ومنها ربط الخرق بالمقام والمنبر لقضاء الحاجات (١).
ومنها بدعة إلصاق البطن والظهر بجدار القبر ومسحه باليد (٢).
ومنها إلقاء المناديل والثياب على القبر؛ بقصد التبرك (٣).
وهذا ومثله إن سلم صاحبه من الشرك فإنه لا يسلم من الحرمة لأنه ابتداع في الدين ومخالف لما عليه الرسول ﷺ وأصحابه.
ومن البدع تخصيص أزمنة معينة -لم يخصها الشرع بذلك- بنوع من التعظيم والاحتفالات والعبادات، كيوم مولد الرسول ﷺ ، ويوم الإسراء والمعراج، ويوم الهجرة، ويوم بدر، وفتح مكة وغير ذلك، فالتبرك بالأزمنة على هذا النحو من البدع.
* وينبغي نزع كل ما يفتن العامة أو يفسد عليهم اعتقادهم من الأنصاب التي يتبرك بها أو يتمسح بها فإن لم يتيسر نزعها وإزالتها فإنهم يمنعون منها ومن الوصول إليها، وقد جاء عن الحافظ أبي شامة: "أن بعض أهل العلم في إفريقية كان إلى جانبه عين تسمى عين العافية، كان العامة قد افتتنوا بها يأتونها من الآفاق، فمن تعذر عليه نكاح، أو ولد قال: امضوا بي إلى العافية، فيعرف فيها فتنة، فخرج في السحر فهدمها، وأذن للصبح عليها، ثم قال: "اللهم إني هدمتها لك، فلا ترفع لها رأسًا، قال: فما رفع لها رأس إلى الآن"" (٤).
стр. 352
وقال ابن القيم: "وكان بدمشق كثير من الأنصاب، فيسر الله سبحانه كسرها على يد شيخ الإسلام وحزب الله الموحدين، كالعمود المخلق، والنصب الذي كان بمسجد النارنج عِنْدَ المصلي يعبد الجهال، والنصب الذي كان تحت الطاحون، الذي عِنْدَ مقابر النصارى، ينتابه الناس للتبرك به، صورة صنم في نهر القلوط ينذرون له ويتبركون به، وقطع الله سبحانه النصب الذي كان عِنْدَ الرحبة يسرج عِنْدَه، ويتبرك به المشركون. وكان عمودا طويلا على رأسه حجرا كالكرة. وعِنْدَ مسجد درب الحجر نصب قد بنى عليه مسجد صغير، ويعبده المشركون يسر الله كسره" (١).
* حكم التبرك بذوات الصالحين وآثارهم:
التبرك بذوات الصالحين وآثارهم من التبرك الباطل فلم يؤثر عن أحد من الناس أنه تبرك بوضوء أبي بكر أو عرقه، أو ثيابه أو ريقه أو غير ذلك ولا عمر ولا عثمان ولا علي بن أبي طالب ﵃ أجمعين، وإنما كان الصحابة ﵃ يتبركون بوضوء النبي ﷺ ، وجسمه وعرقه، وريقه، وشعره، وملابسه، وهذا خاص بالنبي ﷺ ، لا يجوز أن يقاس عليه أحد من الصالحين، ولو كانوا الخلفاء الراشدين، أو العشرة المبشرين فضلا عن غيرهم، لأن التبرك عباده مبناها على التوقيف والاتباع (٢). وقد حكى الشاطبي ﵀ الإجماع على عدم التبرك بغير رسول الله ﷺ (٣).
قال ابن أبي يعلى في ترجمة علي بن عبد الله الطيالسي: "نقل عن إمامنا أشياء منها
стр. 353
قال: مسحت يدي على أحمد بن حنبل ثم مسحت يدي على بني وهو ينظر، فغضب غضبًا شديدًا، وجعل ينفض نفسه ويقول: عمن أخذتم هذا وأنكره إنكارًا شديدًا" (١).
قال ابن رجب: "وكذلك التبرك بالآثار، فإنما كان يفعله الصحابة مع النبي ﷺ ولم يكونوا يفعلونه مع بعضهم ... ولا يفعله التابعون مع الصحابة، مع علو قدرهم فدل على أن هذا لا يفعل إلا مع النبي ﷺ مثل التبرك بوضوئه، وفضلاته، وشعره، وشرب فضل شرابه وطعامه" (٢).
فالصواب أن التبرك بالصالحين وآثارهم بدعة، وبعض أهل العلم يرى أنه من الشرك الأصغر.
أما ما ذهب إليه النووي وابن حجر والشوكاني من جوازه لأن الصحابة تبركوا بالرسول ﷺ فهذا قياس مع الفارق.
يقول الشيخ سليمان بن عبد الله: "ذكر بعض المتأخرين أن التبرك بآثار الصالحين مستحب كشرب سؤرهم والتمسح بهم أو بثيابهم، وحمل المولود إلى أحد منهم ليحنكه بتمرة حتى يكون أول ما يدخل جوفه ريق الصالحين والتبرك بعرقهم ونحو ذلك، وقد أكثر من ذلك أبو زكريا النووي في شرح مسلم في الأحاديث التي فيها الصحابة فعلوا شيئا من ذلك مع النبي ﷺ (٣) وظن أن بقية الصالحين في ذلك كالنبي ﷺ وهذا خطأ صريح لوجوه:
منها عدم المقاربة فضلًا عن المساواة للنبي ﷺ في الفضل والبركة ومنها عدم
стр. 354
تحقق الصلاح، فإنه لا يتحقق إلا بصلاح القلب وهذا أمر لا يمكن الإطلاع عليه إلا بنص، كالصحابة الذين أثنى الله عليهم ورسوله أو أئمة التابعين، ومن شهر بصلاح ودين كالأئمة الأربعة ونحوهم من الذين تشهد لهم الأمة بالصلاح وقد عدم أولئك، أما غيرهم فغاية الأمر أن نظن أنهم صالحون فنرجو لهم.
ومنها أنا لو ظننا صلاح شخص فلا نأمن أن يختم له بخاتمة سوء، والأعمال بالخواتيم فلا يكون أهلا للتبرك بآثاره.
ومنها أن الصحابة لم يكونوا يفعلون ذلك مع غيره لا في حياته، ولا بعد موته، ولو كان خيرا لسبقونا إليه، فهلا فعلوه مع أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ونحوهم من الذين شهد لهم النبي ﷺ بالجنة، وكذلك التابعون هلا فعلوه مع سعيد بن المسيب وعلي بن الحسين وأويس القرني والحسن البصري ونحوهم ممن يقطع بصلاحهم فدل أن ذلك مخصوص بالنبي ﷺ .
ومنها أن فعل هذا مع غيره ﷺ لا يؤمن أن يفتنه وتعجبه نفسه فيورثه العجب والكبر والرياء فيكون هذا كالمدح في الوجه بل أعظم" (١).
قال ابن رجب: "وفي الجملة فهذه الأشياء فتنة للمعظِّم والمعظَّم لما يخشى عليه من الغلو المدخل في البدعة وربما يترقى إلى نوع من الشرك" (٢).
قال ابن باز ﵀: "لا يجوز التبرك بأحد غير النبي ﷺ لا بوضوئه، ولا بشعره، ولا بعرقه، ولا بشيء من جسده؛ بل هذا كله خاص بالنبي ﷺ لما جعل الله في جسده وما مسه من الخير والبركة.
ولهذا لم يتبرك الصحابة ﵃ بأحد منهم، لا في حياته ولا بعد وفاته ﷺ لا مع الخلفاء الراشدين ولا مع غيرهم. فدل ذلك على أنهم قد عرفوا أن ذلك خاص
стр. 355
بالنبي ﷺ دون غيره، ولأن ذلك وسيلة إلى الشرك وعبادة غير الله سبحانه" (١).
ثانيًا: التبرك المشروع:
وهو أنواع منها:
أ - التبرك بالأقوال والأفعال والهيئات التي حث عليها رسول الله ﷺ -:
فمن الأقوال: ذكر الله وتلاوة كتابه (٢) فمن بركات الذكر ما رواه أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر .. وفيه أن الله يقول: فأشهدكم أني قد غفرت لهم، قال: يقول ملك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم إنما جاء لحاجة قال: هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم" (٣).
ومن بركات القرآن أن الحرف الواحد بعشر حسنات، ومن ذلك أيضا ما رواه أبو أمامة الباهلي أن رسول الله ﷺ قال: "اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه، اقرؤوا الزهراوين البقرة وسورة آل عمران، فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو كأنهما غيايتان، أو كأنهما فرقان من طير صواف تحاجان عن أصحابهما، اقرؤوا سورة البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة، ولا يستطيعها البطلة" (٤).
ومن بركات القرآن أنه شفاء للناس وهدى ورحمة.
ومن الأفعال التي تكون سببًا للبركة: طلب العلم وتعلمه، فمن بركاته الرفعة في الدنيا والآخرة، ومن ذلك أداء الصلاة جماعة مع المسلمين فمن بركة ذلك مضاعفة الحسنات وتكفير السيئات، وكذا بقية أركان الإسلام ففيها بركات
стр. 356
عظيمة، وكذا الجهاد في سبيل الله، فمن بركاته نيل الشهادة.
ومن الهيئات المباركة الاجتماع على الطعام والأكل من جوانب القصعة، ولعق الأصابع، وكيل الطعام، فقد قال ﷺ : "اجتمعوا على طعامكم، واذكروا اسم الله تعالى عليه يبارك لكم فيه" (١). وقال ﷺ : "إن البركة تنزل وسط الطعام فكلوا من حافتيه، ولا تأكلوا من وسطه" (٢). وأمر ﷺ بلعق الأصابع، وقال: "فإنه لا يدري في أي طعامه البركة" (٣). وقال ﷺ : "كيلوا طعامكم يبارك لكم" (٤). فكل قول أو فعل أمر الله به أو رسوله قام به العبد مع الإخلاص والمتابعة، فإنه سبب للبركة.
ب - هناك أمكنة مباركة جعلها الله سببًا في زيادة الأجر إذا تحقق في العمل الإخلاص والمتابعة ولكن هذه البركة في الأمكنة لا تتعدى، ومن هذه الأماكن المساجد والتماس البركة فيها إنما يكون بأداء الصلاة فيها، والاعتكاف، وحضور مجالس العلم وغير ذلك مما هو مشروع، ولا يكون بالتمسح بجدرانها أو ترابها مما هو ممنوع.
ومن المساجد ما يكون لها مزية وزيادة في البركة كالمسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى، فصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، وفي المسجد النبوي بألف صلاة، وفي المسجد الأقصى بخمسمائة صلاة، وقال ﷺ : "من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء وصلى فيه صلاة كان له كأجر عمرة" (٥).
ومن الأمكنة المباركة: مكة شرفها الله، والمدينة المنورة، والشام، فإن النبي
стр. 357
- ﷺ قال: "إن إبراهيم حرّم مكة ودعا لها، وحرَّمت المدينة كما حرَّم إبراهيم مكة، ودعوت لها في مدها وصاعها مثل ما دعا إبراهيم لمكة" (١)، وقال ﷺ : "ولا يريد أحد أهل المدينة بسوء إلا أذابه الله في النار ذوب الرصاص أو ذوب الملح في الماء" (٢)، وقال ﷺ : "طوبى للشام". فقلنا: لأي ذلك يا رسول الله؟ قال: "لأن ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها عليها" (٣).
فمن سكن مكة أو المدينة أو الشام طلبًا لما فيها من البركة التي أخبر عنها النبي ﷺ ، فقد وفق إلى خير كثير، بخلاف ما لو طلب التبرك بالتمسح بترابها وجدرانها وأشجارها وغير ذلك مما لم يرد به الشرع فإنه بدعة وكذا المشاعر المقدسة كعرفة ومزدلفة ومنى فهي أماكن مباركة لما في الاقتداء بالرسول ﷺ ، بالحصول فيها في الأوقات المشروعة من غفران الذنوب وحصول الأجر الكبير.
ج - أزمنة مباركة خصها الشرع بزيادة فضل وبركة مثل شهر رمضان لما في صيامه من غفران الذنوب وزيادة رزق المؤمن، وغير ذلك.
ومن ذلك ليلة القدر، والعشر الأول من شهر ذي الحجة، ويوم الجمعة، والثلث الأخير من الليل وغير ذلك من الأزمنة التي خصها الشرع بمزية، ويكون فيها من الخير والفضل والبركة الشيء الكثير، والتماس البركة في هذه الأزمنة يكون باتباع ما أرشد إليه النبي ﷺ .
د - ومن الأطعمة المباركة زيت الزيتون فإن النبي ﷺ قال: "كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة" (٤).
стр. 358
ومن ذلك اللبن لحديث عائشة: كان رسول الله ﷺ إذا أتي بلبن قال: "كم في البيت بركة أو بركتين" (١).
ومن ذلك الحبة السوداء فهي شفاء من كل داء إلا السام (٢)، كما أخبر النبي ﷺ (٣).
ومن ذلك أيضًا ماء زمزم فإنها مباركة إنها طعام طعم. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: ورأيت أبي غير مرة يشرب من ماء زمزم يستشفي به، ويمسح به يديه وجهه (٤).
هـ - ومن ذلك الخيل فقد قال النبي ﷺ : "الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة" (٥).
و- ومن ذلك أيضًا النخل فقد قال ﷺ : "إن من الشجر لما بركته كبركة المسلم" (٦).
فهذه الأشياء تلتمس منها البركة حسب ما جاء عن الشرع ولا يتعدى بها الوجه المشروع والمباح (٧).
* التبرك بالرسول ﷺ -:
ثبت تبرك الصحابة الكرام برسول الله ﷺ في أحاديث كثيرة ففي صحيح البخاري عن ابن سيرين أنه قال: قلت لعبيدة: عِنْدَنا من شعر النبي ﷺ ، أصبناه من قبل أنس أو من قبل أهل أنس. فقال: لأن تكون عِنْدَي شعرة منه أحب إليّ من
стр. 359
الدنيا وما فيها (١).
ومن بركاته نبوع الماء من تحت أصابعه وتكثيره الطعام وإبراؤه المرضى وذوي العاهات كبصقة في عيني عليّ ﵁ يوم خيبر فبرأ مكانه حتى كأنه لم يكن به شيء ومن بركته إجابة دعائه فقد دعا الله كثيرًا فاستجاب له كثيرًا ودعا لأنس فكثّر الله ماله وولده، ودعا للاستسقاء فثار السحاب أمثال الجبال.
قال القرطبي: كان ﷺ كلما دعا الله في شيء أجابه وظهرت بركات دعوته على المدعو له وعلى أهله وبنيه (٢).
وأعظم بركة تحصل للعبد هي اتباع الرسول ﷺ والسير على نهجه فبها تنال محبة الله ومغفرته قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ [آل عمران: ٣١].
وقد كان الصحابة على علم بأن هذه البركة من الله تعالى ولذلك فإن كبارهم لم يطلبوها من النبي ﷺ إلا في الأمور المشروعة كأن يدعو لهم أو يصلي عِنْدَهم فيتخذون مكانه مسجدًا ونحو ذلك.
بل كان النبي ﷺ ينبههم على ذلك كما في البخاري لما نبع الماء من بين يديه قال: "حي على أهل الوضوء والبركة من الله" (٣).
وذكر الشاطبي حديثًا يفيد أن الأولى ترك التبرك بذات رسول الله ﷺ وآثاره وأن يحرص الإنسان على القيام بالدين، قال: وقد خرج ابن وهب في جامعه من
стр. 360
حديث يونس بن يزيد عن ابن شهاب قال حدثني رجل من الأنصار أن رسول الله ﷺ كان إذا توضأ أو تنخم ابتدر من حوله من المسلمين وضوء ونخامته فشربوه ومسحوا به جلودهم، فلما رآهم يصنعون ذلك سألهم: "لم تفعلون هذا؟ " قالوا: نلتمس الطهور والبركة بذلك فقال رسول الله ﷺ : "من كان منكم يحب أن يحبه الله ورسوله فليصدق الحديث وليؤد الأمانة ولا يؤذ جاره" (١).
* حكم التبرك بآثار الرسول ﷺ بعد وفاته:
جاء في صحيح الإمام مسلم أن أسماء بنت أبي بكر أخرجت جبة طيالسة وقالت هذه كانت عِنْدَ عائشة حتى قبضت فلما قبضت قبضتها، وكان رسول الله ﷺ يلبسها فنحن نغسلها للمرضى لنستشفي بها (٢).
وبهذا الحديث وغيره يثبت جواز التبرك بآثار الرسول ﷺ بعد وفاته ولا يثبت في هذا الزمان وجود شيء من آثاره من شعر أو عرق أو سيف أو ما شابه ذلك ولكن في اتباع هديه والاقتداء به والسير على منهاجه ظاهرًا وباطنًا أعظم بركة، أما ما يذكره بعض الناس من وجود ذلك فإنه موقع شك لا يقين.
يقول الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ﵀: "ونحن نعلم أن آثاره من ثياب أو شعر أو فضلات قد فقدت وليس بإمكان أحد إثبات وجود شيء منها على وجه القطع واليقين" (٣).
* حكم بعض الألفاظ المتعلقة بالبركة:
١ - كلمة تبارك لا تطلق إلا على الله إذ معناها تعالى وتعاظم وتقدس. قال ابن دريد: "وتبارك لا يوصف به إلا الله تعالى، ولا يُقال تبارك فلان في معنى عظم، هذه
стр. 361
الصفة لا تنبغي إلا الله " (١).
وقال الشيخ ابن عثيمين: "قال العلماء معنى تبارك: أي كثرت بركاته وخيراته، ولهذا يقولون: إن هذا الفعل لا يوصف به إلا الله؛ فلا يُقال: تبالرك فلان؛ لأن هذا الوصف خاص بالله.
وقول العامة: "أنت تباركت علينا" لا يريدون بهذا ما يريدونه بالنسبة إلى الله ، وإنما يريدون أصابنا بركة من مجيئك ... " (٢).
٢ - هذه من بركاتك يا فلان أو بركات فلان هذه جائزة ويدل عليها قول أسيد بن الحضير في البخاري حين نزلت آية التيمم بسبب عقد عائشة الذي ضاع منها: ما هذه بأول بركتكم يا آل أبي بكر، ولأن الله أخبر أن بعض الناس مبارك كالصالحين (٣).
стр. 362
٧١ - تتبع آثار الأنبياء والصالحين المكانية *
المقصود تتبع قبور الأنبياء والصالحين ومجالسهم ومساكنهم ومواضع صلاتهم للصلاة والدعاء عندها أو التبرك أو غير ذلك وهذا كله البدع ووسائل الشرك ومثاله ما نقله الشيخ مرعي الحنبلي ﵀ حين قال: "غار حراء، وجبل ثور، وجبل الرماة، والمساجد السبعة، وغيرها من الآثار لا يشرع زيارتها بالاتفاق" (١).
* الدليل من السنة: روى سعيد بن منصور في سننه أن عمر الخطاب ﵁ لما رجع من حجته رأى الناس ابتدروا مسجدًا فقال: ما هذا؟ فقالو: مسجد صلى فيه رسول الله ﷺ فقال: هكذا هلك أهل الكتاب قبلكم اتخذوا آثار أنبياءهم بيعًا. من عرضت له منكم فيه الصلاة فليصل ومن لم تعرض له الصلاة فليمض" (٢).
وقال المعرور بن سويد: صليت مع عمر بن الخطاب في طريق مكة صلاة الصبح، فقرأ فيها: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١)﴾ [الفيل: ١]، وقوله تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١)﴾ [قريش: ١]، ثم رأى الناس يذهبون مذاهب فقال: أين
стр. 363
يذهب هؤلاء؟ فقيل: يا أمير المؤمنين مسجد صلى فيه رسول الله فهم يصلون فيه، فقال: "إنما أهلك من كان قبلكم بمثل هذا، كانوا يتتبعون آثار أنبيائهم، ويتخذونها كنائس وبيعا، فمن أدركته الصلاة في هذه المساجد فليصل، ومن لا فليمض ولا يتعمدها" (١).
وروى ابن سعد في الطبقات عن نافع قال: "كان الناس يأتون الشجرة التي يقال لها الرضوان فيصلّون عندها، قال: فبلغ عمر بن الخطاب فأوعدهم وأمر بها فقُطعت" (٢).
وفي التيسير "قال ابن وضاح: سمعت عيسى بن يونس يقول: "أمر عمر بن الخطاب بقطع الشجرة التي بويع تحتها النبي ﷺ فقطعها، لأن الناس كانوا يذهبون فيصلون تحتها، فخاف عليهم الفتنة. قال عيسى بن يونس: وهو عندنا من حديث ابن عون عن نافع (٣): أن الناس كانوا يأتون الشجرة فقطعها عمر ﵁" (٤).
وفي مغازي ابن إسحاق من زيادات يونس بن بكير عن أبي خلدة خالد بن دينار، حدثنا أبو العالية قال: "لما فتحنا "تُسْتُر" وجدنا في بيت مال الهرمزان سريرًا عليه رجل ميت عند رأسه مصحف، فأخذنا المصحف فحملناه إلى عمر، فدعا له كعبا فنسخه بالعربية، فأنا أول رجل قرأه من العرب، قرأته مثل ما أقرأ القرآن، فقلت لأبي العالية: ما كان فيه؟ قال: سيرتكم وأموركم ولحون كلامكم، وما هو كائن بعد. قلت: فما صنعتم بالرجل قال: حفرنا له بالنهار ثلاثة عشر قبرا متفرقة،
стр. 364
فلما كان بالليل دفناه وسوينا القبور كلها لنعميه على الناس لا ينبشونه قلت: وما يرجون منه؟ قال: كانت السماء إذا حبست عنهم برزوا بسريره فيمطرون. فقلت: من كنتم تظنون الرجل؟ قال: رجل يقال له: دانيال. فقلت: منذ كم وجدتموه مات؟ قال: منذ ثلاث مائة سنة. قلت: ما كان تغير منه شيء؟ قال لا إلا شعيرات من قفاه، إن لحوم الأنبياء لا تبليها الأرض" (١).
قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: "ففي هذه القصة ما فعله المهاجرون والأنصار من تعمية قبره لئلا يفتتن به، ولم يبرزوه للدعاء عنده والتبرك به، ولو ظفر به المتأخرون لجالدوا عليه بالسيوف ولعبدوه من دون الله" (٢).
* حكم تتبع آثار النبي ﷺ المكانية:
تتبع آثار النبي ﷺ المكانية إذا كان من باب التبرك فإنه لا يجوز سواء كانت تلك الآثار صحيحة أو غير صحيحة وتتبعه بهذا القصد بدعة.
وأما ابن عمر ﵂ فقد ثبت عنه أن كان يتحرى أماكن من الطريق فيصلي فيها؛ لأن النبي ﷺ صلّى في تلك الأمكنة (٣).
ولم يكن ابن عمر بتتبعه هذه الأماكن يقصد التبرك بها؛ بل كان فِعلُه لشدة المتابعة والاقتداء اجتهادًا منه، وما فعله النبي ﷺ من باب الجبلة أو وقع منه اتفاقًا لا قصدًا هو الذي فعله ابن عمر ﵄ مريدا التشبه برسول الله ﷺ فيما صلى فيه
стр. 365
وفيما مشى فيه، وهو وجه آخر يختلف عما يقصده الناس اليوم فإن لهم صورًا مختلفة فبعضهم يقصد الدعاء عندها وبعضهم يقصد التمسح بأعتابها، وبعضهم يقصد الاستشفاء بتربتها. وبعضهم يقصد التبرك وبعضهم يقصد الفرجة والتنزه وبعضهم يريد المصيبة العظمى وهي دعاؤها وعبادتها كما يفعله عباد القبور، وحكم تتبع الأماكن في كل ذلك يختلف بحسب ما يقوم في قلب الزائر من الاعتقادات وبحسب الأفعال المصاحبة له.
ومع أن ابن عمر أراد التشبه برسول الله ﷺ في هذا الفعل إلا أن الصحابة لم يُنقل عن أحدٍ منهم أنه كان يتحرى قصد الأمكنة التي نزلها النبي ﷺ ، بل وأنكر ذلك على ابنِ عمر أبوه الخليفة الراشد عمر بن الخطاب -رضى الله عنه- حيث قال: إنما هلك أهل الكتاب لأنهم تتبعوا آثار أنبيائهم فاتخذوها كنائس وبيَعًا.
قال الإمام ابن تيمية ﵀: "لأن ما فعله ابن عمر لم يوافقه عليه أحد من الصحابة، فلم ينقل عن الخلفاء الراشدين ولا عن غيرهم من المهاجرين والأنصار أن أحدًا منهم كان يتحرى قصد الأمكنة التي نزلها النبي ﷺ ، والصواب مع جمهور الصحابة؛ لأن متابعة النبي ﷺ تكون بطاعة أمره وتكون في فعله بأن يفعل مثل ما فعل على الوجه الذي فعله، فإذا قصد النبي ﷺ العبادة في مكان كان قصد العبادة فيه متابعة له كقصد المشاعر والمساجد، وأما إذا نزل في مكان بحكم الاتفاق لكونه صادف وقت النزول أو غير ذلك مما يعلم أنه لم يتحر ذلك المكان فإنا إذا تحرينا ذلك المكان لم نكن متبعين له فإن الأعمال بالنيات ... فأما الأمكنة التي كان النبي ﷺ يقصد الصلاة والدعاء عندها فقصد الصلاة أو الدعاء فيها سنة اقتداء برسول الله ﷺ واتباعًا له كما إذا تحرى الصلاة أو الدعاء في وقت من الأوقات فإن قصد الصلاة أو الدعاء في ذلك الوقت سنة كسائر عباداته وسائر الأفعال التي فعلها على وجه التقرب، ومثل هذا ما أخرجاه في الصحيحين عن يزيد
стр. 366
بن أبي عبيد قال: كان سلمة بن الأكوع يتحرى الصلاة عند الأسطوانة التي عند المصحف. فقلت له: يا أبا مسلم، أراك تتحرى الصلاة عند هذه الأسطوانة؟ قال: رأيت النبي ﷺ يتحرى الصلاة عندها وفي رواية لمسلم عن سلمة بن الأكوع أنه كان يتحرى الصلاة في موضع المصحف يسبح فيه، وذكر أن النبي ﷺ كان يتحرى ذلك المكان وكان بين المنبر والقبلة قدر ممر الشاة، وقد ظن بعض المصنفين أن هذا مما اختلف فيه وجعله والقسم الأول سواء وليس بجيد فإنه هنا قد أخبر أن النبي ﷺ كان يتحرى البقعة فكيف لا يكون هذا القصد مستحبًا. نعم إيطان بقعة في المسجد لا يصلى إلا فيها منهي عنه كما جاءت به السنة والإيطان ليس هو التحري من غير إيطان، فيجب الفرق بين اتباع النبي ﷺ ، والاستنان به فيما فعله وبين ابتداع بدعة لم يسنها لأجل تعلقها به، وقد تنازع العلماء فيما إذا فعل رسول الله ﷺ فعلا من المباحات لسبب وفعلناه نحن تشبها به مع انتفاء ذلك السبب، فمنهم من يستحب ذلك ومنهم من لا يستحبه، وعلى هذا يخرج فعل ابن عمر -رضى الله عنهما- فإن النبي ﷺ كان يصلي في تلك البقاع التي في طريقه؛ لأنها كانت منزله لم يتحر الصلاة فيها لمعنى في البقعة، فنظير هذا أن يصلي المسافر في منزله وهذا سنة، فأما قصد الصلاة في تلك البقاع التي صلى فيها اتفاقًا فهذا لم ينقل عن غير ابن عمر من الصحابة بل كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار يذهبون من المدينة إلى مكة حُجَّاجًا وعُمَّارًا أو مسافرين ولم ينقل عن أحد منهم أنه تحرى الصلاة في مصليات النبي ﷺ ، ومعلوم أن هذا لو كان عندهم مستحبًا لكانوا إليه أسبق فإنهم أعلم بسنته وأتبع لها من غيرهم وقد قال ﷺ : "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" وتحرِّي هذا ليس من سنة الخلفاء الراشدين بل هو مما ابتدع وقول الصحابي وفعله إذا خالفه
стр. 367
نظيره ليس بحجة، فكيف إذا انفرد به عن جماهير الصحابة؟ وأيضًا فإن تحري الصلاة فيها ذريعة إلى اتخاذها مساجد والتشبه بأهل الكتاب مما نهينا عن التشبه بهم فيه وذلك ذريعة إلى الشرك بالله" (١).
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: "والحق أن عمر ﵁ أراد بالنهي عن تتبع آثار الأنبياء سد الذريعة إلى الشرك، وهو أعلم بهذا الشأن من ابنه ﵄، وقد أخذ الجمهور بما رآه عمر وليس في قصة عتبان ما يخالف ذلك؛ لأنه في حديث عتبان قد قصد أن يتأسّى به ﷺ في ذلك، بخلاف آثاره في الطرق ونحوها، فإن التأسي به فيها وتتبعها لذلك غير مشروع، كما دل عليه فعل عمر، وربما أفضى ذلك بمن فعله إلى الغلو والشرك كما فعل أهل الكتاب" (٢).
ومن الآثار المكانية التي يكثر الذهاب إليها موقعة بدر، ومكان شجرة بيعة الرضوان وغار حراء و غار ثور فإن هذا كله لا يشرع تتبعه والتقرب إلى الله بالصلاة فيه، وقد قدمنا أن عمر بن الخطاب ﵁ قطع شجرة الرضوان؛ لأن الناس كانوا يأتون إليها ويصلون عندها.
ومثل ذلك زيارة آثار الأنبياء التي تقام بالشام، مثل مغارة الخليل ﵇، والآثار الثلاثة التي بجبل قاسيون في غربي الربوة (٣).
وفي حديث: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد ... " إلخ الحديث (٤). قال الشيخ سليمان بن عبد الله: "ويؤخذ من الحديث المنع من تتبع آثار الأنبياء والصالحين كقبورهم ومجالسهم، ومواضع صلاتهم للصلاة، والدعاء عندها، فإن ذلك من
стр. 368
البدع، أنكره السلف من الصحابة والتابعين وغيرهم. ولا نعلم أحدا أجازه أو فعله إلا ابن عمر على وجه غير معروف عند عباد القبور، وهو إرادة التشبه برسول الله ﷺ في الصلاة فيما صلى فيه ونحو ذلك. ومع ذلك فلا نعلم أحدا وافقه عليه من الصحابة، بل خالفه أبوه وغيره، لئلا يفضي ذلك إلى اتخاذها أوثانا كما وقع.
قال ابن عبد الباقي في شرح الموطأ روى أشهب عن مالك أنه كره لذلك أن يدفن في المسجد قال: وإذا منع من ذلك فسائر آثاره أحرى بذلك.
وقد كره مالك طلب موضع شجرة بيعة الرضوان مخالفة لليهود والنصارى. انتهى" (١).
وقال الإمام ابن تيمية ﵀: "وأما قول السائل: هل يجوز تعظيم مكان فيه خلوق وزعفران لكون النبي ﷺ رؤي عنده؟
فيقال: بل تعظيم مثل هذه الأمكنة واتخاذها مساجد ومزارات لأجل ذلك هو من أعمال أهل الكتاب، الذين نهينا عن التشبه بهم فيها.
ومن المعلوم أن النبي ﷺ كان يصلي في أسفاره في مواضع، وكان المؤمنون يرونه في المنام في مواضع، وما اتخذ السلف شيئًا من ذلك مسجدًا ولا مزارات. ولو فتح هذا الباب لصار كثير من ديار المسلمين أو أكثرها مساجد ومزارات، فإنهم لا يزالون يرون النبي ﷺ في المنام وقد جاء إلى بيوتهم ... الخ" (٢).
وقال أيضًا: "فأما إذا قصد الرجل الصلاة عند بعض قبور الأنبياء، أو بعض الصالحين تبركًا بالصلاة في تلك البقعة فهذا عين المحاداة لله ورسوله، والمخالفة لدينه وابتداع دين لم يأذن به الله" (٣).
стр. 369
وقال ﵀: "إن قصد بقعة يرجو الخير بقصدها ولم تستحب الشريعة ذلك فهو من المنكرات وبعضه أشد من بعض سواء كانت البقعة شجرة أو عين ماء أو قناة جارية أو جبلا أو مغارة وسواء قصدها ليصلي عندها أو ليدعو عندها أو ليقرأ عندها أو ليذكر الله سبحانه عندها أو يتنسك عندها بحيث يخص تلك البقعة بنوع من العبادة التي لم يشرع تخصيص تلك البقعة بها لا عينًا ولا نوعًا وأقبح من ذلك أن ينذر لتلك البقعة دهنا لتُنَوَّر به" (١).
وقال: " ... مثل من يذهب إلى حراء ليصلي فيه ويدعو، أو يسافر إلى غار ثور ليصلي فيه ويدعو، أو يذهب إلى الطور الذي كلم الله عليه موسى ﵇ ليصلي فيه ويدعو، أو يسافر إلى غير هذه الأمكنة من الجبال وغير الجبال التي يقال فيها مقامات الأنبياء .. ولا شرع لأمته زيارة موضع المولد، ولا زيارة موضع بيعة العقبة .. ومعلوم أنه لو كان هذا مستحبا يثيب الله عليه لكان النبي ﷺ أعلم الناس بذلك وأسرعهم إليه، ولكان علم أصحابه بذلك وكان أصحابه أعلم بذلك وأرغب فيه ممن بعدهم فلما لم يكونوا يلتفتون إلى شيء من ذلك علم أنه من البدع المحدثة" (٢).
وقال أيضًا ﵀: "ليس في شريعة الإسلام بقعة تقصد لعبادة الله فيها بالصلاة والدعاء والذكر والقراءة ونحو ذلك إلا مساجد المسلمين ومشاعر الحج" (٣).
وفي تفصيل اللجنة الدائمة للإفتاء عن بيان ما تشرع زيارته وما لا تشرع زيارته من مساجد المدينة النبوية أجابت بما يلي:
стр. 370
"أولًا: باستقراء المساجد الموجودة في مدينة النبي ﷺ المدينة المنورة -حرسها الله تعالى- تبين أنها على أنواع هي:
النوع الأول: مسجد في مدينة النبي ﷺ ثبتت له فضيلة بخصوصه، وهي مسجدان لا غير: أحدهما مسجد النبي ﷺ ، والثاني مسجد قباء.
النوع الثاني: مساجد المسلمين العامة في مدينة النبي ﷺ فهذه لها ما لعموم المساجد، ولا يثبت لها فضل يخصها.
النوع الثالث: مسجد بُني في جهة كان النبي ﷺ صلَّى فيها أو أنه هو عيَّن المكان الذي صلى فيه تلك الصلاة، مثل مسجد بني سالم، ومصلى العيد، فهذه لم يثبت لها فضيلة تخصها، ولم يرد ترغيب في قصدها وصلاة ركعتين فيها.
النوع الرابع: مساجد بدعية محدثة نُسبت إلى عصر النبي ﷺ وعصر الخلفاء الراشدين، واتخذت مزارًا مثل: المساجد السبعة، ومسجد في جبل أُحُد، وغيرها، فهذه مساجد لا أصل لها في الشرع المطهر، ولا يجوز قصدها لعبادة ولا لغيرها، بل هو بدعة ظاهرة.
ومعلوم أن الهدف من بناء المساجد جمع الناس فيها للعبادة، وهو اجتماع مقصود في الشريعة، ووجود المساجد السبعة في مكان واحد لا يحقق هذا الغرض، بل هو مدعاة للافتراق المنافي لمقاصد الشريعة، وهى لم تُبن للاجتماع؛ لأنها متقاربة جدًا، وإنما بنيت للتبرك بالصلاة فيها والدعاء، وهذا ابتداع واضح، أما أصل هذه المساجد بهذه التسمية -أي المساجد السبعة- فليس له سند تاريخي على الإطلاق، وإنما ذكر ابن زبالة مسجد الفتح وهو رجل كذاب رماه بذلك أئمة الحديث، مات في آخر المائة الثانية، ثم جاء بعده ابن شبه المؤرخ وذكره، ومعلوم أن المؤرخين لا يهتمون بالسند وصحته، وإنما ينقلون ما يبلغهم ويجعلون العهدة على من حدثهم، كما قال ذلك الحافظ الإمام ابن جرير في تاريخه، أما الثبوت
стр. 371
الشرعي لهذه التسمية أو لمسجد واحد منها فلم يعرف بسند صحيح.
وقد اعتنى الصحابة بنقل أقوال الرسول ﵇ وأفعاله، بل نقلوا كل شيء رأو النبي ﷺ يفعله حتى قضاء الحاجة، ونقلوا إتيان النبي ﷺ لمسجد قباء كل أسبوع، وصلاته على شهداء أُحُد قبل وفاته كالمودع لهم، إلى غير ذلك مما امتلأت به كتب السنة، أما هذه المساجد فقد بحث الحفّاظ والمؤرخون عن أصول تسميتها، فقال العلامة السمهودي ﵀: لم أقف في ذلك كله على أصل .. وقال بعد كلام آخر: مع أني لم أقف على أصل في هذه التسمية، ولا في نسبة المسجدين المتقدمين في كلام المطري ... وذكر شيخ الإسلام أن في المدينة مساجد كثيرة، وأنه ليس في قصدها فضيلة سوى مسجد قباء، وأن ما أُحدث في الإسلام من المساجد والمشاهد على القبور والآثار من البدع المحدثة في الإسلام، مِنْ فِعْل من لم يعرف شريعة الإسلام وما بعث الله به محمدًا ﷺ من كمال التوحيد وإخلاص الدين لله، وسد أبواب الشرك التي يفتحها الشيطان لبني آدم. اهـ.
وقال الشاطبي ﵀: وسُئل ابن كنانة عن الآثار التي تركوا في المدينة فقال: أثبت ما عندنا قباء .. إلخ. وقد ثبت أن عمر -رضى الله عنه- قطع الشجرة التي رأى الناس يذهبون للصلاة عندها؛ خوفًا عليهم من الفتنة، وقد ذكر عمر بن شبه في (أخبار المدينة) وبعده العيني في (شرح البخاري) مساجد كثيرة، ولكن لم يذكروا المساجد السبعة بهذا الاسم.
وبهذا العرض الموجز يعلم أنه لم يثبت بالنقل وجود مساجد سبعة، بل ولا ما يسمى بمسجد الفتح والذي اعتنى به أبو الهيجاء وزير العبيديين المعروف مذهبهم، وحيث أن هذه المساجد صارت مقصودة من كثير من الناس؛ لزيارتها، والصلاة فيها، والتبرك بها، ويضلل بسببها كثير من الوافدين لزيارة مسجد الرسول ﵊ فقصدها بدعة ظاهرة، وإبقاؤها يتعارض مع مقاصد
стр. 372
الشريعة، وأوامر المبعوث بإخلاص العبادة لله، وتقضي بإزالتها سنة رسول الله ﷺ حيث قال: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد"، فتجب إزالتها؛ درءًا للفتنة، وسدًا لذريعة الشرك، وحفاظًا على عقيدة المسلمين الصافية، وحمايةً لجناب التوحيد؛ اقتداءً بالخليفة الراشد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، حيث قطع شجرة الحديبية لما رأى الناس يذهبون إليها؛ خوفًا عليهم من الفتنة، وبَيَّن أن الأمم السابقة هلكت بتتبعها آثار الأنبياء التي لم يؤمروا بها؛ لأن ذلك تشريع لم يأذن به الله. انتهى.
ثانيًا: ومما تقدم يُعلم أن توجه الناس إلى هذه المساجد السبعة، وغيرها من المساجد المحدثة؛ لمعرفة الآثار أو للتعبد والتمسح بجدرانها ومحاريبها، والتبرك بها بدعة، ونوع من أنواع الشرك شبيه بعمل الكفار في الجاهلية الأولى بأصنامهم، فيجب على كل مسلم ناصح لنفسه ترك هذا العمل، ونصح إخوانه المسلمين بتركه.
ثالثًا: وبهذا يعلم أن ما يقوم به بعض ضعفاء النفوس من التغرير بالحجّاج والزوار وحملهم بالأجرة إلى هذه الأماكن البدعية -كالمساجد السبعة- هو عمل محرم، وما يأخذ في مقابله من المال كسب حرام، فيتعين على فاعله تركه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣]. والله الموفق" (١).
وقد رد الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ على من طالب بإحياء الآثار النبوية كطريق الهجرة ومكان خيمة أم عبد، ونحو ذلك، وبين أن ذلك يجر إلى تعظيمها أو الدعاء عندها أو الصلاة ونحو ذلك، وهذه من الوسائل المفضية إلى الشرك (٢).
стр. 373
ثم ذكر سماحة الشيخ ﵀ كلام العلماء في ذلك إلى أن قال: "وكلام أهل العلم في هذا الباب كثير لا نحب أن نطيل على القارئ بنقله. ولعل فيما نقلناه كفاية ومقنعًا لطالب الحق .. إذا عرفت ما تقدم من الأدلة الشرعية وكلام أهل العلم في هذا الباب علمتَ أن ما دعا إليه الكاتب من تعظيم الآثار الإسلامية كغار ثور، ومحل بيعة الرضوان وأشباهها وتعمير ما تهدم منها، والدعوة إلى تعبيد الطرق إليها، واتخاذ المصاعد للغارين، واتخاذ الجميع مزارات، ووضع لوحات عليها، وتعيين مرشدين للزائرين كل ذلك مخالف للشريعة الإسلامية التي جاءت بتحصيل المصالح، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وسد ذرائع الشرك والبدع. وعرفت أن البدع وذرائع الشرك يجب النهي عنها ولو حسن قصد فاعلها أو الداعي إليها لما تفضي إليه من الفساد العظيم، وتغيير مع الم الدين وإحداث مزارات ومعابد لم يشرعها الله ولا رسوله ﷺ وقد قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] (١).
وإذا كان المنع في حق الأنبياء ﵈ فالمنع في غيرهم من الصالحين من باب أولى، وقد ردّت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برئاسة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ على أحد الكتاب في جريدة الرياض في هذا الشأن حيث قالت: "الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه أما بعد/ فقد نشرت جريدة الرياض في عددها الصادر في ٢١/ ١٠/ ١٤١٢ هـ مقالا تحت عنوان: (ترميم بيت الشيخ محمد بن عبد الوهاب بحريملاء) وذكر أن الإدارة العامة للآثار والمتاحف أولت اهتمامًا بالغا بمنزل مجدد الدعوة السلفية الشيخ: محمد بن عبد الوهاب ﵀ في حي غيلان
стр. 374
بحريملاء حيث تمت صيانته وأعيد ترميمه بمادة طينية تشبه مادة البناء الأصلية ... إلى أن قال: وتم تعيين حارس خاصا لهذا البيت ... إلخ.
وقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية على المقال المذكور ورأت أن هذا العمل لا يجوز، أنه وسيلة للغلو في الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ وأشباهه من علماء الحق، والتبرك بآثارهم والشرك بهم، ورأت أن الواجب هدمه وجعل مكانه توسعة للطريق سدا لذرائع الشرك والغلو، وحسما لوسائل ذلك وطلبت من الجهة المختصة القيام بذلك فورًا، ولإعلان الحقيقة والتحذير من هذا العمل المنكر جرى تحريره، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه" (١).
وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀ عن زيارة مسجد يقال إنه لمعاذ بن جبل -رضى الله عنه- في اليمن ويأتي الناس لزيارته يوم الجمعة من شهر رجب من كل سنة؟.
فأجاب بقوله: "غير مسنون لأمور:
أولًا: لأنه لم يثبت أن معاذ بن جبل -رضى الله عنه- حين بعثه النبي ﷺ إلى اليمن اختط مسجدًا له هناك، ثانيًا: لو ثبت أنه مسجد معاذ بن جبل فإنه لا يشرع إتيانه وشد الرحل إليه بل شد الرحل لغير المساجد الثلاثة منهي عنه.
ثانيًا: لو ثبت أن معاذ بن جبل اختط مسجدًا هناك فإنه لا يشرع إتيانه وشد الرَّحل إليه، بل شد الرحل إلى مساجد غير المساجد الثلاثة منهى عنه، قال النبي ﷺ : "لا تُشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى".
ثالثًا: أن تخصيص هذا العمل بشهر رجب بدعة أيضًا، فإن شهر رجب لم يُخص بشيء من العبادات لا بصوم ولا بصلاة وإنما حكمه حكم الأشهر الحُرُم
стр. 375
الأخرى، والأشهر الحرُم هي: رجب وذو القعدة وذو الحجة ومحرم. هذه الأشهر التي قال الله تعالى عنها في كتابه: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: ٣٦]، ولم يثبت أن شهر رجب خُص من بينها في شيء لا بصيام ولا بقيام، فإذا خَصَّ الإنسانُ هذا الشهر بشيء من العبادات من غير أن يثبت ذلك عن النبي ﷺ كان مبتدعًا لقوله ﷺ : "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة". فنصيحتي لإخوتي هؤلاء الذين يقومون بهذا العمل في الحضور إلى المسجد الذي يزعم أنه مسجد معاذ في اليمن أن لا يُتعبوا أنفسهم ويتلفوا أموالهم ويضيعوها في هذا الأمر الذي لا يزيدهم من الله إلا بُعْدًا، ونصيحتي لهم أن يصرفوا هَمَّهم إلى ما ثبتت مشروعيته في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ وهذا كافٍ للمؤمن. والله الموفق" (١).
فائدة: من أسباب منع تتبع آثار الصالحين أن فيه تشبهًا بطريقة المشركين واليهود والنصارى، فاليهود والنصارى كانوا يتتبعون آثار الصالحين. وهكذا هلكوا كما بين عمر ﵁. وأما المشركون فقد كانوا يسافرون إلى البقاع المعظمة. وهذا من جنس الحج ولكل أمة حج. فقد كان المشركون يحجون إلى اللات والعزى ومناة وهذه أسماء لرجال صالحين يدعونهم ويستغيثون بهم نسأل الله السلامة والعافية (٢).
стр. 376
٧٢ - التحاكم إلى غير ما أنزل الله *
التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ واجب ويجب الرضا بذلك والتسليم له، ومن اختار التحاكم إلى غير الشريعة الإسلامية فليس بمؤمن وإن ادعى أنه يقصد الإصلاح، ومن تحاكم إلى غير ما أنزل الله فهو متحاكم إلى الطاغوت وإن سماه بأي اسم كالنظام والقانون وغير ذلك.
وها هنا أربع مسائل متصلة ببعضها، وينبغي التفريق بينها:
١ - طاعة العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله وتحليل ما حرم الله.
٢ - المُشرِّع الذي يضع القانون والأحكام.
٣ - الحكم بغير ما أنزل الله.
٤ - التحاكم إلى غير ما أنزل الله.
فأما المسألة الأولى: فسوف يأتي الكلام عن خطرها وأحكامها في باب (طاعة العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله).
وأما المسألة الثانية: فهو المُشرِّع الذي يضاهي حكم الله بما وضع من قوانين وأحكام تخالف حكم الله ورسوله وهذا كافر بالله كفرًا أكبر.
والمسألة الثالثة: الحكم بغير ما أنزل الله فهو ما يقضي به الحاكم أو القاضي أو
стр. 377
من ولي أمرا يحكم فيه فهذا فيه تفصيل يأتي في باب (الحكم بغير ما أنزل الله.
أما المسألة الرابعة: التحاكم إلى غير ما أنزل الله فهو أن يعمد المرء إلى تحكيم غير شرع الله مريدا به الفصل في قضايا أو قضية معينة مختارا دون عارض كإكراه وله صور سوف نأتي على ذكرها في آخر الباب.
* الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢)﴾ [النساء: ٦٠ - ٦٢].
قال الشعبي: كان بين رجل من المنافقين ورجل من اليهود خصومة فقال اليهودي: نتحاكم إلى محمد عَرف أنه لا يأخُذُ الرّشوة. وقال المنافق نتحاكم إلى اليهود. لعلمه أنهم يأخذون الرّشوة. فاتفقا على أن يأتيا كاهنًا في جهينة فيتحاكما إليه فنزلت: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ (١).
وقيل نزلت في رجلين اختصما فقال أحدهما: نترافع إلى النبي ﷺ . وقال الآخر إلى كعب بن الأشرف ثم ترافعا إلى عمر فذكر له أحدهما القصة. فقال للذي لم يرض برسول الله ﷺ : أكذلك، قال: نعم فضربه بالسيف فقتله (٢).
стр. 378
وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]. وقال : ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ٥٩].
وقال تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾ [الأنعام: ١١٤].
وقال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨)﴾ [النور: ٤٧].
وقال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: ٥٠].
وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦].
وقال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠].
* الدليل من السنة: عن عبد الله بن عمرو: أن رسول الله ﷺ قال: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به" (١).
وعن ابن عَبَّاسٍ ﵁ قال: خطب رسول الله ﷺ في حجة الوداع فقال: "يا أيها الناس: إني قد تركت فيكم، ما إن اعتصمتم به فلن تضلو أبدا، كتاب الله
стр. 379
وسنتي" (١).
* أقوال العلماء في التحاكم إلى غير ما أنزل الله:
يتبين حكم التحاكم إلى غير ما أنزل الله بالنظر إلى سبب نزول الآيات في ذلك، وقد تقدم سبب ذلك وذكر ابن جرير الطبري عن ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ أن الطاغوت رجل من اليهود كان يقال له كعب بن الأشرف وكانوا إذا ما دعوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول ليحكم بينهم قالوا بل نحاكمكم إلى كعب فذلك قوله يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت (٢).
ويقول ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]: "في هذه يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم الرسول ﷺ في جميع الأمور، فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له ظاهرًا وباطنًا" (٣).
ويقول ابن القيم عن هذه الآية: "أقسم الله سبحانه بنفسه المقدسة قسما مؤكدا بالنفي قبله على عدم إيمان الخلق حتى يحكموا رسوله في كل ما شجر بينهم من الأصول والفروع، وأحكام الشرع وأحكام المعاد، ولم يثبت لهم الإيمان بمجرد هذا التحكيم حتى ينتفي عنهم الحرج وهو ضيق الصدر، وتنشرح صدورهم لحكمه كل الانشراح، وتقبله كل القبول، ولم يثبت لهم الإيمان بذلك أيضا حتى
стр. 380
ينضاف إليه مقابلة حكمه بالرضى والتسليم، وعدم المنازعة وانتفاء المعارضة والاعتراض" (١).
ويقول شيخ الإسلام: "فمن لم يلتزم تحكيم الله ورسوله فيما شجر بينهم فقد أقسم الله بنفسه أنه لا يؤمن وأما من كان ملتزما لحكم الله ورسوله باطنًا وظاهرًا لكن عصى واتبع هواه فهذا بمنزلة أمثاله من العصاة" (٢).
وقال العلامة ابن القيم: "من تحاكم أو حاكم إلى غير ما جاء به الرسول ﷺ فقد حكّم الطاغوت وتحاكم إليه" (٣).
ونقل الحافظ ابن كثير في تاريخه -البداية والنهاية- قال: "فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء، وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فكيف بمن تحاكم إلى الياسا وقدمها عليه؟ من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين" (٤).
وذكر هذه المسألة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في كتاب التوحيد ضمن باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله؛ حيث ذكر من نصوص الباب قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]، ولم يكتف بهذا بل عقد لها بابًا مستقلًا فقال: "باب من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله فقد اتخذهم أربابًا من دون الله" وذكر فيه
стр. 381
بعض الآثار وحديث عدي بن حاتم، ثم عقد بابًا بعده فقال: باب قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٦٠] وذكر آيات وآثار عن السلف.
والذين شرحوا كتاب التوحيد ربطوا بين هذين البابين وقضية التوحيد والإقرار بالشهادتين. قال الشيخ سليمان بن عبد الله في باب من أطاع العلماء والأمراء ... : "لما كانت الطاعة من أنواع العبادة، بل هي العبادة، بامتثال ما أمر به على ألسنة رسله ﵈ نبه المصنف -رحمه الله تعالى- بهذه الترجمة على وجوب اختصاص الخالق ﵎ بها، وأنه لا يطاع أحد من الخلق إلا حيث كانت طاعته مندرجة تحت طاعة الله، وإلا فلا تجب طاعة أحد من الخلق استقلالًا. والمقصود هنا الطاعة الخاصة في تحريم الجلال أو تحليل الحرام، فمن أطاع مخلوقًا في ذلك غير الرسول ﷺ -فإنه لا ينطق عن الهوى- فهو مشرك كما بينه تعالى في قوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ﴾ أي علماءهم ﴿أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ [التوبة: ٣١] وفسرها النبي ﷺ بطاعتهم في تحريم الحلال وتحليل الحرام" (١).
وقال معلقًا على الباب الثاني: "لما كان التوحيد الذي هو معنى شهادة أن لا إله إلا الله مشتملًا على الإيمان بالرسول ﷺ مستلزمًا له، وذلك هو الشهادتان ولهذا جعلهما النبي ﷺ ركنًا واحدًا في قوله: "بني الإسلام على خمس" .. نبه في هذا الباب على ما تضمنه التوحيد واستلزمه من تحكيم الرسول ﷺ في موارد النزاع؛ إذ هذا هو مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله، ولازمها الذي لا بد منه لكل مؤمن، فإن من
стр. 382
عرف أن لا إله إلا الله فلا بد من الانقياد لحكم الله والتسليم لأمره الذي جاء من عنده على يد رسوله محمد ﷺ . فمن شهد أن لا إله إلا الله ثم عدل إلى تحكيم غير الرسول ﷺ في موارد النزاع فقد كذب في شهادته" (١).
وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن: "من تحاكم إلى غير كتاب، وسنة رسوله ﷺ بعد التعريف، فهو كافر، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ [المائدة: ٤٤] ". ثم ذكر الأدلة (٢).
قال الشيخ محمد بن إبراهيم في رسالة تحكيم القوانين: "وقد نفى الله الإيمان عن من لم يحكموا النبي ﷺ فيما شجر بينهم، نفيًا مؤكدًا بتكرار أداة النفي وبالقسم، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]. ولم يكتف اللهَ تعالى وتقدس منهم بمجرد التحكيم للرسول ﷺ حتى يضيفوا إلى ذلك عدم وجود شيء من الحرج في نفوسهم، بقوله جل شأنه: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾. والحرج: الضيق. بل لا بد من اتساع صدورهم لذلك وسلامتها من القلق والاضطراب.
ولم يكتف تعالى أيضًا هنا بهذين الأمرين، حتى يضمُّوا إليهما التسليم وهو كمال الانقياد لحكمه ﷺ بحيث يتخلون ها هنا من أي تعلق للنفس بهذا الشيء، ويسلموا
стр. 383
ذلك إلى الحكم الحق أتمَّ تسليم، ولهذا أكد ذلك بالمصدر المؤكد، وهو قوله جل شأنه: ﴿تَسْلِيمًا﴾. المبيِّن أنّه لا يُكتفى ها هنا بالتسليم .. بل لا بد من التسليم المطلق" (١).
وقال الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀: "ومن كان منتسبًا للإسلام عالمًا بأحكامه ثم وضع للناس أحكامًا وهيأ لهم نظمًا؛ ليعملوا بها ويتحاكموا إليها؛ وهو يعلم أنها تخالف أحكام الإسلام؛ فهو كافر خارج من ملة الإسلام.
وكذا الحكم فيمن أمر بتشكيل لجنة أو لجان لذلك، ومن أمر الناس بالتحاكم إلى تلك النظم والقوانين أو حملهم على التحاكم إليها وهو يعلم أنها مخالفة لشريعة الإسلام.
وكذا من يتولَّى الحكم بها وطبقها في القضايا ومن أطاعهم في التحاكم إليها باختياره، مع علمه بمخالفتها للإسلام فجميع هؤلاء شركاء في الإعراض عن حكم الله، لكن بعضهم يضع تشريعًا يضاهي به تشريع الإسلام ويناقضه على علم منه وبيّنه.
وبعضهم بالأمر بتطبيقه، أو حمل الأمة على العمل به، أو وَلِيَ الحكم به بين الناس أو نَفَّذ الحكم بمقتضاه.
وبعضهم بطاعة الولاة والرضا بما شرعوا لهم ما لم يأذن به الله ولم ينزل به سلطانًا. فكلهم قد اتبع هواه بغير هدى من الله، وصدَّق عليهم إبليسُ ظنَّهُ فاتبعوه، وكانوا شركاء في الزيغ؛ والإلحاد والكفر والطغيان؛ ولا ينفعهم علمهم بشرع الله، واعتقادهم ما فيه، مع إعراضهم عنه، وتجافيهم لأحكامه، بتشريع من عند أنفسهم، وتطبيقه والتحاكم إليه؛ كما لم ينفع إبليس علمه بالحق، واعتقاده إياه مع
стр. 384
إعراضه عنه، وعدم الاستسلام والانقياد إليه، وبهذا قد اتخذوا هواهم إلهًا؛ فصدق فيهم قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٢٣)﴾ [الجاثية: ٢٣] (١).
وفي قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨)﴾ قال شيخ الإسلام ابنُ تيمية ﵀: "إن من تولى عن طاعة الرسول، وأعرض عن حكمه فهو من المنافقين، وليس بمؤمن، وإن المؤمن هو الذي يقول سمعنا وأطعنا، فإذا كان النفاق يثبت ويزول الإيمان بمجرد الإعراض عن حكم الرسول وإرادة التحاكم إلى غيره مع أن هذا ترك محض، وقد يكون سببه قوة الشهوة، فكيف بالتنقص والسب ونحوه" (٢).
وسئل رحمه الله تعالى: "عن رجل تولى حكومة على جماعة من رماة البندق، ويقول: هذا شرع البندق، وهو ناظر على مدرسة وفقهاء: فهل إذا تحدث في هذا الحكم والشرع الذي يذكره تسقط عدالته من النظر أم لا؟ وهل يجب على حاكم المسلمين الذي يثبت عدالته عنده إذا سمع أنه يتحدث في شرع البندق الذي لم يشرعه الله ولا رسوله أن يعزله من النظر أم لا؟
فأجاب: الحمد لله. ليس لأحد أن يحكم بين أحد من خلق الله؛ لا بين المسلمين ولا الكفار ولا الفتيان ولا رماة البندق ولا الجيش ولا الفقراء ولا غير ذلك إلا بحكم الله ورسوله، ومن ابتغى غير ذلك تناوله قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾، وقوله تعالى ﴿فَلَا وَرَبِّكَ
стр. 385
لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ فيجب على المسلمين أن يحكموا الله ورسوله في كل ما شجر بينهم، ومن حكم بحكم البندق وشرع البندق، أو غيره مما يخالف شرع الله ورسوله، وحكم الله ورسوله ذلك، وهو يعلم ذلك فهو من جنس التتار الذين يقدِّمون حكم "الياساق" على حكم الله ورسوله، ومن تعمد ذلك فقد قدح في عدالته ودينه، ووجب أن يمنع من النظر في الوقف. والله أعلم" (١).
وفي قول الله تعالى: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٣)﴾. قال القرطبي: "قال أبو علي: إن من طلب غير حكم الله من حيث لم يرضى به فهو كافر وهذه حالة اليهود" (٢)، فالذي لا يريد حكم الله ولا يقبله، ويقبل حكمًا آخر غير حكم الله وشرعًا آخر غير شرع الله من أصحاب النفاق الأكبر.
* فالتحاكم إلى غير الله كفر أكبر ولو ادعى صاحبه الإسلام لأن المسلم هو المستسلم للحق المنقاد له.
قال الشيخ السعدي: "فإن الإيمان يقتضي الانقياد لشرع الله وتحكيمه في كل أمر من الأمور. فمن زعم أنه مؤمن، واختار حكم الطاغوت على حكم الله فهو كاذب في ذلك" (٣).
وفي حديث: "ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد رسولًا" (٤) وحديث: "من قال حين يسمع النداء: أشهد أن لا إله إلا اللهِ ... " [وفيه]
стр. 386
"رضيت بالله" (١) قال ابن القيم: "وهذان الحديثان عليهما مدار مقامات الدين وإليهما ينتهي، وقد تضمنا الرضى بربوبيته سبحانه وألوهيته، والرضى برسوله والانقياد له، والرضى بدينه والتسليم له ومن اجتمعت له هذه الأربعة فهو الصديق حقًا. وهي سهلة بالدعوى واللسان، وهي من أصعب الأمور عند حقيقة الامتحان .. " (٢).
وقال: "وأما الرضى بنبيه رسولًا؛ فيتضمن كمال الانقياد له والتسليم المطلق إليه، بحيث يكون أولى به من نفسه فلا يتلقى الهدى إلا من مواقع كلماته، ولا يحاكم إلا إليه، ولا يحكم عليه غيره، ولا يرضى بحكم غيره البتة ... " (٣).
وقال: "وأما الرضى بدينه؛ فإذا قال، أو حكم، أو أمر، أو نهى: رضي كل الرضى، ولم يبق في قلبه حرج من حكمه، وسلم له تسليمًا، ولو كان مخالفًا لمراد نفسه أو هواه، أو قول مقلده وشيخه وطائفته" (٤).
ولا بد مع الانقياد أن يتبرأ من الشرك والطاغوت والمتحاكم إلى غير شرع الله منقاد إلى الطاغوت لا إلى الله.
قال ابن القيم: "أخبر سبحانه أن من تحاكم أو حاكم إلى غير ما جاء به الرسول فقد حَكم الطاغوت وتحاكم إليه، والطاغوت: كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع، فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله، أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله" (٥).
стр. 387
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: والطواغيت كثيرة ورؤوسهم خمسة وذكر منهم: "الثاني: الحاكم الجائر المغير لأحكام الله، والدليل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠)﴾ [النساء: ٦٠] " (١).
وفي قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ الآيات [٦٥ - ٦٦] قال العماد ابن كثير -رحمه الله تعالى-: "والآية ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنة وتحاكم إلى ما سواهما من الباطل، وهو المراد بالطاغوت ههنا" (٢).
وقال الشيخ السعدي: "كتاب الله وسنة رسوله عليهما بناء الدين، ولا يستقيم الإيمان إلا بهما، فالرد إليهما شرط في الإيمان فلهذا قال: ﴿اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ فدل ذلك على أن من لم يرد إليهما مسائل النزاع فليس بمؤمن حقيقة، بل مؤمن بالطاغوت كما ذكر في الآية بعدها .. فإن الإيمان يقتضي الانقياد لشرع الله وتحكيمه، في كل أمر من الأمور، فمن زعم أنه مؤمن، واختار حكم الطاغوت على حكم الله، فهو كاذب في ذلك" (٣).
وقال أيضًا ﵀: "وكل من حاكم إلى غير حكم الله ورسوله فقد حاكم إلى الطاغوت، وإن زعم أنه مؤمن فهو كاذب.
فالإيمان لا يصح ولا يتم إلا بتحكيم الله ورسوله في أصول الدين وفروعه، وفي
стр. 388
كل الحقوق كما ذكره المصنف في الباب الآخر.
فمن تحاكم إلى غير الله ورسوله فقد اتخذ ذلك ربا وقد حاكم إلى الطاغوت" (١).
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز: "فمن خضع لله سبحانه وأطاعه وتحاكم إلى وحيه، فهو العابد له، ومن خضع لغيره، وتحاكم إلى غير شرعه فقد عبد الطاغوت وانقاد له" (٢).
وقال ﵀:- "كما أجمعوا -أي العلماء- على أن من زعم أنه يجوز لأحد من الناس الخروج عن شريعة محمد ﷺ أو تحكيم غيرا فهو كافر ضال" (٣).
* بعض صور التحاكم:
لهذا التحاكم صور منها: التحاكم إلى شريعة البشر والرضا بما يقضون به.
ومن هذا النوع ما يسمى بالقضاء العشائري الذي تجتمع فيه العشيرة على بعض النظم، وتجعلها عِنْدَ كبيرهم ليقضي بموجبها، وهذا النوع موجود بكثرة (٤).
فهذا كله تحاكم إلى الطاغوت وأفتت اللجنة الدائمة بمثل هذا حيث قالت: "المراد بالطاغوت في الآية كل ما عدل عن كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ إلى التحاكم إليه من نظم وقوانين وضعية أو تقاليد وعادات متوارثة أو رؤساء قبائل ليفصل بينهم بذلك أو بما يراه زعيم الجماعة أو الكاهن ومن ذي يتبين أن النظم التي وضعت ليتحاكم إليها مضاهاة لتشريع الله داخلة في معنى الطاغوت" (٥).
стр. 389
وقد كتب شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ رسالة في وجوب تحكيم شرع الله ونبذ ما خالفه، قال في مقدمتها: "كتبتها لما رأيت وقوع بعض الناس في هذا الزمان في تحكيم غير شرع الله، والتحاكم إلى غير كتاب الله وسنة رسوله من العرّافين والكهان وكبار عشائر البادية ورجال القانون الوضعي وأشباههم جهلًا من بعضهم لحكم عملهم ذلك، ومعاندةً ومحادّة لله ورسوله من آخرين" (١).
وقال ﵀: "إذا عُلم أن التحاكم إلى شرع الله من مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، فإن التحاكم إلى الطواغيت والرؤساء والعرافين ونحوهم ينافي الإيمان بالله وهو كفر وظلم وفسق" (٢).
* شبهة وردُّها: في قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾.
قال بعضهم: الإرادة لا تحصل إلا بالباطن ولا يعلم أحد به؛ لذا فلا يحكم بكفر المتحاكم إلا بتوفر شرط العلم بالإرادة الباطنية وهو غير حاصل.
وأجابت اللجنة الدائمة عن ذلك أن "المراد بالإرادة في قوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ ما صحبه فعل أو قرائن وإمارات تدل على القصد والإرادة بدليل ما جاء في الآية التي بعد هذه الآية: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١)﴾ ويدل على ذلك أيضًا سبب النزول الذي ذكره ابن كثير وغيره في تفسير هذه الآية وكذلك المتابعة دليل الرضا وبذلك يزول الإشكال القائل إن الإرادة أمر باطن فلا يحكم على المريد إلا بعلمها منه وهو غير حاصل" (٣).
стр. 390
* مسألة في التحاكم إلى القوانين إذا كان في بلاد الكفر:
الذين في بلد يحكم فيها بغير شرع الله كالتي يحكم فيها بالقانون فإن على المسلمين عدم التحاكم إليهم وإنما يُنصِّبون قاضيًا مسلمًا يتحاكمون إليه أما في حالة الضرورة فقد ورد سؤال إلى الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ هذا نصه:
(ما حكم التحاكم إلى المحاكم التي تحكم بالقوانين الوضعية؟).
فأجاب بقوله: "بقدر الإمكان لا يتحاكم إليها، أما إذا كان لا يمكن أن يستخلص حقه إلا عن طريقها فلا حرج عليه" (١).
وسئل الشيخ عبد العزيز ابن باز ﵀ عن حكم المتحاكم إلى من يحكم بالقوانين الوضعية إذا كانت المحاكم في بلده كلها تحكم بالقوانين الوضعية ولا يستطيع الوصول إلى حقه إلا إذا تحاكم إليها هل يكون كافرًا؟
فأجاب: "أفيدك بأنه إذا اضطر إلى ذلك لا يكون كافرًا، ولكن ليس له أن يتحاكم إليهم إلا عند الضرورة إذا لم يتيسر له الحصول على حقه إلا بذلك، وليس له أن يأخذ خلاف ما يحله الشرع المطهر" (٢).
وقال الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ: "وأما إن كان لا يريد التحاكم ولا يرضاه، وإنما أجبر على ذلك، كما يحصل في البلاد الأخرى، من إلزامه (أي: إلى القانون) بالحضور مع خصمه إلى قانوني أو إلى قاضٍ يحكم بالقانون، أو أنه عَلِمَ أن الحق له في الشرع فرفع الأمر إلى القاضي في القانون لعلمه أنه يوافق حكم الشرع، فهذا الذي رفع أمره في الدعوى على خصمه إلى قاضٍ قانوني لعلمه أن الشرع يعطيه حقه وأن القانون وافق الشرع في ذلك فهذا الأصح أيضًا -عندي- أنه جائز.