يقول ابن حزم "واتفقوا أن الوفاء بالعهود التي نصَّ القرآنُ على جوازها ووجوبها، وذُكرت بصفاتها وأسمائها، وذُكرت في السنة كذلك، وأجمعت الأمّة على وجوبها أو جوازها، فإن الوفاء بها فرضٌ، وإعطاؤها جائز" (١).
* رابعًا: نصرة المستضعفين من المسلمين واجبة لكنها لا تجوز إذا كان ثم عهد بين المسلمين وهؤلاء والكفار وفاءً بالعهد والميثاق لقول الله : ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ وكما فعل رسول الله ﷺ بعد صلح الحديبية مع أبا جندل وأبا بصير ومن معهما من المستضعفين لمَّا كانوا على سيف البحر وكان كفار قريش لهما محاربين وبالنسبة لأهل المدينة كفارا معاهدين.
* خامسًا: اتباع الإمام فيما يحكم فيه في ترك نصرة بعض المسلمين في بعض البلدان بسبب الوفاء بالعهود إذ من المعلوم أنه يصح في الاضطرار تعدد الأئمة وقد قرر صحة ذلك علماء الأمة المجتهدين والموالاة الواجبة لأهل الإسلام إذا كان أمرهم على إمام واحد وأمر الأمة مجتمعة عليه وأما مع تعدد الأئمة فكل ولاية أو بلد لها عهود ومواثيق يختلف باختلاف إمامه وسلطانه فإن انتقاض العهد مع كافر لا يلزم منه انتقاض عهد ذلك الكافر مع جميع دول المسلمين.
ومن أقوال الأئمة في تعدد الأئمة قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "والسنة أن يكون للمسلمين إمام واحد، والباقون نوابه، فإذا فرض أن الأمة خرجت عن ذلك لمعصية من بعضها، وعجز من الباقين، أو غير ذلك فكان لها عدة أئمة، لكان يجب على كل إمام أن يقيم الحدود، ويستوفي الحقوق ... " (٢).
стр. 1822
وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله تعالى -: "الأئمة مجمعون من كل مذهب على أن من تغلب على بلد - أو بلدان - له حكم الإمام في جميع الأشياء ولولا هذا ما استقامت الدنيا، لأن الناس من زمن طويل قبل الإمام أحد إلى يومنا هذا ما اجتمعوا على إمام واحد ولا يعرفون أحدا من العلماء ذكر أن شيئا من الأحكام لا يصح إلا بالإمام الأعظم" اهـ (١).
* سادسًا: حرمة دماء أهل الذمّة والمعاهدين والمستأمنين، إذا وَفَّوْا بذمتهم وعهدهم وأمانهم.
قال ﷺ : "من قَتَل معاهَدًا لم يرَحْ رائحةَ الجنة، وإن ريحها يوجد من مسيرة أربعين عامًا" (٢).
وقال ﷺ : "أيُّما رجلٍ أمِنَ رجلًا عن دمه ثم قتله، فأنا من القاتل بريء، وإن كان المقتولُ كافرًا" (٣).
* سابعًا: الاستعانة بالكافر أو استئجاره: فهذا قال أهل العلم بجوازه في أحوال مختلفة، يفتي أهل العلم في كل حال، وفي كل واقعة بما يرونه أن يفتى به".
يقول الشيخ ابن باز ﵀: "ومما يجب التنبيه عليه أن بعض الناس قد يظن أن الاستعانة بأهل الشرك تعتبر موالاة لهم، وليس الأمر كذلك، فالاستعانة شيء والموالاة شيء آخر، فلم يكن النبي ﷺ حين استعان بالمطعم بن عدي، أو بعبد الله بن أريقط، أو بيهود خيبر مواليًا لأهل الشرك، ولا متخذًا لهم بطانة، وإنما فعل ذلك للحاجة إليهم واستخدامهم في أمور تنفع المسلمين ولا تضرهم، وهكذا
стр. 1823
بعثه المهاجرين من مكة إلى بلاد الحبشة ليس ذلك موالاة للنصارى، وإنما فعل ذلك لمصلحة المسلمين وتخفيف الشر عنهم. فيجب على المسلم أن يفرق ما فرق اللهُ بينه، وأن ينزل الأدلة منازلها، والله سبحانه هو الموفق والهادي لا إله غيره ولا رب سواه" (١).
* ثامنًا: المداراة في حال ضعف المسلمين لا تتنافى مع الولاء والبراء.
والمداراة المقصودة هي: درءُ المفسدة والشر بالقول اللين وترك الغلظة، أو الإعراض عن صاحب الشر إذا خيف شره أو حصل منه أكبر مما هو ملابس له ومن ذلك مداراة النبي ﷺ للمنافقين خشية شرهم وتأليفا لهم ولغيرهم.
وفي قوله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾.
جاء عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال: نهى الله سبحانه المؤمنين أن يلاطفوا الكفار أو يتخذوهم وليجة من دون المؤمنين إلا أن يكون الكفار عليهم ظاهرين فيظهرون اللطف ويخالفونهم في الدين، وذلك قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ (٢).
وقال مجاهد ﵀: قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾: "إلا مصانعةً في الدنيا ومخالَقَةً" (٣).
قال ابن كثير: "إلا من خاف في بعض البلدان أو الأوقات من شرهم، فله أن يتقيهم بظاهره، لا بباطنه ونيته، كما قال البخاري عن أبي الدرداء: أنه قال: إنا
стр. 1824
لنكشر في وجوه أقوام وقلوبنا تلعنهم" (١).
* تاسعًا: الوصيّة بأهل الذمّة، وصيانة أعراضهم وأموالهم، وحفظ كرامتهم.
قال ﷺ "إنكم ستفحتون أرضًا يُذكر فيها القيراط، فاستوصوا بأهلها خيرًا، فإنّ لهم ذِمّةً ورحمًا" (٢).
وقال عمر بن الخطاب ﵁: "أُوصي الخليفة من بعدي بذمّة الله وذمّة رسوله ﷺ : أن يُوَفَّى لهم بعهدهم، وأن يُقاتَل مِنْ ورائهم، وأن لا يكلَّفُوا فوق طاقتهم" (٣).
* والبرّ والإحسان والعَدْلَ وحسن المعاملة مطلوب لهم سواء كان ذميا أو معاهدًا أو مستأمنًا.
قال القرافي ﵀: "اعلم أن الله تعالى منع من التودد لأهل الذمة، بقوله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الممتحنة: ١]. فمنع الموالاة والتودد، وقال في الآية الأخرى ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨]. فلا بد من الجمع بين هذه النصوص، وأن الإحسان لأهل الذمة مطلوب، وأن التودد والموالاة منهي عنهما .. وسر الفرق أن عقد الذمة يوجب حقوقا علينا لهم؛ لأنهم في جوارنا، وفي خفارتنا، وذمة الله تعالى وذمة رسوله ﷺ ، ودين الإسلام، وقد حكى ابن حزم الإجماع - في مراتبه - على أن من كان في الذمة، وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه، وجب علينا أن نخرج لقتالهم بالكراع والسلاح .. فيتعين علينا أن نبرهم بكل أمر لا يكون ظاهره يدل على
стр. 1825
مودات القلوب، ولا تعظيم شعائر الكفر، فمتى أدى إلى أحد هذين امتنع، وصار من قبل ما نهى عنه في الآية، وغيرها. ويتضح ذلك بالمثل، فإخلاء المجالس لهم عند قدومهم علينا، والقيام لهم حينئذ وبداؤهم بالأسماء العظيمة الموجبة لرفع شأن المنادى بها، هذا كله حرام، وكذلك إذا تلاقينا معهم في الطريق، وأخلينا لهم واسعها ورحبها والسهل منها، وتركنا أنفسنا في خسيسها وحزنها وضيقها كما جرت العادة أن يفعل ذلك المرء مع الرئيس، والولد مع الوالد، فإن هذا ممنوع لما فيه من تعظيم شعائر الكفار، وتحقير شعائر الله تعالى وشعائر دينه، واحتقار أهله، وكذلك لا يكون المسلم عندهم خادمًا ولا أجيرًا يؤمر عليه وينهى.
وأما ما أمر به من برهم من غير مودة باطنة: فهو كالرفق بضعيفهم، وإطعام جائعهم، وإكساء عاريهم، ولين القول لهم على سبيل اللطف لهم (١)، والرحمة لا على سبيل الخوف والذلة، واحتمال إذايتهم في الجوار مع القدرة على إزالته لطفًا منا بهم، لا خوفًا وتعظيمًا، والدعاء لهم بالهداية، وأن يجعلوا من آل السعادة، ونصيحتهم في جميع أمورهم.
فجميع ما نفعله من ذلك فليس على وجه التعظيم لهم، وتحقير أنفسنا بذلك ولا مصانعة لهم، وينبغي لنا أن نستحضر في قلوبنا ما جبلوا عليه من بغضنا، وتكذيب نبينا محمد ﷺ ، وأنهم لو قدروا علينا لاستأصلوا، واستولوا على دمائنا وأموالنا، وأنهم من أشد العصاة لربنا ومالكنا ، ثم نعاملهم بعد ذلك بما تقدم ذكره امتثالا لأمر ربنا .. " (٢).
стр. 1826
فيجوز البر والإحسان إليهم خصوصًا إذا كانوا جيرانًا أَو أقارب، ويجوز من أجل الدعوة الضحك في وجهه وزيارته بخلاف الحربي الذي بيننا وبينهم حرب. قال في فتاوى اللجنة: - "يعامل الذمي بالإحسان ولكن لا يبدأ بالسلام، ولا يزوج مسلمة ونحو ذلك مما منعت منه النصوص" (١). وفي موضع آخر: "لا يجوز دخولهم للمسجد الحرام، ولا حرم مكة. ويجوز أن يدخلوا الأماكن الأخرى المعدة للعبادة لسماع المواعظ والمحاضرات الإسلامية عسى الله أن يجعل بيننا وبينهم مودة، ويرقق قلوبهم، وأن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم" (٢).
وأمّا العَدْل فهو فرضٌ واجب لكل أحد، حتى من نُبغضه بحقّ، ممن عادانا وقاتلنا من الكفار.
يقول الله تعالى في ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٨)﴾ [المائدة: ٨].
قال الشيخ ابن عثيمين: "يعني لا يحملكم بغضهم على عدم العدل اعدلوا ولو كنتم تبغضونه، ولهذا لما بعث النبي ﷺ عبد الله بن رواحة إلى أهل خيبر ليخرص عليهم ثمر النخل، وكان النبي ﷺ قد عامل أهل خيبر حين فتحها على أن يكفوه المئونة، ويقوموا بإصلاح النخيل والزرع ولهم النصف. فكان يبعث عليهم من يخرص عليهم الثمرة، فبعث إليهم عبد الله بن رواحة فخرصها، ثم قال لهم: يا معشر اليهود أنتم أبغض الخلق إلى، قتلتم أنبياء الله ، وكذبتم على الله، وليس يحملني بغضي إياكم على أن أحيف عليكم، قد خرصت عشرين ألف وسق من تمر،
стр. 1827
فإن شئتم فلكم، وإن أبيتم فلي، فقالوا: بهذا قامت السَّمَوَاتِ والأرض" (١).
وقال الشيخ صالح الفوزان: "فمن كف أذاه من الكفار فلم يقاتل المسلمين ولم يخرجهم من ديارهم فإن المسلمين يقابلون ذلك بمكافأته بالإحسان والعدل معه في التعامل الدنيوي ولا يحبونه بقلوبهم لأن الله قال: ﴿أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ ولم يقل: توالونهم وتحبونهم.
ونظير هذا قوله تعالى في الوالدين الكافرين ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان: ١٥].
وقد جاءت أم أسماء إليها تطلب صلتها وهي كافرة فاستأذنت أسماء رسول الله ﷺ في ذلك فقال لها: "صِلِي أمك" وقد قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢].
فالصلة والمكافأة الدنيوية شيء، والمودة شيء آخر. ولأن في الصلة وحسن المعاملة ترغيبا للكافر في الإسلام فهما من وسائل الدعوة بخلاف المودة والموالاة فهما يدلان على إقرار الكافر على ما هو عليه والرضى عنه وذلك يسبب عدم دعوته إلى الإسلام. وكذلك تحريم موالاة الكفار لا تعني تحريم التعامل معهم بالتجارة المباحة واستيراد البضائع والمصنوعات النافعة والاستفادة من خبراتهم ومخترعاتهم.
فالنبي ﷺ استأجر ابن أريقط الليثي ليدله على الطريق وهو كافر واستدان من بعض اليهود.
стр. 1828
وما زال المسلمون يستوردون البضائع والمصنوعات من الكفار وهذا من باب الشراء منهم بالثمن وليس لهم علينا فيه فضل ومنة.
وليس هو من أسباب محبتهم وموالاتهم، فإن الله أوجب محبة المؤمنين وموالاتهم وبغض الكافرين ومعاداتهم" (١).
وعلى هذا فإن للمودة حدود وضوابط حتى لا يُقر الكافر على ما هو عليه أو يُرضى عنه فلا يجوز الحضور إلى أعيادهم كعيد الاستقلال (٢) أو عيد الكريسمس (٣)، ولا حضور مراسيمهم الدينية (٤). ولا حضور حفلاتهم كحفل ترميد الموتى البوذيين لأن فيه رضا بصنيعهم (٥) ولا يجوز التبرع لمثل هذه الحفلات في حالة عدم الحضور أو زيارة أهل الميت منهم وتقديم العزاء لهم أو تقديم الأزهار لهم (٦). ولا يجوز أن نمكنهم من إلقاء محاضرات وكلمات في مساجد المسلمين لأنهم لا يؤمن منهم أن يُثيروا شكوكًا أو يلحدوا في دين الله. وهذا في مجامعنا ومحافلنا الخاصة بالمسلمين (٧).
فهو إحسان وبر بهم من غير مودة باطنة، ولطف ورحمة من غير خوف وذلة، ورفق واحتمال أذى للجار من غير تعظيم، ومخالطة لترغيبهم في الإسلام مع أمن الفتنة، وعدم المودة.
стр. 1829
٢٩١ - الولي والأولياء
انظر باب: (الكرامة).
٢٩٢ - اليأس من روح اللّه
اليأس من روح الله: أي قطع الرجاء والأمل من الله.
انظر باب: (القنوط).
стр. 1830
٢٩٣ - الْيَقِينُ
[شروط لا إله إلا الله]
اليقين لغة: العلم الذي لا تردد معه، قال الرازي: "هو العلم وزوال الشك" (١).
وهو في أصل اللغة: الاستقرار.
وفي الاصطلاح: طمأنينة القلب واستقرار العلم فيه.
قال شيخ الإسلام: "وأما اليقين فهو طمأنينة القلب واستقرار العلم فيه وهو معنى ما يقولون ماء يقن إذا استقر عن الحركة وضد اليقين الريب وهو نوع من الحركة والاضطراب يقال رابني يريبني ومنه في الحديث أن النبي ﷺ مر بضبي حاقف فقال لا يريبه أحد ثم اليقين ينتظم منه أمران: علم القلب، وعمل القلب فإن العبد قد يعلم علمًا جازمًا بأمر ومع هذا فيكون في قلبه حركة واختلاج من العمل الذي يقتضيه ذلك العلم كعلم العبد أن الله رب كل شيء ومليكه ولا خالق غيره وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فهذا قد تصحبه الطمأنينة إلى الله والتوكل عليه وقد لا يصحبه العمل بذلك إما لغفلة القلب عن هذا العلم والغفلة هي ضد العلم التام وإن لم يكن ضدا لأصل العلم، وإما للخواطر التي تسنح في القلب من الالتفات إلى الأسباب وإما لغير ذلك وفي الحديث المشهور الذي رواه أبو بكر عن النبي أنه قال: "سلوا الله اليقين والعافية فما أُعطي أحد بعد اليقين شيئًا خيرًا من العافية فسلوهما الله". فأهل اليقين إذا ابتلوا ثبتوا بخلاف غيرهم فإن الابتلاء قد يذهب إيمانه أو ينقصه قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤] ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ
стр. 1831
لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] فهذه حال هؤلاء وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩) إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (١١) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (١٢)﴾ [الأحزاب: ٩ - ١٢]، وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ... ﴾ الآيتين [المدثر: ٣١ - ٣٢].
وأما كيف يحصل اليقين فبثلاثة أشياء:
أحدها: تدبر القرآن.
والثاني: تدبر الآيات التي يحدثها الله في الأنفس والآفاق التي تبين أنه حق.
والثالث: العمل بموجب العلم ... " (١).
انظر باب: "لا إله إلا الله". (أعمال القلوب).
стр. 1832
٢٩٤ [*]- الْيَوْمُ الْآخِرُ
الإيمان باليوم الآخر هو الأصل الخامس من أصول الإيمان الستة.
انظر باب (الإيمان باليوم الآخر).
* * *
هنا انتهى ما قصدت من تأليفه والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
تبارك اسم الله وحده، وصلواته على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأزواجه وإخوانه وحسبي الله وحده لا شريك له.
وأسأل الله التوفيق والسداد لنا ولك ولإخواننا المسلمين كما أسأله أن يتلقى عملنا بالقبول ويبارك لنا فيه ويجعله حجة لنا لا علينا، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.