← Акыда

Акыда · id 603

معجم التوحيد

إبراهيم بن سعد أبا حسين

Полный текст (1 832 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

ولا تنقطع الهجرة ما تُقبلت التوبة، ولا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من المغرب، فإذا طلعت طبع على كل قلب بما فيه وكفي الناس بالعمل" (١). أحكام وفوائد: ١ - حكم الهجرة: قال في المغني: "الناس في الهجرة على ثلاثة أضرب: أحدها: من تجب عليه وهو من يقدر عليها ولا يمكنه إظهار دينه ولا يمكنه إقامة واجبات دينه مع المقام بين الكفار فهذا تجب عليه الهجرة لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ٩٧] وهذا وعيد شديد يدل على الوجوب؛ ولأن القيام بواجب دينه واجب على من قدر عليه، والهجرة من ضرورة الواجب وتتمته وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. الثاني: من لا هجرة عليه وهو من يعجز عنها، إما لمرض أو إكراه على الإقامة، أو ضعف من النساء والولدان وشبههم فهذا لا هجرة عليه لقول الله تعالى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩)﴾ [النساء:٩٨] ولا توصف باستحباب؛ لأنها غير مقدور عليها. والثالث: من تستحب له ولا تجب عليه، وهو من يقدر عليها لكنه يتمكن من إظهار دينه وإقامته في دار الكفر فاستحب له ليتمكن من جهادهم وتكثير المسلمين ومعونتهم" (٢).

стр. 1787

وقال في المغني: "وحكم الهجرة باق لا ينقطع إلى يوم القيامة في قول عامة أهل العلم" (١). وفي قول الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "والهجرة باقية إلى أن تقوم الساعة" قال الشيخ ابن قاسم: "باتفاق من يعتد به من أهل العلم. قال شيخ الإسلام: "لا يسلم أحد من الشرك إلا بالمباينة لأهله"" (٢). وهو الصحيح فإن بقاء الهجرة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام معلوم بالنص، والإجماع. وسئل شيخ الإسلام ﵀ عن بلد "ماردين" هل هي بلد حرب أم بلد سلم؟ وهل يجب على المسلم المقيم بها الهجرة إلى بلاد الإسلام أم لا؟ وإذا وجبت عليه الهجرة ولم يهاجر وساعد أعداء المسلمين بنفسه أو ماله هل يأثم في ذلك؟ وهل يأثم من رماه بالنفاق وسبه به أم لا؟ فأجاب: "الحمد لله، دماء المسلمين وأموالهم محرمة حيث كانوا في ماردين أو غيرها، وإعانة الخارجين عن شريعة دين الإسلام محرمة سواء كانوا أهل ماردين أو غيرهم، والمقيم بها إن كان عاجزًا عن إقامة دينه وجبت الهجرة عليه وإلا استحبت ولم تجب، ومساعدتهم لعدو المسلمين بالأنفس والأموال محرمة عليهم، ويجب عليهم الامتناع من ذلك بأي طريق أمكنهم من تغيب أو تعريض أو مصانعة، فإذا لم يمكن إلا بالهجرة تعينت ولا يحل سبهم عمومًا ورميهم بالنفاق؛ بل السب والرمي بالنفاق يقع على الصفات المذكور في الكتاب والسنة فيدخل فيها بعض أهل ماردين وغيرهم" (٣). وكلام أهل العلم معروف مشهور في وجوب الهجرة من كل بلد أو موضع لا

стр. 1788

يقدر المسلم على إظهار دينه فيها (١). وانظر باب (الإقامة في بلد الكفار). ٢ - التعريف ببلد الكفر وبلد الإسلام: قال الشوكاني ﵀: "الاعتبار بظهور الكلمة، فإن كانت الأوامر والنواهي في الدار لأهل الإسلام بحيث لا يستطيع من فيها من الكفار أن يتظاهر بكفره، إلا لكونه مأذونًا له بذلك من أهل الإسلام فهذه دار إسلام، ولا يضر ظهور الخصال الكفرية فيها؛ لأنها لم تظهر بقوة الكفار ولا بصولتهم، كما هو مشاهد في أهل الذمة من اليهود والنصارى، والمعاهدين الساكنين في المدائن الإسلامية، وإذا كان الأمر بالعكس فالدار بالعكس" (٢). قال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: "قد ذكر أهل العلم الفرق بين بلاد الإسلام وبلاد الكفار، فبلاد الإسلام التي يحكمها المسلمون وتجري فيه الأحكام الإسلامية، ويكون النفوذ فيها للمسلمين ولو كان جمهور أهلها كفارًا، وبلاد الكفر ضدها فهي التي يحكمها الكفار وتجري فيه أحكام الكفر ويكون النفوذ فيها للكفار، وهي على نوعين: بلاد كفار حربيين، وبلاد كفار مهادنين بينهم وبين المسلمين صلح وهدنة، فتصير إذا كانت الأحكام للكفار والنفوذ لهم دار كفر ولو كان بها كثير من المسلمين" (٣). وقال ابن عثيمين ﵀: "وبلد الشرك هو الذي تقام فيها شعائر الكفر ولا تقام فيه شعائر الإسلام كالأذان والصلاة جماعة، والأعياد، والجمعة على وجه عام شامل، وإنما قلنا على وجه عام شامل ليخرج ما تقام فيه هذه الشعائر على وجه

стр. 1789

محصور كبلاد الكفار التي فيها أقليات مسلمة فإنها لا تكون بلاد إسلام بما تقيمه الأقليات المسلمة فيها من شعائر الإسلام، أما بلاد الإسلام فهي البلاد التي تقام فيها هذه الشعائر على وجه عام شامل" (١). ٣ - معنى قوله ﷺ "لا هجرة بعد الفتح ": قال الخطابي ﵀ وغيره: "كانت الهجرة فرضًا في أول الإسلام على من أسلم، لقلة المسلمين بالمدينة، وحاجاتهم إلى الاجتماع فلما فتح الله مكة، دخل الناس في دين الله أفواجًا، فسقط فرض الهجرة إلى المدينة، وبقي فرض الجهاد والنية على من قام به أو نزل به عدو" (٢). وقال ابن حجر في الفتح: "قوله: باب لا هجرة بعد الفتح. أي: فتح مكة، أو المراد ما هو أعم من ذلك، إشارة إلى أن حكم غير مكة في ذلك حكمها فلا تجب الهجرة من بلد قد فتحه المسلمون، أما قبل فتح البلد فمن به من المسلمين أحد ثلاثة: الأول: قادر على الهجرة منها لا يمكنه إظهار دينه ولا أداء واجباته فالهجرة منه واجبة. الثاني: قادر لكنه يمكنه إظهار دينه وأداء واجباته فمستحبة لتكثير المسلمين بها ومعونتهم وجهاد الكفار والأمن من غدرهم والراحة من رؤية المنكر بينهم. الثالث: عاجز يعذر من أسر أو مرض أو غيره فتجوز له الإقامة، فإن حمل على نفسه وتكلف الخروج منها أُجر" (٣). وقال الأمير الصنعاني ﵀. "والحديث "أنا بريء من كل مسلم يقيم بين مشركين" دليل على وجوب الهجرة من ديار المشركين من غير مكة وهو مذهب

стр. 1790

الجمهور ... وذهب الأقل إلى أنها لا تجب الهجرة، وأن الأحاديث منسوخة لحديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية" متفق عليه. قالوا فإنه عام ناسخ لوجوب الهجرة الدال عليه ما سبق وبأنه ﵌ لم يأمر من أسلم من العرب بالمهاجرة إليه، ولم ينكر عليهم مقامهم ببلدهم، ولأنه ﵌ كان إذا بعث سرية قال لأميرهم: "إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خلال، فأيتهن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول عن دارهم إلى دار المهاجرين، وأعلمهم أنهم إن فعلوا ذلك أن لهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا واختاروا دارهم فأعلمهم، أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله تعالى الذي يجري على المؤمنين" الحديث ... فلم يوجب عليهم الهجرة، والأحاديث غير حديث ابن عباس محمولة على من لا يأمن على دينه. قالوا: وفي هذا جمع بين الأحاديث، وأجاب من أوجب الهجرة بأن حديث "لا هجرة" يراد به نفيها عن مكة كما يدل له قوله "بعد الفتح" فإن الهجرة كانت واجبة من مكة قبله. وقال ابن العربي: الهجرة هي الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام، وكانت فرضًا على عهد رسول الله ﵌، واستمرت بعده لمن خاف على نفسه والتي انقطعت بالأصالة هي القصد إلى النبي ﵌ حيث كان. وقوله: "ولكن جهاد ونية" قال الطيبي وغيره: هذا الاستدراك يقتضي مخالفة حكم ما بعده لما قبله، والمعنى: أن الهجرة التي هي مفارقة للوطن التي كانت مطلوبة على الأعيان إلى المدينة قد انقطعت، إلا أن المفارقة بسبب الجهاد باقية،

стр. 1791

وكذلك المفارقة بسبب نية صالحة كالفرار من دار الكفر والخروج في طلب العلم، والفرار من الفتن والنية في جميع ذلك معتبرة" (١). ٤ - فائدة: قال في النهاية: "والهجرة هجرتان: إحداهما: التي وعد الله عليها الجنة في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١]، فكان الرجل يأتي النبي ﷺ ويدع أهله وماله لا يرجع في شيء منه، وينقطع بنفسه إلى مهاجره، وكان النبي ﷺ يكره أن يموت الرجل بالأرض التي هاجر منها فمن ثم قال "لكن البائس سعد بن خولة" يرثى له رسول الله ﷺ أن مات بمكة، وقال حين قدم مكة: "اللهم لا تجعل منايانا بها" فلما فتحت مكة صارت دار إسلام كالمدينة وانقطعت الهجرة. والهجرة الثانية: من هاجر من الأعراب وغزا مع المسلمين ولم يفعل كما فعل أصحاب الهجرة الأولى فهو مهاجر وليس بداخل في فضل من هاجر تلك الهجرة، وهو المراد بقوله "لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة" فهذا وجه الجمع بين الحديثين. وإذا أطلق في الحديث ذكر الهجرتين فإنما يراد بهما هجرة الحبشة وهجرة المدينة، ومنه الحديث "ستكون هجرة بعد هجرة، فخيار أهل الأرض ألزمهم مهاجر إبراهيم" المهاجَر - بفتح الجيم - موضع المهاجرة ويريد به الشام؛ لأن إبراهيم ﵇ لما خرج من أرض العراق مضى إلى الشام وأقام به" (٢).

стр. 1792

٢٨١ - الْهِدَايَةُ * الهدى لغة: قال الجوهري: "الهدى والرشاد والدلالة" (١). وقال الراغب: "الهداية دلالة بلطف" (٢). وأصل الهدى في كلام العرب: التوفيق (٣). قال الجرجاني: "هي الدلالة على ما يوصل إلى المطلوب. وقد يقال: هي سلوك طريق يوصل إلى المطلوب" (٤). وتأتي الهداية بمعنى الدلالة والإرشاد على طريق النجاة والسعادة مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]. فهو المبيِّنُ عن الله والدالّ على دينه وشرعه وهذه تقع من المخلوق، وهي الدعوة إلى الله التي أرسل الله بها نبيه محمد ﷺ . وتأتي بمعنى التوفيق والتأييد، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦]. أي لا تهدي هداية توفيق وتأييد في قلب من

стр. 1793

أضله الله. والهداية الأولى عامة بمعنى أنه يملكها الخلق، والثانية خاصة بالله تعالى كما في الحديث الآتي بعد (١). * الأدلة من الكتاب قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦]. فالهداية التي بمعنى التوفيق والتأييد في قلب من أضله الله هذه مما يختص بها الله وَيمُنُّ بها على من يشاء. وعن الآية قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: "يقول تعالى لرسوله ﷺ إنك يا محمد لا تهدي من أحببت أي ليس إليك ذلك إنما عليك البلاغ والله يهدي من يشاء وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢]. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ [يوسف: ١٠٣]. * سبب نزول الآية ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾: عن ابن المسيب عن أبيه قال: "لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله ﷺ وعنده عبد الله بن أبي أمية وأبو جهل فقال: "يا عم قل: لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله"، فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فأعاد عليه النبي ﷺ ، فأعادا، فكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله. فقال النبي ﷺ : "لأستغفرن لك ما لم أُنه عنك" فأنزل الله : ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ [التوبة: ١١٣]. وأنزل الله في أبي طالب ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي

стр. 1794

مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦] (١). قال الشيخ سليمان بن عبد الله معلقًا على هذا الحديث: "ففي هذا أعظم البيان، وأوضح البرهان على أنه ﷺ لا يملك ضرًا وَلا نفعًا، ولا عطاء ولا منعًا، وأن الأمر كله بيد الله، فهو الذي يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، ويعذب من يشاء، ويرحم من يشاء، ويكشف الضر عمن يشاء، ويصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم. وهو الذي من جوده الدنيا والآخرة، وهو بكل شيء عليم. ولو كان عنده ﷺ من هداية القلوب ومغفرة الذنوب وتفريج الكروب شيء لكان أحق الناس به، وأولاهم من قام معه أتم القيام ونصره، وأحاطه من بلوغه ثمان سنين وإلى ما بعد النبوة بثمان سنين أو أكثر" (٢). وفي الحديث يتبين سبب نزول الآية، وفيها النهي عن الاستغفار للمشركين، فلا يجوز الاستغفار لهم، لأن الله قد قضى أن لا يغفر لهم أبدًا إذا ماتو على الشرك. * فائدة: أشكل على البعض الجمع بين قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ، وقوله : ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]. قال الشيخ سليمان بن عبد الله: "فالجمع بينهما وبين الآية المترجم لها، قيل: الهداية التي تصح نسبتها لغير الله بوجه ما هي هداية الإرشاد الدلالة، كما قال: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: ترشد وتبين، والهداية المنفية عن غير الله هي هداية التوفيق وخلق القدرة على الطاعة، ذكره بعضهم بمعناه" (٣).

стр. 1795

وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "والهداية التي نفاها الله عن رسوله ﷺ هداية التوفيق، والتي أثبتها له هداية الدلالة والإرشاد، ولهذا أتت مطلقة لبيان أن الذي بيده هو هداية الدلالة فقط، لا أن يجعله مهتديًا، قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، فلم يخصص سبحانه فلانًا وفلانًا ليبيِّن أن المراد: أنك تهدي هداية دلالة، فأنى ت تفتح الطريق أمام الناس فقط وتُبيِّن لهم وترشدهم، وأما إدخال الناس في الهداية، فهذا أمر ليس إلى الرسول ﷺ ، إنما هو مما تفرد الله به سبحانه، فنحن علينا أن، نبيِّن وندعو، وأمَّا هداية التوفيق (أي أن الإنسان يهتدي)؛ فهذا إلى الله ، هذا هو الجمع بين الآيتين" (١).

стр. 1796

٢٨٢ - الْهَوَى قال في المصباح المنير: "الهوى مقصور، مصدر هويتُهُ إذا أحببته وعلِقت به، ثم أطلق على ميل النفس وانحرافها نحو الشيء، ثم استعمل في ميل مذموم فيقال: اتبع هواه، وهو من أهل الأهواء" (١). والهوى المذموم: كل ما خالف الحق، وللنفس فيه حظ ورغبة من الأقوال والأفعال والمقاصد (٢). وقال الراغب: "الهوى سمي بذلك لأنه يهوي بصاحبه في الدنيا إلى كل داهية وفي الآخرة إلى الهاوية" (٣). وقد ذمَّ اللهُ اليهودَ لاتباعهم أهوائهم، حيث قادهم ذلك إلى تبديل شرع الله والكفر بالرسول ﷺ ، وما جاء به من الوحي، قال تعالى: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٧]، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ [المائدة: ٧٠]. قال القرطبي ﵀: "قال الشعبي: إنما سمي الهوى هوىً لأنه يهوي بصاحبه في النار. وقال ابن عباس: ما ذكر الله هوى في القرآن إلا ذمّه الله. قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ﴾ [الأعراف: ١٧٦]، وقال تعالى: ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ [الروم: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ

стр. 1797

بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦] وقال عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئتُ به". وقال أبو أمامة: سمعت النبي ﷺ يقول: "ما عُبد تحت السماء إله أبغض إلى الله من الهوى". وقال شداد بن أوس عن النبي ﷺ : "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والفاجر من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله"، وقال ﵇: "إذا رأيت شحًا مطاعًا، وهوىً متبعًا، ودنيًا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك ودع أمر العامة". وقال ﷺ : "ثلاث مهلكات وثلاث منجيات، فالمهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه، والمنجيات: خشية الله في السر والعلانية والقصد في الغنى والفقر، والعدل في الرضا والغضب". وقال أبو الدرداء ﵁: "إذا أصبح الرجل اجتمع هواه وعمله وعلمه فإن كان عمله تبعًا لهواه فيومه يوم سوء وإن كان عمله تبعًا لعلمه فيومه يوم صالح"" (١). وقال شيخ الإسلام: "ومما يتعلق بالثلاث المهلكات والمنجيات التي ذكر أنه عند المهلكات عليك بخويصة نفسك أنه قال: شح مطاع، وهوى متبع، فجعل هذا مطاعًا وهذا متبعًا، وهذا والله أعلم؛ لأن الهوى هوى النفس، وهو محبتها للشيء وشهوتها له سواء أريد به المصدر أو المفعول فصاحب الهوى يأمره هواه ويدعوه فيتبعه كما تتبع حركات الجوارح إرادة القلب، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ [المائدة: ٧٧]، وقال: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠] وهذا يعم الهوى في الدين كالنصارى وأهل البدع في المقال والقدر كما كان السلف يسمونهم أهل الأهواء من الرافضة والخوارج، وهذا الهوى موجود في كثير من الفقراء والفقهاء

стр. 1798

إلا من عصمه الله وقد اختلف أصحابنا هل يدخل الفقهاء المختلفون في اسم أهل الأهواء على وجهين أدخلهم في التقسيم القاضي أبو يعلى وكذلك قبله الشيخ أبو حامد الإسفرائيني فيما أظن وأنكره ابن عقيل" (١). واتباع الهوى نوع من الشرك كما قال بعض السلف: "شر إلهٍ عُبد في الأرض الهوى"! فهو يُضلّ الإنسان عن الحق وإن كان يعرف ذلك، فإذا صار الهوى هو القائد والدافع صار أصحابه شيعًا يتعصّب كل واحد لرأيه ويُعادي من خالفه، ولو كان الحق معه واضحًا لأن الحق ليس مطلوبه! وبذلك يذلوا وتذهب ريحهم، ويفشلوا أمام كل عمل أرادوه، لأنهم صاروا متفرقين تتحكم فيهم الأهواء. والهوى منه مذموم وهو ما خالف الحق وقد سبق بيانه ومنه ما كان حقًّا فلا يذم، قال القرطبي: "وقد يستعمل في الحق، ومنه قول عمر ﵁ في أسارى بدر فهوى رسول الله ﷺ : "ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت". وقالت عائشة للنبي ﷺ في صحيح الحديث: والله ما أرى ربك إلا يسارع في هواك. أخرجهما مسلم" (٢). وقد سبق بيان قوله ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به". انظر (باب محبة الله)، (محبة الرسول ﷺ ). ٢٨٣ - الواهنة انظر باب (التميمة). ٢٨٤ - الوتر انظر باب (التميمة).

стр. 1799

٢٨٥ - الوثن * قال ابن الأثير: "الوثن كل ما له جثة معمولة من جواهر الأرض من الخشب والحجارة كصورة الآدمي تعمل وتنصب فتعبد، والصنم الصورة بلا جثة، ومنهم من لم يفرق بينهما وأطلقهما على المعنيين، وقد يطلق الوثن على غير الصورة كما في حديث عدي بن حاتم قال: "قدمت على النبي ﷺ وفي عنقي صليب من ذهب فقال لي: ألق هذا الوثن عنك" (١) " (٢). وقد تقدم أن الوثن يطلق على الصنم. قال ابن عبد البر: "قال أبو عمر: الوثن الصنم وهو الصورة من ذهب كان أو من فضة أو غير ذلك من التمثال وكل ما يعبد من دون الله فهو وثن صنمًا كان أو غير صنم" (٣). وقال ابن جرير الطبري ﵀: "الصنم التمثال من حجر أو خشب أو من غير ذلك في صورة إنسان وهو وثن" (٤).

стр. 1800

يقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن: "وقد يسمن الصنم وثنًا كما قال الخليل ﵇ ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ [العنكبوت: ١٧]، ويقال: إن الوثن أعمّ، وهو قوي، فالأصنام: أوثان، كما أن القبور أوثان" (١). يقول الشيخ السعدي: "الوثن اسم جامع لكل ما عبد من دون الله لا فرق بين الأشجار والأحجار والأبنية، ولا بين الأنبياء والصالحين في هذا الموضع" (٢). الفرق بين الوثن والصنم: انظر باب (الصنم). إطلاق الوثن على الصليب: تقدم قوله ﷺ : "ألق هذا الوثن عنك". ومن إطلاق الوثن علن الصليب قول الأعشى: تطوف العفاة بأبوابه ... كطوف النصارى ببيت الوثن قال الأزهري عن شمر: "أراد بالوثن الصليب" (٣). والصليب: قال صاحب الكليات: "هو المربع المشهور للنصارى من الخشب يدّعون أن عيسى النبي صلب على خشبة على تلك الصورة" (٤). قال في تحفة الأحوذي: "الصليب هو كل ما كان على شكل خطين متقاطعين وقال في المجمع هو المربع من الخشب للنصارن يدعون أن عيسى ﵇ صلب على خشبة على تلك الصورة" (٥).

стр. 1801

وفي سؤال عن صفة الصليب المنهي عنه أجابت لجنة الإفتاء بما يلي: "شكل الصليب المدعي الذي هو اليوم شعار النصارى هو وضع خط ونحوه على خط أطول منه قليلًا بحيث يقع الأعلى القصير على قرابة ثلث الأسفل الطويل من فوق أن يشكل التقاطع زوايا قائمة" (١). وجمعها: تصاليب. وقال ابن عثيمين: "هي الصلبان التي يتخذها النصارى شعارا لدينهم أو يعبدونها والصليب كل ما كان على شكل خطين متقاطعين هكذا عرّفه صاحب المنجد أن يكون على شكل خط مستقيم رأسه إلى فوق يعترضه خط رأسه إلى الجانب سواء كان هذا الخط المعترض في وسط الخط المستقيم أو فوق وسطه، يزعم النصارى أن المسيح ابن مريم ﵊ صلب عليه بعد أن قتل وقد قال الله تعالى في القرآن مكذبا من زعموا أنهم قتلوه ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧]. وقال تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٥٧، ١٥٨]، فكان النصارى يقدسون الصليب يضعونه فوق محاربهم ويتقلدونه في أعناقهم" (٢). وفي الصحيح عن عِمْرَانَ بْنِ حِطَّانَ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ حدَّثَتْهُ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَتْرُكُ فِي بَيْتِهِ شَيْئًا فِيهِ تَصَالِيبُ إِلَّا نَقَضَهُ" (٣). وروى ابن سيرين عن دفرة عن أم سلمة أنها كانت تكره الثياب المصلبة، يعني: التي صور فيها الصليب (٤).

стр. 1802

والمراد بالكراهة هنا كراهة التحريم، قال شيخ الإسلام: "والكراهية في كلام السلف كثيرًا وغالبًا يراد بها التحريم" (١). وقال ابن القيم ﵀: "وقد غلط كثير من المتأخرين من أتباع الأئمة على أئمتهم بسبب ذلك حيث تورع الأئمة عن إطلاق لفظ التحريم وأطلقوا لفظ الكراهة، فنفي المتأخرون التحريم عما أطلق عليه الأئمة، ثم سهل عليهم لفظ الكراهة وخفت مؤنته عليهم فحمله بعهم على التنزيه .. فحصل بسببه غلط عظيم على الشريعة وعلى الأئمة" (٢). * حكم لبس الصليب: ورد سؤال إلى اللجنة الدائمة هذا نصه. س: اختلفنا في المسلم الذي يلبس الصليب شعار النصارى فبعضنا حكم بكفره بدون مناقشة والبعض الآخر قال: لا نحكم بكفره حتى نناقشه ونبين له تحريم ذلك، وأنه شعار النصارى، فإذا أصر على حمله حكمنا بكفره. فأجابت اللجنة الموقرة بما يلي: "الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه. وبعد: جـ: التفصيل في هذا الأمر وأمثاله هو الواجب، فإذا بُيِّن له حكم لبس الصليب وأنه شعار النصارى ودليل على أن لابسه راضٍ بانتسابه إليهم والرضا بما هم عليه وأصر على ذلك حكم بكفره لقوله : ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١] والظلم إذا أطلق يراد به الشرك لأكبر. وفيه أيضًا إظهار لموافقة النصارى على ما زعموا من قتل عيسى ﵊ والله

стр. 1803

سبحانه نفى ذلك وأبطله في كتابه الكريم حيث قال : ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ الآية. وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم" (١). ٢٨٦ - وسائل الشرك * انظر باب (حماية التوحيد). ٢٨٧ - الغرس على القبر * * انظر باب (القبور).

стр. 1804

٢٨٨ - الوقف * في اللغة: الحبس. وفي الشرع: "حبس العين على التمليك مع التصدق بمنفعتها" (١). ومقصودنا هنا ما يتعلق بالوقف إذا كان على قبر أو ما يتعلق بشرك أو معصية تكون وسيلة للشرك. وقد نص العلماء ﵏ على منع الوقف على المشاهد وإسراج القبور وأشباهه ومن أولئك العلماء الهيتمي ﵀ فقد نص في "الفتاوى الكبرى" على منع الوقف على إسراج شمع على مشهد صالح، إذا قصد به الواقف التقرب إلى من في القبر، والتنوير عليه (٢). قال ابن القيم: "وكذلك يجب إزالة كل قنديل أو سراج على قبر وطفيه فإن فاعل ذلك ملعون بلعنة رسول الله ﷺ ولا يصح هذا الوقف ولا يحل إثباته وتنفيذه" (٣). ٢٨٩ - الوقوف انظر باب: "القيام".

стр. 1805

٢٩٠ - الولاء والبراء * الولاء في اللغة: مصدر ولي الشيء بمعنى قرب منه. قال الجوهري: "الولي: القرب والدنو، والولي ضد العدو، والموالاة ضد المعاداة ... والولاية النصرة" (١). والولي: "التابع المحب" (٢). فمادة الولاء في معاجم اللغة تدور حول معنى القرب والدنو والنصرة والمحبة والمتابعة والرضى (٣).

стр. 1806

والبراء في اللغة: يطلق على معان منها البعد والتنزه، والتخلص. قال ابن الأعرابي: "بَرِيءَ إذا تخلَّص، وبَرِيءَ إذا تنزَّه وتباعد" (١). والولاية شرعًا ترجع إلى معنى المحبة وينشأ عنها الموافقة والنصرة. قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ أي: يتناصرون ويتعاضدون (٢). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الولاية ضد العداوة، وأصل الولاية المحبة والقرب، وأصل العداوة: البغض والبعد، ... والوالي: القريب، فيقال: هذا يلي هذا، أي يقرب منه، ومنه قوله ﷺ : "ألحقوا الفرائض بأهلها، فما أبقت فلأولى رجل ذكر" متفق عليه" (٣). قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: "وأصل الموالاة الحب، وأصل المعاداة البغض، وينشأ عنهما من أعمال القلوب والجوارح ما يدخل في حقيقة الموالاة والمعاداة كالنصرة والأنس والمعاونة، وكالجهاد والهجرة، ونحو ذلك من الأعمال" (٤). قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: "واصل الولاية المحبة والنصرة، وذلك أن اتخاذهم أولياء موجب لتقديم طاعتهم على طاعة الله، ومحبتهم على محبة الله ورسوله" (٥).

стр. 1807

أما البراءة فقال شيخ الإسلام: "والبراءة ضد الولاية وأصل البراءة البغض وأصل الولاية الحب" (١). وأهل العلم يعبرون عن الباب حينا بالولاء والبراء وحينا بالموالاة والمعاداة والولي ضد العدو وقد تبين ذلك من بعض النقول السابقة. قال شيخ الإسلام: "والموالاة تقتضي الموافقة والمتابعة كما أن المعاداة تقتضي المخالفة والمجانبة فمن وافقته مطلقا فقد واليته مطلقًا ومن وافقته في غالب الأمور فقد واليته في غالبها ومورد النزاع لم تواله فيه وإن لم تعاده" (٢). قال شيخ الإسلام: "والعداوة تتضمن البغض والمخالفة" (٣). * الدليل من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٦]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١]. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال: ٧٣]. وقد ذمَّ اللهُ من يتخذ الكفار أولياء ووصفهم بالنفاق وذلك منافٍ للإيمان فقال تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٣٨) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٣٨، ١٣٩].

стр. 1808

* الدليل من السنة: عن البراء بن عازب قال: "كنا جلوسًا عند النبي ﷺ ، فقال: "أي عرى الإيمان أوثق"؟ قالوا: الصلاة، قال: "حسنة وما هي بها". قالوا: الزكاة، قال: "حسنة وما هي بها". قالوا: الصيام، قال: "حسن وما هو". قالوا: الحج، قال: "حسن وما هو به". قالوا: الجهاد، قال: "حسن وما هو". قال: إن أوثق عرى الإيمان أن تحب في الله وتبغض في الله" (١). وفي حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ لأبي ذر: أي عُرى الإيمان أظنه قال: أوثق. قال اللهُ ورسوله أعلم. قال: "الموالاة في الله والمعاداة في الله، والحب في الله، والبغض في الله" (٢). * أقوال السلف: أخرج ابن جرير ومحمد بن نصر المروزي عن ابن عباس ﵄ قال: "من أحبَّ في الله وأبغضَ في الله، ووالى في الله، وعادى في الله، فإنما تنال ولاية الله بذلك، ولن يجد عبد طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك، وقد صارت مؤاخاة الناس على أمر الدنيا وذلك لا يجدي على أهله شيئًا" (٣). قال أبو الوفاء بن عقيل: "إذا أردت أن تعلم محل الإسلام أهل الزمان، فلا تنظر إلى زحامهم في أبواب الجوامع، ولا ضجيجهم في الموقف بلبيك، وإنما انظر إلى مواطأتهم أعداء الشريعة" (٤).

стр. 1809

وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في رسالة بعثها إلى بعض أنصاره: "واذكروا لهم أن الواجب على الرجل، أن يعلم عياله، وأهل بيته الحب في الله، والبغض في الله، والموالاة في الله، والمعاداة فيه، مثل تعليم الوضوء والصلاة، لأنه لا صحة لإسلام المرء، إلا بصحة الصلاة، ولا صحة لإسلامه أيضا إلا بصحة الموالاة والمعاداة في الله" (١). ويقول الشيخ سليمان بن عبد الله ﵀: "فهل يتم الدين أو يقام علم الجهاد، أو علم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا بالحب في الله والبغض في الله، والمعاداة في الله والموالاة في الله، ولو كان الناس متفقين على طريقة واحدة ومحبة من غير عداوة ولا بغضاء لم يكن فرقانا بين الحق والباطل، ولا بين المؤمنين والكفار، ولا بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان" (٢). وقال الشيخ حمد بن عتيق: "فأما معاداة الكفار والمشركين فاعلم أن الله قد أوجب ذلك، وأكد إيجابه، وحرم موالاتهم وشدد فيها، حتى أنه ليس في كتاب الله تعالى حكم فيه من الأدلة أكثر ولا أبين من هذا الحكم بعد وجوب التوحيد، وتحريم ضده" (٣). * أقسام الموالاة: تنقسم الموالاة إلى قسمين: ما هو كفر وخروج من الدين. ما هو كبيرة من الكبائر وذنب من الذنوب. * القسم الأول: الموالاة التي تخرج صاحبها من الملة، ويسميها أئمة الدعوة

стр. 1810

التولي، فمن تولاهم مطلقا فهو كافر إن أظهر ذلك، ومنافق إن أخفاه، وهي محبتهم بالقلب، وينشأ عنها النُصرة والمساعدة بالمال أو بالسلاح أو بالرأي. قال ابن جرير الطبري في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ أي: "من تولاهم ونصرهم على المؤمنين فهو من أهل دينهم وملتهم فإنه لا يتولك متول أحدًا إلا وهو به وبدينه وما هو عليه راض، وإذا رضيه ورضي دينه فقد عادى ما خالفه وسخطه وصار حكمه حكمه" (١). وقال ابن الجوزي في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾: "فيه قولان: أحدهما: من يتولهم في الدين فإنه منهم في الكفر. والثاني: من يتولهم في العهد فإنه منهم في مخالفة الأمره" (٢). ويقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ عن هذه المسألة: "وأما قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٥٧]. فقد فسرته السنة وقيدته بالموالاة المطلقة العامة" (٣). قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في تفسيره، عند قوله سبحانه: " ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ - قال: ويفهم من ظواهر الآيات أن من تولى الكفار عامدًا اختيارًا، رغبة فيهم أنه كافر مثلهم" (٤).

стр. 1811

وبهذا تعلم أن الولاء الكفري هو محبة الكفار لأجل دينهم ونصرتهم له والرضا به، وبمظاهرتهم وإعانتهم والذب عنهم. ويقول الإمام الطبري ﵀ في قوله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٢٨]: "ومعنى ذلك: لا تتخذوا أيها المؤمنون الكفارَ ظهرًا وأنصارًا، توالونهم على دينهم، وتظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين، وتدلونهم على عوراتهم، فإنه من يفعل ذلك ﴿فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ يعني بذلك، فقد برئ من الله، وبرئ الله منه بارتداده عن دينه، ودخوله في الكفر ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ إلا أن تكونوا في سلطانهم فتخافوهم على أنفسكم فتظهروا لهم الولاية بألسنتكم، وتضمروا لهم العداوة، ولا تشايعوهم على ما هم عليه من الكفر، ولا تُعينوهم على مسلم بفعل" (١). وقد تقدم مثل ذلك في باب (مظاهرة الكفار على المسلمين). وسئل الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف بن حسن عن الفرق بين الموالاة والتولي. فأجاب: "التولِّي كفر يخرج من الملة وهو كالذب عنهم وإعانتهم بالمال والبدن والرأي، والموالاة كبيرة من كبائر الذنوب كبلِّ الدواة، وبري القلم، والتبشش لهم ولو رفع السوط لهم" (٢). وقال الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري: "إن الموالاة هي: الموافقة والمناصرة والمعاونة، والرضا بأفعال من يواليهم، وهذه هي الموالاة العامة التي إذا صدرت من مسلم لكافر، اعتبر صاحبها كافرا. أما مجرد الاجتماع مع الكفار بدون إظهار تام للدين مع كراهية كفرهم، فمعصية لا توجب الكفر" (٣).

стр. 1812

* القسم الثاني: الموالاة التي لا تستوجب الكفر لما جاء في صحيح البخاري في قصة حاطب بن أبي بلتعة وفيه قال عمر بن الخطاب: "دعني أضرب عنق هذا ... " الحديث. فما كان من الموالاة التي ليس فيها الرضا بأفعال من يواليهم، بل لنسب وقربى أو لأسباب ومصالح دنيوية، فإنه لا يستوجب التولي التام فلا يكون كفرا (١). قال القرطبي ﵀: "من كثر تطلعه على عورات المسلمين وينبه عليهم ويعرف عدوهم بأخبارهم لم يكن بذلك كافرًا إذا كان فعله لغرض دنيوي واعتقاده على ذلك سليم، كما فعل حاطب حين قصد بذلك اتخاذ اليد ولم ينو الردة عن الدين" (٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقد تحصل للرجل موادتهم لرحم أو حاجة فتكون ذنبا ينقص به إيمانه ولا يكون به كافرًا كما حصل من حاطب بن أبي بلتعة، لما كاتب المشركين ببعض أخبار النبي ﷺ ... وكما حصل لسعد بن عبادة لما انتصر لابن أبيّ في قصة الإفك" (٣). يقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ -: "وتأمل قصة حاطب بن أبي بلتعه، وما فيها من الفوائد، فإنه هاجر إلى الله ورسوله، وجاهد في سبيله، لكن حدث منه: أنه كتب بسر رسول الله ﷺ إلى المشركين من أهل مكة، يخبرهم بشأن رسول الله ﷺ ومسيره لجهادهم، ليتخذ بذلك يدًا عندهم، تحمي أهله، وماله بمكة، فنزل الوحي بخبره، وكان قد أعطى الكتاب: ظعينة، جعلته في شعرها، فأرسل رسول الله ﷺ عليًا، والزبير، في طلب الظعينة، وأخبرهما، أنهما يجدانها في روضة خاخ، فكان ذلك،

стр. 1813

وتهدداها، حتى أخرجت الكتاب من ضفائرها، فأتي به رسول الله ﷺ . فدعا حاطب بن أبي بلتعة، فقال له: "ما هذا"؟ فقال: يا رسول الله، إني لم أكفر بعد إيماني، ولم أفعل هذا رغبة عن الإسلام، وإنما أردت أن تكون لي عند القوم يد، أحمي بها أهلي، ومالي، فقال ﷺ : "صدقكم، خلوا سبيله" واستأذن عمر، في قتله، فقال: دعني أضرب عنق هذا المنافق، قال: "وما يدريك، أن اللّه اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم" وأنزل الله في ذلك، صدر سورة الممتحنة، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ الآيات. فدخل حاطب في المخاطبة، باسم الإيمان، ووصفه به، وتناوله النهي بعمومه، وله خصوص السبب، الدال على إرادته، معه أن في الآية الكريمة، ما يشعر: أن فعل حاطب نوع موالاة، وأنه أبلغ إليهم بالمودة، وأن فاعل ذلك، قد ضل سواء السبيل، لكن قوله: "صدقكم، خلوا سبيله" ظاهر في أنه لا يكفر بذلك، وإذا كان مؤمنًا بالله ورسوله، غير شاك، ولا مرتاب؛ وإنما فعل ذلك، لغرض دنيوي، ولو كفر، لما قال: خلوا سبيله. ولا يقال، قوله ﷺ : "ما يدريك لعل اللّه اطلع على أهل بدر، فقال اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم" هو المانع من تكفيره، لأنا نقول: لو كفر لما بقي من حسناته، ما يمنع من لحاق الكفر، وأحكامه؛ فإن الكفر: يهدم ما قبله، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: ٥] وقوله: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨] والكفر، محبط للحسنات والإيمان، بالإجماع؛ فلا يظن هذا." (١). قال الشيخ سليمان بن سمحان: "من الموالاة ما يوجب الردة ومنها ما دون ذلك" (٢).

стр. 1814

قال الشيخ صالح آل الشيخ: "مطلق الإعانة غير مكفر، لأن حاطب ﵁ حصل منه إعانة للمشركين على الرسول ﷺ بنوع من العمل: إعانة بكتابة بسر الرسول ﷺ والمسير إليه، لكن النبي ﷺ استفصل منه، فدل على أن الإعانة تحتاج إلى استفصال والله جل وعلا قال في مطلق العمل هذا: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ ولكن ليس بمكفر إلا بقصد، فلما أجاب حاطب بأنه لم يكن قصده ظهور الكفر على الإسلام، "قال: يا رسول الله! والله ما فعلت هذا رغبة في الكفر بعد الإسلام، ولكن ما من أحد من أصحابك إلا وله يد يدفع بها عن أهله وماله، وليس لي يد في مكة، فأردت أن يكون لي بذلك لي يد"، فقال النبي ﷺ : "إن الله اطلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم". وهذا يدل على أن الاستفصال في هذه المسألة ظاهر، فالإعانة فيها استفصال، وأما المظاهرة بأن يكون ظهرًا لهم ويدفع عنهم ويدرأ عنهم ما يأتيهم ويدخل معهم ضد المسلمين في حال حربهم لهم هذا من نواقض الإسلام التي بينها أهل العلم" (١). وعن حدود الموالاة التي يكفر صاحبها جاء في فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء: "موالاة الكفار التي يكفر بها من والاهم هي محبتهم ونصرتهم على المسلمين لا مجرد التعامل معهم بالعدل، ولا مخالطتهم لدعوتهم للإسلام ولا غشيان مجالسهم والسفر إليهم للبلاغ ونشر الإسلام" (٢). فالولاء هو الموالاة المقيدة وهي كبيرة وفسق أما التولي فيراد منه الموالاة المطلقة العامة والمناصرة والمظاهرة على المسلمين ..

стр. 1815

* وللفائدة: فمن العلماء (١) من يطلق الولاء ويريد به التولي كالشيخ السعدي ﷺ حيث قرر أن التولي مرادف لمعنى الموالاة سواء بسواء يقول عن التولي عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [التوبة: ٢٣]: "إن الظلم يكون بحسب التولي، فإن كان توليًا تامًا كان ذلك كفرًا مخرجًا عن الإسلام، وتحت ذلك من المراتب ما هو غليظ وما هو دونه" (٢). والذي استقر عند أئمة الدعوة ﵏ التفريق السابق بين التولي والولاء، وإذا فهمت المسألة فلا مشاحة في الاصطلاح. * منزلة الولاء والبراء من التوحيد: من حقوق التوحيد أن توالي أهله الموحدين وتتبرأ من أعدائه المشركين. قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٨١)﴾ (٣). [المائدة: ٨٠ - ٨١]. قال شيخ الإسلام ابن تيميّة: "فذكر جملةً شرطيّةً تقتضي مع الشرط انتفاء المشروط، فقال: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾، فَدَلَّ على أن الإيمان المذكورَ ينفي اتّخاذَهم أولياءَ ويُضادُّه، ولا يجتمع الإيمان واتخاذَهم أولياءَ في القلب. ودلَّ ذلك أن من اتّخذهم أولياء ما فَعل الإيمانَ الواجبَ من الإيمان بالله والنبيِّ وما أُنزل إليه" (٤).

стр. 1816

وقد كان النبي ﷺ يبايع أصحابه على تحقيق هذا الأصل العظيم، قَالَ جَرِيرٌ بن عبد الله البجلي ﵁: "أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يُبَايِعُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله ابْسُطْ يَدَكَ حَتَّى أُبَايِعَكَ، وَاشْتَرِطْ عَلَيَّ فَأَنْتَ أَعْلَم، قَالَ: "أُبَايِعُكَ عَلَى أَنْ تَعْبُدَ الله وَتُقِيمَ الصَّلاةَ وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ وَتُنَاصِحَ الْمُسْلِمِينَ وَتُفَارِقَ الْمُشْرِكِينَ" (١). وعن بَهْز بْن حَكِيم عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: "أتَيْتُ النَّبيَّ ﷺ حِينَ أَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: وَاللهِ مَا أتَيْتُكَ حَتَّى حَلَفْتُ أَكْثَرَ مِنْ عَدَدِ أُولاءِ أَنْ لا آتِيَكَ وَلا آتِيَ دِينَكَ وَجَمَعَ بَهْزٌ بَيْنَ كَفَّيْهِ، وَقَدْ جِئْتُ امْرَأً لا أَعْقِلُ شَيْئًا إِلَّا مَا عَلَّمَنِي اللهُ ﵎ وَرَسُولُه، وَإِنِّي أَسْألكَ بوَجْهِ اللهِ بِمَ بَعَثَكَ اللهُ إِلَيْنَا. قَالَ "بِالإِسْلامِ" قُلْتُ: وَمَا آيَاتُ الإِسْلامِ؟ قَالَ: "أَنْ تَقُولَ: أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَتَخَلَّيْت، وَتُقِيمَ الصَّلاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، كُلُّ مُسْلِمٍ عَلَى مُسْلِمٍ مُحَرَّمٌ، أَخَوَانِ نَصِيرَانِ، لا يَقْبَلُ الله، مِنْ مُشْرِكٍ أَشرَكَ بَعْدَ مَا أَسْلَمَ عَمَلًا، وَتُفَارِقَ الْمُشْرِكِينَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ ... " الحديث (٢). فالولاء لا يكون إلا الله تعالى ولرسوله ﷺ ، وللمؤمنين، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة: ٥٥]. وفي حديث البراء بن عازب ﵁ أن رسول الله ﷺ ، قال: "إن أوثق عرى الإيمان أن تحب في الله، وتبغض في الله" (٣). قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ﵏ جميعًا -: "على المسلم أن يعلم أن الله افترض عليه عداوة المشركين وعدم موالاتهم، وأوجب عليه محبة المؤمنين وموالاتهم، وأخبر أن ذلك من شروط الإيمان، ونفي

стр. 1817

الإيمان عمّن يوادّ من حادّ الله ورسوله ولو كان أقرب قريب في النسب. وأما كون ذلك من معنى لا إله إلا الله أو من لوازمها، فلم يكلفنا الله بالبحث عن ذلك، وإنما كلّفنا بمعرفة أن الله فرض علينا ذلك وأوجبه وأوجب العمل به، فهذا هو الفرض والحتم الذي لا شك فيه. ومن عرف أن ذلك من معناها ولوازمها، فهو حسن وزيادة خير" (١). * ولا تصح الموالاة إلا بمعاداة: قال الإمام ابن القيم ﵀: "لا تصح الموالاة إلا بمعاداة كما قال تعالى عن إمام الحنفاء المحبين إنه قال لقومه: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٥ - ٧٧]. فلم تصح لخليل الله هذه الموالاة والخلة إلا بتحقيق هذه المعاداة فإنه لا ولاء إلا لله، ولا ولاء إلا بالبراء من كل معبود سواه" (٢). وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "أصل دين الإسلام وقاعدته أمران: الأول: الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، والدعوة إلى ذلك، والموالاة فيه، وتكفير من تركه قال تعالى: ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الممتحنة: ٤]. الثاني: الإنذار عن الشرك في عبادة غير الله، والتغليظ في ذلك، والمعاداة فيه وتكفير من فعله" (٣). وقال ابن عثيمين ﵀: "موالاة من حاد ومدارته تدل على أن ما في قلب الإنسان من الإيمان بالله ورسوله ضعيف؛ لأنه ليس من العقل أن يحب الإنسان شيئا هو عدو لمحبوبه، وموالاة الكفار تكون بمناصرتهم ومعاونتهم على ما هم عليه من الكفر والضلال، وموادتهم تكون بفعل الأسباب التي تكون بها مودتهم

стр. 1818

فتجده يوادهم أي يطلب ودهم بكل طريق، وهذا لا شك ينافي الإيمان كله أو كماله، فالواجب على المؤمن معاداة من حاد الله ورسوله ولو كان أقرب قريب إليه، وبغضه والبعد عنه ولكن هذا لا يمنع نصيحته ودعوته للحق" (١). * الدعوة إلى "وحدة الأديان" هدم لعقيدة الولاء والبراء: تصدت ملة الكفر لتقرير وحدة الأديان عبر إقامة مؤتمرات وندوات وجمعيات ويبث ذلك في وسائل الإعلام المختلفة وتعرض الآراء والمقالات ومرادهم من ذلك إسقاط الخلاف العقدي بين الإسلام ودين اليهودية والنصرانية حتى يكون هناك دين عالمي واحد فيدعون إلى وحدة الأديان دين الإسلام ودين اليهود ودين النصارى. ومقتضى الدعوة إليه الإعراض عن الولاء والبراء، والحب في الله والبغض في الله، ومن آثار هذه الدعوة الآثمة إلغاء الفوارق بين الإسلام والكفر، والحق والباطل، والمعروف والمنكر، وكسر حاجز النفر بين المسلمين والكافرين، فلا ولاء ولا براء، ولا جهاد ولا قتال لإعلاء كلمة الله في أرض الله" (٢). قال الشيخ سليمان بن عبد الله ﵀: ولو كان الناس متفقين على طريقة واحدة ومحبة من غير عداوة ولا بغضاء لم يكن فرقانا بين الحق والباطل، ولا بين المؤمنين والكفار، ولا بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان" (٣). ولا يشك من لديه ذرة من إيمان أن الرضا بتقرير وحدة الأديان شعار الديانة العالمية مناقض للإيمان بل هو كفر صريح وتكذيب بالقرآن وردة عن الإسلام كما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "ومعلوم بالاضطرار من دين المسلمين

стр. 1819

وباتفاق جميع المسلمين أن من سوغ اتباع غير دين الإسلام، أو اتباع شريعة غير شريعة محمد ﷺ فهو كافر، وهو ككفر من آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض الكتاب" (١). أجابت اللجنة بجواب مفصل اقتطفنا منه ما نصه: " ... وأمام هذه الأصول الاعتقادية والحقائق الشرعية، فإن هذه الدعوة إلى: وحدة الأديان والتقارب بينها وصهرها في قالب واحد دعوة خبيثة ماكرة، والغرض منها خلط الحق بالباطل، وهدم الإسلام وتقويض دعائمه، وجر أهله إلى ردة شاملة .. وإن من آثار هذه الدعوة الآثمة إلغاء الفوارق بين الإسلام والكفر، والحق والباطل، والمعروف والمنكر، وكسر حاجز النفرة بين المسلمين والكافرين، فلا ولاء ولا براء، ولا جهاد ولا قتال لإعلاء كلمة الله في أرض الله ... والدعوة إلى "وحدة الأديان" إن صدرت من مسلم فهي تعتبر ردة صريحة عن دين الإسلام، لأنها تصطدم مع أصول الاعتقاد فترضى بالكفر بالله وتبطل صدق القرآن ونسخه لجميع ما قبله من الكتب، وتبطل نسخ الإسلام لجميع ما قبله من الشرائع والأديان، وبناء على ذلك فهي فكرة مرفوضة شرعًا، محرمة قطعا بجميع أدلة التشريع في الإسلام من قرآن وسنة وإجماع" (٢). * أمور لا تنافي عقيدة الولاء والبراء: * أوّلًا: أن الواجب مع القدرة دعوة الناس إلى الإسلام فإن أجابوا فالحمد لله ولا يُجبر أحدٌ من الكفار الأصليِّين من أهل الذمة والمعاهدين والمستأمنين على الدخول في الإسلام.

стр. 1820

قال الله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]. والمراد بالآية - والله أعلم بالصواب - ما قاله الحافظ ابن كثير: "أي لا تكرهوا أحدًا على الدخول في دين الإسلام، وقد ذكروا أن سبب نزول هذه الآية في قوم من الأنصار، وإن كان حكمها عامًا" (١). * ثانيًا: يجوز للمسلمين عقد معاهدة مع الكفار إذا كان في ذلك مصلحة راجحة للمسلمين كما هو معلوم من صلح الحديبية حيث صالحهم على وضع القتال عشر سنين. قال ابن القيم ﵀: "فصل في بعض ما في قصة الحديبية من الفوائد الفقهية ثم ذكر منها: أن مصالحة المشركين ببعض ما فيه من ضيمٌ على المسلمين جائزةٌ للمصلحة الراجحة، ودفع ما هو شر منه، ففيه دفعُ أعلى المفسدتين باحتمال أدناهما" (٢). * ثالثًا: حفظ العهد الذي بيننا وبين الكفار، إذا وَفَّوْا هُمْ بعهد وذمّتهم. قال الله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٤]. وعن أبي رافع ﵁ (وكان قبطيًّا)، قال: بعثتني قريشٌ إلى رسول الله ﷺ ، فلما رأيت رسول الله ﷺ أُلقيَ في قلبي الإسلام، فقلت: يا رسول الله، إني والله لا أرجع إليهم أبدًا، فقال رسول الله ﷺ : "إني لا أخيس بالعهد، ولا أحبس البُرُد. ولكن ارجع، فإن كان في نفسك الذي في نفسك الآن، فارجع". قال: فذهبت، ثم أتيتُ النبيَّ ﷺ ، فأسلمتُ" (٣).

стр. 1821

يقول ابن حزم "واتفقوا أن الوفاء بالعهود التي نصَّ القرآنُ على جوازها ووجوبها، وذُكرت بصفاتها وأسمائها، وذُكرت في السنة كذلك، وأجمعت الأمّة على وجوبها أو جوازها، فإن الوفاء بها فرضٌ، وإعطاؤها جائز" (١). * رابعًا: نصرة المستضعفين من المسلمين واجبة لكنها لا تجوز إذا كان ثم عهد بين المسلمين وهؤلاء والكفار وفاءً بالعهد والميثاق لقول الله : ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ وكما فعل رسول الله ﷺ بعد صلح الحديبية مع أبا جندل وأبا بصير ومن معهما من المستضعفين لمَّا كانوا على سيف البحر وكان كفار قريش لهما محاربين وبالنسبة لأهل المدينة كفارا معاهدين. * خامسًا: اتباع الإمام فيما يحكم فيه في ترك نصرة بعض المسلمين في بعض البلدان بسبب الوفاء بالعهود إذ من المعلوم أنه يصح في الاضطرار تعدد الأئمة وقد قرر صحة ذلك علماء الأمة المجتهدين والموالاة الواجبة لأهل الإسلام إذا كان أمرهم على إمام واحد وأمر الأمة مجتمعة عليه وأما مع تعدد الأئمة فكل ولاية أو بلد لها عهود ومواثيق يختلف باختلاف إمامه وسلطانه فإن انتقاض العهد مع كافر لا يلزم منه انتقاض عهد ذلك الكافر مع جميع دول المسلمين. ومن أقوال الأئمة في تعدد الأئمة قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "والسنة أن يكون للمسلمين إمام واحد، والباقون نوابه، فإذا فرض أن الأمة خرجت عن ذلك لمعصية من بعضها، وعجز من الباقين، أو غير ذلك فكان لها عدة أئمة، لكان يجب على كل إمام أن يقيم الحدود، ويستوفي الحقوق ... " (٢).

стр. 1822

وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله تعالى -: "الأئمة مجمعون من كل مذهب على أن من تغلب على بلد - أو بلدان - له حكم الإمام في جميع الأشياء ولولا هذا ما استقامت الدنيا، لأن الناس من زمن طويل قبل الإمام أحد إلى يومنا هذا ما اجتمعوا على إمام واحد ولا يعرفون أحدا من العلماء ذكر أن شيئا من الأحكام لا يصح إلا بالإمام الأعظم" اهـ (١). * سادسًا: حرمة دماء أهل الذمّة والمعاهدين والمستأمنين، إذا وَفَّوْا بذمتهم وعهدهم وأمانهم. قال ﷺ : "من قَتَل معاهَدًا لم يرَحْ رائحةَ الجنة، وإن ريحها يوجد من مسيرة أربعين عامًا" (٢). وقال ﷺ : "أيُّما رجلٍ أمِنَ رجلًا عن دمه ثم قتله، فأنا من القاتل بريء، وإن كان المقتولُ كافرًا" (٣). * سابعًا: الاستعانة بالكافر أو استئجاره: فهذا قال أهل العلم بجوازه في أحوال مختلفة، يفتي أهل العلم في كل حال، وفي كل واقعة بما يرونه أن يفتى به". يقول الشيخ ابن باز ﵀: "ومما يجب التنبيه عليه أن بعض الناس قد يظن أن الاستعانة بأهل الشرك تعتبر موالاة لهم، وليس الأمر كذلك، فالاستعانة شيء والموالاة شيء آخر، فلم يكن النبي ﷺ حين استعان بالمطعم بن عدي، أو بعبد الله بن أريقط، أو بيهود خيبر مواليًا لأهل الشرك، ولا متخذًا لهم بطانة، وإنما فعل ذلك للحاجة إليهم واستخدامهم في أمور تنفع المسلمين ولا تضرهم، وهكذا

стр. 1823

بعثه المهاجرين من مكة إلى بلاد الحبشة ليس ذلك موالاة للنصارى، وإنما فعل ذلك لمصلحة المسلمين وتخفيف الشر عنهم. فيجب على المسلم أن يفرق ما فرق اللهُ بينه، وأن ينزل الأدلة منازلها، والله سبحانه هو الموفق والهادي لا إله غيره ولا رب سواه" (١). * ثامنًا: المداراة في حال ضعف المسلمين لا تتنافى مع الولاء والبراء. والمداراة المقصودة هي: درءُ المفسدة والشر بالقول اللين وترك الغلظة، أو الإعراض عن صاحب الشر إذا خيف شره أو حصل منه أكبر مما هو ملابس له ومن ذلك مداراة النبي ﷺ للمنافقين خشية شرهم وتأليفا لهم ولغيرهم. وفي قوله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾. جاء عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال: نهى الله سبحانه المؤمنين أن يلاطفوا الكفار أو يتخذوهم وليجة من دون المؤمنين إلا أن يكون الكفار عليهم ظاهرين فيظهرون اللطف ويخالفونهم في الدين، وذلك قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ (٢). وقال مجاهد ﵀: قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾: "إلا مصانعةً في الدنيا ومخالَقَةً" (٣). قال ابن كثير: "إلا من خاف في بعض البلدان أو الأوقات من شرهم، فله أن يتقيهم بظاهره، لا بباطنه ونيته، كما قال البخاري عن أبي الدرداء: أنه قال: إنا

стр. 1824

لنكشر في وجوه أقوام وقلوبنا تلعنهم" (١). * تاسعًا: الوصيّة بأهل الذمّة، وصيانة أعراضهم وأموالهم، وحفظ كرامتهم. قال ﷺ "إنكم ستفحتون أرضًا يُذكر فيها القيراط، فاستوصوا بأهلها خيرًا، فإنّ لهم ذِمّةً ورحمًا" (٢). وقال عمر بن الخطاب ﵁: "أُوصي الخليفة من بعدي بذمّة الله وذمّة رسوله ﷺ : أن يُوَفَّى لهم بعهدهم، وأن يُقاتَل مِنْ ورائهم، وأن لا يكلَّفُوا فوق طاقتهم" (٣). * والبرّ والإحسان والعَدْلَ وحسن المعاملة مطلوب لهم سواء كان ذميا أو معاهدًا أو مستأمنًا. قال القرافي ﵀: "اعلم أن الله تعالى منع من التودد لأهل الذمة، بقوله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الممتحنة: ١]. فمنع الموالاة والتودد، وقال في الآية الأخرى ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨]. فلا بد من الجمع بين هذه النصوص، وأن الإحسان لأهل الذمة مطلوب، وأن التودد والموالاة منهي عنهما .. وسر الفرق أن عقد الذمة يوجب حقوقا علينا لهم؛ لأنهم في جوارنا، وفي خفارتنا، وذمة الله تعالى وذمة رسوله ﷺ ، ودين الإسلام، وقد حكى ابن حزم الإجماع - في مراتبه - على أن من كان في الذمة، وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه، وجب علينا أن نخرج لقتالهم بالكراع والسلاح .. فيتعين علينا أن نبرهم بكل أمر لا يكون ظاهره يدل على

стр. 1825

مودات القلوب، ولا تعظيم شعائر الكفر، فمتى أدى إلى أحد هذين امتنع، وصار من قبل ما نهى عنه في الآية، وغيرها. ويتضح ذلك بالمثل، فإخلاء المجالس لهم عند قدومهم علينا، والقيام لهم حينئذ وبداؤهم بالأسماء العظيمة الموجبة لرفع شأن المنادى بها، هذا كله حرام، وكذلك إذا تلاقينا معهم في الطريق، وأخلينا لهم واسعها ورحبها والسهل منها، وتركنا أنفسنا في خسيسها وحزنها وضيقها كما جرت العادة أن يفعل ذلك المرء مع الرئيس، والولد مع الوالد، فإن هذا ممنوع لما فيه من تعظيم شعائر الكفار، وتحقير شعائر الله تعالى وشعائر دينه، واحتقار أهله، وكذلك لا يكون المسلم عندهم خادمًا ولا أجيرًا يؤمر عليه وينهى. وأما ما أمر به من برهم من غير مودة باطنة: فهو كالرفق بضعيفهم، وإطعام جائعهم، وإكساء عاريهم، ولين القول لهم على سبيل اللطف لهم (١)، والرحمة لا على سبيل الخوف والذلة، واحتمال إذايتهم في الجوار مع القدرة على إزالته لطفًا منا بهم، لا خوفًا وتعظيمًا، والدعاء لهم بالهداية، وأن يجعلوا من آل السعادة، ونصيحتهم في جميع أمورهم. فجميع ما نفعله من ذلك فليس على وجه التعظيم لهم، وتحقير أنفسنا بذلك ولا مصانعة لهم، وينبغي لنا أن نستحضر في قلوبنا ما جبلوا عليه من بغضنا، وتكذيب نبينا محمد ﷺ ، وأنهم لو قدروا علينا لاستأصلوا، واستولوا على دمائنا وأموالنا، وأنهم من أشد العصاة لربنا ومالكنا ، ثم نعاملهم بعد ذلك بما تقدم ذكره امتثالا لأمر ربنا .. " (٢).
следующие страницы →