كان مشروعا من الأقوال والأعمال، ولكن كان مقصودهم الرد على المرجئة الذين جعلوه قولا فقط، فقالوا: بل هو قول وعمل والذين جعلوه أربعة أقسام فسروا مرادهم، كما سئل سهل بن عبد الله التستري عن الإيمان ما هو؟ فقال: "قول وعمل ونية وسنة"؛ لأن الإيمان إذا كان بِلا عمل فهو كفر، وإذا كان قولا وعملا بِلا نية فهو نفاق، وإذا كان قولًا وعملًا ونية بِلا سنة فهو بِدعة" (١).
وقال ابن القيم ﵀: "ومما يبين ذلك أن الإقرار بالصانع مع خلو القلب عن محبته والخضوع له وإخلاص الدين له لا يكون نافعًا بل الإقرار به مع الإعراض عنه وعن محبته وتعظيمه والخضوع له أعظم استحقاقا للعذاب فلا بد أن يكون للفطرة مقتض للعلم ومقتض للمحبة" (٢).
وقال أيضًا: "وها هنا أصل آخر، وهو أن حقيقة الإيمان مركبة من قول وعمل. والقول قسمان: قول القلبِ وهو الاعتقاد، وقول اللسان وهو التكلم بِكلمة الإسلام. والعمل قسمان: عمل القلبِ وهو نيته وإخلاصه، وعمل الجوارح. فإذا زالت هذه الأربعة زال الإيمان بِكماله، وإذا زال تصديق القلبِ لم تنفع بقية الأجزاء، فإن تصديق القلبِ شرط في اعتقادها وكونها نافعة. وإذا زال عمل القلبِ مع اعتقاد الصدق، فهذا موضع المعركة بين المرجئة وأهل السنة. فأهل السنة مجمعون على زوال الإيمان وأنه لا ينفع التصديق مع انتفاء عمل القلبِ وهو محبته وانقياده، كما لم ينفع إبليس وفرعون وقومه واليهود والمشركين الذين كانوا يعتقدون صدق الرسول، بل ويقرون بِه سرا وجهرا ويقولون: ليس بِكذابِ، ولكن لا نتبعه، ولا نؤمن بِه. وإذا كان الإيمان يزول بِزوال عمل القلبِ فغير مستنكر أن يزول بِزوال أعظم أعمال الجوارح، ولا سيما إذا كان ملزوما لعدم محبة القلبِ
стр. 247
وانقياده الذي هو ملزوم لعدم التصديق الجازم كما تقدم تقريره، فإنه يلزم من عدم طاعة القلبِ عدم طاعة الجوارح، إذ لو أطاع القلب وانقاد أطاعت الجوارح وانقادت، ويلزم من عدم طاعته وانقياده عدم التصديق المستلزم للطاعة وهو حقيقة الإيمان، فإن الإيمان ليس مجرد التصديق - كما تقدم بيانه - وإنما هو التصديق المستلزم للطاعة والانقياد، وهكذا الهدى ليس هو مجرد معرفة الحق وتبينه، بل هو معرفته المستلزمة لاتباعه والعمل بِموجبِه، وإن سمى الأول هدى فليس هو الهدى التام المستلزم للاهتداء، كما أن اعتقاد التصديق وإن سمى تصديقا فليس هو التصدق المستلزم للإيمان. فعليك بِمراجعة هذا الأصل ومراعاته" (١).
وقد جاء عن السلف أن من ترك العمل المجزئ في الإيمان أنه كافر، وأن من قال بأن الإيمان هو الإقرار وأنه لا يوجد قدر مجزئ من العمل يُدخله في الإيمان فهو مرجئ.
فعن معقل بن عبيد الله العبسي قال: "قدم علينا سالم الأفطس بِالإرجاء فعرضه قال: فنفر منه أصحابنا نفارًا شديدًا ... قال فجلست إلى نافع فقلت له: إنهم يقولون: نحن نقر بِأن الصلاة فريضة ولا نصلي، وأن الخمر حرام ونحن نشربها وأن نكاح الأمهات حرام ونحن نفعل. قال: فنتر يده من يدي ثم قال: من فعل هذا فهو كافر" (٢).
وقال عبد الله بن أحمد: حدثنا سويد بن سعيد الهروي قال: "سألنا سفيان بن عيينة عن الإرجاء. فقال: يقولون الإيمان قول وعمل، والمرجئة أوجبوا الجنة لمن شهد أن لا إله إلا الله مصرًا بقلبه على ترك الفرائض وسمّوا ترك الفرائض ذنبا بمنزلة ركوب المحارم، وليسا بسواء لأن ركوب المحارم من غير استحلال
стр. 248
معصية، وترك الفرائض متعمدًا من غير جهل ولا عذر هو كفر" (١).
وفي السنة للخلال قال الحميدي: "أخبرت أن قومًا يقولون: إن من أقر بالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، ولم يفعل من ذلك شيئًا حتى يموت أو يصلي مسند ظهره مستدبر القبلة حتى يموت فهو مؤمن ما لم يكن جاحدا إذا علم أن تركه ذلك فيه إيمانه إذا كان يقر الفروض واستقبال القبلة، فقلت: هذا الكفر بالله الصراح وخلاف كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وفعل المسلمين. قال حنبل: قال أبو عبد الله أحمد بن حنبل: من قال هذا فقد كفر بالله، ورد على الله أمره وعلى الرسول ما جاء به" (٢).
وقال الإمام أبو ثور: "فأما الطائفة التي زعمت أن العمل ليس من الإيمان فيقال لهم: ما أراد الله من العباد إذ قال لهم: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣]؟ الإقرار بذلك، أو الإقرار والعمل؟ فإن قالت: إن الله أراد الإقرار ولم يرد العمل فقد كفرت عند أهل العلم (٣) من قال: إن الله لم يرد من العباد أن يصلوا ولا يؤتوا الزكاة.
فإن قالت: أراد منهم الإقرار والعمل.
قيل: فإذا أراد منهم الأمرين جميعًا، لم زعمتم أنه يكون مؤمنًا بأحدهما دون الآخر؟ وقد أرادهما جميعًا.
أرأيتم لو أن رجلًا قال: أعمل جميع ما أمر الله ولا أقر به أيكون مؤمنًا؟.
فإن قالوا: لا.
قيل لهم: فإن قال: أقر بجميع ما أمر الله به ولا أعمل منه شيئًا، أيكون مؤمنًا؟.
стр. 249
فإن قالوا: نعم.
قيل لهم: ما الفرق؟ وقد زعمتم أن الله أراد الأمرين جميعًا، فإن جاز أن يكون بأحدهما مؤمنًا إذا ترك الآخر، جاز أن يكون بالآخر إذا عمل ولم يقر مؤمنًا، لا فرق بين ذلك.
فإن احتج فقال: لو أن رجلًا أسلم فأقر بجميع ما جاء به النبي ﷺ ، أيكون مؤمنًا بهذا الإقرار قبل أن يجئ وقت عمل؟.
قيل له: إنما نطلق له الاسم بتصديقه أن العمل عليه بقوله أن يعمله في وقته إذا جاء، وليس عليه في هذا الوقت الإقرار بجميع ما يكون به مؤمنًا. وقال: أقر ولا أعمل لم نطلق له اسم الإيمان" (١).
وقال ابن تيمية: "من الممتنع أن يكون الرجل مؤمنا إيمانًا ثابتًا في قلبِه، بِأن الله فرض عليه الصلاة والزكاة، والصيام والحج، ويعيش دهره لا يسجد لله سجدة، ولا يصوم من رمضان، ولا يؤدي لله الزكاة، ولا يحج إلى بيته، فهذا ممتنع، ولا يصدر هذا إلا مع نفاق في القلبِ وزندقة، لا مع إيمان صحيح. ولهذا إنما يصف سبحانه بِالامتناع من السجود الكفار كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم: ٤٣،٤٢] " (٢).
وفي معنى قوله ﷺ : "بني الإسلام على خمس" قال الحافظ ابن رجب: (أن الإسلام مثله كبنيان، وهذه الخمس: دعائم البنيان وأركانه التي يثبت عليها البنيان.
وقد روي في لفظ: "بني الإسلام على خمس دعائم".
стр. 250
وإذا كانت هذه دعائم البنيان وأركانه، فبقية خصال الإسلام كبقية البنيان، فإذا فقد شيء من بقية الخصال الداخلة في مسمى الإسلام الواجب نقص البنيان ولم يسقط بفقده.
وأما هذه الخمس فإذا زالت كلها سقط البنيان ولم يثبت بعد زوالها وكذلك إن زال منها الركن الأعظم وهو الشهادتان، وزوالهما يكون بالإتيان بما يضادهما ولا يجتمع معهما.
وأما زوال الأربع البواقي فاختلف العلماء هل يزول الاسم بزوالها أو بزوال واحد منها؟ أم لا يزول بذلك؟ أم يفرق بين الصلاة وغيرها؟ فيزول بترك الصلاة دون غيرها؟ أم يختص زوال الإسلام بترك الصلاة والزكاة خاصة؟
وفي ذلك اختلاف مشهور، وهذه الأقوال كلها محكية عن الإمام أحمد.
وكثير من علماء أهل الحديث يرى تكفير تارك الصلاة (١).
وحكاه إسحاق بن راهويه إجماعا منهم حتى إنه جعل قول من قال: لا يكفر بترك هذه الأركان مع الإقرار بها من أقوال المرجئة.
وكذلك قال سفيان بن عيينة: "المرجئة سموا ترك الفرائض ذنبًا بمنزلة ركوب المحارم؛ وليسا سواء؛ لأن ركوب المحارم متعمدا من غير استحلال: معصية،
стр. 251
وترك الفرائض من غير جهل ولا عذر هو كفر.
بيان ذلك في أمر آدم وإبليس وعلماء اليهود الذين أقروا ببعث النبي ﷺ بلسانهم ولم يعملوا بشرائعه.
وروي عن عطاء ونافع مولى ابن عمر أنهما سئلا عمن قال: الصلاة فريضة ولا أصلي، فقالا: هو كافر. وكذا قال الإمام أحمد.
ونقل حرب عن إسحاق قال: "غلت المرجئة حتى صار من قولهم: إن قوما يقولون: من ترك الصلوات المكتوبات وصوم رمضان والزكاة والحج وعامة الفرائض من غير جحود لها لا نكفره، يرجى أمره إلى الله بعد؛ إذ هو مقر. فهؤلاء الذين لا شك فيهم - يعني في أنهم مرجئة -.
وظاهر هذا: أنه يكفر بترك هذه الفرائض" (١).
وقال في موضع آخر: "وجعل النبي ﷺ مثل المؤمن أو المسلم كمثل النخلة وقال طاووس: مثل الإسلام كشجرة أصلها الشهادة، وساقها كذا وكذا، وورقها كذا وكذا، وثمرها: الورع، ولا خير في شجرة لا ثمر لها، ولا خير في إنسان لا ورع فيه.
ومعلوم أن ما دخل في مسمى الشجرة والنخلة من فروعها وأغصانها وورقها وثمرها إذا ذهب شيء منه لم يذهب عن الشجرة اسمها؛ ولكن يقال: هي شجرة ناقصة، وغيرها أكمل منها، فإن قطع أصلها وسقطت لم تبق شجرة، وإنما تصير حطبًا، فكذلك الإيمان والإسلام إذا زال منه بعض ما يدخل في مسماه مع بقاء أركان بنيانه لا يزول به اسم الإسلام والإيمان بالكلية، وإن كان قد سلب الاسم عنه لنقصه بخلاف ما انهدمت أركانه وبنيانه فإنه يزول مسماه بالكلية" (٢).
стр. 252
٥٦ - الإيمان بالله *
الإيمان بالله أعظم أركان الإيمان وأصل من أصول الإيمان الستة بل هو أصل الأصول وهو: الاعتقاد الجازم بأن الله تعالى واحد أحد فرد صمد لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا، وهو رب كل شيء ومليكه ليس له شريك في الملك هو الخالق، الرازق، المعطي، المانع، المحيى المميت، المتصرف في جميع شؤون الخلق.
وهو المستحق لجميع أنوع العبادة من الخضوع، والخشوع، والخشية، والإنابة، والقصد، والطلب، والدعاء، والذبح، والنذر ونحو ذلك. ومن الإيمان بالله الإيمانُ بما أخبر به عن نفسه في كتابه الكريم، أو أخبر به عنه رسوله ﷺ من الأسماء والصفات، وأنه متفرد بهذا عن جميع المخلوقات وأن له الكمال المطلق في ذلك كله، إثباتا بلا تمثيل وتنزيهًا بلا تعطيل. كما أخبر عن نفسه ﵎ بقوله: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١) ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الأنعام: ١٠٢،١٠١] والإيمان بأنه الإله الحق وأن من عبد من دونه فعبادته أبطل الباطل وأضل الضلال (١).
* الدليل من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ﴾ [النساء: ١٣٦] والآيات في ذلك كثيرة.
стр. 253
* الدليل من السنة:
حديث عمر بن الخطاب ﵁ في سؤال جبريل ﵇: قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ الإِيمَانِ قَالَ: "أَنْ تُؤْمِنَ بِالله وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الاخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ ... " الحديث (١).
* والإيمان بالله يتضمن أربعة أمور:
الأول: الإيمان بوجود الله تعالى.
الثاني: الإيمان بربوبيته (٢).
الثالث: الإيمان بألوهيته (٣).
الرابع: الإيمان بأسمائه وصفاته (٤).
وقد فصَّل الشيخ ابن عثيمين في شرح هذه المضامين الأربع ونكتفي هنا بما ذكره عن الأول لأن الثلاث الباقيات جعلنا لكل واحدة منها بابًا منفردًا. قال ابن عثيمين في شرح الإيمان بوجود الله تعالى: "قد دل على وجوده تعالى الفطرة، والعقل، والشرع، والحس.
١. أما دلالة الفطرة على وجوده:
فإن كل مخلوق قد فطر على الإيمان بخالقه من غير سبق تفكير أو تعليم، ولا ينصرف عن مقتضى هذه الفطرة إلا من طرأ على قلبه ما يصرفه عنها لقوله ﷺ : "ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه" (٥).
стр. 254
٢. وأما دلالة العقل على وجود الله تعالى:
فلأن هذه المخلوقات سابقها ولا حقها لا بد لها من خالق أوجدها إذ لا يمكن أن توجد نفسها بنفسها، ولا يمكن أن توجد صدفة.
لا يمكن أن توجد نفسها بنفسها لأن الشيء لا يخلق نفسه، لأنه قبل وجوده معدوم فكيف يكون خالقًا؟!
ولا يمكن أن توجد صدفة، لأن كل حادث لا بد له من محدث، ولأن وجودها على هذا النظام البديع، والتناسق المتآلف، والارتباط الملتحم بين الأسباب ومسبباتها، وبين الكائنات بعضها مع بعض يمنع منعا باتا أن يكون وجودها صدفة، إذ الموجود صدفة ليس على نظام في أصل وجوده فكيف يكون منتظما حال بقائه وتطوره؟
وإذا لم يمكن أن توجد هذه المخلوقات نفسها بنفسها، ولا أن توجد صدفة تعين أن يكون لها موجود وهو الله رب العالمين.
وقد ذكر الله تعالى هذا الدليل العقلي والبرهان القطعي في سورة الطّور، حيث قال: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥] أفيجوز أن يكون هذا الكون الواسع بأرضه وسمائه، وأفلاكه وأحواله، ونظامه البديع الباهر، قد أوجد نفسه، أو وجد صدفة بدون موجد؟!
٣. وأما دلالة الشرع على وجود الله تعالى:
فلأن الكتب السماوية كلها تنطق بذلك، وما جاءت به من لأحكام المتضمنة لمصالح الخلق دليل على أنها من رب حكيم عليم بمصالح خلقه، وما جاءت به من الأخبار الكونية التي شهد الواقع بصدقها دليل على أنها من رب قادر على إيجاد ما أخبر به.
стр. 255
٤. وأما أدلة الحس على وجود الله فمن وجهين:
أحدهما: أننا نسمع ونشاهد من إجابة الداعين، وغوث المكروبين، ما يدل دلالة قاطعة على وجوده تعالى، قال الله تعالى: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ [الأنبياء: ٧٦] وقال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٩].
وفي صحيح البخاري عن أنس بن مالك ﵁ أن أعرابيًا دخل يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب، فقال: يا رسول الله، هلك المال، وجاع العيال، فادع الله لنا، فرفع يديه ودعا فثار السحاب أمثال الجبال فلم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته. وفي الجمعة الثانية قام ذلك الأعرابي أو غيره فقال: يا رسول الله تهدم البناء وغرق المال، فادع الله لنا، فرفع يديه وقال: "اللهم حواليْنا ولا عليْنا، فما يشير بيده إلى ناحية إلا انفرجت" (١).
وما زالت إجابة الداعين أمرًا مشهودًا إلى يومنا هذا لمن صدق اللجوء إلى الله تعالى وأتى بشرائط الإجابة.
الوجه الثاني: أن آيات الأنبياء التي تسمى "المعجزات" ويشاهدها الناس، أو يسمعون بها، برهان قاطع على وجود مرسلهم، وهو الله تعالى، لأنها أمور خارجة عن نطاق البشر، يجريها الله تعالى تأييدا لرسله ونصرا لهم.
مثال ذلك: آية موسى ﷺ حين أمره الله تعالى أن يضرب بعصاه البحر، فضربه فانفلق اثني عشر طريقًا يابسًا، والماء بينهما كالجبال، قال الله تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣].
ومثال ثان: آية عيسى ﷺ حيث كان يحيي الموتى، ويخرجهم من قبورهم بإذن الله، قال الله تعالى عنه: ﴿وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٤٩]، وقال: ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ
стр. 256
الْمَوْتَى بِإِذْنِي﴾ [المائدة: ١١٠].
ومثال ثالث: لمحمد ﷺ حين طلبت منه قريش آية، فأشار إلى القمر فانفلق فرقتين فرآه الناس، وفي ذلك قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ٢،١].
فهذه الآيات المحسوسة التي يجريها الله تعالى تأييدًا لرسله ونصرًا لهم، تدل دلالة قطعية على وجوده تعالى" (١).
* من ثمرات الإيمان بالله تعالى:
قال ابن عثيمين: "والإيمان بالله تعالى على ما وصفنا يثمر للمؤمنين ثمرات جليلة منها:
الأولى: تحقيق توحيد الله تعالى بحيث لا يتعلق بغيره رجاء، ولا خوف، ولا يعبد غيره.
الثانية: كمال محبة الله تعالى، وتعظيمه بمقتضى أسمائه الحسنى وصفاته العليا.
الثالثة: تحقيق عبادته بفعل ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه" (٢).
стр. 257
٥٧ - الإيمان بالملائكة *
الإيمان بالملائكة ركن من أركان الإيمان الستة.
الملائكة لغة: جمع ملك بفتح اللام، قيل إنه مشتق من الألوكة وهي الرسالة ومعلوم أن من الملائكة من هم رسل الله إلى خلقه، وقيل من لأك إذا أرسل. وقيل غير ذلك. قال في النهاية: "الملائكة جمع ملأك في الأصل ثم حذفت همزته لكثرة الاستعمال فقيل ملك وقد تحذف الهاء فيقال ملائك" (١).
الملائكة شرعًا: هم نوع من مخلوقات الله خلقهم مجبولين على طاعته وعبادته. وقيل في تعريفهم: هم عباد الله وخلق من خلقه وهم السفرة بين الله وبين رسله ﵈ وهم عالم غيبي خلقهم الله من نور وجعلهم طائعين متذللين له ليس لهم من خصائص الربوبية والألوهية شيء.
قال الشيخ ابن قاسم ﵀: "وهم الجنس المعروف من خلق الله، بتعريف النصوص، عباد مكرمون، خلقوا من نور، يؤمن بهم إجمالا في الإجمالي، وتفصيلا في التفصيلي، وتعيينا في التعيين، مثل ما ورد في الكتاب العزيز، والسنة المطهرة،
أَنَّكَ تُحَدِّثُهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: فَمَا جَاءَ بِكَ تِجَارَةٌ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: وَلَا جَاءَ بِكَ غَيْرُهُ. قَالَ: لا. قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ بِهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللهُ بِهِ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ وَإِنَّ طَالِبَ الْعِلْمِ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْمَاءِ وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ النُّجُومِ إِنَّ الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَ بهِ أَخَذَ بِحَظِّهِ أَوْ بِحَظٍّ وَافِرٍ" (١).
والأحاديث في ذكرهم ﵈ كثيرة جدًا.
* أحكام وفوائد:
* الإيمان بالملائكة هو الركن الثاني من أركان الإيمان ومعناه التصديق الجازم بأن لله تعالى ملائكة موجودين مخلوقين من نور، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.
* قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "الإيمان بالملائكة يتضمن أربعة أمور:
أولًا: الإيمان بوجودهم.
ثانيًا: الإيمان بمن علمنا اسمه منهم كجبريل ومن لم نعلم اسمه نؤمن بهم إجمالًا.
ثالثًا: الإيمان بما علمنا من صفاتهم، كصفة جبريل فقد أخبر النبي ﷺ أنه رآه على صفته التي خلق عليها وله ستمائة جناح قد سدّ الأفق.
وقد يتحول الملك بأمر الله تعالى إلى هيئة رجل، كما حصل لجبريل حين أرسله تعالى إلى مريم فتمثل لها بشرا سويا، وحين جاء إلى النبي ﷺ وهو جالس في أصحابه جاءه بصفة رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه
стр. 262
أثر السفر، ولا يعرفه أحد من الصحابة، فجلس إلى النبي ﷺ فأسند ركبتيه إلى ركبتيه. ووضع كفيه على فخذيه وسأل النبي ﷺ عن الإسلام، والإيمان، والإحسان، والساعة، وأماراتها، فأجابه النبي ﷺ فانطلق. ثم قال ﷺ : "هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم" (١).
وكذلك الملائكة الذين أرسلهم الله تعالى إلى إبراهيم، ولوط كانوا على صورة رجال.
الرابع: الإيمان بما علمنا من أعمالهم التي يقومون بها بأمر الله تعالى، كتسبيحه، والتعبد له ليلًا ونهارًا بدون ملل ولا فتور.
وقد يكون لبعضهم أعمال خاصة:
مثل: جبريل الأمين على وحي الله تعالى يرسله الله إلى الأنبياء والرسل.
ومثل: ميكائيل الموكل بالقطر أي بالمطر والنبات.
ومثل: إسرافيل الموكل بالنفخ في الصور عِنْدَ قيام الساعة وبعث الخلق.
ومثل: ملك الموت الموكل بقبض الأرواح عِنْدَ الموت.
ومثل: مالك الموكل بالنار وهو خازن النار.
ومثل: الملائكة الموكلين بالأجنة في الأرحام إذا تم للإنسان أربعة أشهر في بطن أمه، بعث الله إليه ملكا وأمره بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد.
ومثل: الملائكة الموكلين بحفظ أعمال بني آدم وكتابتها، لكل شخص ملكان: أحدهما عن اليمين، والثاني عن الشمال.
ومثل: الملائكة الموكلين بسؤال الميت إذا وضع في قبره يأتيه ملكان يسألانه عن ربه، ودينه، ونبيه" (٢).
стр. 263
* من ثمرات الإيمان بالملائكة:
قال ابن عثيمين: "والإيمان بالملائكة يثمر ثمرات جليلة منها:
الأولى: العلم بعظمة الله تعالى، وقوته، وسلطانه، فإن عظمة المخلوق من عظمة الخالق.
الثانية: شكر الله تعالى على عنايته ببني آدم، حيث وكّل من هؤلاء الملائكة من يقوم بحفظهم، وكتابة أعمالهم، وغير ذلك من مصالحهم.
الثالثة: محبة الملائكة على ما قاموا به من عبادة الله تعالى" (١).
* حقيقة وجود الملائكة:
الملائكة لهم وجود حقيقي قائمون بوظائفهم وليسوا عبارة عن قوى خيرية تكمن في الخلق بل لهم أجسام حقيقية فيجب التصديق بذلك ومن قال أن الملائكة هي القوى الخيرية والصفات الحسنة الموجودة في الإنسان فقد أنكر وجود الملائكة ومن أنكر وجود الملائكة فهو كافر زائغ ضال.
قال الشيخ السعدي ﵀: "ولا تكاد تجد أحدا ينكر وجود الملائكة إلا الزنادقة المنكرين لوجود ربهم ومن تستر بالإسلام منهم فإنه ينكر الملائكة حقيقة وينكر خبر الله ورسوله عنهم، ويفسر الملائكة تفسيرا وتحريفا خبيثا فيزعم أن الملائكة هي القوى الخيرية والصفات الحسنة الموجودة في الإنسان، وأن الشياطين هي القوى الشريرة فيه وغرضهم من هذا التحريف دفع الشنعة عنهم، وقد ازدادوا بهذا التحريف شرًا إلى شرهم، وراج هذا التحريف الخبيث على بعض الذين يحسنون الظن بهؤلاء الزنادقة، وليس عِنْدَهم بصيرة في أديان الرسل وإن أظهروا تعظيمهم، فإن زنادقة الفلاسفة أعظم في قلوبهم من الرسل وكفى بالعبد
стр. 264
ضلالًا وغيًا أن يصل إلى هذه الحال، نعوذ بالله من مضلات الفتن" (١).
وقال الشيخ ابن عثيمين: "وقد أنكر قوم من الزائغين كون الملائكة أجساما، وقالوا إنهم عبارة عن قوى الخير الكامنة في المخلوقات، وهذا تكذيب لكتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ وإجماع المسلمين ... ثم ذكر الأدلة على ذلك من الكتاب والسنة وقال: وهذه النصوص صريحة في أن الملائكة أجسام لا قوى معنوية، كما قال الزائغون وعلى مقتضى هذه النصوص أجمع المسلمون" (٢).
ومما يدل على أن الملائكة عباد مأمورون: ما رواه البخاري أن نبي الله ﷺ قال: "إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله كأنه سلسلة على صفوان فإذا فُزِّع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير" (٣).
* المفاضلة بين الملائكة والبشر:
قال ابن كثير: "أكثر ما توجد هذه المسألة في كتب المتكلمين والخلاف فيها مع المعتزلة ومن وافقهم".
وقال: "أقدم كلام رأيته في هذه المسألة ما ذكره الحافظ ابن عساكر في تاريخه في ترجمة أمية بن سعيد ابن العاص أنه حضر مجلساً لعمر بن عبد العزيز وعنده جماعة فقال عمر: ما أحد أكرم على الله من كريم بني آدم، وذكر بقية الواقعة وفيها معارضة أحدهم بتفضيل الملائكة واستدلال كل" (٤).
وقال جماعة من أهل العلم أن هذه من فضول المسائل، قال البيهقي في التفاضل
стр. 265
بين الملائكة والبشر: "والأمر فيه سهل، وليس فيه من الفائدة إلا معرفة الشيء على ما هو به" (١).
وقال شارح الطحاوية: "وكنت ترددت في الكلام على هذه المسألة لقلة ثمرتها وأنها قريب مما لا يعني ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" (٢).
وينبغي التنبه إلى أن هناك فرق في المفاضلة بين الملائكة والبشر والمفاضلة بين صالحي البشر والملائكة.
قال السفاريني: "اختلف العلماء في المفاضلة بين البشر والملائكة وهي مسألة عظيمة قد كثر فيها الاختلاف وتشعبت فيها الأقوال ... الخ" (٣).
وبعضهم ذهب إلى تفضيل الملائكة على البشر مطلقًا، وممن قال بذلك المعتزلة وبعض الأشعرية كالإسفراييني والباقلاني وقال به ابن حزم ومال إليه بعض أهل السنة وبعض الصوفية واستدلوا بأدلة من كتاب الله وسنة رسوله لها وجهها في الدلالة على قولهم كقوله سبحانه في بني آدم: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٠] فقال على كثير ولم يقل على كل فدل على تفضيل الملائكة. كما استدلوا بأدلة أخرى ليس فيها نص صريح واضح وإنما يستدل منها على تفضيل الملائكة على البشر ورد عليهم من يخالفهم في ذلك (٤).
стр. 266
* المفاضلة بين الملائكة وصالحي البشر:
قال بعض العلماء: "لا طريق إلى القطع بأن الأنبياء أفضل من الملائكة ولا القطع بأن الملائكة خير منهم لأن طريق ذلك خبر الله تعالى وخبر رسوله أو إجماع الأمة وليس ها هنا شيء من ذلك" (١).
والتحقيق أن الملائكة لهم فضل عظيم ولكن صالحي بني آدم من الأنبياء وأتباعهم أفضل من الملائكة وقد ثبت عن الرسول ﷺ التفضيل بذلك فعن عبد الله بن عمرو أنه قال: "إن الملائكة قالت يا رب جعلت بنى آدم يأكلون في الدنيا ويشربون ويتمتعون فاجعل لنا الآخرة كما جعلت لهم الدنيا قال لا أفعل ثم أعادوا عليه فقال لا أفعل ثم أعادوا عليه مرتين أو ثلاثا فقال وعزتي لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له كن فكان" (٢).
وهذا الحديث أصح ما في هذا الباب وقد احتج به ابن تيمية وابن القيم وذكرا ما يدل على سلامة سنده "وقد جاء عن الإمام أحمد أنه كان يفضل صالحي المؤمنين على الملائكة ويخطئ من يفضل الملائكة على بني آدم" (٣).
وقد ذكر ابن تيمية هذه المسألة وفصل فيها تفصيلًا طويلًا في مجموع الفتاوى (٤) وقرر فيه مذهب أهل السنة تفضيل صالحين البشر على الملائكة.
فقال ﵀ بعد ذكر بعض الأحاديث في ذلك: "وأقل ما في هذه الآثار أن السلف
стр. 267
الأولين كانوا يتناقلون بينهم أن صالحي البشر أفضل من الملائكة من غير نكير منهم لذلك، ولم يخالف أحد منهم في ذلك، إنما ظهر الخلاف بعد تشتت الأهواء بأهلها وتفرق الآراء فقد كان ذلك المستقر عندهم" (١)، وقال: "وقد كان السلف يحدثون الأحاديث المتضمنة فضل صالح البشر على الملائكة وتروى على رؤوس الناس ولو كان هذا منكرًا لأنكروه فدل على اعتقادهم ذلك" (٢).
ونقل عنه تلميذه ابن القيم: "أنه سئل عن صالحي بني آدم والملائكة أيهما أفضل؟ فأجاب بأن صالحي البشر أفضل باعتبار كمال النهاية والملائكة أفضل باعتبار البداية، فإن الملائكة الآن في الرفيق الأعلى منزّهين عما يلابسه بنو آدم، مستغرقون في عبادة الرب ولا ريب أن هذه الأحوال الآن أكمل من أحوال البشر وأما يوم القيامة بعد دخول الجنة فيصير حال صالحي البشر أكمل من حال الملائكة"، ثم قال: "وبهذا التفصيل يتبين سر التفضيل وتتفق أدلة الفريقين ويصالح كل منهم على حقه" (٣).
قال العلامة محمد السفاريني:
وعندنا تفضيل أعيان البشر ... على ملاك ربنا كما اشتهر
قال ومن قال سوى هذا افترى ... وقد تعدى في المقال واجترى (٤)
وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀:
أيهما أفضل الملائكة أم الصالحون من البشر؟
فأجاب بقوله: "هذه المسألة وهي المفاضلة بين الملائكة وبين الصالحين من
стр. 268
البشر محل خلاف بين أهل العلم وكل منهم أدلى بدلوه فيما يحتج به من النصوص، ولكن القول الراجح أن يقال: إن الصالحين البشر أفضل من الملائكة باعتبار النهاية فإن الله يعد لهم من الثواب ما لا يحصل مثله للملائكة فيما نعلم، بل إن الملائكة في مقرهم أي في مقر الصالحين وهو الجنة يدخلون عليهم من كل باب ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٤].
أما باعتبار البداية فإن الملائكة أفضل لأنهم خلقوا من نور وجبلوا على طاعة الله والقوة عليها كما قال الله تعالى في ملائكة النار: ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]، وقال : ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩ - ٢٠] هذا هو القول الفصل في هذه المسألة.
وبعد فإن الخوض فيها وطلب المفاضلة بين صالحي البشر والملائكة من فضول العلم الذي لا يضطر الإنسان إلى فهمه والعلم به والله المستعان" (١).
стр. 269
٥٨ - الإيمان بالكتب *
الكتب لغة: جمع كتاب، يقال كتب يكتب كتابًا وكتابةً ثم سُمي به المكتوب فيه (١)، وهو في الأصل اسم للصحيفة مع المكتوب فيها.
وشرعًا: كلام الله تعالى الموحى إلى رسله عليهم الصلاة والسلام ليبلغوه للناس، المتعبد بتلاوته.
* الدليل من الكتاب: قول الله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦].
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٣٦].
* الدليل من السنة: حديث عمر بن الخطاب المتقدم.
* أحكام وفوائد:
١ - الإيمان بالكتب أصل من أصول الإيمان الستة ، وقد تقدم الكلام على ذلك.
стр. 270
٢ - قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "والإيمان بها يتضمن أربعة أمور:
الأول: الإيمان بأن نزولها من عِنْد الله حقًا.
الثاني: الإيمان بما علمنا اسمه منها كالقرآن الذي نزل على محمد والتوراة التي أنزلت على موسى والإنجيل الذي أنزل على عيسى والزبور الذي أوتيه داود وأما ما لم نعلم اسمه فنؤمن به إجمالًا.
الثالث: تصديق ما صحّ من أخبارها، كأخبار القرآن، وأخبار ما لم يبدل أو يحرف من الكتب السابقة.
الرابع: العمل بأحكام ما لم ينسخ منها، والرضا والتسليم به سواء فهمنا حكمته أم لم نفهمها، وجميع الكتب السابقة منسوخة بالقرآن العظيم قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨] أي "حاكمًا عليه" وعلى هذا فلا يجوز العمل بأي حكم من أحكام الكتب السابقة إلا ما صح منها وأقره القرآن" (١).
والإيمان بهذه الكتب التي أخبرنا الله تعالى عنها في القرآن الكريم يستلزم الإيمان بأن نزولها من عند الله سبحانه وأن كلا منها كتاب الله تعالى وكلامه فيه النور والهدى وكلها داعية إلى التوحيد وتحقيق شهادة أن لا إله إلا الله فهي متفقة في الأصول وإن اختلفت في الشرائع قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥].
وقد دعا الرسل عليهم الصلاة والسلام قومهم إلى ذلك كما قال حاكيًا لنا قولهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٨٥].
стр. 271
وثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: "أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء إخوة لعلات (١)، أمهاتهم شتى ودينهم واحد" (٢).
ومعنى الحديث أن أصل دينهم واحد وهو التوحيد، وإن اختلفت فروع الشرائع -والله أعلم-.
وقال السعدي ﵀: "ويدخل في الإيمان بالرسل الإيمان بالكتب، فالإيمان بمحمد ﷺ يقتضي الإيمان بكل ما جاء به من الكتاب والسنة ألفاظها ومعانيها، فلا يتم الإيمان إلا بذلك، وكل من كان أعظم علما بذلك وتصديقا واعترافًا وعملًا كان أكمل إيمانًا" (٣).
٣ - من ثمرات الإيمان بالكتب:
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "والإيمان بالكتب يثمر ثمرات جليلة منها:
الأولى: العلم بعناية الله تعالى بعباده حيث أنزل لكل قوم كتابًا يهديهم به.
الثانية: العلم بحكمة الله تعالى في شرعه حيث شرّع لكل قوم ما يناسب أحوالهم، كما قال الله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨].
الثالثة: شكر نعمة الله في ذلك" (٤).
стр. 272
٥٩ - الإيمان بالرسل *
[الإيمان بالرسل ركن من أركان الإيمان الستة]
تعريف الرسل: الرسل جمع رسول بمعنى مرسَل أي مبعوث بإبلاغ شيء والمراد هنا: من أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه.
قال ابن عثيمين: "والرسل ينقسمون إلى قسمين رسل من البشر ورسل من الملائكة قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ والمراد بالرسول هنا جبريل وهو رسول ملكي ... " (١).
* الدليل من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣] (٢)، وقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ
стр. 273
وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]. وقال الله تعالى في محمد ﷺ : ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠].
* الدليل من السنة: حديث عمر بن الخطاب ﵁ في سؤال جبريل ﵇: قَالَ: فَأَخْبرْنِي عَنْ الإِيمَانِ. قَالَ: "أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ" الحديث (١).
* أحكام وفوائد:
١ - ما ينبغي للمسلم أن يعتقده في الأنبياء والرسل:
قال ابن سعدي ﵀: "وهذا الأصل مبناه على أن يعترف ويعتقد بأن جميع الأنبياء قد اختصهم الله بوحيه وإرساله، وجعلهم وسائط بينه وبين خلقه في تبليغ شرعه ودينه وأن الله أيدهم بالبراهين الدالة على صدقهم وصحة ما جاءوا به، وأنهم أكمل الخلق علمًا وعملًا، وأصدقهم وأبرهم وأكملهم أخلاقا وأعمالا، وأن الله خصهم بخصائص وفضلهم بفضائل لا يلحقهم فيها أحد، وأن الله برأهم من كل خلق دنيء ورذيل وأنهم معصومون في كل ما يبلغونه عن الله، وأنه لا يستقر في خبرهم وتبليغهم إلا الحق والصواب وأنه يجب الإيمان بهم وبكل ما أتوه من الله ومحبتهم وتعظيمهم" (٢).
٢ - قال الشيخ ابن عثيمين: "والإيمان بالرسل يتضمن أربعة أمور:
الأول: بأن رسالتهم حق من الله تعالى، فمن كفر برسالة واحد منهم فقد كفر بالجميع. كما قال الله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥]. فجعلهم الله مكذبين لجميع الرسل مع أنه لم يكن رسول غيره حين كذبوه.
стр. 274
الثاني: الإيمان بمن علمنا اسمه منهم مثل: محمد وإبراهيم وموسى وعيسى ونوح عليهم الصلاة والسلام وهؤلاء الخمسة هم أولوا العزم من الرسل، وقد ذكرهم الله تعالى في موضعين من القرآن في سورة الأحزاب في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب: ٧]، وفي سورة الشورى في قوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣].
وأما من لم نعلم اسمه منهم فنؤمن به إجمالًا قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨].
الثالث: تصديق ما صحّ عنهم من أخبارهم.
الرابع: العمل بشريعة من أرسل إلينا منهم، وهو خاتمهم محمد ﷺ المرسل إلى جميع الناس قال الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] " (١).
٣ - من ثمرات الإيمان بالرسل عليهم الصلاة والسلام:
قال الشيخ ابن عثيمين: "وللإيمان بالرسل ثمرات جليلة منها:
الأولى: العلم برحمة الله تعالى وعنايته بعباده حيث أرسل إليهم الرسل ليهدوهم إلى صراط الله تعالى، ويبيّنوا لهم كيف يعبدون الله، لأن العقل البشري لا يستقل بمعرفة ذلك.
الثانية: شكره تعالى على هذه النعمة الكبرى.
стр. 275
الثالثة: محبة الرسل عليهم الصلاة والسلام وتعظيمهم، والثناء عليهم بما يليق بهم، لأنهم رسل الله تعالى، ولأنهم قاموا بعبادته، وتبليغ رسالته، والنصح لعباده" (١).
٤ - فائدة:
يقول شارح الطحاوية: "وأما الأنبياء والمرسلون فعلينا الإيمان بمن سمى الله تعالى في كتابه من رسله والإيمان بأن الله تعالى أرسل رسلا سواهم وأنبياء لا يعلم أسماءهم وعددهم إلا الله تعالى الذي أرسلهم فعلينا الإيمان بهم جملة لأنه لم يأت في عددهم نص، وقد قال تعالى: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٤]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨] ... وعلينا الإيمان بأنهم بلّغوا جميع ما أرسلوا به على ما أمرهم الله به وأنهم بينوه بيانا لا يسع أحدا ممن أرسلوا إليه جهله ولا يحل خلافه. قال تعالى: ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النحل: ٣٥].
وأما أولو العزم من الرسل، فقد قيل فيهم أقوال أحسنها ما نقله البغوي وغيره عن ابن عَبَّاسٍ وقتادة أنهم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم ... وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب: ٧]. وفي قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ [الشورى: ١٣]، وأما الإيمان بمحمد ﷺ فتصديقه واتباع ما جاء به من الشرائع إجمالًا وتفصيلًا" (٢).
стр. 276
* مسألة: من كفر بنبي واحد كفر بجميع الأنبياء:
قال السعدي: "جميع الأنبياء دعوتهم واحدة، من كذّب واحدا منهم فقد كذّب الجميع لأنه يكذب الحق الذي جاء به كل واحد منهم" (١).
٥ - من هو أول الرسل ؟
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الأصول الثلاثة عِنْدَ كلامه عن الأنبياء: "وأولهم نوح ﵇ وآخرهم محمد ﷺ والدليل على أن أولهم نوح ﵇ قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣].
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "وثبت في الصحيح من حديث الشفاعة (٢): "إن الناس يأتون إلى نوح فيقولون له أنت أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض" فلا رسول قبل نوح وبهذا نعلم خطأ بعض المؤرخين الذين قالوا إن إدريس ﵊ قبل نوح بل الذي يظهر أن إدريس من أنبياء بني إسرائيل.
وآخر الأنبياء وخاتمهم محمد ﷺ لقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٠]، فلا نبي بعده ومن ادعى النبوة بعده فهو كاذب كافر مرتد عن الإسلام" (٣).
فإن قيل: هل آدم رسول أم لا؟ فالجواب: أنه ﵇ ليس برسول ولكنه نبي (٤).
وهناك مباحث أخرى منها معرفة معنى النبي والفرق بينه وبين الرسول وحكم ادعاء النبوة وهذه تجدها في باب (النبوة).
стр. 277
٦٠ - الإيمان باليوم الآخر *
الإيمان باليوم الآخر هو الأصل الخامس من أصول الإيمان الستة.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "اليوم الآخر: يوم القيامة الذي يبعث الناس فيه للحساب والجزاء. وسمي بذلك لأنه لا يوم بعده حيث يستقر أهل الجنة في منازلهم وأهل النار في منازلهم" (٢).
قال الحَلِيمي ومعناه: "التصديق بأن لأيام الدنيا آخرا، وأنها منقضية، وهذا العالم منقض يوما ما، ففي الاعتراف بانتفائه اعتراف بابتدائه إذ القديم لا يفنى ولا يتغير" (٣).
فالإيمان باليوم الآخر هو: الاعتقاد الجازم بصدق كل ما أخبر به الله في كتابه العزيز أو أخبر به رسوله ﷺ مما يكون بعد الموت من فتنة القبر وعذابه
стр. 278
ونعيمه وما بعد ذلك من البعث والحشر والصحف والحساب والميزان والحوض والصراط والشفاعة والجنة والنار وما أعد الله تعالى لأهلهما فيهما.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ومن الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت، فيؤمنون بفتنة القبر، وبعذاب القبر ونعيمه" (١).
* الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج: ٧]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [غافر: ٥٩] وقوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١]، وقول الله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩].
* الدليل من السنة: عن سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ صَاحِبِ رَسُولِ الله ﷺ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَذهِ مِنْ هَذهِ أَوْ كَهَاتَيْنِ وَقَرَنَ بَيْنَ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى" (٢).
وعِنْدَ البخاري من حديث أبي هريرة ﵁: " ... لتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقومنّ الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه، ولتقومنّ الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه، ولتقومنّ الساعة وقد رفع أحدكم أكلته إلى فيه فلا يطعمها" (٣).
* أحكام وفوائد:
١ - قال ابن عثيمين: "والإيمان باليوم الآخر يتضمن ثلاثة أمور:
الأول: الإيمان بالبعث وهو إحياء الموتى حين ينفخ في الصور النفخة الثانية، فيقوم الناس لرب العالمين حفاة غير منتعلين عراة غير مستترين، غرلًا غير
стр. 279
مختتنين، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤].
والبعث حق ثابت دل عليه الكتاب والسنة وإجماع المسلمين.
قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٥، ١٦] وقال النبي ﷺ : "يحشر الناس يوم القيامة حفاة غرلًا" (١).
وأجمع المسلمون على ثبوته، وهو مقتضى الحكمة حيث تقتضي أن يجعل الله تعالى لهذه الخليقة معادا يجازيهم فيه على ما كلّفهم به على ألسنة رسله قال الله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٥، ١١٦].
وقال لنبيّه ﷺ : ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥].
الثاني: الإيمان بالحساب والجزاء يحاسب العبد على عمله، ويجازى عليه، وقد دل على ذلك الكتاب، والسنة، وإجماع المسلمين.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٥، ٢٦]، وقال: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٦٠]، وقال: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧].
الثالث: الإيمان بالجنة والنار وأنهما المآل الأبدي للخلق. فالجنة دار النعيم التي أعدها الله تعالى للمؤمنين المتقين الذين آمنوا بما أوجب الله عليهم الإيمان به وقاموا بطاعة الله ورسوله، مخلصين لله متبعين لرسوله. فيها من أنواع النعيم "ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر".
стр. 280
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: ٧، ٨]، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧].
وأما النار فهي دار العذاب التي أعدها الله تعالى للكافرين الظالمين الذين كفروا به وعصوا رسله، فيها من أنواع العذاب، والنكال، ما لا يخطر على البال. قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١].
وقال: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾ [الأحزاب: ٦٦] " (١).
٢ - من ثمرات الإيمان باليوم الآخر:
قال الشيخ ابن عثيمين: "وللإيمان باليوم الآخر ثمرات جليلة منها:
الأولى: الرغبة في فعل الطاعة والحرص عليها رجاء لثواب ذلك اليوم.
الثانية: الرهبة من فعل المعصية والرضى بها خوفا من عقاب ذلك اليوم.
الثالثة: تسلية المؤمن عما يفوته من الدنيا بما يرجوه من نعيم الآخرة وثوابها" (٢).
٦١ - الإيمان بالقدر خيره وشره
هو الأصل السادس من أصول الإيمان الستة. انظر باب (القدر).
стр. 281
٦٢ - البدعة *
لغة: قال في معجم مقاييس اللغة: " (بدع) الباء والدال والعين أصلان:
أحدهما: ابتداء الشيء وصنعه لا عن مثال، والآخر: الانقطاع والكلال.
فالأول: قولهم: أبدعت الشيء قولًا أو فعلًا، إذا ابتدأته لا عن سابق مثال والله بديع السماوات والأرض.
والعرب تقول: ابتدع فلان الركي إذا استنبطه" (١).
وقال الراغب: "ومنه قيل ركية بديع أي جديدة الحفر" (٢)(٣).
ومن هذا يتبين أن البدعة تطلق لغة على الشيء المستحدث (٤).
قال الزجاج: "وكل من أنشأ ما لم يسبق إليه قيل له: أبدعت، ولهذا قيل لكل من
стр. 282
خالف السنة والإجماع مبتدع، لأنه يأتي دين الإسلام بما لم يسبقه إليه الصحابة والتابعون" (١).
وقال في الصحاح: "أبدع الشيء: اخترعه لا على مثال، والله تعالى بديع السماوات والأرض، أي مبدعهما ... والبدعة: الحدث في الدين بعد الإكمال.
واستبدعه: عده بديعًا، وبدَّعه تبديعًا: نسبه إلى البدعة" (٢).
وفي الشرع: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقد قررنا في قاعدة السنة والبدعة أن البدعة في الدين هي ما لم يشرعه الله ورسوله وهو ما لم يأمر به أمر إيجاب ولا استحباب فأما ما أمر به أمر إيجاب أو استحباب وعلم الأمر به بالأدلة الشرعية فهو من الدين الذي شرعه الله وإن تنازع أولو الأمر في بعض ذلك وسواء كان هذا مفعولا على عهد النبي أو لم يكن" (٣).
وقال ﵀: "لكن أعظم المهم في هذا الباب وغيره تمييز السنة من البدعة إذ السنة ما أمر به الشارع والبدعة ما لم يشرعه من الدين" (٤).
وقال: "والبدعة ما خالفت الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة من الاعتقادات والعبادات كأقوال الخوارج والروافض والقدرية والجهمية كالذين يتعبدون بالرقص والغناء في المساجد والذين يتعبدون بحلق اللحى وأكل الحشيشة وأنواع ذلك من البدع التى يتعبد بها طوائف من المخالفين للكتاب والسنة والله أعلم" (٥).
وقال ابن رجب: "والمراد بالبدعة ما أحدث مما لا أصل في الشريعة يدل
стр. 283
عليه وأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعا وإن كان بدعة لغة ... فكل من أحدث شيئا ونسبه إلى الدين ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه فهو ضلالة والدين بريء منه وسواء في ذلك مسائل الاعتقادات أو الأعمال أو الأقوال الظاهرة والباطنة" (١).
وقال ابن عثيمين: "والبدعة اصطلاحًا: ما أحدث في الدين على خلاف ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه من عقيدة أو عمل" (٢).
وللعلماء تعاريف مشابهة لهذا التعريف منهم على سبيل المثال الطرطوشي والعيني والسيوطي وابن حجر الهيثمي وغيرهم (٣).
والمتقدم المشهور في هذا المقام قول الشاطبي ﵀ في تعريف البدعة حيث قال: "البدعة: عبارة عن طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه، وهذا على رأي من لا يدخل العادات في معنى البدعة، وإنما يخصها بالعبادات، وأما على رأي من أدخل الأعمال العادية في معنى البدعة فيقول: البدعة: طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية" (٤).
* الدليل من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾