← Акыда

Акыда · id 603

معجم التوحيد

إبراهيم بن سعد أبا حسين

Полный текст (1 832 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

تعريف الجماعة على أنها الحق وأهله. قال عبد الله بن مسعود ﵁: "إنما الجماعة ما وافق طاعة اللهُ وإن كنت وحدك". وقال عبد الله بن المبارك ﵀ وقد سئل عن الجماعة فقال: "أبو بكر وعمر. قيل له: وقد مات أبو بكر وعمر. قال: فلان. قيل له: قد مات فلان وفلان. فقال: عبد الله بن المبارك: أبو حمزة السكري جماعة" (١). وقال أبو شامة ﵀: "وحيث جاء الأمر بلزوم الجماعة، فالمراد به لزوم الحق واتباعه، وإن كان المتمسك بالحق قليلًا، والمخالف كثيرًا؛ لأن الحق الذي كانت عليه الجماعة الأولى من النبي ﷺ وأصحابه ﵃ ولا ينظر إلى كرة أهل الباطل بعدهم" (٢). وقال ابن القيم: "وقد شذّ الناس كلهم زمن أحمد بن حنبل، إلا نفرًا يسيرًا فكانوا هم الجماعة، وكان القضاة حينئذٍ، والمفتون، والخليفة، وأتباعه كلهم شاذون، وكان الإمام أحمد وحده هو الجماعة" (٣). وبعد أن ذكرنا معنى (السنة) ومعنى (الجماعة) يتبين بوضوح أن أهل السنة والجماعة هم المتمسكون بالسنة المجتمعون عليها الذين يلزمون جماعة المسلمين وإمامهم. قال شيخ الإسلام: "فإن السنة تتضمن النص، والجماعة تتضمن الإجماع فأهل السنة والجماعة هم المتبعون للنص والإجماع" (٤). * صفات وخصائص منهج أهل السنة والجماعة: قال الشيخ ابن عثيمين: "أبرز الخصائص للفرقة الناجية هي التمسك بما كان عليه النبي ﷺ ، في العقيدة، والعبادة، والأخلاق، والمعاملة، هذه الأمور الأربعة

стр. 212

تجد الفرقة الناجية بارزة فيها" (١). ودليل ذلك حديث ابن عباس ﵂ قال: قال رسول ﷺ : "تركت فيكم ما إن اعتصمتم به لن تضلوا أبدًا كتاب الله وسنة نبيه ﷺ " (٢). ويلزم من ذلك ألا يقدم رأي أحد على سنة المصطفى ﷺ بل يقدم النقل والنص الصحيح على العقل والرأي فلا يسلك مسلك أهل الكلام في تقديم العقل على النقل بل إذا لم يوجد للمسألة نص صحيح فيُرجع إلى أقوال السلف ويستنار بفهمهم للكتاب والسنة ويُلتزم ما لزموا ولا يخوض فيما نهوا عنه ولا يجالس أهل الأهواء ولا يجادل أهل البدع بل يأتمر بما أمر الله من هجرهم وعدم مجالستهم كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨]. قال الشوكاني ﵀: "وفي هذه الآية موعظة عظيمة لمن يتمسح بمجالسة المبتدعة الذين يحرفون كلام الله ويتلاعبون بكتابه وسنة رسوله، ويريدون ذلك إلى أهوائهم المضلة وبدعهم الفاسدة فإذا لم ينكر عليهم ويغير ما هم فيه، فأقل الأحوال أن يترك مجالستهم، وذلك يسير عليه غير عسير، وقد يجعلون حضوره معهم مع تنزيهه عما يلتبسون به، شبهة يشبهون بها على العامة، فيكون في حضوره مفسدة زائدة على مجرد سماع المنكر" (٣). وقال الحسن ﵀: "لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم ولا تسمعوا منهم" (٤).

стр. 213

* نشأة مصطلح أهل السنة والجماعة: عُرف هذا اللقب أيام الصحابة حيث ظهر في تلك الأثناء الحثّ على الطاعة والجماعة. قال عبد الله بن مسعود ﵁ في إحدى خطبه: "يا أيها الناس عليكم بالطاعة والجماعة، فإنهما السبيل في الأصل إلى حبل الله الذي أمر به، وإن ما تكرهون في الجماعة خير مما تحبون في الفرقة" (١). وأخرج اللالكائي عن ابن عباس ﵄ في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران:١٠٦] قال: "فأما الذين ابيضّت وجوههم: فأهل السنة والجماعة وأولوا العلم، وأما الذين اسودّت وجوههم: فأهل البدع والضلالة" (٢). قال محمد بن سيرين ﵀: "لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم" (٣). ويظهر بهذا أنه عُرِف آخر عهد الصحابة لا سيما بعد ظهور الفرق وأهل الأهواء من الخوارج والشيعة والقدرية. * أسماء يعرف بها أهل السنة والجماعة: هناك ألقاب يعرف بها أصحاب السنة وإن اختلفت الأسماء فالمعنى واحد فأهل السنة هم أهل الحديث وهم السلف الصالح الطائفة المنصورة وهم الفرقة الناجية وهم أهل السنة والجماعة وهم الغرباء وهم وإن اختلفت أسمؤهم

стр. 214

فخصائصهم واحدة وأصولهم معروفة ثابتة ومن ألقابهم التي عرفوا بها: ١ - السلف: قال ابن فارس: "سلف: السين واللام والفاء أصل يدل على تقدم وسبق، ومن ذلك السلف الذين مضوا، والقوم السلاف: المتقدمون" (١) وقال في لسان العرب: "سَلَفَ يَسْلُفُ سُلُفًا وسُلُوفًا ... والسلف أيضا من تقدمك من آبائك وذوي قرابتك الذين هم فوقك في السن والفضل ... ولهذا سمي الصدر الأول من التابعين السلف الصلح" (٢). ومعاني السلف تدور حول التقدم والسبق، فالسلف هم الجماعة المتقدمون من الأئمة أصحاب رسول الله ﷺ ﵃ والتابعين لهم بإحسان وتابع التابعين الذين ساروا على نهجهم واقتفوا أثرهم. ويطلق السلف أيضًا على: "كل شيء قدمه العبد من عمل صالح أو ولد فرط يقدمه فهو له سلف، وقد سلف له عمل صالح، قال الله تعالى: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ﴾ [يونس:٣٠] أي جزاء ما عملت" (٣). وكل من كان على ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃ فهو منسوب إلى السلف أهل السنة والجماعة؛ لأن مذهب أهل السنة والجماعة مذهب قديم معروف، ومذهب السلف هو: ما كانوا عليه من الاعتقاد المنسوب إليهم (٤). ومن خالف ذلك كان مبتدعا عِنْدَ أهل السنة والجماعة؛ لأنهم متفقون على أن إجماع الصحابة حجة (٥).

стр. 215

* إطلاق السلفية والمراد بها: السلفية تطلق ويراد بها أحد معنيين: الأول: حقبة تاريخية معينة تختص بأهل القرون الثلاثة المتقدمة، كما في حديث: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ثم يجيء أقوام تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته" (١). قال القلشاني: "السلف الصالح وهو الصدر الأول الراسخون في العلم المهتدون بهدي النبي ﷺ الحافظون لسنته اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه وانتخبهم لإقامة دينه" (٢). وقالت اللجنة الدائمة: "السلفية نسبة إلى السلف وهم صحابة رسول الله ﷺ وأئمة الهدى من أهل القرون الثلاثة ﵃" (٣). وفائدة هذا التحديد الرجوع إلى أقوال رجال هذا الزمن وإلى فهمهم عِنْدَ الاختلاف الذي قد ينشأ فيمن بعدهم. الثاني: الطريقة التي كان عليها الصحابة والتابعون، ومن تبعهم بإحسان، من التمسك بالكتاب والسنة وتقديمهما على ما سواهما، والعمل بهما. فمن سار على ذلك وتمسك به فهو من السلف ويطلق عليه سلفي (٤). فالسلفية بالإطلاق الأول: مرحلة تاريخية انتهت بموت رجالها. من أصحاب القرون الثلاثة الأولى المباركة من الصحابة والتابعين وتابعي تابعيهم المذكورين في حديث رسول الله ﷺ : "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ... " (٥).

стр. 216

وبالإطلاق الثاني: تكون منهاجًا باقيًا إلى يوم القيامة، يصح الانتساب إليه متى التزمت شروطه وقواعده؛ لحديث: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك" (١). ٢ - الطائفة المنصورة، الفرقة الناجية: أو يقال الفرقة الناجية والمنصورة لأنهما فرقة واحدة هم أهل الحديث، أهل السنة والجماعة. قال شيخ الإسلام: "أما بعد: فهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة أهل السنة والجماعة" (٢). وقال ابن مفلح: "أهل الحديث هم الطائفة الناجية القائمون على الحق، ونص أحمد على أن أصحاب الحديث هم الطائفة في قوله ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق". ونص أيضًا على أنهم الفرقة الناجية في الحديث الآخر، كذا قال يزيد بن هارون" (٣). ودل على ذلك عدة أحاديث منها حديث: " ... "وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار، إلا ملة واحدة". قال: ومن هي يا رسول الله؟ قال: "ما أنا عليه وأصحابي"" (٤). وفي رواية: "كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة" (٥). ويدل عليه قوله ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم

стр. 217

ظاهرون" (١) وفي لفظ "ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم" (٢). وفي لفظ: "قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم" (٣). وفي لفظ: "لا يزال ناس من أمتي منصورين لا يضرهم من خذلهم حتى الساعة" (٤). قال الإمام البخاري عن علي بن المديني: "هم أصحاب الحديث" (٥). وقال عبد الله بن المبارك: "هم عِنْدَي أصحاب الحديث" (٦). وقال يزيد بن هارون: "إن لم يكونوا أصحاب الحديث فلا أدري من هم" (٧). وقال إمام أهل السنة أحمد بن حنبل: "إن لم تكن هذه الطائفة المنصورة أصحاب الحديث فلا أدري من هم" (٨). وقال السفاريني: اعلم هُديت أنه جاء الخبر ... عن النبي المقتفى خير البشر بأن ذي الأمةَ سوف تفترق ... بضعا وسبعين اعتقادا والمحق ما كان في نهج النبي المصطفى ... وصحبه من غير زيغ وجفا وليس هذا النص جزمًا يعتبر ... في فرقة إلا على أهل الأثر (٩)

стр. 218

* فائدة: النبي ﷺ لم يعيّن الفرقة الناجية إلا بالوصف، فلم يقل مثلًا: أنا وأصحابي، وإنما ذكر وصفها، وهو: ما أنا عليه وأصحابي، ولا ريب أنه هو وأصحابه أول من يدخل في هذا الوصف، بل هم الأصل الذي يعتبر به غيرهم من الناس، وهذا يعني أن النجاة لا تختص بمن تقدم، بل تشمل كل من أتى بأوصاف الفرقة الناجية، إلى أن تقوم الساعة (١). ٣ - أهل الحديث والأثر: وخُصُّوا بذلك لاشتغالهم بأحاديث الرسول ﷺ وآثار أصحابه ﵃ فالمقصود بهم الذين يعنون بحديث رسول الله ﷺ رواية ودراية، فيكونوا عالمين وعاملين مطبقين لما يتعلمونه، متبعين للسنة مجانبين للبدعة، وبهذه الأمور يتميزون عن أهل الأهواء، فأهل الحديث مرادف لأهل السنة، يقول اللالكائي: "فلم نجد في كتاب الله وسنة رسوله وآثار صحابته إلا الحث على الاتباع، وذم التكلف والاختراع، فمن اقتصر على هذه الآثار كان من المتبعين، وكان أولاهم بهذا الاسم، وأحقهم بهذا الوسم، وأخلصهم بهذا الرسم أصحاب الحديث لاختصاصهم برسول الله ﷺ واتباعهم لقوله، وطول ملازمتهم له، وتحملهم علمه ... " (٢). وقال ابنُ تَيمِيَّةَ ﵀: "ونحن لا نعني بأهل الحديث: المقتصرين على سماعه أو كتابته أو روايته بل نعني بهم: كل من كان أحق بحفظه، ومعرفته، وفهمه ظاهرًا وباطنًا، واتباعه باطنًا وظاهرًا، وكذلك أهل القرآن، وأدنى خصلة في هؤلاء محبة

стр. 219

القرآن، والحديث والبحث عنهما، وعن معانيهما، والعمل بما علموه من موجبهما ... " (١). وقال ﵀: "فهم أعلم الناس بأقواله ﷺ وأحواله، وأعظمهم تمييزًا بين صحيحها وسقيمها، وأئمتهم فقهاء فيها، وأهل معرفة بمعانيها، واتباع لها: تصديقًا، وعملًا، وحبًا وموالاة لمن والاها، وبغضًا ومعاداة لمن عاداها" (٢). وقال: "مذهب أهل الحديث وهم السلف من القرون الثلاثة الأولى ومن سلك سبيلهم من الخلف" (٣). وذكر عبد القادر الجيلاني ﵀: "أن أهل السنة لا اسم لهم إلا اسم واحد، وهو أصحاب الحديث" (٤). ويروي الخطيب عن أحمد بن سنان قال: "كان الوليد الكرابيسي خالي، فلما حضرته الوفاة قال لبنيه: تعلمون أحدا أعلم بالكلام مني؟ قالوا لا، قال: فتتهموني؟، قالوا: لا، قال: فإني أوصيكم أتقبلون؟، قالوا: نعم، قال: عليكم بما عليه أصحاب الحديث فإني رأيت الحق معهم ... " (٥). وفي ذلك قيل: دين النبي محمد أخبار ... نعم المطية للفتى آثار لا ترغبن عن الحديث وآله ... فالرأي ليل والحديث نهار (٦)

стр. 220

فأهل الحديث هم الفرقة الناجية، ودل عليه حديث الافتراق وفيه: قيل من هم؟ يا رسول الله! قال: "ما أنا عليه وأصحابي" (١). وقد صرح الإمام أحمد بأن الفرقة الناجية هي أصحاب الحديث (٢). كما صرح بذلك جمع من الأئمة الأعلام منهم ابن مفلح (٣). قال شيخ الإسلام ابنُ تَيمِيَّةَ في العقيدة الواسطية: "أما بعد فهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة أهل السنة والجماعة" (٤). فالفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة وصفان لموصوف واحد ولا فرق بينهما (٥). ٤ - الغرباء: وهم النزَّاع من القبائل الذين يصلحون إذا فسد الناس (٦). قال سفيان الثوري: "استوصوا بأهل السنة خيرًا فإنهم غرباء" (٧).

стр. 221

٥١ - أهل الفترة * [التكفير، عارض الجهل] هذا الباب له علاقة بمسألة العذر بالجهل، حيث سأبحث فيه عن مسألة: هل أهل الفترة معذورن في الآخرة أم لا؟ مع العلم أنني أفردت الكلام في باب (عارض الجهل) بمن ارتكب ناقضًا بعد إسلامه، ولم يقل أحد من الأئمة إن أهل الفترة مسلمون أو تجري عليهم أحكام المسلمين، وتقدم في باب التكفير قول ابن القيم ﵀: "أن الواجب على العبد أن يعتقد أن كل من دان بدين غير الإسلام فهو كافر ... الخ" وعلى هذا فإنه لا ينظر هل هم معذورون أم غير معذورين في أحكام الدنيا فقد خصصت العذر بالجهل بمن دخل في الإسلام ثم ارتكب ناقضًا. والفترة: قال ابن كثير ﵀: "هي ما بين كل نبيين كانقطاع الرسالة بين عيسى ﵇ ومحمد ﷺ " (١). وقال الألوسي: "أجمع المفسرون بأن الفترة هي انقطاع ما بين رسولين" (٢). كما يدخل فيها كل زمان خفيت فيه آثار الرسالة وقل دعاة العلم وظهر الجهل

стр. 222

واختفى الهدى، ويختلف ذلك باختلاف المكان والزمان. جاء في فتاوى اللجنة الدائمة أن: "من عاش في بلاد غير إسلامية، ولم يسمع عن النبي ﷺ ، ولا عن القرآن الكريم والإسلام، فهذا على تقدير وجوده، حكمه حكم أهل الفترة، يجب على علماء المسلمين أن يبلغوه شريعة الإسلام أصولًا وفروعًا، إقامة للحجة، وإعذارا إليه، ويوم القيامة يعامل معاملة من لم يكلف في الدنيا لجنونه، أو بلهه، أو صغره، وعدم تكليفه، وأما ما يخفى من أحكام الشريعة من جهة الدلالة، أو لتقابل الأدلة وتجاذبها، فلا يقال لمن خالف فيه آمن وكفر، ولكن يقال: أصاب وأخطأ" (١). قال ابن باز ﵀ في مَنْ يُعذر بجهله: "والقسم الثاني: من يعذر بالجهل كالذي ينشأ في بلاد بعيدة عن الإسلام في أطراف الدنيا، أو لأسباب أخرى كأهل الفترة ونحوهم ممن لم تبلغهم الرسالة، فهؤلاء معذورون بجهلهم، وأمرهم إلى الله ، والصحيح أنهم يمتحنون يوم القيامة فيؤمرون فإن أجابوا دخلوا الجنة، وإن عصوا دخلوا النار قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] ولأحاديث صحيحة وردت في ذلك. وقد بسط العلامة ابن القيم ﵀ الكلام في هذه المسألة في آخر كتابه "طريق الهجرتين" لما ذكر طبقات المكلفين فيراجع هناك لعظم فائدته" (٢). * أقوال العلماء: قال ابن القيم ﵀: "وأما من لم تبلغه الدعوة فليس بمكلف في تلك الحال، وهو بمنزلة الأطفال والمجانين" (٣).

стр. 223

قال الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب: "وأما من يفعل ذلك (١) جهلًا لا عنادًا وماتوا عليه قبل أن يبلغهم أنه شرك هل يحكم بإسلامهم ويرجى لهم العفو من الله والمغفرة وينفعهم استغفار الأحياء لهم؟ فهذه المسألة أحسن الأجوبة فيها أن يقال الله أعلم بهم كما قال موسى ﵇ لما قيل له: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (٥١) قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ " (٢). قال الشيخ ابن باز ﵀: "إذا مات غير المكلف بين والدين كافرين فحكمه حكمهما في أحكام الدنيا فلا يغسل ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين أما في الآخرة فأمره إلى الله سبحانه" (٣). وقال الشيخ ابن عثيمين: "إذا مات أطفال الكفار وهم لم يبلغوا سن التمييز وكان أبواهم كافرين فإن حكمهم حكم الكفار في الدنيا أي لا يغسلون ولا يكفنون ولا يصلى عليهم ولا يدفنون مع المسلمين لأنهم كفار بوالديهم .. هذا في الدنيا أما في الآخرة فالله أعلم بما كانوا عاملين وأصح الأقوال فيهم أن الله يختبرهم يوم القيامة بما يشاء من تكليف فإن امتثلوا أدخلهم الله الجنة وإن أبوا أدخلهم النار وهكذا نقول في أهل الفترة ومن لم تبلغهم الرسالات" (٤). * حكم أهل الفترة: قال ابنُ حَزْمٍ عند ذكره قول الله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾: "فنص تعالى على أن النذارة لا تلزم إلا من بلغته، لا من لم تبلغه، وأنه تعالى لا يعذب أحدًا حتى يأتيه رسول من عِنْدَ الله ،

стр. 224

فصح بذلك أنه من لم يبلغه الإسلام أصلًا فإنه لا عذاب عليه، وهكذا جاء النص عن رسول الله ﷺ أنه يؤتى يوم القيامة بالشيخ الخرف، والأصم، ومن كان في الفترة، والمجنون، فيقول المجنون: يا رب أتاني الإسلام، وأنا لا أعقل، ويقول الخرف والأصم، والذي في الفترة أشياء ذكرها، فيوقد لهم نار، ويقال لهم: أدخلوها، فمن دخلها وجدها بردًا وسلامًا. وكذلك من لم يبلغه الباب من واجبات الدين، فإنه معذور لا ملامة عليه" (١). ويقول الشاطبي: "جرت سنته سبحانه في خلقه، أنه لا يؤاخذ بالمخالفة إلا بعد إرسال الرسل، فإذا قامت الحجة عليهم، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، ولكل جزاء مثله" (٢). قال ابنُ تَيمِيَّةَ: "والذي عليه السلف والأئمة أن الله تعالى لا يعذب إلا من بلغه الرسالة، ولا يعذب إلا من خالف الرسل كما دل عليه الكتاب والسنة، ومن لم تقم عليه الحجة في الدنيا بالرسالة كالأطفال، والمجانين وأهل الفترات، فهؤلاء فيهم أقوال، أظهرها ما جاءت به الآثار أنهم يمتحنون يوم القيامة، فيبعث إليهم من يأمرهم بطاعته، فإن أطاعوه استحقوا الثواب، وإن عصوه استحقوا العذاب" (٣). والقول بأنهم يمتحنون حكاه الأشعري عن جمهور السلف (٤). وممن قال به المروزي (٥)، والبيهقي (٦)، وابن كثير ونصره ابن القيم وقال: "وبهذا يتألف شمل

стр. 225

الأدلة كلها وتتوافق الأحاديث" (١). وقال ابن كثير: "وهذا القول يجمع بين الأدلة كلها، وقد صرحت به الأحاديث المتقدمة المتعاضدة الشاهد بعضها لبعض" (٢). وقد قيل في حكمهم غير ذلك، فمنهم من قطع لهم بالجنة، ومنهم من قطع لهم بالنار ومنهم من توقف والقول بأنهم يمتحنون يجمع بين الأدلة ويدفع عنها التناقض. وقال شيخ الإسلام ابنُ تَيمِيَّةَ ﵀: "وهذا التفصيل يذهب الخصومات التي كره الخوض فيه لأجلها من كرهه، فإن من قطع لهم بالنار كلهم، جاءت نصوص تدفع قوله، ومن قطع لهم بالجنة كلهم جاءت نصوص تدفع قوله ... " (٣). وممن اختار القول بأنهم يُمتحنون الشيخ ابن باز، قال: "وهذا القول هو أصح الأقوال في أهل الفترة ونحوهم ممن لم تبلغهم الدعوة الإلهية وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم وجماعة من السلف والخلف - رحمة الله عليهم جميعًا - " (٤). واختاره أيضًا الشنقيطي في أضواء البيان (٥) وبه أفتت اللجنة الدائمة (٦)، والشيخ محمد بن عثيمين (٧). وقال الشنقيطي ﵀: "والتحقيق أنهم معذورون بالفترة في الدنيا، وأن الله يوم القيامة يمتحنهم بنار يأمرهم باقتحامها، فمن اقتحمها دخل الجنة، وهو الذي كان

стр. 226

يصدق الرسل لو جاءته في الدنيا، ومن امتنع دخل النار وعذب فيها، وهو الذي كان يكذب الرسل لو جاءته في الدنيا؛ لأن الله يعلم ما كانوا عاملين لو جاءتهم الرسل" (١). * تنبيه: حكم أهل الفترة لا ينطبق على بلاد سمع أهلها بالدعوة إلى الإسلام. جاء في فتاوى اللجنة الدائمة: "ومن عاش في بلادء فيها بالدعوة إلى الإسلام وغيره، ثم لا يؤمن ولا يطلب الحق من أهله، فهو في حكم من بلغته الدعوة الإسلامية، وأصر على الكفر" (٢). والمستند في ذلك حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار" وهذه الأحكام تتعلق بمن لم يدخل الإسلام أصلًا.

стр. 227

٥٢ - الأوثان * [الصنم - النصب] الأوثان لغة: جمع وثن. قال ابن الأثير: الوثن كل ما له جثة معمولة من جواهر الأرض أو من الخشب والحجارة كصورة الآدمي تعمل وتنصب فتعبد. والصنم: الصورة بلا جثة. ومنهم من لم يفرق بينهما، وأطلقهما على المعنيين. وقد يُطلق الوثن على غير الصورة (١). وقيل: هو المعبود الذي لا صورة له كالقبور والأشجار والأحجار ونحوها. * الدليل من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠]، وقال عز من قائل: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا﴾ [العنكبوت:١٧]، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [العنكبوت ٢٥]. * الدليل من السنة: عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَلْحَقَ قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِي بِالْمُشْرِكِينَ وَحَتَّى يَعْبُدُوا الأَوْثَانَ وَإِنَّهُ سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي ثَلاثُونَ كَذَّابُونَ كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ لا نَبِيَّ بَعْدِي" (٢).

стр. 228

عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لا يَذْهَبُ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ حَتَّى تُعْبَدَ اللاتُ وَالْعُزَّى" فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ كُنْتُ لأظُنُّ حِينَ أَنْزَلَ اللهُ ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ أَنَّ ذَلِكَ تَامٌ، قَالَ: "إِنَّهُ سَيَكُونُ مِنْ ذَلِكَ شَاءَ اللهُ ثُمَّ يَبْعَثُ اللهُ رِيحًا طَيِّبَةً فَتَوَفَّى كُلَّ مَنْ فِي قَلْبهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ من خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ فَيَبْقَى مَنْ لا خَيْرَ فِيهِ فَيَرْجِعُونَ إِلَى دِينِ آبَائِهِمْ" (١). * أقوال العلماء: يقول الشيخ السعدي: "فإن الوثن اسم جامع لكل ما عُبد من دون الله لا فرق بين الأشجار والأحجار والأبنية، ولا بين الأنبياء والصالحين والطالحين في هذا الموضع وهو العبادة فإنها حق الله وحده، فمن دعا الله أو عبده فقد اتخذه وثنًا وخرج بذلك عن الدين، ولم ينفعه انتسابه إلى الإسلام، فكم انتسب إلى الإسلام من مشرك وملحد وكافر منافق. والعبرة بروح الدين وحقيقته لا بمجرد الأسامي والألفاظ التي لا حقيقة لها" (٢). وهل الناس كلهم يقعون في عبادة الأوثان (٣)؟ انظر باب (جزيرة العرب)، حديث "إن الشيطان ... " وكلام أهل العلم عنه. الفرق بين الصنم والوثن: انظر باب: "صنم".

стр. 229

٥٣ - أوثق عرى الإيمان فيه حديث ابن عباس ﵄ حين سأل أبو ذر: أي عُرى الإيمان أظنه قال: أوثق. قال الله ورسوله أعلم. قال: "الموالاة في الله والمعاداة في الله، والحب في الله، والبغض في الله" (١)، وسيأتي الكلام عنها إن شاء الله في باب (الحب في الله). ٥٤ - إيقاد السرج على القبور * اتخاذ السرج على القبور سواء أكان ذلك بإيقاد الشموع أو القناديل أو إيقاد غيرها منهي عنه، وكذلك جاء النهي عن اتباع الميت بنار (٢) حين تشييعه إلى قبره لأنه وسيلة إلى تعظيمهم والغلو فيهم. * الدليل من السنة: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ زَائِرَاتِ الْقُبُورِ وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ" (٣). * أقوال العلماء: قال ابن قدامة ﵀: "لو أبيح اتخاذ السرج عليها - يعني القبور - لم يلعن النبي

стр. 230

- ﷺ من فعله، ولأن فيه تضييعا للمال في غير فائدة، وإفراطا في تعظيم القبور، أشبه بتعظيم الأصنام" (١). وقال العلامة ابن الحاج المالكي: "نهى ﵊ عن أن يتبع الميت بنار حين تشييعه إلى قبره لأنه تفاؤل رديء وهؤلاء - أي المسرجون على القبور - يوقدون الشموع وغيرها عِنْدَه، مع ما يوقدونه من الأحطاب لطعامهم. اللهم عافنا من قلب الحقائق" (٢). * حكمه: يتبين من الحديث السابق تحريم إيقاد السرج على القبور. قال ابن القيم ﵀ "والمقصود: أن هؤلاء المعظمين للقبور، المتخذينها أعيادًا، الموقدين عليها السرج الذين يبنون عليها المساجد والقباب. مناقضون لما أمر به رسول الله ﷺ ، محادون لما جاء به. وأعظم ذلك اتخاذها مساجد، وإيقاد السرج عليها. وهو من الكبائر. وقد صرح الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم بتحريمه" (٣). وعدّ ابن حجر الهيتمي الإسراج على القبور تعظيما وتبركًا بها من الكبائر، واستدل بما في الحديث من لعن من اتخذ على القبر سُرجًا، ثم ذكر عن بعض علماء الحنابلة أنه قال: "يجب إزالة كل قنديل أو سراج على القبر ولا يصح وقفه ونذره" (٤).

стр. 231

قال ابن حجر الهيتمي: "صرح أصحابنا بحرمة السراج على القبر وإن قل، حيث لم ينتفع به مقيم ولا زائر، وعللوه بالإسراف وإضاعة المال، والتشبه بالمجوس، فلا يبعد في هذا أن يكون كبيرة" (١). أسباب المنع من إيقاد السرج: ذكر الشيخ الألباني ﵀ أسبابًا للمنع منها: أولًا: كونها بدعة محدثة لا يعرفها السلف الصالح، وقد قال ﷺ : كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار (٢). ثانيًا: أن فيه إضاعة للمال وهو منهي عنه بالنص. ثالثًا: أن فيه تشبهًا بالمجوس عباد النار (٣).

стр. 232

٥٥ - الإيمان * الإيمان في اللغة: مصدر من آمن يؤمن إيمانًا فهو مؤمن وهو مشتق من الأمن. قال ابن بطة: "الإيمان اسم ومعناه التصديق" (١). وقال الجوهري: "الإيمان: التصديق" (٢). وكذلك قال ابن منظور (٣)، والرازي (٤)

стр. 233

في مختار الصحاح. وقد انتقد شيخ الإسلام ابن تيمية من جعل الإيمان مجرد التصديق ورد عليهم من وجوه كثيرة فكان مما قال ﵀: "وليس لفظ الإيمان مرادفًا للفظ التصديق كما يظنه طائفة من الناس فإن التصديق يستعمل في كل خبر" (١). وقال أيضًا: " ... فإن الإيمان مشتق من الأمن، فإنما يستعمل في خبر يؤتمن عليه المخبر كالأمر الغائب الذي يؤتمن عليه المخبر ... فاللفظ متضمن مع التصديق معنى الائتمان أو الأمانة، كما يدل عليه الاشتقاق والاستعمال، ولهذا قالوا: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف:١٧]، أي لا تقرّ بخبرنا ولا تثق به، ولا تطمئن إليه ولو كنا صادقين، لأنهم لم يكونوا عنده ممن يؤتمن على ذلك، فلو صدقوا لم يأمن لهم ... " (٢). وقال ابن القيم ﵀: "فإن الإيمان ليس مجرد التصديق وإنما هو التصديق المستلزم للطاعة والانقياد" (٣). وقال الراغب الأصفهاني في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾، قيل معناه: "بمصدق لنا، إلا أن الإيمان هو التصديق الذي معه أمن" (٤). فمعنى الآية ما أنت بمصدق لنا التصديق الجازم الذي يتبعه عمل وهو عدم المؤاخذة بفعلهم، فلم يعطهم الأمن. فيكون معنى الإيمان في اللغة: التصديق

стр. 234

الجازم المستلزم للعمل الذي يكون معه أمن. والتصديق في اللغة إما أن يكون تصديقًا لخبر، وإما أن يكون تصديقًا لإنشاء، والإنشاء هو الأمر والنهي، فتصديق الأخبار بِاعتقادها وتصديق الأوامر والنواهي بِامتثال الأمر وبِالابتعاد عن النهي، قال جل وعلا في سورة الصافات ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات: ١٠٣، ١٠٥] فلما ابتدأ في العمل صار مصدقا للرؤيا. قال ابن نصر المروزي في معنى التصديق: "هو المعرفة بِالله، والاعتراف له بِالربوبِية، بِوعده، ووعيده، وواجبِ حقه، وتحقيق ما صدق بِه من القول والعمل" (١). والإيمان إذا عُدي بِاللام فإنه يكون بِالمعنى اللغوي الذي سبق بيانه كقوله تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت:٢٦]، وأما إذا عدي بِالباء فيراد بِه المعنى الشرعي كقول الله ﷻ : ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:٢٨٥]، وقوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٦]، وقوله تعالى: ﴿آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا﴾ [النساء:٤٧]، والآيات في هذا كثيرة. والمعنى الشرعي: ما أجمع عليه السلف من أنه قول وعمل واعتقاد. قال ابن رجب - رحمه الله تعالى -: "المشهور عن السلف وأهل الحديث أن الإيمان قول وعمل ونية، وأن الأعمال كلها داخلة في مسمى الإيمان، وحكى الشافعي على ذلك إجماع الصحابة والتابِعين ومن بعدهم ممن أدركهم، وأنكر السلف على من أخرج الأعمال عن الإيمان إنكارًا شديدًا ... " (٢)

стр. 235

وقال الثوري: "هو رأي محدث أدركنا السلف على غيره" (١). وقال ابن جرير: "والإيمان كلمة جامعة للإقرار بالله وكتبه ورسله وتصديق الإقرار بالفعل" (٢). قال أبو عبيد: "اعلم رحمك الله أن أهل العلم والعناية بِالدين افترقوا في هذا الأمر فرقتين: فقالت إحداهما: الإيمان بِالإخلاص له بِالقلوبِ وشهادة الألسنة وعمل الجوارح. وقالت الفرقة الأخرى: بل الإيمان بِالقلوبِ والألسنة، فأما الأعمال فإنما هي تقوى وبِر، وليست من الإيمان. وإذا نظرنا في اختلاف الطائفتين، فوجدنا الكتاب والسنة يصدقان الطائفة التي جعلت الإيمان بِالنية والقول والعمل جميعًا، وينفيان ما قالت الأخرى" (٣). وعرفه القاضي أبو يعلى فقال: "هو جميع الطاعات الباطنة والظاهرة، فالباطنة أعمال القلبِ، وهو تصديق القلبِ والظاهرة هي أفعال البدن الواجبات والمندوبات" (٤). ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: "ومن هذا البابِ أقوال السلف وأئمة السنة في الإيمان، فتارة يقولون: هو قول وعمل، وتارة يقولون: هو قول وعمل ونية، وتارة يقولون: قول وعمل ونية واتباع السنة، وتارة يقولون قول بِاللسان واعتقاد بِالقلبِ، وعمل بِالجوارح، وكل هذا صحيح، فإذا قالوا: قول

стр. 236

وعمل، فإنه يدخل في القول قول القلب واللسان جميعا، وهذا هو المفهوم من لفظ القول والكلام، ونحو ذلك إذا أطلق" (١). وقال الإمام ابن القيم: "الإيمان هو حقيقة مركبة من معرفة ما جاء بِه الرسول ﷺ علمًا، والتصديق بِه عقدًا، والإقرار بِه نطقًا، والانقياد له محبة وخضوعًا، والعمل بِه باطنًا وظاهرًا، وتنفيذه والدعوة إليه بِحسبِ الإمكان" (٢). وقال الإمام السعدي: "الإيمان وهو الإقرار والتصديق الجازم بكل ما أخبر الله به ورسوله، الموجب لأعمال القلوب، ثم تتبعها أعمال الجوارح" (٣). وينبني على معرفة المعنى الشرعي أن التكفير يكون بالاعتقاد ويكون بالقول ويكون بالعمل وأن ترك العمل كفر وأن الإيمان يزيد وينقص. * الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧]. وقد سأل الصحابِي الجليل أبو ذر ﵁ النَّبيَّ ﷺ عن الإيمان، فتلا هذه الآية حتى فرغ منها. قال: ثم سأله أيضًا فتلاها، ثم سأله أيضًا فتلاها، ثم سأله فقال: "وإذا عملت حسنة أحبها قلبك وإذا عملت سيئة أبغضها قلبك" (٤).

стр. 237

* أحكام وفوائد: ١ - العلاقة بين الإسلام والإيمان: قال ابن قاسم: "الإيمان وصف أعلى من وصف الإسلام، لأنه مشتق من الأمن، فهو من الأمور الباطنة الذي يؤتمن عليه، ويكون خفية، والإسلام من الأمور المدركة بالحواس المحسوسة في الظاهر مشتق من التسليم، أو المسالمة كما تقدم، فإذا أطلق الإيمان في النصوص دخل فيه الإسلام، وإذا أطلق الإسلام لم يدخل فيه الإيمان، ومن أثبت له الإيمان في النصوص فإنه ثابِت له الإسلام، والمسلم لا بد أن يكون معه إيمان يصحح إسلامه، وإلا كان منافقًا، ولكن لا يستحق أن يمدح بِه ويثنى عليه، بل إيمانه ناقص، ويأتي تمثيله. والإيمان الشرعي: قول وعمل، قول القلبِ واللسان، وعمل القلبِ واللسان والجوارح، ويزيد بِالطاعة وينقص بِالمعصية، فدخل فيه جميع المأمورات، سواء كان من الواجبات، أو المستحبات، ودخل فيه ترك جميع المنهيات، سواء كان ذلك المنهي ينافي أصول الدين بِالكلية أو لا، فإن تعريفه المذكور يشمل ذلك، فما من خصلة من خصال الطاعات، إلا وهي من الإيمان، ولا ترك محرم من المحرمات، إلا وهو من الإيمان" (١). وقد فرَّق النبي ﷺ بين مسمى الإسلام وبين مسمى الإيمان وبين مسمى الإحسان في حديث جبريل ﵇ وبِه وبِغيره من الأحاديث نفهم أن الإسلام والإيمان إذا اجتمعا، فسر الإسلام بِالأمور الظاهرة من الأعمال، وفسر الإيمان بِالأمور الباطنة من الاعتقاد. وإذا افترقا، فسر أحدهما بِما يفسر بِه الآخر، بِمعنى أن الإسلام يفسر بِالاعتقاد والأعمال، كما يفسر بِه بِمثل ذلك الإيمان أيضًا. وانظر هذه المسألة في باب (الإسلام)، فقد توسعتُ في توضيحها هناك.

стр. 238

٢ - أركان الإيمان: أركان الإيمان ستة أن تؤمن بِالله، وملائكته، وكتبِه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وسوف نفرد لكل ركن منها بحثًا خاصًا إن شاء الله، فلتراجع في أبوابها. ٣ - ثمرات الإيمان: عقد ابن سعدي في خلاصة التفسير فصلًا خاصًا بثمرات الإيمان فيراجع هناك (١). ٤ - زيادة الإيمان ونقصانه: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، هو عقيدة أهل السنة والجماعة، وهو ما دلت عليه نصوص الكتابِ والسنة وإجماع السلف الصالح قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢]. وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]. قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة:١٢٤]. قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤]. * الدليل من السنة: عَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي أَضْحَى أَوْ فِطْرٍ إِلَى الْمُصَلَّى فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي أُرِيتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ" فَقُلْنَ: وَبِمَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ" قُلْنَ: وَمَا نُقْصَانُ دِينِنَا وَعَقْلِنَا يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: "أَليْسَ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ" قُلْنَ: بَلَى، قَالَ: "فَذَلِكِ مِنْ نُقْصانِ عَقْلِهَا، أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ

стр. 239

تَصُمْ؟ " قُلْنَ: بَلَى، قَالَ: "فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا" (١). قال إسحاق بن إبراهيم بن هانئ: سألت الإمام أحمد عن الإيمان ما نقصانه قال: نقصانه قول النبي ﷺ : "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن " (٢) (٣). وفي حديث أبِي هريرة ﵁ المتفق عليه، قال: قال رسول الله ﷺ : "الإيمان بِضع وستون - وفي رواية مسلم: بِضع وسبعون شعبة - فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان" (٤). وعن أبِي سعيد الخدري ﵁ أن النبِي ﷺ قال: "يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، ثم يقول الله تعالى: أخرجوا من كان في قلبِه مثقال حبة من خردل من إيمان" (٥). * أقوال العلماء: أ - أقوال الصحابة ﵃ في الإيمان قول معاذ بِن جبل لرجل: "اجلس بنا نؤمن ساعة" (٦) يعني ندكر الله . وقال أبو هريرة ﵁: "الإيمان يزداد وينقص" (٧). وقد ثبت هذا أيضًا عن ابن عباس وأبي الدرداء ﵃ كلهم قالوا: "الإيمان يزيد

стр. 240

وينقص" (١). وعن عمير بن حبيب ﵁ قال: "الإيمان يزيد وينقص، قيل له: ما زيادته ونقصانه؟ قال: إذا ذكرنا الله خشيناه فذلك زيادته، وإذا غفلنا ونسينا وضيّعنا فذلك نقصانه" (٢). وقال جندب ﵁: "كنا مع رسول الله ﷺ فكنا فتيانًا حزاورة (٣) فتعلمنا الإيمان، ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيمانًا" (٤). ب - أقوال التابعين: جاء عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] قال: "ليزداد إيماني" (٥). وروى الآجري بسنده أنه قال لسفيان بن عيينة: "الإيمان يزيد وينقص؟ قال: أليس تقرؤون القرآن: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران: ١٧٣] في غير موضع، قيل: ينقص؟ قال: ليس شيء يزيد إلا وهو ينقص" (٦). وروى الآجري واللالكائي عن الحميدي، أنه قال: سمعت ابن عيينة يقول: "الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، فقال له أخوه إبراهيم بن عيينة يا أبا محمد، لا تقولن يزيد وينقص، فغضب وقال: اسكت يا صبي، بل ينقص حتى لا يبقى منه شيء" (٧).

стр. 241

وقال سهل بن المتوكل رحمه الله تعالى: "أدركت ألف أستاذ أو أكثر كلّهم يقولون: الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص" (١). وعن الأوزاعي رحمه الله تعالى قال: "الإيمان قول وعمل ويزيد ينقص، فمن زعم أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص فاحذروه فإنه مبتدع" (٢). وقال البغوي: "وقالوا: إن الإيمان قول وعمل وعقيدة، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية على ما نطق به القرآن في الزيادة، وجاء في الحديث بالنقصان في وصف النساء" (٣). وقال الحليمي: "ومما يدل على أن الإيمان يزيد وينقص قول النبي ﷺ للنساء: "إنكن ناقصات عقل ودين"" (٤). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والقرآن قد نطق بالزيادة في غير موضع، ودلت النصوص على نقصه، كقوله ﷺ : "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" ونحو ذلك، لكن لم يعرف اللفظ إلا في قوله في النساء: "ناقصات عقل ودين" وجعل من نقصان دينها أنها إذا حاضت لا تصوم ولا تصلي، وبهذا استدل غير واحد على أنه ينقص" (٥). وقال في موضع آخر: "وهذا النقصان ليس هو نقص مما أمرت، فلا تعاقب على هذا النقصان، لكن من أمر بالصلاة والصوم ففعله، كان دينه كاملًا بالنسبة إلى هذه الناقصة الدين" (٦).

стр. 242

* موقف الإمام مالك ﵀ من القول بنقص الإيمان: عن إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس قال: سئل مالك الإيمان: يزيد وينقص؟ فقال: يزيد وذلك في كتاب الله، فقيل له: وينقص يا أبا عبد الله؟ قال: ولا أزيد أن أبلغ هذا. وعن عبد الرحمن بن القاسم قال: كان مالك يقول: الإيمان يزيد، وتوقف في النقصان، وقال: ذكر الله زيادته في غير موضع، فدع الكلام في نقصانه، وكف عنه (١). وقد تكلم شيخ الإسلام ابن تيمية عن رواية الإمام مالك هذه فقال: "ولهذا أهل السنة والحديث على أنه يتفاضل، وجمهورهم يقولون: يزيد وينقص، ومنهم من يقول: يزيد، ولا يقول: ينقص، كما روي عن مالك في إحدى الروايتين" (٢). وذكر سبب ذلك فقال: "إنه توقف عن القول بالنقصان لعدم ذكر النقص في القرآن وأن الله لم ينص إلا على زيادته ... وكان بعض الفقهاء من أتباع التابعين لم يوافقوا في إطلاق النقصان عليه؛ لأنهم وجدوا ذكر الزيادة في القرآن، ولم يجدوا ذكر النقص وهذا إحدى الروايتين عن مالك، والرواية الأخرى عنه، وهو المشهور عند أصحابه كقول سائرهم: إنه يزيد وينقص" (٣). وبهذا تعلم أن زيادة الإيمان قال به جميع أهل السنة وكذلك نقص الإيمان قال به عامة أهل السنة ومن توقف فيها فإنه رجع إلى القول بأنه ينقص قال الإمام عبد الرزاق: "سمعت سفيان الثوري ومعمر وابن جريج ومالك بن أنس وسفيان بن عيينة يقولون: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص. فقلنا لعبد الرزاق فما تقول

стр. 243

أنت؟ فقال: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص فإن لم أقل هذا فقد ضللت إذًا وما أنا من المهتدين" (١). وقال الشيخ ابن عثيمين: "وقد ثبت لفظ الزيادة والنقص منه عن الصحابة ولم يُعرف منهم مخالف فيه وجمهور السلف على ذلك قال ابن عبد البر: وعلى أن الإيمان يزيد وينقص جماعة أهل الآثار والفقهاء أهل الفتيا في الأمصار وذكر عن مالك روايتين في إطلاق النقص إحداهما التوقف والثانية موافقة الجماعة" (٢). ٥ - السلف يعدّون من أنكر زيادة الإيمان ونقصانه من المرجئة: ذكر البيهقي بإسناده عن الثوري، أنه قال: "خالفَنا المرجئةُ في ثلاث: نحن نقول: الإيمان قول وعمل، وهم يقولون: قول بلا عمل، ونحن نقول: يزيد وينقص، وهم يقولون: لا يزيد ولا ينقص؛ ونحن نقول: أهل القبلة عندنا مؤمنون، أما عند الله فالله أعلم، وهم يقولون: نحن عند الله مؤمنون" (٣). ٦ - الإيمان يتبعض: يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما قول القائل: إن الإيمان إذا ذهب بعضه ذهب كله. فهذا ممنوع، وهذا هو الأصل الذي تفرعت منه البدع في الإيمان فإنهم ظنوا أنه متى ذهب بعضه ذهب كله لم يبق منه شيء. ثم قالت الخوارج والمعتزلة: هو مجموع ما أمر الله به ورسوله، وهو الإيمان المطلق كما قاله أهل الحديث، قالوا فإذا ذهب شيء منه لم يبق مع صاحبه من الإيمان شيء فيخلد في النار وقالت المرجئة على اختلاف فرقهم: لا تذهب الكبائر وترك الواجبات الظاهرة شيئًا من الإيمان إذ لو ذهب شيء منه لم يبق منه شيء فيكون شيئًا واحدًا يستوي فيه البر

стр. 244

والفاجر، ونصوص الرسول وأصحابه تدل على ذهاب بعضه وبقاء بعضه كقوله: "يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان"" (١). ٧ - صلة العمل بالإيمان: تبين لنا من التعريف الشرعي أن العمل يرتبِط بِالإيمان ارتباطًا وثيقًا. وزيادة في الإيضاح نقول: إن العمل ركن من أركان الإيمان فلا تقوم حقيقة الإيمان إلا بِعمل، ومعلوم أن الركن هو الذي تقوم بِه الماهية وكما أن الممتنع عن كلمة التوحيد لا يصير مؤمنا، كذلك الممتنع عن العمل لا يصير مؤمنًا. وقد أجمع السلف على أن العمل من الإيمان. فمن لم يأتِ بعمل فهو كافر أن من انتفى في حقه الاعتقاد فهو كافر أو انتفى في حقه القول فهو كافر لأن الإيمان عند أهل السنة والجماعة لا يكون إلا باعتقاد وقول وعمل ومن زال عنه واحد من الثلاثة فإنه يزول عنه أصل الإيمان. قال الشافعي ﵀: "وكان الإجماع من الصحابة والتابِعين من بعدهم ممن أدركناهم أن الإيمان قول، وعمل، ونية، لا يجزئ واحد من الثلاثة إلا بالآخر" (٢). وقال البغوي ﵀: "اتفقت الصحابة والتابِعون، فمن بعدهم من علماء السنة على أن: الأعمال من الإيمان"، ثم قال أيضًا: "وقالوا الإيمان قول وعمل وعقيدة" (٣). وقال الإمام أبو حاتم الرازي وأبو زرعة: "أدركنا العلماء في جميع الأمصار ... فكان مذهبِهم أن الإيمان قول وعمل" (٤). وقال محمد بِن الحسين الآجري ﵀: "اعلموا رحمنا الله وإياكم أن الذي عليه

стр. 245

علماء المسلمين: أن الإيمان واجب على جميع الخلق، وهو تصديق بِالقلبِ وإقرار بِاللسان وعمل بِالجوارح" (١). وقال محمد بِن أبِي حاتم سمعت الإمام البخاري قبل موته بِشهر يقول: "كتبت عن ألف وثمانين رجلا ليس فيهم إلا صاحب حديث كانوا يقولون: الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص" (٢). فالسلف ﵏ رأوا أن الإيمان هو هذه الأمور الثلاثة: "اعتقاد بِالجنان وقول بِاللسان وعمل بِالأركان" وأن الأعمال كلها داخلة في مسمى الإيمان. وقد نقل الإجماع عنهم على هذا التعريف أبو عبيد القاسم بن سلام (٣) والشافعي (٤) والبخاري (٥) واللالكائي (٤) والبغوي (٦) وابن عبد البر (٧) وغيرهم وهذا الإجماع منهم مبني على أدلة صريحة من الكتابِ والسنة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والمقصود هنا أن من قال من السلف: الإيمان قول وعمل، أراد قول القلبِ واللسان وعمل القلبِ والجوارح ومن أراد الاعتقاد رأى أن لفظ القول لا يفهم منه إلا القول الظاهر، أو خاف ذلك فزاد الاعتقاد بِالقلبِ، ومن قال: قول وعمل ونية، قال: القول يتناول الاعتقاد وقول اللسان، وأما العمل فقد لا يفهم منه النية، فزاد ذلك، ومن زاد اتباع السنة فلأن ذلك كله لا يكون محبوبا لله إلا بِاتباع السنة، وأولئك لم يريدوا كل قول وعمل، وإنما أرادوا ما

стр. 246

كان مشروعا من الأقوال والأعمال، ولكن كان مقصودهم الرد على المرجئة الذين جعلوه قولا فقط، فقالوا: بل هو قول وعمل والذين جعلوه أربعة أقسام فسروا مرادهم، كما سئل سهل بن عبد الله التستري عن الإيمان ما هو؟ فقال: "قول وعمل ونية وسنة"؛ لأن الإيمان إذا كان بِلا عمل فهو كفر، وإذا كان قولا وعملا بِلا نية فهو نفاق، وإذا كان قولًا وعملًا ونية بِلا سنة فهو بِدعة" (١). وقال ابن القيم ﵀: "ومما يبين ذلك أن الإقرار بالصانع مع خلو القلب عن محبته والخضوع له وإخلاص الدين له لا يكون نافعًا بل الإقرار به مع الإعراض عنه وعن محبته وتعظيمه والخضوع له أعظم استحقاقا للعذاب فلا بد أن يكون للفطرة مقتض للعلم ومقتض للمحبة" (٢). وقال أيضًا: "وها هنا أصل آخر، وهو أن حقيقة الإيمان مركبة من قول وعمل. والقول قسمان: قول القلبِ وهو الاعتقاد، وقول اللسان وهو التكلم بِكلمة الإسلام. والعمل قسمان: عمل القلبِ وهو نيته وإخلاصه، وعمل الجوارح. فإذا زالت هذه الأربعة زال الإيمان بِكماله، وإذا زال تصديق القلبِ لم تنفع بقية الأجزاء، فإن تصديق القلبِ شرط في اعتقادها وكونها نافعة. وإذا زال عمل القلبِ مع اعتقاد الصدق، فهذا موضع المعركة بين المرجئة وأهل السنة. فأهل السنة مجمعون على زوال الإيمان وأنه لا ينفع التصديق مع انتفاء عمل القلبِ وهو محبته وانقياده، كما لم ينفع إبليس وفرعون وقومه واليهود والمشركين الذين كانوا يعتقدون صدق الرسول، بل ويقرون بِه سرا وجهرا ويقولون: ليس بِكذابِ، ولكن لا نتبعه، ولا نؤمن بِه. وإذا كان الإيمان يزول بِزوال عمل القلبِ فغير مستنكر أن يزول بِزوال أعظم أعمال الجوارح، ولا سيما إذا كان ملزوما لعدم محبة القلبِ

стр. 247

وانقياده الذي هو ملزوم لعدم التصديق الجازم كما تقدم تقريره، فإنه يلزم من عدم طاعة القلبِ عدم طاعة الجوارح، إذ لو أطاع القلب وانقاد أطاعت الجوارح وانقادت، ويلزم من عدم طاعته وانقياده عدم التصديق المستلزم للطاعة وهو حقيقة الإيمان، فإن الإيمان ليس مجرد التصديق - كما تقدم بيانه - وإنما هو التصديق المستلزم للطاعة والانقياد، وهكذا الهدى ليس هو مجرد معرفة الحق وتبينه، بل هو معرفته المستلزمة لاتباعه والعمل بِموجبِه، وإن سمى الأول هدى فليس هو الهدى التام المستلزم للاهتداء، كما أن اعتقاد التصديق وإن سمى تصديقا فليس هو التصدق المستلزم للإيمان. فعليك بِمراجعة هذا الأصل ومراعاته" (١). وقد جاء عن السلف أن من ترك العمل المجزئ في الإيمان أنه كافر، وأن من قال بأن الإيمان هو الإقرار وأنه لا يوجد قدر مجزئ من العمل يُدخله في الإيمان فهو مرجئ. فعن معقل بن عبيد الله العبسي قال: "قدم علينا سالم الأفطس بِالإرجاء فعرضه قال: فنفر منه أصحابنا نفارًا شديدًا ... قال فجلست إلى نافع فقلت له: إنهم يقولون: نحن نقر بِأن الصلاة فريضة ولا نصلي، وأن الخمر حرام ونحن نشربها وأن نكاح الأمهات حرام ونحن نفعل. قال: فنتر يده من يدي ثم قال: من فعل هذا فهو كافر" (٢). وقال عبد الله بن أحمد: حدثنا سويد بن سعيد الهروي قال: "سألنا سفيان بن عيينة عن الإرجاء. فقال: يقولون الإيمان قول وعمل، والمرجئة أوجبوا الجنة لمن شهد أن لا إله إلا الله مصرًا بقلبه على ترك الفرائض وسمّوا ترك الفرائض ذنبا بمنزلة ركوب المحارم، وليسا بسواء لأن ركوب المحارم من غير استحلال

стр. 248

معصية، وترك الفرائض متعمدًا من غير جهل ولا عذر هو كفر" (١). وفي السنة للخلال قال الحميدي: "أخبرت أن قومًا يقولون: إن من أقر بالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، ولم يفعل من ذلك شيئًا حتى يموت أو يصلي مسند ظهره مستدبر القبلة حتى يموت فهو مؤمن ما لم يكن جاحدا إذا علم أن تركه ذلك فيه إيمانه إذا كان يقر الفروض واستقبال القبلة، فقلت: هذا الكفر بالله الصراح وخلاف كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وفعل المسلمين. قال حنبل: قال أبو عبد الله أحمد بن حنبل: من قال هذا فقد كفر بالله، ورد على الله أمره وعلى الرسول ما جاء به" (٢). وقال الإمام أبو ثور: "فأما الطائفة التي زعمت أن العمل ليس من الإيمان فيقال لهم: ما أراد الله من العباد إذ قال لهم: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣]؟ الإقرار بذلك، أو الإقرار والعمل؟ فإن قالت: إن الله أراد الإقرار ولم يرد العمل فقد كفرت عند أهل العلم (٣) من قال: إن الله لم يرد من العباد أن يصلوا ولا يؤتوا الزكاة. فإن قالت: أراد منهم الإقرار والعمل. قيل: فإذا أراد منهم الأمرين جميعًا، لم زعمتم أنه يكون مؤمنًا بأحدهما دون الآخر؟ وقد أرادهما جميعًا. أرأيتم لو أن رجلًا قال: أعمل جميع ما أمر الله ولا أقر به أيكون مؤمنًا؟. فإن قالوا: لا. قيل لهم: فإن قال: أقر بجميع ما أمر الله به ولا أعمل منه شيئًا، أيكون مؤمنًا؟.

стр. 249

فإن قالوا: نعم. قيل لهم: ما الفرق؟ وقد زعمتم أن الله أراد الأمرين جميعًا، فإن جاز أن يكون بأحدهما مؤمنًا إذا ترك الآخر، جاز أن يكون بالآخر إذا عمل ولم يقر مؤمنًا، لا فرق بين ذلك. فإن احتج فقال: لو أن رجلًا أسلم فأقر بجميع ما جاء به النبي ﷺ ، أيكون مؤمنًا بهذا الإقرار قبل أن يجئ وقت عمل؟. قيل له: إنما نطلق له الاسم بتصديقه أن العمل عليه بقوله أن يعمله في وقته إذا جاء، وليس عليه في هذا الوقت الإقرار بجميع ما يكون به مؤمنًا. وقال: أقر ولا أعمل لم نطلق له اسم الإيمان" (١). وقال ابن تيمية: "من الممتنع أن يكون الرجل مؤمنا إيمانًا ثابتًا في قلبِه، بِأن الله فرض عليه الصلاة والزكاة، والصيام والحج، ويعيش دهره لا يسجد لله سجدة، ولا يصوم من رمضان، ولا يؤدي لله الزكاة، ولا يحج إلى بيته، فهذا ممتنع، ولا يصدر هذا إلا مع نفاق في القلبِ وزندقة، لا مع إيمان صحيح. ولهذا إنما يصف سبحانه بِالامتناع من السجود الكفار كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم: ٤٣،٤٢] " (٢). وفي معنى قوله ﷺ : "بني الإسلام على خمس" قال الحافظ ابن رجب: (أن الإسلام مثله كبنيان، وهذه الخمس: دعائم البنيان وأركانه التي يثبت عليها البنيان. وقد روي في لفظ: "بني الإسلام على خمس دعائم".

стр. 250

وإذا كانت هذه دعائم البنيان وأركانه، فبقية خصال الإسلام كبقية البنيان، فإذا فقد شيء من بقية الخصال الداخلة في مسمى الإسلام الواجب نقص البنيان ولم يسقط بفقده. وأما هذه الخمس فإذا زالت كلها سقط البنيان ولم يثبت بعد زوالها وكذلك إن زال منها الركن الأعظم وهو الشهادتان، وزوالهما يكون بالإتيان بما يضادهما ولا يجتمع معهما. وأما زوال الأربع البواقي فاختلف العلماء هل يزول الاسم بزوالها أو بزوال واحد منها؟ أم لا يزول بذلك؟ أم يفرق بين الصلاة وغيرها؟ فيزول بترك الصلاة دون غيرها؟ أم يختص زوال الإسلام بترك الصلاة والزكاة خاصة؟ وفي ذلك اختلاف مشهور، وهذه الأقوال كلها محكية عن الإمام أحمد. وكثير من علماء أهل الحديث يرى تكفير تارك الصلاة (١). وحكاه إسحاق بن راهويه إجماعا منهم حتى إنه جعل قول من قال: لا يكفر بترك هذه الأركان مع الإقرار بها من أقوال المرجئة. وكذلك قال سفيان بن عيينة: "المرجئة سموا ترك الفرائض ذنبًا بمنزلة ركوب المحارم؛ وليسا سواء؛ لأن ركوب المحارم متعمدا من غير استحلال: معصية،
следующие страницы →