفه ذو الفَقار، ودِرْعُه ذات الفُضُول، وعِمامتُه السَّحَابُ، ومِخْصَرتُه اليُسْرً، ورَايْتُهُ العُقَابُ، صلى الله عليه وعلى آلِه وسلَّم.
وقال رسُولُ الله صلَّى اللهُ عليه: " الخَيلُ مَعْقُودٌ في نَواصِيها الخَيْرُ إلى يوم القِيامَة، وأَهْلُها مُعَانُونَ علَيها، لهم الأَجْرُ والغَنِيمة ". وقال ﵇: " عليكم بإِناثِ الخيلِ فإِنّ ظُهورَهَا حِرْزٌ، وبُطونَها كَنزٌ " وقال ﵇: " من كان له فَرَسٌ عربيّ فأَكْرَمَهُ أَكرمَهُ اللهُ، وإِنْ أَهانَه أَهانَهُ اللهُ " ورَوَى ابن عبّاس أَن النبي صلى الله عليه كان يَستحِبُّ الشُّقْرَ من الخَيل وقال النبي ﵇: " إِنْ أَعْدَدْتَ فَرَساً فأَعِدَّهُ أَدْهَمَ أَقْرَحَ مُحْجَّلَ الثَّلاثِ مُطْلَقَ اليُمْنَى، فإِنّهَا مَيَامينُ الخَيْلِ، فإِن لم يكن أَدْهمَ فكُمَيتاً، ثُمّ أَغَرّ، تَغْنَم وتَسْلَم إِنْ شاءَ الله ". وقال صلَّى الله عليه: " لو أَنّ خَيْلَ العرب جَمِعَت في صِعيدٍ وَاحدٍ ما سَبقَها إِلاّ الأَشْقَرُ " وكانَ ﵇ يَكرَهُ الشِّكالَ - وهو إِذَا كان التَّحْجِيلُ من خِلاف - والأَرْجَلَ، وعنه ﵇ " خَيرُ الخَيْلِ الشُّقْرُ، وإلاّ فأَغَرُّ أَدْهَمُ مُحجَّلُ الرِّجْلِ اليُمنَى مُطلَقُ اليُسْرَى ".
أَسنانُ الخَيل
стр. 51
يُقال لولَد الفرس ساعَة تَضَعُهُ أُمُّه: مُهْرٌ، والأُنْثَى مُهْرةٌ، ويقال له خَرُوفٌ، أَيضاً، فإِذَا فُصِل عن أُمَّه فهو فَصِيلٌ، وإِذا اسْتَتَمَّ نَبَاتُ رَوَاضِعِه فهو فَلُوُّ، يُقال فَلْوْتُه وافْتلَيْتُهُ، فإِذا أَتَى عليه حَوْلٌ فهو حَوْلِيّ، فإِذا استَتمَّ حَوْلَيْنِ فهو جَذَعٌ، فإِذا سَقطَتْ ثَنِيّتَاه وخَرَج مَكَانهما وذلك في العالم الثالث فهو ثَنِيٌّ، وفي العَام الرابِع فهو رَبَاعٌ، وذلِكَ إِذا سَقَطَتْ رَبَاعِيَتاهُ وخَرجَ مكانهما، فإِذا سَقَطَ قارِحاهُ وخَرَج مَكانهما فهو قارِحٌ، وليس بعد القارح سِنٌ، ولكن يقال: قارحُ عامٍ، وقارِحُ عامَين، إلى ثمانية أَعوامٍ، ثمّ يقال له: مُذَكٍّ، والجميع مَذَاكِي ومُذَكِّياتْ وفي المثل " جَرْيُ المُذَكِّيات غلابٌ " أَي مُغالَبة، ويقال غِلاءٌ أَي كما يُتغالَى بالسِّهام أَي يُترامَى.
ومن أَلوان الخيل وشِيَاتِها
أَدْهَمُ، وأَخضَرُ، وأَحْوَى، وكُمَيْت، وأَشقَرُ والفرقُ بين الأَشقر والكُمَيت أَن يَسودّ عُرفُه وذَنَبُهُ، فيكون كُمَيْتاً، وإِلاّ فهو أَشقرُ وأَصْفَرُ، وأَشْهَبُ، وأَبْلَقُ، وأَبْرَشُ، ومُلَمَّعٌ، وهي أَيضاً بُلْقَةٌ وكذلك المُدَنَّر، والأشيَمُ، والمُوَلَّع. كلُّ هذه صفاتُ اللَّوْنِ تُخالِفُ لَوْنَ الفَرَس وتتشكَّلُ فيه.
فيُسمى مدَنَّراً إِذا كانت فيه دَارَاتٌ مُخَالِفةٌ.
فإِن لم تَكُن داراتٌ، وكان لَوْنَيْن مُتساوِيَين فهو أَبلَق، فقِسْ على هذا.
وفَرسٌ لَطِيمٌ، إِذا أَصابَت غُرَّتُه عَيْنَيهِ أَو إِحداهما، أو خَدَّيه أَو أَحدهُما.
فإِن ابْيَضَّتْ أَشْفارُه فهو مُغْرَبٌ.
فإِنّ لم تُصِبِ العَيْنَين والخَدَّين وامتَنَعت في جَبْهَتِه فهي شادِخَةٌ.
وإذا رَقَّت في جَبْهَته وقَصَبَةِ أَنْفهِ فهي شِمْرَاخٌ.
وإذا عَرُضَتْ في الجَبْهَة فهي سائلَة.
والفُرْجةُ كُلُّ بَياضٍ كان في جَبهته ثمّ انقطَعَ قِبَلَ الأَنفِ.
الرَّثَمُ كلّ بياضٍ أَصابَ الْجَحْفَلَةَ العُلْيَا، قلَّ أَو كَثُرَ فهي رُثْمة.
واللُّمْظَة كلُّ بَياض في الجَحْفَلَةِ السُّفْلَى، والفَرسُ أَلْمَظُ.
وإذا شاب الناصية بياض فهو أسعف وإِذا خَلَصتْ بَيضاءَ فهو أَصْبَغ.
فإِذا انحَدرَ البَيَاضُ إِلى مَنْبِت النّاصِيَة فهو المُعَمًّم.
وإِذا كان علي الأُذُنَين أَو إِحداهما بَياضٌ فهو أَذْرَأُ.
والتّحجيلُ بياضٌ يكون في قوائمه أَو في ثلاثٍ أَو في اثنَتَين، قَلَّ أَو كَثُر، يُقال مُحَجَّلُ أَربَعٍ.
فإِذا كان البَيَاضُ في ثَلاثٍ قيل: مُحجَّلُ ثَلاثٍ مُطلَقُ يَدٍ أَو رِجْلٍ.
والتَّحْجِيل مَآْخُوذ من الحِجْل، وهو الخَلْخَال، كأَنَّه صار البياضُ مَوضِعَه.
وإِذا كان البياضُ برِجلَيه قيلَ: مُحجَّلُ الرِّجْلَين.
فإذا كان البَيَاض برِجْلٍ وَاحدة قيل: أَرْجَلُ، ويُتشاءَمُ به، وقيل: إِنّ الحسين صلوات الله عليه قُتِل وهو على أَرجَلَ.
وإذا كان البَيَاضُ في اليَد اليُمنَى والرِّجْل اليُسْرَى مُخَالِفاً فهو مَشكولٌ.
وإِذا كَان في اليد اليُمنَى والرِّجل اليُمنَى فهو مُطلَق الأَيَامِن مُمْسَك الأَياسِرِ.
والعُصْمَةُ بياضُ يكون باليَدَين دون الرِّجلَيْن.
والتَخدِيمُ بيَاضٌ مُسْتَدِيرٌ بأَرساغ الرِّجلَين دون اليَدَيْن يُطِيف بها دون سائرِ ما كان يُقال فَرَسٌ أَخْدَم ومُخَدَّم.
فإِذا كان برِجلٍ واحدة فهو أَرْجَلُ.
وإِذا ابيضَّ بعضُ البَطْن ولم يتَّصِل ببَياضٍ فهو أَصبَغ.
فإذا كان في عُرْضِ الذَّنَب بياضٌ فهو أَشْعل.
وإِذا كان في أَصْل ذَنَبه فهو أَصبَغُ أَيضاً.
فإِذا بلغَ البَطنَ فهو أَنْبطُ.
فإِذا ظَهَر من البَطْن صار أَبْلَق.
وممّا قيل في تفضيل الخيل وإِيثارها ووصفها من الشّعر لأَعرابيّ:
الخَيرُ ما طَلَعَتْ شَمسٌ وما غَرَبَتْ ... مُوَكَّلُّ بنَوَاصِي الخَيْلِ مَعْصُوبُ
وقال الأَسْعَر بن مالك الجُعْفِيّ في إِيثاره فَرسَه على أَهِلهِ ونفسه:
تُقْفِي بِعِيشةِ أَهْلِهَا وَثّابَةً ... أَو جُرْشُعاً عَبْلَ المَحَازِمِ والشَّوَى
ولقَدْ عَلِمْتُ علَى تَوَقِّيَّ الرَّدَى ... أَنّ الحُصُونَ الخَيْلُ لا مَدَرُ القُرى
стр. 52
إِنّي وَجَدْتُ الخَيْل عِزّاً ظاهِراً ... تُنْجِي من الغُمَّي ويَكْشِفْنَ الدُّجَى
ويَبِتْنَ بالثَّغْرِ المُخْوفِ طَلائعاً ... ويُثِبْنَ للصُّعْلوكِ جَمَّةَ ذِي الغِنَىَ
وقال أَبو دُوَاد الإِياديّ في حُبِّه الخَيْلَ:
عَلِقَ الخَيْلَ حُبُّ نَفْسِي مُقِلاً ... وإِذَا ثابَ عِنْدِيَ الإِكْثارُ
عَلِقَتْ هِمَّتي بهنّ فَمَا يَمْ ... نَع مِنّي الأَعِنَّة الإِقْتَارُ
جُنَّةٌ لي وكُلّ يَوْمِ رِهَانٍ ... اجمعتى في رهانها الأجسار
وانجرادي بهن نحو عدوي ... وارتِحالى الْبِلاَدَ والتَّسْيَارُ
ولرجل من بني عامر بن صَعْصَعَة:
بَنِي عامِرٍ ما لي أَرَى الخَيْلَ أَصْبَحَتْبِطَاناً وبَعْضُ الضُّمْرِ للخَيْلِ أَفْضَلُ
بني عامرٍ إِنّ الخُيولَ وقَايةٌ ... لأَنْفُسِكمْ والمَوتُ وَقْتٌ مُؤَجَّلُ
أَهِينًوا لَهَا ما تُكرِمونَ ويَاسِرُوا ... صِيَانتَها والصَّوْنُ للخَيْلِ أَجْمَلُ
مَتى تُكْرِمُوها يُكرِمِ المَرْءُ نَفْسَه ... وكلُّ امْرِئٍ مِنْ قَوْمِه حَيْثُ يَنْزِلُ
وقال شَمْعَلَةُ بن الأَخضَر الضَّبِّيُّ:
بأَسْرَعَ رَجْعَةً منها وكَرّاً ... إِذَا أَبْدَتْ مِنَ العَرَقِ العِذَارَا
إلى أَمْثالِ تِلْكَ إِذَا فَزِعْنَا ... نَطِيرُ ونَمْنَعُ السَّرْحَ المُثَارَا
نُوَالِّيهَا الصَّرِيحَ إِذا شَتَوْنَا ... على عِلاَّتِنا ونَلِي السَّمَارا
رَجَاءَ أَن تُؤَدِّيَهُ إِلَيْنَا ... مِن الأَعْداء غَصْباً واقْتِسَاراً
وعلى ذِكر إِيثارِه فرسَه باللَّبن فمن حَسَنِه وجَيّدِهِ قول عَمْرو بن بَرَّاقة الهَمْدانِيّ:
غَبَرتْ خَيْلُنا نُقَاسِمُها القُو ... تَ ولم يُبْقِ حاصِدُ المَحْلِ عُودَا
شَتْوَةً تُوسِعُ الجِمَالُ لهَا الرِّسْ ... لَ ونَسْقِي عِيالَنا تَصْدِيدَا
ذَاكَ حتَّى إِذَا الرَّبِيعُ نَفَى الأَزْ ... مَةَ قُدْنَا مِنْهَا شيَاطِينَ قُودَا
ورَمَيْنَا بِهَا دِيَارَ الأَعَادِي ... فأَثَابَتْ لِكُلِّ قَعبٍ قَعُودَا
حَبَّذَا هُنَّ مَتْجَراً رَابِحَ الصَّف ... قَةِ تَحْوِي الغِنَى وتَشْفِي الحقُودَا
وقريبٌ منه لفضَالَةَ بنِ شِرِيكٍ الوالبِيّ في فرسه واسمه ناصِح:
أَناصِحُ إِنّ الخَيْلَ مَجْلوبةٌ غَداً ... ومَالَك إِنْ لم يَجْلُبِ اللهُ جالِبُ
أَتذكُرُ إِلْبَاسِيكَ في كُلِّ شَتْوَة ... رِدَائي وإِطْعَامِيك والبَطْنُ سَاغِبُ
أَناصحُ كَمِّشْ للرِّهانِ فإِنّها ... غَدَاةُ رِهَانٍ جَمَّعتْها الحَلائبُ
أَنَاصِحُ هَدْىٌ كُلَّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ ... علَيَّ ونَذْرٌ لا أَبِيعُك وَاجِبُ
ولعمْرو بن مالكِ:
وسَابِحٍ كعُقَابِ الدَّجْن أَجْعَلُه ... دُونَ العِيَالِ له الإِيثارُ واللَّطَفُ
قولُه عُقَاب الدَّجْنِ العُقابُ إِذا رأَتِ الدَّجْنَ كان أَسْرَعَ لطَيرَانِهَا طَلَباً لوَكْرِهَا قبلَ أَن تَلحقَها السَّحابُ.
ومثلهُ لجُندبٍ:
أَتَتك كأَنّها عِقْبانُ دَجْنٍ ... تَجَاوَبُ في حَنَاجِرِها اليَرَاعُ
وقال مُعَقِّرُ بن حِمَارٍ البارِقِيُّ:
ويمنَعُنا منْ كلّ ثَغْرٍ نَخافُه ... أَقَبُّ كسِرْحَانِ الأَبَاءةِ ضَامِرُ
وكُلّ سَبُوحٍ في العِنَانِ كَأَنَّهَا ... إِذَا اغْتَسَلتْ بالماءِ فَتْخَاءُ كاسِرُ
وقال طُفَيل الغَنَويّ:
إِنّي وإِنْ قَلَّ ما لي لا يُفارِقُني ... مِثْلُ النَّعَامَةِ في أَوْصَالِهَا طُولُ
تَقْرِيبُهَا المَرَطَي والجَوْزُ مُعْتَدِلٌ ... كأَنّهَا سُبَدٌ بالمَاءِ مَغْسُولُ
أَو ساهِمُ الوَجْهِ لم تُقطَعْ أَبَاجِلُه ... يُصَانُ وهْوَ لِيَوْمِ الرَّوْعِ مَبْذولُ
وقال أَبو دُوَاد الإِياديّ:
стр. 53
وقَد أَغْتَدِي في بَياضِ الصَّبَاحِ ... وأَعْجَازُ لَيْلٍ مُوَلَّى الذّنَبْ
بطِرْفٍ يُنَازِعُني مَرْسِناً ... سَلُوبِ المَقَادةِ مَحْضِ النَّسَبْ
كهَزِّ الرُّدَينيّ بَيْنَ الأَكُفّ ... جَرَى في الأَنَابِيب ثُمَّ انْتصَب
ولعَوْف بن عَطِيّة بن الخَرِع الرِّبابِيّ:
وأَعدَدْتُ للحَرْبِ مَلْبُونةً ... تَرْدُّ على سَائِسيهَا الحِمَارَا
رَوَاعَ الفُؤادِ يَكَاد العَنِيفُ ... إِذَا وَنَت الخَيْلُ أَن تُستَطارَا
كُميْتاً كحَاشِيَةِ الأَتْحَمِ ... ىّ لم يَدَعِ الصُّنْعُ فيه عُوَارَا
لَها رُسُغٌ مُكْرَبٌ أَيِّدٌ ... فلاَ العَظْمُ وَاهٍ ولاَ العِرْقُ فَارَا
لهَا حَافِرٌ مِثْلُ قَعْبِ الوَلي ... دِ يَتَّخِذُ الفأْرُ في مَغَارَا
لَهَا كَفَلٌ مثْلُ مَتْنِ الطِّرَا ... فِ مَدَّدَ فيه البُنَاةُ الحِتَارَا
والمشهور المستجاد في صفات الخيل قولُ امرِئ القَيْس:
وقد أَغْتَدِي والطَّيْرُ في وُكُنَاتِها ... بمُنْجَرِدٍ قَيْدٍ الأَوابِد هَيْكَلِ
مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ مَعاً ... كجُلْمودِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِنْ عَلِ
كُمَيْتٍ يَزِلُّ اللِّبْدُ عن حالِ متْنِهِ ... كما زَلَّت الصفْوَاءُ بالمُتَنَزِّلِ
على الذَّيْلِ جَيّاشٍ كأَنَّ اهْتزامَهُ ... إِذَا جَاشَ فيه حَمْيُه غَلْيُ مِرْجَل
له أَيْطَلاَ ظَبْيٍ وسَاقَا نَعَامَةٍ ... وإِرْخَاءُ سِرْحَانٍ وتَقْرِيبُ تَنْفُلِ
درِيرٍ كخُذْرُوفِ الوَلِيدِ أَمَرَّهُ ... تَتَابُعُ كفَّيْهِ بخَيْطٍ مُوَصَّلِ
ولبِشْر بن أَبي خازمِ:
بكُلِّ قِيَادِ مُسْنَفَةٍ عَنُودٍ ... أَضَرَّ بها المَسَالِحُ والغِوَارُ
مُهارِشَةِ العِنَانِ كَأَنّ فيها ... جَرَادَة هَبْوَةٍ فيها اصْفِرارُ
نَسُوفٍ للحِزَام بمِرْفَقَيْهَا ... يَسُدُّ خَوَاءَ طُبْيَيْها الغُبارُ
تَرَاها مِن يَبِيسِ الماءِ شُهْباً ... مُخَالِطَ دِرَّةٍ منْهَا غِرَارُ
بكُلِّ قرَارَةٍ من حَيْثُ جالَتْ ... رَكِيَّةُ سُنْبُكٍ فيها انْهِيَارُ
وخِنْذِيذٍ تَرَى الغُرْمُولَ منه ... كطَيِّ الزِّقِّ عَلَّقهُ التِّجَارُ
كأَنّ خَفيفَ مِنْخَرهِ إِذا ما ... كتَمْنَ الرَّبْوَ كِيرٌ مُستَعارُ
يُضَمَّرُ بالأَصَائل فَهْوَ نَهْدٌ ... أقَبُّ مُقلِّصٌ فيه اقْوِرَارُ
كأَنَّ سَراتَهُ والخَيْلُ شُعْثٌ ... غَدَاةَ وَجِيفِها مَسَدٌ مُغَارُ
يَظَلُّ يُعارِضُ الرُّكْبَانَ يُهْفُو ... كأَنَّ بَيَاضَ غُرَّتِه خِمَارُ
ولعبد الرحمن بن حَسّانَ بن ثابت:
أَوْغَلْتُ فِيه مَعَ الصَّبَا ... حِ بمِنْهَبٍ صَافٍ سَراتُهْ
وَرْدٍ كلَوْنِ صَلاَيَةٍ ... طُلِيَتْ بجَادِيٍّ مَرَاتُهُ
عَبْلِ الشَّوَى يَأْوِي إِلى ... حضْرٍ إِذَا جَدَّ انْصِلاتُهُ
كحَفِيفِ ذِي البَرْدِ لمُجَلْ ... جِلِ رَاحَ مُسْتَدّاً خَوَاتُهْ
نهْد مَرَاكِلُه شَدي ... د الأَسْرِ مُشرِفةٍ قَطَاتُهْ
يَعْدُو كعَدْوِ التَّيْسِ بال ... مَعْزَاءِ أَنْفَرَهُ رُمَاتُهْ
وله أَيضاً:
فجَرَّدَ أَيْهَمَ ذَا قُرْحَةٍ ... أَمِينَ الشَّظَا غَامِضَ الأَبْجَلِ
أُشَبِّهُ قُرْحَتَه دِرْهماً ... مِنَ الوَرِقِ البِيضِ لم يُغَسلِ
قلِيلَ الفُتُورِ سَليمَ النُّسُو ... رِ عَبْلَ القَوَائمِ والمُنْعَلِ
له حافِرٌ لم تَخُنْه الحَوا ... مِ وَأْبٌ سَليمٌ ولمْ يُنْعَلِ
كمِثْلِ أَوَاقِي ذُكُورِ الحَدِي ... دِ رُكِّبْنَ فيه ولم يُسْحَلِ
стр. 54
صَحِيحَ الأَشَاعِرِ في جَوْفِه ... دَخِيسٌ له مُثْبتُ المدْخَلِ
وأَوْظِفةٌ أَيِّدٌ جَدْلُها ... طِوَالٌ وفي ذاكَ لم تَنْحُلِ
وسَاقانِ كَعْبَاهُما أَصْمعَا ... نِ سَدّا لهُ خَلَلَ المَفْصِلِ
كأَنّ حَمَاتَيْهِمَا أَرْنَبَانِ ... تَقَبَّضَتَا خِيفَةَ الأَجْدَلِ
وفيها:
طَوِيلُ الضُّلُوعِ شَدِيدُ الصِّفاقِ ... خَفُوقُ الحَشَا جُرْ شُعُ المَرْكَلِ
وعَيْنٌ طَحُورٌ بإِنْسانِها ... تُخَالُ كَحِيلاً ولمْ تُكْحَلِ
وخَدٌّ يَغُولُ عِذَارَ اللِّجَا ... مِ عَارِي النَّوَاهِقِ والمصْهَلِ
مُطَارُ الفُؤَادِ إِذَا مَا يُرَا ... عُ ظَلَّ إِلى اللَّيْلِ في أَفْكَل
ولأُبَيّ بن سُلَيْمَانَ بن رَبِيعَة بن ذُيان:
سَبُوحٌ إِذَا اغْتَمَرتْ في الغُبَارِ ... مَرُوحٌ مُلَمْلَمَةٌ كالحَجَرْ
فلَوْ طَار ذُو حَافِرٍ قَبْلَهَا ... لَطارَتْ ولكنَّه لم يَطِرْ
ومن أَحسن ما قيل في الجَرْيِ قولُ أعرابي:
ومَرَّتْ تفُوتُ الطَّرْفَ لَمَّا تَطَافَرتْ ... وقد بَرزَتْ مثْل الظِّباءِ من الحبلِ
فطَارَتْ بأَيْدِيها وعَامَتْ صُدُورُها ... وأَخْرَجهَا فَرْطُ النَّشاطِ إِلىَ الجَهْلِ
وأَجْرَى الرَّشيدُ الخَيْلَ، فسبقَ فَرَسٌ له يُقال له المُشَمِّرُ، فقال للشُّعَرَاءِ: قُولُوا في ذلِك. فابتَدَأَ أَبو العتَاهِيَة فقال:
جاءَ المُشَمِّرُ والأَفْرَاسُ يَقْدُمُهَا ... هَوْناً على رِسْلِه مِنْهَا ومَا انْبَهَرَا
وخَلَّفَ الرِّيحَ حَسْرَى وهْي تَتْبَعُهُ ... ومَرَّ يَخْتَطِفُ الأَبْصارَ والنَّظَرَا
وكان للرَّشِيد فَرسٌ يَقْرُبُ منه مِعْلَفُهُ، لفَرَاهَتِه، ويُطْعِمُهُ من يَده، ويَدْعوه فيُجِيبُهُ، فرَآهُ الفرسُ يَوْماً وقد أَطعَمَ فَرَساً آخَرَ من يده، فكان بعد ذلك إِذا دَعَاهُ لم يُجِبْهُ، وإِذا أَطْعَمهُ مِن يَدِه لم يَأْكُل، فسَمّاه الغَضْبانَ، فسَبقَ الحَلْبَة يوماً، فقالَ الرّشيد للْعُمَانِيّ الرّاجز: قَلِّدْهُ بشيءٍ فوَضَعَ عِمامتَه في عُنُقه، فضَحِكَ الرَّشيدُ وقال: قبحَك اللهُ ما لِهذا أَردتُ؟ أَنتَ أَكُثرُ قَلائدَ منّي؟ إِنّمَا أَرَادْتُ أَن تَصِفَه بشِعْر. فوقَفَ وقال:
قَد غَضِبَ الغَضبانُ إِذْ جَدَّ الغَضَبْ
وجَاءَ يحْمِي حَسباً فَوْقَ الحَسَبْ
مِنْ إِرْثِ عَبَّاسِ بن عَبْدِ المُطَّلِبْ
النَّسَبِ الخَالِصِ غيرِ المُؤْتَشِبْ
وجَاءَتِ الخَيْلُ بهِ تَشْكو التَّعَبْ
له عَلَيْها ما لَكُمْ على العَرَبْ
فأَحْسَنَ جائزته.
وللعبّاسيّ:
وخَيْلٍ طَوَاهَا القَوْدُ حتَّى كَأنَّها ... أَنابِيبُ سُمْرٌ مِن قَنَا الخَطِّ ذُبَّلُ
صَبَبْنَا علَيْهَا ظَالِمِينَ سِيَاطَنَا ... فطَارَتْ بها أَيْدٍ سِرَاعٌ وأَرجُلُ
ووَصفتْ أَعرابيّةٌ سُرْعةَ فَرسٍ فقالت: لمّا أُخرِجَت الخَيْلُ جاءُوا بشَيْطانٍ في أَشْطان، فلمّا أُرِسِلتْ لَمَعَ لَمْعَةَ سَحابٍ، فكان أَقْرَبها ِإليه الذي تَقَعُ عَينُه علَيْه.
وللمُخَيَّس بن أَرْطَاةَ الأَعْرَجيّ:
جاءَ أَمامَ دُهْمِهَا والبُلْقِ ... مُسْتَشْرِفاً كالعَارِضِ الأَشَقِّ
سَلِيلَ رِيحٍ لَقحَتْ مِنْ بَرْقِ
ولآخر:
جَرَى فأَوْدَعَ جَرْيُ البَرْقِ نُهْزَتَه ... وجاءَت الرِّيحُ تَقٍٍْفو إِثْرَ ما رسَمَا
وجاءَتِ السُّبَّقُ اللاّئي انْبَريْنَ له ... يَسْأَلْن عَنْ أَثَرٍ من عَهْدِهِ قَدُمَا
وأَنشد الأصمعيُّ لابْن أقَيصِر الأَسَدي وقالَ: لولا أَنّ مَن أَثِقُ به أَنشدَنيها له ثمّ قيل إِنّهَا لأَبي دُوَادٍ ما رَدَدْتُهَا:
؟ خَيْرُ ما يَرْكَب الشُّجَاعُ إِذا مَا ... قيلَ يَوماً أَلاَ ارْكَبوا للْغِوَارِ
كلُّ نَهْدٍ أَقبَّ مُعْتَدِلِ الخَلْ ... قِ أَمِينِ الشَّظَا عَتِيقِ النِّجَارِ
стр. 55
سَلْعَمِ اللَّحْيِ وَاسِعِ الشَّجْرِ حُرِّ الْ ... أُذْنِ وَافِي الدِّمَاغِ والوَجْه عارِ
ماجَ منه الجِرَانُ واشتدَّ عِلْبَا ... وَاهُ واحْدَوْدَبَا دُوَيْنَ العِذَارِ
مَحِصِ الفَصِّ مُكْرَبِ الرُّسْغِ سَهْلِ الْ ... خَدِّ سامِي الجُفُونِ والأَشْفارِ
مُشرِفٍ مُقْبِلاً مُجَبٍّ إِذَا أَدْ ... برَ مُسْتَعْرضَاً ككَرٍّ مُغَارِ
فَهْو في خَلْقِهِ طُوَالٌ ورَحْبٌ ... وعُرَاضٌ ِإلى شِدَادٍ قِصارِ
طالَ هَادِيهِ والذِّرَاعَانِ والأَضْ ... لاعُ منْه فتَمَّ في إِجْفَارِ
ثُمَّ طالَتْ وأُيِّدَتْ فَخِذاهُ ... فهو كَفْتُ الوُثُوبِ ثَبْتُ الخَبارِ
ورَحِيبُ الفُرُوج والخَدِّ والشَّدْ ... قَيْنِ قُدّامَ منْخرٍ كالوِجَارِ
وعَرِيضُ الوَظِيفِ والجَنْبِ والأَوْ ... راكِ والجَبْهَةِ العَرِيضُ الفَقَارِ
والقَصِيرُ الكُرَاعِ والظَّهْر والسّا ... قِ لم يُسْلِمْهُ تَرْكيبها اسْتبحار
والحَدِيدُ الفُؤادِ والسَمْعِ والعُرْ ... قُوبِ والطَّرْفِ حِدّةً في وَقَارِ
وَهْوَ صَافِي الأَدِيمِ والعَيْنِ والحا ... فِرِ غَمْرٌ بَدِيهَةَ الإِحْضارِ
كالعُقَاب الطَّلوبِ يَضْربُهَا الطَّ ... لُّ وقدْ صَوَّبَتْ على عِسْبارِ
لاَنَ فاهْتَزَّ مُقْبِلاً فإِذا أَد ... بَرَ أَهْوَى تَتابُعَ الأَدْبَارِ
ولأَنَيف بن جَبَلةَ الضَّبّيّ، وكان أًوْصفَ الناسِ لفَرسٍ:
ولقدْ شَهِدْتُ الخَيْلَ يَحْمِلُ شِكَّتي ... عَتَدٌ كسِرْحانِ القصِيمةَ مِنْهَبُ
أَلْوَى إِذَا اسْتَعْرَضْتَه فكأَنَّهُ ... في العَيْن جِذْعٌ مِن أُوَالَ مُشَذَّبُ
وإِذا اعْتَرضْتَ له اسْتَوَتْ أَقْتارُه ... وكأَنّه مُسْتدْبراً مُتَصوِّبُ
هذا أَوّلُ من قال في هذا المعنى في إِقْباله وإِدبارِه واعتراضِه، وأَخذَه الناسُ، فقال سَلْمٌ الخاسِرُ وأَحسنَ في قوله ما شاءَ:
وأَغْتدِي والشَّمسُ مَحجوبةُّ ... لم تَنسفِرْ عنها الجَلابِيبُ
بسَابِغَِ الأضْلاعِ ذي مَيْعَة ... تمَّتْ له ساقٌ وعُرْقُوبُ
هَادِيهِ مثْلُ الشَّطْرِ من خَلْقِه ... إِذا عدَا والبَطْنُ مَقْبوبٌ
تَخالُه مُسْتقبْلاً مُقْعِياً ... وهْوَ إِذا اسْتَدبَرْتَ مَكْبوبُ
يُشْرِفُ أَو يَنْحَطُّ كلٌّ مَعاً ... فالخَلْقُ تَصْعِيدٌ وتَصْوِيبُ
كأَنّما الشِّعْرَى على وَجْههِ ... وفي مجاري المَتْن تَذْهيبُ
يَحْمِلُ منه بَعْضُهُ بَعْضَه ... فرَاكِبٌ منه ومَرْكوبُ
كالرِّيح إِلاّ أَنّها صُورةٌ ... يَسْمو بها شَدٌّ وتَقْرِيبُ
هذا من أَحسن تَشْبيهِ استُعِيرَ وأَجْوَدِهِ، وقولهُ هادِيه مثلُ الشَّطْرِ من خلقه، مَأْخوذ من كلام أَعرابيّة رواه الأَصمعيّ فيما حدَّثنا به محمَّد بن الحسن، عن أَبي حاتمٍ عنه قال: خَرجَ ثلاثُ نِسوةٍ من العرَب يَسأَلْن عن آبائهنّ، وكانوا خَرَجوا في بعض الغارات، فتلقّاهنّ رَجلٌ قال: فقال لإِحْدَاهنّ: صِفِي لي فَرس أَبِيك. فقالت: كان أَبي على قَصِيرٍ ظَهْرُهَا، رَحِيبٍ بَطْنُها، هَادِيها شطْرُها. فقال: نجَا أَبوكِ، وقالت الثانية: كان أَبي على شَقَّاءَ مقّاءَ، طويلةِ الأَنْقَاءِ يتمطَّقُ أُنْثياها بالعَرَق، تمطُّقَ الشَّيْخِ بالمَرَق. فقال: نجا أَبوك، وقالت الثالثة: كان أَبي على كَزّةٍ أَنُوحٍ يُرْوِيها لَبَنُ اللَّقُوح. فقال: قُتِل أَبوكِ: فلمّا رجَع الناسُ من الغارَة كان الأمرُ على ما قاله.
стр. 56
ونحْوُ هذا ما حدَّثَنا به الأَزْديُّ، عن عمّه، عن أَبيه، عن ابن الكلبيّ عن أَبيه قال: اجتمَعَ خمسُ جوَارٍ من العرب فقلْن هَلْمُمْنَ نَنْعَت خَيْلَ آبائنا. فقالت الأُولى: فَرسُ أَبي وَرْدة، وما وَرْدة، ذاتُ كَفَلٍ مُزَحْلَق. ومَتْنٍ أَخُلَق، وجَوفٍ أَخْوَق، ونَفْسٍ مَرُوح، وعَينٍ طَموح، ورِجْلٍ ضَروحً، ويَدٍ سَبوُحٍ بُداهَتُها إِهْدابٌ، وعقْبها غِلابٌ. قالت الثانية: فرس أَبي اللَّعَّاب، وما اللَّعّابُ، غَبْيَةُ سحاب، واضطرامُ غاب، مُتَرَّصُ الأَوصال، أَشَمُّ القَذَال، مُلاَحَكُ المَحَال، فارسُه مُجِيد، وصَيْدُهُ عَتيد، إِنْ أَقبلَ فظَبيٌ مَعَّاجٌ، وإِنْ أَدبرَ فظَليمٌ هَدّاج، وإِذا أَحْضَر فعِلْجٌ هَرّاج، قالت الثالثة: فَرسُ أَبي حُذَمة وما حُذَمَةَ، إِنْ أَقبلَت فقَنَاةٌ مُقَوَّمة، وإِنْ أَدبرتْ فأُثفيَّة مُلَمْلَمة، وإِنْ أَعْرَضت فذِئْبَة مُعَجْرَمة، أَرْساغُها مُتَرَّصة، وفُصُوصُها مُمحَّصة، قالت الرابعة: فرسُ أَبي خَيْفقٌ، وما خَيْفَق، ذاتُ ناهِقٍ مُعرَّق، وشِدْقٍ أَشْدَق، وأَدِيم مُملَّق، لَها خَلْقٌ أَشْدَف، ودَسِيعٌ مُنَفْنَف، وتَلِيلٌ مُسَيَّف، وَثَابَةٌ زَلُوج، خَيْفَانَةٌ رَهْوج، تقرِيبُهَا إِهْماج، وحُضْرُها ارْتِعاج. قالت الخامِسةُ: فَرَسُ أَبي هُذْلُول، وما هُذْلُول، طَرِيدُه مَحْبولٌ وطالبه مَشكُول، رَقيقُ المَلاغِم، أَمينُ المَعاقِم، عبْلُ المحْزِم، مِخَدُّ مِرْجَم، مُنِيفُ الحارِك، أَشمُّ السَّنابِك، مَجْدُول الخَصائل، سَبْطُ الفَلائل، غَوْجُ التَّلِيل، صلْصَالُ الصَّهيل، أَديمُهُ صافٍ، وسبِيبُه ضافٍ، وعَفوُه كافٍ.
ولعليّ بن جَبلة:
وأُذْعِرُ الرَّبْربَ عن أَطْفَالِه ... بأَعْوَجيٍّ دُلَفيِّ المُنْتسبْ
تخالُه من مرَحِ العِزِّ به ... مُسْتَعِراً برَوْعَةٍ أَو مُلْتَهِبْ
مُطَّرِدٌ يَرْتَجُّ مِنْ أَقْطَاره ... كالماءِ جالتْ فيه رِيحٌ فاضطرَبْ
تَحْسبُهُ أَقْعَدَ في اسْتِقْبالِهِ ... حتَّى إِذا استْتَدْبَرْتَه قُلْتَ أَكَبْ
وَهْوَ على إِرْهَافِه وطَيِّه ... يَقْصُر عنْه المَحْزِمَانِ واللَّبَبْ
يَخطو على عَوجٍ يُنَاهِبْنَ الثَّرى ... لم تَتوَاكَلْ عن شَظىً ولا عَصَبْ
تَحْسبُها نَابِيَةَ إِذا خَطَتْ ... كأَنَّهَا وَاطِئةٌ على نَكَبْ
مُحتدِمُ الجَرْيِ يُبَارِي ظِلَّه ... ويَعْرَقُ الأَحْقبُ في شَوْطِ الخَبَبْ
لا يَبْلُغ الجهْدَ به رَاكبُه ... ويَبْلُغ الرُّمْحُ به حيْثُ طلَبْ
قوله مُطَّرِدٌ يَرْتَجًّ من أَقطاره البيت مُسْتعارُ المعنَى من كلام امرأَةٍ من العرب ابتاعَ ابنُهَا أُمِّهِ، فلمّا رأَتهُ نَهْتْهُ عن ابْتِياعهِ، فقال صاحبُه: لِم كَرِهْتِ فَرِسي، فواللهِ إِنّه لصحيح العَصَب، تامُّ القَصَب. فقالت: واللهِ ما اهْتَزَّ حين أَقْبَل، ولا تَتابَعَ حينَ أَدْبرَ، قال: صَدَقْتِ، واللهِ، كان في فَرَسي كَزَازَةً.
وقال المُحْدَثون في وَزْنِ قَصِيدةِ عليِّ بن جبَلة، منهم أَحمدُ بن محمد الحضرميُّ:
أَغرُّ يَعْبُوبٌ إِلى غُرَّته ... حُجُولُهُ تَضْحكُ مِن تَحْتِ الرُّكَبْ
ُبعُنُقٍ أَتْلَعَ كالجِذْعِ سَمَا ... في جُؤْجُؤٍ حَشْرٍ إِلى صَدْرٍ رَحُبْ
وكَتِفَيْنِ طَالَتَا مَعْ صَهْوةٍ ... إِلى هَوَاءٍ مِثْلِ زُحْلُوقِ اللَّعِبْ
إلى قَطَاةٍ أَشْرَفَتْ وكَفَلٍ ... تَمَّ فتَمَّتْ فَخِذَاهُ والقَصَبْ
كأَنَّ أُذْنَيْه إِذَا مَا اسْتَكَّتَا ... أَطْرَافُ أَقْلاَمٍ أُجِيلَتْ في كُتُبْ
فَراحَ بي وهْو يُبَارِي ظِلَّه ... أَرْعَل لو وَثَّبْتَهُ البَحْرَ وَثَبْ
ولمحمد بن سعيد في هذا الوزن:
وهَيْكلٍ أَخْلَقَ مَجْدولِ القَرَا ... مُندمِجِ المَتْنِ طِرِمَّاحِ القَصَبْ
تُرِيعُه في كُلِّ فَوْتٍ أَرْبَعٌ ... تُثِيرُ مَكْنونَ الثَّرى وتَنْتَهِبْ
стр. 57
نَاصِعَةُ الخُضْرةِ في فاقِعَةِ ال ... صُّفْرَةِ زِينَتْ بحجُولٍ لمْ تُعَبْ
كأَنَّهَا فَيْرُوزجٌ في عُمُدٍ ... مِنْ فِضَّةٍ تَجْرِي بموْجٍ مِنْ ذَهَبْ
يَقَعْنَ في الأَرْضِ وُقُوعَ اللَّحْظِ في ... خَدِّ الحَبِيبِ عنْدَ خَوْفِ المُرْتقِبْ
بَرْقٌ إِذا شَدَّ ورِيحٌ إِنْ رَنَا ... والصَّقْرُ إِنْ طالَ وفَهْدٌ إِنْ وَثَبْ
كالنّار إِن أَلْهبَ أَو كالرِّيح إِنْ ... أَسْهبَ أَو كالمَاءِ حين ينْسكِبْ
وللعبّاسيّ في مثله:
وسَابِحٍ مُسَامِحٍ ذي مَيْعَةٍ ... كأَنَّهُ حَرِيقُ غَابٍ يَلْتَهِبُ
تَرَاهُ إِنْ أَبْصَرتَه مُسْتَقْبلاً ... كأَنّمَا يَعْلو من الأَرْضِ حَدَبْ
وإِنْ رَآه ناظرٌ مُسْتَدْبِراً ... تَوَهَّمَتْه العَيْنُ يَجْرِي في صَبَبْ
عَارِي النَّسَا يَنْتَهِبُ التُّرْبَ له ... حَوَافِرٌ باذِلةٌ ما تَنْتَهِبْ
تُسَالِمُ التُّربَ ورَيّانَ الثَّرَى ... لكِنَّها مَعَ الصُّخورِ تَصْطَخِبْ
أَسرَعُ من لَحْظَتِه إِذا عَدَا ... أَطْوَعُ مِن عِنَانه إِذا جُذِبْ
ذي غُرَّةٍ قدْ صَدَعَتْ جَبْهَتَه ... وأُذُنٍ مثْلِ السِّنَان المنتَصِبْ
ومنْخَرٍ كالْكِيرِ لمْ تَشْقَ به ... أَنْفَاسُه ولمْ يَخُنْهَا في تَعَبْ
يَبْعَثُهَا جَنَائِباً ويَنثَنِي ... شَمَائِلاً إِلى فُؤَادٍ يَضْطَرِبْ
وقلْتُ على هذا الوزْن:
بثَابِتِ النِّسبةِ في العِتْقِ له ... من أَعْوَجٍ ولاَحقٍ خيرُ نَسَبْ
ذِي عُنُقٍ مدِيدةٍ ومُقْلَةٍ ... حَدِيدةٍ وأُذُنٍ فيها نجَبْ
تَسْمعُ هجْسَ الصَّوتِ من بُعدِ المَدَى ... فتَنْتَحِي سَامِعَةً وتَنْتصِبْ
لا تَأْخذُ العَيْنُ الذِي تأْخذُه ... فَهْيَ لهُ حافِظَةٌ من الرِّيَبْ
ومنْخرٍ مثْل الوِجارِ يُبْعثُ الْ ... أَنفَاسَ في شَرْقٍ وغَرْبٍ إِذْ رَحُبْ
وكَفَلٍ مَتْنُ الطِّرَافِ متْنُهُ ... وبَطْنُه ذو جُفْرةٍ وذو قَبَبْ
تَراهُ كالطَّود لَدى إقْبَالِه ... وعِنْدما يُدْبِر كالسَّيْلِ السَّرِب
تُقِلُّه قوائمٌ عُبْلٌ لها ... حَوَافِرٌ حُفْرٌ صِلاَبٌ لم تخِبْ
يُخَلِّفُ الرّيحَ لدَى كَلاَلةٍ ... وشَاْوُهُ كالبَرْق حينَ يلْتَهِبْ
ولبعض العرب:
وقد اغْتَدى قبْل ضَوْءِ الصَّبَاحِ ... ووِرْدٍ القَطَا في الغَطَاطِ الحِثَاثِ
بضَافِي الثَّلاثِ طَوِيلِ الثَّلاثِ ... قَصِيرِ الثَّلاثِ عَرِيضِ الثَّلاَثِ
مُحجَّلِ رِجْليْنِ طَلْقِ اليَدَيْنِ ... لَه غُرَّةٌ مِثْلُ ضَوْءِ الإِرَاثِ
إِذا احْترثَ الناسُ ما يَجْمعون ... فإِنَّ الجِياد يَكُنَّ احْتِرَاثِي
تُرَاثُ أَبِي كُنَّ مِنْ بَعْدِه ... وهُنَّ إِذَا مِتُّ بَعْدِي تُرَاثِي
وأُتِيَ الحجّاجُ بفَرسٍ، فقال لجُلَسائه: أَبُّكم يَنعَتُ هذا الفَرَسَ فهو له، فابتدَرَ ابنُ القرِّيَّة فقاتل: أَصْلح الله الأَمير، هو حَدِيدُ الثلاثِ، أَسودُ الثلاثِ، قصيرُ الثلاث، طَوِيلُ الثَّلاث، مُشرِفُ الثَّلاث، أَقْنَى الثَّلاثِ، صُلْبُ الثَّلاثِ، فقال له الحجّاجُ: لتُفَسِّرَنَّ أَثَالِثَكَ أَو لأَضْرِبنَّ عُنُقَك، قال: حَدِيدُ النَّظَر، حَديد القَلْبِ، حَديدُ المَنْكِب، أَسودُ العينِ، أَسودُ الحافِرِ، أَسودُ الذَّنَبِ، قَصيرُ السّاقِ، قصيرُ الظَّهْرِ، قَصِير النَّسَا، طويلُ البَطْنِ، طَوِيلُ العُنُقِ، طويلُ القَوَائم، مُشْرِفُ المَناكِب، مُشْرِف الهَامَةِ، مُشْرِفُ المَتْنِ، أَقْنَى القَوائِم، أَقْنَى الظَّهْر، أَقْنَى العُنق. قال: أَحسنتَ خُذهُ لك.
стр. 58
وبعثَ الحجّاجُ إِلى عبد الملِك فَرساً، وكَتبَ إِليه: قد وَجَّهْتُ إِليك، يا أَمير المؤمنينِ، فَرساً مَليح القَدِّ، أَسِيلَ الخَدِّ، حَسَن المَنْظَرِ، مَحمود المَخْبَرِ، يَسْبِقُ الطَّرْفَ، ويَستغرِق الوصْفَ.
ولعبد السّام بن رَغْبَان:
وأَحمّ مِن أَوْلاَدِ أَعْوَدج عُجْتُه ... وأَظُنَّه للبَرْقِ كانَ حمِيمَا
مُتَكفِّئاً لوْ أَنَّهُ جَارَى الصَّبَا ... شأْواً لَبَاتَ أَدِيمُها مَحْمُومَا
مُسْتقْبلاً أَعْلى الذُّرَا مُسْتَعرِضاً ... بسْطًَ القَرَا مُسْتَدْبِراً مَلْمُومَا
حُرَّ الإِهابِ وَسِيمَهُ بَرَّ الأَبا ... بِ كَرِيمَه مَحْضَ النِّصَابِ صَمِيمَا
؟ إِنْ قِيدَ جَاءَكَ زِينَةً أَو رِيضَ رِي - ضَ بنِيَّهً أَو رِيعَ رِيعَ ظَلِيمَا
فَارَعْتُ فيها الوَحْشَ عنْ مُهجَاتِهَا ... وجَعلْتُه بنُفُوسِهنّ زَعِيمَا
وهذا من الكلام الجَزْل الحَسنِ النِّظَام الصحيح الأَقسام.
ولعلّي بن جبَلة:
في كلِّ مَنْبِتِ شَعْرةٍ من جِلّدِه ... خَطٌّ يُنَمْنِمُهُ الحُسَامُ اللَّهْذَمُ
ما تُدْرِكُ الأَبْصَارُ أَوْفَى جَرْيِه ... حتَّى يفُوتَ الرِّيحَ وهْوَ مُقَدَّمُ
وكأَنِّما عَقَدَ النَّجُومَ بطَرْفِه ... وكأَنَّه بعُرَا المَجَرَّة مُلْجَمُ
ولمرْوان بن أَبي حَفْصَة:
لقَدْ نَظَرْتُ نَظْرَةً لم تَكذِبِ
في خَلْقِ مَحبُوكِ السَّرَاةِ سَلْهَبِ
خَاظِي البَضِيعِ مِثْل تَيْسِ الحُلَّبِ
مُصَامِصٍ للناظِرِين مُعْجِبِ
في الأَعْوجِيّاتِ كَرِيم المنْصِب
حمَاتُهُ ظاهِرةٌ كالأَرْنبِ
تَحتَ نَساً ما خانَها مُعَقْرَبِ
وفَخِذٍ مأْمونَةِ المُرَكَّبِ
ذي حارِكٍ تَمَّ وهَادٍ أَغْلَبِ
سامٍ كجِذْعِ النَّخلةِ المُشَذَّبِ
مُحَمْلَجِ المَتْنِ مُمَرٍّ حَوْشَبِ
مُقَلّصٍ عَبْلِ الشَّوَى مُحَنَّبِ
صُلْبِ الشَّظَا يُسْرِعُ دَقَّ الصُّلَّبِ
بحَافِرٍ لاَمٍ ورُسْغٍ مُكْرَبِ
باقٍ على طُولِ الحِضَارِ مُعْقِبِ
للمُقْرَبَاتِ السابِحَاتِ مُتْعِبِ
تَشْقِي به رُبْدُ النَّعَامِ الخُضَّبِ
والأَحْقَبُ الخابِطُ بَعْدَ الأَحْقَبِ
وكُلِّ مَوْشِيٍّ شَوَاهُ قَرْهَبِ
ما يُرَ مِنهنّ عِيَاناً يَعْطَبِ
إِن قَرُبَتْ منه وإِنْ لمْ تَقْرُبِ
بمَيْلَةٍ مِنْ تَئِقٍ مُجَرَّبِ
أَدْرَكَها عَفْواً ولم يُعيَّبِ
... لم بعض احتباءَ المحتَبِي
أَو لَمْعَةَ العارِضِ ذي التَّحَلُّبِ
وفيها:
إِنّ الكُمَيت إِذ جَرى لمْ يَلْغُبِ
بَذَّ العَنَاجِيجَ بشَدٍّ مُلْهبِ
كالوَابِلِ الرَّائح من ذِي الهَيْدَبِ
أَقْبَلَ يَنْقَضُّ انْقِضاضَ الكوْكَبِ
حَتّى حَوَى السَّبْقَ ولمَّا يُضْرَبِ
كأَنَّهُ بازٍ هَوَى مِنْ مَرْقَبِ
ولأبي تمام:
إِنْ زَارَ مَيْدَاناً سَبَى أَهْلَه ... أَو نَادِياً قامَ إليه الجُلوسْ
سامٍ إِذا استَعْرَضْتَه زَانَهُ ... أَعْلَى رَطِيبٌ وَقرَارٌ يَبِيسْ
كأَنّما خامَرَه أَوْلَقٌ ... أَو غازَلَتْ هَامَتَهُ الخَنْدَريسْ
عَوَّذَه الحاسِدُ ضَنّاً به ... ورَفْرَفت خَوْفاً عليه النُّفوسْ
وله أَيضاً:
ما مُقْرَبٌ يَختالُ في أَشطانِه ... مَلآنُ مِن صَلَفٍ به وتَلَهْوُقِ
بحَوَافِرٍ حُفْرٍ وصُلْبٍ صُلَّبٍ ... وأَشَاعِرٍ شُعْرٍ وخَلْقٍ أَخْلقِ
ذُو أَوْلَقٍ تَحْتَ العَجاجِ وإِنّمَا ... منْ صِحّةٍ إِفْرَاطُ ذاك الأَوْلَقِ
مُسْوَدُّ شَطْرٍ مثْل ما اسْوَدَّ الدُّجَى ... مُبْيَضُّ شَطْرٍ كابْيضاضِ المُهْرَقِ
قدْ سالَتِ الأَوْضاحُ سَيْلَ قَرارَةٍ ... فيه فمُفْتَرِقٌ عليه ومُلتَقِي
ولعليّ بن الجهْم:
стр. 59
فَوقَ طِرْفٍ كالطَّرْفِ في سُرْعَةِ الطّ ... رْفِ وكالقَلْب قَلْبُه في الذَّكَاءِ
لا تَراهُ العُيُونُ إِلاّ خَيَالاً ... وهْو مِثْل الخَيالِ في الاِنْطِواءِ
وللبحتُرِيّ:
بأَدْهَم كالظَّلامِ أَغَرَّ يجْلُو ... بغُرَّتِه دَيَاجِيرَ الظَّلاَمِ
تَرَى أَحْجاله يَصْعَدْنَ فِيه ... صُعُودَ البَرْقِ في جَوْنِ الغَمامِ
وله أيضاً:
كالهَيْكلِ المَبْنِيّ إِلاّ أَنّه ... في الحُسْنِ جاءَ كصُورَةٍ في هَيْكلِ
يَهْوِي كَما تَهْوِي العُقَابُ وقد رَأَتْ ... صَيْداً ويَنْتَصِبُ انْتِصَابَ الأَجْدَلِ
مُتَوَجِّسٌ برَقيقتَين كأَنما ... تُرَيَانِ مِنْ وَرَقٍ عليه مُوَصَّلِ
ذَنَبٌ كما سُحِبَ الرِّداءُ يَذُبُّ عن ... عُرْفٍ وعُرْفٌ كالقِنَاعِ المُسْبَلِ
كالرَّاحِ النَّشْوَانِ أَكثرُ مَشْيهِ ... عَرْضاً على السَّنن البَعِيدِ الأَطْولِ
ذّهَبُ الأَعَالِي حينَ تذْهَب مُقْلةٌ ... فيه بنَاظِرِهَا حدِيدُ الأَسْفَلِ
تتَوَهَّمُ الجَوْزاءَ في أَرْساغِهِ ... والبَدْرَ غُرَّةَ وَجْهِهِ المُتَهَلِّلِ
وكأَنّما نَفَضَتْ عليهِ صِبْغَها ... صَهْباءُ للبَرَدَانِ أَو قُطْرُ بُّلِ
وتَخالُه كُسِيَ الخُدُودَ نَوَاعِماً ... مَهْمَا تُوَاصِلْها بلَحْظٍ تَخْجَلِ
وتَرَاهُ يَسْطعُ في الغُبَارِ لَهِيبُهُ ... لَوْناً وشَدّاً كالحَرِيقِ المُشْعَلِ
وتَظُنُّ رَيْعَانَ الشَّبابِ يَرْوعُه ... مِنْ جِنَّةٍ أَو نَشْوَةٍ أَو أَفْكَلِ
هَزِجُ الصَّهِيلِ كأَنَّ في نَغماتِه ... نَبَراتِ مَعْبَدَ في الثَّقِيل الأَوَّلِ
ملكَ العُيونَ فإِنْ بَدَا أَعْطيْنَهُ ... نَظَرَ المُحبِّ إِلى الحبِيبِ المُقْبِلِ
ولمحمد بن سعيد:
وقَدْ أَغْتَدِي والشَّمْسُ في حُجُبِ الدُّجَىبعَبْلِ الشَّوى نَهْدِ المَرَاكِلِ هَيْكَلِ
إِذا اخْتَال خِلْتَ اللَّيْلَ أَعْلاه سَارِياًعَلى مِثْلِ نُورِ الشَّمْسِ غَيرْ مُمَثّلِ
أَخو خَطَراتِ الفِكْرِ في شَأْوِ جَرْيِه ... رَسِيلُ عنَانِ البَرْقِ عِندَ التَّرَسُّلِ
يُقرِّبُ ما يقْصُو يُبْعِدُ ما دَنَا ... بأَهْدَابِه في مُدْبِرِ الشَّدِّ مُقْبِلِ
يخُدَّ أَدِيمَ الأَرضِ خَطْواً وإِنْ جَرَى ... تَوَهَّمْتَه يَجْرِي على أَرْضِ قَسْطَلِ
ولأَحمد بن محمد المصِّيصيّ:
بطَاوِي الحشَا إِنْ زُعْتَه فَهْوَ بارِقٌ ... وإِنْ قَامَ إِظْلامٌ وإِنْ سَارَ كَوْكَبُ
كأَنّ الدُّجى بَعْدَ الوَنَى مِنْه جَدْوَلٌ ... خطَاهُ وخَلَّى مَاءَهُ عَنْهُ يَنْضُبُ
البيت الأوّل أَحسن، والثاني مليحُ المَعْنَى، إلاّ أَنّه من قولِ الخَثعميّ:
لا تَحْسبُ اللَّيْلَ إِلاَّ شَمْلَةً سًقطَتْ ... علَى الفلاةِ خَطَاهَا وهْو مُرتْحِلُ
وهذا أَحسنُ وأَطبَعُ، وإِنْ كان المصِّيصيُّ قد زاد بقوله بَعْد الوَنى.
وللحَلَبيّ:
وكُمَيتٍ وَرْدٍ كأَنّك أَلقَيْ ... تَ علَيْه ثَوْباً من الأُرْجُوانِ
أَعْوَجيٍّ يُنَاسِبُ البَرْقَ لا بَلْ ... هُو أَمْضَى في السَّبْقِ يَوْمَ الرِّهَانِ
مُصْمَتِ الظَّهْرِ أَجْوفِ الشَّجْرِ ما يَنْ ... فَكُّ ضَنْكَ النُّسُورِ رَحْب العِجَانِ
لاحِقِ الأَيْطَلَيْنِ عَبْلِ الذِّراعيْ ... نِ ثَقٍيلِ الصَّلاَ خَفِيفِ اللَّبانِ
ورقِيقِ الخَدَّيْنِ ضَخْمِ المَعَدَّيْ ... نِ شدِيدِ المَتْنَيْنِ رخْوِ العِنَانِ
عَرُضَ الفَائِلانِ وانْهَرَتْ الشِّدْ ... قانِ مِنْه وطَالَتِ الأُذُنانِ
وكأَنَّ العَينَيْنِ حين يُدِيرُ اللَّ ... حْظَ ياقُوتتَانِ تأَتَلِقَانِ
стр. 60
وترَاهُ مثْلَ الهَدِيّ إِذا أَقْ ... بَلَ يَخْطُو في سَرْجه والعِنَانِ
فعَلَيْه يَفْرِي الفَتَى طَيْلَسَانَ اللّ ... يْلِ واللَّيْلُ مُسْبَلُ الطَّيْلَسَانِ
وبه تُبْلَغ المُنَى حينَ لا تَأْ ... مُلُ مِن غَيْرِه بُلُوغ الأَمانِي
ولابن طَباطَبَا العَلَويّ:
أَغَرَّ تَغدُو الغَدَاةَ منه علَى ... أَغَرَّ قَدْ زَادَ حُسْنَه نَزَقُهْ
أَدْهَمَ يُعْشِي العُيُونَ غُرَّتُه ... يُحْسَبُ ليْلاً ووَجْهُهُ شَفَقُهْ
طَالَتْ ثَلاَثٌ منه كما قَصُرَتْ ... منه ثَلاَثٌ وزَانَه شَدَقُهْ
ذو شِيةٍ أُشبِعَتْ له حَلَكاً ... وحافِرٍ ظَلَّ مُشْبَعاً زَرَقُهْ
تَمَّتْ مقَادِيمُه وقَدْ سَتَرَتْ ... فَارِسَه مُقْبِلاً به عُنُقُهْ
إِذَا سَمَا طَرْفُه إلى أَمَدٍ ... قُرِّبَ بالشَّدِّ منه مُنسَحِقُهْ
كأَنّه الرِّيحُ حينَ تُرْسِلُه ... أَو لمْعُ بَرْقٍ إِذا بَدَا طَلَقُهْ
لوْ أَنّ يَوْمَ الرِّهانِ سابَقَهُ ... داحِسُه جاءَ مُحْرَزاً سبَقُهْ
يَنْسابُ كالأَيْنِ تَحْتَ راكِبِهِ ... وتَارَةً يَسْتطِيرُهُ عَنَقُهْ
تَخالُه السَّهْم عنْدَ جرْيَتِه ... يَسْبِق لَحْظَ العُيُونِ مُمْتَرِقُهْ
تطِيب أَعْراقُه لَدَى نَسب ال ... خَيْلِ وفي الجَرْيِ طَيِّبٌ عَرَقُهْ
رَحِيبُ مَجْرَى الحِزَام مُجْفَرُه ... أَجَشُّ صَوْتِ الصَّهيلِ صَهْصَلِقُهْ
وللمَرْيَمِيّ:
ظِرْفٌ كطَرْفِ العيْنِ بَلْ هِي دُونَه ... جَمُّ الجِرَاءِ إِذَا جَرَى غَيْدَاقُهُ
للظَّبْيِ منه أَيْطَلاهُ كمَا حَكَى ... رَأْسُ القَرِيض وللنَّعامةِ سَاقُهُ
؟ وله من السَّبُعِ اتِّساعُ إِهابِه ومع اتِّساعِ إِهابِهِ أَشْداقُهُ
بَذَّ الجِيادَ فما تَعَاطَى ركْضَه ... إِذْ كان يُعْيِي رَكْضَهَا إِعْنَاقُهُ
لولا تماسُكُ مَسْكِه في شدِّهِ ... لا نْقَدَّ عنْه لَبَانُه وصِفَاقُهُ
وللوليد بن عُبَيْد البحتُريّ:
جَذلانُ تَلطِمُه جَوَانِبُ غُرّةٍ ... جاءَت مجيءَ البَدْرِ عِنْد تَمامِهِ
وأسْوَدَّ ثُمَّ صَفَتْ لعَيْنَيْ ناظِرٍ ... جنَبَاتُه فأَضاءَ في إِظْلامِهِ
يَختال في اسْتعراضِه ويُكِبُّ في اسْ ... تدْبارِه ويَشبُّ في اسْتِقدامِهِ
وكأَنّ فارِسه وَرَاءَ قَذَالِه ... رِدْفٌ فلَسْتَ تَراه مِن قُدّامِهِ
ومُقَدّمُ الأُذُنيْن يُحْسَب أَنّه ... بِهما يَرَى الشَّخْصَ الذي لإِمامِهِ
لاَنتْ معاطِفُه فخُيِّلَ أَنّه ... للخَيْزُرَانِ مُنَاسِبٌ بعِظامِهِ
مَالَتْ جَوانِبُ عُرْفِه فكأَنَّهَا ... عَذَبَاتُ أَثْلٍ مالَ تَحْتَ حَمَامِهِ
ولأحمد بن محمد الحضرمي:
طِرْفٍ به اسْتِطْرافُنَا وَحْشَ الفَلاَ ... مُنْذُ افْتَلَيْناه لِيَوْمِ لِكَاكِ
شَنِجِ النَّسا زَجِلٍ كأَنَّ سَرَاتَه ... زُحْلُوقُ لعْبٍ أَوْ سَرَاةُ مَدَاكِ
ينْقضّ كالنَّجْمِ انْبَرَى للرَّجْم أَو ... كالسَّهْمِ طاحَ بمَلْعَبِ الأَتْراكِ
فكأَنّ وَحْش الأَرضِ مِنْ تَعْدائِه ... مَشْدُودةٌ بحبَائلِ الأَشْراكِ
فثَنَاهُ ما بلَّ الجَمِيمُ شَكِيرَهُ ... يَمْشِي العِرَضْنَة مِشْيةَ الفُتّاكِ
مُتصعْلِكٌ يَخْتَال في دِيباجَةٍ ... زنْجِيَّةٍ وشوَاه في أَنْطَاكي
وله أَيضاً:
يغْدُو بشِكَّتِه وبِزَّتِه ... ضَلِعٌ إِلى العُقَّال مَنْزِعُهُ
لَبِسَ الدُّجَى فزُهِي بمَلْبَسهِ ... ولَبِسْنَ ضوْءَ الفَجْرِ أَكْرُعُهُ
فأَضاءَت الشِّعْرى بغُرَّتِه ... لَمَّا تَكَشَّفَ عنه بُرْقُعُهُ
стр. 61
فكأَنَّهُ إِيماضُ بَارِقةٍ ... سِيقَتْ إِلى ظَمْآنَ تَنْقَعُهُ
وإِذا غلاَ في الجَرْيِ مَنْصلِتاً ... خَفِيَتْ على الأَبْصارِ أَرْبَعُهُ
أَخذَ هذا المعنَى من خَلَفٍ الأَحمرَ يَصف ثَوْراً وَحْشِيّاً:
وكأَنَّمَأ جهدَتْ أَلِيَّتُهُ ... ألاَّ يَمَسَّ الأَرْضَ أَرْبَعُهُ
وأخذه خَلَفٌ من الأَعشَى في صِفة ناقة:
بجُلاَلةٍ أُجُدٍ مُدَاخَلَةٍ ... ما إِنْ تكادُ خِفافُها تَقَعُ
ولابن المعتز:
وكَمْ حَضَرَ الهيجاءَ بي ناصِعُ الشَّظَى ... تَكَامَلَ في أَسْنَانِه فَهْوَ قَارِحُ
له عُنُقٌ يَغْتَالُ طُولَ عِنَانهِ ... وصَدْرٌ إِذَا أَعْطَيْتَه الجَرْيَ سابِحُ
إِذا مَالَ في أَعْطَافِه قُلْتَ شارِبٌ ... غَدَاهُ بتَصْرِيف المُدَامَةِ سانِحُ
وقلتُ:
ورُبَّ لَيْلِ جُبْتُهُ غِبَّ سُرًى ... بمُشْرِف الكاهِلِ مَلْمُومِ الكَفَلْ
نِسْبَتُهُ لأَعْوَجٍ ولاحِقٍ ... فهو رَبِيطٌ مِن رِبَاطٍ مُنْتَحَلْ
نَهْدٍ جَمُومِ الشَّدِّ فِيه لِقْوَةٌ ... تَنْقَضُّ يَوْمَ الدَّجْنِ خَوْفاً ووَهَلْ
تَرَاه في إِقباله طَوْداً وفي ... إِدبارِه سَيْلاً وعَرْضاً مُعْتَدِلْ
ذِي غُرَّة كالصُّبْح في داجِيَةٍ ... من الظَّلام أَظْلَمَتْ منه السُّبُلْ
وأَربَعٍ تُخْجِلُ عنْدَ جَرْيِهِ ... رِيحَ القَبُولِ والجَنُوبِ والشَّمَلْ
ولمحمد بن الحسن بن دُرَيدٍ:
ومُشْرِفُ الأَقطارِ خاظٍ نحْضُهُ ... حابِي القُصَيْرَى جُرْشُعٌ عَرْدُ النَّسَا
قَرِيبُ ما بَيْن القَطَاةِ والقَرَا ... بَعِيدُ ما بَيْنَ القَذَالِ والصَّلاَ
سَامِي التَّلِيلِ في دَسِيعٍ مُفْعَمٍ ... رَحْبُ الذِّراعِ في أَمِينَاتِ العُجَا
رُكِّبْنَ في حَوَاشِبٍ مُكْتَنَّةٍ ... إلى نُسُورٍ مِثْلِ مَلْفوظِ النَّوَى
يُدِيرُ إِعْلِيطَيْنِ في مَلْمُومةٍ ... إلى لَمُوحَيْنِ بأَلْحاظِ الَّلأَى
مُدَاخَلُ الخَلْقِ رَحِيبٌ شَجْرُهُ ... مُخْلَولِقُ الصَّهْوَةِ مَمْسُودٌ وَأَى
لا صَكَكٌ يَشِينُه ولا فَجَا ... ولا دَخِيسٌ وَاهِنٌ ولا شَظَا
يَجْرِي فتَكْبُو الرَِّيحُ في غَايَاتِهِ ... حَسْرَى تَلُوذُ بجَرَاثِيمِ الِسَّحَا
إِذا اجْتَهَدْتَ نَظَراً في إِثرِهِ ... قُلْتَ سَناً أَوْمَض أَو بَرْقٌ خَفَا
كأَنّما الجَوزَاءُ في أَرساغِه ... والنَّجْمُ في جَبْهَتِه إِذا بَدَا
وقُلْتُ في مقصورةٍ عَملتُهَا في هذا الوَزْن:
وقارحٍ سَمْحِ القِيَادِ سابحٍ ... عارِي النَّسَا عالِي الشَّوَى عَبْلِ الشَّوَى
ظَلَّلَه هادٍ وأَوْفَى حارِكٌ ... وانْجَدَلَ المَتْنَانِ واشْتَدَّ القَرَا
تَقُول إِن أَقْبَلَ عَيْرُ عَانَةٍ ... مُرْتَقِياً على يَفَاعٍ قَدْ عَلاَ
وهْوَ أَكبُّ إِنْ مَضَى مُوَلِّياً ... حتَّى إِذا اسْتَعْرَضْتَه قلْتَ اسْتَوَى
نَهْدٌ عَرِيضُ الجَنْبِ فَعْمٌ أَضَمرَ ال ... طِّرَادُ والكَرُّ حَشَاهُ فانْطَوَى
مُحَجَّلُ الأَرْبَع زِينَ وَجْهُهُ ... بغُرَّةٍ مِثْلِ صَبَاحِ في دُجَى
ذو مَيْعَةٍ يكَادُ في إِحضَارِه ... يَخْفَى على ناظِرِهِ فلا يُرَى
إِنْ عَصَفَت من الرِّياح أَرْبَعٌ ... حَسِبْتَها أَرْبَعَهُ إِذا جَرَى
يَهْوِى هُوِيَّ النَّجْمِ في انْقِضَاضِهِ ... أَوْ أَجْدَلٍ مِن حالِقٍ قد انْصَمَى
стр. 62
مُحْتَدِمٌ تَسْمَعُ صَوْتَ وَقْعِه ... كأَنَّهُ وَقْعُ صَفاً على صَفَا
قَيْدُ الوُحُوشِ لا يَزالُ مُدرِكاً ... راكِبُه عَفْواً عليه ما اشْتَهَى
وعارضَ قَصيدتي هذِه شاعِرٌ من أَهْل حَرّانَ اسمُه سَعِيدُ بنُ صَدَقَةَ الهاشميُّ بمقصورة لاذَ فيها بشِعِري لفظاً ومعنًى وأَخطَأَ في أَبيات عِدَّة منها، قال:
طِرْفٌ كَرِيمُ الطَّرَفَين مرِحٌ ... يَمْشِي الدِّفِقّاءَ ويَعْدُو المَرَطَى
الدِّفِقَّى مقصورٌ فَمدَّهُ، وهو خَطأٌ قَبيح. وقال:
كأَنّه الريحُ تَهُبُّ عاصِفاً ... وخَاطِفُ البرْقِ أَو النّجْمُ هَوَى
ويَذْرَعُ الأَرْضَ ببَاعٍ وَاسعٍ ... وَهْوَ إِذا ما قِيدَ زَيّافُ الخُطَا
مُسْتَشْرِفٌ في جَرْيه وإِنْ مَشَى ... رَدَى مِرَاحاً وإِذَا عَدَا دَحَا
تَقولُ جَبَّى مُدْبِراً ومُقْبِلاً ... أَقْعَى وإِنْ عارَضْتَه قُلْتَ اسْتَوَى
كلُّ هذِه المعاني لاذَ فيها بما قلته، وهذانِ البَيتانِ الأَخِيرانِ نَظَمهما من قول ابن أُقَيصِر الأَسديّ وقد سُئِل ما أَجودُ الخَيْل؟ فقال: الذِي إِذا اسْتَقْبَلْتَه أَقْعَى، وإِذا اسْتدبَرْتَه جَبَّى، وإِذا عارَضْتَه اسْتَوى، وإِذا مَشَى رَدَى وإِذا عَدَا دَحَا. وقال:
عالِي السَّرَاةِ والقَطَاةِ مُجْفَرٌ ... حابِي القُصَيْرَى رَبِذٌ عَبْلُ الشَّوَى
وأَيِّدُ الأَرْساغِ ذو حَوَافِرٍ ... صُمٍّ فمَا يَسْمَعنْ أَصْوَاتَ الوَجَى
البيت الأَول منقولٌ من ابن دُرَيد، والثاني خطأَ لأَنّ الصُمَّ هاهنا الصِّلاب كالحجارة الصُّمّ، وليست بمعنَى الصَّمَم، والوَجَى لا صَوْتَ له فيُسْمَعُ، ولو قال:
وأَيِّدُ الأَرْساغ ذو حَوَافِرٍ ... حُفْرٍ صِلاَبٍ ما تَشَكَّيْنَ الوَجَى
لكان طابقَ وأَصابَ الصوابَ. وقال:
وما يَزالُ مُلجِمٌ تَلِيلَه ... إِلاّ إِذا مَدَّ يَدَيْهِ ونَمَا
أَشْرَقَ بالذُّبُولِ من فَرِيرِه ... وزِينَ مِن حَصِيرهِ بما بَدَا
مُحَجَّلٌّ مُخَدَّمٌ كأَنّما ... غُرَّتُه الشِّعْرَى ضِيَاءً وبَهَا
البيت الأول معناه مأْخوذ من قول أعرابي:
عالِي المَقَدَّينِ تَرَى مُلْجِمَه ... يَعْلُو على الأَرْض بتَطْوِيل القَدَمْ
والثاني مأْخوذٌ من كلامِ بعض العرب الشامِيِّين وقد سُئِل: مَتَى يَبلُغُ ضُمْرُ الفَرَس؟ فقال: إذا ذَبُلَ فَرِيرُه، وتَفلَّقتْ غُرُورُه، وبَدَا حصِيرُهُ، واسْتَرْخَت شَاكِلتُهُ.
الفَرِيرُ: مَوْضع المَجَسَّة من مَعْرَفته، وغُرُورُه: غُضُونُ جِلْدِه، وحصِيره: العَصَبةُ التي في الجنْبِ في الأَضلاع إلى جَنْبِ الصُّلْب، والشَّاكِلةُ: الطِّفْطِفَةُ.
والبيت الثالث خَطأٌ، لأنّ التحجيل والتخديم لا يَجتمعانِ في فَرَسٍ، وقد بَيَّنَا ذلك في شِيَاتِ الخَيْل.
والبَهَاءُ ممدودٌ فقَصَرَه، وذلك جائزٌ عند الاضطرار إِذا لم يكن البِنَاءُ وَاهِياً مُنْحَلاَّ، والنّظمُ ساقِطاً مُضمَحِلاًّ، والقَصِيدَة بأَسْرِها على هذا، وقد عَملنا فيها رِسالةً سارَتْ.
ولأبي المعتصم عاصم بن محمّد الأَنطاكيّ:
هذا وطرِفٌ يَسْبِق ال ... طَّرْفَ إِذا الطَّرْفُ رَنَا
أَدْهَمُ كاللَّيْلِ إِذا ... أَرْدِيَةَ اللَّيْلِ ارْتَدَى
كأَنّما يَرْمِي الدُّجَى ... بِقطْعَةٍ من الدُّجَى
مُحجَّلُ الأَرْبَعِ مَحْ ... بُوكُ القَرَا عَبْلُ الشَّوَى
ذِي قُرْحَةٍ خَفِيّة ... كأَنّها نَجْمُ السُّهَا
كأَنّما أَرْبَعُهُ ... إِذا تَنَاهَبْنَ الثَّرَى
ريحُ الجَنُوبِ والدَّبو ... رِ والشَّمَالِ والصَّبَا
يَلْعَب في الأَرْضِ بها ... من مَرَحٍ خَسَا زَكَا
مُوَاجِةٌ وَجْهَ الصَّفَا ... منه بأَمْثَالِ الصَّفَا
стр. 63
لا عَصَبٌ يَعِيبُهُ ... تَشْمِيرُهُ ولا شَظَا
إِذا امْتطَى رَاكِبُه ... مَطَاهُ فالرِّيحَ امتَطى
الشَّطْرُ منه عُنُقٌ ... والشَّطْرُ طَوْدٌ يُمْتَطى
وهْوَ يَرَى مَا لاَ يَرَى ... رَاكِبُهُ حيثُ انْتَأَى
ويَسْمَعُ الحِسَّ الّذِي ... يَخْفَى علَى بُعْدِ المَدَى
الوَعْرُ سهْلٌ عنْدَه ... وما نَأَى كمَا دَنَا
كأَنَّه بَعْدَ الكَلاَ ... لِ في الفَلاَ سِيدُ الفَلاَ
نِعْمَ العَتَادُ للقِرَى ... ولِلسُّرَى ولِلْعِدا
لو اعْتَزَى قال أَبِي ... أَعْوَجُ والأُمُّ العَصَا
هُوَ الَّذِي خَوَّلَنَا ... هُ اللهُ مِن بَينِ الوَرَى
ولأَبي دُلَفَ قاسِم بن عِيسى العِجْليّ:
ولقد أَرُوحُ بمُشْرِفٍ ذِي مَيْعةٍ ... عَبْلِ الشَّوى نَهْدٍ أَغرَّ مُحَجَّلِ
رَحْبِ الفُرُوجِ سَوَابغٍ أَضْلاعُه ... عَبْلٍ أَعالِيه عَرِيِّ الأَسْفَلِ
لُحُقِ الأَياطِل جُثَّمٍ أَرِسَاغُه ... في وُقَّحِ حُوٍّ كصُمِّ الجنْدَلِ
ويَحُطُّ ثِنْىَ الجُلّ عن كَفَلٍ له ... مثْلِ الصَّفَاةِ تَرُدُّ حَدَّ المِعْوَلِ
جَونِ القَرَا أَحْوَى اللَّبَانِ مُقَلِّصٍ ... عارٍ نَواهِقُه صَحِيحِ الأَبجلِ
طَوْعِ اليَدَيْن عِنَانُه وقِيَادُهُ ... سَهْلٍ مَعَاطِفُهُ رحِيبِ المَصْهَلِ
وكأَنَّ عَقْدَ عِنَانِه وعِذَارِه ... نِيطَا بجِذْعِ النَّخْلةِ المُتعَثْكِلِ
سكنَتْ أَعالي خَلْقِهِ وكأَنَّما ... يَهْوِي بأَكْرُعِه اعْتصَافَ الشَّمْأَلِ
قول أَبي المعتصم كأَنما أَربَعُهُ من قول الأعرابي:
فكأَنّه طَوْدٌ إِذا عَايَنْتَهُ ... وكأَنَّ أَرْبَعَه الرِّياحُ الأَرْبَعُ
جمعَ ثِقلَ الخَيْلِ وخِفَّةَ الرِّيَاح في بَيْتٍ وَاحِد وأُنْشِدتُ لأَعْرَابيٍّ من بني أَسَدٍ يَرثِي فَرَسه:
إِنّ الجِيَادَ لِكلّ يَوْمِ كَرِيهَةٍ ... تَبْكِي لخَيْرِ مُسَخَّرٍ مَرْكوبِ
وبَكَى الرِّهانُ على أَغرَّ هَمَرْجَلٍ ... كالطَّوْدِ حُفَّ من الجِبَال بلُوبِ
وكأَنّمَا انْتَعَلَ الرِّياحَ بأَرْبَعٍ ... يَنْهَضْنَ من لِبْدِ الثَّرَى بكَئِيبِ
زَيْن الجِيَادِ بسَرْجِه ولِجَامِه ... يَوْمَ الطِّرَادِ وزِينة التَّسْلِيبِ
هذا البيت الأَخِير مثل قَولِ ذي الرُّمَّة ولا أَدْري أَيُّهما أَخَذَ من صاحِبه:
زَيْنُ الثِّياب وإِنْ أثْوَابُها استُلِبَتْفَوْقَ الحَشِيَّةِ يَوْماً زَانَهَا السَّلَبُ
ولأحمد بن محمد العَلويّ:
يَغْشَى الهِيَاجَ على حِصَانٍ لا تَرَى ... في الرَّوْع حِصْناً منه حَفْرَ الخَنْدَقِ
إِنْ قِيلَ ثِبْ فكأَنّ بَيْن عِنَانِه ... سَهْماً تَقُول له يَدُ الرّامِي امْرُقِ
وفيها:
وكأَنّ أَدْهمَه الأَغَرَّ إِذا بَدَا ... لَيْلٌ يُفَاجِئُنَا بفَجْرٍ مُشْرِقِ
يَخْتَالُ في الرَّهَج المُثَارِ لَدى الوَغَى ... فتَراه مِثْلَ العَارِض المتأَلِّقِ
وصَهيلُه رَعْدٌ وغُرَّةُ وَجْهِهِ ... بَرْقٌ تَلأْلأَ جنْحَ لَبْلٍ مُغْسِقِ
يَسْبِي عُيونَ الناظِرينِ بضَوْءِ تَحْ ... جِيلِ الثَّلاثِ وحُسنِ رُسْغٍ مُطْلَقِ
تَغْدو العُيونُ على مَحَاسِنِ وَجْهِه ... تَنْحَطُّ في بَهجَاتِهنّ وتَرْتَقِي
عَجَباً لشَمْسٍ أَشْرَقَت مِن وَجْهِه ... لمْ تَمْحُ منه دُجَى الظَّلامِ المُطْبِقِ
فَرِقٌ متَى يُعْنِقْ فمَوْجٌ طافِح ... ويَبُذُّ جَرْىَ المَوْجِ إِن لمْ يُعِنقِ
إنْ هَاجَهُ للْجَرْيِ في الغَرْب اغْتَدَىقَبْلَ ارْتِدَادِ الطَّرْفِ أَقْصَى المَشْرِقِ
стр. 64
وللعباس بن جَرِير في بِرْذَون:
وعِنْدِي لكُ بِرْذَونٌ ... كضَوْءِ النَّجْم في النُّورِ
له سالِفَتَا ظَبْيٍ ... مِن القنَّاص مَذْعُورِ
إِذا صاحِبُه أَوْفَى ... بِمتْنٍ منه مَضْبُورٍ
وجَاشَتْ نَفْسُه خِلْتَ ... بهِ لَسْعَةَ زُنْبُورِ
عليه نُقَطٌ سُودٌ ... كمِسْكٍ فَوْقَ كَافُورِ
وأَهدَى إِسماعيلُ بن صبِيح إلى سَعِيد بن هريمٍ بِرْذَوناً، وكتبَ إليه: هو لَيِّنُ المَرفُوع، وبَطِيءُ المَوْضوع، حَسَنُ المجموع.
وقال الجاحظ: سَايَرَ ابنٌ لشبيب بن شَيْبَة عَليَّ بنَ هِشامٍ فقال: سْرْ فقال: كيف أَسِيرُ وأَنا على بِرذَوْن إِنْ ضَرَبْتُهُ قطَفَ وإِن تَرَكْتُه وَقَف. وأَنت على بِرْذَونٍ إِن ضَرَبْتَه طَارَ، وإن ترَكْتَه سارَ؟ قال: ما أحسنَ ما استَحْمَلْتَ. ونَزَلَ عنه فحَمَلَه عليه.
وقال المأْمون لطاهر بن الحسين وقد سَايَرَه: ما أَقدَمَ برْذَونَ: هذا: قال: من برَكِة الدَّابَّة طُولُ صُحْبتِه، وقِلّةُ عِلَّتِه. قال: فيكف حَمْدُك له؟ قال: هَمُّهُ أَمامُهُ، وسَوْطُه لِجَامُهُ، ما ضُرِب قَطُّ إِلاّ ظُلماً لِسَيْره، ولا اسْتُحِثَّ إلاّ للعَادةٍ في غَيْره. فقال: مِثْلُك أَبا الطَّيِّب، فلْيَصِفِ الشْيءَ إِذا وَصَفَه.
وكان لمحمّد بن عبد الملك بِرْذَون أشْهَبُ أَحَمُّ، لم يُرَ مِثْلُه في الفَرَاهة، والوَطَاءِ والحُسْنِ، فذًَكَر المعتصمُ يوماً الدَّوَابَّ فقال: أَشتهِي دَابّةً في نِهَايَةِ الوَطَاءِ يَصلِحُ للسَّرَايَا. فقال له أَحمدُ بن خالد: عند كَاتِبك، يا أَميرَ المؤمنين، محمَّد بن عبد الملكْ الزّيّاتِ دَابَّةٌ لم يُرَ مِثْلُه فوجَّهَ المعتصمُ فأَخَذَه من محمّد فقال فيه محمد من أَبيات:
كيْفَ القَرَارُ وقَد مَضَى لسبِيله ... عنّا فوَدَّعَنَا الأَحَمُّ الأَشْهَبُ
للهِ يَوْمَ غَدُوتَ عَنّي ظاعِناً ... وسُلِبْتُ قُرْبَكَ أَيّ عِلْقٍ أُسْلَبُ
الآنَ إِذْ كَمُلَتْ أَدَاتُك كلُّهَا ... ودَعَا العُيُونَ إِليْك زِيٌّ مُعْجِبُ
واخْتِيرَ مِن خَيْرِ الحَدَائدِ خَيْرُهَا ... لك خَالِصاً ومِن الحُلِيِّ الأَغْرَبُ
وغَدَوْتَ طَنَّانَ اللِّجامِ كأَنّما ... في كلِّ عُضْوٍ منكَ صَنْجٌ يُضْرَبُ
وكأَنّ سَرْجَك فَوقَ مَتْنِ غَمَامَةٍ ... وكأَنّمَا تَحْتَ الغَمَامَة كَوْكَبُ
ورَأَى عَليِّ بك الصَّديقُ مَهَابةً ... وغَدَا العَدُوُّ وصَدْرُهُ يَتَلَهَّبُ
أَنْسَاك لا بَرِحَتْ إِذاً مَنْسِيّةً ... نَفْسي ولاَ زالَتْ بمثْلِ: تُنكَبُ
وكان الفَضْل بن عبد الله مُولَعاً برُكُوبِ البِغَال، فقال له بعضُ إِخوانه: ما وَلُوعُك برُكُوب هذه الدّابَّةِ، فوالله ما يُدرَكُ عليها ثَأْرٌ، ولا يُسْبَقُ عليها يَومَ الرِّهَان. فقال: إِنّهَا نَزَلَتْ عن خُيَلاَءِ الخَيْلِ، وارْتَفَعَتْ عن ذِلّة العَيْرِ وخيْرُ الأُمُورِ أَوْسطُهَا.
وقال الأَصمعيّ: أَحْسَنُ ما قِيلَ في صَلْصَلَةِ لِجام بلسان فَرسٍ قَوْلُ ابن مُقْبِل:
ستَبْكِي على عَمْرٍو عُيُونٌ كَثِيرةٌ ... فعُدُّوا المَذَاكِي بالمُثَقَّفَةِ السُّمْرِ
وكُلّ علَنْدًى شُقَّ أَسْفَلُ ذَيْلهِ ... فشُمِّرَ عن ساقٍ وأَوْظِفَةٍ عُجْرٍ
يُقَلْقِلُ في فَاسِ اللِّجَامِ لِسَانَه ... تَقَلْقُلَ عُودِ المَرْخِ في جَعْبَةٍ صِفْرِ
وقال خالدُ بن صفْوان: بئسَ الدّابَّةُ الحِمارُ، إِنْ أَرسَلْتَه وَلَّى، وإِنْ وقَفْتَهُ أَدْلَى، قَلِيلُ الغَوْث، كَثِيرُ الرَّوْث، بَطئُ عن الكُرّ، سَرِيعٌ إلى الفَرّ، لا يُنْكَح به النِّساءُ، ولا تُرَاق به الدِّماءُ.
ونَقْتَنع بما ذكرْنا من صِفات الخَيْل وما جَانَسَها، إِذْ كان لا يُدْركُ ما قالتِ العَربُ فيها، ولا ما قَاله المُحدَثون أَيضاً، ففيما ذكرناه كِفَايَةٌ إِنْ شاءَ اللهُ وهو حَسْبي.
باب
في البَرِّ والإبِل والظُّعنِ
والبَحر والمَراكِب والسُّفُنْ
стр. 65
جَمعنا من هذَين الفَنَّين، لأَنهما نَظيرانِ، والإبلُ سفُنْ البَرّ ونحن نَذكُر بعض ما جَاءَ في البَرارِي وأَهوالها، والإِبل وأَسنانها، وسُرْعتها وحَنِينها والتطَيُّر منها، وذكر الظّغائن. والهَوادِج عليها، ونُضِيف إلى ذلك صِفاتِ النَّواعِير، إِذ كان قد شُبِّه حِنيُنهَا بحنِين الأَباعر، ويتلو ذلك بعضُ ما جاءَ في البِحار والسُّفُن وما شاكل ذلك إن شاء الله.
أسنان الإِبل
يُقال لوَلدِ النّاقةِ ساعةَ تُلقِيه: سَقْبٌ لِلذَّكَرِ.. ..... ...... .... ... سَخْلَةٌ، فإذا عُلِمَ ما هُوَ قيل للذَّكر: حُوَارٌ، والأُنْثَى: حائلٌ فإذا مَضتْ له أَيّامٌ كان رُبَعاً والأًنْثَى رُبَعَةٌ فإذا أكلَ الشَّجَر، وشرِبَ الماءَ وفُطِمَ فَهْو فَصِيلٌ، والأُنثَى فَصيلةٌ، وفي السَّنَة التي تلِيها ابنُ مَخَاضٍ، والأُنثى بنتُ مَخاضٍ، وفي الّتي تليها ابنُ لَبُونٍ، والأُنثَى بِنتُ لَبُون وفي التي تَليها حِقٌّ وحِقّةٌ، وفي التي تَلِيها جَذَعٌ وجذَعَة، وفي الّتي تَليها ثَنِيّ وثَنِيَّة، وفي التي تَليها رَبَاع ورَبَاعِيَة، وفي التي تَليها سَدَسٌ وسَدِيسٌ للذَّكَر والأُنثَى وفي التي تَليها بارِكٌ للذَّكَر والأُنثَى. والعُشَراءُ: التي أَتَى عليها من لقَاحِها عَشْرةً أَشهُرٍ، والهَجَائِنُ: الكِرامُ منها، والبَرْكُ: إِبِلُ الحَيّ، وليس للعَرب في أََشعارها أَكثَرُ من صِفات الإِبِل والخيْل والبَرارِي، والمشهور لها مِن ذلك كثيرٌ والمُخْتَارُ غيرُ يسير، ونحن نأْتِي بقليلٍ منه، ليكون كِتَابُنا يَشتملُ على كلِّ فنٍّ. ويَتَضمَّنُ من كلّ مَعنًى ووَصفٍ إن شاء الله.
في البَرِّية
للمُتلمِّس:
كم دُون ميَّةَ مِن دَاوِيَّة قَذَفٍ ... ومِنْ فَلاةٍ بها تُستَوْدَعُ العِيسُ
ومن ذُرَا علَمٍ نَاءٍ مَسَافَتُه ... كأَنَّه في حَبَابِ الماءِ مَغموسُ
جاوَزْتُه بأَمُونٍ ذاتِ مَعْجَمَةٍ ... تنْجو بكَلكَلِها والرأْسُ مَعْكُوسُ
وللأعْشى:
ويَهْمَاءَ قَفْرٍ تَحْرَجُ العَيْنُ وَسْطَهاوتَلْقَى بها بَيْضَ النَّعَامِ تَرَائِكَا
يَقول بها ذُو قُوَّةِ القومِ إِذْ دَنَا ... لصَاحِبه إِذْ خافَ منها المَهَالِكَا
لك الوَيْلُ أَفْشِ الطَّرْفَ بالعَيْن حَوْلنا ... علَى حَذَرٍ واسْتَبْقِ ما فِي سِقَائكَا
وللمرَّار الفقعسِيّ:
إِذَا نَظَر القَومُ ما مِثلُها ... رأَى القَوْمُ دَوِّيَّةً كالسَّمَا
كأَنّ قُلوبَ أَدِلاّئِها ... مُعَلَّقةٌ بقُرُونِ الظِّبَا
يَظلُّ الشُّجاعُ الشديدُ الجَنانِ ... مُحافَظَةً مُعْصِماً بالدُّعَا
له نَظْرتان فمَرْفُوعَةٌ ... وأُخْرَى تأَمَّلُ مَا في السِّقَا
وثالِثةٌ بعد طُولِ الصُّماتِ ... إِليَّ وفي صَوتِه كالبُكَا
فقلْتُ الْتَزِمْ عنك ظَهْرَ القَعُود ... جَزَآ اللهُ مِثلَك شَرَّ الجَزَا
ولذي الرُّمَّة:
كم دُونَ مَيَّةَ من خَرْقٍ ومن عَلَمٍ ... كأنَّه لاَمِعاً عُرْيَانُ مَسْلوبُ
وكمْ مُلَمَّعَةٍ غَبْرَاءَ مُظْلِمةٍ ... تُرَابُها بشِعَافِ القَلْبِ معصوبُ
كأَنّ حِرْباءها في كلِّ هاجِرةٍ ... ذُو شَيْبَةٍ من رِجَالِ الْهِنْدِ مَصلوبُ
ومن أحسن ما قيل في البَرِّيَّة قولُ الأَخطل:
وبَيْدَاءَ مِمْحَالٍ كأَنَّ نَعامَهَا ... بأَرْجائِها القُصوَى أَباعِرُ هُمَّلُ
تَرَى لامِعَاتِ الآلِ فِيهَا كأَنَّهَا ... رِجَالٌ تُعَرَّى تارةً وتُسَرْبَلُ
وجَوْزِ فَلاَةٍ ما يُغمِّضُ رَكْبُها ... ولا عَيْنُ هَادِيها من الخَوْفِ تَغْفُلُ
بكلِّ بَعِيد الغَوْلِ لا يُهْتَدَى له ... بعِرْفانِ أعلامٍ ولا فيه مَنْهَلُ
مَلاعِبُ جِنّانٍ كأَنَّ تُرَابَها ... إِذا اصَّرَدَتْ فيه الرِّيَاحُ مُغَرْبَلُ
ولعبد الله بن محمد:
стр. 66
ويَهْماءَ يسقطُ عنها الظَنُونُ ... ولا يَجِدُ الرَّكْبُ فيها مَقِيلاَ
تَمَلُّ الرِّياحُ بها مَرَّهَا ... فتُمْسِي العَوَاصِفُ منها كُلولاَ
إِذَا مَا تَرَامَتْ بأَيْدِي الرِّكا ... بِ لم يَرْجُ غائبُها أَن يَؤُولاَ
تُكَذِّبُ عنّا هُمُومُ القلوبِ ... إِذا أَزمعَ الَقومُ منها القُفولاَ
ويَنْبُو عن العَيْنِ فيها الكَرى ... فلا يطْعَمُ النَّومَ إِلاّ قَليلاَ
كأَنّ عَسَاقِلَها بالضُّحَى ... طَرائِدُ خَيلٍ تُبَارِى خيولاَ
وليحيي بن هِلالِ العَبْديّ:
وفَلاَةٍ كأَنَّمَا اشتمَلَ اللَّي ... لُ علَى رَكْبِها بأَبْنَاءِ حَامِ
ولمحمد بن سعيد:
وطَامِسِ الآيِ كالمِرْآةِ مُشْتبِهٍ ... حَزْنٍ مَعَالِمُه يُشْبِهنَ أَحْزانِي
يُمْسِي بها الرَّكْبُ إِمْساءَ المُحِبّ إِذا ... ما رِيعَ بالبَيْن في إِصباحِهِ الدّانِي
كأَنّ رَقْراقَ حَيْرانِ السَّرابِ به ... دَمْعٌ تَحيَّرَ في أَجْفَانِ حَيْرانِ
ولرجلٍ من بني فَزَارة في بَلْدَة وناقَة:
وبَلْدَةٍ مُغْبرَّةٍ قِفَافُهَا
خَيْرُ هُدَى القَوْمِ به اعتِسافُهَا
قَطَعْتُهَا لَمَّا اسْتَوَتْ أَشْرَافُهَا
بعِرْمِسٍ لم تُحتلَبْ أَخلافُها
كأَنَّهَا لَمَّا جَرَى سِنَافُهَا
بَكْرَةُ شِيْزَى ضَمَّها خُطّافُهَا
؟ في وصف الإبل وسرعتها
قد ذكرَ الشُّعَرَاءُ المتقدِّمُونَ المشاهيرُ الإِبِلَ بما نحن نستغنِي عن ذِكْره لشُهرته، ونذكُر يسيراً من كثير ما قالوهُ، فمن ذلك قولُ عَلْقَمَة:
هل تُلْحِقَنّي بأُخْرَى القَومِ إِذ شَحَطوا ... جُلْذِيَّةٌ كأَتانِ الضَّحْلِ عُلْكومُ
تُلاحِظُ السَّوطَ شَزْراً وهيَ ضامِرة ... كما توجَّس طَاوِي الكَشحِ مَوْشومُ
كأَنَّها خاصِبٌ زُعْرٌ قَوادِمُه ... أَجْنَى له باللِّوَى شَرْىٌ وتَنّومُ
وقولُ المثقِّب العَبْديّ:
فسَلِّ الهَمَّ عنكَ بذات لَوْثٍ ... عُذَافِرةٍ كمِطْرَقَةٍ القُيُونِ
بصَادِقَةِ الوَجِيف كأَنّ هِرّاً ... يُبَارِيها ويَأْخُذُ بالوَضِينِ
كَساهَا تَامِكاً قَرِداً عليها ... سَوَادِيُّ الرَّضِيخِ معَ اللَّجِينِ
إِذا قَلِقَتْ أَشُدُّ لَها سِنَافاً ... أَمامَ الزَّوْر من قَلَقِ الوَضِينِ
كأَنّ مَوَاقعَ الثَّفِنَاتِ منها ... مُعَرَّسُ بَاكِرَاتِ الوِرْدِ جُونِ
كأنّ الكُورَ والأنْساعَ منها ... على قَرْوَاءَ ماهِرَةٍ دَهِينِ
يَشُقُّ المَاءَ جُؤجُؤُهَا وتعْلو ... غَوَارِبَ كلِّ ذي حَدَبٍ بَطِينِ
وللأَعشَى:
بِجُلاَلِةٍ سُرُحٍ كأَنَّ بغَرْزهَا ... شَوْكاً إِذا انْتعَل المَطِيُّ ظِلاَلَهَا
ومن أحسن ما قيل في سُرْعَةِ الإِبل قولُ أَعرابيّ:
فتسنَّموا شُعَبَ الرِّكابِ تُرَى بهم ... سُودَ البُطُونِ كفَضْلَةِ المُتَنَمِّسِ
تَسَنَّموا: عَلَوْا، وسُودُ البُطُونِ من العَرَق، لأَنّ عرقَ الإِبِل أَسودُ وفَضلَة المتنَمِّس: ما يَنفلِتُ من الصَّيّاد من حِبَالته، والمتنَمِّسُ: الصَّيّاد الجالسُ في الناموس، جَعَل ما يُفْلِتُ منه فَضْلَةً من صَيده، فيقول: هي في سُرعتها ونَشاطِها بعدَ الإِعْيَاءِ للعَرقِ والكَدّ الشديد كنَشَاط ما يُفْلِت من حِبَالةِ الصّائد من الظِّبَاءِ وغير ذلك، ويُرْوَى فقلَّصَتْ بهم المطيُّ.
ولكعب بن زُهَير:
حرْفٌ أَخوهَا أَبوهَا من مُهَجَّنةٍ ... وعَمُّهَا خَالُهَا قَوْداءُ شِمْليلُ
تخْفِي التُرابَ بأَظلافٍ ثمانيةٍ ... بأَرْبَعٍ وَقْعُهنَّ الأَرضَ تَحليلُ
وللقُطامِيِّ:
يَمْشِين رَهْواً فلا الأَعْجَازُ خاذِلةٌ ... ولا الصُّدُورُ على الأَعجاز تَتَّكِلُ
стр. 67
فهُنّ مُعترِضاتٌ والحَصَى رَمِضٌ ... والرِّيحُ ساكنةٌ والظِّلُّ مُعْتدِلُ
يَتبَعْن سامِيَةَ العَيْنَيْن تَحسَبُها ... مَجْنُونَةً أَو تَرَى ما لا تَرَى الإِبلُ
وللأخطل:
جُمالِيَّةً غُولَ النَّجَاءِ كأَنَّها ... بَنِيَّةُ عَقْرٍ أَو قَرِيعُ هجَانِ
إِذا اعتْتَقَبَتْهَا الكفُّ بالسَّوْط رَاوَحَتْ ... على الأَيْنِ والتَّبغيلِ بالخَطَرَانِ
بذي خُصَلٍ سَبْطِ العَسِيبِ كأَنّه ... على الفَخْذِ والحَاذَينِ غُصْنُ إِهَانِ
كأَنّ مَقَذَّيْها إِذا ما تَحَدَّرَا ... على وَاضِحٍ من عُنْقِهَا وَشلاَنِ
وقال الجَرْميّ: سمعتُ امرأَةً من العرب تقول: ما ذَكَر النّاسُ مذكوراً خيراً من الإِبِل، إنْ حُمِّلَت أَثقلَت، وإِنْ مَشَت أَبْعَدَتْ، وإِن حُلِبَت أَرْوَت، وإِنْ نُحِرَت أَشْبَعت، طويلةُ الظِّمْءِ، نَشِيطةُ المَشْي، ثَقيلة الحمْلِ، بَعيدةُ الرَّوْحِة من الغَدْوَة، كلُّ شيءٍ عليها عِيَالٌ.
وقال أَبو عُبَيْدَة: اسْتَمْنَحَ مسعودُ بن المختلس الشَّيْبانيُّ عَلْقَمَة بن شَمِر بن مُسْهِرٍ ناقَةً من إِبله، فأَبى أن يَمنحَه إيّاها فقال:
أَعلقَم يا بْنَ المُسْهِرَيْنِ حَرَمْتَني ... عُلاَلةَ نابٍ مُستعارٍ ضَرِيبُهَا
تَهَمَّيْتَهَا أَو نِلْتَها من عُمالةٍ ... إلى صِرْمةٍ كانَتْ قليلاً غَرِيبُهَا
قوله: تهمَّيتَها، أَي أَخذتَها هاميةً، أَي ضالّةً، وقوله: قليلاً غَريبها، أَي لا يُعطِي أَحداً شيئاً، فغَرِيبُهَا في الناس قليلٌ. وقولُه: يا بْنَ المُسْهِرَين، أَبوه مُسْهِرٌ، وأُمُّه بنت عَمرو بن يَزِيد بن مُسْهِرٍ الذي هجاه الأعْشَى فقال:
يَزِيدُ يَغُضُّ الطَّرْفَ دُوني كأَنّما ... زَوَى بَيْنَ عَيْنَيهِ عليَّ المَحَاجِمُ
وللأَخطل في الإِبل المحبوسة للقِرَى:
ومَحْبُوسةٍ في الحَيِّ ضامِنةِ القِرَى ... إِذا اللَّيْلُ وَافَاها بأَشْعثَ ساغِبِ
مُعَقّرةٍ لا يُنكِر السَّيْف وَسْطُهَا ... إِذا لم يكن فيها مَعسٌّ لحالِبِ
إِذا اسْتقْبلتْهَا الرِّيحُ لم تَنْفتِلْ لهاوإِنْ أَصبَحَتْ شُهْبَ الذُّرَا والغَوَارِبِ
يُطِفْنَ بزيّافٍ كأَنّ هَ؟ دِيره ... إِذا جاوَزَ الحَيْزُومَ تَرْجِيعُ قاصِبِ
كأَنَّ اللَّهَا منها بَلاَعيمُ جِنَّةٍ ... وأَشْدَاقها السُّفْلَى مغَارُ الثَّعَالِبِ
وقال أَبو بكرٍ: أَنشدني أَبو يَعْلى العالي عن أَبي المشَاش، شيخٍ من بَلدِه، لذي الرُّمّة، وزعم أَنّه ما وُصِف بَعيرٌ بأَحْسَنَ منه:
يَكَادُ من التَّصْدِير يَنْسَلُّ كُلَّمَا ... تَحَرَّكَ أَو مَسَّ العِمَامةَ راكبُهْ
إِذا عُجْتُ مِنْهُ أَو رَأَى فَوْقَ رَحْلِه ... تَحرَّكَ شيءٍ ظَنَّ أَنِّيَ ضارِبُهْ
ولعُمر بن أَبي ربيعة:
فطافَتْ به مِقلاةُ أرضٍ تَخَالُهَا ... إِذا الْتَفَتَتْ مَجْنُونةً حين تَنْظُرُ
يُنَازِعُني حِرْصاً على الماءِ رَأْسُها ... ومِن دُونِ ما تَهْوَى قَلِيبٌ مُعَوَّرُ
مُحاوِلةٌ للوِرْدِ لولا زِمَامُها ... وجَذْبِي لَهَا كادتْ مِرَارَاً تكسَّرُ
للقِصافيّ وهو من أَحسن ما قيل:
خُوصٌ نَواجٍ إِذا صاحَ الحُداةُ بها ... رأَيت أَرجُلها قُدّام أَيديها
وفي سرعة النّاقة لآخر:
مَرُوح برِجْلَيها إِذا هِي هَجَّرتْ ... ويَمْنَعها من أَنْ تَطيرَ زِمَامُها
ومن التشبيه المُطَّرِد على أَلِسنةِ العربِ في سيرِ الناقةِ وحركة قوائمها قولُ الراجز:
كأَنّهَا ليلَةَ غِبّ الأَزْرَقِ ... وقد مدَدْنَا باعَها للسُّوَّقِ
خرقاءُ بينَ المُسْلمِينَ تَرْتَقِي
غِبّ الأَزرق، يعنِي مَوضعاً، وأَحسبُه ماءً.
وللقُطاميّ في السُّرعة:
وإذا تَخلَّفَ خَلْفَهنّ لحَاجَةٍ ... حادٍ يُشَسِّع نَعْلَه لم يَلْحَقِ
ولغيره:
إِذا بَرَكَتْ جَرَّتْ على ثَفِناتِها ... مُجافَيةً صُلْباً كقَنْطرة الجِسْرِ
стр. 68
كأَنّ يَدَيْهَا حين تَجْرِ ضُفُورُهَا ... طَرِيدَانِ والرِّجْلانِ طَالِبتَا وِتْرِ
وهذا حسنٌ.
ولحُكَيم بن مُعَيّة:
إِذا عَلَون أَرْبعاً بأَربعِ ... في جَعْجَعٍ مَوْصِيَّةٍ بجَعْجَع
أَنَنَّ تَأْنَانَ النُّفوسِ الرُّجَّعِ
يَصِف إِبِلاً، والأَربَعُ، أَراد أَربعةَ أَوْظِفَةٍ، مع أَرْبَعِ أَذْرُع، وكأَنّه أَنَّثَه على الكُرَاع، وإذا بَرَكْن أَننَّ.
وأَنشد الزُّبَير:
بأَخْفافها يُبْعِدْن كُلَّ مُقرَّبٍ ... ويدْنو عليها الشَّاحِطُ المتَباعِدُ
تَكونُ على أَكْوَارِها هَجْعَةُ السُّرى ... وأَذْرُعُها عند الصَّبَاح وَسائدُ
ولعليّ بن الجَهْم:
وأَخو فَلاةٍ سَهْوَقٍ وَسَقَتْ له ... خُنُفٌ نَوَاحِلُ كالقِسِيِّ ذَوَابِلُ
أَو كالإِرانِ تَضاءَلَتْ أَنْقاضُه ... وكذاكَ ظَاهِرُ آلِهَا مُتضائِلَ
أو كالقِدَاحِ أَجَالَهَا ذُو ميْعةٍ ... جَذْلانُ من نُجَباءِ قارَةَ نابِلُ
أَفْنَى ثَمَائِلَها الوَجِيفُ وسائِقٌ ... غَرِدٌ يُمَاطِلُها النَّدَى وتُمَاطِلُ
يَقِصُ الإِكامَ بها مَشِيقٌ عَيْطلٌ ... مُتَخدِّدُ الخَدَّينِ أَقْلَحُ بَاسِلُ
يَتْلو شَوارِدَها على عِلاَّتِه ... مَرِحاً كما يَتْلُو السِّنانَ العامِلُ
فإِذا اسْترَابَ بَرَبْوة أَو رَهْوَةٍ ... فلهنَّ عنه تَجانُفٌ وتَزَايُلُ
وله علَى أَثْباجِهنّ مَيَاسِمٌ ... شُخُبٌ كأَفواهِ الضَّبابِ سَوَائِلُ
وله أَيضاً:
بخَيْفانةٍ كالقَصْر وَجْنَاءَ حُرَّةٍ ... نمَتْهَا من النُّوقِ الهِجَانِ الخَوَانِفُ
مُذَكَّرَةٍ خَرْقاءَ مُضْبَرَةِ القَرَا ... يَفُوتُ يَدَ العادِيّ منها المشَارِفُ
كأَنّى ورَحْلي فوق أَحْقَبَ لاحَهُ ... طِرَادُ جِيَادٍ وَقْعُهَا مُتَرَاصِفُ
وللعبّاسيّ:
وشِمِلَّةٍ عَيْرَانةٍ تَطَأُ الوَجَى ... مُرْتاعةِ الحَرَكات جَلْسٍ عَيْطَلِ
تَرْنُو بناظِرَةٍ كأَنَّ حَجَاجَها ... وَقْبٌ أَنافَ بشاهِقٍ لم يُحْلَلِ
وكأَنَّ مَسْقَطَها إِذا ما عَرَّسَتْ ... آثارُ مَسْقَطِ ساجِدٍ مُتَبتِّلِ
وكأَنّ آثَارَ النُّسُوعِ بدَفِّها ... مَسْرَى الأَسَاوِدِ في هَيَامٍ أَهْيَلِ
وتَسُدُّ حَاذَيْهَا بجَثْلٍ كاملٍ ... كعَسيبِ نَخْلٍ خُوصُه لم يُنْحَلِ
وكأَنَّها عَدْواً قَطَاةٌ صَبَّحَتْ ... شِرَعَ المِيَاهِ وهَمُّهَا في المَنْزِلِ
وغَدَتْ كجُلْمُودِ القِذَافٍ يُقِلُّهَا ... وَافٍ كمِثْلِ الطَّيْلسَانِ المُخْملِ
وله أيضاً:
لنا إِبِلٌ مِلءَ الفَضَاءِ كأَنَّما ... حَمَلْنَ التِّلاعَ الحُوَّ فوقَ الحَوَارِكِ
ولكنْ إِذا اغْتَرَّ الزَّمَانُ تَرَوَّحَتْ ... فجَارَتْ عليه بالعُرُوقِ السَّوَافِكِ
وله أيضاً:
لنا إِبلٌ ما وَفَّرَتْهَا دِماؤُنَا ... ولا ذَعَرتْهَا في الصَّبَاح الصَّوائِحُ
تَقسَّمهنّ الحَقُّ إلاَّ بَقِيَّةً ... تُرَدُّ عليه حِينَ تُخْشَى الجَوائِحُ
إِذا غَدَرتْ أَلْبَانُهَا بضُيوفِنا ... وَفَتْ بالقِرَى حِيْرانُها والصَّفائحُ
وقَيَّدَها بالنَّصْل خِرْقٌ كأَنّه ... إِذَا جَدَّ لولا ما جَنَى السَّيْفُ مَازِحُ
كأَنّ أَكُفَّ القَومِ في جَفَناتِه ... قَطاً لم يُنفِّرْهُ عن الماءِ سارِحُ
وله أيضاً:
ومَهْلَكَةٍ لاَمِعٍ آلُهَا ... قَطَعْتُ بحَرْفٍ أَمُونِ الخُطَا
لهَا ذَنَبٌ مثْلُ خُوصِ العَسيبِ ... وأَرْبَعَةٌ تَرْتَمِي بالحَصَا
بَنَاهَا الرَّبِيعُ بِنَاءَ الكثي ... بِ سَاقَتْ إِليه الرِّيَاحُ النَّقَا
стр. 69
فَما زَالَ يُدْئِبُهَا ماجِدٌ ... على الأَيْنِ حتى انْطَوت وانْطَوَى
ولشَرْشِير:
على جَسْرةٍ لا يُدْرِكُ الطَّرفُ شَأْوَهَا ... إِذا جَدَّ مِن نصِّ الوَجيفِ ذُمُورُ
مُوثَّقَةٍ لم يَنْحَضِ البِيدُ لَحْمَهَا ... قَوائِمُها فوقَ الصُّخورِ صُخُورٌ
تُفَتّقُ عن ذاتِ الوِحَادِ جُرُومُها ... ولا يَبْلُغُ الرُّكْبَانُ حيثُ تُغِيرُ
مُضبَّرَةٍ جَلْسٍ فأَمَّا عِظَامُها ... فرَصْفٌ وأَمّا لِيطُهَا فحرِيرُ
كأَنّي إِذا عالَيت جَوزَةَ مَتْنِهَا ... على عُلَوِيَّات الرِّيَاحِ أَسِيرُ
ولنُصِبٍ الأَصغَر، ويُكْنَى أَبا الحَجْنَاءِ، يَصِف ناقةً وسُرعتها:
هي الرّيح إلاّ خَلْقَها غير أَنّهَا ... تَبِيتُ غَوَادِي الرِّيحِ حيُ تَقِيلُ
وهذا إِسرافٌ في الوصف للسرعَةِ. ولم يَصفْ أَحدٌ ممن تقدَّمَ وتَأخًّر النَّاقةَ أَحسنَ من وَصْفِ طَرفةَ بن العَبْد، فإِنّه جَمع صِفَاتٍ خَلْقِهَا وسُرْعَتَها، فجاءَ بها بأَحسنِ كَلامٍ، وأَوضحِ تَشْبِيهٍ بقوله:
وإِنّي لأُمْضِي الهَمَّ عند احْتِضارِه ... بعَوْجَاءَ مِرْقالٍ تَرُوحُ وتَغْتدِي
أَمُونٍ كأَلْوَاح الإِرانِ نَسأْتُها ... على لاَحِبٍ كأَنّه ظَهْرُ بُرْجُدِ
نُبارِي عِتَاقاً ناجِيَاتٍ وأَتْبَعَتْ ... وَظِيفاً وَظِيفاً فَوق مَوْرٍ مُعَبَّدِ
وفيها:
لها فَخِذانِ أُكمِلَ النَّحْضُ فيهما ... كأَنَّهما بَابَا مُنِيفٍ مُمَرَّدِ
وطَيُّ محالٍ كالحِنيِّ خُلُوفُه ... وأَجْرِنَةٌ لُزَّتْ بدَأْيٍ مُنَضَّدِ
كأَنّ كِناسَيْ ضالَةٍ يَكْنُفَانِهَا ... وأَطْرَ قِسِيٍّ تحت صُلْبٍ مُؤَيَّدِ
لهَا مِرْفَقَانِ أَفتَلانِ كأَنّمَا ... تَمُرُّ بسَلْمَى دَالجٍ مُتَشَدِّدِ
كقَنْطَرةِ الرُّومِيِّ أَقْسَمَ رَبُّها ... لتُكْتَنَفنْ حَتَّى تُشَادَ بقرْمدِ
صُهَابِيَّةُ العُثنُونِ مُؤْجَدةُ القَرَا ... بَعِيدَةُ وَخْدِ الرِّجْل مَوّارةُ اليَدِ
أُمِرَّتْ يَدَاهَا فَتْلَ شَزْرٍ وأُجْنِحَتْ ... لَهَا عَضُدَاها في سَقِيفٍ مُسَنَّدِ
جنُوحٌ دٌفَاقٌ عَنْدَلٌ ثُمَّ أُفرِغَت ... لها كَتِفَاهَا في مُعَالَي مُصعَّدِ
ويَصف عُنُقَها فيقول:
وأَتلَعُ نَهّاضٌ إِذا صَعَّدَتْ به ... كسُكَّانِ بُوصِيٍّ بدِجْلَةَ مُصْعِدِ
وجُمْجُمةٌ مِثْلُ العَلاَةِ كأَنَّمَا ... وَعَى المُلْتَقَى مِنْهَا إِلى حَرْفِ مِبْرَدِ
هذا البيت قال الأصمعيّ: لم يقل مِثْلَهُ أَحَدٌ وقد ذكَرنَا ما فيه وبيَّناهُ في أَبيات المعاني.
وفيها:
ووَجهٌ كقِرْطَاسِ الشَّآمِي ومِشْفَرٌ ... كسِبْتِ اليَمَانِي قَدُّهُ لم يُحَرَّدِ
وعَيْنَانِ كالمَاوِيَّتَيْنِ اسْتَكنَّتَابكَهْفَيْ حِجَاجَىْ صَخْرَةٍ قَلْتِ مَوْرِدِ
طَحُورَانِ عُوَّارَ القَذَى فتَراهُمَا ... كمَكْحُولتَيْ مَذْعُورةٍ أُمِّ فَرْقَدِ
ويصفُ أُذُنَيْهَا فيقول:
وصادِقَنَا سَمْعِ التَّوجُّسِ للسُّرَى ... لِهَجْسٍ خَفِيٌّ أَو لِصَوْتٍ مُنَدَّدِ
مُؤَلَّلَتانِ تَعرِف العِتْقَ فيهما ... كسَامِعَتَيْ شاةٍ بحَوْمَلَ مُفْرَدِ
ويصف طَوْعَها وحُسنَ قِيادها فيقول:
وإِن شِئْت سامَي وَاسِطَ الكُورِ رأْسُها ... وعَامَتْ بضَبْعَيْهَا نَجَاءَ الخَفَيْدَدِ
ويَصف إِسراعها ونَشَاطَها فيقول:
أَحَلْتُ عَلَيْهَا بالقَطِيع فأَجْذمَتْ ... وقد خَبَّ آلُ الأَمْعَزِ المُتَوَقَّدِ
فذَالتْ كما ذَالَتْ وَلِيدَةُ مَجْلِسِ ... تُرِي رَبَّهَا أَذْيالَ مِرْطٍ مُمَدَّدِ
؟ في الظُّعنِ
من أَجود ما قيل في ذلك قولُ المُثَقِّبِ العبْدي
لِمَن ظُعُنٌ تُطَالِع من صُبَيْب ... فما خرَجَتْ مِن الوَادِي لِحِينِ
стр. 70
مَرَرْنَ على شَرَافَ فَذَاتِ رَجْلٍ ... ونَكَّبْنَ الذَّرانِحَ عن يَمِينِ
كغِزْلاَنٍ خَذَلْنَ بذَاتِ ضَالٍ ... تَنُوشُ الدَّانِيَاتِ من الغُصُونِ
ظَهَرْنَ بكِلَّةٍ وسَدَلْنَ رَقْماً ... وثَقَّبْنَ الوَصَاوِصَ للعُيُونِ
للَبِيد بن رَبيعة:
شاقَتْك ظُعْنُ الحيِّ حين تَحمَّلوا ... فتَكَنَّسُوا قُطُناً تَصِرُّ خِيَامُها
مِن كُلّ مَحفوفٍ يُظِلُّ عِصيَّهُ ... زَوْجٌ عليه كِلَّةٌ وقِرَامُها
زُجَلاً كأَنّ نِعَاج تُوضِح فَوقَها ... وظِبَاءَ وَجْرَةَ عُطَّفاً أَرَآمُهَا
حُفِزَتْ وزَايَلَها السَّرَابُ كأَنَّهَا ... أَجْذاعُ بِيشَةَ أَثْلُهَا ورِضَامُهَا
ولبعض شعراء المدينة:
لِمَن الظَّعَائنُ سَيْرُهُنّ تَزَحُّفُ ... عَوْمَ السَّيْفَيْنِ إِذا تَقَاعَسَ يُجْذَفُ
مَرَّتْ بذي خُشُبٍ كأَنّ حُمُولَهَا ... نَخْلٌ مَوَاقِرُ حَمْلُهَا مُتَضعّفُ
ولابن نُمَيْر الثَّقَفِيّ:
أَشاقَتْكَ الظَّعائنُ يومَ بانُوا ... بذِي الزِّيِّ الجَمِيل من الأَثاثِ
ظعائنُ أُسْلِكتْ نَقْبَ المُنَقى ... تُحثُّ إِذا وَنَتْ أَيَّ احْتثاثِ
كأَنَّ على القَلائصِ يوم بانُوا ... نِعَاجاً تَرْتَعِي بَقْلَ البِرَاثِ
الظَّعَائنُ: النِّساءُ في الهَوَادِج، وَاحِدَتُهَا ظَعينَةٌ، وهم يريدون مَظعوناً، كقولهم قَتيل في معنَى مقتولٍ، ثم استُعمِل هذا وكثُرَ حتى قيل للمرأَة المقيمة ظَعِينَةٌ.
ولكُثَيِّر بن عبد الرحمن:
أَهاجَك بَيْنٌ من ظَعائِنَ أَوْ عَبُوا ... بأَيْمَنَ لمَّا جَازت العِيسُ فَدْفَدَا
تخَالُ الرُّبَا دُونَ الحِمَى رَوْنَقَ الضُّحَىيَظَلُّ بها حادٍ إِذا اشْتَاقَ غَرَدَا
وفَوْقَ المَطَايَا في الحُدُوجِ أَوَانِسٌ ... كعِينِ المَهَا قد صِدْنَ قَلْبِي تَصَيُّدَا
ولذِي الرُّمة:
نَظَرْتُ إِلى أَظعانِ مَيٍّ كأَنَّهَا ... ذُرَا النَّخْلِ أَو أَثْلٌ تَمِيلُ ذَوَائبُهْ
وأَشْعلَتِ العَينَانِ والصَّدْرُ كاتِمٌ ... بمُغْرَورِقٍ نَمَّتْ عليه سَوَاكِبُهْ
وللوليد بن عُبَيْد:
رَفَعوا الهَوَادِجَ مُعْتِمِينَ فمَا تَرَى ... إلاَّ تَلأْلُؤَ كَوْكبٍ في هَوْدَجِ
أَمثال بَيْضاتِ النَّعَام يَهُزُّها ... للبُعْدِ أَمثالُ النَّعَامِ الهُدَّجِ
؟ في التَطَيُّر من الإبل
والكَرَاهِيَة لَها، لأَنَّها تَحمِلُ الظعَائنَ وتُشَتِّتُ الخُلاّنَ، وتَصيِيرِها كمِثْل غُرابِ البَينِ.
من ذلك قول أَبي الشَّيصِ:
النّاسُ يَلْحُون غُرا ... بَ البَيْنِ لمَّا جَهِلُوا
وما غُرابُ البَينِ إ ... لاّ ناقَةٌ أو جَمَلُ
وما على ظَهْرِ غُرا ... بِ البَيْنِ تُمْطَى الرِّحَلُ
ولا إِذا صاحَ غُرا ... بٌ في الدِّيارِ احْتَمَلوا
ولعَوفِ الراهبِ:
غَلِطَ الّذِين رَأَيتُهُم بجَهالةٍ ... يَلْحَون كلُّهُمُ غُرَاباً يَنْعِقُ
ما الذَّنْبُ إِلاّ للأَباعِرِ إِنّها ... مِمّا تُشسِتُّ جَمِيعُها وتُفَرِّقُ
إِنّ الغُرابَ بيُمْنِهِ يَدْنو الهَوَى ... وتُشِتُّ بالشَّمْل الشَّتِيتِ الأَيْنُقُ
ولدِيك الجِنِّ:
ما المَنايَا إِلا المَطَايَا وما فرَّ ... قَ شيءٌ تَفْرِيقَها الأَحْبابَا
ظَلَّ حَادِيهمُ يَسوقُ بقَلْبي ... ويَرَى أَنّه يَسوقُ الرِّكابَا
ولغيره:
فمَا للأَباعرِ لا بُورِكَتْ ... ولا بَارَك اللهُ فيمَنْ شَرَاهَا
إِذَا أَدْبرَتْ ذَهبتْ بالحَبيبِ ... وإِنْ أَقْبَلَتْ خَلَّفَتْه وَرَاهَا
وأنشدَ أَبو عُبَيدة في مثله، ويدعو على الإبل، يقول هي المُفَرِّقة:
لَهُنّ الوَجَى لِمْ كُنّ عَوْناً على النَّوَى ... ولا زالَ منها ظالِعٌ وحَسِيرُ
стр. 71
وقد أَنصف الإِبِلَ الذي يقول:
أَلاَ فرَعى اللهُ الرَّوَاحِل إِنّمَا ... مَطَايَا قُلوبِ العَاشقِين الرَّواحِلُ
على أَنّهنّ الوَاصِلاتُ عُرَا النَّوَى ... إذا ما نَأَى بالآلِفينَ التَّواصُلُ
وقد ذمَّ قومٌ السُّفُنْ، لارتحالِ أَحبابِهم فيها، فمن ذلك قول بعضهم:
يوم ذَمِّي للْجِمَالِ ولَمْ ... أَدْرِ أَنْ قد بُدِّلَتْ سُفُنَا
هذا ذَمَّ الجِمَالَ، وتَوَهَّمَ أَنَّ أحبابه يَرتحِلون عليها، فجَلسوا في السُّفن، وساروا في الماء فصارَت السُّفُنُ أَحقَّ بالذَّمِّ من الجِمالِ.
وقُلتُ في مِثله:
ليْسَ لِلغِرْبانِ إِنْ صا ... حتْ برَبْعِ الدَّارِ ذَنْبُ
ولقدْ سُبَّتْ جِمَالٌ ... ظُلِمَتْ حِينَ تُسَبُّ
إِذْ نَأَى في السُّفُن الأَحْ ... بَابُ فالْتَاعَ المُحِبُّ
هِيَ غِرْبانُ فِرَاقٍ ... إِذْ بِها شُتِّتَ شَعْبُ
وأيضاً:
ذَمَّ أُنَاسٌ غُرَابَ بَينٍ ... إِذْ صاحَ في الرَّبْعِ بالبِعَادِ
والنُّوقُ ذُمَّتْ كمَا عليها ... يَرْتَحِلُ الحيُّ والبَوَادِي
والسُّفْنُ أَوْلَى بالذَّمِّ منها ... إِذْ ضُمِّنَتْ سالِبَ الفُؤادِ
ونحوُ ذلك قولُ بعض المحدَثين أَحسبه السُّيُوفيّ:
لَمّا رَأَيْتُ السُّفِينَ مُنْحدِراً ... أَبْعَدَ عنْ مُقْلتَيَّ إِغْفائِي
وَقَفتُ أَبكِي على سَوَاحِلهَا ... فمِن بُكائٍي زِيادةُ الماءِ
وأَيضاً نحوُه:
سارَ الحبيبُ وخَلَّفَ القَلْبَا ... يُبْدِي العَزاءَ ويُضمِرُ الكَرْبَا
قدْ قُلْتُ إِذْ سارَ السَّفينُ به ... والشَّوقُ يَنْهَبُ عَبْرَتِي نَهْبَا
لوْ أَنّ لِي عِزّاً أَصولُ بهِ ... لأَخذْتُ كُلَّ سَفِينةٍ غَصْبَا
وللحلَبيّ:
إِنّها فُرقةٌ تُذِيبُ القُلوبَا ... وتَرُدُّ الشُّبَّانَ لا شَكَّ شِيبَا
سَلَبَتْ قَلْبِيَ العزَاءَ فقد أَض ... حَى وأَمْسَى من العَزاءِ سَلِيبَا
ما تَرَى السُّفْنَ كيف تَعْلَو حَبَابَ الْ ... ماءِ مِثْلَ المَطِيِّ تَعْلُو الكَثِيبَا
وكَأَنّ المَلاّحَ إِذْ حَثَّ أُولاَ ... هُنَّ حادٍ غَدَا يَحُثُّ نَجِيبَا
حنين الإبل
وإِذا رَجَّعت الإِبلُ الحَنينَ كان ذلك أَحسنَ صوتٍ يَهتاجُ له المُفَارِقُون، كما يَهْتَاجُون لِنَوْح الحَمَام، ولِلَمْع البُرُوق، ولِهُبوب الرِّياحِ من نحو أَرضِ الحبِيبِ.
نزَلَ عُقَيلِيّانِ بزوجِ لَيْلى عَشِيقةٍ المَجْنُونِ فلمّا تَهوَّرَ اللَّيْلُ حَنَّتْ قلُوصاهما، فقال أَحدُهما:
تَحِنُّ قَلُوصِي نَحْوَ نَجْدٍ وقد أَرَى ... بعَيْنَيَّ أَنِّي لَسْتُ مُورِدَها نَجْدَا
ولا وَارِداً أَمْوَاهَ أَجْبُلَةِ الحِمَى ... وإِنْ أَرْهقَتْ نَفْسي على وِرْدِهَا جهْدَا
وقال العُقَيليُّ الآخرُ:
حنَّتْ قَلوصِي آخرَ اللَّيْلِ حنّةً ... فيَا رَوْعةً ما راعَ قلبي حَنِينُها
سعَتْ في عِقالَيْهَا ولاَح لِعينها ... سَنَا بَارِقٍ وَهْناً فجُنّ جُنُونُهَا
فمَا برِحَتْ حتّى ارْعَوَيْنَا لِصَوْتِهَا ... وحتَّى انْبَرَى مِنّا مُعِينٌ يُعِينُها
تَحِنُّ إِلى أرضِ الحِجازِ صَبَابَةً ... وقد بُتَّ مِن أَهْلِ الحِجَازِ قَرِينُها
فيا رَبِّ أَطْلِقْ قَيْدَها وجَرِيرَها ... فقد رَاعَ مَنْ بالمَسْجِدَيْنِ أَنِينُها
فقالت ليلى:
لعَمْرِي لقدْ هاجَتْ عَلَيَّ صَبَابةً ... قلُوصُ العُقَيْلِيَّيْنِ لَيْلَةَ حَنَّتِ
قَعَدْتُ لها واللَّيْلُ مُلْقٍ روَاقَهُ ... فجَاوَبْتُهَا حتَّى مَلِلْتُ ومَلَّتِ
ولبعض العرب:
يَحِنُّ قَلوصي ذو الخَباطِ صَبَابةً ... وشِدَّةَ وَجْدٍ مِن تَذكُّرهِ تَجْدَا
стр. 72
تذَكَّرَ نَجْداً مَوْهِناً بعدَ ما انْطَوتْ ... ثَمِيلَتُهُ وازدادَ عنْ إِلْفِهِ بُعْدَا
تَذكَّرَ نَجْداً حادِثاً بعد قادمٍ ... ولا يَلبَثُ الشَّوْقانِ أَن يَصْدَعَا الكِبْدَا
فقلتُ له هيَّجْتَ لي شَاعِفَ الهَوَى ... أَصابَ حِمَامُ المَوتِ أَضْعفَنا وَجْدَا
ولتميم بن جميل الأَسديّ:
يَحِنّ قَعُودٍي بعدَما كَمُلَ السُّرَى ... بنَخْلَةَ والضُّمْرُ الحَرَاجِيجُ ضُمَّرُ
يحِنّ إِلى وِرْدِ الخَشَاشَة بعدَما ... تَرَامَى به خَرْقٌ من البِيد أَغْبَرُ
وبات يَجُوبُ البِيدَ واللَّيْل ما ثَنَى ... يَدَيْهِ لتَعْرِيسٍ يَحِنُّ وأَزْفِرُ
وبِي مثلُ ما يَلْقَى من الشَّوْق والهَوَى ... على أَنَّني أُخْفِي الذي بي ويُظْهِرُ
فقلتُ له لَمّا رأَيْتُ الَّذِي به ... كِلاَنَا ِإلى وِرْدِ الخَشاشَةِ أَصْوَرُ
فلَيْتَ الّذِي يَنْسى تَذكُّرَ إِلْفِهِ ... وشِرْباً بأَحْواضِ الخَشَاشَةِ يُنْحَرُ
ولغيره:
بَاتَتْ تُشَوِّقُني برَجْعِ حَنِينها ... وأَزِيدُهَا شَوْقاً برَجْعِ حَنِينِي
نِضْوَيْنِ مُقْتَرِنَيْن بينَ تِهامَةٍ ... طَوَيَا الضُّلُوعَ على جَوًى مَكْنُونِ
لو خُبِّرَتْ عنّي القَلَوصُ لخُبِّرتْ ... عن مُستَقَرٍّ صَبَابةِ المَحزونِ
ولعُروةَ بن حزام:
فلَو تَرَكَتْني ناقتِي من حَنِينها ... وما بيّ مِنْ وَجْدٍ إِذاً لَكَفَاني
فإِنْ تَحْمِلي شَوقِي وشَوقَكِ تُثْقَلِي ... ومَالَكِ بالحِمْلِ الثَّقِيلِ يَدَانِ
ولآخر:
حنَّتْ وما عَقلَتْ فكيفَ إِذا بَكَى ... شَوْقاً يُلامُ على البُكَا مَن يَعْقِلُ
ذَكَرَتْ قُرَى نَجْدٍ فأَقْلَقَها الهَوىَ ... وقُرى العِراقِ ولَيْلُهُنّ الأَطْولُ
وكأَنّمَا يُجْنَى لها ولِرَكْبها ... بنِطَافِ دِجْلَةَ والفُرَاتِ الحَنْظَلُ
وتَمُرُّ من لُجَج السّرابِ مَوَارِقاً ... والخَرْقُ أَغْبَرُ بالقَتَام مُجَلَّلُ
فغَدَتْ وأَيْدِي الصُّبْحِ تَلْمَعُ في الدُّجَى ... كالبِيض تُغْمَدُ تَارَةً وتُسَلَّلُ
ولجرير:
أَرَى نَاقتي حَنَّتْ طُرُوقاً وشَاقَها ... وَمِيضٌ إلى ذاتِ السَّلاسِلِ لاَمعُ
فقلْت لها حِنِّي رُوَيداً فإِنَّني ... إلى أَهْلِ نَجْدٍ من تِهَامَةَ نَازِعُ
فلمّا رَأَتْ ألاَّ قُفُولَ وإِنّمَا ... لَهَا مِن هَواهَا ما تُجِنُّ الأَضَالِعُ
تَمطَّتْ بمَجْدُولٍ طَوِيلٍ فطالَعَتْ ... وماذَا مِن البَرْق اليَمَانِي تُطَالِعُ
ولأعرابي:
أَرَاكِ اللهُ نِقْيَكِ في السُّلامَى ... علَى مَنْ بالحَنِين تُعَوِّلِينَا
فلَسْتِ وإِن حَنَنْتِ أَشدَّ وَجْداً ... ولكنّي أُسِرُّ وتُعْلِنِينَا
وبي مِثلُ الذِي بكِ غير أَنّي ... أَجِلُّ عن العِقَال وتُعْقَلِينَا
وممّا يُسْتَحْسَن في مثل هذا ويُسْتَغْرَب معناه، ويُحمَد اختصارُه قول أعرابيِّ من بني كلابٍ:
فَمن يَكُ لمْ يَغْرَضْ فإِنّي ونَاقتي ... بحَجْرٍ إِلى أَهْلِ الحِمَى غَرِضَانِ
تَحِنّ فتُبْدِي ما بها من صَبَابة ... وأُخفِي الذِي لولا الأُسَى لَقَضَانِي
يُرِيد: لقَضَى عليَّ، فأَخْرجَه لفصاحته وعِلْمِه بجواهرِ الكلامِ أَحسنَ مُخْرَج، قال الله " وإِذَا كَالُوهم أو وَزَنوهم " أَي كالًوا لَهُم.
وقد قالت الشعراءُ في تَفضيل ما بَيْنَ حَنِينَهم وحَنين الإِبل: قال ثعلبةُ بنُ أَوس الكِلابيّ:
وما عَوْدٌ يَحِنُّ ببَطْنِ نجْدٍ ... مُعَالِي الشَّوْقِ مُضطَمِرٌ قلِيلاَ
إِلى وَأدٍ تذكَّرَ عُدْوَتَيه ... أَسَنَّ به وكانَ به فَصِيلاَ
стр. 73
فبُدِّلَ مَشْرَباً من ذاك مِلْحَاً ... وظِمْئاً بعْد قصْرَيْهِ طَوِيلاَ
يَحِنّ إِذَا الجَنائبُ هيَّجَتْهُ ... ضُحَيَّاً أَو هَبَبْنَ له أَصِيلاَ
بأَكثَرَ غُلَّةً مِنّي ووجْداً ... على إِضْمارِيَ الهَجْرَ الطَّوِيلاَ
وله أيضاً:
وما ذُو مِشْفرٍ نِقْضٌ يَمانٍ ... بنَجْدٍ كان مُغْترِباً نَزِيعَا
يُمارِسُ رَاعِياً لا لِينَ فيه ... وقَيْداً قد أَضرَّ به وَجِيعَا
إِذا ما البَرقُ لاح له سَناهُ ... حِجَازيِّاً سَمعتَ له سَجِيعَا
بأَكْثَرَ غُلَّةً منّي ووَجْداً ... لَوَ أَنَّ الشَّمْلَ كانَ بنَا جَمِيعَا
ولآخر:
لعَمْركَ ما خُوصُ العُيونِ شَوَارِفٌ ... رَوائِمُ أَظْآرٍ عَطَفْن على سَقْبِ
يُفَدِّينَهُ لوْ يَسْتَطِعْن ارْتَشَفْنَهُإِذا اسْتَفْنَهُ يَزْدَدْن نَكْباً على نَكْبِ
بأَوجدَ منّي يوم وَلّتْ حُمُولُهمْ ... وقد طَلَعتْ أُولَى الرِّكَابِ من النَّقبِ
وكُلُّ مُصيبَاتِ الزَّمانِ رأَيتُها ... سِوَى فُرْقَةِ الأَحبابِ هَيِّنةَ الخَطْبِ
وقد قيل في بيت عنترة:
بَرَكَتْ علَى ماءِ الرِّداع كأَنّما ... بَرَكَتْ على قَصَبٍ أَجَشَّ مُهَضَّمِ
إِنّه يَصف حَينَها، وإِنّه شَبَّهَ شَجْوَ صَوْتِهَا بالمزاميرِ، وأَراد القَصب الذي يُزْمَرُ به.
وقال الراعي يصف الحادِيَ:
زَجِل الحُدَاءِ كأَنّ في خَيْشُومِه ... قَصباً ومُقْنِعةَ الحَنِينِ عَجُولاَ
المُقْنعُ: الرّافعُ رَأْسَه، في هذا المَوْضِع، وفي غيره: الذِي يَحطّ رأْسَهُ استِخْذاءَ ونَدَماً، قال الله " مُقْنِعِي رُؤوسِهم " هو الرّافِع رأْسَه.
؟ في حنين الإبل في سرعتها
أَنْشَدَنا أحمدُ بن جعْفَر بن محمَّد قال: أَنشدَنَا جَدّي أَبو العيناء محمّد بن القَاسم قال: أَنشَدَنا الأَصْمَعيّ:
إِذا عُقِلَتْ وإِن هي خُلِّيَتْ ... لِتَرْتَعَ لمْ تَرْتَعْ بأَدْنَى المَرَاتِعِ
كأَنَّ لَدَيْها سائقاً يَسْتَحِثُّها ... كَفى سائقاً بالشَّوْق بينَ الأَضالَعِ
ولإِدريسَ بن أَبي حَفصة نَحْوُ هذا، من قصيدة له في إٍِسحاق بن إبراهيمَ المُصْعَبيّ:
لَمَّا أَتَتْكَ وقد كانَتْ مُنَازِعَةً ... دَانَى الرِّضا بينَ أَيدِيها بأَقْيادِ
لهَا أَمَامَك نُورٌ تسْتَضِيءُ بهِ ... ومِنْ رَجائِك في أَعْقَابِهَا حَادِي
لها أَحادِيثُ مِن ذِكْراكَ يَشْغَلُها ... عَنْ الرُّبوع ويُلْهيها عن الزَّادِ
قال لي الصُّوليّ: أَنْشَدتُ هذه الأبياتَ عبد الله بن المعتزِّ فقال أَخذَها من قوْلِ أَخيه مَروانَ الأَكبرِ للمَهْدِيّ:
إلى المُصْطَفَى المَهْدِيّ خاضَتْ رِكابُنَادُجَى اللَّيْلِ يَخْبطْن السَّرِيحَ المُخدَّمَا
يَكُون لهَا نُورُ الإِمَامِ محمَّدِ ... دَلِيلاً به تَسْرِي إِذا اللَّيْلُ أَظْلَما
وأَنشدَ إِسْحَاقُ بنُ إبراهيم لأَعْرَابية:
قُلْ لحادِي المَطِيِّ رَفِّعْ قَلِيلا ... تَجْعَلِ العِيسُ سَيْرَهنّ ذَمِيلاَ
لا تَقِفْها على السَّبِيلِ ودَعْهَا ... يَهْدِهَا شَوْقُ مَنْ عَلَيْهَا السَّبيلاَ
والمشهور من هذا قَوْلُ محمّد بن أَبي محمّد اليزيديّ:
يا فرحتِي إِذ صَرَفْنَا أَوْجُهَ الإِبل ... نَحْوَ الأَحِبّةِ بالإِدلاج والعَمَل
نَحثُّهُنَّ وما يُؤتَيْن من دَأَبٍ ... لكنَّ للشَّوقِ حثّاً ليسَ للإِبلِ
وأَوَّلُ مَن نطق بهَذَا المعنَى عمْرُو بن شَأْسٍ الأَسدِيُّ قال:
إِذَا نَحْنُ أَدلجْنا وأَنتَ أَمَامَنا ... كفَى بالمطَايَا ضَوءُ وَجْهِك حادِيَا
أَليسَ يَزِيدُ العِيسَ خِفّةَ أَذْرُعٍ ... وإِنْ كُنَّ حسْرَى أَنْ تَكُون أَمامِيَا
في النَّواعير وحنينها
أنشدت لبعض الأعراب:
стр. 74
ولمّا نَزلْنا الساحليْنٍ تجاوبَتْ ... أبا عرنا لمَّا ازدَهَتْهَا النَّواعيرُ
وحنَّتْ نَوَاعيرُ الفُرَاتِ بأرضِهَا ... فلمَّا استحنَّت جاوَبَتْهَا الأبَاعِرُ
أبا عرنا بعض الحَنينِ فإنّه ... إلى غَير شيءٍ ما تحِنُّ النَّواعِرُ
سِوَى أنّهَا تُشجى الحزينَ الّذي به ... إلى رُؤيةِ الأَحبابِ داءٌ مُخَامِرُ
إذا نَحْن أخْفَيْنَا الَّدفينَ الّذي بنَامن الوَجْدِ نَمَّتْهُ الدُّمُوعُ البَوَادِرُ
وللمجنون:
باتَتْ تَحِنّ وما بها وَجْدُ ... وأحِنُّ من وَجْدٍ إلى نجْدِ
فدُموعُهَا تَسقى الرّياضَ بها ... ودُموعُ عَيْنى أَقْرحتْ خَدِّى
ولعبد الله ابن مسعود:
حَنَنْتُ إليك من شَجْوٍ وحَنَّتْ ... نواعيرُ الفُراتِ لغَيْرِ شجْوِ
١٢٣ - ألف خَلَوْنَ من الهَوَى ومُلئْتُ منه ... وليس أخو صَبَابَاتٍ كخلوِ
سَقَيْنَ الُحلْو من ثَمَرٍ وتسْقِى ... دُمُوعِى مِن هُمومى غَيْرَ حُلْوِ
وله أيضاً:
نَزَلْنَا بالفُرّات ضُحًى فحّنَّتْ ... نَوَاعِرُه حَنينَ المُعْوِلاتِ
وظلْتُ أحنُّ من شَوْقٍ وليسَتْ ... تحنُّ له نَوَاعِيرُ الفُراتِ
وبِتُّ من الصَّبَابَةِ مُستهاماً ... إليك وبِتْنَ مِنْهَا خالياتِ
سَوَاءً ما سَقَيْنَ وما جَرَتْهُ ... جُفونى من دُمُوعي الهاطلاتِ
وقلت:
نَزَلْنَا بأكْنافِ العِرَاق فهيَّجَتْ ... نَواعيرُه أحزانَنا حين حنَّتِ
تحِنّ وتَسْقى الرَّوْضَ ريًّا ولم تّذُقْ ... هَوَاىَ الّذي منه دُموعي اسْتَهلَّتِ
ولم تَعْرِفِ الشَّوْقَ الّذي في جَوانحي ... ولا حُرّقاً بين الضُّلُوعِ اسْتكنَّتِ
ولو عَلِمَتْ ما قَد لَقِيتُ ومُلِّكتْ ... لِسَاناً لبَاحَتْ بالهَوَى وتَشكَّتْ
ولعبيد الله بن مسعود:
ولمّا استَحَنَّتْ بالفُرَاتِ عَشيَّةً ... نَواعيِرُه كادَ الفؤادُ يَبينُ
تَحِنُّ بلا حُزْنٍ وشَوْقٍ أصابَهَا ... وللقَلْبِ من شَوْقٍ إليك حنينُ
سوَاءٌ بُكَاءُ العَيْنِ منّىَ والّذي ... بَكَيْنَ ولكنْ ما لَهنَّ عُيُونُ
على أّنّني والله قد أَقْرَحَ البُكَا ... جُفوني ولم تُقْرَحْ لهنّ جُفُونُ
ولأحمد بن محمّد المصِّيصيّ:
وَصَلَتْ نَوَاعيرُ الجِنانِ حنينَها ... فأَذْكَرت الهَوَى أخلاقُها
وكأَنّما طَفِقَتْ تُوَاصلُ أَدمُعي ... يَوْمَ النَّوَى وقد انْهمي مُهْراقُها
أعجِبْ بأجْسَامٍ بَدَائعَ خالَفَتْ ... فيخَلْقِهَا وتَنكَّرَتْ أخلاقُها
أفْواهُها أوْسَاطُها وعُيُونُها ... بجُنوبهِنَّ كثيرةٌ آماقُهَا
ولصالحٍ الدَّيلميّ يصف الدُّولاب:
ومُسْتَديرٍ بالا رُوحٍ تُدَبِّرُهُ ... يُديرُهُ قُطُبٌ في الأرضِ مَرْكوزُ
كأنّه فَلَكٌ تنقَضُّ أنْجُمُهُ ... إذا تَصَوَّبَ من كِيزَانِهَا كُوزُ
وللخبّاز البلديّ في دولاتب:
يَسُوقُ من جِجْلَةَ الرّوَاءَ له ... سَحَابَةٌ أُنْشِئَتْ من الخَشَبِ
نَجُومُ ماءٍ يُديرُها فَلَكٌ ... يكْثُرُ منه تَعَجُّبُ العَجَبِ
مُزمْزِمٌ ما يَبينُ مَنْطِقُهُ ... كقائِدِ التُّرْك غدْوةَ الشعبِ
يُتْعِبُ جِدًّا مُحصى تَقلُّبِهِ ... وهو مُعَافىً من شِدَّةِ التَّعَبِ
ولأبي طالب الحُسين بن عليّ:
بمشَعِّرٍ في السَّيْر إلاّ أنّه ... يَسْرِى فيمنعُهُ السُّرَى أن يَبْعُدَا
وَصَلَ الحَنينَ بعَبْرةٍ مسفوحةٍ ... حتّى حسبْناهُ مَشوقاً مُكَمَدَا
مُسْتَرْفِد ماءَ الفُراتِ ورافدٍ ... وَجْهَ الثَّرَى أكْرِمْ به مُسْتَرْفدا
стр. 75
ينفى الصَّدَى عن رَوْضةٍ نَفَحاتُهَا ... أرَجٌ وبَرْدٌ يَشْفيَانِ من الصَّدَى
كَمُلتْ مَحَاسِنُهَا فنَشْرٌ يُرْتَضَى ... وفَوَاكهٌ تُجْنَى وظِلٌ يُرتْدى
وله أيضاً:
كأنَ دُولابَها إذْ حنَّ مُغْتَرِبٌ ... ناءٍ يَحِنُّ إلى أَوْطَانِه طَربَا
باك إذَا عقَّ زَهْرَ الرَّوْضِ وَالدُهُ ... مِن الغمامِ غَدَا فيهِ آباً حَدِبَا
مُشمِّرٌ في مَسيرٍ ليس يُبْعِدُهُ ... عن المَحَلِّ ولا يُهْدى له تَعَبَا
ما زالَ يَطْلبُ رِفْد البَحْرِ مُجْتهِداً ... للْبَرِّ حتّى ارْتَدى النُّوَّارَ والعُشبَا
وللصَّنوبريّ:
فلكٌ من الدُّولابِ فيه كَواكبٌ ... من مائِهِ تَنْقَضُّ ساعَةَ تَطْلُعُ
مُتَلوِّنُ الأَصْواتِ يَخْفِضُ صَوتَه ... بغِنَائِهِ طَوْراً وطَوْراً يَرْفَعُ
أبَداً حنينُ الذِّئْبِ فيه مُرَدَّدٌ ... أبَداً زئيرُ اللَّيْثِ فيه مُرَجَّعُ
كم صُوِّبت فيه سُمَاريَّةٌ ... مُوجِفَةٌ كالنِّقْنقِ النّافِرِ
ونَعرَتْ بالماءِ ناعورةٌ ... حَنينُهَا كالبَرْبَطِ النَّاعِرِ
وتارةً تَحْسبُها قيْنَةً ... تُردِّدُ اللَّحْنَ على زَامِرِ
كأنَّما كيزانُهَا أنْجمٌ ... دائرةٌ في فَلَكٍ دائِرِ
ويدخل في هذا البات ما جاء في العروب والأرحية فمن ذلك ما أنشدناه أبو القاسم العلويّ لأبي طالب الحسين ابن عليّ الأنطاكيّ:
وابْنةِ بَرٍّ لم تَبِنْ عن زُهْدِ
أضْحَى بها البَحْرُ قَرِيبَ عَهْدِ
تعَافُهُ وهْوَ زُلالُ الوردِ
فليْسَ تَحْبُوهُ بصفْوِ الوُدِّ
إلاّ برَبْطٍ عندَه وشَدِّ
لمّا نَضَتْ مَلاحِفَ الإفرِنْدِ
واتَّشحَتْ من الدُّجى ببُرْدِ
تَوسَّطَتْ سَكْرَ صَفيحٍ صَلْدِ
فأشْبَهَتْ وَاسطَةً في عِقْدِ
مُطلَّةً علىرِكَابِ الوَفْدِ
كأنّهَا أمُّ النّعامِ الرُّبْدِ
عَجَاجُها شَيْبُ بَنِيها المُرْدِ
وَاجِدّةٍ بالبَرِّ أيَّ وَجْدِ
تذكَّرتْ طِيبَ ثَرَاه الجعْدِ
أيّامَ تُغْذَى بجَنىً كالشُّهْدِ
ولَمْعِ بَرْقٍ وحَنينِ رَعْدِ
فَهْيَ تُعيدُ أَنَّةً وتُبْدِي
كما يَئنُّ مُوثَقٌ في العِدِّ
لولا امْتِدَادُ الطُّنُب المُمْتَدِّ
لشَمَّرَتْ تَشمِيرَ ذاتِ الجِدِّ
فصافَحَتْ خَدَّ الثَّرَى بخَدِّ
وأنشدني للحلبيّ:
ويا نغم العُرُوبِ إذا تَوَالتْ ... فوَالَتْ بيْنَ طِيبِ النَّغْمَتَيْنِ
وَموْفِفُنا بصَفَّيْهَا كأنَّا ... لدَى صَفَّيْ نعَامٍ وَاقِعَيْنِ
طُيُورٌ وَاقِعَاتٌ طائِرَاتٌ ... فيَالكَ مَنْظَراً ذا مَنْظَرَيْنِ
بأجْنِحَةٍ لهَا في الصَّحُو نَوْءٌ ... يُقَصِّرُ عنه نوْءُ المِرْزَمَينِ
ويذكر فيها السُّفُن فيقول:
ويا سُفَنَ الفُرَاتِ بحَيْث تَهْوِى ... هُوِىَّ الطَّيْرِ بينَ الجَلْهَتَينِ
تَطَارَدُ مُقْبِلاتٍ مُدبِرَاتٍ ... على عَجَلٍ تَطارُدَ عَسْكَرَينِ
وأنشدني للأنطاكيِّ من قصيدة:
وللمَاءِ مِن حَولِنا ضَجَّةٌ ... إذا المَاءُ كافحَ تلك العُرُوبَا
حِبَالٌ تُؤَلِّفُها حِكْمةٌ ... فتَنْحُو البِحَارَ بها لا السُّهُوبَا
تُقَابِلُنا في قميصِ الدُّجَى ... إذا الأفْقُ أصبح منه سليبَا
حَيَازيمُها الدَّهْرَ منْصُوبةٌ ... تُعانِقُ للمَاءِ وَفْداً غَريبَا
عَجِبْتُ لهَا شاحِبَاتِ الخُدو ... دِ لمْ يُذْهِبِ الرِّىُّ عنْهَا الشُّحُوبَا
إذا ما هَممنَا بغشْيَانها ... رَكِبْنا لَها وَلَداً أو نَسِيبَا
يُجاوِرُها كُلُّ سَاعٍ يُرَى ... وإنْ جَدَّ في السَّيْرِ منها قَرِيبَا
следующие страницы →