← Акыда

Акыда · id 603

معجم التوحيد

إبراهيم بن سعد أبا حسين

Полный текст (1 832 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

فوائد وأحكام: ١ - تاريخ المشاهد: إن من أعظم الفتن والبلايا التي وقعت عند المسلمين بعد القرون الثلاثة المفضلة تعظيم قبور الأنبياء والأولياء والصالحين والغلو فيها، واتخاذها مزارات ومشاهد، ويحدد ابن تيمية وقت ظهورها بقوله: "وذلك من دولة المقتدر في أواخر المائة الثالثة فإنه إذ ذاك ظهرت القرامطة العبيدية بأرض المغرب ثم جاءوا بعد ذلك إلى أرض مصر" (١). فأول من أدخل هذه البدع عند المسلمين هم الشيعة الروافض - قبّحهم الله - على يد الدولة العبيدية حين ضعفت خلافة بقي العباس (٢)، ثم تبعهم في ذلك أصحاب الطرق الصوفية فأشاعوها بين المسلمين (٣). قال ابن تيمية ﵀: "فالمقصود أن هذا المشهد إنما أحدث في دولة الملاحدة دولة بني عبيد. وكان فيهم من الجهل والضلال ومعاضدة الملاحدة وأهل البدع من المعتزلة والرافضة أمور كثيرة، ولهذا كان في زمنهم قد تضعضع الإسلام تضعضعا كثيرًا، ودخلت النصارى إلى الشام، فإن بني عبيد ملاحدة منافقون ليس لهم غرض في الإيمان بالله ورسوله، ولا في الجهاد في سبيل الله، بل في الكفر والشرك ومعاداة الإسلام بحسب الإمكان، وأتباعهم كلهم أهل بدع وضلال، فاستولت النصارى في دولتهم على أكثر الشام، ثم قيض الله من ملوك السنة مثل: نور الدين، وصلاح الدين، وإخوته وأتباعهم ففتحوا بلاد الإسلام، وجاهدوا

стр. 1682

الكفار والمناففين" (١). وقال أيضًا ﵀:"ولم يكن في العصور المفضلة "مشاهد" على القبور، وإنما ظهر ذلك وكثر في دولة بني بويه، لما ظهرت القرامطة بأرض المشرق والمغرب وكان بها زنادقة كفار، مقصودهم تبديل دين الإسلام، وكان في بني بويه من الموافقة لهم على بعض ذلك، ومن بدع الجهمية، والمعتزلة، والرافضة، ما هو معروف لأهل العلم، فبنوا المشاهد المكذوبة "كمشهد علي" ﵁ وأمثاله، وصنف أهل الفرية الأحاديث في زيارة المشاهد والصلاة عندها، والدعاء عندها، وما يشبه ذلك، فصار هؤلاء الزنادقة وأهل البدع المتبعون لهم يعظمون المشاهد، ويهينون المساجد، وذلك ضد دين المسلمين" (٢). ٢ - قبور الأنبياء: لا يثبت مكان قبر بعينه لنبي من الأنبياء أبدا إلا قبر النبي محمد ﷺ وإبراهيم ﵇ في المغارة التي في الشام في محله المعروف هناك، من دون أن يعلم عينه. قال شيخ الإسلام: "وقبر الخليل فيه نزاع لكن الصحيح الذي عليه الجمهور أنه قبره. (٣). قال الشيخ ابن باز ﵀: "جميع قبور الأنبياء لا تعرف ما عدا قبر نبينا ﵊ فإنه معلوم في بيته في المدينة ﵊، وهكذا قبر الخليل إبراهيم معروف في المغارة هناك في الخليل في فلسطين، وأما سواهما فقد بين أهل العلم أنها لا تعلم قبورهم، ومن ادعى أن هذا قبر فلان أو قبر فلان فهو كذب لا أصل له ولا صحة له" (٤).

стр. 1683

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فالأنبياء كثيرون جدًّا، وما يضاف إليهم من القبور قليل جدا، وليس منها شيء ثابت عرفا، قالقبور المضافة إليهم منها ما يعلم أنه كذب: مثل "قبر نوح" الذي في أسفل جبل لبنان، ومنها ما لا يعلم ثبوته بالإجماع، إلا قبر نبينا والخليل وموسى فإن هذا من كرامة محمد وأمته، فإن الله صان قبور الأنبياء عن أن تكون مساجد صيانة لم يحصل مثلها في الأمم المتقدمة، لأن محمدا وأمته أظهروا التوحيد إظهارا لم يظهره غيرهم، فقهروا عباد الأوثان، وعباد الصلبان، وعباد النيران" (١). قال شيخ الإسلام: "لكن ليس في معرفة قبور الأنبياء بأعيانها فائدة شرعية، وليس حفظ ذلك من الدين، ولو كان من الدين لحفظه الله كما حفظ سائر الدين، وذلك أن عامة من يسأل عن ذلك إنما قصده الصلاة عندها والدعاء بها ونحو ذلك من البدع المنهي عنها، ومن كان مقصوده الصلاه والسلام على الأنبياء والإيمان بهم وإحياء ذكرهم فذلك ممكن له، وإن لم يعرف قبورهم صلوات الله عليهم" (٢). ٣ - أكثر المشاهد المشهورة مكذوبة: قال ابن تيمية ﵀: "بل عامة القبور التي بنيت عليها المساجد، إما مشكوك فيها، وإما متيقن كذبها، مثل القبر الذي بكرك الذي يقال: إن به نوح، والذي بظاهر دمشق الذي يقال إنه قبر أبي بن كعب، والذي من الناحية الأخرى، والذي يقال: إنه قبر أويس القرني، والقبور التي هناك التي يظن أنها قبر عائشة أو أم سلمة زوج النبي ﷺ أو أم حبيبة، أو قبر علي الذي بباطنة النجف، أو المشهد الذي يقال: إنه على الحسين بالقاهرة، والمشهد الذي بحلب، وأمثال هذه المشاهد، فهذه كلها كذب باتفاق أهل العلم.

стр. 1684

وأما القبر الذي يقال: إنه "قبر خالد بن الوليد" بحمص، والذي يقال: إنه قبر أبي مسلم الخولاني بداريا، وأمثال ذلك: فهذه مشكوك فيها، وقد نعلم من حيث الجملة أن الميت: قد توفي بأرض ولكن لا يتعين أن تلك البقعة مكان قبره: كقبر بلال ونحوه بظاهر دمشق، وكقبر فاطمة بالمدينة وأمثال ذلك، وعامة من يصدق بذلك يكون علم به: إما مناما، وإما نقلا لا يوثق به، وإما غير ذلك، ومن هذه القبور ما قد يتيقن، لكن لا يترتب على ذلك شيء من هذه الأحكام المبتدعة ولهذا كان السلف يسدون هذا الباب، فإن المسلمين لما فتحوا تُستر وجدوا هناك سرير ميت باق، ذكروا أنه "دانيال" ووجدوا عنده كتابا فيه ذكر الحوادث، وكان أهل تلك الناحية يستسقون به، فكتب في ذلك أبو موسى الأشعري إلى عمر، فكتب إليه عمر أن يحفر بالنهار ثلاثة عشر قبرا، ثم يدفن بالليل في واحد منها ويعفى قبره لئلا يفتتن به الناس" (١). وكذلك نبي الله هود ﵇ كان في الأحقاف، ولكن لا يعلم قبره ولا يدرى عنه وليس هناك ما يدل على وجوده (٢). ٤ - مشهد الحسين في القاهرة (٣): انتشرت مشاهد ومزارات في كثير من أنحاء العالم الإسلامي ومن أشهرها في مصر: مشهد الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁ بالقاهرة. وقد دفن جسد الحسين بكربلاء في العراق باتفاق المؤرخين (٤). أما مقر رأسه فقد تعددت أسماء المدن التي يقال بوجود الرأس فيها (٥)، وهذه

стр. 1685

المدن هي: المدينة، القاهرة، دمشق، كربلاء، حلب، عسقلان، مرو، الرّقة (١). ومع تعدد الأقوال في مقر رأس الحسين فقد تعددت المشاهد المنسوبة للحسين ﵁. وقد رجح شيخ الإسلام ابن تيمية أن رأس الحسين ﵁ دفن بالمدينة. ونفى أن يكون له وجودا في القاهرة فقال ﵀: "المشهد المنسوب إلى الحسين بن علي ﵁ الذي بالقاهرة كذب مختلق، بلا نزاع بين العلماء المعروفين عند أهل العلم، الذين يرجع إليهم المسلمون في مثل ذلك لعلمهم وصدقهم. ولا يعرف عن عالم مسمى معروف بعلم وصدق أنه قال: أن هذا المشهد صحيح. وإنما يذكره بعض الناس قولا عمن لا يعرف، على عادة من يحكي مقالات الرافضة وأمثالهم من أهل الكذب. فإنهم ينقلون أحاديث وحكايات، ويذكرون مذاهب ومقالات، وإذا طالبتهم بمن قال ذلك ونقله؟ لم يكن لهم عصمة يرجعون إليها، ولم يسموا أحدا معروفا بالصدق في نقله، ولا بالعلم في قوله، بل غاية ما يعتمدون عليه: أن يقولوا: أجمعت الطائفة الحقة، وهم عند أنفسهم الطائفة الحقة، الذين هم عند أنفسهم المؤمنون، وسائر الأمة سواهم كفار" (٢). ومن المشاهد المشهورة في مصر أيضًا: مشهد "السيدة زينب" بنت علي بن أبي طالب ﵁ (٣) بالقاهرة (٤)، ومشهد "السيد البدوي" (٥) بطنطا.

стр. 1686

ومن أشهرها في الشام: "مشهد خالد بن الوليد ﵁ ". بحمص، و"مشهد صلاح الدين الأيوبي" بدمشق بجوار الجامع الأموي، ومحي الدين بن عربي (٢) بدمشق أيضًا. ومن أشهرها في العراق مشهد الحسين بن علي بكربلاء (٣)، ومشهد عبد القادر الجيلاني ببغداد (٤). ٥ - حكم الصلاة في المشاهد (٥): قال الخرفي ﵀: "وكذلك إن صلى في المقبرة أو الحش أو الحمام أو في أعطان الإبل أعاد" (٦). وعلق على كلامه ابن قدامة ﵀ في المغني فقال: "اختلفت الرواية عن أحمد ﵀ في الصلاة في هذه المواضع، فروي أن الصلاة لا تصح فيها بحال" (٧). وذكر

стр. 1687

الرواية بصحتها ثم فصل الكلام طويلًا وقال في آخره: "فعلى هذا لا تصح الصلاة إلى القبور للنهي عنها، وتصح إلى غيرها لبقائها في عموم الإباحة وامتناع قياسها على ما ورد النهي عنه" (١). والذي عليه أكثر أهل العلم أنه لا تجب الإعادة إذا صلى في المقبرة وهو قول مالك والشافعي وأحمد في رواية عنه والمشهور عن أحمد أن عليه الإعادة لارتكاب النهي بالصلاة فيها (٢). وقد تقدم ذكر ذلك في كلام الخرقي وابن قدامة رحمهما الله، ولأن النهي يدل على فساد المنهي عنه فقد ذهب بعض العلماء إلى بطلان الصلاة فيها كابن حزم، واختاره شيخ الإسلام ابنُ تَيمِيَّةَ، والشوكاني في نيل الأوطار (٣). وقد قرر شيخ الإسلام بطلان الصلاة في كل مسجد بُني على قبر سواء صلى خلف القبر أو أمامه (٤). كما قرر ﵀ أن الصلاة في المقبرة محرمة ولا تصح. قال ﵀: "والمشهور عندنا أنها محرمة لا تصح" (٥). وذكر في شرح العمدة أن الصلاة في المواضع المنهي عن الصلاة فيها روايتان: إحداهما: وهي ظاهر المذهب أنها لا تصح ولا تجوز. والثانية: أنها تكره وتستحب الإعادة. ثم قال ﵀: "والأول أصح؛ لأن قوله ﷺ "الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام": إخراجٌ لها عن أن تكون مسجدًا، والصلاة لا تصح إلا في مسجد، أعني فيما جعله الله لنا مسجدًا.

стр. 1688

وهذا خطاب وضعٍ وإخبارٌ فيه أن المقبرة والحمام، لم يُجعلا مسجدًا ومحلًا للسجود، كما بَيَّن أن محلَ السجود، هو الأرض الطيبة. فإذا لم تكن مسجدًا: كان السجود واقعًا فيها في غير موضعه، فلا يكون معتدًا به، كما لو وقع في غير وقته، أو إلى غير جهته، أو في أرضٍ خبيثة" (١). وقال الشيخ ابن باز ﵀: "لا تجوز الصلاة عند القبور ولا اتخاذها مساجد؛ ولأن ذلك وسيلة للشرك (٢). وقال ابن عثيمين ﵀: "وأما صِحَّة الصلاة في المساجد التي بنيت على القبور فإن كان القبر سابقا على المسجد بأن بني المسجد على القبر فإن الصلاة فيه لا تصح ويجوز هدم المسجد لأن النبي ﷺ قال: "قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا" وأما إذا كان المسجد سابقا على القبر بأن كان المسجد قائما مبنيا ثم دفن فيه أحد فإنه يجب أن ينبش القبر وأن يدفن فيما يدفن فيه الناس. والصلاة في هذا المسجد السابق (٣) على القبر صحيحة إلا إذا كان القبر تجاه المصلين فإن الصلاة إلى القبور لا تصح - كما في صحيح مسلم من حديث أبي مرثد الغنوي - أن النبي ﷺ قال: "لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها"" (٤). ٦ - فائدة: قال ابن تيمية: " ... ولا في الصلاة في المشاهد التي على القبور ونحوها فضيلة على سائر البقاع ، فضلا عن المساجد، باتفاق أئمة المسلمين، فمن اعتقد أن الصلاة عندها فيها فضل على الصلاة على غيرها، أو أنها أفضل من الصلاة في بعض

стр. 1689

المساجد، فقد فارق جماعة المسلمين، ومرق من الدين، بل الذي عليه الأمة أن الصلاة فيها منهي عنه نهي تحريم، وإن كانوا متنازعين في الصلاة في المقبرة: هل هي: محرمة؟ أم مكروهة؟ أو مباحة؟ أو يفرق بين المنبوشة والقديمة، فذلك لأجل تعليل النهي بالنجاسة لاختلاط التراب بصديد الموتى. وأما هذا فإنه نهى عن ذلك لما فيه من التشبه بالمشركين، وأن ذلك أصل عبادة الأصنام قال تعالى: ﴿لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣)﴾ [نوح: ٢٣]. قال غير واحد من الصحابة والتابعين: هذه أسماء قوم كانوا قوما صالحين، في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ولهذا قال النبي ﷺ ما ذكره مالك في الموطأ: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"؛ ولهذا لا يشرع باتفاق المسلمين أن ينذر للمشاهد التي على القبور، لا زيت، ولا شمع، ولا دراهم، ولا غير ذلك، وللمجاورين عندها، وخدام القبور، فإن النبي ﷺ قد لعن من يتخذ عليها المساجد والسرج، ومن نذر ذلك فقد نذر معصية، وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه"" (١). ٧ - فائدة: ما يروى في كتب السير بأن إسماعيل ﵇ دفن في الحطيم بمكة المكرمة لا يستند على نقل صحيح أو سند ثابت وقد أجابت اللجنة الدائمة بأن: "ما قيل من أن إسماعيل ﵊ مدفون في الحطيم غير صحيح فلا يعول عليه بحال" (٢).

стр. 1690

٨ - موقف العلماء من المشاهد والقبور: لقد اشتد نكير العلماء والفضلاء على ما يحدث في المشاهد والمقابر وعلت صيحاتهم وصدقت لهجتهم في التحذير من الشركيات والبدع والمخزيات التي تقوم هناك هذا مع ما يخالطها من اختلاط وإيقاظ شهوات وبذل للأموال في الخزي والعار، قال أبو الوفاء بن عقيل: "ما كان أحوج الجوامع أن تكون مظلمة من سرجهم منزهة عن معاصيهم وفسقهم" (١). وقال ﵀: "أترى بماذا تتحدث عنك سواري المسجد في الظلم، وأفنية القبور والقباب ... غدا يرى أهل الجموع أن المساجد تلعنهم، والمشاهد والمقابر تستغيث منهم" (٢). وقال ابن مفلح: "وإذا كان ذلك في زمنه، فما ظنك بزمننا هذا الذي بينهما نحو ثلاث مئة سنة وما يجري بالشام ومصر والعراق وغيرها من بلاد الإسلام في أيام المواسم من المنكرات؟ فإنا لله وإنا إليه راجعون" (٣). وأنكر ذلك أئمة الدعوة وعلى رأسهم الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب كما أنكر العلماء الأجلاء على عباد القبور والمشاهد في شتى أصقاع الأرض. قال العلامة شكري الألوسي عن عبدة القبور: "ومنهم من يطلب منهم النسل إذا كان عقيمًا، والشفاء إذا كان سقيمًا، وكثير منهم يطلب منصبًا فيه أخذ أموال العباد، والسعي في الأرض بكل فساد، فيجيء إليهم ويلازمهم معتقدًا: أن من لازمهم قضيت حاجته، ونجحت سعايته، واقتربت سعادته، وإذا فتحت بيوت قبورهم المذهبة، ورفعت ستور الأبواب المطلية المطروزة، وفاحت تلك الروائح

стр. 1691

المسكية من الجدران المخلقة، وجد هذا الزائر في فؤاده من الخشية والرهب ما لا يجد أدنى معشار جزء من عشره بين يدي خالق السموات والأرضين وإله جميع العالمين، فيدخل إلى القبر خاشعًا، ذليلًا متواضعًا، لا يخطر في قلبه مثقال ذرة من غير إجلاله، منتظرا فيض كرمه ونواله، فأقسم بالله أنه لم يتصوره بشرًا قد وضع بأكفانه في لحده، ولو سلمنا أنه خطرت له وهو عنده تلك الخطرة لتعوذ بالله منها، ووقف عند حده، ويا مصيبة من أنكر عليهم حالهم، ويا شناعة من رد عليهم أمرهم، ويا خسارة من علمهم وأرشدهم، فإن ذلك عندهم قد تنقص حق الأولياء، وهضمهم مرتبتهم من السمو والارتقاء، فبالله عليك أيها الناظر! إلا ما قابلت هذه مع ما ورد عن سيد الأنام ﷺ متأملا كيفية إذنه بعد المنع. وانظر إلى سبب المنع والإذن، وما علل النبي ﷺ الإذن وجعله في حكم الغاية له والشرط ... " (١). وقال الشمس السلفي: "وقال العلامة الخجندي (١٣٧٩ هـ) وشيخ القرآن الفنجفيري (١٤٠٧ هـ) والرباطي الملقب بجامع المعقول والمنقول بعد ما ساقوا عدة أحاديث في تحريم بناء القبب والمساجد على القبور؛ مبينين مفاسد هذا العمل الملعون أهلها: "وكم سرى عن تشييد أبنية القبور وتحسينها من مفاسد يبكي لها الإسلام: ومع هذا المنكر الشنيع، والكفر الفظيع، لا نجد من يغضب لله ويغار حمية للدين الحنيف: لا عالمًا، ولا متعلمًا، ولا أميرًا، ولا وزيرًا، ولا ملكًا، وقد توارد إلينا من الأخبار ما لا يشك معه: أن كثيرًا من هؤلاء القبوريين أو أكثرهم إذا توجهت عليه يمين من جهة خصمه حلف بالله فاجرا، وإذا قيل له بعد ذلك: احلف بشيخك ومعتقدك الولي الفلاني تلعثم وتلكأ، وأبى واعترف بالحق؛

стр. 1692

وهذا من أبين الأدلة على أن شركهم قد بلغ فوق شرك من قال: إنه تعالى ثاني اثنين، أو ثالث ثلاثة؛ فيا علماء الدين! ويا ملوك المسلمين! أي رزء للإسلام أشد من الكفر؟!؟ وأي بلاء لهذا الدين أضر عليه من عبادة غير الله؟!؟ وأي مصيبة يصاب بها المسلمون تعدل هذه المصيبة؟!؟ وأي منكر يجب إنكاره إن لم يكن إنكار هذا الشرك البين واجبا؟!؟ لقد أسمعت لو ناديت حيًا ... ولكن لا حياة لمن تنادي ولو نارا نفخت بها أضاءت ... ولكن أنت تنفخ في الرماد" (١)

стр. 1693

٢٦١ - مظاهرة الكفار على المسلمين * [الولاء والبراء] قال أبو بكر الرازي: "الظهير: المعين ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (٤)﴾ [التحريم: ٤] " (١). ومظاهرة الكفار على المسلمين يقصد بها أن يكونوا أعوانا لهم وأنصارا على المسلمين ونصرتهم قد تكون بالنفس أو بالمال أو بالقول و البيان أو بميل القلب وحبه لهم ولدينهم وبغضه للمسلمين ويطلق عليها بعض العلماء التولي ويفرقون بينه وبين الموالاة، وسيأتي بيان ذلك في باب (الولاء والبراء). الأدلة من الكتاب: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ (١٣)﴾ [الممتحنة: ١٣]. وذكر أن المنافقين هم الذين يتولون الكفار قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١١)﴾ [الحشر: ١١]، وقال : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١].

стр. 1694

قال ابنُ جَريرٍ في تفسيرِ قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾: "ومن يتول اليهود والنصارى دون المؤمنين فإنه منهم، يقول: فإن من تولاهم ونصرهم على المؤمنين، فهو من أهل دينهم وملتهم، فإنه لا يتولى متول أحدا إلا وهو به وبدينه وما هو عليه راض، وإذا رضيه ورضي دينه، فقد عادى ما خالفه وسخطه وصار حكمُه حكمَه ... " (١). وقال القرطبي في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ أي: "يعاضدهم ويناصرهم على المسلمين فحكمه كحكمهم في الكفر والجزاء وهذا الحكم باق إلى يوم القيامة وهو قطع الموالاة بين المسلمين والكافرين" (٢). وقال ابن جرير عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: ٢٨]. قال ﵀: "لا تتخذوا أيها المؤمنون الكفار ظهرا وأنصارا توالونهم على دينهم وتظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين، وتدلونهم على عوراتهم، فإنه من يفعل ذلك فليس من الله في شيء، يعني بذلك: فقد برئ من الله وبرئ الله منه، بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر ... " (٣). وقال البغوي: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ (٨٦)﴾، أي معينًا لهم على دينهم، قال مقاتل: وذلك حين دُعي إلى دين آبائه فذكر الله بنعمه، ونهاه عن مظاهرتهم على ما هم عليه" (٤).

стр. 1695

وقال البغوي أيضًا: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ﴾ فيوافقهم ويعينهم" (١). وقال ابن حزم: "فصح بهذا أن من لحق بدار الكفر والحرب مختارا محاربا لمن يليه من المسلمين، فهو بهذا الفعل مرتد له أحكام المرتد كلها من وجوب القتل عليه، متى قدر عليه، ومن إباحة ماله، وانفساخ نكاحه وغير ذلك لأن رسول الله ﷺ لم يبرأ من مسلم، وأما من فرّ إلى أرض الحرب لظلم خافه، ولم يحارب المسلمين، ولا أعانهم عليه، ولم يجد في المسلمين من يجيره فهذا لا شيء عليه؛ لأنه مضطر مكره" (٢). وقال ابن الجوزي في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ (٨٦)﴾ [القصص: ٨٦]، أي عونًا لهم على دينهم، وذلك أنهم دعوه إلى دين آبائه، فأُمر بالاحتراز منهم، والخطاب بهذا وأمثاله له، والمراد أهل دينه لئلا يظاهر الكفار ولا يوافقوهم" (٣). ويقول ابن تيمية: "فمن قفز منهم إلى التتار كان أحق بالقتال من كثير من التتار، فإن التتار فيهم المكره وغير المكره، وقد استقرت السنة بأن عقوبة المرتد أعظم من عقوبة الكافر الأصلي من وجوه متعددة" (٤). ويقول ابن القيم: "إنه سبحانه قد حكم، ولا أحسن من حكمه أن من تولى اليهود والنصارى فهو منهم ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ فإذا كان أولياؤهم منهم بنص القرآن كان لهم حكمهم" (٥). وذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ مظاهرة الكفار ضد المسلمين ضمن

стр. 1696

نواقض الإسلام فقال: "الناقض الثامن: مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١)﴾ [المائدة: ٥١] (١). ومما قاله الشيخ سليمان في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١١)﴾ [الحشر: ١١] فإذا كان وعد المشركين في السر - بالدخول معهم ونصرتهم والخروج معهم إن جَلَوا - نفاقا وكفرا وإن كان كذبا، فكيف بمن أظهر لهم ذلك صادقا، وقدم عليهم، ودخل في طاعتهم، ودعا إليها، ونصرهم وانقاد لهم، وصار من جملتهم وأعانهم بالمال والرأي؟ هذا مع أن المنافقين لم يفعلوا ذلك إلا خوفا من الدوائر كما قال تعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ [المائدة: ٥٢] " (٢). ويقول الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف آل الشيخ: "التولي كفر يخرج من الملة، وهو كالذب عنهم وإعانتهم بالمال والبدن والرأي" (٣). وقال الشيخ حمد بن علي بن عتيق: "إن الأمور التي يصير بها المسلم مرتدًا، أمران: الأمر الأول: الشرك. والأمر الثاني: مظاهرة المشركين على دينهم الباطل وطاعتهم في ذلك ولم يستثن من حالات المظاهرة والطاعة إلا حالة واحدة وهي الموافقة لهم في الظاهر ومخالفتهم في الباطن، وذلك إذا كان في سلطانهم مع مباشرة تعذيبهم وتهديدهم له" (٤).

стр. 1697

قال الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري: "والمشايخ ﵏ كالشيخ سليمان بن عبد الله، والشيخ عبد اللطيف، والشيخ حمد بن عتيق، إذا ذكروا موالاة المشركين فسَّروها بالموافقة والنصرة والمعاونة والرضا بأفعالهم .. هذا هو الذي أوجب كفره، وأما مجرد الاجتماع معهم في المنزل، فإن ذلك بدون إظهار الدين معصية، وقال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤٤]: "يعني: معهم في الحقيقة، يوالونهم ويسرون إليهم بالمودة، ويقولون لهم إذا خلوا بهم: إنا معكم"، فهذا هو الذي أوجب كفرهم لا مجرد المخالطة" (١). ويقول الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀ في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩)﴾ [الممتحنة:٩]: "وذلك الظلم يكون بحسب التولي، فإن كان توليا تاما، كان ذلك كفرا مخرجا من دائرة الإسلام، وتحت ذلك من المراتب، ما هو غليظ، وما هو دونه" (٢). وقال الشيخ عبد العزيز بن باز عن الذين يدعون إلى الاشتراكية أو الشيوعية أو غيرهما من المذاهب الهدامة المناقضة لحكم الإسلام أنهم: "كفار ضلال، أكفر من اليهود والنصارى، لأنهم ملاحدة لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ... وكل من ساعدهم على ضلالهم، وحسّن ما يدعون إليه، وذم دعاة الإسلام ولمزهم، فهو كافر ضال، حكمه حكم الطائفة الملحدة التي سار في ركابها وأيدها في طلبها، وقد أجمع علماء الإسلام على أن من ظاهر الكفار على المسلمين وساعدهم عليهم بأي نوع من المساعدة، فهو كافر مثلهم كما قال الله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا

стр. 1698

تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١] " (١). * الفرق بين مظاهرة الكفار والاستعانة بهم: الفرق في ذلك كبير فالمظاهرة كفر مخرج من الملة وأما استعانة بهم ففي النهي عنها خلاف. قال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: "ومما يجب التنبيه عليه أن بعض الناس قد يظن أن الاستعانة بأهل الشرك تعتبر موالاة لهم، وليس الأمر لك، فالاستعانة شيء والموالاة شيء آخر. فلم يكن النبي ﷺ حين استعان بالمطعم بن عدي، أو بعبد الله بن أريقط، أو بيهود خيبر مواليًا لأهل الشرك، ولا متخذًا لهم بطانة، وإنما فعل ذلك للحاجة إليهم واستخدامهم في أمور تنفع المسلمين ولا تضرهم. وهكذا بعثه المهاجرين من مكة إلى بلاد الحبشة ليس ذلك موالاة للنصارى، وإنما فعل ذلك لمصلحة المسلمين، وتخفيف الشر عنهم. فيجب على المسلم أن يفرق ما فرق الله بينه، وأن ينزل الأدلة منازلها، والله سبحانه هو الموفق والهادي لا إله غيره ولا رب سواه" (٢). ٢٦٢ - الملائكة الكرام * من أصول الإيمان. انظر باب (الإيمان بالملائكة). ٢٦٣ - المعجزة انظر باب (الكرامة).

стр. 1699

٢٦٤ - ملك الأملاك انظر باب (قاضي القضاة). ٢٦٥ - مناة اسم صنم كانت على ساحل البحر بالمشلل عند قديد بين مكة والمدينة وكانت الأوس والخزرج وخزاعة في الجاهلية يعظمونها انظر باب (صنم). ٢٦٦ - الموالاة والمعاداة انظر باب: (الولاء و البراء).

стр. 1700

٢٦٧ - الْمِيثَاقُ * اختلف العلماء حول المقصود بالميثاق فقيل: هو ما أخذ عليهم وهم في ظهور آبائهم من الإقرار بالتوحيد، كما دلت على ذلك الأحاديث. وقيل: المقصود بالميثاق ما فطرهم الله به من التوحيد. قال ابن كثير ﵀: "وذهب طائفة من السلف والخلف أن المراد بهذا الإشهاد إنما هو فطرهم على التوحيد كما في حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كل مولود يولد على الفطرة ... "" (١). وقال الشيخ حافظ الحكمي ﵀: "ليس بين التفسيرين مناة ولا مضادة ولا معارضة، فإن هذه المواثيق كلها ثابتة بالكتاب والسنة. الأول: الميثاق الذي أخذه الله تعالى عليهم حيث أخرجهم. ظهر أبيهم آدم ﵇ ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]، الآيات، وهو الذي قاله جمهور المفسرين ﵏ في هذه الآيات وهو نص الأحاديث الثابتة في الصحيحين وغيرهما.

стр. 1701

الميثاق الثاني: ميثاق الفطرة، وهو أنه ﵎ فطرهم شادين بما أخذه عليهم في الميثاق الأول كما قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] الآية وهو الثابت في حديث أبي هريرة وعياض بن حمار والأسود بن سريع ﵃ وغيرها من الأحاديث في الصحيحين وغيرها. الميثاق الثالث: هو ما جاءت به الرسل وأنزلت به الكتاب تجديدًا للميثاق الأول وتذكيرًا به قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥)﴾ [النساء: ١٦٥] " (١). *الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣)﴾ [الأعراف: ١٧٢، ١٧٣]. وفي قوله تعالى ﴿أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣)﴾ هو قال الإمام ابن القيم ﵀: "أي لو عذبهم بجحودهم وشركهم لقالوا ذلك وهو سبحانه إنما يهلكهم لمخالفة رسله وتكذيبهم، فلو أهلكهم بتقليد آبائهم في شركهم من غير إقامة الحجة عليهم بالرسل لأهلكهم بما فعل المبطلون، أو أهلكهم مع غفلتهم عن معرفة بطلان ما كانوا عليه، وقد أخبر سبحانه أنه لم يكن ليهلك القرى بظلم وأهلها غافلون، وإنما يهلكهم بعد الإعذار والإنذار" (٢).

стр. 1702

وبه تعلم أن العذاب لا يكون إلا على من قامت عليه الحجة الرسالية، وقد تقدم في باب أهل الفترة أن الله لا يؤاخذ بالمخالفة إلا بعد إرسال الرسل (١). قال شيخنا عبد الرحمن البراك عن الميثاق: "ليس حجة وحده ولا يستوجب من خالفه بمجرده العذاب إنما يستوجب العذاب من جاءته الرسل وبلغته دعوة الحق" (٢).

стр. 1703

٢٦٨ - النبوة * النبي: مشتق من النبأ بمعنى الخبر، فإن كان المراد أنه يخبر أمته بما أوحى الله إليه فهو فعيل بمعنى فاعل، وإن كان المراد أن الله يخبره بما يوحي إليه، فهو فعيل بمعنى مفعول، وعلى المراد الأول قال ابن الأثير: "النبي: فعيل بمعنى فاعل للمبالغة، من النبأ: الخبر، لأنه أنبأ عن الله أي أخبر ويجوز فيه تحقيق الهمز وتخفيفه" (١). ويصح أن يكون مأخوذًا من النّبء بالهمزة وسكون الباء، أو النبوة، أو النّباوة بالواو. وكلها بمعنى الارتفاع والظهور، وذلك لرفعة قدر النبي وظهور شأنه وعلو منزلته (٢). قال ابن الأثير: "وقيل إن النبي مشتق من النباوة وهي الشيء المرتفع" (٣).

стр. 1704

أحكام وفوائد: ١ - الفرق بين النبي والرسول: لأهل العلم في الفرق بين النبي والرسول أقوال أهمها: القول الأول: أن النبي من أوحي إليه ولم يؤمر بالبلاغ والرسول من أوحي إليه وأمر بالبلاغ. قال السفاريني ﵀ في تعريف النبي: "هو إنسان أوحى إليه بشرع وإن لم يؤمر بتبليغه فإن أمر بتبليغه فهو رسول أيضا على المشهور، فبين النبي والرسول عموم وخصوص مطلق، فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولًا" (١). وقال ابن أبي العز: "وقد ذكروا فروقا بين النبي والرسول، أحسنها أن من نبأه الله بخبر السماء إن أمره أن يبلغ غيره، فهو نبي رسول، وإن لم يأمره أن يبلغ غيره، فهو نبي وليس برسول" (٢). وسئل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين: هل هناك فرق بين الرسول والنبي؟ فقال: "نعم، فأهل العلم يقولون: إن النبي هو من أوحى الله إليه بشرع ولم يأمره بتبليغه بل يعمل به في نفسه دون إلزام بالتبليغ. والرسول هو من أوحى الله إليه بشرع وأمره بتبليغه والعمل به. فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولًا، والأنبياء أكثر من الرسل، وقد قص الله بعض الرسل في القرآن ولم يقصص البعض الآخر، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [غافر: ٧٨].

стр. 1705

وبناء على هذه الآية يتبين أن كل من ذكر في القرآن من الأنبياء فهو رسول". فقيل له: كيف لا يؤمر النبي بتبليغ الشرع وقد أوحي إليه؟ فأجاب بقوله: "أوحى الله إلى النبي بالشرع من أجل إحياء الشرع بمعنى أن من رآه واقتدى به واتبعه دون أن يلزم بإبلاغه، ومن ذلك ما حصل لآدم ﵊، فإن آدم كان نبيًا مكلَّمًا كما جاء ذلك عن رسول الله ﵌، ومع هذا فليس من الرسل لأنه قد دلت السنة بل دل القرآن، والسنة، وإجماع الأمة على أن أول رسول أرسله الله هو نوح ﵇. وآدم لابد أن يكون متعبدًا لله بوحي من الله فيكون قد أوحى إليه ولم يؤمر بالتبليغ ولهذا لا يعد من الرسل" (١). القول الثاني: أن الرسول من بعث لقوم مخالفين، والنبي من بعث لقوم موافقين: قال شيخ الإسلام ﵀ وقدس روحه -: "فالنبي هو الذي ينبئه الله وهو ينبئ بما أنبأ الله به فإن أرسل مع ذلك إلى من خالف أمر الله ليبلغه رسالة من الله إليه فهو رسول وأما إذا كان إنما يعمل بالشريعة قبله ولم يرسل هو إلى أحد يبلغه عن الله رسالة فهو نبي وليس برسول، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢] .. وقوله: ﴿مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ فذكر إرسالا يعم النوعين وقد خص أحدهما بأنه رسول فإن هذا هو الرسول المطلق الذي أمره بتبليغ رسالته إلى من خالف الله كنوح. وقد ثبت في الصحيح أنه أول رسول بعث إلى أهل الأرض وقد كان قبله أنبياء كشيث وإدريس ﵉ وقبلهما آدم كان نبيًا مكلمًا، قال ابن عباس: كان بين آدم ونوح

стр. 1706

عشرة قرون كلهم على الإسلام، فأولئك الأنبياء يأتيهم وحي من الله بما يفعلونه ويأمرون به المؤمنين الذين عندهم لكونهم مؤمنين بهم كما يكون أهل الشريعة الواحدة يقبلون ما يبلغه العلماء عن الرسول. وكذلك أنبياء بني إسرائيل يأمرون بشريعة التوراة وقد يُوحى إلى أحدهم وحي خاص في قصة معينة ولكن كانوا في شرع التوراة كالعالِم الذي يُفهمه الله في قضية معنى يطابق القرآن كما فهَّم الله سليمان حكم القضية التي حكم فيها هو وداود. فالأنبياء ينبئهم الله فيخبرهم بأمره ونهيه وخبره وهم ينبئون المؤمنين بهم ما أنبأهم الله به من الخبر والأمر والنهي، فإن أُرسلوا إلى كفار يدعونهم إلى توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له ولا بد أن يكذب الرسل قوم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢)﴾ [الذاريات: ٥٢]، وقال: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فصلت: ٤٣]، فإن الرسل ترسل إلى مخالفين فيكذبهم بعضهم. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠٩) حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠)﴾ [يوسف: ١٠٩، ١١٠]، ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾ [غافر: ٥١]، فقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ [الحج: ٥٢] دليل على أن النبي مرسل ولا يسمى رسولًا عند الإطلاق لأنه لم يرسل إلى قوم بما لا يعرفونه بل كان يأمر المؤمنين بما يعرفونه أنه حق كالعلم ولهذا قال النبي ﷺ : "العلماء ورثة الأنبياء" (١) وليس من شرط الرسول أن يأتي بشريعة جديدة فإن يوسف كان

стр. 1707

رسولًا وكان على ملة إبراهيم، وداود وسليمان كانا رسولين وكانا على شريعة التوراة ... " (١). القول الثالث: الرسول من أوحي إليه بشرع جديد وأمر بالتبليغ والنبي من بعث مجددًا لشرع من قبله من الرسل. وقال النسفي ﵀: " ... وسئل النبي ﷺ عن الأنبياء فقال: "مائة ألف وأربعة وعشرون ألفًا" فقيل: فكم الرسل منهم؟ فقال: "ثلاثمائة وثلاثة عشر" والفرق بينهما أن الرسول من جمع إلى المعجزة الكتاب المنزل عليه - والنبي من لم ينزل عليه كتاب وإنما أمر أن يدعو إلى شريعة من قبله. وقيل: الرسول واضع شرعٍ، والنبي حافظ شرع غيره" (٢). وقال الشنقيطي ﵀: "قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ الآية يدل على أن كلا منهما مرسل، وأنهما مع ذلك بينهما تغاير واستظهر بعضهم أن النبي الذي هو رسول أنزل إليه كتاب وشرع مستقل مع المعجزة التي ثبتت بها نبوته، وأن النبي المرسل الذي هو غير الرسول، وهو من لم ينزل عليه كتاب وإنما أوحي إليه أن يدعو الناس إلى شريعة رسول قبله، كأنبياء بني إسرائيل الذين كانوا يرسلون ويؤمرون بالعمل بما في التوراة، كما بينه تعالى بقوله: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ الآية" (٣). وقال الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀: "والفرق بين النبي والرسول: أن الرسول من بعثه الله إلى قوم، وأنزل عليه كتابا، أو لم ينزل عليه كتابا لكن أوحى إليه بحكم

стр. 1708

لم يكن في شريعة من قبله؛ والنبي من أمره الله أن يدعو إلى شريعة سابقة دون أن ينزل عليه كتابًا، أو يوحى إليه بحكم جديد ناسخ أو غير ناسخ، وعلى ذلك، وفكل رسول نبي ولا عكس، وقيل: هما مترادفان، والأول أصح" (١). * والمختار في تعريف النبي والرسول: أن الرسول من أُوحي إليه، وأرسل إلى قوم مخالفين يدعوهم إلى شريعة جديدة، وقد يتبع شريعة من قبله. وأن النبي من أوحي إليه، وبُعث في قوم مؤمنين يدعوهم إلى شرع من قبله، والله أعلم (٢). ٢ - التفاضل بين الأنبياء والرسل: قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة: ٢٥٣]. قال ابن كثير ﵀: "لا خلاف أن الرسل أفضل من بقية الأنبياء" (٣). وقال السفاريني: "الرسول أفضل من النبي إجماعا، لتميزه لرسالة التي هي أفضل من النبوة" (٤). وقد ثبت أن أولي العزم من الرسل أفضل من غيرهم (٥)، وهم الذين ذكرهم الله تعالى بقوله ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب: ٧] وقوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا

стр. 1709

إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣]. وأفضل هؤلاء وغيرهم هو الرسول محمد ﷺ . ٣ - حكم ادعاء النبوة: من ادعى النبوة بعد الرسول ﷺ أو صدَّق من ادعاها فقد كفر إذ لا نبوة بعده ﷺ ولا رسول. قال ابن قدامة: "من ادعى النبوة، أو صدَّق من ادعاها فقد ارتد؛ لأن مسيلمة لما ادعى النبوة، فصدقه قومه، صاروا بذلك مرتدين، وكذلك طليحة الأسدي ومصدقوه، وقال النبي ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابا كلهم يزعم أنه رسول الله"" (١). وقال ابن تيمية ﵀: "ومعلوم أن من كذب على الله بأن زعم أنه رسول الله أو نبيه، أو أخبر عن الله خبرا كذب فيه كمسيلمة والعنسي ونحوهما من المتنبئين، فإنه كافر حلال الدم" (٢). وقال ﵀: "وإن كان المدعي للنبوة كاذبا فهو من أكفر خلق الله وشرهم كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٤٤)﴾ [الأنعام: ١٤٤]. وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ (٦٠)﴾ [الزمر: ٦٠] (٣). وقال ابن كثير ﵀ عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (١٧)﴾ [يونس: ١٧]، يقول تعالى: لا أحد أظلم، ولا أعتى، ولا أشد إجراما ممن افترى على الله كذبا وتقوّل على الله، وزعم

стр. 1710

أن الله أرسله، ولم يكن كذلك، فليس أحد أكبر جرما، ولا أعظم ظلما من هذا" (١). وقال الشنقيطي ﵀: "الفلاح لا ينفي بالكلية نفيًا عامًا إلا عمن لا خير فيه، وهو الكافر" (٢). وقال ابن أبي العز الحنفي ﵀: "إن النبوة إنما يدعيها أصدق الصادقين، أو أكذب الكاذبين، ولا يلتبس هذا بهذا إلا على أجهل الجاهلين، بل قرائن أحوالهما تعرب عنهما، وتعرف بهما، والتمييز بين الصادق والكاذب له طرق كثيرة فيما دون دعوى النبوة، فكيف بدعوى النبوة؟ " (٣). وقال ابن تيمية: "معلوم أن مدّعي الرسالة إما أن يكون من أفضل الخلق وأكملهم، وإما أن يكون من أنقص الخلق وأرذلهم، ولهذا قال أحد أكابر ثقيف للنبي ﷺ لما بلّغهم الرسالة ودعاهم إلى الإسلام: والله لا أقول لك كلمة، إن كنت صادقا فأنت أجل في عيني من أن أرد عليك، وإن كنت كاذبا فأنت أحقر من أن أرد عليك. فكيف يشتبه أفضل الخلق وأكملهم بأنقص الخلق وأرذلهم، وما أحسن قول حسان: لو لم تكن فيه آيات مبينة ... كانت بديهته تأتيك بالخبر وما من أحد ادعى النبوة من الكذابين، إلا وقد ظهر عليه الجهل والكذب والفجور، واستحواذ الشياطين عليه ما ظهر لمن له أدنى تمييز، وما من أحد ادعى النبوة من الصادقين إلا وقد ظهر عليه من العلم والصدق والبر وأنواع الخيرات ما ظهر لمن له أدنى تمييز" (٤).

стр. 1711

ويقول ملا علي قاري: "ودعوى النبوة بعد نبينا ﷺ كفر بالإجماع" (١). ويقول الألوسي: "وكونه ﷺ خاتم النبيين مما نطق به الكتاب، وصدعت به السنة، وأجمعت عليه الأمة، فيكفر مدعي خلافه، ويقتل إن أصر" (٢). ٤ - فائدة في عدد الأنبياء: قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "الأنبياء المذكورون في القرآن الكريم هم المذكورون في الأبيات، وهم خمسة وعشرون نبيًا: حتم على كلِّ ذي التكليف معرفة ... بأنبياء على التفصيل قد علموا في تلك حجتنا منهم ثمانية ... من بعد عشر ويبقى سبعة وهموا إدريس هود شعيب صالح وكذا ... ذو الكفل آدم بالمختار قد خُتموا وعدُّ ذا الكفل منهم، فيه خلاف مشهور بين العلماء، فقيل رجل صالح وقيل نبي، وتوقف ابن جرير في ذلك. والله أعلم" (٣). ٥ - كيف يجمع بين كون محمد ﷺ خاتم النبيين وبين ما صح به الحديث من نزول عيسى بن مريم في آخر الزمان ؟ قال ابن عثيمين ﵀: "الجواب أن عيسى ﵇ لا ينزل على أنه رسول لأن رسالته التي بعث بها كانت سابقة قبل رسالة النبي ﷺ ولأنه إذا نزل فلا يأتي بشرع من عنده ولكنه يجدد شرع النبي ﷺ وبهذا يزول الإشكال بين كون ﷺ خاتم النبيين وبين نزول عيسى بن مريم آخر الزمان" (٤).

стр. 1712

٢٦٩ - الند والأنداد * [الشرك الأكبر، الشرك الأصغر، الشرك الخفي] الند هو الشبيه والنظير والله ليس له شبيه ولا نظير كما قال ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١]. وقد نهى الله أن يشرك معه أحد غيره سواء في التعظيم أو غيره لأنه وحْدَهُ الخالق الرزاق والأنداد التي تتخذ من دونه عاجزة فقيرة ليس لها من الأمر شيء. قال ابن الأثير: "الأنداد جمع ند بالكسر وهو مثل الشيء الذي يضاده في أموره ويناده: أي يخالفه ويريد بها ما كانوا يتخذونه آلهة من دون الله" (١). وقال ابن القيم: "الند الشبه يقال: فلان ند فلان ونديده أي مثله وشبيهه" (٢). وقال ابن حجر: "الأنداد جمع ند بكسر النون وهو النظير وروى بن أبي حاتم من طريق أبي العالية قال الند العدل ومن طريق الضحاك عن ابن عباس قال: الأنداد: الأشباه" (٣). * الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة: ٢٢]. وقال : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ

стр. 1713

آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (١٦٥)﴾ [البقرة: ١٦٥]. وقال ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (٣٠)﴾ [إبراهيم: ٣٠]. وقال ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٣٣)﴾ [سبأ: ٣٣]. وقال : ﴿وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (٨)﴾ [الزمر: ٨]. * الدليل من السنة: عن عبد الله بن مسعود قال: سألت النبي ﷺ : أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: "أن تجعل لله ندًا وهو خلقك" قلت: إن ذلك لعظيم، قلت: ثم أي؟ قال: "وأن تقتل ولدك تخاف أن يطعم معك" قلت: ثم أي؟ قال "أن تزاني حليلة جارك" (١). وعن عبد الله قال النبي ﷺ كلمة وقلت أخرى قال النبي ﷺ : "من مات وهو يدعو من دون الله ندًا دخل النار، ومن مات وهو لا يدعو لله ندا دخل الجنة" (٢). وفي حديث ضمام بن ثعلبة الذي وفد إلى رسول الله ﷺ قال: فأنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك الله أمرك أن تأمرنا أن نعبده وحده لا نشرك به شيئًا، وأن نخلع هذه الأنداد التي كانت آباؤنا يعبدون معه؟ قال: "اللهم نعم ... " الحديث" (٣).

стр. 1714

واتخاذ الأنداد على قسمين: قد يكون شركا أكبر وقد يكون شركًا أصغر قال الشيخ سليمان بن عبد الله: "واعلم أن دعاء الند قسمين: أكبر وأصغر فالأكبر لا يغفره الله إلا بالتوبة منه، وهو الشرك الأكبر. والأصغر كيسير الرياء، وقول الرجل ما شاء الله وشئت، ونحو ذلك" (١). أولًا: شرك أكبر كما جاء في حديث ابن مسعود ﵁ قال: قلت: يا رسول الله أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: "أن تجعل لله ندًا". وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢] أي لا تشركوا بالله غيره من الأنداد التي لا تنفع ولا تضر وأنتم تعلمون أنه لا رب لكم يرزقكم غيره، وقد علمتم أن الذي يدعوكم إليه الرسول ﷺ من التوحيد هو الحق الذي لا شك فيه، وهكذا قال قتادة" (٢). وفي قوله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١)﴾ الآيات [الأعراف: ١٩١]، قال ابن كثير ﵀: "هذا إنكار من الله على المشركين الذين عبدوا مع الله غيره من الأنداد والأصنام والأوثان وهي مخلوقة لله مربوبة مصنوعة، تملك شيئًا من الأمر ولا تضر ولا تنفع، ولا تبصر ولا تنتصر لعبادها، بل هي جماد لا تتحرك، ولا تسمع ولا تبصر، وعابدوها أكمل منها بسمعهم وبصرهم وبطشهم" (٣). وفي قوله ﷺ : "من مات وهو يدعو من دون الله ندًا دخل النار" قال الشيخ سليمان بن عبد الله: "أي: من مات وهو يدعو لله ندا، أي: يجعل لله ندا فيما يختص به تعالى ويستحقه من الربوبية والإلهية دخل النار، لأنه مشرك، فإن الله

стр. 1715

تعالى هو المستحق للعبادة لذاته، لأنه المألوه المعبود الذي تألهه القلوب وترغب إليه، وتفزع إليه عند الشدائد، وما سواه فهو مفتقر إليه مقهور بالعبودية له تجري عليه أقداره وأحكامه طوعًا وكرهًا، فكيف يصلح أن يكون ندا؟ قال الله تعالى ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (١٥)﴾ [الزخرف: ١٥] وقال: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾ [مريم: ٩٣ - ٩٥]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥] فبطل أن يكون له نديد من خلقه، تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٩٢)﴾ [المؤمنون: ٩٣ - ٩٤] " (١). ثانيًا: وقد يكون شركا أصغر: قال ابن عباس في الآية: "الأنداد هو الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل وهو أن تقول: والله وحياتك يا فلانة وحياتي. وتقول: لولا كليبة هذا لأتانا اللصوص. ولولا البط في الدار لأتى اللصوص. وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت. وقول الرجل: لولا الله وفلان. لا تجعل فيها فلانا. هذا كله به شرك" (٢). قال الشيخ سليمان بن عبد الله: "إن هذه الأمور من الشرك خفية في الناس لا

стр. 1716

يكاد يتفطن لها ولا يعرفها إلا القليل وضرب المثل لخفائها بما هو أخفى شيء وهو أثر النمل فإنه خفي، فكيف إذا كان على صفاة؟ فكيف إذا كانت سوداء، فكيف إذا كانت في ظلمة الليل؟ وهذا يدل على شدة خفائه على من يدعي الإسلام، وعسر التخلص منه، ولهذا جاء في حديث أبي موسى قال: خطبنا رسول الله ﵁ ذات يوم فقال: "أيها الناس اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من ديبب النمل"، فقال له من شاء الله أن يقول: وكيف نتقيه وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله؟ قال: "قولوا: اللهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك شيئًا نعلمه ونستغفرك لما لا نعلمه" رواه أحمد والطبراني" (١).

стр. 1717

٢٧٠ - النذر * النذر في اللغة: "التزام خير أو شر" (١). قال في اللسان: "نذرتُ وأنذِرُ وأنذرُ نذرًا إذا أوجبت على نفسك شيئًا تبرعًا من عبادة أو صدقة أو غير ذلك" (٢). والنذر في الشرع: التزام المكلف شيئًا لم يكن عليه منجزًا أو معلقًا (٣). وقال في أنيس الفقهاء: "النذر: إيجاب عين الفعل المباح على نفسه تعظيمًا لله تعالى" (٤).

стр. 1718

وقد ذكر الشيخ ابن جبرين أن أئمة الدعوة عرَّفوا النذر بأنه: "إلزام المكلف نفسه تعظيمًا لمن نذر له". وعلق على ذلك بقوله: "وقولهم: تعظيمًا لمن نذر له. ظاهر في النذر أنه لا ينذر إلا لمن يعظمه" (١). * الدليل من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٢٧٠)﴾ [البقرة: ٢٧٠]. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾ [الحج: ٢٩] وقال تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧]. الدليل من السنة: عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه" (٢). أحكام وفوائد: ١ - النذر عبادة: النذر عبادة كالحلف والذبح وسائر العبادات يجب إخلاصها لله. قال ابن سعدي ﵀: "كل أمر مدحه الشارع أو أثنى على من قام به أو أمر به فهو عبادة" (٣). والنذر لغير الله شرك لكونه متضمنا التعظيم للمنذور له والتقرب إليه بذلك. وفي قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ﴾ الآية. قال الشيخ ابن باز: "دل ذلك على أن النذر عبادة حيث قرنه بالنفقات والنفقة عبادة إذا كانت لوجه الله كالصدقات على الفقراء والمساكين فإذا نذر وتصدق بشيء للقبر

стр. 1719

أو لبنائه أو لآلهة معينة صار هذا شركا أكبر بالله" (١). وقال الشيخ ابن جبرين: "النذر لله تعالى عبادة لكن هل يشرع؟ الصحيح أنه غير مشروع" (٢). فالنذر فيه تعظيم لمن نذر له فهو عبادة سواء أكان نذر طاعة أم كان نذر معصية، وسواء كان نذرًا مطلقًا أم نذرًا مقيدًا، قال الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ: "إذا أطلقنا القول بأن: النذرة عبادة، فهل يدخل في هذا الإطلاق النَّذرُ المقيَّد؟. والجواب: أن النذر المقيد له جهتان: الأولى وفاؤه بالنذر الذي ألزم نفسه به فإنه يكون بذلك قد تعبَّد الله عبادةً من هذه الجهة - فيما يظهر -. الجهة الثانية: جهة الكراهة المتعلقة بهذا النذر المقيّد، وهي إنما جاءت لصفة الاعتقاد لا لصفة أصل العبادة، فإنه في النذر المقيد إذا قال: إن كان كذا وكذا فلله عليَّ كذا وكذا، كانت الكراهة راجعة إلى ذلك التقييد، لا إلى أصل النذر، دلَّ على ذلك: التعليل، حيث قال: "فإنما يستخرج به من البخيل". فلا إشكال إذًا، فالنذر عبادة من العبادات العظيمة" (٣). ٢ - حكم الابتداء بالنذر: عن سَعِيد بْن الْحَارِثِ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: أَوَلَمْ يُنْهَوْا عَنْ النَّذْرِ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ النَّذْرَ لا يُقَدِّمُ شَيْئًا وَلا يُؤَخِّرُ وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بالنَّذْرِ مِنْ الْبَخِيلِ" (٤).

стр. 1720

وفِي رِوَايَة عَبْد الله بْن مُرَّة "لا يَرُدّ شَيْئًا" (١). قال ابن حجر: "وَهِيَ أَعَمُّ" (٢). وعن ابن عمر ﵄ قال نهى النبي ﷺ عن النذر (٣). وفي لفظ لمسلم قال أخذ رسول الله ﷺ يوما ينهانا عن النذر ويقول: "إنه لا يرد شيئًا وإنما يستخرج به من الشحيح" (٤). وَجَاءَ النص بِصِيغَةِ النَّهْي الصَّرِيحَة في حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا تنذروا فإن النذر لا يغني من القدر شيئًا، وإنما يستخرج به من البخيل" (٥). وفِي حَدِيث أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : "لا يأتي ابن آدم النذر بشيء لم أكن قدرته ولكن يلقيه النذر إلى القدر قد قدر له فيستخرج الله به من البخيل فيؤتيني عليه ما لم يكن يؤتيني عليه من قبل" (٦). وقد ذكر الحافظ ابن حجر هذه الأحاديث وألفاظها، ثم ذكر ﵀ أن فيها إشارة إلى تعليل النهي عن النذر وأن كثيرًا من المالكية وأكثر الشافعية على أن النذر مكروه لثبوت النهي عنه، ثم قال: واحتجوا بأنه ليس طاعة محضة لأنه لم يقصد به خالص القربة وإنما قصد أن ينفع نفسه أو يدفع عنها ضررًا بما التزمه. وجزم الحنابلة بالكراهة، وعندهم رواية في أنها كراهة تحريم وتوقف بعضهم في صحتها" (٧).
следующие страницы →