← Акыда

Акыда · id 603

معجم التوحيد

إبراهيم بن سعد أبا حسين

Полный текст (1 832 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

الصورة الخامسة: أن يضيفه إلى الله، وإلى السبب المعلوم مقرونًا بالواو؛ فهذا شرك، كقوله: "لولا الله وفلان". الصورة السادسة: أن يضيفه إلى الله، وإلى السبب المعلوم مقرونًا بالفاء، مثل: "لولا الله ففلان"، فهذا محل نظر: يحتمل الجواز، ويحتمل المنع. الصورة السابعة: أن يضيفه إلى سبب موهوم ليس بثابت شرعًا، ولا حسًا، فهذا شرك" (١). ويستفاد من تفسير ابن عباس للآية: "أن السلف يحتجون بما أنزل في الشرك الأكبر على الأصغر" (٢). وجاء عن عون بن عبد الله في قوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [النحل: ٨٣] قال: "إنكارهم إياها أن يقول الرجل: لولا فلان ما كان كذا وكذا، ولولا فلان ما أصبت كذا وكذا" (٣). قال ابن القيم ما معناه: "هذا يتضمن قطع إضافة النعمة عن من لولاه لم تكن، وإضافتها إلى من لم يملك لنفسه ضرًا وَلا نفعًا فضلا عن غيره، وغايته أن يكون جزءا من أجزاء السبب أجرى الله نعمته على يده، والسبب لا يستقل بالإيجاد وجعله سببًا هو من نعم الله عليه. فهو المنعم بتلك النعمة، وهو المنعم بما جعله من أسبابها، فالسبب والمسبب من إنعامه، وهو تعالى كما أنه قد ينعم بذلك السبب، فقد ينعم بدونه ولا يكون له أثر، وقد يسلبه سببيته، وقد يجعل لها معارضا يقاومها، وقد يرتب على السبب ضد مقتضاه، فهو وحده المنعم على الحقيقة" (٤).

стр. 1647

٢٥٣ - ما شاء اللّه وشئت * مما جاء فيه النهي عن الرسول ﷺ أن يعطف اسم المخلوق على اسم الخالق بالواو بعد المشئية ونحوها لأن المعطوف بها يكون مساويًا للمعطوف عليه لكونها إنما وضعت لمطلق الجمع فلا تقتضي ترتيبًا ولا تعقيبًا، وتسوية المخلوق بالخالق شرك. قال ابن الأثير: "وإنما فرّق بين قول "ما شاء الله وشئت" وما شاء الله ثم شئت؛ لأن الواو تفيد الجمع دون الترتيب، وثم تجمع وترتب، فمع الواو يكون قد جمع بين الله وبينه في المشئية، ومع ثم يكون قد قدّم مشفية الله على مشئيته" (١). * الدليل من السنة: عَنْ قُتَيْلَةَ امْرَأَةٍ مِنْ جُهَيْنَةَ أَنَّ يَهُودِيًّا أَتَى النَّبيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّكُمْ تُنَدِّدُونَ وَإِنَّكُمْ تُشْرِكُونَ تَقُولُونَ: مَا شَاءَ الله وَشئْتَ، وَتَقُولُونَ وَالْكَعْبَةِ، فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَرَادُوا أَنْ يَحْلِفُوا أَنْ يَقُولُوا: "وَرَبِّ الْكَعْبَةِ وَيَقُولُونَ مَا شَاءَ الله ثُمَّ شئْتَ" (٢). وعن حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان" (٣).

стр. 1648

وله أيضا عن ابن عباس ﵁ أن رجلًا قال للنبي ﷺ : ما شاء الله وشئت، قال: "أجعلتني للّه ندًا؟ بل ما شاء الله وحده" (١). وعن طفيل بن سخبرة أخي عائشة لأمها أنه رأى فيما يرى النائم كأنه مر برهط من اليهود فقال: من أنتم؟ قالوا: نحن اليهود. قال: إنكم أنتم القوم لولا أنكم تزعمون أن عزير ابن الله. فقالت اليهود: وأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد. ثم مر برهط من النصارى فقال: من أنتم؟ قالوا: نحن النصارى. فقال: إنكم أنتم القوم لولا أنكم تقولون المسيح ابن الله. قالوا وإنكم أنتم القوم لولا أنكم تقولون ما شاء الله وما شاء محمد. فلما أصبح أخبر من أخبر ثم أتى النبي ﷺ فأخبره فقال: "هل أخبرت بها أحدًا" قال: نعم، فلما صلوا خطبهم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "إن طفيلا رأى رؤيا فأخبر بها من أخبر منكم، وإنكم كنتم تقولون كلمة كان يمنعني الحياء منكم أن أنهاكم عنها قال: لا تقولوا ما شاء الله وما شاء محمد" (٢). أحكام وفوائد: ١ - حكم إطلاق ما شاء الله وشئت: يتبين مما سبق أن هذا الإطلاق له صور ثلاث وهي كالتالي: ١ - ما شاء الله وحده فهذه أفضلها لحديث ابن عباس ﵄: "قل ما شاء الله وحده" (٣). ٢ - ما شاء الله ثم شئت فهذه تجوز؛ لأن فيه العطف بثم والعطف بثم يقتضي الترتيب والتراخي ولكونه صار تابعًا. ففيه إثبات المشيئة لله وحده، وإثبات

стр. 1649

المشيئة للعبد وأنها تابعة لمشيئة الله تعالى. ٣ - ما شاء الله وشاء فلان وهذا شرك لأن في اللفظة مساواة غير الله مع الله فيما هو من خصائص الله. وجاء الحديث صريحًا في تحريم هذا القول وما أشبهه من الألفاظ مما فيه العطف بالواو لأن العطف بالواو يقتضي الجمع والمساواة بين الخالق والمخلوق وهذا شرك أصغر ينافي كمال التوحيد. قال في التيسير: "قال ابن القيم: ومن ذلك أي من الشرك بالله في الألفاظ قول القائل للمخلوق: ما شاء الله وشئت، كما ثبت عن النبي ﷺ ، أنه قال له رجل: ما شاء الله وشئت، وذكر الحديث. ثم قال: هذا مع أن الله قد أثبت للعبد مشيئة. لقوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير: ٢٨]. فكيف بمن يقول: أنا متوكل على الله وعليك، وأنا في حسب الله وحسبك، وما لي إلا الله وأنت، وهذا من الله ومنك، وهذا من بركات الله وبركاتك، والله لي في السماء وأنت لي في الأرض. والله وحياة فلان أو يقول: نذرًا لله ولفلان، وأنا تائب لله وفلان، وأرجو الله وفلانًا. فوازن بين هذه الألفاظ، وبين قول القائل: ما شاء الله وشئت، ثم انظر أيهما أفحش. يتبين لك أن قائلها أولى بجواب النبي ﷺ لقائل تلك الكلمة، وأنه إذا كان قد جعله ندا بها، فهذا قد جعل من لا يداني رسول الله ﷺ في شيء من الأشياء، بل لعله أن يكون من أعدائه ندا لرب العالمين. فالسجود، والعبادة، والتوكل، والإنابة، والتقوى، والخشية، والتوبة، والنذر، والحلف، والتسبيح، والتكبير، والتهليل، والتحميد، والاستغفار، وحلق الرأس خضوعا وتعبدا، والطواف بالبيت والدعاء، كل ذلك محض حق لله الذي لا يصلح ولا ينبغي لسواه، من ملك مقرب ولا نبي مرسل. وفي "مسند" الإمام أحمد أن رجلا أتى به النبي ﷺ ، قد

стр. 1650

أذنب فلما وقف بين يديه قال: اللهم إني أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد فقال: "عرف الحق لأهله"" (١). ٢ - مسألة: حُكي عن أبي جعفر الداودي ما يقتضي جواز العطف بالواو احتجاجًا بقوله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٧٤] وقوله: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧] ونحو ذلك. والصواب المنع، لأن النبي ﷺ أنكر ذلك وقال لمن قال له ذلك: "أجعلتني لله ندًا". وأقر اليهودي على تسميته تنديدًا وشركًا، ومن المحال أن يكون هذا أمرًا جائزًا. قال الشيخ سليمان بن عبد الله: "وأما ما احتج من القرآن، فقد ذكروا عن ذلك جوابين: أحدهما: أن ذلك لله وحده، لا شريك له، كما أنه تعالى يقسم بما شاء من مخلوقاته فكذلك هذا. الثاني: أن قوله: ما شاء الله وشئت تشريك في مشيئة الله، وأما الآية فإنما أخبر بها عن فعلين متغايرين، فأخبر تعالى أنه أغناهم وأن رسوله أغناهم. وهو من الله حقيقة، لأنه الذي قدر ذلك، ومن الرسول ﷺ حقيقة باعتبار تعاطي الفعل، وكذلك الإنعام أنعم الله على زيد بالإسلام، والنبي ﷺ أنعم عليه بالعتق، وهذا بخلاف المشاركة في الفعل الواحد، فالكلام إنما هو فيه، والمنع إنما هو منه. فإن قلت: قد ذكر النحاة أن "ثم" تقتضي اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في الحكم كالواو فلم جاز ذلك بثم ومنع منه الواو؟. وغاية ما يقال: إن "ثم" تقتضي الترتيب بخلاف الواو، فإنها تقتضي مطلق الجمع، وهذا لا يغير صورة الاشتراك

стр. 1651

قبل النهي عن ذلك، إنما هو إذا أتى بصورة التشريك جميعا، وهذا لا يحصل إلا بالواو بخلاف ثم، فإنها لا تقتضي الجمع، إنما تقتضي الترتيب، فإذا أتى بها زالت صورة التشريك والجمع في اللفظ" (١). ٣ - حكم قول: الله ورسوله أعلم: جاء في حديث معاذ لما كان رديف رسول الله ﷺ على حمار وفيه أنه قال: "الله ورسوله أعلم". وقد يشكل لأنه جمع بين الله ورسوله بالواو مع أن الرسول ﷺ لما قال له الرجل: ما شاء الله وشئت. قال أجعلتني لله ندًا". قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: "فيقال إن الرسول ﷺ عنده من العلوم الشرعية ما ليس عند القائل ولهذا لم ينكر الرسول ﷺ على معاذ. بخلاف العلوم الكونية القدرية فالرسول ﷺ ليس عنده علم منها. فلو قيل: هل يحرم صوم العيدين؟ جاز أن نقول: الله ورسوله أعلم، ولهذا كان الصحابة إذا أشكلت عليهم المسائل ذهبوا إلى رسول الله ﷺ فيبينها لهم ولو قيل: هل يُتَوقَّعُ نزول مطر في هذا الشهر؟ لم يجز أن نقول: الله ورسوله أعلم لأنه من العلوم الكونية" (٢). * فالخلاصة أن حكم قول: الله ورسوله أعلم له حالات: ١ - في حياة رسول الله ﷺ وفي الأمور الشرعية لا مانع من ذلك فقد أطلقه الصحابة كما قال معاذ بن جبل لرسول الله ﷺ : الله ورسوله أعلم حين سأله رسول الله ﷺ أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟ ٢ - بعد موته في الأمور الشرعية وهذه جائزة، وقد ذكرها الشيخ بكر أبو زيد في معجم المناهي اللفظية فقال: "قد جرى إطلاقها عند بعض أهل العلم منهم ابن

стр. 1652

القيم رحمه الله تعالى قال في نونيته: والله أعلم بالمراد بقوله ... ورسوله المبعوث بالفرقان لكن لم يحصل الوقوف على إطلاق الصحابة ﵃ لها بعد وفاته ﷺ بل الظاهر خلافه ... " (١). والصحيح الجواز كما تقدم. ٣ - بعد موته في الأمور الدنيوية لا يجوز فإن قالها مدعيًا أن رسول الله ﷺ يعلم الغيب الذي اختصَّ الله به فهذا شرك أكبر لأن الغيب لا يعلم إلا الله إلا ما أطلع الله ورسوله عليه. ٤ - حكم كتابة الله وكلمة محمد بشكل متداخل: أفتت اللجنة الدائمة للإفتاء بأن مزج كلمة الله وكلمة محمد بشكل متداخل فيه خطر عظيم أو في مشابهة لعقيدة النصارى الباطلة، وإليك الفتوى كاملة قالت اللجنة الموقرة: "مما جاء في نصوص الشريعة القرن بين الشهادة لله بالتوحيد والشهادة لنبيه محمد ﷺ بالرسالة في مواضع، من ذلك القرن بينهما في الأذان للصلاة وفي الإقامة لها، وفي حديث "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله" وغير ذلك مع بيان ما يجب الإيمان به على المكلفين بالنسبة لكل منهما مما هو أهله كقول المكلف: لا إله إلا الله محمد رسول الله، أما مزجًا كتابةً فلم يأتِ في كتاب الله ولا في سنة النبي ﷺ ومع ذلك ففيه خطر عظيم؛ إذ فيه مشابهة لعقيدة النصارى الباطلة في التثليث، وأن الأب والابن وروح القدس إله واحد، وفيه أيضًا رمز للعقيدة الباطلة عقيدة وحدة الوجود، وفيه أيضًا ذريعة إلى العلو في الرسول ﷺ وعبادته مع الله سبحانه، وعليه يجب أن يمنع كتابة اسم الله تعالى واسم رسوله محمد ﷺ على هذا الشكل؛ شكل تداخل حروف اسميهما كتابة، وتقاطع

стр. 1653

حروف اسم كل منهما بحروف اسم الآخر، بل لا يجوز كتابة (الله - محمد) على باب المسجد ولا على غيره لما في ذلك من الإيهام والتلبيس لما ذكر من المحاذير وغيرها. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم" (١). وقال الشيخ بكر أبو زيد حفظه الله: "وفي هذه الأزمان الحاضرة التي فتحت فيها سبل الاتصال: جوًا وبحرًا وبرًا تكاثرت الأعاجم في جزيرة العرب، وانتقلوا بما معهم من مبادئ ومعتقدات، وكان من الظواهر المنتشرة بعد وفادتهم، ولم تكن معهودة من قبل كتابة: لفظ الجلالة "الله" واسم النبي ﷺ "محمد" على جنبتي المحاريب، وفي رقاع، ونحوها في المجالس. وهي دروشة لا معنى لها شرعًا، ومن يسوّي المخلوق بالخالق سبحانه؟ ويجمل بالمسلم التوقي من هذه وأمثالها. وانظر كيف نهى النبي ﷺ عن قول الخطيب: "من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى"؛ لما يوهم من التسوية. وما جاء في بيان هدي النبي ﷺ في نقش خاتمه كما في "التراتيب الإدارية" من أنه جاء: محمد: سطر، ورسول: سطر، والله: سطر. هذا لمقتضى النقش، ومجموعهما يكون الشهادة بأن محمدًا رسول الله ﷺ فتنبه، بل في هذا مضاهاة للنصارى في قولهم: إن عيسى هو الله أو ثالث ثلاثة، فهنا يوهم بأنه ثاني اثنين؟! انظر "التراتيب الإدارية" [١/ ١٧٨ - ١٨٠] (٢). ٥ - مسألة: في إنكار الرسول ﷺ على الخطيب قوله: "ومن عصاهما فقد غوى ": جاء في حديث عدي بن حاتم أن رجلًا خطب عند النبي ﷺ فقال: من يطع الله

стр. 1654

ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى. فقال رسول الله ﷺ : "بئس الخطيب أنت. قل: ومن يعصِ الله ورسولَه" (١). قال الإمام ابن القيم ﵀: " ... وذم الخطيب الذي قال: من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن عصاهما فقد غوى .. سدًا لذريعة التشريك في المعنى بالتشريك في اللفظ، وحسمًا لمادة الشرك حتى في اللفظ" (٢). ولكن جاء في حديث آخر تثنية الضمير حيث قال ﷺ : "أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما" وللإجابة عن ذلك قال النووي ﵀: قوله "أن رجلًا خطب عند النبي ﷺ فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى. فقال رسول الله ﷺ : "بئس الخطيب أنت. قل: ومن يعص الله ورسوله فقد غوى". قال القاضي وجماعة من العلماء: إنما أنكر عليه لتشريكه في الضمير المقتضي للتسوية، وأمره بالعطف تعظيمًا لله تعالى بتقديم اسمه، كما قال ﷺ في الحديث الآخر: "لا يقل أحدكم ما شاء الله وشاء فلان، ولكن ليقل ما شاء الله ثم شاء فلان". والصواب: أن سبب النهي، أن الخطب شأنها البسط والإيضاح، واجتناب الإشارات والرموز، ولهذا ثبت في الصحيح: أن رسول الله ﷺ كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا ليفهم، وأما قول الأوليين فيضعف بأشياء منها: أن مثل هذا الضمير قد تكرر في الأحاديث الصحيحة من كلام رسول الله ﷺ كقوله ﷺ : "أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما" وغيره من الأحاديث، وإنما ثنى الضمير ههنا لأنه ليس خطبة وعظ، وإنما هو تعليم حكم، فكلما قل لفظه كان أقرب إلى حفظه بخلاف خطبة الوعظ، فإنه ليس المراد حفظه، وإنما يراد الاتعاظ بها" (٣).

стр. 1655

وقال الحافظ ابن حجر بعد نقله لكلام النووي: "وثمَّ أجوبة أخرى، منها: دعوى الترجيح، فكيون حيز المنع أولى لأنه عام، والآخر يحتمل الخصوصية، ولأنه ناقل والآخر مبني على الأصل، ولأنه قول والآخر فعل، ورد بأن احتمال التخصيص في القول أيضًا حاصل بكل قول، ليس فيه صيغة عموم أصلًا، ومنها دعوى أنه من الخصائص، فيمتنع من غير النبي ﷺ ولا يمتنع منه، لأن غيره إذا جمع أوهم إطلاقه التسوية، بخلافه هو فإن منصبه لا يتطرق إليه إيهام ذلك، وإلى هذا مال ابن عبد السلام. ومنها دعوى التفرقة بوجه آخر وهو أن كلامه ﷺ هنا جملة واحدة فلا يحسن إقامة الظاهر فيها مقام المضمر، وكلام الذي خطب جملتان لا يكره إقامة الظاهر فيهما مقام المضمر، وتعقب هذا بأنه لا يلزم من كونه لا يكره إقامة الظاهر فيهما منام المضمر أن يكره إقامة المضمر فيهما منام الظاهر، فما وجه الرد على الخطيب مع أنه هو ﷺ جمع كما تقدم؟ ويجاب بأن قصة الخطيب - كما قلنا - ليس فيها صيغة عموم، بل هي واقعة عين، فيحتمل أن يكون في ذلك المجلس من يخشى عليه توهم التسوية كما تقدم. ومن محاسن الأجوبة في الجمع بين حديث الباب وقصة الخطيب أن تثنية الضمير هنا للإيماء إلى أن المعتبر هو المجموع المركب من المحبتين، لا كل واحدة منهما، فإنها وحدها لاغية إذا لم ترتبط بالأخرى، فمن يدعي حب الله مثلًا ولا يحب رسوله لا ينفعه ذلك، ويشير إليه قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ فأوقع متابعته مكتنفة بين قطري محبة العباد ومحبة الكل تعالى للعباد. وأما أمر الخطيب بالإفراد فلأن كل واحد من العصيانين مستقل باستلزام الغواية، إذ العطف في تقدير التكرير، والأصل استقلال كل من المعطوفين في الحكم ويشير إليه قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ فأعاد

стр. 1656

﴿أَطِيعُوا﴾ في الرسول ولم يعده في أولي الأمر لأنهم لا استقلال لهم في الطاعة كاستقلال الرسول. انتهى ملخصًا من كلام البيضاوي والطيبي" (١). وذكر الشيخ سليمان بن عبد الله ﵀ أن أحسن ما قيل فيه قولان: أحدهما: قول البيضاوي السابق أن المعتبر هو المجموع المركب من المحبتين ... قال: وهو جواب بليغ جدًّا. الثاني: يحمل حديث الخطيب على الأدب والأولى، وهذا على الجواز، والله أعلم (٢). ٦ - حكم قول "شاءت قدرة الله " قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "لا يصح أن نقول: "شاءت قدرة الله"، لأن المشفية إرادة، والقدرة معنى، والمعنى لا إرادة له، وإنما الإرادة للمريد، والمشيئة لمن يشاء، ولكننا نقول اقتضت حكمة الله كذا وكذا، أو نقول عن الشيء إذا وقع هذه قدرة الله أي مقدوره، كما تقول: هذا خلق الله أي مخلوقه، وأما أن نضيف أمرًا يقتضي الفعل الاختياري إلى القدرة فإن هذا لا يجوز. ومثل ذلك قولهم "شاء القدر كذا وكذا" وهذا لا يجوز؛ لأن القدر والقدرة أمران معنويان ولا مشيئة لهما، وإنما المشيئة لمن هو قادر ولمن هو مقدِّر. والله أعلم" (٣).

стр. 1657

٢٥٤ - متابعة الرسول ﷺ - انظر (باب البدعة)، (باب شهادة أن محمدًا رسول الله). * تحذير الأئمة من تقليد العلماء مع ورود النص (١): الأدلة على هذا الأصل في كتاب الله أكثر من أن تحصر، وفي السنة كذلك. قال الإمام البخاري في صحيحه: "وَكَانَتْ الأَئِمَّةُ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ يَسْتَشِيرُونَ الْأُمَنَاءَ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ فِي الأُمُورِ الْمُبَاحَةِ لِيَأْخُذُوا بِأَسْهَلِهَا فَإِذَا وَضحَ الْكِتَابُ أَوْ السُّنَّةُ لَمْ يَتَعَدَّوهُ إِلَى غَيْرِهِ اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ ﷺ " (٢). قال ابن تيمية: "أما وجوب اتباع القائل في كل ما يقوله، من غير ذكر دليل يدل على صحة ما يقوله، فليس بصحيح، بل هذه المرتبة هي مرتبة الرسول ﷺ التي لا تصلح إلا له" (٣). وقال ﵀: "فالحذر الحذر أيها الرجل من أن تكره شيئا مما جاء به الرسول ﷺ أو ترده لأجل هواك، أو انتصارا لمذهبك، أو لشيخك، أو لأجل اشتغالك بالشهوات، أو الدنيا، فإن الله لم يوجب على أحد طاعة أحد إلا طاعة رسوله والأخذ بما جاء به، بحيث لو خالف العبد جميع الخلق، واتبع الرسول ما سأله الله

стр. 1658

عن مخالفة أحد، فإن من يطيع أو يطاع إنما يطاع تبعا للرسول ﷺ ، وإلا لو أمر بخلاف ما أمر به الرسول ﷺ ما أطيع فاعلم واسمع وأطع واتبع ولا تبتدع، تكن أبتر مردودا عليك عملك بل لا خير في عمل أبتر من الاتباع ولا خير في عامله" (١). * وإليك طرفًا مما ذكره الأئمة الأربعة وغيرهم ﵏ في التحذير من تقليدهم في كل ما يقولونه: قال الإمام أبو حنيفة ﵀: "إذا قلت قولًا يخالف كتاب الله تعالى وخبر الرسول ﷺ فاتركوا قولي" (٢). وقال أيضًا: "لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم من أين أخذناه" (٣). وفي رواية: "حرام على من لم يعرف دليلي أن يفتي بكلامي" (٤) وقال الإمام مالك بن أنس ﵀: "إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي، فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه" (٥). وقال الإمام الشافعي ﵀: "إذا صح الحديث فهو مذهبي" (٦). وقال أيضًا: "كل مسألة صح فيها الخبر بخلاف ما قلت فأنا راجع عنها في حياتي وبعد موتي" (٧).

стр. 1659

وقال أيضًا: "كل حديث عن النبي ﷺ فهو قولي، وإن لم تسمعوه مني" (١). وقال الإمام أحمد بن حنبل: "كان أحسن أمر الشافعي عندي أنه كان إذا سمع الخبر لم يكن عنده قال به، وترك قوله" (٢). وقال الإمام أحمد بن حنبل: "قال لنا الشافعي: أنتم أعلم بالحديث والرجال مني، فإذا كان الحديث صحيحًا، فأعلموني كوفيًا كان أو بصريًا أو شاميًا حتى أذهب إليه إذا كان صحيحًا" (٣). وقال ﵀: "لا تقلدوني ولا تقلدوا مالكًا ولا الشافعي ولا الأوزاعي ولا الثوري وخذ من حيث أخذوا" (٤). وقال أيضًا ﵀: "من رد حديث رسول الله ﷺ فهو على شفا هلكة" (٥). وقال ابن تيمية ﵀: "وهؤلاء الأئمة الأربعة ﵃ قد نهوا الناس عن تقليدهم في كل ما يقولونه، وذلك هو الواجب عليهم" (٦). وقال أيضًا: "ومن تعصب لواحد بعينه من الأئمة الباقين فهو بمنزلة من تعصب لواحد بعينه من الصحابة دون الباقين، كالرافضي الذي يتعصب لعلي دون الخلفاء الثلاثة وجمهور الصحابة، وكالخارجي الذي يقدح في عثمان وعلي ﵄، فهذه طرق أهل البدع والأهواء الذين ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أنهم مذمومون، خارجون عن الشريعة والمنهاج الذي بعث الله به رسوله ﷺ ، فمن تعصب لواحد

стр. 1660

من الأئمة بعينه ففيه شبه من هؤلاء، سواء تعصبوا لمالك أو الشافعي أو أبي حنيفة أو أحمد أو غيرهم، ثم غاية المتعصب لواحد منهم أن يكون جاهلا بقدره في العلم والدين، وبقدر الآخرين، فيكون جاهلا ظالما، والله يأمر بالعلم والعدل وينهى عن الجهل والظلم" (١). وقال ابن القيم ﵀: "هذا مع حفظ مراتب العلماء وموالاتهم واعتقاد حرمتهم وأمانتهم واجتهادهم في حفظ الدين وضبطه، فهم دائرون بين الأجر والأجرين والمغفرة ولكن لا يوجب هذا إهدار النصوص وتقديم قول الواحد منهم عليها لشبهة أنه أعلم بها منك، فإن كان كذلك فمن ذهب إلى النص أعلم به منك فهلا وافقته إن كنت صادقًا. فمن عرض أقوال العلماء على النصوص ووزنها بها وخالف منها ما خالف النص لم يهدر أقوالهم ولم يهضم جانبهم. بل اقتدى بهم، فإنهم كلهم أمروا بذلك فمتبعهم حقا من امتثل ما وصّوا به لا من خالفهم فخلافهم في القول الذي جاء النص بخلافه أسهل من مخالفتهم في القاعدة الكلية التي أمروا ودعوا إليها من تقديم النص على أقوالهم، ومن هنا يتبين الفرق بين تقليد العالم في كل ما قال، وبين الاستعانة بفهمه والاستضاءة بنور علمه، فالأول يأخذ قوله من غير نظر فيه ولا طلب لدليله من الكتاب والسنة. بل يجعل ذلك كالحبل الذي يلقيه في عنقه يقلده به ولذلك سمي تقليدا، بخلاف من استعان بفهمه واستضاء بنور علمه في الوصول إلى الرسول صلوات الله وسلامه عليه فإنه يجعلهم بمنزلة الدليل على الدليل الأول. فإذا وصل إليه استغنى بدلالته عن الاستدلال بغيره، فمن استدل بالنجم على القبلة فإنه إذا شاهدها لم يبق لاستدلاله بالنجم معنى" (٢).

стр. 1661

٢٥٥ - محبة الله * الحب ضد البغض قال في المختار: "والحب أيضا المحبة وكذا الحب بالكسر والحب أيضا الحبيب ويقال أحبه فهو محب وحبه يحبه بالكسر فهو محبوب وتحبب إليه تودد ... " (١). وفي هذا المقام سوف أُفصِّلُ الكلام عن محبة الله بنقل كلام العلماء عنها. فمحبة الله تعالى من أعظم مقامات العبودية، وأرفعها شأنًا. يقول الإمام ابن القيم في وصفها: "هي المنزلة التي فيها تنافس المتنافسون، وإليها شخص العاملون، وإلى علمها شمر السابقون، وعليها تفانى المحبون، وبروح نسيمها تروح العابدون. فهي قوت القلوب، وغذاء الأرواح، وقرة العيون. وهي الحياة التي من حرمها فهو من جملة الأموات، والنور الذي من فقده فهو بحار الظلمات، والشفاء الذي من عدمه حلت بقلبه جميع الأسقام، واللذة التي من لم يظفر بها فعيشه كله هموم وآلام. وهي روح الإيمان والأعمال، والمنامات والأحوال، التي

стр. 1662

من خلت منها فهي كالجسد الذي لا روح فيه" (١). وقال الشيخ السعدي: "أصل التوحيد وروحه إخلاص المحبة لله وحده هي أصل التأله والتعبد له، بل هي حقيقة العبادة، ولا يتم التوحيد حتى تكمل محبة العبد لربه، وتسبق محبته جميع المحاب وتغلبها ويكون لها الحكم عليها بحيث تكون سائر محاب العبد تبعًا لهذه المحبة التي بها سعادة العبد وفلاحه" (٢). * الدليل من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ [المائدة: ٥٤]. * الدليل من السنة: حديث أنس بن مالك ﵁ في الصحيحين: "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن توقد له نار فيقذف فيها" (٣). وفي رواية قَالَ ﷺ : "لا يَجِدُ أَحَدٌ حَلاوَةَ الإِيمَانِ حَتَّى يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلا لله، وَحَتَّى أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ أَحَبُّ إِلَيْهِ من أَن يَرجِعَ إِلَى

стр. 1663

الْكُفْرِ بَعْدَ إِذ أَنقَذَهُ الله وَحَتَّى يَكُونَ الله وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا" (١). قال ابن رجب ﵀: "فمن أحب الله ورسوله محبة صادقة من قلبه أوجب له ذلك أن يحب بقلبه ما يحبه الله ورسوله، ويكره ما يكرهه الله ورسوله، ويرضى ما يرضي الله ورسوله، ويسخط ما يسخط الله ورسوله، وأن يعمل بجوارحه بمقتضى هذا الحب والبغض، فإن عمل بجوارحه شيئا يخالف ذلك فإن ارتكب بعض ما يكرهه الله ورسوله أو ترك بعض ما يحبه الله ورسوله مع وجوبه والقدرة عليه دل ذلك على نقص محبته الواجبة فعليه أن يتوب من ذلك ويرجع إلى تكميل المحبة الواجبة. قال أبو يعقوب النهرجوري: "كل من ادعى محبة الله تعالى ولم يوافق الله في أمره فدعواه باطل، وكل محب ليس يخاف الله فهو مغرور". وقال يحيى بن معاذ: "ليس بصادق من ادعى محبة الله ولم يحفظ حدوده". وسئل رويم عن المحبة فقال: "الموافقة في جميع الأحوال"" (٢). أحكام وفوائد: ١ - حب الله فرض وواجب: يجب تقديم محبة الله ومحبة ما يحبه الله من الأشخاص والأعمال على محبة ما سواه. يدل على ذلك قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ [التوبة: ٢٤]. قال الذهبي: قال أبو الفتح عبد الرحيم خادم ابن خفيف: سمعت الشيخ يقول: "سَأَلَنا يوما أبو العباس بن سريج ونحن نحضر مجلسه للفقه، فقال: أمحبة الله فرض أو لا؟ فقلنا: فرض. قال: ما الدليل؟ فما فينا من أجاب بشيء،

стр. 1664

فسألناه، فقال: قوله تعالى ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٢٤]. قال فتوعدهم الله على تفضيل محبتهم لغيره على محبته، والوعيد لا يقع إلا على فرض لازم" (١). قال الشيخ السعدي: "وهذه الآية الكريمة أعظم دليل على وجوب محبة الله ورسوله وعلى تقديمها على محبة كل شيء" (٢). ٢ - أقسام المحبة: قال الشيخ ابن سعدي رحمه الله تعالى: "واعلم أن أنواع المحبة ثلاثة أقسام: الأول: محبة الله التي هي أصل الإيمان والتوحيد. الثاني: المحبة في الله (٣) وهي محبة أنبياء الله ورسله وأتباعهم، ومحبة ما يحبه الله من الأعمال والأزمنة والأمكنة وغيرها، وهذه تابعة لمحبة الله ومكملة لها. الثالث: محبة مع الله وهي محبة المشركين لآلهتهم وأندادهم من شجر وحجر وبشر، وملك وغيرها وهي أصل الشرك وأساسه. وهنا قسم رابع: وهو المحبة الطبيعية التي تتبع ما يلائم العبد، ويوافقه من طعام وشراب ونكاح ولباس وعشرة وغيرها. وهذه إذا كانت مباحة إن أعانت على محبة الله وطاعته دخلت في باب العبادات، وإن صدت عن ذلك وتوسل بها إلى ما لا يحبه الله دخلت في المنهيات. وإلا بقيت من أقسام المباحات، والله أعلم" (٤). وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "والمحبة تنقسم إلى قسمين:

стр. 1665

القسم الأول: محبة عبادة: وهي التي توجب التذلل والتعظيم وأن يقوم بقلب الإنسان من إجلال المحبوب وتعظيمه ما يقتضي أن يمتثل أمره ويجتنب نهيه، وهذه خاصة بالله فمن أحب مع الله غيره محبة عبادة فهو مشرك شركا أكبر، ويعبر العلماء عنها بالمحبة الخاصة. القسم الثاني: محبة ليست بعبادة في ذاتها، وهذه أنواع: النوع الأول: المحبة لله وفي الله وذلك بأن يكون الجالب لها محبة الله أي: كون الشخص محبوبا لله تعالى من أشخاص كالأنبياء والرسل والصديقين والشهداء والصالحين. أو أعمال كالصلاة والزكاة وأعمال الخير أو غير ذلك. وهذا النوع تابع للقسم الأول الذي هو محبة الله. النوع الثاني: محبة إشفاق ورحمة، وذلك كمحبة الولد والصغار والضعفاء والمرضى. النوع الثالث: محبة إجلال وتعظيم لا عبادة كمحبة الإنسان لوالده ولمعلمه ولكبير من أهل الخير. النوع الرابع: محبة طبيعية، كمحبة الطعام والشراب والملبس والمركب والمسكن. وأشرف هذه الأنواع النوع الأول والبقية من قسم المباح، إلا إذا اقترن بها ما يقتضي التعبد صارت عبادة، فالإنسان يحب والده محبة إجلال وتعظيم، وإذا اقترن بها أن يتعبد لله بهذا الحب من أجل أن يقوم ببر والده صارت عبادة، وكذلك يحب ولده محبة شفقة وإذا اقترن بها ما يقتضي أن يقوم بأمر الله بإصلاح هذا الولد صارت عبادة" (١).

стр. 1666

٣ - أسباب تحصيل المحبة: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "اعلم أن محركات القلوب إلى الله ثلاثة: المحبة، والخوف، والرجاء، وأقواها المحبة، وهي مقصودة تُرادُ لذاتها، لأنها تراد في الدنيا والآخرة بخلاف الخوف فإنه يزول في الآخرة قال الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، والخوف المقصود منه: الزجر والمنع من الخروج عن الطريق، فالمحبة تلقي العبد في السير إلى محبوبه، وعلى قدر ضعفها وقوتها يكون سيره إليه، والخوف يمنعه أن يخرج عن طريق المحبوب، والرجاء يقوده، فهذا أصل عظيم يجب على كل عبد أن يتنبه له، فإنه لا تحصل له العبودية بدونه، وكل أحد يجب أن يكون عبدا لله لا لغيره. فإن قيل: فالعبد في بعض الأحيان قد لا يكون عنده محبة تبعثه على طلب محبوبه، فأي شيء يحرك القلوب؟ قلنا: يحركها شيئان: أحدهما: كثرة الذكر للمحبوب، لأن كثرة ذكره تعلق القلوب به لهذا أمر الله بالذكر الكثير، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤١، ٤٢]. الثاني: مطالعة آلائه ونعمائه ... فإذا ذكر العبد ما أنعم الله به عليه من تسخير السماء والأرض، وما فيها من الأشجار والحيوان، وما أسبغ عليه من النعم الباطنه من الإيمان وغيره، فلا بد أن يثير ذلك عنده باعثًا. وكذلك الخوف تحركه مطالعة آيات الوعيد، والزجر، والعرض، والحساب، ونحوه. وكذلك الرجاء يحركه مطالعة الكرم والحلم والعفو" (١).

стр. 1667

٤ - بين المحبة والعبادة: قال ابن تيمية ﵀: "والعبادة تجمع كمال المحبة، وكمال الذل، فالعابد محب خاضع، بخلاف من يحب من لا يخضع له، بل يحبه ليتوسل به إلى محبوب آخر، وبخلاف من يخضع لمن لا يحبه كما يخضع للظالم، فإن كلا من هذين ليس عبادة محضة، وإن كل محبوب لغير الله ومعظم لغير الله ففيه شوب من العبادة كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار ... " (١). وقال السعدي ﵀: "أصل التوحيد وروحه إخلاص المحبة لله وحده وهي أصل التأله والتعبد له، بل هي حقيقة العبادة، ولا يتم التوحيد حتى تكمل محبة العبد لربه .... ومن تفريعها وتكميلها الحب في الله، فيحب العبد ما يحبه الله من الأعمال والأشخاص، ويبغض ما يبغضه الله من الأشخاص والأعمال، ويوالي أولياءه، ويعادي أعداءه، وبذلك يكمل إيمان العبد وتوحيده. أما اتخاذ الأنداد من الخلق يحبهم كحب الله، فيقدم طاعتهم على طاعة الله، ويلهج بذكرهم ودعائهم فهذا هو الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله" (٢). وقال ابن تيمية ﵀: "كلما ازداد القلب حبا لله ازداد له عبودية وحرية عما سواه، وكلما ازداد له عبودية ازداد له حبا وحرية عما سواه" (٣). قال ابن عثيمين ﵀: "وأصل الأعمال كلها هو المحبة، فالإنسان لا يعمل إلا لما يحب إما لجلب منفعة أو لدفع مضرة، فإذا عمل شيئا فلأنه يحبه إما لذاته كالطعام أو لغيره كالدواء. وعبادة الله مبنية على المحبة، بل هي حقيقة العبادة إذ لو تعبدت بدون محبة

стр. 1668

صارت عبادتك قشرًا لا روح فيها، فإذا كان الإنسان في قلبه محبة لله وللوصول إلى جنته فسوف يسلك الطريق الموصل إلى ذلك. ولهذا لما أحب المشركون آلهتهم توصلت بهم هذه المحبة إلى أن عبدوها من دون الله أو مع الله" (١). وقال ابن تيمية ﵀: "إن الخلة والمحبة لله تحقيق عبوديته وإنما يغلط من يغلط في هذه من حيث يتوهمون أن العبودية مجرد ذل وخضوع فقط لا محبة معه، وأن المحبة فيها انبساط في الأهواء أو إذلال لا تحتمله الربوبية، ولهذا يذكر عن ذي النون أنهم تكلموا عنده في مسألة المحبة فقال: أمسكوا عن هذه المسألة لا تسمعها النفوس فتدعيها، فكره من كره من أهل المعرفة والعلم مجالسة أقوام يكثرون الكلام في المحبة بلا خشية. وقال من قال من السلف: "من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق (٢) ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ (٣). ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري (٤)، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن موحد"؛ ولهذا وجد في المتأخرين من انبسط في دعوى المحبة حتى أخرجه ذلك إلى نوع من الرعونة والدعوى التي تنافي العبودية، وتدخل العبد في نوع من الربوبية التي لا تصلح إلا لله" (٥). فليس الشأن أن تُحِب فقط ولكن الشأن كل الشأن أن تُحَب فاجمع مع الحب

стр. 1669

الاتباع. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١]. قال ابن تيمية ﵀: "فاتباع الشريعة والقيام بالجهاد من أعظم الفروق بين أهل محبة الله وأوليائه الذين يحبهم ويحبونه وبين من يدعي محبة الله ناظرا إلى عموم ربوبيته أو متبعا لبعض البدع المخالفة لشريعته، فإن دعوى هذه المحبة لله من جنس دعوى اليهود والنصارى المحبة لله. بل قد تكون دعوى هؤلاء شرا من دعوى اليهود والنصارى لما فيهم من النفاق الذين هم به في الدرك الأسفل من النار، كما قد تكون دعوى اليهود والنصارى شرًا من دعواهم إذا لم يصلوا إلى مثل كفرهم. وفي التوراة والإنجيل من محبة الله ما هم متفقون عليه حتى أن ذلك عندهم أعظم وصايا الناموس ففي الإنجيل أن المسيح قال: أعظم وصايا المسيح أن تحب الله بكل قلبك وعقلك ونفسك. والنصارى يدعون قيامهم بهذه المحبة، وأن ما هم فيه من الزهد والعبادة هو من ذلك، وهم برآء من محبة الله إذا لم يتبعوا ما أحبه بل اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم، والله يبغض الكافرين ويمقتهم ويلعنهم، وهو سبحانه يحب من يحبه، لا يمكن أن يكون العبد محبا لله والله تعالى غير محب له، بل بقدر محبة العبد لربه يكون حب الله له، وإن كان جزاء الله لعبده أعظم كما في الحديث الصحيح الإلهي عن الله تعالى أنه قال: "من تقرب إليّ شبرًا تقربت إليه ذراعًا، ومن تقرب إليّ ذراعًا تقربت إليه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة" (١) " (٢).

стр. 1670

وقال الشيخ السعدي: "وهذه الآية (١) هي الميزان التي يعرف بها من أحب الله حقيقة، ومن ادعى ذلك دعوى مجردة. فعلامة محبة الله اتباع محمد ﷺ الذي جعل متابعته وجميع ما يدعو إليه، طريقًا إلى محبته ورضوانه فلا تنال محبة الله ورضوانه وثوابه إلا بتصديق ما جاء به الرسول من الكتاب والسنة وامتثال أمرهما واجتناب نهيهما" (٢). وفي قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ السعدي ﵀: "ومن لوازم محبة العبد لربه، أنه لا بد أن يتصف بمتابعة الرسول ﷺ ، ظاهرا وباطنا، في أقواله وأعماله وجميع أحواله" (٣). والخلاصة أن وجود المحبة في العبد تستلزم أشياء كثيرة (٤) أهمها أمور ثلاثة: ١ - فعل المحبوبات لله من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. ٢ - موالاة أوليائه ومحبتهم وبغض أعدائه. ٣ - اتباع رسوله ﷺ . قال الشيخ حافظ حكمي ﵀: "وعلامة حب العبد ربه تقديم محابه وإن خالفت هواه، وبغض ما يبغض ربه وإن مال إليه هواه، موالاة من والى الله ورسوله ومعاداة من عاداه، واتباع رسوله ﷺ واقتفاء أثره وقبول هداه، وكل هذه العلامات شروط في المحبة لا يتصور وجود المحبة مع عدم شرط منها" (٥).

стр. 1671

٥ - العلاقة بين المحبة والرجاء والخوف: سبق الكلام عنها في باب (الخوف). * إثر الذنوب على المحبة: قال شيخ الإسلام: "والذنوب تنقص من محبة الله تعالى بقدر ذلك، لكن لا تزيل المحبة لله ورسوله إذا كانت ثابتة في القلب ولم تكن الذنوب عن نفاق كما في صحيح البخاري عن عمر بن الخطاب، حديث حمار الذي كان يشرب الخمر وكان النبي ﷺ ، يقيم عليه الحد، فلما كثر ذلك منه لعنه رجل فقال النبي ﷺ : "لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله .. " وفيه دلالة على أَنَّا منهيون عن لعنة أحد بعينه وإن كان مذنبًا، إذا كان يحب الله ورسوله، فكما أن المحبة الواجبة تستلزم لفعل الواجبات، وكمال المحبة المستحبة تستلزم لكمال فعل المستحبات، والمعاصي تنقص المحبة، وهذا معنى قول الشبلي لما سئل عن المحبة؟ فقال: ما غنت به جارية فلان: تعصي الإله وأنت تزعم حبه ... هذا محال في القياس شنيع لو كان حبك صادقا لأطعته ... إن المحب لمن أحب مطيع" (١)

стр. 1672

٢٥٦ - مَحَبَّةُ رَسُولِ الله ﷺ وَمَا جَاءَ به [شهادة أن محمدًا رسول الله، النبوة] محبة رسول الله واجبة على كل عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وهي مقتضى الشهادة ودل على وجوب حب الله ﷺ . * الدليل من الكتاب: قول الله تعالى ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ الآية [التوبة: ٢٤]. وقد تقدم ذكر ذلك في باب محبة الله. * الدليل من السنة: عن أنس ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "لا يؤمن أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين" (١). وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به" (٢). قال ابن رجب ﵀: "وأما معنى الحديث فهو أن الإنسان لا يكون مؤمنًا كامل الإيمان الواجب حتى تكون محبته تابعة لما جاء به رسول الله ﷺ من الأوامر والنواهي وغيرها فيحب ما أمر به ويكره ما نهى عنه. وقد ورد القرآن بمثل هذا في غير موضع قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] " (٣).

стр. 1673

أحكام وفوائد: ١ - وجوب معرفة الرسول ﷺ -: معرفة الرسول ﷺ ومتابعته هو الذي يُسأل عنه العبد في قبره وهو الأصل الثالث الذي بنى عليه المجدد الأصول الثلاثة: فالأول: معرفة الله، والثاني: معرفة دين الإسلام بالأدلة، والثالث: معرفة نبينا محمد ﷺ . قال الشيخ ابن قاسم: "وهو أصل عظيم يجب معرفته، فإنه ﷺ هو الواسطة بيننا وبين الله تعالى، ولا وصول لنا، ولا اطلاع لنا، ولا طريق لنا، ولا نعرف ما ينجينا من غضب الله وعقابه، ويقربنا من رضى الله وثوابه إلا بما جاء به نبينا محمد ﷺ ... فإنا لا نعرف الأصل الأول، الذي هو معرفة الرب ﷻ ، ولا الأصل الثاني، الذي هو دين الإسلام، إلا بالواسطة بيننا وبين الله، فتحتمت معرفته ﷺ وصارت أصلا ثالثًا، إذ لا يمكن معرفة المرسل إلا بمعرفة رسوله، فصار من الضروريات معرفة الرسول ﷺ ، وبذلك ظهر أن معرفته ﷺ أحد الأصول الثلاثة" (١). قال شارح العقيدة الطحاوية: "فالواجب كمال التسليم للرسول - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - والانقياد لأمره، وتلقي خبره بالقبول والتصديق دون أن نعارضه بخيال باطل نسميه معقولًا، أو نحمله شبهة أو شكًا أو نقدم عليه آراء الرجال، وزبالة أذهانهم، فنوحده بالتحكيم والتسليم، والانفياد والإذعان كما نوحد المرسل بالعبادة والخضوع والذل والإنابة والتوكل. فهما توحيدان، لا نجاة للعبد من عذاب الله إلا بهما: توحيد المرسِل، وتوحيد متابعة الرسول، فلا نحاكم إلى ما غيره، ولا نرضى بحكم غيره ... " (٢).

стр. 1674

٢ - مقتضى محبة رسول الله ﷺ -: قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: في حقيقة المتابعة للنبي ﷺ "فمحمد ﷺ أرسل إلى كل أحد من الإنس والجن، كتابيهم وغير كتابيهم، في كل ما يتعلق بدينه من الأمور الباطنة والظاهرة، في عقائده وحقائقه، وطرائقه وشرائعه، فلا عقيدة إلا عقيدته، ولا حقيقة إلا حقيقته، ولا طريقة إلا طريقته، ولا شريعة إلا شريعته، ولا يصل أحد من الخلق إلى الله وإلى رضوانه وجنته وكرامته وولايته إلا بمتابعته باطنا وظاهرا في الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة في أقوال القلب وعقائده، وأحوال القلب وحقائقه، وأقوال اللسان وأعمال الجوارح" (١). وقال ابن القيم ﵀ في تفسير قوله تعالى ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦]: "ويلزم من هذه الأولوية والمحبة كمال الانقياد والطاعة والرضا والتسليم وسائر لوازم المحبة من الرضا بحكمه والتسليم لأمره وإيثاره على ما سواه" (٢). وقال ابن رجب ﵀: "فالواجب على كل مؤمن أن يحب ما أحبه الله محبة توجب له الإتيان بما وجب عليه منه، فإن زادت المحبة حتى أتى بما ندب إليه منه كان ذلك فضلا وأن يكره ما كرهه الله تعالى كراهة توجب له الكف عما حرم عليه منه فإن زادت الكراهة حتى أوجبت الكشف عما كرهه تنزيها كان ذلك فضلًا، وقد ثبت في الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وولده وأهله والناس أجمعين". فلا يكون المؤمن مؤمنا حتى يقدم محبة الرسول على محبة جميع الخلق، ومحبة الرسول تابعة لمحبة مرسله، والمحبة الصحيحة تقتضي

стр. 1675

المتابعة والموافقة في حب المحبوبات وبغض المكروهات" (١). ٣ - أقوال العلماء في قوله ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه ... " الحديث . قال النووي ﵀: "قَوْله ﷺ : "لا يؤمن عبد حتى أكون أحب إليه من أهله وماله والناس أجمعين" وفي الرواية الأخرى: "من وَلده ووالده والناس أجمعين"، قال ابن بطال ﵀: ومعنى الحديث: "أن من استكمل الإيمان علم أن حق النبي ﷺ آكد عليه من حق أبيه وابنه والناس أجمعين؛ لأن به ﷺ استنقذنا من النار، وهدينا من الضلال". وقال القاضي عياض ﵀: "ومن محبته ﷺ نصرة سنته، والذب عن شريعته، وتمني حضور حياته؛ فيبذل ماله ونفسه دونه. قال: وإذا تبين ما ذكرناه تبين أن حقيقة الإيمان لا يتم إلا بذلك، ولا يصح الإيمان إلا بتحقيق إعلاء قدر النبي ﷺ ومنزلته على كل والد، وولد، ومُحسن، ومفضَّل، ومن لم يعتقد هذا، واعتقد سواه، فليس بمؤمن ". هذا كلام القاضي ﵀. والله أعلم" (٢). وفي قوله ﷺ : "لا يؤمن أحدكم ... " الحديث قال ابن عثيمين ﵀: "ونفي الشيء له ثلاث حالات: فالأصل أنه نفي للوجود وذلك مثل: "لا إيمان لعابد صنم". فإن منع مانع من نفي الوجود فهو نفي للصحة مثل: "لا صلاة بغير وضوء". فإن منع مانع من نفي الصحة فهو نفي للكمال مثل: "لا صلاة بحضرة طعام". فقوله: "لا يؤمن أحدكم" نفي للكمال الواجب لا المستحب. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "لا ينفي الشيء إلا لانتفاء واجب فيه ما لم يمنع من ذلك مانع"" (٣). وقال أيضًا ﵀: "ومحبة رسول الله ﷺ تكون لأمور:

стр. 1676

الأول: أنه رسول الله، وإذا كان الله أحب إليك من كل شيء فرسوله أحب إليك من كل مخلوق. الثاني: لما قام به من عبادة الله وتبليغ رسالته. الثالث: لما آتاه الله من مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال. الرابع: أنه سبب هدايتك وتعليمك وتوجيهك. الخامس: لصبره على الأذى في تبليغ الرسالة. السادس: لبذل جهده بالمال والنفس لإعلاء كلمة الله" (١). ٢٥٧ - المحبة في الله انظر باب (الحب في الله). ٢٥٨ - محمد رسول الله ﷺ - هو الجزء الثاني من الشهادتين ومعناه: اعتقاد أن محمدًا رسول الله، ويقتضي اتباع رسول الله وغير رسول الله ﷺ إن اتبع فيما لا دليل عليه فقد اتبع بباطل، ولمعرفة تفصيل ذلك انظر الأبواب: (شهادة أن محمدًا رسول الله)، (متابعة الرسول ﷺ )، (محبة الرسول ﷺ )، (النبوة).

стр. 1677

٢٥٩ - المسرة بانخفاض دين الرسول ﷺ أو الكراهية لانتصار دينه * وهذا من صفات المنافقين نفاقا أكبر قال الله تعالى: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ﴾ [التوبة: ٥٠]. قال الشوكاني ﵀: "وهذا نوع آخر من خبث ضمائر المنافقين وسوء أفعالهم، والإخبار بعظيم عداوتهم لرسول الله وللمؤمنين، فإن المساءة بالحسنة، والفرح بالمصيبة من أعظم ما يدل على أنهم في العداوة قد بلغوا الغاية" (١). ويقول ابن حزم ﵀: " ... وأما الذي أخبر الله تعالى بأنه إن أصابت رسول الله ﷺ سيئة ومصيبة تولوا وهم فرحون، أو أنه إن أصابته حسنة ساءتهم فهؤلاء كفار بلا شك" (٢). وفي قوله تعالى: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة: ٤٨]. يقول الإمام الطبري ﵀: "لقد التمس هؤلاء المنافقون الفتنة لأصحابك يا محمد، التمسوا صدّهم عن دينهم، وحرصوا على ردّهم إلى الكفر بالتخذيل عنه ... ﴿وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ﴾ يقول: وأجالوا فيك وفي إبطال الدين الذي بعثك به الله الرأيَ بالتخذيل عنك،

стр. 1678

وإنكار ما تأتيهم به، وردّه عليك، ﴿حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ﴾ يقول: حتى جاء نصر الله، ﴿وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ يقول: وظهر دين الله الذي أمر به وافترضه على خلقه، وهو الإسلام ﴿وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ يقول: والمنافقون لظهور أمر الله ونصره إياك، كارهون ... " (١). وقال شيخ الإسلام: " ... فالرافضة يوالون من حارب أهل السنة والجماعة، ويوالون التتار، ويوالون النصارى، وقد كان بالساحل بين الرافضة وبين الفرنج مهادنة، حتى صارت الرافضة تحمل إلى قبرص خيل المسلمين وسلاحهم وغلمان السلطان، وغيرهم من الجند والصبيان، وإذا انتصر المسلمون على التتار أقاموا المآتم والحزن، وإذا انتصر التتار على المسلمين أقاموا الفرح والسرور، وهم الذين أشاروا على التتار بقتل الخليفة، وقتل أهل بغداد، ووزير بغداد ابن العلقمي الرافضي هو الذي خامر على المسلمين وكاتب التتار، حتى أدخلهم أرض العراق بالمكر والخديعة، ونهى الناس عن قتالهم، وقد عرف العارفون بالإسلام: أن الرافضة تميل مع أعداء الدين ... " (٢).

стр. 1679

٢٦٠ - المشاهد * تتبع آثار الصالحين/ القبور قال ابن تيمية ﵀: "مقامات الأنبياء والصالحين هي الأمكنة التي ماتوا فيها أو أقاموا بها أو عبدوا الله فيها، لكنهم لم يتخذوها مساجد، والمشاهد هي الأبنية التي تُبنى عليها أو على آثار الأنبياء والصالحين" (١). وتطلق المشاهد ويراد بها المواضع التي تُبنى على القبور والأضرحة، وهي مواطن يحضرها الناس ويجتمعون بها ويكون فيها أمور تخالف ما أمر الله به وهو مرادنا في هذا الباب. وقال أيضًا: "وأما بناء المساجد على القبور، وتسمى "مشاهد" فهذا غير سائغ بل جميع الأمة ينهون عن ذلك، لما ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما فعلوا" قالت عائشة: لولا ذلك لأبرز قبره، ولكنه كره أن يتخذ مسجدًا. وفي الصحيح أيضًا عنه أنه قال: "إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك". وفي السنن عنه قال: "لعن الله زوارت القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج" (٢).

стр. 1680

ونجد شيخ الإسلام ﵀ يطلق "المشهد" ويريد بها القبور المشتهرة عند القبوريين، قال ﵀: " ... بل المشاهد المضافة إلى الأنبياء وغيرهم كذب، مثل القبر الذي يُقال له "قبر نوح" ... " (١). وقال ﵀: "وعُمَّار المشاهد يخافون غير الله، ويرجون غيره، ويدعون غيره، وهو سبحانه لم يقل إنما يعمر مشاهد الله، فإن المشاهد ليست بيوت الله، إنما هي بيوت الشرك، ولهذا ليس في القرآن آية فيها مدح المشاهد، ولا عن النبي ﷺ في ذلك حديث، وإنما ذكره الله عمن كان قبلنا أنهم بنوا مسجدا على قبر أهل الكهف، وهؤلاء من الذين نهانا الله أن نتشبه بهم حيث قال ﷺ في الحديث الصحيح: "أن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم من ذلك"، ففي هذا الحديث ذم أهل المشاهد، وكذلك سائر الأحاديث الصحيحة، كما قال: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبو أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا"، وقال: "أولئكِ إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة". ثم أهل المشاهد كثير من مشاهدهم أو أكثرها كذب، فإن الشرك مقرون بالكذب في كتاب الله كثيرًا قال تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠]. وقال النبي ﷺ : "عدلت شهادة الزور الإشراك بالله" قالها ثلاثًا" (٢). * الأدلة: انظر الأدلة في باب (البناء على القبور).

стр. 1681

فوائد وأحكام: ١ - تاريخ المشاهد: إن من أعظم الفتن والبلايا التي وقعت عند المسلمين بعد القرون الثلاثة المفضلة تعظيم قبور الأنبياء والأولياء والصالحين والغلو فيها، واتخاذها مزارات ومشاهد، ويحدد ابن تيمية وقت ظهورها بقوله: "وذلك من دولة المقتدر في أواخر المائة الثالثة فإنه إذ ذاك ظهرت القرامطة العبيدية بأرض المغرب ثم جاءوا بعد ذلك إلى أرض مصر" (١). فأول من أدخل هذه البدع عند المسلمين هم الشيعة الروافض - قبّحهم الله - على يد الدولة العبيدية حين ضعفت خلافة بقي العباس (٢)، ثم تبعهم في ذلك أصحاب الطرق الصوفية فأشاعوها بين المسلمين (٣). قال ابن تيمية ﵀: "فالمقصود أن هذا المشهد إنما أحدث في دولة الملاحدة دولة بني عبيد. وكان فيهم من الجهل والضلال ومعاضدة الملاحدة وأهل البدع من المعتزلة والرافضة أمور كثيرة، ولهذا كان في زمنهم قد تضعضع الإسلام تضعضعا كثيرًا، ودخلت النصارى إلى الشام، فإن بني عبيد ملاحدة منافقون ليس لهم غرض في الإيمان بالله ورسوله، ولا في الجهاد في سبيل الله، بل في الكفر والشرك ومعاداة الإسلام بحسب الإمكان، وأتباعهم كلهم أهل بدع وضلال، فاستولت النصارى في دولتهم على أكثر الشام، ثم قيض الله من ملوك السنة مثل: نور الدين، وصلاح الدين، وإخوته وأتباعهم ففتحوا بلاد الإسلام، وجاهدوا

стр. 1682

الكفار والمناففين" (١). وقال أيضًا ﵀:"ولم يكن في العصور المفضلة "مشاهد" على القبور، وإنما ظهر ذلك وكثر في دولة بني بويه، لما ظهرت القرامطة بأرض المشرق والمغرب وكان بها زنادقة كفار، مقصودهم تبديل دين الإسلام، وكان في بني بويه من الموافقة لهم على بعض ذلك، ومن بدع الجهمية، والمعتزلة، والرافضة، ما هو معروف لأهل العلم، فبنوا المشاهد المكذوبة "كمشهد علي" ﵁ وأمثاله، وصنف أهل الفرية الأحاديث في زيارة المشاهد والصلاة عندها، والدعاء عندها، وما يشبه ذلك، فصار هؤلاء الزنادقة وأهل البدع المتبعون لهم يعظمون المشاهد، ويهينون المساجد، وذلك ضد دين المسلمين" (٢). ٢ - قبور الأنبياء: لا يثبت مكان قبر بعينه لنبي من الأنبياء أبدا إلا قبر النبي محمد ﷺ وإبراهيم ﵇ في المغارة التي في الشام في محله المعروف هناك، من دون أن يعلم عينه. قال شيخ الإسلام: "وقبر الخليل فيه نزاع لكن الصحيح الذي عليه الجمهور أنه قبره. (٣). قال الشيخ ابن باز ﵀: "جميع قبور الأنبياء لا تعرف ما عدا قبر نبينا ﵊ فإنه معلوم في بيته في المدينة ﵊، وهكذا قبر الخليل إبراهيم معروف في المغارة هناك في الخليل في فلسطين، وأما سواهما فقد بين أهل العلم أنها لا تعلم قبورهم، ومن ادعى أن هذا قبر فلان أو قبر فلان فهو كذب لا أصل له ولا صحة له" (٤).

стр. 1683

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فالأنبياء كثيرون جدًّا، وما يضاف إليهم من القبور قليل جدا، وليس منها شيء ثابت عرفا، قالقبور المضافة إليهم منها ما يعلم أنه كذب: مثل "قبر نوح" الذي في أسفل جبل لبنان، ومنها ما لا يعلم ثبوته بالإجماع، إلا قبر نبينا والخليل وموسى فإن هذا من كرامة محمد وأمته، فإن الله صان قبور الأنبياء عن أن تكون مساجد صيانة لم يحصل مثلها في الأمم المتقدمة، لأن محمدا وأمته أظهروا التوحيد إظهارا لم يظهره غيرهم، فقهروا عباد الأوثان، وعباد الصلبان، وعباد النيران" (١). قال شيخ الإسلام: "لكن ليس في معرفة قبور الأنبياء بأعيانها فائدة شرعية، وليس حفظ ذلك من الدين، ولو كان من الدين لحفظه الله كما حفظ سائر الدين، وذلك أن عامة من يسأل عن ذلك إنما قصده الصلاة عندها والدعاء بها ونحو ذلك من البدع المنهي عنها، ومن كان مقصوده الصلاه والسلام على الأنبياء والإيمان بهم وإحياء ذكرهم فذلك ممكن له، وإن لم يعرف قبورهم صلوات الله عليهم" (٢). ٣ - أكثر المشاهد المشهورة مكذوبة: قال ابن تيمية ﵀: "بل عامة القبور التي بنيت عليها المساجد، إما مشكوك فيها، وإما متيقن كذبها، مثل القبر الذي بكرك الذي يقال: إن به نوح، والذي بظاهر دمشق الذي يقال إنه قبر أبي بن كعب، والذي من الناحية الأخرى، والذي يقال: إنه قبر أويس القرني، والقبور التي هناك التي يظن أنها قبر عائشة أو أم سلمة زوج النبي ﷺ أو أم حبيبة، أو قبر علي الذي بباطنة النجف، أو المشهد الذي يقال: إنه على الحسين بالقاهرة، والمشهد الذي بحلب، وأمثال هذه المشاهد، فهذه كلها كذب باتفاق أهل العلم.

стр. 1684

وأما القبر الذي يقال: إنه "قبر خالد بن الوليد" بحمص، والذي يقال: إنه قبر أبي مسلم الخولاني بداريا، وأمثال ذلك: فهذه مشكوك فيها، وقد نعلم من حيث الجملة أن الميت: قد توفي بأرض ولكن لا يتعين أن تلك البقعة مكان قبره: كقبر بلال ونحوه بظاهر دمشق، وكقبر فاطمة بالمدينة وأمثال ذلك، وعامة من يصدق بذلك يكون علم به: إما مناما، وإما نقلا لا يوثق به، وإما غير ذلك، ومن هذه القبور ما قد يتيقن، لكن لا يترتب على ذلك شيء من هذه الأحكام المبتدعة ولهذا كان السلف يسدون هذا الباب، فإن المسلمين لما فتحوا تُستر وجدوا هناك سرير ميت باق، ذكروا أنه "دانيال" ووجدوا عنده كتابا فيه ذكر الحوادث، وكان أهل تلك الناحية يستسقون به، فكتب في ذلك أبو موسى الأشعري إلى عمر، فكتب إليه عمر أن يحفر بالنهار ثلاثة عشر قبرا، ثم يدفن بالليل في واحد منها ويعفى قبره لئلا يفتتن به الناس" (١). وكذلك نبي الله هود ﵇ كان في الأحقاف، ولكن لا يعلم قبره ولا يدرى عنه وليس هناك ما يدل على وجوده (٢). ٤ - مشهد الحسين في القاهرة (٣): انتشرت مشاهد ومزارات في كثير من أنحاء العالم الإسلامي ومن أشهرها في مصر: مشهد الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁ بالقاهرة. وقد دفن جسد الحسين بكربلاء في العراق باتفاق المؤرخين (٤). أما مقر رأسه فقد تعددت أسماء المدن التي يقال بوجود الرأس فيها (٥)، وهذه

стр. 1685

المدن هي: المدينة، القاهرة، دمشق، كربلاء، حلب، عسقلان، مرو، الرّقة (١). ومع تعدد الأقوال في مقر رأس الحسين فقد تعددت المشاهد المنسوبة للحسين ﵁. وقد رجح شيخ الإسلام ابن تيمية أن رأس الحسين ﵁ دفن بالمدينة. ونفى أن يكون له وجودا في القاهرة فقال ﵀: "المشهد المنسوب إلى الحسين بن علي ﵁ الذي بالقاهرة كذب مختلق، بلا نزاع بين العلماء المعروفين عند أهل العلم، الذين يرجع إليهم المسلمون في مثل ذلك لعلمهم وصدقهم. ولا يعرف عن عالم مسمى معروف بعلم وصدق أنه قال: أن هذا المشهد صحيح. وإنما يذكره بعض الناس قولا عمن لا يعرف، على عادة من يحكي مقالات الرافضة وأمثالهم من أهل الكذب. فإنهم ينقلون أحاديث وحكايات، ويذكرون مذاهب ومقالات، وإذا طالبتهم بمن قال ذلك ونقله؟ لم يكن لهم عصمة يرجعون إليها، ولم يسموا أحدا معروفا بالصدق في نقله، ولا بالعلم في قوله، بل غاية ما يعتمدون عليه: أن يقولوا: أجمعت الطائفة الحقة، وهم عند أنفسهم الطائفة الحقة، الذين هم عند أنفسهم المؤمنون، وسائر الأمة سواهم كفار" (٢). ومن المشاهد المشهورة في مصر أيضًا: مشهد "السيدة زينب" بنت علي بن أبي طالب ﵁ (٣) بالقاهرة (٤)، ومشهد "السيد البدوي" (٥) بطنطا.
следующие страницы →