٦٤ - البعث *
قال في النهاية: "في أسماء الله تعالى "الباعث" هو الذي يبعث الخلق أي يحييهم بعد الموت يوم القيامة" (١). والبعث هو إحياء الخلق للجزاء يوم القيامة.
* الدليل من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧]، وقال سبحانه: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [الجاثية: ٢٦].
* الدليل من السنة: حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ لما سئل الإيمان قال: "أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتابه، ولقائه، ورسله، وتؤمن بالبعث، وتؤمن بالقدر كله" (٢).
قال القاضي عياض: "وكذلك من أنكر الجنة أو النار أو البعث أو الحساب أو القيامة فهو كافر بإجماع للنص عليه وإجماع الأمة على صحة نقله متواترًا، وكذلك من اعترف بذلك ولكنه قال: إن المراد بالجنة والنار والحشر والنشر والثواب والعقاب معنى غير ظاهره، وأنها لذات روحانية ومعان باطنة، كقول النصارى والفلاسفة والباطنية وبعض المتصوفة وزعم أن معنى القيامة الموت أو فناء محض وانتقاض هيئة الأفلاك وتحليل العالم كقول بعض الفلاسفة" (٣).
ويقول البهوتي ﵀: "وإذا جحد البعث كفر لتكذيبه للكتاب والسنة وإجماع الأمة" (٤).
стр. 317
٦٥ - بغض وكراهية ما جاء به الرسول ﷺ - *
البغض والكراهية ضد المحبةِ، والمحبةُ شرط من شروط لا إله إلا الله. قال الإمام تقي الدين ابن تيمية: "وأصل كل فعل وحركة في العالم من الحب والإرادة فهو أصل كل فعل ومبدؤه، كما أن البغض والكراهة مانع وصاد لكل ما انعقد بسببه ومادته، فهو أصل كل ترك" (١).
والمراد الكره الاعتقادي، وإذا انتفت المحبة محبة الله ورسوله ومحبة أوامره والرضا بها وحل محلها البغض والكراهة في القلب فهذه صفات من كفر بالله فلا يبقى مع تلك الكراهة عملٌ لأن كُرهَ ما أنزلَ اللهُ يحبطُ الأعمالَ.
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في نواقض الإسلام: "الخامس: من أبغض شيئًا مما جاء به الرسول ﷺ ولو عمل به كفر" (٢).
وقد ذكره ابن تيمية ضمن أقسام النفاق الأكبر المخرج من الملة فقال: "فمن النفاق ما هو أكبر، يكون صاحبه في الدرك الأسفل من النار، كنفاق عبد الله ابن أبي وغيره بأن يظهر تكذيب الرسول، أو جحود بعض ما جاء به، أو بغضه، أو عدم اعتقاد وجوب اتباعه، أو المسرة بانخفاض دينه، أو المساءة بظهور دينه، ونحو ذلك، مما لا يكون صاحبه إلا عدوًا لله ورسوله" (٣).
وعدَّه في أنواعه الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فقال: " ... فأما النفاق الاعتقادي فهو
стр. 318
ستة أنواع: تكذيب الرسول، أو تكذيب بعض ما جاء به الرسول، أو بغض الرسول أو بغض ما جاء به الرسول، أو المسرة بانخفاض دين الرسول، أو الكراهية بانتصار دين الرسول، فهذه الأنواع الستة صاحبها من أهل الدرك الأسفل من النار" (١).
* الدليل من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٩)﴾ [محمد: ٩]، وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٠)﴾ [المؤمنون: ٧٠] وقد وصف سبحانه المنافقين بقوله سبحانه: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة: ٥٤] وقال تعالى: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٨١].
والبغض والكراهة ينافياق عمل القلب من وجهين:
١ - أنه ينافي شرط المحبة والتعظيم لله ، ومحبة أوامره، وأوامر رسوله ﷺ .
٢ - أن فيه تركًا للقبول والانقياد والتسليم. يقول ابن تيمية: "إن العبد إذا فعل الذنب مع اعتقاد أن الله حرّمه عليه، واعتقاد انقياده لله فيما حرمه وأوجبه فهذا ليس بكافر، فأما إن اعتقد أن الله لم يحرّمه، أو أنه حرّمه لكن امتنع من قبول هذا التحريم وأبى أن يذعن لله وينقاد فهو إما جاحد أو معاند ... ثم إن هذا الامتناع والإباء إما لخلل في اعتقاد حكمة الآمر وقدرته يعود هذا إلى عدم التصديق بصفة من صفاته، وقد يكون مع العلم بجميع ما يصدق به تمردًا أو اتباعًا لغرض النفس وحقيقته كفر هذا؛ لأنه يعترف لله ورسوله بكل ما أخبر به، ويصدق بكل ما يصدق به المؤمنون لكنه يكره ذلك ويبغضه ويسخطه لعدم موافقته لمراده ومشتهاه
стр. 319
ويقول: أنا لا أقرّ بذلك ولا ألتزمه وأبغض هذا الحق وأنفر منه، فهذا نوع غير النوع الأول، وتكفير هذا معلوم بالاضطرار من دين الإسلام والقرآن مملوء من تكفير مثل هذا النوع" (١).
وجاء في شرح الإقناع قوله: "أو كان مبغضًا لما جاء به الرسول ولم يشرك بالله، لكن أبغض السؤال عنه ودعوة الناس إليه كما هو حال من يدّعي العلم ويقرر أنّه دين الله ورسوله ويبغضونه أكثر من بغض دين اليهود والنصارى، بل يعادون من التفت إليه، ويحلّون دمه وماله، ويرمونه عند الحكام ... والتكفير بالاتفاق فيمن أبغض النهي عنه (٢)، وأبغض الأمر بمعاداة أهله ولو لم يتكلم وينصر، فكيف إذا فعل ما فعل" (٣).
ومما يدخل في ذلك ما يتفوه به بعض أهل زماننا من كراهية شرع الله في تعدد الزوجات وكراهية كون المرأة ليست بمنزلة الرجل في الميراث والدية والشهادة وكون القاتل يقتل والسارق تقطع يده فيبغضون أحكام الله ورسوله كما فعلَ المنافقون من قبل الذين ضاقت صدورهم وحرجت بشرع الله وبما جاء عن رسوله ﷺ وأبغضوا ما دلت عليه. وكذلك الذي يكره شرع الله في حجاب المرأة، أو اللحية. وليس له تأويل في ذلك إلا أن الرسول جاء به فإن كان له تأويل كأن يبغض شكلها لا شرع الله فيها فهذا شيء آخر وحكم آخر أما أحكام الله فلا تبغض ولا يكره شيء منها البتة (٤)، بل ينبغي الحذر من الوقوع في ذلك، والرضى بالله وبما جاء به والاطمئنان إليه.
стр. 320
وقد تقرر أن من شروط (لا إله إلا الله) المحبة لما دلت عليه والسرور بذلك وانشراح الصدر، أما الكره والبغض فإنه ينافي المحبة والانقياد ولا يصح إيمان إلا بالانقياد لشرع الله والتسليم له كما قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥].
* الفرق بين كره المشقة ونفور الطبع وبين الاعتقاد:
قال الراغب ﵀: "الكره: المشقة التي تنال الإنسان من خارجٍ فيما يُحمَل عليه بإكراهٍ، والكُرهُ ما يناله من ذاته وهو يعافه، وذلك على ضربين:
أحدهما: ما يعاف من حيث الطبع.
الثاني: ما يعاف من حيث العقل أو الشرع.
ولهذا يصح أن يقول الإنسان في الشيء الواحد إني أريده وأكرهه بمعنى إني أريده من حيث الطبع وأكرهه من حيث الشرع، أو أريده من حيث العقل أو الشرع وأكرهه من حيث الطبع قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] أي تكرهونه من حيث الطبع" (١)، وقال الإمام البغوي ﵀: ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ "أي شاق عليكم، قال بعض أهل المعاني: هذا الكره من حيث نفور الطبع عنه لما فيه من مؤنة المال ومشقة النفس وخطر الروح، لا أنهم كرهوا أمر الله تعالى ... " (٢).
وقال الإمام القرطبي ﵀: "إنما كان الجهاد كرها لأن فيه إخراج المال، ومفارقة الوطن والأهل، والتعرض بالجسد للشجاج والجراح وقطع الأطراف وذهاب النفس، فكانت كراهيتهم لذلك، لا أنهم كرهوا فرض الله تعالى" (٣).
стр. 321
فالمراد بالبغض والكره ما يتعلق بالاعتقاد القلبي فيخرج بذلك كراهية المشقة الحاصلة، ولا يؤاخذ العبد بالوسواس الذي يلقيه الشيطان في القلوب وينفيه العبد بكراهيته.
* فائدة:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فقد دل الكتاب والسنة على أن من في قلبه الكفر وبغض الرسول وبغض ما جاء به أنه كافر بالله ورسوله وقد عفى الله لهذه الأمة وهم المؤمنون حقًا الذين لم يرتابوا عما حدثت به أنفسها ما لا تتكلم به أو تعمل كما هو في الصحيحين من حديث أبي هريرة وابن عباس وروى عن النبي ﷺ أن الذي يهم بالحسنة تكتب له والذي يهم بالسيئة لا تكتب عليه حتى يعملها إذا كان مؤمنًا من عادته عمل الحسنات وترك السيئات فإن ترك السيئة لله كتب له حسنة فإذا أبدى العبد ما في نفسه من الشر بقول أو فعل صار من الأعمال التي يستحق عليها الذم والعقاب وإن أخفى ذلك وكان ما أخفاه متضمنا لترك الإيمان بالله والرسول مثل الشك فيما جاء به الرسول أو بغضه كان معاقبًا على ما أخفاه في نفسه من ذلك لأنه ترك الإيمان الذي لا نجاة ولا سعادة إلا به وأما إن كان وسواسًا والعبد يكرهه فهذا صريح الإيمان كما هو مصرح به في الصحيح، وهذه الوسوسة هي مما يهجم على القلب بغير اختيار الإنسان فإذا كرهه العبد ونفاه كانت كراهته صريح الإيمان وقد خاف من خاف من الصحابة من العقوبة على ذلك قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] " (١).
стр. 322
٦٦ - البناء على القبور *
وتسمى القبورُ المبنيةُ بالقبورِ المشرِفة أي: المرتفعة.
قال الشيخ ابن عثيمين: "والإشراف له وجوه:
الأول: أن يكون مشرفًا بكبر الأعلام التي توضع عليه، وتسمى عِنْدَ الناس "نصائل" أو "نصائب". ونصائب أصح لغة من نصائل.
الثاني: أن يبني عليه وهذا من كبائر الذنوب؛ لأن النبي ﷺ : "لعن المتخذين عليها المساجد والسرج".
الثالث: أن تُشرف بالتلوين، وذلك بأن يوضع على أعلامها ألوان مزخرفة
الرابع: أن يرفع تراب القبر عمّا حوله فيكون بيِّنًا ظاهرًا.
стр. 323
فكل شيء مشرف أي: ظاهر على غيره متميز عن غيره يجب أن يسوى بغيره لئلا يؤدي ذلك إلى الغلو في القبور والشرك" (١).
والأصل في القبر أن يكون مسنمًا مرتفعًا قدر شبر لا يزيد عن ذلك أما رفعه فوق الأرض بالبناء عليها سواء كان البنيان مسجدًا أو قبة أو غير ذلك، فقد جاءت الأحاديث في التحذير من ذلك والنهي عنه.
* الدليل من السنة: عَنْ جَابرٍ قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ" (٢).
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ : "نهى أن يبنى على القبر" (٣).
وعن جابر ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ : أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه" (٤).
عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب ﵁: "ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ : أن لا تدع تمثالًا إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته" (٥).
قال الشيخ سليمان بن عبد الله: "وقد أجمع العلماء على النهي عن البناء على القبور وتحريمه ووجوب هدمه لهذه الأحاديث الصريحة التي لا مطعن فيها بوجه من الوجوه، ولا فرق في ذلك بين البناء في مقبرة مسبلة، أو مملوكة، إلا أنه في المملوكة أشد. ولا عبرة بمن شذ من المتأخرين فأباح ذلك، إما مطلقا وإما في المملوكة.
стр. 324
قال الإمام أبو محمد بن قدامة: ولا يجوز اتخاذ المساجد على القبور لأن النبي ﷺ قال: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (١). يحذر ما صنعوا. ولأن تخصيص القبور بالصلاة عِنْدَها يشبه تعظيم الأصنام بالسجود لها والتقرب إليها، وقد روينا أن ابتداء عبادة الأصنام تعظيم الأموات باتخاذ صورهم والتمسح بها والصلاة عِنْدَها.
وقال شيخ الإسلام: أما بناء المساجد على القبور فقد صرح عامة علماء الطوائف بالنهي عنه متابعة للأحاديث الصحيحة، وصرح أصحابنا وغيرهم من أصحاب مالك والشافعي، بتحريمه. قال: ولا ريب في القطع بتحريمه" (٢).
وقال ابنُ حَزْمٍ: "ولا يحل أن يبنى القبر، ولا أن يجصص، ولا أن يزاد على ترابه شيء ويهدم كل ذلك" (٣).
وقد ألف الشوكاني ﵀ كتابًا مستقلًا في ذلك وسماه شرح الصدور بتحريم رفع القبور ومما قال: "اعلم أنه قد اتفق الناس سابقهم ولاحقهم وأولهم وآخرهم من لدن الصحابة ﵃ إلى هذا الوقت أن رفع القبور والبناء عليها بدعة من البدع التي ثبت النهي عنها واشتد وعيد رسول الله لفاعلها" (٤).
وقال الشوكاني ﵀: "والظاهر أن رفع القبور زيادة على القدر المأذون فيه محرم، وقد صرح بذلك أصحاب محمد، وجماعة الشافعي ومالك. قال: ومن رفع القبور الداخل تحت الحديث دخولا أوليا القبب والمشاهد على القبور، وأيضا هو من اتخاذ القبور مساجد، وقد لعن النبي ﷺ فاعل ذلك" (٥).
стр. 325
* سبب التحذير من رفع البناء على القبر:
يقول العلامة الصنعاني في كلامه على البناء على القبور: "إنه ذريعة إلى تعظيم الميت، والطواف بقبره، والتماس أركانه، والنداء باسمه. وبالجملة إنه يصير صنما يعبد، وهذه بدعة عظيمة عمّت الدنيا، وعبد الناس القبور، وعظموها بالمشاهد والقباب، وزادوا على فعل الجاهلية، فأسرجوا عليها السرج والشموع، وجعلوا لها نصيبا من أموالهم، كما قال تعالى في المشركين: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ [النحل: ٥٦] وكما قالوا: ﴿هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٦] " (١).
وقال سماحة الشيخ ابن باز ﵀: "فالبناء على القبور وتجصيصها ووضع الزينات عليها أو الستور كله منكر ووسيلة إلى الشرك، فلا يجوز وضع القباب أو الستور أو المساجد عليها" (٢).
وقال ﵀: "إنما يعاد تراب القبر عليه ويرفع قدر شبر تقريبا حتى يعرف أنه قبر، هذه هي السنة في القبور التي درج عليها رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃. ولا يجوز اتخاذ المساجد عليها ولا كسوتها ولا وضع القباب عليها لقول النبي ﷺ : "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (٣) " (٤).
وكل عاقل يعلم أن لزيادة الزخرفة للقبور، وإسبال الستور الرائعة عليها، وتسريجها، والتأنق في تحسينها تأثيرًا في طبائع غالب العوام، وينشأ عنه التعظيم،
стр. 326
والاعتقادات الباطلة، وهكذا إذا استعظمت نفوسهم شيئا مما يتعلق بالأحياء، وبهذا السبب اعتقد كثير من الطوائف الإلهية في أشخاص كثيرة (١).
قال الشوكاني ﵀: "وكم قد نشأ عن تشييد أبنية القبور وتحسينها من مفاسد يبكي لها الإسلام. منها اعتقاد الجهلة لها كاعتقاد الكفار للأصنام، وعظم ذلك فظنوا أنها قادرة على جلب النفع ودفع الضر، فجعلوها مقصدا لطلب قضاء الحوائج، وملجأ لنجاح المطالب، وسألوا منها ما يسأله العباد من ربهم، وشدوا إليها الرحال وتمسحوا واستغاثوا، وبالجملة أنهم لم يدعوا شيئا مما كانت الجاهلية تفعله بالأصنام إلا فعلوه! فإنا لله وإنا إليه راجعون، ومع هذا المنكر الشنيع والكفر الفظيع لا تجد من يغضب لله ويغار حمية للدين الحنيف، لا عالمًا ولا متعلمًا، ولا أميرًا ولا وزيرًا ولا ملكًا، وقد توارد إلينا من الأخبار ما لا يشك معه أن كثيرًا من هؤلاء القبوريين أو أكثرهم إذا توجهت عليه يمين من جهة خصمه حلف بالله فاجرًا، فإذا قيل له بعد ذلك: احلف بشيخك ومعتقدك الولي الفلاني! تلعثم وتلكأ وأبى واعترف بالحق! وهذا من أبين الأدله الدالة على أن شركهم قد بلغ فوق شرك من قال: إنه تعالى ثاني اثنين، أو ثالث ثلاثة. فيا علماء الدين ويا ملوك المسلمين أي رزء للإسلام أشد من الكفر، وأي بلاء لهذا الدين أضر عليه من عبادة غير الله، وأي مصيبة يصاب بها المسلمون تعدل هذه المصيبة، وأي منكر يجب إنكاره إن لم يكن إنكار هذا الشرك واجبًا؟!.
لقد أسمعت لو ناديت حيا ... ولكن لا حياة لمن تنادي
ولو نارًا نفختَ بها أضاءت ... ولكن أنت تنفخ في رماد" (٢)
стр. 327
* شبهات حول البناء على القبور:
يتعلق بعض المجيزين للبناء بشبهات منها:
١ - قوله تعالى: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف: ٢١] قالوا: إن الآية قبلها تدل على أنهم ماتوا فاتخذوا مسجدا على قبره فقص الله هذا في كتابه ولم يصحبه بما يدل على حظره فدل هذا على جوازه.
وقولهم مردود فإن أولئك القائلين ليس فيها التصريح بأنهم كانوا مؤمنين صالحين بل هم من جملة من قال فيهم رسولنا ﷺ : "لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" وفي رواية: "وصالحيهم".
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فبيوت الأوثان وبيوت النيران وبيوت الكواكب وبيوت المقابر: لم يمدح الله شيئًا منها، ولم يذكر ذلك إلا في قصة من لعنهم النبي ﷺ ، قال تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف: ٢١].
فهؤلاء الذين اتخذوا على أهل الكهف مسجدًا: كانوا من النصارى الذين لعنهم النبي ﷺ ، حيث قال: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" وفي رواية: "والصالحين"" (١).
وظاهر الآيات في قصة أصحاب الكهف تدل على أن هروب الفتية أصلًا كان فرارًا بدينهم وفي قوله تعللى: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ [الكهف: ٢٠].
قال الشيخ السعدي ﵀: "وذكروا المحذور من اطلاع غيرهم عليهم وظهورهم عليهم أنهم بين أمرين إما الرجم بالحجارة فيقتلونهم أشنع قتلة لحنقهم عليهم وعلى دينهم، وإما أن يفتنوهم عن دينهم، ويردوهم في ملتهم، وفي هذه
стр. 328
الحال لا يفلحون أبدًا، بل يخسرون في دينهم ودنياهم وأخراهم" (١).
ومن وجه آخر يُردُّ عليهم بأن قول الله : ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ﴾ يشعر بأنهم ذو جهل وضلال، وأما الحظر فقد جاء من رسول الله ﷺ حين لعن اليهود والنصارى لاتخاذهم قبور أنبيائهم مساجد.
وقال ابن رجب في شرح حديث: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد": "وقد دل القرآن على مثل ما دل عليه هذا الحديث، وهو قول الله في قصة أصحاب الكهف: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ فجعل اتخاذ القبور على المساجد من فعل أهل الغلبة على الأمور، وذلك يشعر بأن مستنده القهر والغلبة واتباع الهوى وأنه ليس فعل أهل العلم والفضل المتبعين لما أنزل اللهَ على رسله من الهدى" (٢).
وقال ابن كثير: "حكى ابن جرير في القائلين ذلك قولين:
أحدهما: أنهم المسلمون منهم.
والثاني: أهل الشرك منهم، فالله أعلم. والظاهر أن الذين قالوا ذلك هم أصحاب الكلمة والنفوذ، ولكن هل هم محمودون أم لا؟ فيه نظر، لأن النبي ﷺ قال: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد. يحذر ما فعلوا" ... " (٣).
وقال السيوطي: "وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي .. فقال الملك: "لأتخذن عِنْدَ هؤلاء القوم الصالحين مسجدًا .. "، وقال: وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم
стр. 329
عن قتادة في قوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ﴾ قال: "هم الأمراء أو قال السلاطين"" (١).
وقال المعلمي في بيان قول الله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ﴾: "والغالب أن الغلبة تكون سببًا للمعصية، والغالب في الأمم السابقة أن الغلبة إنما تكون للضالين، والغالب في الأمم السابقة أيضًا التكذيب بالآيات، والضلال فيها نوع من التكذيب بها، قال الله : ﴿مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]، وقال ﵎: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (١٠٢)﴾ [الأعراف: ١٠٢] وعلى كل حال فوصف هؤلاء بالغلبة مع وصف مقابليهم بما تقدم، يشعر بأنهم ذو جهل وغلو، واتخاذ المسجد لا ينافي الجهل والغلو كما لا يخفى" (٢).
ولا يقال في هذا المقام أننا غير متعبدين بشرع من قبلنا، أو أن شريعة من قبلنا ليست شريعة لنا، فإن اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد ليس من شرع الله قط، لا في أمة محمد ﷺ ولا في الأمم قبلها، ولو كان ذلك شرعًا من شرع الله لِمَنْ كان قبلنا لم يستحقوا لعن النبي ﷺ بشيء فعلوه قد أتى به شرعهم الذي بُعثت به أنبياؤهم.
قال الألوسي ﵀: "وكيف يمكن أن يكون اتخاذ المساجد على القبور من الشرائع المتقدمة مع ما سمعت من لعن اليهود والنصارى حيث اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (٣).
وأخيرًا نقول: إن الاستدلال بهذه الآية على جواز اتخاذ المساجد على القبور مع
стр. 330
مخالفته للأحاديث المتواترة الناهية عن ذلك - مخالفٌ لإجماع علماء المسلمين، على تحريم اتخاذ المساجد على القبور.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فإن بناء المساجد على القبور ليس من دين المسلمين، بل هو منهي عنه بالنصوص الثابتة عن النبي ﷺ ، واتفاق أئمة الدين" (١).
٢ - شبهة أن قبر النبي ﷺ في مسجده كما هو مشاهد اليوم فيقال فيه:
أولًا: أن مسجد الرسول ﷺ لم يبن على القبور فإن النبي ﷺ هو الذي بناه بعدما نبش قبور المشركين وأخبر عنه سبحانه بانه أول مسجد أسس على التقوى.
ثانيًا: أن النبي ﷺ لم يدفن في المسجد كما يفعل هؤلاء القبوريون.
ثالثًا: أن إدخال بيوت النبي ﷺ في المسجد لم يكن في عهد الصحابة، وإنما أدخل في عهد الوليد بن عبد الملك سنة ٨٨ للهجرة فأدخل في المسجد النبوي حجر أزواجه ﵇ بما فيها قبره الذي في حجرة عائشة، وقد أنكر عليه العلماء منهم سعيد بن المسيب ﵀.
وقال الألباني ﵀: "ولم يكن في المدينة المنورة أحد من الصحابة حينذاك خلافا لما توهم بعضهم" (٢).
وقال أيضًا: "يتبين لنا مما أوردناه أن القبر الشريف إنما أدخل إلى المسجد النبوي حين لم يكن في المدينة أحد من الصحابة وأن ذلك كان على خلاف غرضهم الذي رموا إليه حين دفنوه في حجرته ﷺ ؛ فلا يجوز لمسلم بعد أن عرف هذه الحقيقة أن يحتج بما وقع بعد الصحابة؛ لأنه مخالف للأحاديث الصحيحة وما
стр. 331
فهم الصحابة والأئمة منها كما سبق بيانه، وهو مخالف أيضًا لصنيع عمر وعثمان حين وسعًا المسجد ولم يدخلا القبر فيه، ولهذا نقطع بخطإ ما فعله الوليد بن عبد الملك عفا الله عنه، ولئن كان مضطرًا إلى توسيع المسجد، فإنه كان باستطاعته أن يوسعه من الجهات الأخرى دون أن يتعرض للحجرة الشريفة، وقد أشار عمر بن الخطاب إلى هذا النوع من الخطأ حين قام هو ﵁ بتوسيع المسجد من الجهات الأخرى ولم يتعرض للحجرة، بل قال: "إنه لا سبيل إليها"، فأشار ﵁ إلى المحذور الذي يترتب من جراء هدمها وضمها إلى المسجد".
رابعًا: ومع هذه المخالفة الصريحة للأحاديث المتقدمة وسنة الخلفاء الراشدين، فإن الذين زادوا في المسجد النبوي احتاطوا للأمر شيئًا، فحاولوا تقليل المخالفة ما أمكنهم. فقد ذكر النووي في شرح مسلم أنه لما احتيج إلى الزيادة في مسجد رسول الله ﷺ حين كثر المسلمون، وامتدت الزيادة إلى أن دخلت بيوت أمهات المؤمنين فيه ومنها حجرة عائشة ﵂ مدفن رسول الله ﷺ وصاحبيه أبي بكر وعمر ﵄ بنوا على القبر حيطانا مرتفعة مستديرة حوله، لئلا يظهر في المسجد؛ فيصلي إليه العوام، ويؤدي إلى المحذور، ثم بنوا جدارين من ركني القبر الشماليين وحرفوهما حتى التقيا، حتى لا يتمكن أحد من استقبال القبر (١).
ونقل الحافظ ابن رجب في الفتح نحوه عن القرطبي كما في "الكواكب" ٦٥/ ٩١/ ١. وذكر ابنُ تَيمِيَّةَ في الجواب الباهر (ق ٩/ ٢). "أن الحجرة لما أدخلت إلى المسجد سد بابها، وبنى عليها حائط آخر، صيانة له ﷺ أن يتخذ بيته عيدًا وقبره وثنًا" (٢).
أما بناء القبة على القبر الشريف فقد قال صاحب كتاب المشاهدات
стр. 332
المعصومية: "اعلم أنه إلى عام ٦٧٨ هـ لم تكن هناك قبة على الحجرة النبوية التي فيها قبره ﷺ وإنما عملها وبناها الملك الظاهر المنصور قلاوون الصالحي في تلك السنة ٦٧٨ هـ فعملت تلك القبة.
قلت (١): إنما فعل ذلك لأنه رأى في مصر والشام كنائس النصارى المزخرفة فقلَّدهم جهلًا منه بأمر النبي ﷺ وسنته كما قلدهم الوليد في زخرفة المسجد فتنبه ... ثم قال: إن عمل قلاوون هذا مخالف قطعًا للأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله ﷺ ولكن الجهل بلاء عظيم، والغلو في المحبة والتعظيم وباء جسيم، والتقليد للأجانب داء مهلك، فنعوذ بالله من الجهل، ومن الغلوِّ، ومن التقليد للأجانب" (٢).
* حكم هدم القباب المبنية على القبور:
قال ابن القيم: "فمن الأنصاب ما قد نصبه الشيطان للمشركين من شجرة، أو عمود، أو وثن أو قبر، أو خشبة، أو عين، ونحو ذلك. والواجب هدم ذلك كله، ومحو أثره كما أمر النبي ﷺ عليًا ﵁ (٣) بهدم القبور المشرفة وتسويتها بالأرض. كما روى مسلم في صحيحه عن أبي الهيّاج الأسدي قال: قال لي علي ﵁: "ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ أن لا أدع تمثالًا إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته". وعمَّى الصحابةُ بأمر عمر ﵁ قبر دانيال وأخفوه عن الناس.
ولما بلغه أن الناس ينتابون الشجرة التي بايع تحتها رسول الله ﷺ أصحابه
стр. 333
أرسل فقطعها. رواه ابن وضاح في كتابه فقال: سمعت عيسى ابن يونس يقول: أمر عمر بن الخطاب ﵁ بقطع الشجرة التي بويع تحتها النبي ﷺ فقطعها لأن الناس كانوا يذهبون فيصلون تحتها فخاف عليهم الفتنة.
قال عيسى بن يونس: وهو عِنْدَنا من حديث ابن عون عن نافع: "أن الناس كانوا يأتون الشجرة، فقطعها عمر ﵁".
فإذا كان هذا فعل عمر ﵁ بالشجرة التي ذكرها الله تعالى في القرآن، وبايع تحتها الصحابة رسول الله ﷺ فماذا حكمه فيما عداها من هذه الأنصاب والأوثان، التي قد عظمت الفتنة بها، واشتدت البلية بها؟.
وأبلغ من ذلك: أن رسول ﷺ هدم مسجد الضرار. ففي هذا دليل على هدم ما هو أعظم فساد منه كالمساجد المبنية على القبور فإن حكم الإسلام فيها أن تهدم كلها حتى تسوى بالأرض. وهي أولى بالهدم من مسجد الضرار وكذلك القباب التي على القبور يجب هدمها لأنها أسست على معصية الرسول؛ لأنه قد نهى عن البناء على القبور. كما تقدم. فبناء أسس على معصيته ومخالفته بناء غير محترم. وهو أولى بالهدم من بناء الغاصب قطعًا.
وقد أمر رسول الله ﷺ بهدم القبور المشرفة كما تقدم، فهدم القباب والبناء والمساجد التي بنيت عليها أولى وأحرى؛ لأنه لعن متخذي المساجد عليها، ونهى عن البناء عليها، فيجب المبادرة والمسارعة إلى هدم ما لعن رسول الله ﷺ فاعله. والله يقيم لدينه وسنة رسوله من ينصرهما، ويذب عنهما. فهو أشد غيرة وأسرع تغييرًا" (١).
قال الإمام أبو بكر الطرطوشي: "انظروا -رحمكم الله تعالى- أينما وجدتم سدرة أو شجرة يقصدها الناس، ويعظمونها، ويرجون البرء والشفاء من قبلها، ويضربون
стр. 334
بها المسامير والخرق، فهي ذات أنواط فاقطعوها" (١).
وقال الشوكاني: "وفي هذا أعظم دلالة على أن تسوية كل قبر مشرف بحيث يرتفع زيادة عن القدر المشروع واجب متحتم، فمن إشراف القبور أن يرفع سمكها، أويجعل عليها القباب، أو المساجد، فإن ذلك من المنهي عنه بلا شك ولا شبهة، ولهذا بعث النبي ﷺ لهدمها أمير المؤمنين ﵁ ثم إن أمير المؤمنين بعث لهدمها أبا الهياج الأسدي في أيام خلافته" (٢).
وقال العلَّامة صديق حسن خان: "الأحاديث الصحيحة وردت بالنهي عن رفع القبور، فما صدق عليه أنه قبر مرفوع أو مشرف لغة فهو من منكرات الشريعة التي يجب على المسلمين إنكارها وتسويتها من غير فرق بين نبي وغير نبي، وصالح وطالح، فقد مات جماعة من أكابر الصحابة في عصره ﷺ ولم يرفع قبورهم، بل أمر عليًا بتسوية المشرف منها، ومات ﷺ ولم يرفع قبرَه أصحابُه" (٣).
٦٧ - البيان
انظر باب (السحر).
стр. 335
٦٨ - التألّي على الله *
التألي لغة: من الأليّة بتشديد الياء المثناة من تحت أي اليمين (١)، يقال آلى يولي إيلاء، وتألَّى يتألَّى تألِّيًا، والاسم الألية.
وشرعًا: الحلف على الله إذا كان على جهة الحجر على الله والقطع بحصول المقسم على حصوله (٢).
* الدليل من السنة: عَنْ جُنْدَبٍ أَنَّ رَسُولَ ﷺ حَدَّثَ: "أَنَّ رَجُلًا قَالَ: وَالله لا يَغْفِرُ اللهُ لِفُلانٍ وَإِنَّ الله تَعَالَى قَالَ: مَنْ ذا الَّذِي يَتَألَّى عَلَيَّ أَنْ لا أَغْفِرَ لِفُلانٍ؟ فَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِفُلانٍ وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ" (٣).
وفي حديث أبي هريرة أن القائل رجل عابد. قال أبو هريرة: "تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته" (٤).
* حكمه: قال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم ﵀ عن الحديث السابق: "فيه تحريم الإدلال على الله ووجوب التأدب مع الله في الأقوال والأحوال، وأن حق العبد أن يعامل نفسه بأحكام العبودية ويعامل ريه بما يجب له من أحكام الإلهية والربوبية" (٥).
قال ابن عثيمين ﵀: "من تألّى على الله فقد أساء الأدب معه وتحجر
стр. 336
فضله، وأساء الظن به، وكل هذا ينافي كمال التوحيد، وربما ينافي أصل التوحيد، فالتألي على من هو عظيم يعتبر تنقصا في حقه" (١).
وأما إن كان على جهة حسن الظن بالله فقد قال ﷺ : "إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره" (٢).
* فائدة: ومما يحسن ذكره هنا: أن من عقيدة أهل السنة والجماعة أنه لا يشهد لأحد بعينه أنه من أهل الجنة أو النار.
يقول أبو إسماعيل الصابوني: "ويعتقد ويشهد أصحاب الحديث أن عواقب العباد مبهمة، لا يدري أحد بم يختم له، ولا يحكمون لواحد بعينه أنه من أهل الجنة، ولا يحكمون على أحد بعينه أنه من أهل النار، لأن ذلك مغيب عنهم" (٣).
وقال الإمام أحمد ﵀: "ولا نشهد على أحد من أهل القبلة بعمل يعمله بجنة ولا نار نرجو للصالح ونخاف عليه ونخاف على المسيء المذنب ونرجو له رحمة الله" (٤).
ويستثنى من ذلك: من شهد لهم رسول الله ﷺ من أصحابه بأعيانهم بأنهم من أهل الجنة، حيث روى الترمذي بسنده عن عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسول الله ﷺ : "أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد بن أبي وقاص في الجنة، وسعيد بن زيد في الجنة، وأبو عبيدة ابن الجراح في الجنة" (٥).
قال الإمام أحمد في رسالته إلى مسدد بن مسرهد: "وأن نشهد للعشرة بالجنة وهم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد، وسعيد، وعبد
стр. 337
الرحمن بن عوف الزهري، وأبو عبيدة ابن الجراح" (١).
وقال: "ولا ننزل أحدًا من أهل القبلة جنة ولا نارًا إلا من شهد له رسول الله ﷺ بالجنة" (٢).
وقال شيخ الإسلام ﵀: "وأما الشهادة لرجل بعينه بأنه من أهل النار أو الجنة فليس لأحد ذلك إلا بنص صحيح يوجب، كالعشرة الذين بشرهم الصادق ﷺ بالجنة ومنهم من جوز ذلك لمن استفاض في الأمة الثناء عليه كعمر بن عبد العزيز ﵁ وأمثاله" (٣). وقال أيضًا: "وأما توقف الناس في القطع بالجنة فلخوف الخاتمة" (٤).
وقال شارح الطحاوية: "لا نقول عن أحد معين من أهل القبلة إنه من أهل الجنة أو من أهل النار إلا من أخبر الصادق ﷺ إنه من أهل الجنة كالعشرة ﵃ وغيرهم، وإن كنا نقول: إنه لا بد أن يدخل النار من أهل الكبائر من شاء الله إدخاله النار، ثم يخرج منها بشفاعة الشافعين، ولكنا نقف في الشخص المعين فلا نشهد له بجنة ولا نار إلا عن علم، لأن الحقيقة باطنة، وما مات عليه لا نحيط به. ولكن نرجو للمحسنين ونخاف على المسيئين" (٥).
وقال الشيخ ابن باز ﵀: "الحمد لله والصلاة والسلام على عبد الله ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فقد كثر الإعلان في الجرائد عن وفاة بعض الناس، كما كثر نشر التعازي لأقارب المتوفين، وهم يصفون الميت فيها بأنه مغفور له أو مرحوم أو ما أشبه ذلك من كونه من أهل الجنة، ولا يخفى على كل من له إلمام بأمور الإسلام وعقيدته بأن ذلك من الأمور التي لا يعلمها إلا الله، وأن عقيدة أهل السنة
стр. 338
والجماعة أنه لا يجوز أن يشهد لأحد بجنة أو نار إلا من نص عليه القرآن الكريم كأبي لهب أو شهد له رسول الله ﷺ بذلك كالعشرة من الصحابة ونحوهم، ومثل ذلك في المعنى الشهادة له بأنه مغفور له أو مرحوم، لذا ينبغي أن يقال بدلا منها: "غفر الله له" أو "﵀" أو نحو ذلك من كلمات الدعاء للميت" (١).
ومن هذا الباب الشهادة لشخص معين بأنه شهيد. قال الشيخ ابن عثيمين: "فهذا لا يجوز إلا لمن شهد له النبي ﷺ أو اتفقت الأمة على الشهادة له بذلك وقد ترجم البخاري ﵀ لهذا بقوله: "باب لا يقال فلان شهيد" قال في الفتح ٦/ ٩٠: أي على سبيل القطع بذلك إلا إن كان بالوحي، وكأنه أشار إلى حديث عمر أنه خطب فقال: تقولون في مغازيكم: فلان شهيد، ومات فلان شهيدًا ولعله قد يكون قد أوقر راحلته: ألا لا تقولوا ذلكم، ولكن قولوا كما قال رسول الله ﷺ : "من مات في سبيل الله أو قتل فهو شهيد". وهو حديث حسن أخرجه أحمد وسعيد بن منصور وغيرهما من طريق محمد بن سيرين عن أبي العجفاء عن عمر. اهـ كلامه.
ولأن الشهادة بالشيء لا تكون إلا عن علم به، وشرط كون الإنسان شهيدا أن يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، وهي نية باطنة لا سبيل إلى العلم بها، ولهذا قال النبي مشيرًا إلى ذلك: "مثل المجاهد في سبيل الله والله أعلم بمن يجاهد في سبيله" (٢). وقال: "والذي نفسي بيده لا يُكْلَم أحد في سبيل الله والله أعلم بمن يُكْلَم في سبيله إلا جاء يوم القيامة واللون لون الدم والريح ريح المسك" (٣) رواهما البخاري من حديث أبي هريرة. ولكن من كان ظاهره الصلاح فإننا نرجو له ذلك ولا نشهد له به ولا نسيء به الظن" (٤).
стр. 339
٦٩ - التأويل
من موانع التكفير. انظر باب (التكفير).
٧٠ - التبرك *
البركة لغة: تطلق ويراد بها معنيين:
الأول: ثبوت الخير ودوامه.
والثاني: كثرة الخير وزيادته (١).
قوله تبرك، تفعل من البركة، والبركة: هي كثرة الخير وثبوته، وهي مأخوذة من
стр. 340
البِركة بالكسر مجمع الماء، ومجمع الماء يتميز عن مجرى الماء بأمرين: الكثرة. والثبوت (١).
فالبركة تجمع بين وصف الزيادة ووصف الثبوت واللزوم.
والتبرك شرعًا: طلب البركة بفعل أو اعتقاد.
قال ابن سعدي: "إن العلماء اتفقوا على أنه لا يشرع التبرك بشيء من الأشجار والأحجار والبقع والمشاهد وغيرها فإن هذا التبرك غلو فيها وذلك يتدرج إلى دعائها وعبادتها وهذا هو الشرك الأكبر" (٢).
* الدليل من السنة: عن أبي واقد الليثي قال: كنا مع رسول الله ﷺ بحنين ونحن حديثو عهد بكفر، فمررنا على شجرة يضع المشركون عليها أسلحتهم، يقال لها ذات أنواط (٣)، فقلنا يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله ﷺ : "الله أكبر قلتم كما قال أهل الكتاب لموسى ﵇: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ " ثم قال الرسول ﷺ : "إنكم ستركبون سنن من كان قبلكم" (٤).
قال ابن القيم: "فإذا كان اتخاذ هذه الشجرة لتعليق الأسلحة والعكوف حولها اتخاذ إلهٍ مع الله تعالى، مع أنهم لا يعبدونها، ولا يسألونها. الظن بالعكوف حول القبر، والدعاء به ودعائه، والدعاء عِنْدَه؟ فأيُّ نسبةٍ للفتنة بشجرة إلى الفتنة
стр. 341
بالقبر؟ لو كان أهل الشرك والبدعة يعلمون.
قال بعض أهل العلم من أصحاب مالك (١): فانظروا رحمكم الله أينما وجدتم سدرة أو شجرة يقصدها الناس، ويعظمونها، ويرجون البُرء والشفاء من قبلها، ويضربون بها المسامير والخرق، فهي ذات أنواط، فاقطعوها" (٢).
ويستفاد من حديث أبي واقد الليثي ما يلي:
١ - أن السائلين من الصحابة يجهلون أنه شرك:
قال أبو واقد الليثي ﵁ (٣): ونحن حدثاء عهد بكفر (٤). أي أسلمنا من قريب وقالها للاعتذار أي لهذا جهلنا هذا الأمر.
وإليك كلام بعض المفسرين والعلماء حول الآية والحديث:
قال ابن جرير: "وكانوا يعبدون أصناما على صور البقر فلهذا أثار ذلك شبهة لهم في عبادتهم العجل بعد ذلك فقالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون أي تجهلون عظمة الله وجلاله وما يجب أن ينزه عنه من الشريك والمثيل" (٥).
стр. 342
وقال قتادة: "كان أولئك القوم من لخم، وكانوا نزولًا بالرقة فقالت بنو إسرائيل لما رأوا ذلك قالوا: يا موسى اجعل لنا إلهًا أي مثالًا نعبده كما لهم آلهة، ولم يكن ذلك شكًا من بني إسرائيل في وحدانية الله وإنما معناه اجعل لنا شيئًا نعظمه ونتقرب بتعظيمه إلى الله وظنوا أن ذلك لا يضر الديانة وكان ذلك لشدة جهلهم قال موسى: إنكم قوم تجهلون" (١).
وقال النسفي: "فوصفهم بالجهل المطلق وأكده أن هؤلا يعنى عبدة تلك التماثيل متبر ما هم فيه أي يتبر الله ويهدم دينهم الذي هم عليه" (٢).
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله: ""ونحن حدثاء عهد بكفر" أي: قريبو عهد بكفر، ففيه دليل أن غيرهم لا يجهل هذا، وأن المنتقل من الباطل الذي اعتاده قلبه لا يأمن أن يكون في قلبه بقية من تلك العادات الباطلة، ذكره المصنف" (٣).
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "ولا خلاف أن بني إسرائيل لم يفعلوا وكذلك الذين سألوا النبي ﷺ لم يفعلوا ولا خلاف أن بني إسرائيل لو فعلوا ذلك لكفروا وكذلك لا خلاف أن الذين نهاهم النبي ﷺ لو لم يطيعوه واتخذوا ذات أنواط بعد نهيه لكفروا وهذا هو المطلوب، ولكن القصة تفيد أن المسلم بل العالم قد يقع في أنواع من الشرك وهو لا يدري عنها فتفيد لزوم التعلم والتحرز ... وتفيد أيضًا أن المسلم المجتهد إذا تكلم بكلام كفر وهو لا يدري فنبه على ذلك فتاب من ساعته أنه لا يكفر كما فعل بنو إسرائيل والذين سألوا النبي ﷺ " (٤).
стр. 343
وقال أيضًا: "أفيظن أن قوم موسى لما قالوا اجعل لنا إلها خرجوا من الإسلام أفيظن أن أصحاب رسول الله ﷺ لما قالوا اجعل لنا ذات أنواط، فحلف لهم أن هذا مثل قول قوم موسى: اجعل لنا إلهًا أنهم خرجوا من الإسلام؟ أيظن أن النبي ﵁ لما سمعهم يحلفون بآبائهم فنهاهم وقال: "من حلف بغير الله فقد أشرك" أنهم خرجوا من الإسلام؟ إلى غير ذلك من الأدلة التي لا تحصر، فلم يفرق بين الشرك المخرج عن الملة من غيره ولم يفرق بين الجاهل والمعاند" (١).
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀: "وظنوا أن هذا الأمر محبوب عند الله وقصدوا التقرب به، وإلا فهم أجَلُّ قدرًا من أن يقصدوا مخالفة النبي ﷺ " (٢).
وقال ابن باز ﵀: "وهكذا هؤلاء قالوا مثل أولئك جهلًا ولم يكونوا يعرفون حكمه لأنهم حدثاء عهد بكفر" (٣).
٢ - أن الصحابة لم يفعلوا ذلك وأنهم لو فعلوا لكفروا:
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "وللمشركين شبهة أخرى يُدْلون بها عند هذه القصة وهي أنهم يقولون: إن بني إسرائيل لم يكفروا بذلك. وكذلك الذين قالوا للنبي ﷺ : "اجعل لنا ذات أنواط" لم يكفروا.
فالجواب: أن نقول: إن بني إسرائيل لم يفعلوا ذلك، وكذلك الذين سألوا النَّبِيّ ﷺ لم يفعلوا ذلك، ولا خلاف أن بني إسرائيل لو فعلوا ذلك لكفروا.
وكذلك لا خلاف في أن الذين نهاهم النَّبِيّ ﷺ لو لم يطيعوه، واتخذوا ذات أنواط بعد نهيه لكفروا، وهذا هو المطلوب" (٤).
стр. 344
٣ - أن الاعتبار في الأحكام بالمعاني لا بالأسماء:
وقد ذكر ذلك الشيخ عبد الرحمن بن حسن حيث قال، ومنها: "أن الاعتبار في الأحكام بالمعاني لا بالأسماء، ولهذا جعل النبي ﷺ طلبهم كطلب بني إسرائيل، ولم يلتفت إلى كونهم سموها ذات أنواط، فالمشرك مشرك، وإن سمى شركه ما سماه، كمن يسمي دعاء الأموات والذبح لهم والنذر ونحو ذلك تعظيمًا ومحبة، فإن ذلك هو الشرك، وإن سماه ما سماه، وقس على ذلك" (١).
٤ - النهي عن مشابهة الكفار:
فالنَّبِيّ ﷺ جعل قول الصحابة مثل قول بني إسرائيل لما قالوا: "اجعل لنا ذات أنواط، قال: "قلتم كما قال بنوا إسرائيل" (٢)، فشبَّه قولهم بقول بني إسرائيل. ولما أخبر أنه من السنن دل ذلك على النهي عن التشبه بهم.
قال شيخ الإسلام ابنُ تَيمِيَّةَ: "فأنكر النبي ﷺ مجرد مشابهتهم الكفار في اتخاذ شجرة يعكفون عليها معلقين عليها سلاحهم فكيف بما هو أطم من ذلك من مشابهتهم المشركين أو هو الشرك بعينه" (٣).
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: "فإذا كان هذا تغليظ رسول الله ﷺ على أولئك الصحابة لما طلبوا منه مشابهة المشركين في جعل سدرة لتعليق الأسلحة والتبرك بها والعكوف عندها، فكيف بما هو أشد من ذلك وهو الشرك الأكبر الذي يفعله أكثر الناس ليومنا هذا" (٤).
تنبيه: ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب بيان صورة طلبهم حيث قال في
стр. 345
"كتاب التوحيد" ضمن مسائل باب من تبرك بشجر أو حجر ونحوهما: "الحادية عشرة: أن الشرك فيه أكبر وأصغر لأنهم لم يرتدوا بهذا" (١).
وقال ابن عثيمين ﵀: "حيث لم يطلبوا جعل ذات أنواط لعبادتها بل للتبرك بها" (٢).
وقال الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب لما سئل عن من حلف بغير الله جهلًا منه أنه شرك لا عنادًا ولا معتقدًا أن عظمته تساوي عظمة الله فقال: "الظاهر أن الذي يجهل مثل ذلك يعذر بالجهل لأن الشرائع لا تلزم إلا بعد بلوغ الرسالة إلى أن قال وكذلك إذا فعل شيئا من الشرك غير الحلف جهلا منه وخطأ فإذا نبه على ذلك تنبه وتاب ونزع كما جرى لقوم موسى ﵇ وكما جرى للصحابة الذين قالوا لرسول الله ﷺ اجعل لنا ذات أنواط وأما من يفعل ذلك جهلًا لا عنادًا وماتوا عليه قبل أن يبلغهم أنه شرك هل يحكم بإسلامهم ويرجى لهم العفو من الله والمغفرة وينفعهم استغفار الأحياء لهم؟ فهذه المسألة أحسن الأجوبة فيها أن يقال الله أعلم بهم، كما قال موسى ﵇ لما قيل له: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (٥١) قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢)﴾ [طه: ٥١ - ٥٢] " (٣).
التبرك قسمان: ممنوع ومشروع:
أولا: التبرك الممنوع:
منه ما هو شرك أكبر إذا عتقد أنها تمنح البركة استقلالًا من دون الله أو اعتقد أنهما واسطة إلى الله تعالى كما يفعله عباد اللات والعزى ومناة.
قال الشيخ سليمان بن عبد الله: "وقال أبو صالح: العزى نخلة كانوا يعلقون
стр. 346
عليها السيور والعهن رواه عبد بن حميد وابن جرير. فتأمل فعل المشركين مع هذا الوثن، ووازن بينه وبين ما يفعله عباد القبور من دعائها، والذبح عِنْدَها، وتعليق الخيوط وإلقاء الخرق في ضرائح الأموات ونحو ذلك، فالله المستعان" (١).
* ومن هذا القبيل التبرك بالأموات بدعائهم وعبادتهم .
وقد سئل الشيخ ابن باز ﵀ عن قوم يتبركون بالموتى ويقولون أنهم ما يعبدونهم بل يتبركون بهم فقال ﵀: "الاعتبار بالحقائق والمعنى، لا باختلاف الألفاظ، فإذا قالوا: ما نعبدهم وإنما نتبرك بهم، لم ينفعهم ذلك، ما داموا فعلوا فعل المشركين من قبلهم، وإن لم يسموا ذلك عبادة، بل سموه توسلًا أو تبركًا، فالتعلق بغير الله، ودعاء الأموات والأنبياء والصالحين والذبح لهم أو السجود لهم، أو الاستغاثة بهم، كل ذلك عبادة ولو سموها خدمة، أو سموها غير ذلك، لأن العبرة بالحقائق لا بالأسماء كما تقدم (٢).
* فائدة: هناك أمور تحصل فيُظن أنها من بركة فلان الميت، وهذه البركة المزعومة موهومة باطلة يزعمها الدجالون فيمن يعتقدون ولايته وقد يكون للشيطان أثر في هذا الأمر بحيث أنه يخدم هذا الشيخ، فيكون في ذلك فتنة (٣).
* ومن التبرك الممنوع ما هو بدعة دون الشرك الأكبر وقد تدخل بعض صوره في الشرك الأصغر مثل أن يذبح لله في بقعة معينة، أو أن يصلي لله عِنْدَها معتقدًا البركة فهذا يعتبر تبرك وسيلة. وضابطه: أن يقصد مكانًا معينًا ليعمل عِنْدَه عملًا لله ومثله أن يتمسح بها كمن يتمسح بأعمدة المسجد الحرام، أو الكعبة تبركًا.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "ومع الأسف أن بعض الناس اتخذوا من
стр. 347
العبادات نوعًا من التبرك فقط مثل ما يشاهد من أن بعض الناس يمسح الركن اليماني من باب التبرك لا التعبد، وهذا جهل، وقد قال عمر في الحجر: "إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبِّلك ما قبَّلتك"" (١).
وقال الشيخ ﵀: "والقاعدة: "إن كل إنسان اعتمد على سبب لم يجعله الشرع سببا؛ فإنه مشرك شركًا أصغر"" (٢).
وقال أيضًا: "وأما التبرك بها: فإن كان يعتقد أنها تنفع من دون الله فهذا شرك في الربوبية مخرج عن الملة، وإن كان يعتقد أنها سبب وليست تنفع من دون الله فهو ضال غير مصيب، وما اعتقده فإنه من الشرك الأصغر" (٣).
قال شيخ الإسلام ابنُ تَيمِيَّةَ: "فمن قصد بقعة يرجو الخير بقصدها ولم تستحب الشريعة ذلك فهو من المنكرات وبعضه أشد من بعض سواء كانت البقعة شجرة أو غيرها أو قناة جارية أو جبلا أو مغارة وسواء قصدها ليصلي عندها أو ليدعو عندها أو ليقرأ عندها أو ليذكر الله سبحانه عندها أو لينسك عندها بحيث يخص تلك البقعة بنوع من العبادة التي لم يشرع تخصيص تلك البقعة به لا عينًا ولا نوعًا" (٤).
وقال الشيخ ابن عثيمين: "وفي هذا الوقت أصبح تعليق القرآن لا للاستشفاء، بل لمجرد التبرك والزينة؛ كالقلائد الذهبية، أو الحلي التي يكتب عليها لفظ الجلالة، أو آية الكرسي، أو القرآن كاملًا؛ فهذا كله من البدع" (٥).
стр. 348
وسُئل ﵀ عن هذه العبارات: "باسم الوطن، باسم الشعب، باسم العروبة"؟.
فأجاب قائلًا: "هذه العبارات إذا كان الإنسان يقصد بذلك أنه يعبر عن العرب أو يعبر عن أهل البلد فهذا لا بأس به، وإن قصد التبرك والاستعانة فهو نوع من الشرك، وقد يكون شركًا أكبر بحسب ما يقوم في قلب صاحبه من التعظيم بما استعان به" (١).
* وتبين من هذا أن الحكم على التبرك الممنوع فيه ما هو شرك أكبر وفيه ما هو منكر دون ذلك والأمر في ذلك يعود إلى الاعتقاد القائم في قلب صاحبه.
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: " ... من تبرك بشجر أو حجر ونحوهما كبقعة وقبر ونحو ذلك فهو مشرك" (٢).
وقال الشيخ ابن عثيمين: "تسمية المساجد بأسماء الأنبياء لا ينبغي لأن هذا إنما يتخذ على سبيل التقرب إلى الله أو التبرك بأسماء الأنبياء، والتقرب إلى الله بما لم يشرعه، والتبرك بما لم يجعله الله سببًا للبركة لا ينبغي، بل هو نوع من البدع" (٣).
وسئل ﵀ عن حكم التبرك بالقبور والطواف حولها بقصد قضاء حاجة أو تقرب؟.
فأجاب بقوله: "التبرك بالقبور حرام ونوع من الشرك وذلك لأنه إثبات تأثير شيء لم ينزل الله به سلطانًا ولم يكن من عادة السلف الصالح أن يفعلوا مثل هذا التبرك فيكون من هذه الناحية بدعة أيضًا، وإذا اعتقد المتبرك أن لصاحب القبر تأثيرًا أو قدرة على دفع الضرر أو جلب النفع كان ذلك شركًا أكبر إذا دعاه لجلب
стр. 349
المنفعة أو دفع المضرة" (١).
وقرر الشيخ صالح الفوزان: "أن من طلب البركة من حجر أو شجر فقد أشرك بالله ، لأن الحجر والشجر لا يخلق البركة ولا يوجدها، ولا هو سبب في حصولها، وإنما الذي يوجدها هو الله ... فالاعتماد على الله في كل الأمور، وإنما نتخذ الأسباب لأن الله امرنا باتخاذ الأسباب، وأما النتائج فهي عند الله ، نحن لا نعتمد على الأسباب، وإنما نعتمد على الله، ونحن لا نعطل الأسباب، لأن الله أمرنا بذلك، تعطيل الأسباب عجز وتعطيل للمنافع، التي جعلها الله في الأشياء، كما قال بعض العلماء: "الاعتماد على السبب شرك، وترك السبب قدح في الشرع"؛ لأن الشرع أمرك باتخاذ الأسباب "والاعتماد على الأسباب شرك"؛ لأنه اعتماد على غير الله.
فهذه مسألة يجب على طالب العلم أن يفقهها وأن يعرفها، وأن يتأملها جيدًا، وأن يوضحها للمسلمين، لإزاحة الشبهات، وإزاحة التضليل الذي يَرُوج عند بعض الناس بسبب الجهل، أو بسبب سوء القصد ... والآن عَبَدة القبور يقولون: هذا ليس بشرك، هذا توسُّل، وهذا محبة للأولياء والصالحين، إن أولياء الله الصالحين لا يرضون بهذا العمل، ولا يرضون أن تُجعل قبورهم أوثانًا تُعبد من دون الله، والنبي ﷺ يقول: "اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، فدلّ على أن تعظيم القبور والتبرك بها يجعلها أوثانًا تُعبد من دون الله.
فالحاصل؛ أن هذا فيه دليل على أن العبرة في المعاني لا في الألفاظ، فاختلاف الألفاظ لا يؤثر، وإن سّميتموه توسّلًا، أو سّميتموه إظهارًا لشرف الصالحين، أو
стр. 350
وفاءً بحقهم علينا -كما تقولون-، هذا هو الشرك، سواء بسواء، فالذي يتبرك بالحجر أو بالشجر أو بالقبر قد اتخده إلهًا، وإن كان يزعم أنه ليس بإله، الأسماء لا تغير الحقائق، إذا سميت الشرك توسلًا، أو محبة للصالحين، أو وفاءً بحقهم، نقول: الأسماء لا تغير الحقائق" (١).
* فائدة: بعض الناس قد يتبرك بقبر الرسول ﷺ ومن مظاهر ذلك الدعاء والصلاة عِنْدَه أو يعتقد أن الدعاء عِنْدَ قبره ﷺ مستجاب أو أنه أفضل من الدعاء في المساجد والبيوت أو يعتقد أن الصلاة عِنْدَ القبر أرجى للقبول فيقصد زيارته لذلك. قال شيخ الإسلام ابنُ تَيمِيَّةَ عن هذا الفعل ونحوه: "فهذا من المنكرات المبتدعة باتفاق أئمة المسلمين وهي محرمة، وما علمت في ذلك نزاعا بين أئمة الدين" (٢).
فكل ما عمل عِنْدَه من عبادة أو اعتكاف أو ما شابهه بقصد البركة بقبره فإن هذا من البدع المحدثة في الدين.
قال شيخ الإسلام ابنُ تَيمِيَّةَ: "لو كان للأعمال عِنْدَ القبرِ فضيلة لفتح للمسلمين باب الحجر فلما منعوا من الوصول إلى القبر وأمروا بالعبادة في المسجد علم أن فضيلة العمل فيه لكونه في مسجده" (٣).
ومن المنكرات وضعهم اليد للتبرك على شباك حجرة النبي ﷺ وحلف البعض بذلك بقوله: وحق الذي وضعت يدك على شباكه، وقلت الشفاعة يا رسول الله (٤).
стр. 351
ومنها ربط الخرق بالمقام والمنبر لقضاء الحاجات (١).
ومنها بدعة إلصاق البطن والظهر بجدار القبر ومسحه باليد (٢).
ومنها إلقاء المناديل والثياب على القبر؛ بقصد التبرك (٣).
وهذا ومثله إن سلم صاحبه من الشرك فإنه لا يسلم من الحرمة لأنه ابتداع في الدين ومخالف لما عليه الرسول ﷺ وأصحابه.
ومن البدع تخصيص أزمنة معينة -لم يخصها الشرع بذلك- بنوع من التعظيم والاحتفالات والعبادات، كيوم مولد الرسول ﷺ ، ويوم الإسراء والمعراج، ويوم الهجرة، ويوم بدر، وفتح مكة وغير ذلك، فالتبرك بالأزمنة على هذا النحو من البدع.
* وينبغي نزع كل ما يفتن العامة أو يفسد عليهم اعتقادهم من الأنصاب التي يتبرك بها أو يتمسح بها فإن لم يتيسر نزعها وإزالتها فإنهم يمنعون منها ومن الوصول إليها، وقد جاء عن الحافظ أبي شامة: "أن بعض أهل العلم في إفريقية كان إلى جانبه عين تسمى عين العافية، كان العامة قد افتتنوا بها يأتونها من الآفاق، فمن تعذر عليه نكاح، أو ولد قال: امضوا بي إلى العافية، فيعرف فيها فتنة، فخرج في السحر فهدمها، وأذن للصبح عليها، ثم قال: "اللهم إني هدمتها لك، فلا ترفع لها رأسًا، قال: فما رفع لها رأس إلى الآن"" (٤).
стр. 352
وقال ابن القيم: "وكان بدمشق كثير من الأنصاب، فيسر الله سبحانه كسرها على يد شيخ الإسلام وحزب الله الموحدين، كالعمود المخلق، والنصب الذي كان بمسجد النارنج عِنْدَ المصلي يعبد الجهال، والنصب الذي كان تحت الطاحون، الذي عِنْدَ مقابر النصارى، ينتابه الناس للتبرك به، صورة صنم في نهر القلوط ينذرون له ويتبركون به، وقطع الله سبحانه النصب الذي كان عِنْدَ الرحبة يسرج عِنْدَه، ويتبرك به المشركون. وكان عمودا طويلا على رأسه حجرا كالكرة. وعِنْدَ مسجد درب الحجر نصب قد بنى عليه مسجد صغير، ويعبده المشركون يسر الله كسره" (١).
* حكم التبرك بذوات الصالحين وآثارهم:
التبرك بذوات الصالحين وآثارهم من التبرك الباطل فلم يؤثر عن أحد من الناس أنه تبرك بوضوء أبي بكر أو عرقه، أو ثيابه أو ريقه أو غير ذلك ولا عمر ولا عثمان ولا علي بن أبي طالب ﵃ أجمعين، وإنما كان الصحابة ﵃ يتبركون بوضوء النبي ﷺ ، وجسمه وعرقه، وريقه، وشعره، وملابسه، وهذا خاص بالنبي ﷺ ، لا يجوز أن يقاس عليه أحد من الصالحين، ولو كانوا الخلفاء الراشدين، أو العشرة المبشرين فضلا عن غيرهم، لأن التبرك عباده مبناها على التوقيف والاتباع (٢). وقد حكى الشاطبي ﵀ الإجماع على عدم التبرك بغير رسول الله ﷺ (٣).
قال ابن أبي يعلى في ترجمة علي بن عبد الله الطيالسي: "نقل عن إمامنا أشياء منها
стр. 353
قال: مسحت يدي على أحمد بن حنبل ثم مسحت يدي على بني وهو ينظر، فغضب غضبًا شديدًا، وجعل ينفض نفسه ويقول: عمن أخذتم هذا وأنكره إنكارًا شديدًا" (١).
قال ابن رجب: "وكذلك التبرك بالآثار، فإنما كان يفعله الصحابة مع النبي ﷺ ولم يكونوا يفعلونه مع بعضهم ... ولا يفعله التابعون مع الصحابة، مع علو قدرهم فدل على أن هذا لا يفعل إلا مع النبي ﷺ مثل التبرك بوضوئه، وفضلاته، وشعره، وشرب فضل شرابه وطعامه" (٢).
فالصواب أن التبرك بالصالحين وآثارهم بدعة، وبعض أهل العلم يرى أنه من الشرك الأصغر.
أما ما ذهب إليه النووي وابن حجر والشوكاني من جوازه لأن الصحابة تبركوا بالرسول ﷺ فهذا قياس مع الفارق.
يقول الشيخ سليمان بن عبد الله: "ذكر بعض المتأخرين أن التبرك بآثار الصالحين مستحب كشرب سؤرهم والتمسح بهم أو بثيابهم، وحمل المولود إلى أحد منهم ليحنكه بتمرة حتى يكون أول ما يدخل جوفه ريق الصالحين والتبرك بعرقهم ونحو ذلك، وقد أكثر من ذلك أبو زكريا النووي في شرح مسلم في الأحاديث التي فيها الصحابة فعلوا شيئا من ذلك مع النبي ﷺ (٣) وظن أن بقية الصالحين في ذلك كالنبي ﷺ وهذا خطأ صريح لوجوه:
منها عدم المقاربة فضلًا عن المساواة للنبي ﷺ في الفضل والبركة ومنها عدم
стр. 354
تحقق الصلاح، فإنه لا يتحقق إلا بصلاح القلب وهذا أمر لا يمكن الإطلاع عليه إلا بنص، كالصحابة الذين أثنى الله عليهم ورسوله أو أئمة التابعين، ومن شهر بصلاح ودين كالأئمة الأربعة ونحوهم من الذين تشهد لهم الأمة بالصلاح وقد عدم أولئك، أما غيرهم فغاية الأمر أن نظن أنهم صالحون فنرجو لهم.
ومنها أنا لو ظننا صلاح شخص فلا نأمن أن يختم له بخاتمة سوء، والأعمال بالخواتيم فلا يكون أهلا للتبرك بآثاره.
ومنها أن الصحابة لم يكونوا يفعلون ذلك مع غيره لا في حياته، ولا بعد موته، ولو كان خيرا لسبقونا إليه، فهلا فعلوه مع أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ونحوهم من الذين شهد لهم النبي ﷺ بالجنة، وكذلك التابعون هلا فعلوه مع سعيد بن المسيب وعلي بن الحسين وأويس القرني والحسن البصري ونحوهم ممن يقطع بصلاحهم فدل أن ذلك مخصوص بالنبي ﷺ .
ومنها أن فعل هذا مع غيره ﷺ لا يؤمن أن يفتنه وتعجبه نفسه فيورثه العجب والكبر والرياء فيكون هذا كالمدح في الوجه بل أعظم" (١).
قال ابن رجب: "وفي الجملة فهذه الأشياء فتنة للمعظِّم والمعظَّم لما يخشى عليه من الغلو المدخل في البدعة وربما يترقى إلى نوع من الشرك" (٢).
قال ابن باز ﵀: "لا يجوز التبرك بأحد غير النبي ﷺ لا بوضوئه، ولا بشعره، ولا بعرقه، ولا بشيء من جسده؛ بل هذا كله خاص بالنبي ﷺ لما جعل الله في جسده وما مسه من الخير والبركة.
ولهذا لم يتبرك الصحابة ﵃ بأحد منهم، لا في حياته ولا بعد وفاته ﷺ لا مع الخلفاء الراشدين ولا مع غيرهم. فدل ذلك على أنهم قد عرفوا أن ذلك خاص
стр. 355
بالنبي ﷺ دون غيره، ولأن ذلك وسيلة إلى الشرك وعبادة غير الله سبحانه" (١).
ثانيًا: التبرك المشروع:
وهو أنواع منها:
أ - التبرك بالأقوال والأفعال والهيئات التي حث عليها رسول الله ﷺ -:
فمن الأقوال: ذكر الله وتلاوة كتابه (٢) فمن بركات الذكر ما رواه أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر .. وفيه أن الله يقول: فأشهدكم أني قد غفرت لهم، قال: يقول ملك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم إنما جاء لحاجة قال: هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم" (٣).
ومن بركات القرآن أن الحرف الواحد بعشر حسنات، ومن ذلك أيضا ما رواه أبو أمامة الباهلي أن رسول الله ﷺ قال: "اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه، اقرؤوا الزهراوين البقرة وسورة آل عمران، فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو كأنهما غيايتان، أو كأنهما فرقان من طير صواف تحاجان عن أصحابهما، اقرؤوا سورة البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة، ولا يستطيعها البطلة" (٤).
ومن بركات القرآن أنه شفاء للناس وهدى ورحمة.
ومن الأفعال التي تكون سببًا للبركة: طلب العلم وتعلمه، فمن بركاته الرفعة في الدنيا والآخرة، ومن ذلك أداء الصلاة جماعة مع المسلمين فمن بركة ذلك مضاعفة الحسنات وتكفير السيئات، وكذا بقية أركان الإسلام ففيها بركات