"رضيت بالله" (١) قال ابن القيم: "وهذان الحديثان عليهما مدار مقامات الدين وإليهما ينتهي، وقد تضمنا الرضى بربوبيته سبحانه وألوهيته، والرضى برسوله والانقياد له، والرضى بدينه والتسليم له ومن اجتمعت له هذه الأربعة فهو الصديق حقًا. وهي سهلة بالدعوى واللسان، وهي من أصعب الأمور عند حقيقة الامتحان .. " (٢).
وقال: "وأما الرضى بنبيه رسولًا؛ فيتضمن كمال الانقياد له والتسليم المطلق إليه، بحيث يكون أولى به من نفسه فلا يتلقى الهدى إلا من مواقع كلماته، ولا يحاكم إلا إليه، ولا يحكم عليه غيره، ولا يرضى بحكم غيره البتة ... " (٣).
وقال: "وأما الرضى بدينه؛ فإذا قال، أو حكم، أو أمر، أو نهى: رضي كل الرضى، ولم يبق في قلبه حرج من حكمه، وسلم له تسليمًا، ولو كان مخالفًا لمراد نفسه أو هواه، أو قول مقلده وشيخه وطائفته" (٤).
ولا بد مع الانقياد أن يتبرأ من الشرك والطاغوت والمتحاكم إلى غير شرع الله منقاد إلى الطاغوت لا إلى الله.
قال ابن القيم: "أخبر سبحانه أن من تحاكم أو حاكم إلى غير ما جاء به الرسول فقد حَكم الطاغوت وتحاكم إليه، والطاغوت: كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع، فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله، أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله" (٥).
стр. 387
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: والطواغيت كثيرة ورؤوسهم خمسة وذكر منهم: "الثاني: الحاكم الجائر المغير لأحكام الله، والدليل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠)﴾ [النساء: ٦٠] " (١).
وفي قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ الآيات [٦٥ - ٦٦] قال العماد ابن كثير -رحمه الله تعالى-: "والآية ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنة وتحاكم إلى ما سواهما من الباطل، وهو المراد بالطاغوت ههنا" (٢).
وقال الشيخ السعدي: "كتاب الله وسنة رسوله عليهما بناء الدين، ولا يستقيم الإيمان إلا بهما، فالرد إليهما شرط في الإيمان فلهذا قال: ﴿اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ فدل ذلك على أن من لم يرد إليهما مسائل النزاع فليس بمؤمن حقيقة، بل مؤمن بالطاغوت كما ذكر في الآية بعدها .. فإن الإيمان يقتضي الانقياد لشرع الله وتحكيمه، في كل أمر من الأمور، فمن زعم أنه مؤمن، واختار حكم الطاغوت على حكم الله، فهو كاذب في ذلك" (٣).
وقال أيضًا ﵀: "وكل من حاكم إلى غير حكم الله ورسوله فقد حاكم إلى الطاغوت، وإن زعم أنه مؤمن فهو كاذب.
فالإيمان لا يصح ولا يتم إلا بتحكيم الله ورسوله في أصول الدين وفروعه، وفي
стр. 388
كل الحقوق كما ذكره المصنف في الباب الآخر.
فمن تحاكم إلى غير الله ورسوله فقد اتخذ ذلك ربا وقد حاكم إلى الطاغوت" (١).
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز: "فمن خضع لله سبحانه وأطاعه وتحاكم إلى وحيه، فهو العابد له، ومن خضع لغيره، وتحاكم إلى غير شرعه فقد عبد الطاغوت وانقاد له" (٢).
وقال ﵀:- "كما أجمعوا -أي العلماء- على أن من زعم أنه يجوز لأحد من الناس الخروج عن شريعة محمد ﷺ أو تحكيم غيرا فهو كافر ضال" (٣).
* بعض صور التحاكم:
لهذا التحاكم صور منها: التحاكم إلى شريعة البشر والرضا بما يقضون به.
ومن هذا النوع ما يسمى بالقضاء العشائري الذي تجتمع فيه العشيرة على بعض النظم، وتجعلها عِنْدَ كبيرهم ليقضي بموجبها، وهذا النوع موجود بكثرة (٤).
فهذا كله تحاكم إلى الطاغوت وأفتت اللجنة الدائمة بمثل هذا حيث قالت: "المراد بالطاغوت في الآية كل ما عدل عن كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ إلى التحاكم إليه من نظم وقوانين وضعية أو تقاليد وعادات متوارثة أو رؤساء قبائل ليفصل بينهم بذلك أو بما يراه زعيم الجماعة أو الكاهن ومن ذي يتبين أن النظم التي وضعت ليتحاكم إليها مضاهاة لتشريع الله داخلة في معنى الطاغوت" (٥).
стр. 389
وقد كتب شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ رسالة في وجوب تحكيم شرع الله ونبذ ما خالفه، قال في مقدمتها: "كتبتها لما رأيت وقوع بعض الناس في هذا الزمان في تحكيم غير شرع الله، والتحاكم إلى غير كتاب الله وسنة رسوله من العرّافين والكهان وكبار عشائر البادية ورجال القانون الوضعي وأشباههم جهلًا من بعضهم لحكم عملهم ذلك، ومعاندةً ومحادّة لله ورسوله من آخرين" (١).
وقال ﵀: "إذا عُلم أن التحاكم إلى شرع الله من مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، فإن التحاكم إلى الطواغيت والرؤساء والعرافين ونحوهم ينافي الإيمان بالله وهو كفر وظلم وفسق" (٢).
* شبهة وردُّها: في قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾.
قال بعضهم: الإرادة لا تحصل إلا بالباطن ولا يعلم أحد به؛ لذا فلا يحكم بكفر المتحاكم إلا بتوفر شرط العلم بالإرادة الباطنية وهو غير حاصل.
وأجابت اللجنة الدائمة عن ذلك أن "المراد بالإرادة في قوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ ما صحبه فعل أو قرائن وإمارات تدل على القصد والإرادة بدليل ما جاء في الآية التي بعد هذه الآية: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١)﴾ ويدل على ذلك أيضًا سبب النزول الذي ذكره ابن كثير وغيره في تفسير هذه الآية وكذلك المتابعة دليل الرضا وبذلك يزول الإشكال القائل إن الإرادة أمر باطن فلا يحكم على المريد إلا بعلمها منه وهو غير حاصل" (٣).
стр. 390
* مسألة في التحاكم إلى القوانين إذا كان في بلاد الكفر:
الذين في بلد يحكم فيها بغير شرع الله كالتي يحكم فيها بالقانون فإن على المسلمين عدم التحاكم إليهم وإنما يُنصِّبون قاضيًا مسلمًا يتحاكمون إليه أما في حالة الضرورة فقد ورد سؤال إلى الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ هذا نصه:
(ما حكم التحاكم إلى المحاكم التي تحكم بالقوانين الوضعية؟).
فأجاب بقوله: "بقدر الإمكان لا يتحاكم إليها، أما إذا كان لا يمكن أن يستخلص حقه إلا عن طريقها فلا حرج عليه" (١).
وسئل الشيخ عبد العزيز ابن باز ﵀ عن حكم المتحاكم إلى من يحكم بالقوانين الوضعية إذا كانت المحاكم في بلده كلها تحكم بالقوانين الوضعية ولا يستطيع الوصول إلى حقه إلا إذا تحاكم إليها هل يكون كافرًا؟
فأجاب: "أفيدك بأنه إذا اضطر إلى ذلك لا يكون كافرًا، ولكن ليس له أن يتحاكم إليهم إلا عند الضرورة إذا لم يتيسر له الحصول على حقه إلا بذلك، وليس له أن يأخذ خلاف ما يحله الشرع المطهر" (٢).
وقال الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ: "وأما إن كان لا يريد التحاكم ولا يرضاه، وإنما أجبر على ذلك، كما يحصل في البلاد الأخرى، من إلزامه (أي: إلى القانون) بالحضور مع خصمه إلى قانوني أو إلى قاضٍ يحكم بالقانون، أو أنه عَلِمَ أن الحق له في الشرع فرفع الأمر إلى القاضي في القانون لعلمه أنه يوافق حكم الشرع، فهذا الذي رفع أمره في الدعوى على خصمه إلى قاضٍ قانوني لعلمه أن الشرع يعطيه حقه وأن القانون وافق الشرع في ذلك فهذا الأصح أيضًا -عندي- أنه جائز.
стр. 391
وبعض أهل العلم يقول: يتركه ولو كان الحق له، والله -جل وعلا- وصف المنافقين بقوله: ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩)﴾ [النور: ٤٩] فالذي يرى أن الحق ثبت له في الشرع وما أجاز لنفسه أن يترافع إلى غير الشرع إلا لأنه يأتيه ما جعله الله -جل وعلا- له مشروعًا فهذا لا يدخل في إرادة التحاكم إلى الطاغوت فهو كاره ولكنه حاكم إلى الشرع فعلم أن الشرع يحكم له فجعل الحكم الذي عند القانوني وسيلة للوصول إلى الحق الذي ثبت له شرعًا" (١).
* آثار التحاكم إلى غير الله:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "فإن الله هو الحَكم الذي يحكم بين عباده والحكم له وحده، وقد أنزل الله الكتب وأرسل الرسل ليحكم بينهم، فمن أطاع الرسول كان من أوليائه المتقين، وكانت له سعادة الدنيا والآخرة، ومن عصى الرسول كان من أهل الشقاء والعذاب" (٢).
وقال ابن القيم ﵀: "فالشرك والدعوة إلى غير الله وإقامة معبود غيره ومطاع متبع غير رسول الله ﷺ هو أعظم فساد في الأرض، ولا صلاح لها ولا لأهلها إلا أن يكون الله وحده هو المعبود المطاع. والدعوة له لا لغيره، والطاعة والاتباع لرسوله ليس إلا، وغيره إنما تجب طاعته إذا أمر بطاعة الرسول ﷺ ، فإذا أمر بمعصيته وخلاف شريعته فلا سمع له ولا طاعة. ومن تدبر أحوال العالم وجد كل صلاح في الأرض فسببه توحيد الله وعبادته وطاعة رسوله، وكل شر في العالم وفتنة وبلاء وقحط وتسليط عدو وغير ذلك سببه مخالفة رسوله والدعوة إلى غير الله ورسوله" (٣).
стр. 392
والناظر في حال البلاد التي تتحاكم إلى غير شرع الله يرى أثر التحاكم إلى غير الله على بلادهم.
ويقول الشيخ أحمد شاكر: "نرى في بعض بلاد المسلمين قوانين ضربت عليها نقلت عن أوربا الوثنية الملحدة، وهي قوانين تخالف الإسلام مخالفة جوهرية في كثير من أصولها وفروعها، بل إن في بعضها ما ينقض الإسلام ويهدمه، وذلك أمر واضح بديهي لا يخالف فيه إلا من يغالط نفسه، ويجهل دينه أو يعاديه من حيث لا يشعر" (١).
وقال ﵀ في موضع آخر: " ... فكان عن هذا أن امتلأت السجون في بلادنا وحدها بمئات الألوف من اللصوص، بما وضعوا في القوانين من عقوبات للسرقة ليست برادعة، ولكن تكون أبدًا رادعة ولن تكون أبدًا علاجًا لهذا الداء المستشرى ... وإنهم جاءوا في التطبيق يلتمسون الأعذار من (علم النفس) لكل لص بحسبه، ثم زاد الأمر شرًا أن يكتب اللصوص أنفسهم كلامًا يلتمسون به الأعذار لجرمهم، وقام المدافعون (المحامون) عنهم المقامات التي توردهم النار، يعلمون أن الجريمة ثابتة فلا يحاولون إنكارها، بل يحاولون التهوين من شأنها بدراسة "نفسية المجرم وظروف" ... " (٢).
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: "ولهذا كان من مقتضى رحمته وحكمته أن يكون التحاكم بين العباد بشرعه ووحيه، لأنه سبحانه المنزه عما يصيب البشر من الضعف والهوى والعجز الجهل، فهو سبحانه الحكيم العليم اللطيف الخبير، يعلم أحوال العباد وما يصلحهم، وما يصلح لهم في حاضرهم ومستقبلهم، ومن تمام رحمته أن تولى الفصل بينهم في المنازعات والخصومات وشئون الحياة،
стр. 393
ليتحقق لهم العدل والخير والسعادة، بل والرضا والاطمئنان النفسي والراحة القلبية، ذلك أن العبد إذا علم أن الحكم أصدر في قضية يخاصم فيها، هو حكم الله الخالق العليم الخبير، قبل ورضى وسلم، حتى ولو كان الحكم خلاف ما يهوى ويريد؛ بخلاف ما إذا علم أن الحكم صادر عن أناس بشر مثله، لهم أهواؤهم وشهواتهم، فإنه لا يرضى ويستمر في المطالبة والمخاصمة، ولذلك لا ينقطع النزاع، ويدوم الخلاف.
وإن الله إذ يوجب على العباد التحاكم إلى وحيه، رحمة بهم وإحسانًا إليهم، فإنه سبحانه بين الطريق العام لذلك أتم بيان وأوضحه؛ بقوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ " (١).
٧٣ - تحقيق التوحيد
انظر باب (توحيد الألوهية).
٧٤ - تحليل الحرام
وبوب لها الشيخ محمد بن عبد الوهاب في مسائل الجاهلية بقوله: "التعبد بتحريم الحلال، كما تعبدوا بالشرك).
انظر باب (كفر الاستحلال).
стр. 394
٧٥ - التداوي *
تعريفه: هو من جملة الأسباب المشروعة في طلب العلاج وسبب ذكره هنا لمعرفة علاقته بالتوكل وهل هو ينافيه أولا؟. وسوف يأتي الكلام عن حكمه إن شاء الله.
* الدليل من السنة: حديث أبي هريرة -رضى الله عنه- أن النبي ﷺ قال: "ما أنزل الله داءً إلا أنزل له شفاء" (١).
وفي رواية عند أحمد زيادة: "عَلِمه من علمه، وجهله من جهله" (٢).
وروى جابر بن عبد الله ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: "لكل داء دواء، فإذا أصيب دواءٌ الداءَ برأ بإذن الله تعالى" (٣).
وعن أسامة بن شريك قال: أتيت النبي ﷺ وجاءت الأعراب فقالوا: يا رسول الله؛ نتداوى؟ فقال: "نعم تداووا، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء، غير داء واحد، الهرم" (٤).
قال ابن القيم: "فيه تقوية لنفس المريض والطبيب، وحث على طلب ذلك
стр. 395
الدواء، والتفتيش عليه" (١).
وقال ﵀: "فقد تضمنت هذه الأحاديث إثبات الأسباب والمسببات وإبطال قول من أنكرها" (٢).
* أحكام وفوائد:
١ - حكم التداوي:
حكى بعض العلماء الإجماع على جوازه (٣).
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀: "وقد اختلف العلماء في التداوي: هل هو مباح، وتركه أفضل، أو مستحب أو واجب؟.
فالمشهور عن أحمد الأول؛ لهذا الحديث (٤) وما في معناه.
والمشهور عند الشافعية الثاني، حتى ذكر النووي -في شرح مسلم- أنه مذهبهم، ومذهب جمهور السلف وعامة الخلف (٥).
واختاره الوزير أبو المظفر قال: ومذهب أبي حنيفة: أنه مؤكد حتى يُداني به الوجوب، قال: ومذهب مالك أنه يستوي فعله وتركه، فإنه قال: لا بأس بالتداوي، ولا بأس بتركه (٦).
وقال شيخ الإسلام: "ليس بواجب عند جماهير الأئمة، وإنما أوجبه طائفةٌ قليلة من أصحاب الشافعي وأحمد" (٧) " (١).
стр. 396
وقال الشيخ ابن باز ﵀: "يجوز التداوي اتفاقًا، وللمسلم أن يذهب إلى دكتور أمراض باطنية أو جراحية أو عصبية أو نحو ذلك؛ ليشخِّص له مرضه ويعالجه بما يناسبه من الأدوية المباحة شرعًا حسب ما يعرفه في علم الطب؛ لأن ذلك من باب الأخذ بالأسباب العادية ولا ينافي التوكل على الله، وقد أنزل الله الداء وأنزل معه الدواء عرف ذلك مَنْ عرفه وجهله مَنْ جهله، ولكنه سبحانه لم يجعل شفاء عباده فيما حرَّمه عليهم" (١).
قال العلامة الإمام ابن عثيمين ﵀: "والصحيح:
١ - أن ما علم أو غلب على الظن نفعه -يعني التداوي- مع احتمال الهلاك بعدمه فهو واجب.
٢ - ما غلب على الظن نفعه، لكن ليس هناك هلاك محقق بتركه فهو أفضل.
٣ - ما تساوى فيه الأمران، فتركه أفضل" (٢).
٢ - حكم التداوي قبل وقوع الداء:
سُئل الشيخ الإمام ابن باز ﵀ عن حكم التداوي قبل وقوع الدء كالتطعيم؟ فقال: "لا بأس بالتداوي إذا خشي وقوع الداء لوجود وباء أو أسباب أخرى يخشى من وقوع الداء بسببها، فلا بأس بتعاطي الدواء لدفع البلاء الذي يخشى منه لقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: "من تصبح بسبع تمرات من تمر المدينة لم يضره سحر ولا سم" (٣). وهذا من باب دفع البلاء قبل وقوعه، فهكذا إذا خشي من مرض وطعم ضد الوباء الواقع في البلد أو في أي مكان لا بأس بذلك من باب الدفاع كما يعالج المرض النازل، يعالج بالدواء المرض الذي يخشى منه، لكن لا يجوز تعليق التمائم والحجب ضد
стр. 397
المرض أو الجن أو العين لنهي النبي ﷺ عن ذلك. وقد أوضح ﵊ أن ذلك من الشرك الأصغر، فالواجب الحذر من ذلك" (١).
٣ - علاقة التداوي بالتوكل:
قال ابن القيم ﵀ "وفي الأحاديث الصحيحة الأمر بالتداوي وأنه لا ينافي التوكل كما لا ينافيه دفع داء الجوع والعطش والحر والبرد بأضدادها، بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله مقتضيات لمسبباتهما قدرا وشرعا، وأن تعطيلها يقدح في نفس التوكل كما يقدح في الأمر والحكمة ويضعفه من حيث يظن معطلها أن تركها أقوى من التوكل فإن تركها عجز ينافي التوكل الذي حقيقته اعتماد القلب على الله في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه ودفع ما يضره في دينه ودنياه ولا بد مع هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب وإلا كان معطلا للأمر والحكمة والشرع فلا يجعل العبد عجزه توكلًا ولا توكله عجزًا" (٢).
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "وقد اختلف العلماء هل الأفضل عدم التداوي والاعتماد على الله أو التداوي، والمسألة فيها تفصيل: فإذا كان هذا الدواء مما يرجى نفعه فإن استعماله مطلوب ومندوب إليه، لقوله ﷺ : "تداووا ولا تداووا بحرام" (٣).
وإذا كان مما يتيقن نفعه فإنه يجب، مثل لو أصيب الإنسان بزائدة، ثم قرر الأطباء أنه إذا لم يستأصلها مات، وأن التداوي بفتح بطنه، وقطع هذه الزائدة أمر لا يضره، فإننا نقول في هذه الحال، يجب عليه أن يتداوى بهذه الطريقة.
وأما الشيء المحرم فإننا نعلم أنه لا مصلحة فيه أبدًا" (٤).
стр. 398
فالتداوي من الأسباب المباحة الجائزة فلا يقدح في التوكل مع الاعتماد على الله لا على السبب، وسيأتي مزيد بحث في باب (السبب).
والتداوي يكون بالرقى ويكون بالكي ويكون بالطبيب وبالعلاجات المعروفة، وبعض العلماء كره التداوي بالرقى والكي مستدلين بحديث السبعين ألفًا.
قال ابن حجر ﵀ عند شرحه لهذا الحديث: "والغرض منه قوله: "هم الذي لا يتطيرون ولا يكتوون ولا يسترقون" فتمسك بهذا الحديث من كره الرقى والكي من بين سائر الأدوية، وزعم أنهما قادحان في التوكل دون غيرهما" (١).
ثم ذكر الحافظ ﵀ أجوبة العلماء عن ذلك، انظر ص ٢١١ وما بعدها.
والاسترقاء والاكتواء من الأسباب المكروهة وهما جائزان، لكنهما ينافيان تمام التوكل على الله.
ومن العلماء من قال: إن المراد بترك الرقى والكي الاعتماد على الله في دفع الداء والرضا بقدره، لا القدح في جواز ذلك؛ لثبوت وقوعه في الأحاديث الصحيحة وعن السلف الصالح لكن مقام الرضى والتسليم أعلى من تعاطي الأسباب، وهذا يفهم من كلام ابن الأثير ﵀ حيث قال: "وأما الحديث الآخر في صفة أهل الجنة الذين يدخلونها بغير حساب "هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون" فهذا من صفة الأولياء المعرضين عن أسباب الدنيا الذين لا يلتفتون إلى شيء من علائقها ... ومن صبر على البلاء وانتظر الفرج من الله بالدعاء كان من جملة الخواص والأولياء، ومن لم يصبر رُخِّص له في الرقية والعلاج والدواء" (٢).
стр. 399
٧٦ - التسخط من قدر الله
قال أبو السعادات: "السخط الكراهية للشيء وعدم الرضا به" (١).
* الدليل من السنة: قال النبي ﷺ : "إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط" (٢).
وعَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁ عَنْ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ وَشَقَّ الْجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ" (٣).
وصلة هذا الباب بالتوحيد أن التسخط من قدر الله يتنافى مع كمال التوحيد الواجب.
قال الحافظ بن حجر: "ليس منا: أي من أهل سنتنا وطريقتنا، وليس المراد به إخراجه عن الدين، ولكن فائدة إيراده بهذا اللفظ المبالغة في الردع عن الوقوع في مثل ذلك، كما يقول الرجل لولده عِنْدَ معاتبته: لست منك ولست مني، أي ما أنت على طريقتي.
وحكى عن سفيان أنه كان يكره الخوض في تأويله ويقول: ينبغي أن يمسك عن ذلك ليكون أوقع في النفوس وأبلغ في الزجر.
وقيل المعنى ليس على ديننا الكامل، أي أنه يخرج من فرع من فروع الدين وإن كان معه أصله، حكاه ابن العربي" (٤).
والتسخط له علاقة بالمباحث الآتية:
١ - الشكوى. ... ٢ - الندب. ... ٣ - الأنين.
٤ - البكاء على الميت. ... ٥ - النياحة.
وللتوسع في ذلك انظر باب الصبر.
стр. 400
٧٧ - التشبه *
التشبه لغة: التشبه يعني المماثلة والمحاكاة والتقليد. قال الراغب: "الشِّبه والشَّبَه والشبيه حقيقتها في المماثلة" (١).
وشرعًا: "هو عبارة عن محاولة الإنسان أن يكون شبه المتشبه به وعلى هيئته وحليته ونعته وصفته، أو هو عبارة عن تكلف ذلك وتقصده وتعلمه، قد يعبر عن التشبه بالتشكل والتمثل والتزيي والتحلي والتخلق" (٢).
وقال المناوي شارحًا معنى من تشبه بقوم: "أي: تزيَّا في ظاهره بزيهم وفي تعرفه بفعلهم وفي تخلقه بخلقهم وسار بسيرتهم وهديهم في ملبسهم بعض أفعالهم أي وكأن التشبه بحق قد طابق فيه الظاهر والباطن" (٣).
وقال عثمان دوكري: "هو تمثل المسلم بالكفار في عقائد أو عباداتهم أو أخلاقهم أو فيما يختصون به من عادات أو خضوعه لهم بشكل من الأشكال" (٤).
стр. 401
والتشبه يقع في الأمور القلبية من الاعتقادات والإرادات، ويقع في الأمور الخارجية الظاهرة من العبادات والعادات (١).
قال ابن القيم: "لما قهر المسلمون أهل الذمة وصاروا تحت قهرهم وحكمهم ألزمهم أمير المؤمنين عمر ﵁ بترك التشبه بالمسلمين كما أمر النبي بترك التشبه بهم فتضمن هذان الأصلان العظيمان مجانبتهم في الهدي الظاهر والباطن حتى في النعال فأمر النبي الأمة بالصلاة في نعالهم مخالفة لأهل الكتاب ونهاهم عمر ﵁ أن يلبسوا نعال المسلمين" (٢).
* الأدلة من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٢٠)﴾ [البقرة: ١٢٠]، وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥)﴾ [البقرة: ١٤٥]، وقال تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢)﴾ [الأعراف: ١٤٢]، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨)﴾ [الجاثية: ١٨]، وقال تعالى: (﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾ [آل عمران: ١٠٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ
стр. 402
غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥]. وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [البقرة: ١١٨].
* الأدلة من السنة: عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من تشبه بقوم فهو منهم" (١).
وعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَشَبَّهَ بِغَيْرِنَا لَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ وَلَا بالنَّصَارَى، فَإِنَّ تَسْلِيمَ الْيَهُودِ الإِشَارَةُ بِالأَصَابِعِ وَتَسْلِيمَ النَّصَارَى الإِشَارَةُ بِالأَكُفِّ" (٢).
وعَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا شِبْرًا وَذِرَاعًا بذِرَاعٍ حَتَى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبعْتُمُوهُمْ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: فَمَنْ؟ " (٣).
وروى الإمام أحمد عن شَدَّاد بْن أَوْسٍ أن رَسُول اللهِ ﷺ قال: "لَيَحْمِلَنَّ شِرَارُ هَذِهِ الأُمَّةِ عَلَى سَنَنِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلِ الْكِتَابِ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ" (٤). وفي حديث ثوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " ... وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَلْحَقَ قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِي بِالْمُشْرِكِينَ وَحَتَّى تَعْبُدَ قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِي الأَوْثَانَ ... " الحديث (٥).
وفي السنن لما قال بعض أصحابه اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط،
стр. 403
قال رسول الله ﷺ : "الله أكبر قلتم كما قال أهل الكتاب لموسى ﵇: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ ثم قال الرسول ﷺ : "إنكم ستركبون سنن من كان قبلكم" (١).
وقوله: "لتركبن سنن من كان قبلكم" وقع على سبيل الذم.
وقد وردت أحاديث فيها الأمر بمخالفة اليهود والنصارى في أشياء مخصوصة منها: ما رواه الشيخان عن أبي هريرة -رضى الله عنه- قَالَ: إِنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "إِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لا يَصْبُغُونَ فَخَالِفُوهُمْ" (٢).
وعن عبادة بن الصامت -رضى الله عنه- قال: كان رسول الله ﷺ يقوم في الجنازة حتى توضع في اللحد، فمرَّ به حَبرٌ من اليهود فقال: هكذا نفعل، فجلس النبي ﷺ وقال: "اجلسوا، خالفوهم" (٣).
وعَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ وَفِّرُوا اللِّحَى وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ" (٤). وفي رواية عند مسلم: "خَالِفُوا الْمَجُوسَ" (٥).
وفي رواية عند الإمام أحمد عن أبي هريرة -رضى الله عنه- قَالَ: "أَعْفُوا اللِّحَى وَخُذُوا الشَّوَارِبَ وَغَيِّرُوا شَيْبَكُمْ وَلَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى" (٦).
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَا يَزَالُ النَّاسُ بخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ. عَجِّلُوا الْفِطْرَ فَإِنَّ الْيَهُودَ يُؤَخِّرُونَ" (٧).
قال ابنُ تيمية: "كما أُمرنا بتعجيل الفطر والمغرب؛ مخالفة لأهل الكتاب
стр. 404
وبتأخير السحور، مخالفة لأهل الكتاب وكما أمرنا بالصلاة في النعلين مخالفة لليهود وهذا كثير في العبادات وكذلك في العادات، قال رسول الله ﷺ : "اللحد لنا، والشق لغيرنا"، وسن توجيه قبور المسلمين إلى الكعبة تمييزًا لها عن مقابر الكافرين، فإن أصل الدفن من الأمور المشروعة في الأمور العادية" (١).
ونهى النبي ﷺ عن الصلاة وقت طلوع الشمس ووقت الغروب معللًا ذلك النهي بأنها تطلع وتغرب بين قرني شيطان وأنه حينئذ يسجد لها الكفار، ومعلوم أن المؤمن لا يقصد السجود إلا لله تعالى وأكثر الناس قد لا يعلمون (٢).
وروى البخاري عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أنها كَانَتْ تَكَرَهُ أَنْ يَجْعَلَ المصلي يَدَهُ فِي خَاصِرَتِهِ وَتَقُولُ إِنَّ الْيَهُودَ تَفْعَلُهُ (٣).
وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: "من بنى ببلاد الأعاجم وصنع نيروزهم ومهرجانهم، وتشبه بهم حتى يموت وهو كذلك حشر معهم يوم القيامة" (٤).
وقال شيخ الإسلام: بعدما ذكر حديث: "من تشبه بقومٍ فهو منهم": "وهذا الحديث أقل أحواله أن يقتضي تحريم التشبه بهم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾، وهو نظير ما سنذكره عن عبد الله بن عمرو أنه قال: "من بنى بأرض المشركين وصنع نيروزهم ومهرجانهم، وتشبه بهم حتى يموت حشر معهم يوم القيامة"، فقد يحمل هذا على التشبه المطلق، فإنه يوجب الكفر، ويقتضي تحريم أبعاض ذلك، وقد يحمل على أنه منهم في القدر المشترك الذي شابههم فيه، فإن كان كفرا أو معصية أو شعارا لها
стр. 405
كان حكمه كذلك" (١).
وقال ﵀ في أثر عبد الله بن عمر: "من بنى ببلاد الأعاجم ... ": "وهذا يقتضي أنه جعله كافرا بمشاركتهم في مجموع هذه الأمور، أو جعل ذلك من الكبائر الموجبة للنار، وإن كان الأول ظاهر لفظه، فتكون المشاركة في بعض ذلك معصية؛ لأنه لو لم يكن مؤثرا في استحقاق العقوبة لم يجز جعله جزءا من المقتضي إذ المباح لا يعاقب عليه وليس الذم على بعض ذلك مشروطًا ببعض، لأن أبعاض ما ذكره يقتضي الذم منفردًا، وإنما ذكر -والله أعلم- من بني ببلادهم لأنهم على عهد عبد الله بن عمرو وغيره من الصحابة كانوا ممنوعين من إظهار أعيادهم بدار الإسلام وما كان أحد من المسلمين يتشبه بهم في عيدهم، وإنما كان يتمكن من ذلك بكونه في أرضهم" (٢).
فوائد:
* أنواع التشبه بالكفار:
التشبه بالكفار منه ما هو كفر ومنه ما هو دون ذلك.
أ - التشبه المطلق بالكفار:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في حديث: "من تشبه بقوم فهو منهم": "فقد يحمل هذا (٣) على التشبه المطلق، فإنه يوجب الكفر، ويقتضي تحريم أبعاض ذلك" (٤).
ب - تعظيم شعيرة من شعائرهم:
وفي الفتاوى الصغرى: "ومن اشترى يوم النيروز شيئًا ولم يكن يشتريه قبل ذلك، إن أراد به تعظيم النيروز كفر، وإن اتفق الشراء ولم يعلم أن هذا اليوم يوم
стр. 406
النيروز لا يكفر" (١).
وفي كتب أصحاب أبي حنيفة من أهدى لهم يوم عيدهم بطيخة بقصد تعظيم العيد فقد كفر (٢).
ونقل ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض كلامه عن العيد فقال: "لا يحل للمسلمين أن يتشبهوا بهم في شيء مما يختص بأعيادهم لا من طعام ولا لباس ولا اغتسال، ولا إيقاد نيران، ولا تبطيل عادة من معيشة أو عبادة أو غير ذلك ولا يحل فعل وليمة ولا الإهداء ولا البيع بما يُستعان به على ذلك لأجل ذلك، ولا تمكين الصبيان ونحوهم من اللعب الذي في الأعياد ولا إظهار زينة، وبالجملة ليس لهم أن يخصوا عيدهم بشيء من شعائرهم، بل يكون يوم عيدهم عند المسلمين كسائر الأيام لا يخصه المسلمون بشيء من خصائصهم، وأما إذا أصابه المسلمون قصدًا، فقد كره ذلك طوائف من السلف والخلف وأما تخصيصه بما تقدم ذكره فلا نزاع فيه بين العلماء، بل قد ذهب طائفة من العلماء إلى كفر من يفعل هذه الأمور لما فيها من تعظيم شعائر الكفر، وقال طائفة منهم: من ذبح نطيحة يوم عيدهم فكأنما ذبح خنزيرًا" (٣).
وجاء في فتوى اللجنة الدائمة للافتاء في حكم لبس الصليب ما نصه: "التفصيل في هذا الأمر وأمثاله هو الواجب فإذا بين له حكم لبس الصليب وأنه شعار النصارى، ودليل على أن لابسه راض بانتسابه إليهم والرضا بما هم عليه وأصر على ذلك، حكم بكفره لقوله : ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١]، والظلم إذا أطلق يراد به الشرك الأكبر، وفيه إظهار لموافقة
стр. 407
النصارى على ما زعموه من قتل عيسى ﵇، والله سبحانه قد نفى ذلك وأبطله في كتابه الكريم حيث قال : ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧] " (١).
* وقد ذكر بعض العلماء أنواعًا أخرى:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ قال: "فليس للمسلم أن يخص خميسهم الحقير لا بتجديد طعام الرز والعدس والبيض المصبوغ وغير ذلك، ولا بالتجمل بالثياب، ولا بصبغ دواب، ولا بنشر ثياب ولا غير ذلك، ومن فعل ذلك على وجه العبادة والتقرب به واعتقاد التبرر به فإنه يعّرف دين الإسلام، وأن هذا ليس منه بل هو ضده، ويستتاب فإن تاب وإلا قتل، وليس لأحد أن يجيب دعوة مسلم يعمل في أعيادهم مثل هذه الأطعمة، ولا يحل له أن يأكل من ذلك بل لو ذبحوا هم في أعيادهم شيئًا لأنفسهم ففي جواز أكل المسلم من ذلك نزاع بين العلماء، والأصح: عدم الجواز لكونهم يذبحونها على وجه القربان، فصار من جنس ما ذبح على النصب، وما أهلَّ به لغير الله. وأما ذبح المسلم لنفسه في أعيادهم على وجه القربة فكفر بيّن كالذبح للنصب" (٢).
وقال أيضًا: "وأما زيارة معابد الكفار مثل الموضع المسمى بالقمامة أو بيت لحم أو صهيون أو غير ذلك مثل كنائس النصارى فمنهي عنها فمن زار مكانا من هذه الأمكنة معتقدا أن زيارته مستحبة والعبادة فيه أفضل من العبادة في بيته فهو ضال خارج عن شريعة الإسلام يستتاب فإن تاب وإلا قتل" (٣).
وقال الخرشي: "وكذلك يكون مرتدا إذا شد الزنار (٤) في وسطه؛ لأن هذا فعلٌ
стр. 408
يتضمن الكفر ... ومثله فعل شيء مما يختص بزي الكفار، ولا بد أن ينضم إلى ذلك المشي إلى الكنيسة ونحوه، وقيد أيضا بما إذا فعله في بلاد الإسلام" (١).
* ٢ - جاء الإجماع على حرمة التشبه والنهي عنه: قال ابنُ تَيمِيَّةَ في الاقتضاء: "وإنما الغرض بيان ما اتفق عليه العلماء من كراهة التشبه بغير أهل الإسلام وقد يتردد العلماء في بعض هذه القاعدة لتعارض الأدلة فيها أو لعدم اعتقاد بعضهم اندراجه في هذه القاعدة ... " (٢).
وقال: "وأما ما في هذا الباب عن سائر أئمة المسلمين من الصحابة والتابعين وسائر الفقهاء فأكثر من أن يمكن ذكر عشره وقد قدمنا في أثناء الحديث كلام بعضهم الذي يدل على كلام الباقين وبدون ما ذكرناه يعلم إجماع الأمة على كراهة التشبه بأهل الكتاب والأعاجم في الجملة ... " (٣).
وقال الشيخ أحمد شاكر: "هذا الحديث (٤) يدل بالنص الصريح على حرمة التشبه بالكفار في الملبس في الحياة والمظهر ولم يختلف أهل العلم منذ الصدر الأول في هذا أعني حرمة التشبه بالكفار ... " (٥).
وقد تقدم قول شيخ الإسلام: بعدما ذكر حديث: "من تشبه بقومٍ فهو منهم": "وهذا الحديث أقل أحواله أن يقتضي تحريم التشبه بهم إلى أن قال: وقد يحمل
стр. 409
على أنه منهم في القدر المشترك الذي شابههم فيه، فإن كان كفرا أو معصية أو شعارا لها كان حكمه كذلك" (١).
٣ - ضابط التشبه بالكفار:
هناك أمور مشتركة ليست من خصائص الكفرة وليس لهم فيها سمة تخصهم بل يشترك فيها المسلم والكافر ويشترك فيها الناس كلهم كتعلم الصناعات والعلوم الدنيوية التي لا تخل بعقيدة المسلم وكاتخاذ القوة وصناعة السلاح والانتفاع مما أباح الله من زينة الأنعام وأكل الطيبات من الرزق، فهذه الأمور المشتركة قد تكون مباحة وقد يكون الأخذ بها واجب كإعداد القوة للجهاد وهذه الأمور وإن ابتدأ بأخذها أهل الكتاب أو غيرهم فالأخذ بها جائز ومن الأمثلة على ذلك حفر الخندق واستعمال المنجنيق وتدوين الدواوين وقد أقر النبي ﷺ بعض أمور الجاهلية كالقسامة (٢).
ولكن من الأمور المشتركة ما يكون محرما بعد الإباحة؛ لأن الكفار اتخذوه من خصائصهم فصار شعارًا لهم قال الذهبي: "ألا ترى أن العمامة الزرقاء والصفراء كان لباسهما لنا حلالا قبل اليوم وفي عام سبعمائة لما ألزمهم السلطان الناصر بلبسهم حرمت علينا" (٣).
وقال في كشاف القناع: "قال الشيخ: ولما صارت العمامة الصفراء أو الزرقاء من شعارهم حرم لبسها" (٤).
وبهذا يعلم أن الأحكام في النهي عن التشبه بهم منصبة فيما هو من خصائصهم وتقاليدهم فالتشبه منه ما هو كفر أو وسيلة إليه ومنه ما هو محرم ظاهر التحريم.
стр. 410
قال الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀: "لا ريب أن ضابط التشبه بهم فعل ما هو من خصائصهم" (١).
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "مقياس التشبه أن يفعل المتشبه ما يختص به المتشبه به فالتشبه بالكفار أن يفعل المسلم شيئًا من خصائصهم أما ما انتشر بين المسلمين وصار لا يتميز به الكفار فإنه لا يكون تشبهًا فلا يكون حرامًا من أجل أنه تشبه إلا أن يكون محرمًا من جهة أخرى، وهذا الذي قلناه هو مقتضى مدلول هذه الكلمة وقد صرح بمثله صاحب الفتح" (٢).
وسئل عن الضابط في مسألة التشبه بالكفار فأجاب بقوله: "التشبه بالكفار يكون في المظهر واللباس والمأكل وغير ذلك لأنها كلمة عامة، ومعناها أن يقوم الإنسان بشيء يختص به الكفار بحيث يدل من رآه أنه من الكفار، وهذا هو الضابط، أما إذا كان الشيء قد شاع بين المسلمين وصار عامًا بين المسلمين والكفار فإن التشبه يجوز وإن كان أصله مأخوذًا من الكفار ما لم يكن محرمًا لعينه كلباس الحرير" (٣).
٤ - يجب إنكار التشبه ولا يجوز الإعانة عليه:
قال شيخ الإسلام: "فلا يُعان المسلم المتشبه بهم في ذلك، بل يُنهى عن ذلك.
فمن صنع دعوة مخالفة للعادة في أعيادهم لم تجب دعوته، ومن أهدى من المسلمين هدية في هذه الأعياد مخالفة للعادة في سائر الأوقات لم تُقبل هديته، خصوصًا إن كانت الهدية مما يُستعان به على التشبه بهم، مثل إهداء الشمع ونحوه في الميلاد، وإهداء البيض واللبن والغنم في الخميس الصغير الذي في آخر صومهم، وهو الخميس الحقير، ولا يبايع المسلم ما يستعين به المسلمون على
стр. 411
مشابهتهم في العيد من الطعام واللباس والبخور؛ لأن في ذلك إعانة على المنكر" (١).
وقال الإمام الذهبي ﵀ في شأن التشبه بالكفار في أعيادهم: "فبئس المربي أنت أيها المسلم إذا لم تَنْهَ أهلك وأولادك عن ذلك، وتُعرِّفهم أن ذلك عند النصارى، لا يحلُّ لنا أن نشاركهم ونشابههم فيه ... وكل من علم شيئًا وعمل بخلافه عاقبه الله يوم القيامة، ويجب على وليِّ الأمر القيام في ترك هذا بكل ممكن، فإن في بقائه تجرّيًا لأهل الصليب على إظهار شعارهم ... فينبغي لكل مسلم أن يجتنب أعيادهم، ويصون نفسه وحريمه وأولاده عن ذلك، إن كان يؤمن بالله واليوم الآخر" (٢).
والإعانة على التشبه والمشاركة فيه تفضي إلى الميل إلى الكفار وموافقتهم واتباعهم ومحبتهم وموالاتهم (٣) والتشبه القليل يفضي إلى الكثير قال الذهبي ﵀: "وفعل اليسير من ذلك يجر إلى الكثير" (٤). قال حذيفة ﵁: "من تشبه بقوم فهو منهم ولا يشبه الزي الزي حتى يشبه الخُلُقُ الخلق".
وقال ابن مسعود ﵁: "لا يشبه الزيُّ الزيَّ حتى تشبه القلُوبُ القلوبَ" (٥).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "إن المشاركة في الهدي الظاهر: تورث تناسبا وتشاكلا بين المتشابهين يقود إلى الموافقة في الأخلاق والأعمال وهذا أمر محسوس، فإن اللابس لثياب أهل العلم -مثلًا- يجد من نفسه نوع انضمام إليهم،
стр. 412
واللابس لثياب الجند المقاتلة مثلًا - يجد في نفسه نوع تخلق بأخلاقهم ويصير طبعه مقتضيا لذلك، إلا أن يمنعه من ذلك مانع.
ومنها أن المخالفة في الهدي الظاهر: توجب مباينة ومفارقة توجب الانقطاع عن موجبات الغضب وأسباب الضلال والانعطاف إلى أهل الهدى والرضوان وتحقق ما قطع الله من الموالاة بين جنده المفلحين وأعدائه الخاسرين.
وكلما كان القلب أتم حياة وأعرف بالإسلام كان إحساسه بمفارقة اليهود والنصارى باطنًا وظاهرًا أتم وبعده عن أخلاقهم الموجودة في بعض المسلمين أشد.
ومنها: أن مشاركتهم في الهدي الظاهر: توجب الاختلاط الظاهر حتى يرتفع التميز ظاهرا بين المهديين المرضيين وبين المغضوب عليهم والضالين، إلى غير ذلك من الأسباب الحكمية" (١).
قال أبو العباس بن تيمية ﵀: "وقد رأينا اليهود والنصارى الذين عاشروا المسلمين هم أقلُّ كفرا من غيرهم، كما رأينا المسلمين الذين أكثروا من معاشرة اليهود والنصارى هم أقل إيمانا من غيرهم ممن جرد الإسلام اهـ.
والمتشبه بالكفار مع ما يجد من قلبه ميلا إليهم وأنسا بهم فإنه يجد نفورا وابتعادا عمن ترك التشبه به كما أن تعظيم الكفار واستحسان هيآتهم وأخلاقهم يدعوهم إلى استحسان كل ما هم عليه وكل ما يتصفون به من معاملات وهيئة وعادات.
قال ابن القيم: "ونهى عن التشبه بأهل الكتاب وغيرهم من الكفار في مواضع كثيرة لأن المشابهة الظاهرة ذريعة إلى الموافقة الباطنة فأنه إذا أشبه الهدي الهدي
стр. 413
أشبه القلب القلب وقد قال خالف هدينا هدي الكفار ... " (١).
٥ - حكم التشبه بهم في أعيادهم وما أحدثوه من العبادات أو العادات:
وقد تقدم بعض النقول في ذلك.
قال ابن تيمية: "بل الأعياد هي من أخص ما تتميز به الشرائع، ومن أظهر ما لها من الشعائر، فالموافقة فيها موافقة في أخص شرائع الكفر، وأظهر شعائره، ولا ريب أن الموافقة في هذا قد تنتهي إلى الكفر في الجملة بشروطه، أما مبدؤها فأقل أحواله أن يكون معصية" (٢).
وقال ابن تيمية ﵀: "الوجه الثالث من الاعتبار يدل أنه إذا سوغ فعل القليل من ذلك (٣) أدى إلى فعل الكثير ثم إذا اشتهر الشيء دخل فيه عوام الناس وتناسوا أصله حتى يصير عادة للناس بل عيدا حتى يضاهى بعيد الله بل قد يزيد عليه حتى يكاد أن يفضي إلى موت الإسلام وحياة الكفر كما قد سوله الشيطان لكثير ممن يدعي الإسلام فيما يفعلونه في آخر صوم النصارى من الهدايا والأفراح والنفقات وكسوة الأولاد وغير ذلك مما يصير به مثل عيد المسلمين بل البلاد المصاقبة (٤) للنصارى التي قل علم أهلها وإيمانهم قد صار ذلك أغلب عندهم وأبهى في نفوسهم من عيد الله ورسوله على ما حدثني به الثقات" (٥).
وقال أيضًا: "أما القسم الثالث: وهو ما أحدثوه من العبادات أو العادات، أو
стр. 414
كليهما فهو أقبح، فإنه لو أحدثه المسلمون لقد كان يكون قبيحًا، فكيف إذا كان مما لم يشرعه نبي قط؟ بل أحدثه الكافرون، فالموافقة فيه ظاهرة القبح. فهذا أصل.
وأصل آخر وهو: أن كل ما يشابهون فيه: من عبادة أو عادة، أو كليهما هو من المحدثات في هذه الأمة ومن البدع، إذ الكلام في ما كان من خصائصهم وأما ما كان مشروعًا لنا، وقد فعله سلفنا السابقون فلا كلام فيه" (١).
وأما تقليدهم فيما هو من عاداتهم السيئة وأخلاقهم الذميمة كالتختم بالذهب والتحلي به للرجال وحلق اللحى (٢) وغير ذلك وهذا باب واسع، وكله محرم وداخل في قوله ﷺ : "من تشبه بقوم فهو منهم".
٦ - ينهى عن التشبه ولو لم يقصد:
تقدم قول ابن تيمية ﵀: " ... فأما من فعل الشيء واتفق أن الغير فعله أيضًا، ولم يأخذه أحدهما عن صاحبه ففي كون هذا تشبهًا نظر. ولكن قد ينهى عن هذا لئلا يكون ذريعة إلى التشبه، ولما فيه من المخالفة، كما أمر بصبغ اللحى وإحفاء الشوارب، مع أن قوله ﷺ : "غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود". دليل على أن التشبه بهم يحصل بغير قصد منا ولا فعل. بل بمجرد ترك تغيير خلق فينا، وهذا أبلغ من الموافقة الفعلية، الاتفاقية" (٣).
وقال: "ومن هذا الباب أنه كان إذا صلى إلى عود أو عمود جعله إلى حاجبه الأيمن أو الأيسر ولم يصمد له صمدًا، ولهذا نهى عن الصلاة إلى ما عبد من دون الله في الجملة وإن لم يكن العابد يقصد ذلك، ولهذا ينهى عن السجود لله بين يدي
стр. 415
الرجل وإن لم يقصد الساجد ذلك؛ لما فيه من مشابهة السجود لغير الله، فانظر كيف قطعت الشريعة المشابهة في الجهات وفي الأوقات، وكما لا يصلى إلى القبلة التي يصلون إليها كذلك لا يصلى إلى ما يصلون له بل هذا أشد".
وقال ﵀: "وقد تقدم بيان أن ما أمرنا الله ورسوله به من مخالفتهم مشروع سواء كان ذلك الفعل مما قصد فاعله التشبه بهم أو لم يقصد، وكذلك ما نهى عنه من مشابهتهم يعم ما إذا قُصدت مشابهتهم أو لم تقصد فإن عامة هذه الأعمال لم يكن المسلمون يقصدون المشابهة فيها، وفيها ما لا يُتصور قصد المشابهة فيه كبياض الشعر وطول الشارب ونحو ذلك".
وقال الشيخ ابن عثيمين: " ... ولهذا لو أن إنسانًا لبس لبسًا يختص بالكفار ثم قال أنا لا أقصد التشبه بهم نقول التشبه منك بهم حاصل أردته أم لم ترده، وكذلك لو أن أحدًا تشبه بامرأة في لباسها أو في شعرها أو ما أشبه ذلك وقال ما أردت التشبه قلنا له حصل التشبه" (١).
٧ - المقصود الأعظم ترك الأسباب التي تدعو إلى موافقتهم ومشابهتهم باطنًا: قال ابن القيم: "والمقصود الأعظم ترك الأسباب التي تدعو إلى موافقتهم ومشابهتهم باطنا والنبي سن لأمته ترك التشبه بهم بكل طريق" (٢).
وقال شيخ الإسلام ﵀: "والفعل إذا كان يفضي إلا مفسدة وليس فيه مصلحة راجحة ينهى عنه كما نهى عن الصلاة في الأوقات الثلاثة لما في ذلك من المفسدة الراجحة وهو التشبه بالمشركين الذي يفضي إلى الشرك وليس في قصد الصلاة في تلك الأوقات مصلحة راجحة لإمكان التطوع في غير ذلك من الأوقات" (٣).
стр. 416
٨ - حكم مشابهة الكفار فيما ليس من شرعنا:
قال أبو العباس بن تيمية ﵀: "فصل: مشابهتهم فيما ليس من شرعنا قسمان:
أحدهما: مع العلم بأن هذا العمل هو من خصائص دينهم فهذا العمل الذي هو من خصائص دينهم إما أن يفعل لمجرد موافقتهم وهو قليل وإما لشهوة تتعلق بذلك العمل وإما لشبهة فيه تخيل أنه نافع في الدنيا وفي الآخرة وهذا لا شك في تحريمه لكن يبلغ التحريم في بعضه إلى أن يكون من الكبائر وقد يصير كفرًا بحسب الأدلة الشرعية، وإما عمل لم يعلم الفاعل أنه من عمله فهو نوعان:
أحدهما: ما كان في الأصل مأخوذا عنهم إما على الوجه الذي يفعلونه وإما مع نوع تغيير في الزمان أو المكان أو الفعل ونحو ذلك فهو غالب ما يبتلى به العامة في مثل ما يصنعونه في الخميس الحقير والميلاد ونحوهما فإنهم قد نشئوا على اعتياد ذلك وتلقاه الأبناء عن الآباء وأكثرهم لا يعلمون مبدأ ذلك فهذا يعرف صاحبه حكمه فإن لم ينته وإلا صار من القسم الأول.
النوع الثاني: ما ليس في الأصل مأخوذًا عنهم لكنهم يفعلونه أيضًا، فهذا ليس فيه محذور المشابهة ولكن قد تفوت فيه منفعة المخالفة فتوقف كراهة ذلك وتحريمه على دليل شرعي وراء كونه من مشابهتهم، إذ ليس كوننا تشبهنا بهم بأولى من كونهم تشبهوا بنا، فأما استحباب تركه لمصلحة المخالفة إذا لم يكن في تركه ضرر فظاهر لما تقدم من المخالفة، وهذا قد توجب الشريعة مخالفتهم فيه وقد توجب عليهم مخالفتنا كما في الزي ونحوه وقد يقتصر على استحباب كما في صبغ اللحية والصلاة في النعلين والسجود، وقد تبلغ إلى الكراهة كما في تأخير المغرب والفطور بخلاف مشابهتهم فيما كان مأخوذًا عنهم فإن الأصل فيه
стр. 417
التحريم لما قدمنا" (١).
٩ - وقوع ما أخبر به النبي ﷺ في قوله: "لتركبن سنن من كان قبلكم ":
هذا الحديث وقع على سبيل الذم وقد تشبه الناس بهم في عقائدهم وعباداتهم وشركياتهم وعاداتهم كما أخبر النبي ﷺ وأخبر أنه لا تقوم الساعة حتى تعبد اللات والعزى وحتى تضطرب أليات دوس حول ذي الخلصة صنم كان لهم في الجاهلية وإليك ما سطره العلماء في ذلك:
قال الإمام ابن القيم: "وما أكثر الخلف لهؤلاء في اتخاذ إله مجعول فكل من اتخذ إلها غير الله فقد اتخذ إلها مجعولا وقد ثبت عن النبي أنه كان في بعض غزواته فمروا بشجرة يعلق عليها المشركون أسلحتهم وشاراتهم وثيابهم يسمونها ذات أنواط فقال بعضهم: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال: الله أكبر! قلتم كما قال قوم موسى لموسى ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ ثم قال: لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة" (٢).
وقال ﵀: "لا يجوز إبقاء مواضع الشرك والطواغيت بعد القدرة على هدمها وإبطالها يوما واحدا فإنها شعائر الكفر والشرك وهي أعظم المنكرات فلا يجوز الإقرار عليها مع القدرة البتة وهذا حكم المشاهد التي بنيت على القبور التي اتخذت أوثانا وطواغيت تعبد من دون الله والأحجار التي تقصد للتعظيم والتبرك والنذر والتقبيل لا يجوز إبقاء شيء منها على وجه الأرض مع القدرة على إزالته وكثير منها بمنزلة اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى أو أعظم شركًا عندها وبها والله المستعان ولم يكن أحد من أرباب هذه الطواغيت يعتقد أنها تخلق وترزق
стр. 418
وتميت وتحيي وإنما كانوا يفعلون عندها وبها ما يفعله إخوانهم من المشركين اليوم عند طواغيتهم فاتبع هؤلاء سنن من كان قبلهم وسلكوا سبيلهم حذو القذة بالقذة وأخذوا مأخذهم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع" (١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ودعاء المقبور من أعظم الوسائل إلى ذلك وقد قدم بعض الشيوخِ المشرقَ وتكلم معي في هذا فبينت له فساد هذا فقال أليس قد قال النبي ﷺ : "إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور". فقلت: هذا مكذوب باتفاق أهل العلم، لم يروه عن النبي ﷺ أحد من علماء الحديث، وبسبب هذا وأمثاله ظهر مصداق قول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: "لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة ... "" (٢).
وقال أيضًا: "وفي الصحيحين عن النبي ﷺ من حديث أبي سعيد ﵁: "لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه" قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: "فمن؟ " هذا خبر تصديقه في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ ولهذا شواهد في الصحاح والحسان وهذا أمر قد يسري في المنتسبين إلى الدين من الخاصة كما قال غير واحد من السلف منهم ابن عيينة، فإن كثيرا من أحوال اليهود قد ابتلى به بعض المنتسبين إلى العلم، وكثيرا من أحوال النصارى قد ابتلي به بعض المنتسبين إلى الدين كما يبصر ذلك من فهم دين الإسلام الذي بعث الله به محمدًا ﷺ ثم نزله على أحوال الناس، وإذا كان الأمر كذلك فمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه وكان ميتا فأحياه الله
стр. 419
وجعل له نورًا يمشي به في الناس لا بد أن يلاحظ أحوال الجاهلية وطريق الأمتين المغضوب عليهم والضالين من اليهود والنصارى، فيرى أن قد ابتلي ببعض ذلك فأنفع ما للخاصة والعامة العلم بما يخلص النفوس من هذه الورطات وهو اتباع السيئات الحسنات" (١).
١٠ - يمنع الكفار من التشبه بالمسلمين:
قال ابن القيم: "فلما فتح الله على المسلمين أمصار الكفار وملكهم ديارهم وأموالهم وصاروا تحت القهر والذل وجرت عليهم أحكام الإسلام ألزمهم الخليفة الراشد والإمام العدل الذي ضرب الله الحق على لسانه وقلبه وأمر رسول الله باتباع سنته عمر بن الخطاب بالغيار ووافقه عليه جميع الصحابة واتبعه الأئمة والخلفاء بعده وإنما قصر في هذا من الملوك من قلت رغبته في نصر الإسلام وإعزاز أهله وإذلال الكفر وأهله، وقد اتفق علماء المسلمين على وجوب إلزامهم بالغيار وأنهم يمنعون من التشبه بالمسلمين في زيهم" (٢).
قال ابن القيم: "قالوا: ولا نتكلم بكلامهم، هذا الشرط في أهل الكتاب الذي لغتهم غير لغة العرب كنصارى الشام والجزيرة إذ ذاك وغيرهما من البلاد دون نصارى العرب الذين لم تكن لغتهم غير العربية فمنعهم عمر من التكلم بكلام العرب لئلا يتشبهوا بهم في كلامهم كما منعوا من التشبه بهم في زيهم ولباسهم ومراكبهم وهيئات شعورهم فألزمهم التكلم بلسانهم ليعرفوا حين التكلم أنهم كفار فيكون هذا من كمال التميز مع ما في ذلك من تعظيم كلام العرب ولغتهم حيث لم يسلط عليها الأنجاس والأخابث يتبذلونها ويتكلمون بها كيف وقد أنزل
стр. 420
الله بها أشرف كتبه ومدحه بلسان عربي" (١).
١١ - أثر التكلم بالعربية وترك الأعجمية:
قال أبو العباس بن تيمية ﵀: "واعلم أن اعتياد اللغة يؤثر في العقل والخلق والدين تأثيرا قويا بينا ويؤثر أيضًا في مشابهة صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين ومشابهتهم تزيد العقل والدين والخلق، وأيضًا فإن نفس اللغة العربية من الدين ومعرفتها فرض واجب فإن فهم الكتاب والسنة فرض ولا يفهم إلا بفهم اللغة العربية وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ثم منها ما هو واجب على الأعيان ومنها ما هو واجب على الكفاية، وهذا معنى ما رواه أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عيسى بن يونس عن ثور عن عمر بن يزيد قال كتب عمر إلى أبي موسى الأشعري ﵁ أما بعد فتفقهوا في السنة وتفقهوا في العربية وأعربوا القرآن فإنه عربي، وفي حديث آخر عن عمر ﵁ أنه قال: تعلموا العربية، فإنها من دينكم وتعلموا الفرائض فإنها من دينكم. وهذا الذي أمر به عمر ﵁ من فقه العربية وفقه الشريعة يجمع ما يحتاج إليه؛ لأن الدين فيه فقه أقوال وأعمال، ففقه العربية هو الطريق إلى فقه أقواله، وفقه السنة هو الطريق إلى فقه أعماله" (٢).
١٢ - ذكر أصناف ينهى عن التشبه بهم:
قال ابن القيم: "وأما زي العجم فلأن المشابهة في الزي الظاهر تدعو إلى الموافقة في الهدي الباطن كما دل عليه الشرع والعقل والحس ولهذا جاءت الشريعة بالمنع من التشبه بالكفار والحيوانات والشياطين والنساء والأعراب وكل ناقص حتى نهى في الصلاة عن التشبه بشبه أنواع من الحيوان يفعلها أو كثيرا منها الجهال، نهى عن نقر كنقر الغراب والتفات كالتفات الثعلب وإقعاء كإقعاء الكلب
стр. 421
وافتراش كافتراش السبع وبروك كبروك الجمل ورفع الأيدي يمينا وشمالا عند السلام كأذناب الخيل، ونهي عن التشبه بالشياطين في الأكل والشرب بالشمال وفي سائر خصال الشيطان، ونهى عن التشبه بالكفار في زيهم وكلامهم وهديهم، حتى نهى عن الصلاة بعد العصر وبعد الصبح، فإن الكفار يسجدون للشمس في هذين الوقتين، ونهى عن التشبه بالأعراب وهم أهل الجفاء والبدو فقال: "لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم العتمة وإنها العشاء في كتاب الله"، ولعن المتشبهين من الرجال بالنساء" (١).
ويلاحظ في ذكر هذه الأصناف ما سبق من ضابط التشبه عمومًا وأنه متعلق بخصائصهم، وللتفصيل نوضح بعض أصناف ما ينهى عن التشبه بهم مع ذكر بعض خصائصهم:
١ - الكفار عمومًا ، فورد النهي عن التشبه بـ:
أ - المجوس: ومن خصائص المجوس، الصلاة إلى النار وعبادتها، وتقديس الملوك والعظماء، وحلق القفا أي مؤخرة شعر الرأس دون المقدمة، وحلق اللحى، وتطويل الشوارب والزمزمة وهي الصفير واتخاذ آنية الذهب والفضة.
ب - الفرس ، والروم: وهذا يشمل أهل الكتاب، والمجوس وغيرهم. فقد نهينا أيضًا عما هو من خصائصهم من عبادات وعادات، وطقوس، مثل تعظيم وتقديس الكبراء والسادة، وطاعة الأحبار والرهبان مع تشريع ما لم يشرعه الله، والتنطع والتشدد في الدين.
ج - الأعاجم غير المسلمين: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وكذلك العجم، وهم مَنْ سوى العرب من الفرس والروم والترك والبربر والحبشة وغيرهم
стр. 422
ينقسمون إلى المؤمن والكافر، والبر والفاجر كانقسام العرب" (١).
والنهي عن التشبه بهم مبني على قول النبي ﷺ حينما نهى أن يجعل الرجل في أسفل ثيابه حريرًا، قال: "مثل الأعاجم أو يجعل على منكبيه حريرًا مثل الأعاجم" (٢) ونهى النبي ﷺ أيضًا أن يقوم الناس للرجل تعظيمًا له. بل إنه نهى أن يقوم المأموم والإمام قاعد لعلة، خشية من أن يفهم أن ذلك على سبيل التعظيم، فقال: "لا تفعلوا كما يفعل أهل فارس بعظمائها" (٣) وعند مسلم: "إن كدتم آنفًا لتفعلون فعل فارس والروم يقومون على ملوكهم وهم قعود فلا تفعلوا" (٤) وفي رواية: "لا تقوموا كما يقوم الأعاجم يعظم بعضها بعضًا" (٥). وثبت عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه نهى عن زي العجم، وزي المشركين، أشد النهي وقد أشار إلى مثل ذلك كثير من السلف.
٢ - الجاهلية وأهلها:
الجاهلية اسم لما كان قبل الإسلام، وقد جاء النهي عنما هو من أعمال الجاهلية التي لم يقرها الإسلام ومن أخلاقها، وعبادتها، وعاداتها، وشعاراتها، مثل السفور، وتبرج النساء، وبروز المُحرِم للشمس بغير ظل، فإن هذا من أعمال الجاهلية، ومن أعمال المشركين، وكذلك التعرَّي، أي إظها العورة، أو شيء منها، والعصبية القومية، والفخر بالأحساب، والطعن بالأنساب، والنياحة والاستقساء بالنجوم، فقد ألغى النبي ﷺ حينما جاء الإسلام كثيرًا من أحوال
стр. 423
الجاهلية، وأعرافها، وعاداتها، وتقاليدها، وتشريعاتها.
وكل ما نهى عنه لأنه من أمر الجاهلية فهو مذموم، وفي الحديث: "ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع".
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في مختارات من اقتضاء الصراط المستقيم: "فقوله ﷺ : "كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع" يدخل فيه كل ما كانوا عليه من العبادات والعادات، ولا يدخل فيه ما كانوا عليه من الجاهلية وأقرَّه الله تعالى في الإسلام كالمناسك والدية والقسامة؛ لأن أمر الجاهلية معناه المفهوم منها ما كانوا عليه مما لا يقره الإسلام فيدخل في ذلك ما كانوا عليه وإن لم ينه في الإسلام عنه بعينه" (١).
وسوف يأتي مزيد بحث عن هذا في باب الجاهلية.
٣ - الفساق:
عند شرح حديث: "من تشبه بقوم فهو منهم" (٢) قال المناوي: "وبأبلغ من ذلك صرح القرطبي فقال لو خُص أهل الفسوق والمجون بلباس منع لبسه لغيرهم فقد يظن به من لا يعرفه أنه منهم فيظن به ظن السوء فيأثم الظان والمظنون فيه بسبب العون فيه" (٣). وقال الصنعاني: "والحديث دال على أنه من تشبه بالفساق كان منهم أو بالكفار أو بالمبتدعة في أي شيء مما يختصون به من ملبوس أو مركوب أو هيئة ... " (٤).
стр. 424
٤ - الشيطان:
ممن نهينا عن التشبه بهم الشيطان. فقد ذكر النبي ﷺ ، وبعض أفعال الشيطان، ونهى عنها، كالأكل والشرب باليد اليسرى، وقد روى مسلم وغيره أن النبي، ﷺ قال: "لا يأكلنّ أحدكم بشماله ولا يشربن بها فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بها" (١).
قال الإمام ابن تيمية: "ومما يشبه الأمر بمخالفة الكفار الأمر بمخالفة الشياطين كما رواه مسلم في صحيحه عن ابن عمر ﵂ أن النبي ﷺ قال: "لا يأكلن أحدكم بشماله ولا يشربن بها فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بها"، ثم ذكر ألفاظ الحديث وقال: فإنه علَّل النهي بالأكل والشرب بالشمال بأن الشيطان يفعل ذلك فعلم أن مخالفة الشيطان أمر مقصود مأمور به" (٢).
٥ - الأعراب الذين لم يكمل دينهم:
والمقصود كما قال الإمام ابن تيمية: "مخالفة من لم يكمل دينه من الأعراب ونحوهم؛ لأن كمال الدين بالهجرة، فكان من آمن ولم يهاجر من الأعراب ونحوهم ناقصًا" (٣).
وقد جاء النهي عن موافقة الأعراب في اسم المغرب والعشاء بالعشاء والعتمة. وليس التشبه بالأعراب كالتشبه بالكفار، قال ابن تيمية: "واعلم أن بين التشبه بالكفار والشياطين، وبين التشبه بالأعراب والأعاجم فرقًا يجب اعتباره، وإجمالًا يحتاج إلى تفسير، وذلك: أن نفس الكفر والتشيطن مذموم في حكم الله ورسوله وعباده المؤمنين، ونفس الأعرابية والأعجمية ليست مذمومة الله تعالى وعند
стр. 425
رسوله وعند عباده المؤمنين، بل الأعراب منقسمون: إلى أهل جفاء، وإلى أهل إيمان وبر.
وقد كان في أصحاب رسول الله ﷺ ممن وفد عليه ومن غيرهم من الأعراب من هو أفضل من كثير من القرويين، فهذا كتاب الله يحمد بعض الأعراب، ويذم بعضهم، وكذلك فعل بأهل الأمصار" (١).
٦ - البهائم:
قال ابن تيمية: "التشبه بالبهائم في الأمور المذمومة في الشرع مذموم، منهي عنه: في أصواتها وأفعالها، ونحو ذلك مثل أن ينبح نبيح الكلاب، أو ينهق نهيق الحمير، ونحو ذلك ... قررنا في اقتضاء الصراط المستقيم نهي الشارع عن التشبه بالآدميين الذين جنسهم ناقص كالتشبه بالأعراب والعجم وبأهل الكتاب ونحو ذلك في أمور من خصائصهم وبينا أن من أسباب ذلك أن المشابهة تورث مشابهة الأخلاق وذكرنا أن من أكثر عشرة بعض الدواب اكتسب من أخلاقها كالكلابين والجمالين وذكرنا ما في النصوص من ذم أهل الجفاء وقسوة القلوب أهل الإبل ومن مدح أهل الغنم فكيف يكون التشبه بنفس البهائم فيما هي مذمومة، بل هذه القاعدة تقتضي بطريق التنبيه النهي عن التشبه بالبهائم مطلقا فيما هو من خصائصها وإن لم يكن مذمومًا بعينه؛ لأن ذلك يدعو إلى فعل ما هو مذموم بعينه، إذ من المعلوم أن كون الشخص أعرابيًا أو عجميًا خير من كونه كلبًا أو حمارًا أو خنزيرًا فإذا وقع النهي عن التشبه بهذا الصنف من الآدميين في خصائصه لكون ذلك تشبها فيما يستلزم النقص ويدعو إليه فالتشبه بالبهائم فيما هو من خصائصها أولى أن يكون مذمومًا ومنهيا عنه" (٢).