وقال ﵀: "فأما اللعب اللاتي على ما وصفنا فلا بأس بعملهن واتخاذهن واللعب بهن لأنهن لسن بصور حقيقية. وأما اللعب اللاتي على صور البنات وأنواع الحيوانات فصناعتهن حرام وبيعهن حرام وشراؤهن واتخاذهن حرام والتلهي بهن حرام وإتلافهن واجب على من قدر على ذلك لأنهن من الأصنام وقد أمر رسول الله ﷺ بطمس الأصنام كما تقدم في حديث علي ﵁. والقول في الفرس الذي كان مع لعب عائشة ﵂ كالقول في لعبها سواء. ومن ادعى أنها كانت صورة حقيقية لها رأس ووجه فعليه إقامة الدليل على ذلك ولن يجد إليه سبيلًا" (١).
حكم المحنّط وهذا ليس تصويرًا بل يلحق بالتصوير لأنه وسيلة وسبب للتساهل في أمر التصوير ولذلك حذر العلماء من اقتنائه وقد سمعت الشيخ عبد العزيز بن باز يذكر ثلاثة أسباب لتحريم اقتناء المحنّط منها أن شراءَه إسراف وتبذير ومنها أنه سبب مفضٍ إلى التساهل في أمر التصوير الذي جاء الوعيد والنكير في حقه.
٦ - الصورة الرأس:
قال الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀: "التصوير النصفي لا إشكال عندي في أنه محرم، وإن كان ذهب نزر قليل إلى القول بعدم التحريم، وربما يكون أخف من الكامل لأجل هذا القول، وأما أنا فلا إشكال عندي فيه؛ لأن الوجه هو المقصود" (٢).
وقال الشيخ حمود التويجري ﵀: "والأصل في هذا قول جبريل للنبي ﷺ مر بالرأس فليقطع فيصير كهيئة الشجرة.
فدل على أن المحذور كله في تصوير الرأس.
стр. 457
ودلّ على أن قطع غيره لا يقوم مقامه ولا يكفي في التغيير ولو كان المقطوع مما لا تبقى الحياة بعد ذهابه كصدره أو بطنه.
وعلى هذا فتحريم التصوير والاتخاذ متعلق بوجود الرأس.
وكذلك وجوب الطمس متعلق بوجود الرأس -والله أعلم-.
وأما قياس قطع الصدر أو البطن على قطع الرأس فهو قياس مع وجود الفارق لأنها وإن شاركاه في ذهاب الحياة بذهابهما فقد اختص هو دونهما ودون سائر الأعضاء بشيئين.
أحدهما: أنه إذا قطع صار باقي الجسم كهيئة الشجرة وخرج عن شكل ذوات الأرواح.
الثاني: أنه مشتمل على الوجه الذي هو أشرف الأعضاء، ومجمع المحاسن، وأعظم فارق بين الحيوان وبين غيره من النباتات والجمادات، وبطمسه تذهب بهجة الصورة ورونقها، وتعود إلى مشابهة النباتات والجمادات؛ ولهذا قال جبريل للنبي ﷺ : مر برأس التمثال فليقطع فيصير كهيئة الشجرة.
وبهذا يعرف أن غير الرأس لا يساويه وإن من قاس شيئًا من الأعضاء على الرأس فقياسه غير صحيح فلا يعتد به -والله أعلم-" (١).
وعلّق الشيخ الألباني ﵀ على قول جبريل ﵇: "فمر برأس التمثال الذي في البيت يقطع فيصير كهيئة الشجرة" فقال: ﵀: "هذا نص صريح في أن التغيير الذي يحل به استعمال الصورة إنما هو الذي يأتي على معالم الصورة فيغيرها بحيث أنه يجعلها في هيئة أخرى وقد عبر بعض الفقهاء عن هذا التغيير بقوله: "إذا كانت بحيث لا تعيش جاز استعمالها"، وهذا تعبير قاصر كما لا يخفى ولهذا كان عمدة
стр. 458
لبعض المحتالين على النصوص، الذين يحاولون الخلاص منها بتأويلها أو بتحكيم آراء الرجال فيها وأصدق مثال على ذلك مقال طويل لبعضهم كنت قرأته منذ سنين في "مجلة نور الإسلام" التي سميت فيما بعد "مجلة الأزهر" خلاصته أنه يجوز للمسلم الفنان! أن ينحت صنمًا كاملًا على أن يحفر حفرة في الرأس تصل إلى الدماغ بحيث أنه لا يعيش لو كان حيًا، ثم تفنن حضرة الشيخ فذكر أنه لكي لا يظهر عيب الصنم من الناحية الفنية للناظرين فإنه بإمكان الفنان أن يضع الشعر المستعار على الرأس المحفور وبذلك تنستر الفجوة ويبدو تمثالًا كاملًا لا عيب فيه يرضي الفنانين! وفي الوقت نفسه يكون قد أرضى الشارع بزعمه! فهل رأيت أيها المسلم تلاعبًا بالشريعة ونصوصها ما يشابه هذا التحريف المنشور في مجلة محترمة! تاالله إن هذا لأشبه شيء بعمل من ضربت عليهم الذلة والمسكنة الذين قال الله فيهم: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣)﴾ [الأعراف: ١٦٣]. وقال فيهم رسول الله ﷺ : "قاتل الله اليهود، إن الله لما حرم شحومها جملوه -أي ذوبوه- ثم باعوه وأكلوا ثمنه" (١)، ولهذا حذرنا ﷺ من اتباع سننهم فقال: "لا ترتكبوا ما ارتكب اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل" رواه ابن بطة: "جزء إبطال الحيل" ص ٢٤ بسند جيد كما قال ابن تيمية وابن كثير، ولكن ذلك كله ما أغنى شيئًا بعض هؤلاء المتشبهين بهم، لهوى في نفوسهم" (٢).
وقال الشيخ ابن باز: "ويستدل بالحديث المذكور أيضًا على أن قطع غير الرأس
стр. 459
من الصورة كقطع نصفها الأسفل ونحوه لا يكفي ولا يبيح استعمالها، ولا يزول به المانع من دخول الملائكة، لأن النبي ﷺ أمر بهتك الصور ومحوها، وأخبر أنها تمنع من دخول الملائكة إلا ما امتهن منها، أو قطع رأسه، فمن ادعى مسوغًا لبقاء الصورة في البيت غير هذين الأمرين فعليه الدليل من كتاب الله أو سنة رسوله ﵊.
ولأن النبي ﷺ أخبر أن الصورة إذا قطع رأسها كان باقيها كهيئة الشجرة. وذلك يدل على أن المسوغ لبقائها: خروجها عن شكل ذوات الأرواح ومشابهتها للجمادات. والصورة إذا قطع أسفلها وبقي رأسها لم تكن بهذه المثابة لبقاء الوجه وفيه من بديع الخلقة والتصوير ما ليس في بقية البدن، فلا يجوز قياس غيره عليه عند من عقل عن الله ورسوله مراده.
وبذلك يتبيّن لطالب الحق أن تصوير الرأس وما يليه من الحيوان داخل في التحريم والمنع لأن الأحاديث الصحيحة المتقدمة تعمه، وليس لأحد أن يستثني من عمومها إلا ما استثناه الشارع" (١).
٧ - سبب امتناع الملائكة دخول بيت فيه صورة:
قال النووي ﵀: "قال العلماء سبب امتناعهم من بيت فيه صورة كونها معصية فاحشة وفيها مضاهاة لخلق الله تعالى وبعضها في صورة ما يعبد من دون الله تعالى وسبب امتناعهم من بيت فيه كلب لكثرة أكله النجاسات، ولأن بعضها يسمى شيطانًا كما جاء به الحديث والملائكة ضد الشياطين ولقبح رائحة الكلب والملائكة تكره الرائحة القبيحة ولأنها منهي عن اتخاذها فعوقب متخذها بحرمانه دخول الملائكة بيته وصلاتها فيه واستغفارها له وتبريكها عليه وفي بيته ودفعها
стр. 460
أذى الشيطان وأما هؤلاء الملائكة الذين لا يدخلون بيتًا فيه كلب أو صورة فهم ملائكة يطوفون بالرحمة والتبريك والاستغفار وأما الحفظة فيدخلون في كل بيت ولا يفارقون بني آدم في كل حال لأنهم مأمورون باحصاء أعمالهم وكتابتها قال الخطابي: وإنما لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب أو صورة مما يحرم اقتناؤه من الكلاب والصور فأما ما ليس بحرام من كلب الصيد والزراعة والماشية والصورة التي تمتهن في البساط والوسادة وغيرهما فلا يمتنع دخول الملائكة بسببه وأشار القاضي إلى نحو ما قاله الخطابي والأظهر أنه عام في كل كلب وكل صورة وأنهم يمتنعون من الجميع لإطلاق الأحاديث ولأن الجرو الذي كان في بيت النبي ﷺ تحت السرير كان له فيه عذر ظاهر فإنه لم يعلم به ومع هذا امتنع جبريل ﵇ من دخول البيت وعلل بالجرو فلو كان العذر في وجود الصورة والكلب لا يمنعهم لم يمتنع جبريل -والله أعلم-" (١).
فأما القرطبي فقال في المفهم: "إنما لم تدخل الملائكة البيت الذي فيه الصورة لأن متخذها قد تشبه بالكفار لأنهم يتخذون الصور في بيوتهم ويعظمونها فكرهت الملائكة ذلك فلم تدخل بيته هجرًا له لذلك" (٢).
٧٩ - التطير
انظر باب (الطيرة).
стр. 461
٨٠ - تعظيم الله *
الإطراء - الغلو - حماية التوحيد - السجود - الذبح للسلطان
التعظيم من حيث هو عبادة حق الله وحده فلا يجوز أن يعظم مخلوقا كتعظيم الله أو يعطى من التعظيم ما لا يستحقه إلا الله وكل طريق يفضي إلى ذلك فحرام وقد جاءت الشريعة بالنهي عن كل ما يفضي إلى الغلو في المخلوق سواء أكان نبيًا من الأنبياء أو مَلَكًا من الملائكة أو قبرًا أو غيره.
والقرآن والسنة دالتان ومبينتان لعظمة الله وكماله وأنه المتصف بصفات الكمال التي وصف بها نفسه في كتابه، ووصفه بها رسول الله ﷺ ، وعلى كمال قدرته، وأنه هو المعبود وحده لا شريك له، دون كل ما سواه. وهذا باب عظيم واسع وسوف نختصر جهدنا والله المستعان.
* الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧].
قال العماد بن كثير ﵀: "يقول تعالى: ما قدر المشركون الله حق قدره، حين عبدوا معه غيره، وهو العظيم الذي لا أعظم منه، القادر على كل شيء، المالك لكل شيء، وكل شيء تحت قهره وقدرته" (١).
الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم" (١).
وقال ابن جرير حدثني يونس أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد: حدثني أبي قال: قال رسول الله ﷺ : "ما السماوات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس".
قال: وقال أبو ذر ﵁: سمعت رسول الله ﵁ يقول: "ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهري فلاة من الأرض" (٢).
وعن ابن مسعود قال: "بين السماء الدنيا والتي تليها خمسمائة عام وبين كل سماء خمسمائة عام، وبين السماء السابعة والكرسي خمسمائة عام، وبين الكرسي والماء خمسمائة عام، والعرش فوق الماء. والله فوق العرش؛ لا يخفى عليه شيء من أعمالكم" (٣).
وعن العباس بن عبد المطلب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "هل تدرون كم بين السماء والأرض؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: بينهما مسيرة خمسمائة سنة، ومن كل سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة سنة، وكثف كل سماء مسيرة خمسمائة سنة. وبين السماء السابعة والعرش بحر، بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض، والله تعالى فوق ذلك، وليس يخفى عليه شيء من أعمال بني آدم" (٤).
стр. 464
قال في التيسير بعد أن ذكر هذه الأحاديث: "وهذه الأحاديث وما في معناها تدل على عظمة الله، وعظيم قدرته وعظم مخلوقاته، وقد تعرف إلى عباده بصفاته، وعجائب مخلوقاته، وكلها تدل على كماله، وأنه هو المعبود وحده، لا شريك له في ربوبيته وإلهيته، وتدل على إثبات الصفات له على ما يليق بجلال الله وعظمته إثباتًا بلا تمثيل وتنزيهًا بلا تعطيل، وهذا هو الذي دلت عليه نصوص الكتاب والسنة وعليه سلف الأمة وأئمتها ومن تبعهم بإحسان، واقتفى أثرهم على الإسلام والإيمان" (١).
وأنواع تعظيم غير الله والأسباب المفضية إليه كثيرة فإن التعظيم قد يكون بالقول وقد يكون بالفعل.
أما التعظيم بالقول فمن مظاهره:
١ - المساواة بالله بالواو العاطفة في المشيئة. فقد قال قائل للنبي ﷺ : "ما شاء الله وشئت فقال: أجعلتني واللهَ عدلًا بل ما شاء الله وحده" (٢). وقال ﷺ : "لا تقولوا ما شاء اللهَ وشاء محمد ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء محمد" (٣).
٢ - الإطراء فقد قال ﷺ : "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبده فقولوا: عبد الله ورسوله" (٤).
وفي حديث جويرية ﵂ لما قالت: وفينا نبيٌّ يعلم ما في غد، فقال النبي ﷺ : "دعي هذه وقولي بالذي كنتِ تقولين" (٥).
стр. 465
٣ - قال ﷺ : "لا يقولنّ أحدكم عبدي وأمتي" (١) وقس على ذلك.
* أما التعظيم بالفعل فمن مظاهره:
١ - لما خرج الرسول ﷺ متوكئًا على عصا قام الناس إليه فقال: "لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضها بعضًا" (٢).
٢ - السجود لغير الله فقد ثبت أن معاذ بن جبل لما قدم من الشام سجد للنبي ﷺ . قال: "ما هذا يا معاذ؟ " قال: أتيتُ الشامَ فوافقتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم، فوددتُ في نفسي أن نفعل ذلك بك. فقال رسول الله ﷺ : "فلا تفعلوا، فإني لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لغير الله؛ لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها"" (٣).
٣ - فعل هيئة لا تصلح إلا لله كالركوع والانحناء وحلق الرأس للشيخ، وقد عدَّ ابنُ القيمِ من أنواع الشرك السجودُ لغير الله والركوعُ والانحناءُ، ثم قال: "ومن أنواعه: حلق الرأس للشيخ. فإنه تعبد لغير الله، ولا يتعبد بحلق الرأس إلا في النسك لله خاصة" (٤).
٤ - الذبح للسلطان. (انظر باب الذبح).
وكل تعظيم لغير الله إذا كان على وجه العبادة فهو شرك كالحلف والنذر والذبح والطواف بالقبر والعكوف عنده فإن التعظيم حق الله كما قال : ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].
стр. 466
حكم الإحداد على الزعماء والوجهاء:
ورد سؤال على اللجنة الدائمة هذا نصه:
* السؤال: يذكر لنا أنه حصل في خبر الإذاعات أن هيئة الأمم المتحدة لما علمت بخبر موت رئيس دولة عضو في هيئة الأمم ظلّوا واقفين ساعة كاملة حزنا على المقتول، وفوق هذا أن جميع الدول الإسلامية سكَّرت أسواقها ونكست أعلامها مدة ثلاثة أيام. أما الدول المعنية فمدتها أربعون يومًا، وهذا مما يجب محاولة إزالته إذا كان الحديث ورد بالنهي عن النياحة على هذا الميت، فهذا مما هو شرّ منه، وهذا ليس حزنًا وإنما تعظيم. وإن كان حزنًا فليس بمشروع، وأنتم أعلم منا بذلك، كذلك هذه سنة اليهود؟
* الجواب: "ما يفعله بعض الناس من الوقوف زمنًا مع الصمت تحية للشهداء أو الوجهاء، أو تشريفًا أو تكريمًا لأرواحهم من المنكرات والبدع المحدثة التي لم تكن في عهد النبي ﷺ ولا في عهد أصحابه ولا السلف الصالح، ولا تتفق مع آداب التوحيد ولا إخلاص التعظيم لله، بل اتبع فيها بعض جهلة المسلمين بدينهم من ابتدعها من الكفار وقلدوهم في عاداتهم القبيحة وغلوّهم في رؤسائهم ووجهائهم أحياء وأمواتا، وقد نهى النبي ﷺ عن مشابهتهم. والذي عُرف في الإسلام من حقوق أهله الدعاء لأموات المسلمين، والصدقة عنهم، وذكر محاسنهم والكفّ عن مساويهم ... إلى كثير من الآداب التي بينها الإسلام وحث المسلم على مراعاتها مع إخوانه أحياءً وأمواتًا، وليس منها الوقوف حدادًا مع الصمت تحية للشهداء والوجهاء، بل هذا مما تأباه أصول الإسلام" (١).
وقد صدرت فتوى لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز في حكم الإحداد على
стр. 467
الملوك والزعماء. فقال ﵀: "وقد جاءت الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ تنهى عن الإحداد وتحذر منه إلا في حق الزوجة، فإنها تحد على زوجها أربعة أشهر وعشرًا كما جاءت الرخصة عنه ﷺ للمرأة خاصة أن تحد على قريبها ثلاثة أيام فأقل، أما ما سوى ذلك من الإحداد فهو ممنوع شرعًا، وليس في الشريعة الكاملة ما يجيزه على ملك أو زعيم أو غيرهما، وقد مات في حياة النبي ﷺ ابنه إبراهيم وبناته الثلاث وأعيان آخرون فلم يحدّ عليهم ﷺ . وقتل في زمانه أمراء جيش مؤتة زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله ابن رواحة ﵃ فلم يحد عليهم، ثم توفي النبي ﷺ وهو أشرف الخلق وأفضل الأنبياء وسيد ولد آدم، والمصيبة بموته أعظم المصائب، ولم يحدّ عليه الصحابة ﵃، ثم مات أبو بكر الصديق ﵁ وهو أفضل الصحابة وأشرف الخلق بعد الأنبياء فلم يحدوا عليه، ثم قتل عمر وعثمان وعلي ﵃ وهم أفضل الخلق بعد الأنبياء وبعد أبي بكر الصديق فلم يحدوا عليهم.
وهكذا مات الصحابة جميعًا فلم يحد عليهم التابعون، وهكذا مات أئمة الإسلام وأئمة الهدى من علماء التابعين ومن بعدهم؛ كسعيد بن المسيب وعلي ابن الحسين زين العابدين وابنه محمد بن علي وعمر بن عبد العزيز والزهري والإمام أبي حنيفة، وصاحبيه، والإمام مالك بن أنس والأوزاعي والثوري والإمام الشافعي والإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وغيرهم من أئمة العلم والهدى فلم يحد عليهم المسلمون. ولو كان خيرًا لكان السلف الصالح إليه أسبق، والخير كله في اتباعهم والشر كله في مخالفتهم.
وقد دلت سنة رسول الله ﷺ التي أسلفنا ذكرها على أن ما فعله سلفنا الصالح من ترك الإحداد على غير الأزواج هو الحق والصواب، وأن ما يفعله الناس اليوم من الإحداد على الملوك والزعماء أمر مخالف للشريعة المطهرة مع ما يترتب عليه
стр. 468
من الأضرار الكثيرة وتعطيل المصالح والتشبه بأعداء الإسلام. وبذلك يعلم أن الواجب على قادة المسلمين وأعيانهم ترك هذا الإحداد والسير على نهج سلفنا الصالح من الصحابة ومن سلك سبيلهم، والواجب على أهل العلم تنبيه الناس على ذلك وإعلامهم به أداء لواجب النصيحة وتعاونًا على البر والتقوى.
ولما أوجب الله سبحانه من النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ﷺ ولأئمة المسلمين وعامتهم رأيت تحرير هذه الكلمة الموجزة. وأسأل الله أن يوفق قادة المسلمين وعامتهم لكل ما فيه رضاه والتمسك بشريعته والحذر مما خالفها، وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا جميعًا إنه سميع الدعاء قريب الإجابة. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وأصحابه" (١).
* التحذير من التعظيم المحرم:
حذر العلماء من الغلو في الرسول ﷺ أو الأنبياء والملائكة أو القبور. ومن التعظيم المحرم الغلو في حق المخلوق كرفع النبي ﷺ فوق منزلته التي أنزله الله إياه ومن هذا قول البوصيري:
فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم
فجعل الدنيا والآخرة من جود محمد ﷺ وادعى له علم الغيب الذي استأثر الله به سبحانه وهو علم اللوح والقلم. قال الشيخ سليمان بن عبد الله: "وكل ذلك كفر صريح. ومن العجب أن الشيطان أظهر لهم ذلك في صورة محبته ﵇ وتعظيمه ومتابعته، هذا شأن اللعين لا بد وأن يمزج الحق بالباطل ليروج على أشباه الأنعام اتباع كل ناعق، الذين لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركن
стр. 469
وثيق، لأن هذا ليس بتعظيم، فإن التعظيم محله القلب واللسان والجوارح وهم أبعد الناس منه، فإن التعظيم بالقلب: ما يتبع اعتقاد كونه عبدا رسولا، من تقديم محبته على النفس والولد والوالد والناس أجمعين" (١).
ومما هو كفر صريح نداء الرسول ﷺ ودعاؤه والاستغاثة به قول البرعي:
يا سيدي يا رسول الله يا أملي ... يا موئلي يا ملاذي يوم يلقاني
هبني بجاهك ما قدمت من زلل ... جودا ورجح بفضل منك ميزاني
واسمع دعائي واكشف ما يساورني ... من الخطوب ونَفِّس كل أحزاني
فأنت أقرب من ترجى عواطفه ... عندي وإن بعدت داري وأوطاني
إني دعوتك من "نيابتي برع" ... وأنت أسمع من يدعوه ذو شأن
فامنع جنابي وأكرمني وصل نسبي ... برحمة وكرامات وغفران (٢)
ومن مظاهر التعظيم الشركي تعظيم القبور والقباب والمشاهد قال الشيخ سليمان ابن عبد الله: " ... فكثير منهم إذا رأوا القباب التي يقصدونها كشفوا الرؤوس فنزلوا عن الاكوار، فإذا أتوها طافوا بها واستلموا أركانها، وتمسحوا بها، وصلوا عندها ركعتين، وحلقوا عندها الرؤوس ووقفوا باكين متذللين متضرعين سائلين مطالبهم، وهذا هو الحج، وكثير منهم يسجدون لها إذا رأوها، ويعفرون وجوههم في التراب تعظيما لها، وخضوعا لمن فيها، فإن كان للإنسان منهم حاجة من شفاء مريض أو غير ذلك، نادى صاحب القبر، يا سيدي فلان جئتك قاصدًا من مكان بعيد، لا تخيبني، وكذلك إذا قحط المطر، أو عقرت المرأة عن الولد، أو دهمهم عدو أو جراد، فزعوا إلى صاحب القبر، وبكوا عنده فإن جرى المقدور بحصول شيء مما يريدون،
стр. 470
استبشروا وفرحوا ونسبوا ذلك إلى صاحب القبر، فإن لم يتيسر شي من ذلك اعتذروا عن صاحب القبر بأنه إما غائب في مكان آخر، أو ساخط لبعض أعمالهم، أو أن اعتقادهم في الولي ضعيف، أو أنهم لم يعطوه نذره ونحو هذه الخرافات. ومن بعض أشعار المادحين لسيد المرسلين ﷺ قول البوصيري:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم
ولن يضيق رسول الله جاهك بي ... إذا الكريم تجلى باسم منتقم
فإن لي ذمة منه بتسميتي ... محمدًا وهو أوفى الخلق بالذمم
إن لم يكن في معادي آخذا بيدي ... فضلًا وإلا فقل يا زلة القدم" (١)
وهذا غلو ظاهر ومن التعظيم أيضًا الوقوف مع الصمت تحية للشهداء والرؤساء فهذا زيادة على أنه تشبه بأعداء الإسلام فهو تعظيم لغبر الله وقيام لغيره وهذا كما قال ابن باز "أمر مخالف للشريعة المطهرة" (٢).
٨١ - تقبيل القبور والأعتاب للتبرك
انظر باب (التمسح وتقبيل القبور وغيره).
٨٢ - التكذيب ببعض ما جاء به الرسول ﷺ -
انظر باب (كفر الجحود والتكذيب).
стр. 471
٨٣ - التكفير *
[الكفر - عارض الجهل - الردة - النواقض]
التكفير من الكفر قال الراغب: "يقال كفر فلان إذا اعتقد الكفر ويقال ذلك إذا أظهرالكفر وإن لم يعتقد ولذلك قال: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] ... ويقال: أكفره إكفارا إذا حكم بكفره" (١).
والمراد بالتكفير الحكم عليه بالكفر. وهذا الباب مرتبط بأبواب أخرى كباب (الردة)، وباب (عارض الجهل) فلتراجع في هذا الكتاب. وسوف نتناول في هذا الباب:
١ - النصوص الواردة في التحذير من التكفير بغير دليل شرعي ولا علم.
٢ - وجوب التفريق بين الإطلاق والتعيين.
٣ - معرفة المخالفة فقد تكون صريحة في الكفر فيحكم بكفره، وقد تكون غير صريحة.
стр. 472
٤ - وجوب معرفة موانع التكفير ومنها:
أ - العذر بالجهل. ... ب - الإكراه. ... ج- الخطأ. ... د - التأويل. ... هـ - العجز.
ثم نذكر بعض التنبيهات المهمة ومنها:
التنبيه الأول: معرفة العلاقة بين الظاهر والباطن.
التنبيه الثاني: اختلاف الحكم بين الدنيا والآخرة.
التنبيه الثالث: تكفير أهل القبلة لا يكون بالمعاصي.
وفيها مسألتان:
١ - تعريف الكبيرة. ... ٢ - حكم تكفير الجميع.
التنبيه الرابع: لا يلزم من قتال فئة من المسلمين تكفيرهم.
التنبيه الخامس: أن من يحكم في هذه الأمور هم العلماء والقضاة.
التنبيه السادس: الامتناع عن التكفير بإطلاق تعطيل للأحكام وإغلاق لباب الردة.
التنبيه السابع: التكفير ليس سببه التكذيب أو الجحود فقط.
١ - النصوص الواردة في التحذير من التكفير بغير دليل شرعي ولا علم:
* الدليل من السنة: عن أبي هريرة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللهِ ﷺ : "أيُّمَا رَجُلٍ قَالَ لأَخِيهِ يَا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا" (١).
وعن عبد الله بن عمر ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "أيما رجل كفر رجلا فأحدهما كافر" (٢).
وعنه أيضًا قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قال الرجل لصاحبه: يا كافر، فإنها تجب على أحدهما، فإن كان الذي قيل له كافرًا فهو كافر، وإلا رجع إليه ما قال" (٣).
стр. 473
وعن أبي ذر ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: "لا يرمي رجل رجلًا بالفسوق، ولا يرميه بالكفر، إلا ارتدت عليه، إن لم يكن صاحبه كذلك" (١).
ولما أورد القاضي عياض فصلًا عن المكفرات القولية، قال في مطلع هذا الفصل: "اعلم أن تحقيق هذا الفصل، وكشف اللبس فيه، مورده الشرع، ولا مجال للعقل فيه" (٢).
قال شيخ الإسلام ﵀: "إن الكفر والفسق أحكام شرعية، ليس ذلك من الأحكام التي يستقل بها العقل. فالكافر من جعله الله ورسوله كافرا، والفاسق من جعله الله ورسوله فاسقًا، كما أن المؤمن من جعله الله ورسوله مؤمنا ومسلمًا، والعدل من جعله الله ورسوله عدلا، والمعصوم الدم من جعله الله ورسوله معصوم الدم، والسعيد في الآخرة من أخبر الله ورسوله عنه أنه سعيد في الآخرة، والشقي فيها من أخبر الله ورسوله عنه أنه شقي فيها ... والحلال ما حلله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله. فهذه المسائل كلها ثابتة بالشرع. وأما الأمور التي يستقل بها العقل فمثل الأمور الطبيعية، مثل كون هذا المرض ينفع فيه الدواء الفلاني، فإن مثل هذا يعلم بالتجربة والقياس وتقليد الأطباء الذين علموا ذلك بقياس أو تجربة" (٣).
ويقول ابن الوزير: "إن التكفير سمعي محض لا مدخل للعقل فيه" (٤).
ويقول أيضًا: "وأن الدليل على الكفر لا يكون إلا سمعيا قطعيا، ولا نزاع في ذلك" (٥).
стр. 474
ويقول أبو حامد الغزالي: "الكفر حكم شرعي كالرق والحرية مثلا، إذ معناه إباحة الدم والحكم بالخلود في النار، ومدركه شرعي فيدرك إما بنص وإما بقياس على منصوص" (١).
قال شيخ الإسلام: "هذا مع أني دائمًا، ومن جالسني يعلم ذلك مني، أني من أعظم الناس نهيًا عن أن ينسب معين إلى تكفير وتفسيق ومعصية، إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافرًا تارة، وفاسقًا أخرى، وعاصيا أخرى. وإني أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها، وما زال يعم الخطأ في المسائل الخبرية القولية، والمسائل العملية، وما زال السلف يتنازعون في كثير من هذه المسائل، ولم يشهد أحد منهم على أحد لا بكفر ولا بفسق ولا بمعصية" (٢).
قال ابن أبي العز الحنفي: "وأما الشخص المعين، إذا قيل: هل تشهدون أنه من أهل الوعيد وأنه كافر؟ فهذا لا نشهد عليه إلا بأمر تجوز معه الشهادة، فإنه من أعظم البغي أن يشهد على معين أن الله لا يغفر له ولا يرحمه بل يخلده في النار، فإن هذا حكم الكافر بعد الموت".
ثم قال: "ولأن الشخص المعين يمكن أن يكون مجتهدا مخطئا مغفورا له، أو يمكن أن يكون ممن لم يبلغه ما وراء ذلك من النصوص، ويمكن أن يكون له إيمان عظيم، وحسنات أوجبت له رحمة الله، كما غفر للذي قال: إذا مت فاسحقوني ثم ذروني ثم غفر الله له لخشيته" (٣).
وقال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي ﵀: "الكفر حق الله ورسوله فلا
стр. 475
كافر إلا من كفره الله ورسوله" (١).
وفي فتاوى اللجنة ما نصه: "والواجب التثبت في هذه الأمور وعدم التعجل بالتكفير حتى يتضح الدليل" (٢).
وقال الشيخ ابن عثيمين: "وهذا هو المحذور الثاني أعني عود وصف الكفر عليه إن كان أخوه بريئًا منه، وهو محذور عظيم يوشك أن يقع به؛ لأن الغالب أن من تسرع بوصف المسلم بالكفر كان معجبا بعمله محتقرا لغيره فيكون جامعا بين الإعجاب بعمله الذي قد يؤدي إلى حبوطه، وبين الكبر الموجب لعذاب الله تعالى في النار كما جاء في الحديث الذي أخرجه أحمد وأبو داود عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "قال الله الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري فمن نازعني واحدًا منهما قذفته في النار"" (٣).
فينبغي أن يُتنبه إلى عدم تكفير الأعيان إلا بعد اجتماع الشروط وانتفاء الموانع وهذه يقيمها من يصلح لإقامتها من أهل القضاء أو الفتيا. لا يقال في ذلك بالرأي ولا بالهوى وإنما يقال بعلم، فمن كفّر بغير علم يلحقه الوعيد المذكور ومن قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما وفيه أيضا مشابهة الخوارج لأن الخوارج كفروا بغير علم وفيه تعدي على الدليل من القرآن والسنة لأن إثبات الإيمان جاء بدليل فنفي الإيمان عن المعين لا بد فيه من دليل وإلا كان قولًا على الله بغير علم، فالغلو في التكفير أمره خطير والواجب على العبد أن يحترز من فلتات اللسان ويخاف من ذلك أشد الخوف فرب كلمة قالها العبد لا يلقي لها بالا يهوي بها في النار سبعين خريفا.
стр. 476
٢ - وجوب التفريق بين الإطلاق والتعيين:
التكفير المطلق: هو الحكم بالكفر على القول أو الفعل أو الاعتقاد الذي ينافي أصل الإسلام ويناقضه، وعلى فاعليها على سبيل الإطلاق، بدون تحديد أحد بعينه، فيقال من قال كذا أو فعل كذا فهو كافر. فالتكفير العام كالوعيد العام يجب القول بإطلاقه وعمومه (١).
أما تكفير المعين: فهو الحكم على المعين بالكفر؛ لإتيانه بأمر يناقض الإسلام بعد اجتماع شروط التكفير فيه، وانتفاء موانعه.
وهذا أصل عظيم وضابط مهم فإذا كان الفعل أو القول كفرا يطلق الكفر دون تعيين فيقال من فعل كذا فهو كافر ومن قال كذا فهو كافر وعليه فيقال: القول بخلق القرآن كفر، ولا يقال: نكفر كل من قال به، ويقال: إنكار الأسماء والصفات كفر، ولا يقال: نكفر كل من أنكر شيئًا من الأسماء والصفات؛ يكون عند من قال بهذ القول تأويلٌ أو شبهة، فالتكفير إخراج من الدين، والإخراج من الدين لا بد أن يبنى على اليقين، ولو كان تكفير المعين سائغًا دون النظر في الشروط والموانع لما نجا من الكفر إلا النزر اليسير من الأمة وهذا لم يعمله أحد من أئمة الإسلام فلا بد في حق المعين من رد الشبهة وتوضيح الأدلة. ولا يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها.
قال الهروي: "سئل الأزهري عمن يقول بخلق القرآن: أتسميه كافرًا؟ فقال: الذي يقوله كفر، فأعيد عليه السؤال ثلاثًا ويقول مثل ما قال، ثم قال في الآخر: قد يقول المسلم كفرًا" (٢).
قال ابن تيمية: "إن التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق المعين، وإن
стр. 477
تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين، إلا إذا وجدت الشروط، وانتفت الموانع، يبين هذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة الذين أطلقوا هذه العمومات، لم يكفروا أكثر من تكلم بهذا الكلام بعينه" (١).
ويسوق ابن تيمية بعضًا من الأعذار الواردة على المعين، فيقول: "وهكذا الأقوال التي يكفر قائلها، قد يكون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق، وقد تكون عنده، ولم تثبت عنده، أو لم يتمكن من فهمها، وقد يكون قد عرضت له شبهات يعذره الله بها، فمن كان من المؤمنين مجتهدا في طلب الحق وأخطأ، فإن الله يغفر له خطأه كائنا ما كان، سواء كان في المسائل النظرية، أو العملية، هذا الذي عليه أصحاب النبي ﷺ ، وجماهير أئمة الإسلام" (٢).
وقال ﵀ مبينا مذهب الإمام أحمد ﵀: "وإنما كان يكفر الجهمية المنكرين لأسماء الله وصفاته؛ لأن مناقضة أقوالهم لما جاء به الرسول ﷺ ظاهرة بينه ولأن حقيقة قولهم تعطيل الخالق، وكان قد ابتلي بهم حتى عرف حقيقة أمرهم، وأنه يدور على التعطيل، وتكفير الجهمية مشهور عن السلف والأئمة. لكن ما كان يكفر أعيانهم، فإن الذي يدعو إلى القول أعظم من الذي يقول به، والذي يعاقب مخالفه أعظم من الذي يدعو فقط، والذي يكفر مخالفه أعظم من الذي يعاقبه، ومع هذا فالذين كانوا من ولاة الأمور يقولون بقول الجهمية "إن القرآن مخلوق، وإن الله لا يُرى في الآخرة وغير ذلك"، ويدعون الناس إلى ذلك ويمتحنونهم ويعاقبونهم إذا لم يجيبوهم، ويكفرون من لم يجبهم ... ومع هذا فالإمام أحمد ترحم عليهم، واستغفر لهم، لعلمه بأنهم لم يُبَيَّن لهم أنهم مكذبون للرسول، ولا
стр. 478
جاحدون لما جاء به، ولكن تأولوا فأخطئوا، وقلدوا من قال لهم ذلك" (١).
وقال ابن تيمية ﵀: "ولهذا كنت أقول للجهمية من الحلولية والنفاة الذين نفوا أن الله تعالى فوق العرش، لما وقعت محنتهم: أنا لو وافقتكم كنت كافرًا؛ لأني أعلم أن قولكم كفر، وأنتم عندي لا تكفرون لأنكم جهال" (٢).
ويقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "ومسألة تكفير المعين مسألة معروفة إذا قال قولا يكون القول به كفرا، فيقال من قال بهذا القول فهو كافر، ولكن الشخص المعين إذا قال ذلك، لا نحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها" (٣).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فقد يكون الفعل أو المقالة كفرا ويطلق القول بتكفير من قال المقالة، أو فعل ذلك الفعل، ويقال: من قال كذا، فهو كافر، أو من فعل ذلك، فهو كافر لكن الشخص المعين الذي قال ذلك القول أو فعل ذلك الفعل لا يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها وهذا الأمر مطرد في نصوص الوعيد عند أهل السنة والجماعة، فلا يشهد على معين من أهل القبلة بأنه من أهل النار، لجواز أن لا يلحقه، لفوات شرط أو لثبوت مانع" (٤).
وسئلت اللجنة الدائمة:
هل من حق العلماء أن يقولوا على شخص ما إنه كافر ويتهموه بالكفر؟
فأجابت بأن: "تكفير غير المعين مشروع بأن يقال: من استغاث بغير الله فيما دفْعُه من اختصاص الله كافر، كمن استغاث بنبي من الأنبياء أو ولي من الأولياء أن يشفيه أو يشفي ولده مثلًا.
стр. 479
وتكفير المعين إذا أنكر معلومًا من الدين بالضرورة كالصلاة أو الزكاة أو الصوم بعد البلاع واجب، وينصح، فإن تاب وإلا وجب على ولي الأمر قتله كفرا، ولو لم يشرع تكفيره المعين عندما يوجد منه ما يوجب كفره ما أقيم حد على مرتد عن الإسلام" (١).
وقال الشيخ ابن عثيمين: "وبهذا علم أن المقالة، أو الفعلة قد تكون كفرا، أو فسقا، ولا يلزم من ذلك أن يكون القائم بها كافرا أو فاسقا، إما لانتفاء شرط التكفير، أو التفسيق، أو وجود مانع شرعي يمنع منه" (٢).
وهذا يختص به أهل القبلة أما المعين من اليهود والنصارى ومات على ذلك وقد سمع بالإسلام ولم يدخل فيه فيحكم عليه بالتعيين أنه من أهل النار.
* تنبيه: في الفرق بين تكفير المعين ولعنه. انظر باب (لعن الكافر المعين).
٣ - قبل الحكم بالتكفير يشترط أن يكون عالمًا بمخالفته التي أوجبت كفره ، كما أن مخالفته قد تكون صريحة في الكفر وقد تكون غير صريحة فيجب التحقق قبل تكفيره. أما إذا كان لازم مخالفته الكفر فرده وأنكره فإنه لا يُكَفَّر.
قال الشيخ ابن عثيمين: "فالواجب قبل الحكم بالتكفير أن ينظر في أمرين:
الأمر الأول: دلالة الكتاب والسنة على أن هذا مكفر لئلا يفتري على الله الكذب.
الثاني: انطباق الحكم على الشخص المعين بحيث تتم شروط التكفير في حقه، وتنتفي الموانع.
ومن أهم الشروط أن يكون عالما بمخالفته التي أوجبت كفره لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى
стр. 480
وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
فاشترط للعقوبة بالنار أن تكون المشاقة للرسول من بعد أن يتبين الهدى له" (١).
٤ - يجب معرفة موانع التكفير ومنها:
١ - العذر بالجهل وقد أفردنا له بابًا خاصًا تكلمنا فيه عن قيام الحجة وأن عدمها مانع من تكفير المعين، كما أوضحنا المراد من بلوغ الحجة وفهم الحجة وأن قيام الحجة يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص كما ذكرنا أقوال أهل العلم في التفريق بين المسائل الواضحة والمسائل الدقيقة وأن الجهل لا يكون فيما هو معلوم من الدين بالضرورة فلتراجع هناك (٢).
٢ - الإكراه: ومعناه في اللغة: "حمل الإنسان على أمر هو له كاره" (٣)، والكره بالضم: المشقة تحتملها من غير أن تكلَّفها (٤).
وفي الاصطلاح قال ابن حزم: "هو كل ما سمي في اللغة إكراها، وعرف بالحس أنه إكراه، كالوعيد بالقتل ممن لا يؤمن منه إنفاذ ما توعد به، والوعيد بالضرب كذلك" (٥).
وقال ابن عثيمين: "ومن الموانع من التكفير أن يكره على المكفّر لقوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦] " (٦).
стр. 481
وقال الشنقيطي ﵀: "وأما لهذه الأمة فقد صرح الله تعالى بعذرهم بالإكراه في قوله: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ " (١).
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ بعد أن ذكر النواقض العشرة: "ولا فرق في جميع هذه النواقض بين الهازل والجاد والخائف إلا المكره وكلها من أعظم ما يكون خطرا وأكثر ما يكون وقوعا فينبغي للمسلم أن يحذرها ويخاف منها على نفسه" (٢).
قال في الكافي: "ولا تصح الردة من المكره لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ " (٣).
فإذا كان مكرها على الكفر فإنه يمتنع التكفير في هذه الحالة ومن كان في حال الإكراه منشرح الصدر للكفر فهو كافر لأن انشراح الصدر بالكفر بعض أنواع الكفر.
* تنبيه:
اعلم أن انشراح الصدر بالكفر بعض أنواع الكفر وليست هي قاعدة الكفر إذ الكفر يكون بالعمل ويكون بالترك ويكون بالقول ويكون بالاعتقاد (٤) دون انشراح الصدر به حال اختيار الكفر على الإيمان.
* تنبيه آخر:
ورد عن النبي ﷺ أنه أوصى طائفة من أصحابه وقال: "لا تشركوا بالله وإن قُطِّعتم وحُرّقتم" (٥)، وإن صحَّ فالمراد منه الشرك بالقلوب كما قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ
стр. 482
مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦]، ولا خلاف بين العلماء في أن أفعال القلوب كالحب والبغض لا مجال للإكراه فيها، ولكن محل الإكراه أقوال وأفعال الجوارح (١).
* شروط الإكراه:
يكون الإكراه عذرا إذا تحققت المشقة وحُمِل على مالا يرضاه كأن يكون المكره عاجزا عن الدفع عن نفسه بالهرب أو الاستغاثة أو المقاومة ونحو ذلك ويغلب على ظنه وقوع الوعيد إن لم يفعل ما طلب منه أو يكون مما يستضر به ضررا شديدا كالقتل والضرب الشديد والقيد والحبس الطويلين، فأما الشتم والسب فليس بإكراه رواية واحدة، وكذلك أخذ المال اليسير، وهناك من يفرِّق بين الإكراه بالقول والإكراه بالفعل، والصواب أنه لا فرق بينهما ما دام أن الإكراه ملجئ لا اختيار له فيه (٢).
فتبين مما ذكرنا في مسائل الإكراه:
١ - جواز قول كلمة الكفر والشرك للمكره.
٢ - جواز فعل الكفر والشرك للمكره.
وهذا على القول الراجح وهو عدم التفريق بين الأقوال والأفعال.
ولكن الأفضل الصبر على الابتلاء كما نقل ابن بطال الإجماع على ذلك حتى لو
стр. 483
أكره على القتل (١).
وقال ابن العربي ﵀: "إن الكفر وإن كان بالإكراه جائزًا عند العلماء فإن مَنْ صبر على البلاء ولم يُفتتن حتى قُتل فإنه شهيد، ولا خلاف في ذلك، وعليه تدل آثار الشريعة" (٢).
ويتأكد الصبر في حق من يقتدى به كحال الإمام أحمد وقد سئل أحمد عن العالم وهل يأخذ بالتقية قال: "إذا أجاب العالم تقية، والجاهل يجهل فمتى يتبين الحق" (٣).
٣ - الخطأ:
قال ابن رجب ﵀: "الخطأ هو أن يقصد بفعله شيئًا فيصادف فعله غير ما قصده" (٤).
وقال الجرجاني: "الخطأ وهو ما ليس للإنسان فيه قصد .. كما إذا رمى شخصًا ظنه صيدا أو حربيا فإذا هو مسلم ... " (٥).
قال الراغب: "وجملة الأمر أن من أراد شيئا فاتفق منه غيره يقال: أخطأ، وإن وقع منه كما أراده يقال: أصاب، وقد يقال لمن فعل فعلًا لا يحسن أو أراد إرادة لا تجمل: إنه أخطأ" (٦).
ومن الأدلة قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
стр. 484
وثبت في الحديث الصحيح أن الله سبحانه استجاب لهذا الدعاء فقال: "قد فعلت" (١).
قال ابن عثيمين: "ومن الموانع أن يغلق عليه فكره وقصده بحيث لا يدري ما يقول لشدة فرح، أو حزن، أو غضب، أو خوف ونحو ذلك، لقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥] " (٢).
وعن أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ فَانْفَلتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ. أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ" (٣).
ومن الأحاديث في العذر بالخطأ حديث ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الله وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتكْرِهُوا عَلَيْهِ" (٤).
وذكر العلماء من الأدلة على الخطأ حديث الرجل من بني إسرائيل الذي شك في قدرة الله وسيأتي في باب "العذر بالجه " ويستدل به هنا في العذر بالخطأ كما يستدل به في العذر بالجهل.
قال ابن الوزير: "وهذا أرجى حديث لأهل الخطأ في التأويل" (٥).
* والضابط في ذلك ما قاله شيخ الإسلام: "فمن أخطأ في بعض مسائل الاعتقاد،
стр. 485
من أهل الإيمان بالله وبرسوله وباليوم الآخر والعمل الصالح، لم يكن أسوأ من هذا الرجل فيغفر الله خطاه، أو يعذبه إن كان منه تفريط في اتباع الحق على قدر دينه، وأما تكفير شخص علم إيمانه بمجرد الغلط في ذلك، فعظيم ... " (١).
وقال ﵀: "وأما التكفير فالصواب أنه من اجتهد من أمة محمد ﷺ ، وقصد الحق فأخطأ، لم يكفر بل يغفر له خطأه ومن تبين له ما جاء به الرسول، فشاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى، واتبع غير سبيل المؤمنين فهو كافر. ومن اتبع هواه، وقصر في طلب الحق، وتكلم بلا علم فهو عاص مذنب ثم قد يكون فاسقا، وقد تكون له حسنات ترجح على سيئاته" (٢).
وقال شيخ الإسلام ﵀: "وأجمع الصحابة وسائر أئمة المسلمين على أنه ليس كل من قال قولا أخطأ فيه أنه يكفر بذلك، وإن كان قوله مخالفا للسنة، فتكفير كل مخطئ خلاف الإجماع" (٣).
* تنبيه: يلاحظ ارتباط الخطأ بالجهل والتأويل لأن من جهل أو تأول أوقعه ذلك في الخطأ قال شيخ الإسلام: "فالخطأ والنسيان هو من باب العلم يكون إما مع تعذر العلم عليه أو تعسره عليه" (٤).
٤ - التأويل:
العذر بالتأويل داخل ضمن أقسام الخطأ لأنه عارض يطرأ في موانع التكفير.
قال ابن عثيمين: "ومن الموانع أيضا أن يكون له شبهة تأويل في الكفر بحيث يظن أنه على حق؛ لأن هذا لم يتعمد الإثم والمخالفة فيكون داخلًا في قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ
стр. 486
عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾؛ ولأن هذا غاية جهده فيكون داخلا في قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] " (١).
ومن الأدلة في ذلك حديث حاطب بن أبي بلتعة ﵁ عندما أرسل برسالة مع الظعينة لأهل مكة قبل الفتح يخبرهم بتجهيز المسلمين إليهم فلم يكفره النبي ﷺ ، وقدأنزل الله فيه هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الممتحنة: ١]. قال الإمام البخاري ﵀: "باب ما جاء في المتأولين" (٢) وذكر الحديث.
وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀: "وقد أجمع المفسرون على أن هذه الآية نزلت في حاطب ابن أبي بلتعة، وقصة الرسالة مع الظعينة لأهل مكة قبل الفتح بإخبارهم بتجهيز المسلمين إليهم" (٣).
قال ابن قدامة في مسألة العذر بالتأويل: "وإن كان بتأويل كالخوارج، فقد ذكرنا أن أكثر الفقهاء لم يحكموا بكفرهم مع استحلالهم دماء المسلمين وأموالهم وفعلهم لذلك متقربين إلى الله تعالى" (٤)، ثم قال: "وكذلك يخرج في كل محرم استحل بتأويل مثل هذا" (٥).
وقال: "وقد رُوي أن قدامة بن مظعون شرب الخمر مستحلا لها، فأقام عمر عليه الحد ولم يكفره، وكذلك أبو جندل بن سهيل، وجماعة معه، شربوا الخمر بالشام مستحلين لها، مستدلين بقول الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
стр. 487
الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣] فلم يكفروا، وعرفوا تحريمها فتابوا، وأقيم عليهم الحد، فيخرج فيمن كان مثلهم مثل حكمهم" (١).
وذكر شيخ الإسلام ﵀ أمثلةً على وقوع الخطأ في التأويل فقال: "وذلك كالمتأولين في تناول المسكر من صالحي أهل الكوفة ومن اتبعهم على ذلك، وإن كان المشروب خمرا لا يشك في ذلك من اطلع على أقوال النبي ﷺ وأقوال الصحابة، وكذلك المتأولون للمتعة والصرف من أهل مكة، متبعين لما كان يقوله ابن عباس -وإن كان قد رجع عن ذلك، أو زادوا عليه- إذ لا يشك في ذلك، وأنه من أنواع الربا المحرم والنكاح المحرم، من اطَّلع على نصوص النبي ﷺ وكذلك المتأولون في بعض الأطعمة والحشوش من أهل المدينة، وإن كان لا يشك في تحريم ذلك من اطلع على نصوص النبي ﷺ وأصحابه، وكذلك ما دخل من السابقين والتابعين من القتال في الفتنة والبغي بالتأويل، مع ما عُلِم في ذلك من نصوص الكتاب والسنة من ترك القتال، والصلح. فما تأول فيه قوم من ذوي العلم والدين من مطعوم أو مشروب أو منكوح، أو مملوك، أو مما قد علم أن الله قد حرمه ورسوله لم يجز اتباعهم في ذلك -مغفورا لهم- وإن كانو خيار المسلمين، والله قد غفر لهذه الأمة الخطأ والنسيان، كما دل عليه الكتاب والسنة، وهو سبحانه يمحو السيئات بالحسنات، ويقبل التوبه عن عباده، ويعفو عن السيئات" (٢).
وقال شيخ الإسلام: "وما زال السلف يتنازعون في كثير من هذه المسائل، ولم يشهد أحد منهم على أحد لا بكفر، ولا بفسق، ولا معصية كما أنكر شريح قراءة من قرأ ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾. وقال: إن الله لا يعجب، فبلغ ذلك إبراهيم النخعي
стр. 488
فقال إنما شريح شاعر يعجبه علمه. كان عبد الله أعلم منه، وكان يقرأ ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾. وكما نازعت عائشة وغيرها من الصحابة في رؤية محمد ﷺ ربه. وقالت: من زعم أن محمد قد رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية، ومع هذا لا نقول لابن عباس ونحوه من المنازعين لها: أنه مفتر على الله. وكما نازعت في سماع الميت كلام الحي، وفي تعذيب الميت ببكاء أهله، وغير ذلك. وقد آل الشر بين السلف إلى الاقتتال مع اتفاق أهل السنة على أن الطائفتين جميعًا مؤمنتان؛ وأن الاقتتال لا يمنع العدالة الثابتة لهم؛ لأن المقاتل وإن كان باغيا، فهو متأول، والتأويل يمنع الفسوق" (١).
* أما التأويل عند أهل البدع:
فقال شيخ الإسلام في معرض كلامه عن أهل البدع: "وإن كان هؤلاء لهم من الإيمان نصيب وافر من اتباع السنة، لكن فيهم من النفاق بحسب ما تقدموا فيه بين يدي الله ورسوله، وخالفوا الله ورسوله، ثم إن لم يعلموا أن ذلك يخالف الرسول، ولو علموا لما قالوه لم يكونوا منافقين، بل ناقصي الإيمان مبتدعين، وخطؤهم مغفور لهم لا يعاقبون عليه وإن نقصوا به" (٢).
وفي فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: "وكانت البدع الأولى مثل بدعة الخوارج إنما هي من سوء فهمهم للقرآن، لم يقصدوا معارضته، ولكن فهموا منه ما لم يدل عليه، فظنوا أنه يوجب تكفير أرباب الذنوب" (٣).
وقال: "فإن الخوارج خالفوا السنة التي أمر القرآن باتباعها، وكفروا المؤمنين الذين أمر القرآن بموالاتهم .. وصاروا يتابعون المتشابه من القرآن فيتأولونه على
стр. 489
غير تأويله من غير معرفة منهم بمعناه ولا رسوخ في العلم، ولا اتباع للسنة، ولا مراجعة الجماعة المسلمين الذين يفهمون القرآن" (١).
وقال ﵀: "وإذا كان المسلم متأولا في القتال، أو التكفير لم يكفر بذلك" (٢).
وقال ﵀: "فالمتأول والجاهل والمعذور ليس حكمه حكم المعاند والفاجر بل قد جعل الله لكل شيء قدرًا" (٣).
ومن هذا يتبين أن المسألة إذا كانت من المسائل التي لا مجال فيها للتأويل فهو لا يعذر فيها لظهور الأدلة فيها لكن إذا كانت مسألة قابلة وموارد اللغة فيها قد تشتبه فهو معذور.
٥ - العجز:
وهو داخل في قول الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧]، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩)﴾ [النساء: ٩٨ - ٩٩]، وهذا يصدق في كل عاجز عن أداء ما أوجبه الله عليه فهو معذور لعجزه وقد قرر شيخ الإسلام ﵀ أن العاجزين عن إقامة الدين يسقط عنهم ما عجزوا عنه فقال ﵀: "وقد كان بمكة جماعة من المؤمنين يستخفون بإيمانهم وهم عاجزون عن الهجرة قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ
стр. 490
مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩)﴾ فعذر سبحانه المستضعف العاجز عن الهجرة وقال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (٧٥)﴾ [النساء: ٧٥]، فأولئك كانوا عاجزين عن إقامة دينهم فقد سقط عنهم ما عجزوا عنه فإذا كان هذا فيمن كان مشركًا وآمن فما الظن بمن كان من أهل الكتاب وآمن" (١).
وقال شيخ الإسلام ﵀: "فمن ترك بعض الإيمان الواجب لعجزه عنه إما لعدم تمكنه من العلم مثل أن لا تبلغه الرسالة أو لعدم تمكنه من العمل لم يكن مأمورا بما يعجز عنه ولم يكن ذلك من الإيمان والدين الواجب في حقه وإن كان من الدين والإيمان الواجب في الأصل بمنزلة صلاة المريض والخائف والمستحاضة وسائر أهل الأعذار الذين يعجزون عن إتمام الصلاة فإن صلاتهم صحيحة بحسب ما قدروا عليه وبه أمروا إذ ذاك وإن كانت صلاة القادر على الإتمام أكمل وأفضل كما قال النبي ﷺ : "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير" رواه مسلم عن أبي هريرة في حديث حسن السياق، وقوله ﷺ : "صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم وصلاة النائم على النصف من صلاة القاعد"، ولو أمكنه العلم به دون العمل لوجب الإيمان به علما واعتقادا دون العمل" (٢).
ومن الأمثلة على ذلك ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حيث قال:
стр. 491
"وكذلك الكفار من بلغته دعوة النبي ﷺ في دار الكفر وعلم أنه رسول الله فآمن به وآمن بما أنزل عليه واتقى الله ما استطاع كما فعل النجاشي وغيره ولم يمكنه الهجرة إلى دار الإسلام، ولا التزام جميع شرائع الإسلام لكونه ممنوعًا من الهجرة وممنوعًا من إظهار دينه، وليس عنده من يعلِّمه جميع شرائع الإسلام فهذا مؤمن من أهل الجنة كما كان مؤمن آل فرعون مع قوم فرعون، وكما كانت امرأة فرعون، بل وكما كان يوسف الصديق ﵇ مع أهل مصر، فإنهم كانوا كفارًا ولم يكن يمكنه أن يفعل معهم كل ما يعرفه من دين الإسلام فإنه دعاهم إلى التوحيد والإيمان فلم يجييوه قال تعالى عن مؤمن آل فرعون: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ [غافر: ٣٤]، وكذلك النجاشي هو وإن كان ملك النصارى فلم يطعه قومه في الدخول في الإسلام بل إنما دخل معه نفر منهم، ولهذا لما مات لم يكن هناك من يصلي عليه فصلى عليه النبي ﷺ بالمدينة خرج بالمسلمين إلى المصلى فصفهم صفوفًا وصلى عليه وأخبرهم بموته يوم مات وقال: "إن أخا لكم صالحًا من أهل الحبشة مات" وكثير من شرائع الإسلام أو أكثرها لم يكن دخل فيها لعجزه عن ذلك فلم يهاجر ولم يجاهد ولا حج البيت، بل قد روي أنه لم يكن يصلي الصلوات الخمس ولا يصوم شهر رمضان ولا يؤدي الزكاة الشرعية لأن ذلك كان يظهر عند قومه فينكرونه عليه، وهو لا يمكنه مخالفتهم ... فالنجاشي وأمثاله سعداء في الجنة وإن كانوا لم يلتزموا من شرائع الإسلام ما لا يقدرون على التزامه بل كانوا يحكمون بالأحكام التي يمكنهم الحكم بها ولهذا جعل الله هؤلاء من أهل الكتاب، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ
стр. 492
عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩٩)﴾ [آل عمران: ١٩٩] وهذه الآية قد قال طائفة من السلف إنها نزلت في النجاشي ويروى هذا عن جابر ابن عباس وأنس ومنهم من قال فيه وفي أصحابه كما قال الحسن وقتادة" (١).
* تنبيهات:
التنبيه الأول: معرفة العلاقة بين الظاهر والباطن:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " ... فهذا أصل ينبغي معرفته فإنه مهم في هذا الباب، فإن كثيرًا ممن تكلم في "مسائل الإيمان والكفر" -لتكفير أهل الأهواء- لم يلحظوا هذا الباب، ولم يميزوا بين الحكم الظاهر والباطن، مع أن الفرق بين هذا وهذا ثابت بالنصوص المتواترة، والإجماع المعلوم، بل هو معلوم بالاضطرار من دين الإسلام ومن تدبر هذا علم أن كثيرًا من أهل الأهواء والبدع قد يكون مؤمنًا مخطئًا جاهلًا ضالًا عن بعض ما جاء به الرسول ﷺ ، وقد يكون منافقًا يظهر خلاف ما يبطن" (٢).
ومذهب أهل السنة في الحكم على الناس مبني على الظاهر هذا هو الأصل، وقد يكون بين الظاهر والباطن تلازم فيحكم عليه بالكفر ظاهرًا باطنًا، وقد يكون كافرًا في الظاهر دون الباطن كحال المكرَه، وقد يكون مؤمنًا ظاهرًا وكافرًا باطنًا، وتفصيل ذلك فيما يلي:
١ - الكفر الباطن دون الظاهر كحال المنافق، وهذا يعامل على الظاهر كسائر المسلمين إلا إذا أظهر نفاقه، قال الإمام ابن تيمية: "إذا أظهر المنافق من ترك الواجبات وفعل المحرمات ما يستحق عليه العقوبة عُوقب على الظاهر ولا يعاقب
стр. 493
على ما يعلم من باطنه بلا حجة ظاهرة" (١).
ومن أدلة الحكم على الظاهر قول الرسول ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله" (٢)، وآخر الحديث هو وجه الشاهد حيث قال: "وحسابهم على الله".
قال ابن رجب: "وأما في الأخرة فحسابه على الله ، فإن كان صادقًا أدخله الله بذلك الجنة، وإن كان كاذبًا فإنه من جملة المنافقين في الدرك الأسفل من النار" (٣).
وقال الحافظ في الفتح: "أي أمر سرائرهم .. وفيه دليل على قبول الأعمال الظاهرة والحكم بما يقتضيه الظاهر" (٤).
وقال الإمام البغوي: "وفي الحديث دليل على أن أمور الناس في معاملة بعضهم بعضا إنما تجري على الظاهر من أحوالهم دون باطنها، وأن من أظهر شعار الدين أجري عليه حكمه، ولم يكشف عن باطن أمره، ولو وجد مختون فيما بين قتلى غلف، عزل عنهم في المدفن، ولو وجد لقيط في بلد المسلمين حكم بإسلامه" (٥).
ومن الأدلة على أن الحكم متعلق بالظاهر قصة أسامة ﵁ حيث قال: بعثنا رسول الله ﷺ في سرية فصبَّحنا الحُرُقات من جهينة فأدركت رجلًا فقال: لا إله إلا الله. فطعنتُه، فوقع في نفسي من ذلك فذكرته للنبي ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "أقال لا إله إلا الله وقتلته؟ " قال: قلت: يا رسول الله، إنما قالها خوفًا من السلاح قال:
стр. 494
"أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟ "، فما زال يكررها عليّ حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ" (١).
قال النووي ﵀: "وقوله ﷺ : "أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟ " الفاعل في قوله أقالها هو القلب، ومعناه أنك إنما كلفت بالعمل بالظاهر وما ينطق به اللسان، وأما القلب فليس لك طريق إلى معرفة ما فيه فأنكر عليه امتناعه من العمل بما ظهر باللسان، وقال أفلا شققت عن قلبه لتنظر، هل قالها القلب واعتقدها وكانت فيه أم لم تكن فيه بل جرت على اللسان فحسب، يعني وأنت لست بقادر على هذا فاقتصر على اللسان فحسب ولا تطلب غيره" (٢).
وقال ﵀ في تعليقه على قوله ﷺ : "أفلا شققت عن قلبه؟ ": "وفيه دليل على القاعدة المعروفة في الفقه والأصول أن الأحكام فيها بالظاهر والله يتولى السرائر" (٣).
قال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب ﵀: "فأما حديث أسامة فإنه قتل رجلًا ادَّعى الإسلام لسبب أنه ظن أنه ما ادعاه إلا خوفًا على دمه وماله والرجل إذا أظهر الإسلام وجب الكف عنه حتى يتبيَّن منه ما يخالف ذلك، وأنزل الله في ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ [النساء: ٩٤] أي: فتثبتوا، فالآية تدل على أنه يجب الكف عنه والتثبت، فإذا تبين منه بعد ذلك ما يخالف الإسلام قتل لقوله تعالى: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾، ولو كان لا يقتل إذا قالها لم يكن للتثبيت معنى، إلى أن يقول: وإن من أظهر التوحيد والإسلام وجب الكف عنه إلى أن يتبين منه ما يناقض ذلك" (٤).
стр. 495
ويقول الإمام الشاطبي ﵀: "إن أصل الحكم بالظاهر مقطوع به في الأحكام خصوصًا، وبالنسبة إلى الاعتقاد في الغير عموما، فإن سيد البشر مع إعلامه بالوحي يجري الأمور على ظاهرها في المنافقين وغيرهم، وإن علم بواطن أحوالهم، ولم يكن ذلك بمخرجه عن جريان الظاهر على ما جرت عليه. لا يقال: إنما كان ذلك من قبيل ما قال: "خوفًا من أن يقول الناس أن محمدًا يقتل أصحابه" فالعلة أمر آخر لا ما زعمت، فإذا عدم ما علل به فلا حرج. لأنا نقول: هذا أدل الدليل على ما تقرر، لأن فتح هذا الباب يؤدي إلى أن لا يحفظ ترتيب الظواهر فإن من وجب عليه القتل بسبب ظاهر، فالعذر فيه ظاهر واضح، ومن طلب قتله بغير سبب ظاهر بل بمجرد أمر غيبي ربما شوش الخواطر وران على الظواهر، وقد فهم من الشرع سد هذا الباب جملة ألا ترى إلى باب الدعاوي المستند إلى أن: (البينة على المدعي واليمين على من أنكر)، ولم يستثن من ذلك أحدا حتى أن رسول الله ﷺ احتاج في ذلك إلى البينة، فقال من يشهد لي؟ حتى شهد له خزيمة بن ثابت فجعلها الله شهادتين فما ظنك بآحاد الأمة، فلو ادعى أكذب الناس على أصلح الناس لكانت البينة على المدعي، واليمين على من أنكر وهذا من ذلك والنمط واحد، فالاعتبارات الغيبية مهملة بحسب الأوامر والنواهي الشرعية" (١).
ومن الأحاديث في هذا الباب حديث جارية معاوية بن الحكم السلمي لما سأل رسول الله ﷺ : أفلا أعتقها؟ قال: "إئتني بها"، فأتيته بها فقال لها: "أين الله؟ ". قالت: في السماء، قال: "من أنا؟ " قالت: أنت رسول الله. قال: "أعتقها فإنها مؤمنة" (٢).
قال شيخ الإسلام في تعليقه على هذا الحديث " ... فإن الإيمان الذي علقت به أحكام الدنيا، هو الإيمان الظاهر وهو الإسلام، فالمسمى واحد في الأحكام