← Акыда

Акыда · id 603

معجم التوحيد

إبراهيم بن سعد أبا حسين

Полный текст (1 832 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

"وكذلك الكفار من بلغته دعوة النبي ﷺ في دار الكفر وعلم أنه رسول الله فآمن به وآمن بما أنزل عليه واتقى الله ما استطاع كما فعل النجاشي وغيره ولم يمكنه الهجرة إلى دار الإسلام، ولا التزام جميع شرائع الإسلام لكونه ممنوعًا من الهجرة وممنوعًا من إظهار دينه، وليس عنده من يعلِّمه جميع شرائع الإسلام فهذا مؤمن من أهل الجنة كما كان مؤمن آل فرعون مع قوم فرعون، وكما كانت امرأة فرعون، بل وكما كان يوسف الصديق ﵇ مع أهل مصر، فإنهم كانوا كفارًا ولم يكن يمكنه أن يفعل معهم كل ما يعرفه من دين الإسلام فإنه دعاهم إلى التوحيد والإيمان فلم يجييوه قال تعالى عن مؤمن آل فرعون: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ [غافر: ٣٤]، وكذلك النجاشي هو وإن كان ملك النصارى فلم يطعه قومه في الدخول في الإسلام بل إنما دخل معه نفر منهم، ولهذا لما مات لم يكن هناك من يصلي عليه فصلى عليه النبي ﷺ بالمدينة خرج بالمسلمين إلى المصلى فصفهم صفوفًا وصلى عليه وأخبرهم بموته يوم مات وقال: "إن أخا لكم صالحًا من أهل الحبشة مات" وكثير من شرائع الإسلام أو أكثرها لم يكن دخل فيها لعجزه عن ذلك فلم يهاجر ولم يجاهد ولا حج البيت، بل قد روي أنه لم يكن يصلي الصلوات الخمس ولا يصوم شهر رمضان ولا يؤدي الزكاة الشرعية لأن ذلك كان يظهر عند قومه فينكرونه عليه، وهو لا يمكنه مخالفتهم ... فالنجاشي وأمثاله سعداء في الجنة وإن كانوا لم يلتزموا من شرائع الإسلام ما لا يقدرون على التزامه بل كانوا يحكمون بالأحكام التي يمكنهم الحكم بها ولهذا جعل الله هؤلاء من أهل الكتاب، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ

стр. 492

عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩٩)﴾ [آل عمران: ١٩٩] وهذه الآية قد قال طائفة من السلف إنها نزلت في النجاشي ويروى هذا عن جابر ابن عباس وأنس ومنهم من قال فيه وفي أصحابه كما قال الحسن وقتادة" (١). * تنبيهات: التنبيه الأول: معرفة العلاقة بين الظاهر والباطن: قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " ... فهذا أصل ينبغي معرفته فإنه مهم في هذا الباب، فإن كثيرًا ممن تكلم في "مسائل الإيمان والكفر" -لتكفير أهل الأهواء- لم يلحظوا هذا الباب، ولم يميزوا بين الحكم الظاهر والباطن، مع أن الفرق بين هذا وهذا ثابت بالنصوص المتواترة، والإجماع المعلوم، بل هو معلوم بالاضطرار من دين الإسلام ومن تدبر هذا علم أن كثيرًا من أهل الأهواء والبدع قد يكون مؤمنًا مخطئًا جاهلًا ضالًا عن بعض ما جاء به الرسول ﷺ ، وقد يكون منافقًا يظهر خلاف ما يبطن" (٢). ومذهب أهل السنة في الحكم على الناس مبني على الظاهر هذا هو الأصل، وقد يكون بين الظاهر والباطن تلازم فيحكم عليه بالكفر ظاهرًا باطنًا، وقد يكون كافرًا في الظاهر دون الباطن كحال المكرَه، وقد يكون مؤمنًا ظاهرًا وكافرًا باطنًا، وتفصيل ذلك فيما يلي: ١ - الكفر الباطن دون الظاهر كحال المنافق، وهذا يعامل على الظاهر كسائر المسلمين إلا إذا أظهر نفاقه، قال الإمام ابن تيمية: "إذا أظهر المنافق من ترك الواجبات وفعل المحرمات ما يستحق عليه العقوبة عُوقب على الظاهر ولا يعاقب

стр. 493

على ما يعلم من باطنه بلا حجة ظاهرة" (١). ومن أدلة الحكم على الظاهر قول الرسول ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله" (٢)، وآخر الحديث هو وجه الشاهد حيث قال: "وحسابهم على الله". قال ابن رجب: "وأما في الأخرة فحسابه على الله ، فإن كان صادقًا أدخله الله بذلك الجنة، وإن كان كاذبًا فإنه من جملة المنافقين في الدرك الأسفل من النار" (٣). وقال الحافظ في الفتح: "أي أمر سرائرهم .. وفيه دليل على قبول الأعمال الظاهرة والحكم بما يقتضيه الظاهر" (٤). وقال الإمام البغوي: "وفي الحديث دليل على أن أمور الناس في معاملة بعضهم بعضا إنما تجري على الظاهر من أحوالهم دون باطنها، وأن من أظهر شعار الدين أجري عليه حكمه، ولم يكشف عن باطن أمره، ولو وجد مختون فيما بين قتلى غلف، عزل عنهم في المدفن، ولو وجد لقيط في بلد المسلمين حكم بإسلامه" (٥). ومن الأدلة على أن الحكم متعلق بالظاهر قصة أسامة ﵁ حيث قال: بعثنا رسول الله ﷺ في سرية فصبَّحنا الحُرُقات من جهينة فأدركت رجلًا فقال: لا إله إلا الله. فطعنتُه، فوقع في نفسي من ذلك فذكرته للنبي ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "أقال لا إله إلا الله وقتلته؟ " قال: قلت: يا رسول الله، إنما قالها خوفًا من السلاح قال:

стр. 494

"أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟ "، فما زال يكررها عليّ حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ" (١). قال النووي ﵀: "وقوله ﷺ : "أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟ " الفاعل في قوله أقالها هو القلب، ومعناه أنك إنما كلفت بالعمل بالظاهر وما ينطق به اللسان، وأما القلب فليس لك طريق إلى معرفة ما فيه فأنكر عليه امتناعه من العمل بما ظهر باللسان، وقال أفلا شققت عن قلبه لتنظر، هل قالها القلب واعتقدها وكانت فيه أم لم تكن فيه بل جرت على اللسان فحسب، يعني وأنت لست بقادر على هذا فاقتصر على اللسان فحسب ولا تطلب غيره" (٢). وقال ﵀ في تعليقه على قوله ﷺ : "أفلا شققت عن قلبه؟ ": "وفيه دليل على القاعدة المعروفة في الفقه والأصول أن الأحكام فيها بالظاهر والله يتولى السرائر" (٣). قال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب ﵀: "فأما حديث أسامة فإنه قتل رجلًا ادَّعى الإسلام لسبب أنه ظن أنه ما ادعاه إلا خوفًا على دمه وماله والرجل إذا أظهر الإسلام وجب الكف عنه حتى يتبيَّن منه ما يخالف ذلك، وأنزل الله في ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ [النساء: ٩٤] أي: فتثبتوا، فالآية تدل على أنه يجب الكف عنه والتثبت، فإذا تبين منه بعد ذلك ما يخالف الإسلام قتل لقوله تعالى: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾، ولو كان لا يقتل إذا قالها لم يكن للتثبيت معنى، إلى أن يقول: وإن من أظهر التوحيد والإسلام وجب الكف عنه إلى أن يتبين منه ما يناقض ذلك" (٤).

стр. 495

ويقول الإمام الشاطبي ﵀: "إن أصل الحكم بالظاهر مقطوع به في الأحكام خصوصًا، وبالنسبة إلى الاعتقاد في الغير عموما، فإن سيد البشر مع إعلامه بالوحي يجري الأمور على ظاهرها في المنافقين وغيرهم، وإن علم بواطن أحوالهم، ولم يكن ذلك بمخرجه عن جريان الظاهر على ما جرت عليه. لا يقال: إنما كان ذلك من قبيل ما قال: "خوفًا من أن يقول الناس أن محمدًا يقتل أصحابه" فالعلة أمر آخر لا ما زعمت، فإذا عدم ما علل به فلا حرج. لأنا نقول: هذا أدل الدليل على ما تقرر، لأن فتح هذا الباب يؤدي إلى أن لا يحفظ ترتيب الظواهر فإن من وجب عليه القتل بسبب ظاهر، فالعذر فيه ظاهر واضح، ومن طلب قتله بغير سبب ظاهر بل بمجرد أمر غيبي ربما شوش الخواطر وران على الظواهر، وقد فهم من الشرع سد هذا الباب جملة ألا ترى إلى باب الدعاوي المستند إلى أن: (البينة على المدعي واليمين على من أنكر)، ولم يستثن من ذلك أحدا حتى أن رسول الله ﷺ احتاج في ذلك إلى البينة، فقال من يشهد لي؟ حتى شهد له خزيمة بن ثابت فجعلها الله شهادتين فما ظنك بآحاد الأمة، فلو ادعى أكذب الناس على أصلح الناس لكانت البينة على المدعي، واليمين على من أنكر وهذا من ذلك والنمط واحد، فالاعتبارات الغيبية مهملة بحسب الأوامر والنواهي الشرعية" (١). ومن الأحاديث في هذا الباب حديث جارية معاوية بن الحكم السلمي لما سأل رسول الله ﷺ : أفلا أعتقها؟ قال: "إئتني بها"، فأتيته بها فقال لها: "أين الله؟ ". قالت: في السماء، قال: "من أنا؟ " قالت: أنت رسول الله. قال: "أعتقها فإنها مؤمنة" (٢). قال شيخ الإسلام في تعليقه على هذا الحديث " ... فإن الإيمان الذي علقت به أحكام الدنيا، هو الإيمان الظاهر وهو الإسلام، فالمسمى واحد في الأحكام

стр. 496

الظاهرة، ولهذا لما ذكر الأثرم لأحمد احتجاج المرجئة بقول النبي ﷺ : "أعتقها فإنها مؤمنة". أجابه بأن المراد حكمها في الدنيا حكم المؤمنة، لم يرد أنها مؤمنة عند الله تستحق دخول الجنة بلا نار إذا لقيته بمجرد هذا الإقرار" (١)؛ لأن الإيمان الظاهر الذي تجري عليه الأحكام في الدنيا لا يستلزم الإيمان في الباطن الذي يكون صاحبه من أهل السعادة في الآخرة" (٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن الإنكار إنما يقع على ما أنكرته الشريعة، وقد قال رسول الله ﷺ : "إني لم أُومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أن أشق بطونهم". وقد قال عمر بن الخطاب ﵁: "من أظهر لنا خيرًا أحببناه وواليناه عليه وإن كانت سريرته بخلاف ذلك، ومن أظهر لنا شرًا أبغضناه عليه وإن زعم أن سريرته صالحة"" (٣). وقال ﵀: "فإن كون الرجل مسلمًا في الظاهر لا يمنع أن يكون منافقًا في الباطن، فإن المنافقين كلهم مسلمون في الظاهر، والقرآن قد بيَّن صفاتهم وأحكامهم، وإذا كانوا موجودين على عهد رسول الله ﷺ وفي عزة الإسلام مع ظهور أعلام النبوة ونور الرسالة فهم مع بعدهم عنهما أشد وجودًا لا سيما وسبب النفاق هو سبب الكفر وهو المعارض لما جاءت به الرسل" (٤). وقال أيضًا: "يجب أن يفرق بين أحكام المؤمنين الظاهرة التي يحكم فيها الناس في الدنيا، وبين حكمهم في الآخرة بالثواب والعقاب، فالمؤمن المستحق للجنة لا بد أن يكون مؤمنًا في الباطن باتفاق جميع أهل القبلة" (٥).

стр. 497

٢ - الكفر ظاهرًا وباطنًا ومن ذلك سابُّ الله والرسول فإنه كافر ظاهرًا وباطنًا، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن سبَّ الله أو سبَّ رسوله كفر ظاهرًا وباطنًا، سواء كان الساب يعتقد أن ذلك محرم أو كان مستحلًا له، أو كان ذاهلا عن اعتقاده، هذا مذهب الفقهاء، وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل" (١). ويقول الشيخ عبد العزيز الراجحي حفظه الله: "من عمل كفرًا وحكم عليه بالكفر فإنه يُكفَّر ظاهرًا وباطنًا ويحكم عليه بالخلود في النار، ولكن لا بد من قيام الحجة عليه. وهذا الكلام لا نقوله من كيسنا وإنما هو من كلام الله وكلام رسوله ﷺ ، من كفّره الله وكفّره رسوله كفرًا أكبر فهو كافر وهو مخلّد في النار؛ لأن الله حكم على الكافرين بالخلود في النار، فالله تعالى هو الذي كفّرهم وهو الذي حكم عليهم بالخلود" (٢). ٣ - قد يكون الفعل كفرًا لكن صاحبه يجهل أو يخطئ في التأويل فلا يكون كافرًا إلا بثبوت الشروط وانتفاء الموانع، فلا بد من قيام الحجة عليه، وذكر العلماء من الأدلة على الخطأ حديث الرجل من بني إسرائيل الذي شك في قدرة الله، وسيأتي في باب "العذر بالجهل" ويستدل به هنا في الفعل الذي هو كفر لكن لا يكون القصد بالفعل مطابقًا للفعل. قال ابن الوزير ﵀ في تعليقه على حديث: "إذا أنا مِتُّ فأحرقوني ثم اطحنوني ثم ذرُّوني في الريح، فوالله لئن قدر عليَّ ربي ليعذبني عذابًا ما عذبه أحدًا". قال: " ... وإنما أدركته الرحمة لجهله وإيمانه بالله والمعاد ولذلك خاف العقاب، وأما بهله بقدرة الله تعالى على ما ظنه محالًا فلا يكون كفرًا إلا لو علم أن الأنبياء جاءوا

стр. 498

بذلك وأنه ممكن مقدور ثم كذبهم أو أحدًا منهم لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] وهذا أرجى لأهل الخطأ في التأويل" (١). قال شيخ الإسلام: "فمن أخطأ في بعض مسائل الاعتقاد من أهل الإيمان بالله وبرسوله وباليوم الآخر والعمل الصالح، لم يكن أسوأ حالًا من هذا الرجل فيغفر الله خطأه، أو يعذبه إن كان منه تفريط في اتباع الحق على قدر دينه، وأما تكفير شخص علم إيمانه بمجرد الغلط في ذلك، فعظيم ... " (٢). وقال ﵀: "وأجمع الصحابة وسائر أئمة المسلمين على أنه ليس كل من قال قولًا أخطأ فيه أنه يكفر بذلك، وإن كان قوله مخالفًا للسنة، فتكفير كل مخطئ خلاف الإجماع" (٣). وقد علق شيخ الإسلام على الحديث السابق بقوله: "فهذا رجلٌ شك في قدرة الله تعالى، وفي إعادته إذا ذرِّي، بل اعتقد أنه لا يُعاد، وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكن كان جاهلًا لا يعلم ذلك، وكان مؤمنًا يخاف الله أن يعاقبه فغفر له بذلك" (٤). وقال أيضًا: "فهذا الرجل ظن أن الله لا يقدر عليه إذا تفرق هذا التفرق، فظن أنه لا يعيده إذا صار كذلك، وكل واحد من إنكار قدرة الله تعالى، وإنكار معاد الأبدان وإن تفرقت كفر، لكنه كان مع إيمانه بالله وإيمانه بأمره وخشيته منه جاهلًا بذلك، ضالًا في هذا الظن مخطئًا، فغفر الله له ذلك، والحديث صريح في أن الرجل طمع أن لا يعيده إذا فعل ذلك، وأدنى هذا أن يكون شاكًّا في المعاد، وذلك

стр. 499

كفر إذا قامت حجة النبوة على منكره حكم بكفره .. " (١). وقال الإمام ابن القيم ﵀ في معرض حديثه عن حكم من جحد فرضًا من فرائض الإسلام: " ... وأما من جحد ذلك جهلًا، أو تأويلًا يعذر فيه صاحبه فلا يكفر صاحبه به، كحديث الذي جحد قدرة الله عليه، وأمر أهلَه أن يحرقوه ويذرّوه في الريح، ومع هذا فقد غفر الله له، ورحمه لجهله، إذ كان ذلك الذي فعله مبلغ علمه ولم يجحد قدرة الله على إعادته عنادًا وتكذيبًا" (٢). ومن الأدلة قول عائشة ﵂ للنبي ﷺ : مهما يكتم الناس يعلمه الله؟ وكذلك سؤال الحواريين لعيسى بقولهم: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [المائدة: ١١٢]، هو داخل في هذا الباب ودل عليه قولهم: ﴿نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ١١٣]. وقد تقدم في أول الباب جملة من كلام العلماء في العذر بالتأويل قال الإمام ابن تيمية ﵀: "وكثير من الناس قد ينشأ في الأمكنة والأزمنة الذي يندرس فيها كثير من علوم النبوات، حتى لا يبقى من يلغ ما بعث الله به رسوله من الكتاب والحكمة، فلا يعلم كثيرًا مما بعث الله به رسوله ولا يكون هناك من يبلغه ذلك، ومثل هذا لا يكفر، ولهذا اتفق الأئمة علي أن من نشأ ببادية بعيدة عن أهل العلم والإيمان، وكان حديث العهد بالإسلام فأنكر شيئًا من هذه الأحكام الظاهرة المتواترة فإنه لا يحكم بكفره حتى يعرف ما جاء به الرسول، ولهذا جاء في الحديث: "يأتي على الناس زمان لا يعرفون فيه صلاة ولا زكاة ولا صومًا ولا حجًا

стр. 500

إلا الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة، يقول: أدركنا آباءنا وهم يقولون: لا إله إلا الله، وهم لا يدرون صلاة ولا زكاة ولا حجًا، فقال: ولا صوم ينجيهم من النار"" (١). * فائدة: الكافر الأصلي أو المشرك أو الكافر اليهودي والنصراني هذا كفره أصلي يستصحب الأصل الذي كان عليه. * التنبيه الثاني: تكفير أهل القبلة لا يكون بالمعاصي: قال الشيخ ابن عثيمين: "أهل القبلة هم المسلمون المصلو إليها، لا يكفرون بفعل الكبائر، ولا يخرجون من الإسلام بذلك، ولا يخلدون في النار لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠]. فأثبت الاخوة الإيمانية القتال وهو من الكبائر، ولو كان كفرا لانتفت الاخوة الإيمانية. وقال النبي ﷺ يقول الله تعالى: "من كان في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان فأخرجوه" (٢) يعني من النار. وخالف في هذا طائفتان: الأولى: الخوارج قالوا: فاعل الكبيرة كافر خالد في النار. الثانية: المعتزلة قالوا: فاعل الكبيرة (٣) خارج عن الإيمان ليس بمؤمن ولا كافر في منزلة بين المنزلتين وهو خالد في النار" (٤). * مسألة في بطلان القول بتكفير الجميع: ثبت أن رسول الله ﷺ قال: "لا تزال طائفة من أمتي الحق منصورة لا

стр. 501

يضرهم من خذلهم" .. الحديث. والقول بأن كل المجتمع كافر أو أن كل من على الأرض كافر قول باطل وخطير ومصادم للنصوص الدالة على ثبات الحق وبقاء أهله إلى قيام الساعة ومن النصوص الدالة على ذلك أيضًا ما ورد في وصف الغرباء جاء في رواية قيل: يا رسول الله من الغرباء؟ قال: "الذين يصلحون إذا فسد الناس". وفي لفظ آخر: "الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنتي" (١). قال الشيخ ابن باز: "وهكذا في آخر الزمان هم الذين يستقيمون على دين الله عندما يتأخر الناس عن دين الله وعندما يكفر الناس وعندما تكثر معاصيهم وشرورهم يستقيم هؤلاء الغرباء على طاعة الله ودينه فلهم الجنة والسعادة ولهم العاقبة الحميدة في الدنيا وفي الآخرة" (٢). ومن الافتراءات الباطلة ما زعمه بعض المفترين من أن الشيخ محمد ابن عبد الوهاب ﵀ يكفر المسلمين عموما وهذا والله استطالة في عرض الشيخ وبهتان نبرأ إلى الله منه وهذه كتبه مجموعة كاملة بين أيدينا ليس فيها شيء من ذلك إنما فيها تكفير من ثبت كفره بعمله أو معتقده وقامت عليه الحجة وانتفت عنه الموانع. قال الشيخ محمد بن إبراهيم: "وزعموا أن الشيخ ﵀ يكفر المسلمين وحاشاه ذلك؛ بل لا يكفر إلا من عمل مكفرًا وقامت عليه الحجة، فأجابهم المصنف بهذا الكتاب (٣)، وكشف شبههم بما تطمئن به الألباب" (٤). * التنبيه الثالث: لا يلزم من قتال فئة من المسلمين تكفيرهم لأن القتل أو

стр. 502

القتال قد يوجد من غير ردة كقتال البغاة والمحاربين وعلي ﵁ قاتل الخوارج ولم يحكم بكفرهم ومعلوم اختلاف العلماء في الخوارج وأنهم ليسوا كفارا وبعض العلماء يكفرهم وفي ذلك خلاف يطول التفصيل فيه، والراجح عدم كفرهم وهو قول علي ﵁ حين سئل: أكفّار هُم؟ فقال: "من الكفر فروا" (١). ومعلوم من أقوال الأئمة قتال مانعي الزكاة وقتال تاركي شعائر الإسلام الظاهرة، قال الإمام ابن قدامة المقدسي ﵀: "الأذان مشروع للصلوات الخمس دون غيرها، وهو من فروض الكفاية لأنه من شعائر الإسلام الظاهرة فلم يجز تعطيله كالجهاد، فإن اتفق أهل بلد على تركه قُوتلوا عليه" (٢). وقال عن صلاة العيدين بعدما ذكر أنها فرض كفاية: "فإن اتفق أهل بلد على تركها قاتلهم الإمام لتركهم شعائر الإسلام الظاهرة فأشبه تركهم الأذان" (٣). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وكذلك مانعوا الزكاة؛ فإن الصدِّيق والصحابة ابتدؤوا قتالهم، قال الصديق: والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه، وهم يقاتلون إذا امتنعوا من أداء الواجبات وإن أقروا بالوجب، ثم تنازع الفقهاء في كفر من منعها وقاتل الإمام عليها مع إقرار بالوجوب؟ على قولين، هما روايتان عن أحمد، كالروايتين عنه في تكفير الخوارج، وأما أهل البغي المجرد فلا يكفرون باتفاق أئمة الدين؛ فإن القرآن قد نص على إيمانهم وإخوتهم مع وجود الاقتتال والبغي" (٤). ويحسن بنا أن نتناول كلام الأئمة في قتال الطائفة الممتنعة فقد قرر ابن تيمية

стр. 503

اتفاق العلماء على وجوب قتال الطائفة الممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة، وإن كانت مقرة بتلك الشريعة، فيقول: "كل طائفة ممتنعة عن التزام شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة ... فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا شرائعه، وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين، وملتزمين بعض شرائعه، كما قاتل أبو بكر الصديق والصحابة ﵃ مانعي الزكاة ... فاتقق الصحابة ﵃ على القتال على حقوق الإسلام عملًا بالكتاب والسنة ... إلى أن قال: فأيما طائفة امتنعت من بعض الصلوات المفروضات، أو الصيام، أو الحج، أو عن التزام تحريم الدماء، والأموال والخمر، والزنا، والميسر، أو عن نكاح ذوات المحارم، أو عن التزام جهاد الكفار، أو ضرب الجزية على أهل الكتاب، وغير ذلك من واجبات الدين ومحرماته، التي لا عذر لأحد في جحودها وتركها، التي يكفر الجاحد لوجوبها، فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها وإن كانت مقرة بها، وهذا مما لا أعلم فيه خلافًا بين العلماء" (١). وقال شيخ الإسلام ﵀ أيضًا: "وقد اتفق الصحابة والأئمة بعدهم على قتال مانعي الزكاة وإن كانوا يصلون الخمس ويصومون شهر رمضان، وهؤلاء لم يكن لهم شبهة سائغة؛ فلهذا كانوا مرتدين، وهم يقاتلون على منعها وإن أقروا بالوجوب كما أمر الله ... " (٢). وقد سئل الشيخ صالح الفوزان حفظه الله عن ذلك بما يأتي: هل تكفير شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ للطائفة الممتنعة من أداء شعيرة الزكاة حين فعل هذا من فعله من العرب لأجل جحدهم للوجوب أو لأجل مجرد المنع وعدم الالتزام بالأداء؟

стр. 504

فأجاب بقوله: "هذا فصل فيه أهل العلم، قالوا: إن مانع الزكاة إن كان يجحد وجوبها فهذا كافر ويقاتل قتال ردة، وأما إن كان منعه لها من أجل بخل وهو يعتقد وجوبها فهذا يقاتل لأجل أخذ الزكاة منه؛ لأنه حق واجب عليه لغيره وامتنع من أدائه، وهو شعيرة ظاهرة من شعائر الإسلام، حتى يخضع لأداء الزكاة فلا يحكم بكفره، فيقاتل لمنعه الزكاة إذا كان له شوكة تدافع عنه حتى تُؤخذ منه. وأما ما نسب إلى الشيخ تقي الدين ابن تيمية أنه كفّرهم مطلقًا فأنا لم أطلع على هذا الكلام. لكن العلماء قالوا: يقاتل من امتنع من شعيرة ظاهرة من شعائر الإسلام مثل الأذان والإقامة وليس من لازم ذلك أنه يكفر، بل يُقاتَل لأجل إقامة الشعيرة الظاهرة" (١). وسئل الشيخ عبد العزيز الراجحي عن هذه المسألة، فأجاب حفظه الله بقوله: "أهل الردة الذين ارتدوا بعد موت النبي ﷺ أقسام: منهم من رجع إلى الأصنام والأوثان فعبدها. ومنهم من أنكر نبوة النبي ﷺ وقال: لو كان نبيًا ما مات، وهؤء كفار لا إشكال فيهم. ومنهم من منع الزكاة. والصحابة قاتلوهم جميعًا ولم يفرّقوا بينهم وسموهم المرتدين، والذي منع الزكاة قال العلماء: إنما كفر؛ لأنه إذا منعها وقاتل عليها دل على جحوده إياها؛ لأنه فعل أمرين: منعها، وقاتل عليها. أما إذا منعها ولم يقاتل عليها فإنها تُؤخذ منه ويؤدَّب ولا يكفر، ولكن إن منعها وقاتل عليها فإنه يكفر؛ لأن هذا دليل على جحوده، والمرتدون الذين منعوا الزكاة منعوها وقاتلوا عليها فدل على أنهم جحدوها، ولهذا عاملهم الصحابة معاملة

стр. 505

المرتدين وسموهم مرتدين كلهم وقاتلوهم، لا فرق بين من أنكر نبوة محمد ﷺ أو عبد الأصنام، أو من جحد الزكاة؛ لأنه جحد أمرًا معلومًا من الدين بالضرورة" (١). * التنبيه الرابع: أن من يحكم في هذه الأمور هم العلماء والقضاة: فسلب أصل الإيمان والحكم بعدم الإيمان إنما هو لأهل العلم ليس لكل أحد؛ لأن تحقيق اتصاف المسلم بمكفر من المكفرات يُخرجه من دينه مسألة تحتاج إلى نظر عالم مجتهد فقيه يعرف الشروط والموانع ويعرف ما يُعذر به المرء وما لا يعذر به، وكذلك فإن ترتيب آثار الكفر من طلاق زوجته والإرث وما شابه ذلك يكون من الحاكم. * التنبيه الخامس: الامتناع عن التكفير بإطلاق تعطيلٌ للأحكام وإغلاق لباب الردة (٢). وقد أُلفت في ذلك (أعني الردة وأحكامها) كتب ورسائل وخصها الفقهاء في كتب الفقه بأحكام المرتد. قال الشيخ صالح الفوزان -حفظه الله-: "التكفير للمرتدين ليس من تشريع الخوارج ولا غيرهم، وليس هو فكرًا، وإنما هو حكم شرعي، حَكَمَ به الله ورسوله على من يستحقه، بارتكاب ناقص من نواقض الإسلام القولية أو الاعتقادية أو الفعلية، والتي بيّنها العلماءُ في باب "أحكام المرتد"، وهي مأخوذة من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ، فالله قد حَكَم بالكفر على أناس بعد إيمانهم،

стр. 506

بارتكابهم ناقضًا من نواقض الإيمان قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٦٦)﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾ [التوبة: ٧٤] " (١). * التنبيه السادس: التكفير ليس سببه التكذيب أو الجحود فقط بل يكون بالاعتقاد وبالعمل وبالقول وبالشك وبالترك وعليه، فإن المسلم إذا أتى بناقض من نواقض الإسلام واجتمعت الشروط وانتفت الموانع فإنه يخرج من الإسلام ولا يلزم من ذلك التكذيب لأن المرجئة ضلّوا في هذا الباب فظنوا أن كل من نطق بالشهادتين ودخل في الإسلام فلا يخرج منه أبدا إلا بالتكذيب ويلزم من قولهم أنهم لا يحكمون على عابد القبر والساجد للصنم بالكفر حتى يعتقد أن صاحب القبر أو الولي مستقل بالخلق فتكفيرهم له سببه الاعتقاد لا العمل أو يقولون أن العمل كفر لدلالته على التكذيب فيثبتون كفر التكذيب وينفون كفر العمل وهذا غلط بيّن. يقول ابن القيم ﵀: "وهذان القسمان -يعني كفر الجحود والعناد، وكفر الإعراض المحض- أكثر المتكلمين ينكرونهما، ولا يثبتون من الكفر إلا الأول -يعني كفر الجهل- ويجعلون الثاني والثالث -يعني كفر الجحود والعناد، وكفر الإعراض المحض- كفرا لدلالته على الأول لا لأنه في ذاته الكفر، فليس عندهم الكفر إلا مجرد الجهل، ومن تأمل القرآن والسنة، وسير الأنبياء في أممهم، ودعوتهم لهم، وما جرى لهم معهم، جزم بخطأ أهل الكلام فيما قالوه، وعلم أن عامة كفر

стр. 507

الأمم عن تيقن وعلم، ومعرفة بصدق أنبيائهم وصحة دعواهم وما جاؤا به" (١). ويلزم من قولهم كذلك أن من نذر للشمس والقمر أو ذبح للجن أنه ليس بمشرك حتى يعتقد، ويلزم من قولهم أيضًا: أن من رفض شريعة الله واستبدل بها القوانين الوضعية المخالفة لشرع الله فإنه لا يكفر حتى يجحد أو يستحل وكل هذا ناتج عن قولهم أن الكفر لا يكون إلا بالاعتقاد فقط والصحيح أن الكفر يكون بالقول باللسان أو بأعمال القلوب أو بأفعال الجوارح. يقول ابن الوزير في الرد على من اشترط الاعتقاد في قول الكفر: " .. وعلى هذا لا يكون شيء من الأفعال والأقوال كفرا، إلا مع الاعتقاد، حتى قتل الأنبياء، والاعتقاد من السرائر المحجوبة، فلا يتحقق كفر كافر قط إلا بالنص الخاص في شخص شخص" (٢). وفي قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (٢٥) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (٢٦) فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (٢٧) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٢٨)﴾ [محمد: ٢٥ - ٢٨]. قال ابن حزم: "فجعلهم مرتدين كفارًا بعد علمهم بالحق، وبعد أن تبين لهم الهدى، بقولهم للكفار ما قالوا فقط وأخبرنا تعالى أنه يعرف إسرارهم، ولم يقل تعالى أنهم جحدوا، بل قد صح أن في سرهم التصديق؛ لأن الهدى قد تبين لهم، ومن تبين له شيء، فلا يمكن ألبته أن يجحده بقلبه أصلًا" (٣).

стр. 508

وقال الشيخ أبا بطين: "والعلماء يذكرون أن من أنكر وجوب عبادة من العبادات الخمس، أو قال في واحدة منها إنها سنة لا واجبة، أو جحد حِلّ الخبز ونحوه، أو جحد تحريم الخمر أو نحوه، أو شك في ذلك ومثله لا يجهله كفر، وإن كان مثله يجهله عُرِّف ذلك، فإن أصر بعد التعريف كفر وقتل، ولم يقولوا فإذا تبين له الحق وعاند كفر. وأيضا، فنحن لا نعرف أنه معاند حتى يقول أنا أعلم أن ذلك حق ولا ألتزمه، أو لا أقوله، وهذا لا يكاد يوجد. وقد ذكر العلماء من أهل كل مذهب أشياء كثيرة لا يمكن حصرها من الأقوال والأفعال والاعتقادات أنه يكفر صاحبها، ولم يقيدوا ذلك بالمعاند. فالمدعي أن مرتكب الكفر متأولًا، أو مجتهدًا مخطئًا، أو مقلدًا أو جاهلًا معذور. مخالف للكتاب والسنة والإجماع بلا شك، مع أنه لا بد أن ينقص أصله فلو طرد أصله كفر بلا ريب، كما لو توقف في تكفير من شك في رسالة محمد ﷺ ونحو ذلك" (١). وسيأتي ذكر أقسام الكفر في باب (الردة).

стр. 509

٨٤ - تكفير من لم يكفر الكافر * يجب تكفير المشركين والكفار على اختلاف أنواعهم، ومنهم اليهود والنصارى، فكفرهم معلوم من دين الإسلام بالضرورة، وعدم تكفيرهم، أو الشك فيه كفرهم شكٌ فيما جاء به الرسول ﷺ ، يقول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ [إبراهيم: ٩]، فهو تكذيب للقرآن، وأعظم من ذلك تصحيح مذهبهم. * الأدلة من الكتاب: دلت الآيات من كتاب الله تعالى على كفر اليهود والنصارى وعَبَدة الأوثان، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)﴾ [المائدة: ١٧]، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣)﴾ [المائدة: ٧٢ - ٧٣]. وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ

стр. 510

مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢]. * الدليل من السنة: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ولم يؤمن بالذي أُرسلت به إلا كان من أصحاب النار" (١). أقوال العلماء في كفر من لم يكفّر الكافر أو شك في كفره: قال القاضي عياض ﵀: "ولهذا نكفر من دان بغير ملة المسلمين من الملل، أو وقف فيهم، أو شك، أو صحّح مذهبهم، وإن أظهر مع ذلك الإسلام، واعتقده، واعتقد إبطال كل مذهب سواه، فهو كافر بإظهاره ما أظهر من خلاف ذلك" (٢). وقال أيضًا: "وقائل هذا كله كافر بالإجماع على كفر من لم يكفر أحدًا من النصارى واليهود وكل من فارق دين المسلمين أو وقف في تكفيرهم أو شك" (٣). وذكر شيخ الإسلام حكم من لم يكفر المشرك الكافر سواء كان كافرًا أصليًا كاليهود والنصارى، أو من ثبت كفره يقينًا كالباطنية، أو منِ يعتقد حلول الله في بعض البشر، أو إلهية بعض البشر، فقال عنهم: "من شك في كفر هؤلاء بعد معرفة قولهم ومعرفة دين الإسلام فهو كافر، كمن يشك في كفر اليهود والنصارى والمشركين" (٤). وقال ﵀: "وهذا كما أن الفلاسفة ومن سلك سبيلهم من القرامطة والاتحادية ونحوهم يجوز عندهم يتدين الرجل بدين المسلمين واليهود والنصارى، ومعلوم أن هذا كله كفر باتفاق المسلمين، فمن لم يقر باطنًا وظاهرًا

стр. 511

بأن الله لا يقبل دينًا سوى الإسلام فليس بمسلم، ومن لم يقر بأن بعد مبعث محمد ﷺ لن يكون مسلمًا إلا من آمن به واتبعه باطنًا وظاهرًا فليس بمسلم، ومن لم يحرم التدين بعد مبعثه ﷺ بدين اليهود والنصارى، بل من لم يكفرهم ويبغضهم فليس بمسلم باتفاق المسلمين" (١). أما كفر من صحح ما هم عليه من الشرك، أو أمر به، فيقول شيخ الإسلام ﵀ فيه: "لكن لا نزاع بين المسلمين أن الأمر بالشرك كفر وردة إذا كان من مسلم، وأن مدحه والثناء عليه والترغيب فيه كفر وردة إذا كان من مسلم" (٢). ونقل القرطبي قول ابن عباس ﵄ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة: ٩] قال: هو الشرك مثلهم لأن من رضي بالشرك فهو مشرك (٣). قال ابن القيم ﵀: "الواجب على العبد أن يعتقد أن كل من دان بدين غير دين الإسلام فهو كافر، وأن الله لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه بالرسول، هذا في الجملة، والتعيين موكول إلى علم الله وحكمه، هذا في أحكام الثواب والعقاب، وأما في أحكام الدنيا فهي جارية على ظاهر الأمر، فأطفال الكفار ومجانينهم كفار في أحكام الدنيا لهم حكم أوليائهم" (٤). ويقول الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبابطين: "وقد أخبر الله سبحانه بجهل كثير من الكفار مع تصريحه بكفرهم، ووصف النصارى بالجهل مع أنه لا يشك مسلم في كفرهم، ونقطع أن أكثر اليهود والنصارى اليوم جهال مقلدون، فنعتقد

стр. 512

كفرهم، وكفر من شك في كفرهم" (١). قال ابن القيم في طبقة المقلدين وجهال الكفرة من أتباعهم: "اتفقت الأمة على أن هذه الطبقات كفار وإن جهالًا مقلدين لرؤسائهم وأئمتهم إلا ما يحكى إلا ما يحكى عن بعض أهل البدع أنه لم يحكم لهؤلاء بالنار، وجعلهم بمنزلة من لم تبلغه الدعوة وهذا مذهب لم يقل به أحد من أئمة المسلمين، لا الصحابة ولا التابعين، ولا من بعدهم، وإنما يعرف عن بعضها أهل الكلام المحدث في الإسلام، وقد صح رسول ﷺ أنه قال: "إن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة" وهذا المقلد ليس بمسلم، وهو عاقل مكلف، والعاقل المكلف لا يخرج عن الإسلام أو الكفر" (٢). وقال بعد ذلك: "والإسلام هو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، والإيمان بالله وبرسوله وأتباعه فيما جاء به، فما لم يأت العبد بهذا فليس بمسلم، وإن لم يكن كافرًا معاندًا فهو كافر جاهل فغاية هذه الطبقة أنهم كفار جهال غير معاندين، وعدم عنادهم لا يخرجهم عن كونهم كفارًا" (٣). فيجب أن يُقطع الشك في حكم من دان بغير الإسلام ويستيقن أنهم كفار ومن شك في كفرهم فهو مكذب للقرآن الذي قطع بكفرهم في أكثر من موضع، وتقدم ذكر أدلة على ذلك من الكتاب والسنة قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في نواقض الإسلام العشرة: "الثالث: من لم يكفر المشركين أو شك في كفرهم أو صحح مذهبهم كفر إجماعًا" (٤). قال الشيخ ابن عثيمين: "وذلك لأن اليهود والنصارى كفّرهم الله في كتابه،

стр. 513

قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ [التوبة: ٣٠ - ٣١] فدل ذلك على أنهم مشركون، وبيَّن الله تعالى في آيات أخرى ما هو صريح في كفرهم فقال: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧]، وقال: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣]. فمن أنكر كفر اليهود والنصارى الذين لم يؤمنوا بمحمد ﷺ وكذبوه، فقد كذب الله ، وتكذيب الله كفر، ومن شك في كفرهم فلا شك في كفره هو" (١). وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي: "فمن قال: إن اليهود والنصارى على دين سماوي وكذلك المسلمون على دين سماوي وكلهم علي حق، فهذا كافر؛ لأنه لم يكفّر المشركين، فلا بد أن يعتقد أن اليهود والنصارى كلهم على باطل، وأنهم كفار فإن شك أو توقف كان هذا الشك أو التوقف منه ناقضًا من نواقض الإسلام ويكون كافرًا بالله، وكذلك لو صحح مذهبهم وقال: النصارى على حق واليهود على حق، ومن أحب أن يتدين باليهودية أو بالنصرانية أو بالإسلام فله ذلك فهذا كافر؛ لأنه صحح مذهبهم" (٢). وقال الشيخ عبد الله بن جبرين عن اليهود والنصارى: "ولا شك أن تكذيبهم لمحمد ﷺ وما جاء به هو أعظم الكفر. وهم المرادون بقوله: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ

стр. 514

مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٦٠)﴾ [المائدة: ٦٠]. فتأمل هذه الآيات وما بعدها وما يشابهها في سورة النساء تجد أن جميع من كذب محمدًا ﷺ أو خرج عن شرعه أو أنكر رسالته أو ادعى أنه رسول العرب أو نصب العداوة للمسلمين أتباع هذه الشريعة المحمدية، أنه كافر مستحق لغضب الله ولعنته وعذابه، ولا ينفعه انتماؤه إلى الأديان السابقة والمنسوخة المحرفة" (١). * تنبيه مهم: الذين وقع الخلاف في كفرهم كتارك الصلاة تهاونًا لا نحكم بكفر من لم يكفرهم أو بكفر من توقف في تكفيرهم إنما المراد بالباب من ثبت كفره يقينًا سواء كان كافرًا أصليًا أو ارتد بعد إسلام وهناك قيد مهم حتى يُحكم بكُفرِه: وهو أنه لا بد أن يتبيَّن له كفرُهم بالدليل.

стр. 515

٨٥ - التمسح بالقبر وتقبيله وغيره * التمسح من تمسح شيء: إذا مسح جسمه به، ومنه التمسح بالقبور، والتمسح يقصد به وضع اليد على الشيء عبادة أو طلبا للبركة وقد يتعداه إلى إلصاق البطن أو الظهر أو التقبيل وهذا لا يشرع إلا فيما شرعه الله ورسوله ﷺ . * الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. * الدليل من السنة: ثبت في الصحيحين أن عمر ﵁ قال: "إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك" (١). والمشروع في الحجر الأسود تقبيله حال الطواف هذا هو السنة فإن لم يستطع لزحام ونحوه استلمه بيده وقبل يده فإن لم يستطع فبمحجنه أو عصاه ويقبلها فإن لم يستطع أشار إليه إشارة بيد واحدة لا بيدين اثنتين يشير باليمنى ولا يقبلها وهذا كله إن لم يفعله فلا حرج عليه بل هو أمر مسنون أما الركن اليماني فقد قال ابن باز: "لم

стр. 516

يرد فيما نعلم ما يدل على الإشارة إليه وإنما يستلمه بيمينه إذا استطاع من دون مشقة ولا يقبله" (١). أما حكم التمسح بغير الركنين اليمانيين فقد قال ابن تيمية: "اتفق المسلمون على أنه لا يشرع الإستلام ولا التقبيل إلا للركنيين اليمانيين، فالحجر الأسود يستلم ويقبل، واليماني يستلم، وقد قيل أنه يقبل وهو ضعيف. وأما غير ذلك فلا يشرع استلامه ولا تقبيله، كجوانب البيت، والركنين الشاميين، ومقام إبراهيم، والصخرة، والحجرة النبوية، وسائر قبور الأنبياء والصالحين"، وقال أيضًا: "ليس في الدنيا من الجمادات ما يشرع تقبيلها إلا الحجر الأسود وقد ثبت في الصحيحين أن عمر ﵁ قال: والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك" (٢). قال ابن تيمية: "وقد اتفق العلماء على أن من زار قبر النبي ﷺ أو قبر غيره من الأنبياء والصالحين أنه لا يتمسح به ولا يقبله" (٣). * حكم تقبيل القبور والأعتاب والتمسح بها: قال الإمام ابن القيم: "ليس على وجه الأرض موضع يشرع تقبيله واستلامه وتحط الخطايا والأوزار فيه غير الحجر الأسود والركن اليماني" (٤). وقال ﵀: "ولقد أنكر السلف التمسح بحجر المقام الذي أمر الله تعالى أن يتخذ منه مصلى كما ذكر الأزرقي في كتاب تاريخ مكة عن قتادة في قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]. قال إنما أمروا أن يصلوا عنده، ولم

стр. 517

يؤمروا بمسحه، ولقد تكلفت هذه الأمة شيئا ما تكلفته الأمم قبلها ذكر لنا من رأى أثره وأصابعه، فما زالت هذه الأمة تمسحه حتى اخْلَوْلَق" (١). قال ابن تيمية: "وأما التمسح بالقبر أي قبر كان وتقبيله وتمريغ الخد عليه فمنهي عنه باتفاق المسلمين ولو كان ذلك من قبور الأنبياء، ولم يفعل هذا أحد من سلف الأمة وأئمتها، بل هذا من الشرك" (٢). أما سبب كراهة العلماء التمسح بقبر رسول الله ﷺ فيقول ابن تيمية ﵀: "لأنهم علموا ما قصده النبي ﷺ من حسم مادة الشرك وتحقيق التوحيد وإخلاص الدين لله رب العالمين" (٣). وقال أيضا: "لأن التقبيل والاستلام إنما يكون لأركان بيت الله الحرام فلا يشبّه بيت المخلوقات ببيت الخالق" (٤). قال ابن تيمية: "وأما القبور التي في المشاهد وغيره فالسنة لمن زارها أن يسلم على الميت ويدعو له بمنزلة الصلاة على الجنائز. . . . . وأما التمسح بالقبر أو الصلاة عنده أو قصده لأجل الدعاء عنده معتقدا أن الدعاء هناك أفضل من الدعاء في غيره أو النذر له ونحو ذلك فليس هذا من دين المسلمين، بل هو مما أحدث من البدع القبيحة التي هي من شعب الشرك والله أعلم وأحكم" (٥). أما التمسح بجدار القبر أو حلق الباب أو السواري أو المقام مقام إبراهيم أو غير ذلك مما قد وقع فيه بعض الجهلة فإن هذا من البدع المحدثة.

стр. 518

يقول النووي عن قبر الرسول ﷺ : "يكره مسحه باليد وتقبيله الأدب أن يبعد منه كما يبعد منه لو حضر في حياته ﷺ هذا هو الصواب وهو الذي قاله العلماء وأطبقوا عليه. وينبغي ألا يغتر بكثير من العوام في مخالفتهم ذلك فإن الاقتداء والعمل إنما يكون بأقوال العلماء ولا يلتفت إلى محدثات العوام وجهالاتهم ولقد أحسن السيد الجليل أبو علي الفضيل بن عياض ﵀ في قوله ما معناه: اتبع طرق الهدى ولا يضرك قلة السالكين وإياك وطرق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين ومن خطر بباله أن المسح باليد ونحوه أبلغ في البركة فهو من جهالته وغفلته لأن البركة إنما هي فيمن وافق الشرع وأقوال العلماء وكيف يبتغي الفضل في مخالفة الصواب" (١). وقد غلا الجهال في ذلك حتى صاروا يتبركون برؤية القبر ويقصدونه لاعتقاد أن الدعاء عنده له مزية على غيره فكل هذا من تزيين الشيطان وزخرفته لبعيد للناس أسباب الشرك الأولى التي هوى فيها قوم نوح -والعياذ بالله-. * مسألة عن الوقوف في الملتزم ووضع الخد على البيت: قال ابن القيم: ". . . وقوفه في الملتزم، فالذي رُوي عنه، أنه فعله يوم الفتح، ففي سنن أبي داود، عن عبد الرحمن بن أبي صفوان، قال: "لما فتح رسول الله ﷺ مكة، انطلقت، فرأيت رسول الله ﷺ قد خرج من الكعبة هو وأصحابه وقد استلموا الركن من الباب إلى الحطيم، ووضعوا خدودهم على البيت، ورسول الله ﷺ وسطهم" (٢). وروى أبو داود أيضًا من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "طفت مع عبد الله فلما حاذى دبر الكعبة قلت: ألا تتعوذ؟ قال: نعوذ بالله من النار. ثم مضى حتى استلم الحجر فقام بين الركن والباب فوضع صدر ووجهه وذراعيه

стр. 519

هكذا وبسطهما بسطًا وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعله" (١). فهذا يحتمل أن يكون في وقت الوداع، وأن يكون في غيره، ولكن قال مجاهد والشافعي بعده وغيرهما: "إنه يستحب أن يقف في الملتزم بعد طواف الوداع ويدعو". وكان ابن عباس ﵄ يلتزم ما بين الركن والباب، وكان يقول: "لا يلتزم ما بينهما أحد يسأل الله تعالى شيئًا إلا أعطاه إياه -والله أعلم-" (٢). ولم يكن يتعلق بها تبركا بجدرانها بل استجارة بالله وخضوع له. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولما كانت الكعبة بيت الله الذي يدعى ويذكر عنده؛ فإنه سبحانه يُستجار به ويُستغاث به هناك. . . إلخ" (٣). وقال الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ: "أما التعلُّق بأستار الكعبة رجاءَ البركة: فهذا من وسائل الشرك، ويكون من الشرك الأصغر إذا اعتقد أن ذلك التبرك سببٌ لتحقيق مطلوبه، أما إذا اعتقد أن الكعبة ترفع أمره إلى الله، أو أنه إذا فعل ذلك عظم قدره عند الله، وأن الكعبة يكون لها شفاعة عند الله، أو نحو تلك الاعتقادات التي فيها اتخاذ الوسائل إلى الله -جل وعلا-، فإنَّ هذا التبرك -على هذا النحو- يكون شركًا أكبر؛ ولهذا يقول كثير من أهل العلم: إن التمسح بحيطان المسجد الحرام، أو بالكعبة، أو بمقام إبراهيم ونحوها؛ رجاء بركتها، هو من وسائل الشرك الأكبر، بل هو من الشرك الأصغر، كما قرر ذلك الإمام الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀" (٤).

стр. 520

٨٦ - التميمة * جاء في مختار الصحاح: "التميمة عوذة تعلق على الإنسان" (١). قال الخلخالي: "التمائم جمع تميمة وهي ما يعلق بأعناق الصبيان من خرزات وعظام لدفع العين" (٢). وكذلك قال أبو السعادات (٣)، والمنذري إلا أن المنذري عللها بقوله: "يرون أنها تدفع عنهم الآفات" (٤). والتميمة قد تعلق بدون كتابة كالخرزات وأشباهها بخلاف الرقية التي تستخدم بالكتابة وبالقراءة، وقد تجتمع الكتابة في الرقى والتمائم فتصبح في الرقى عزائم

стр. 521

وتصبح في المعلق تميمة. قال الشيخ ابن باز ﵀: "ويسمي بعض الناس التميمة حرزًا ويسميها بعضهم الجامعة وتسمى الرقى المعلقة" (١). وفي التيسير قال: "وظاهره أن ما علق لدفع العين وغيرها فهو تميمة من أي شيء كان" (٢)، وفسرت التميمة في القواميس بالعوذة وفسرت بالخرز وفسرت بقلادة يجعل فيها سيور وعوذ وكل هذا لنفي النفس والعين والمرض. وقال ابن حجر ﵀: "والتمائم جمع تميمة وهي خرز أو قلادة تعلق في الرأس كانوا في الجاهلية يعتقدون أن ذلك يدفع الآفات" (٣). أما أسباب استخدامها فإنها تستعمل لدفع الشر المتوقع وهذا ظاهر فيما يعلق على الصبيان والفرس والمساكن لاتقاء مرض أو عين قبل أن يحصل. والثاني: لرفع الشر بعد وقوعه، وهذا ظاهر في تعلق المرضى بالواهنة وأشباهها، وكل ما عُلِّق واتخذ لدفع الشر قبل أو بعد وقوعه من الأسباب التي لم تتخذ لا شرعا ولا قدرا أو حسا فإنه شرك (٤) يتبعه الأحكام الجارية عليه في آخر الباب ولا يلتفت إلى تغيير الأسماء فالعبرة بالحقائق وإن تبدلت الأسماء. ونقل ابن مفلح عن ابن الأثير أنه قال: "وحديث "من علق تميمة" كأنهم كانوا يعتقدون أنها تمام الدواء والشفاء (٥) وإنما جعلها شركا لأنهم أرادوا دفع المقادير

стр. 522

المكتوبة عليهم فطلبوا دفع الأذى من غير الله الذي هو دافعه" (١). * الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)﴾ [الأنعام: ١٧]، وقال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤)﴾ [النحل: ٥٣ - ٥٤]. وقال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣]. * الدليل من السنة: عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللهِ قَالَتْ كَانَ عَبْدُ اللهِ إذا جَاءَ مِنْ حاجةٍ فانْتهَى إِلَى الْبَابِ تَنَحْنَحَ وَبَزَقَ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَهْجُمَ مِنَّا عَلَى شَيْءٍ يَكْرَهُهُ قَالَتْ: وَإِنَّهُ جَاءَ ذَاتَ يَوْمٍ فَتَنَحْنَحَ قَالَتْ: وَعِنْدِي عَجُوزٌ تَرْقِينِي مِنْ الْحُمْرَةِ فَأَدْخَلتُهَا تَحْتَ السَّريرِ فَدَخَلَ فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِي فَرَأَى فِي عُنُقِي خَيْطًا قَالَ: مَا هَذَا الْخَيْطُ؟ قَالَتْ: قُلْتُ: خَيْطٌ أُرْقِيَ لِي فِيهِ. قَالَتْ: فَأَخَذَهُ فَقَطَعَهُ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ آلَ عَبْدِ اللهِ لأَغْنِيَاءُ عَنْ الشِّرْكِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ : "يَقُولُ إِنَّ الرُّقَى والتَّمَائِمَ وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ"، قَالَتْ: فَقُلْتُ لَهُ: لِمَ تَقُولُ هَذَا وَقَدْ كَانَتْ عَيْنِي تَقْذِفُ فَكُنْتُ أَخْتَلِفُ إِلَى فُلَانٍ الْيَهُوديِّ يَرْقِيهَا وَكَانَ إِذَا رَقَاهَا سَكَنَتْ؟ قَالَ: إنَّمَا ذلكَ عَمَلُ الشَّيْطَانِ كَانَ يَنْخُسُها بِيَدِهِ فَإِذَا رَقَيْتِهَا كَفَّ عَنْهَا، إنَّمَا كَانَ يَكْفِيكِ أَنْ تَقُولي كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَذْهِبْ الْبَاسَ رَبَّ النَّاسِ، اشْفِ أَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا" (٢). وعن عبد الله بن عُكيم مرفوعًا: "من تعلق شيئًا وُكِل إليه" (٣).

стр. 523

وروى أحمد عن عقبة بن عامر مرفوعًا: "من تعلق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له" (١). وعن عقبة بن عامر الجهني ﵁: أن رسول الله ﷺ أقبل إليه رهط فبايع تسعة وأمسك عن واحد، فقالوا: يا رسول الله، بايعت تسعة وتركت هذا قال: "إن عليه تميمة" فأدخل يده فقطعها فبايعه وقال: "من تَعَلّق تميمة فقد أشرك" (٢). وعن عقبة بن عامر قال: "وضع التميمة شرك" (٣). وعن سعيد بن جبير قال: "من قطع تميمة من إنسان كان كعدل رقبة" (٤)، وعلق عليه الشيخ سليمان بن عبد الله فقال: "وهذا عند أهل العلم له حكم الرفع، في مثل ذلك لا يقال بالرأي" (٥). ولا شك أنه أعتقه من الشرك الأصغر وهو أعظم من الرق. * أحكام وفوائد: ١ - حكم تعليق التميمة: قال ابن سعدي: "التمائم منها ما هو شرك أكبر كالتي تشمل على الاستغاثة

стр. 524

بالشياطين أو غيرهم من المخلوقين. . . ومنها ما هو محرم كالتي فيها أسماء لا يفهم معناها لأنها تجر إلى الشرك وأما التعاليق التي فيها القرآن أو أحاديث نبوية أو أدعية طيبة محترمة فالأولى تركها لعدم ورودها عن الشارع، ولكونها يتوسّل بها إلى غيرها من المحرم، ولأن الغالب على متعلقها أنه لا يحترمها ويدخل فيها المواضع القذرة" (١). ٢ - مسألة: حكم تعليق التمائم من القرآن: عن إبراهيم بن يزيد النخعي أنه قال: "كانوا يكرهون التمائم كلها من القرآن وغير القرآن" (٢). وجاء عن عائشة ﵂ أنها قالت: "التمائم ما علق قبل نزول البلاء وأما ما علق بعد نزول البلاء فليس بتميمة" (٣). وفسر ذلك بأنها تقصد ما علق من القرآن فأجازه بعض السلف كابن المسيب وعطاء وحجتهم في هذا أن القرآن شفاء وقول عائشة السابق وفعل عبد الله بن عمرو حيث كان يعلق على أولاده الذين لم يبلغوا دعاء الفزع وهو: "بسم الله أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعقابه وشر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون" (٤)، وقد منعها بعض أهل العلم (٥)، وبينوا حرمتها وردوا أقوال المجيزين فقالوا: إن الآية مجملة وأما قول عائشة فمجمل أيضا لم تذكر فيه تعليق القرآن وأما فعل عبد الله بن عمرو فإنها رواية ضعيفة ثم استدلوا على التحريم

стр. 525

بعموم النهي الوارد في التمائم ولأنه قد يدخل به أشياء تنافي قدسيته كدخول بيت الخلاء ولأنه أيضًا يستغني بالمعلَّق عن القراءة المشروعة باللسان ولأن المنع فيه سد الذرائع فلو سمح للتميمة المعلقة بالقرآن لم تُنكر التميمة الشركية (١). وقد لخص الشيخ سليمان بن عبد الله هذه المسألة بقوله: "اعلم أن العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم اختلفوا في جواز تعليق التمائم التي من القرآن وأسماء الله وصفاته. فقالت طائفة: بجواز ذلك وهو قول عبد الله بن عمرو بن العاص وغيره وهو ظاهر ما روي عن عائشة وبه قال: أبو جعفر الباقر وأحمد في رواية. وحملوا الحديث على التمائم الشركية، أما التي فيها القرآن وأسماء الله وصفاته فكالرقية بذلك. قلت -أي الشيخ سليمان-: وهو ظاهر اختيار ابن القيم. وقالت طائفة: لا يجوز ذلك وبه قال ابن مسعود وابن عباس وهو ظاهر قول حذيفة وعقبة بن عامر وابن عكيم ﵃ وبه قال جماعة من التابعين منهم أصحاب ابن مسعود وأحمد في رواية اختارها كثير من أصحابه وجزم بها المتأخرون واحتجوا بهذا الحديث وما في معناه فإن ظاهره العموم لم يفرق بين التي في القرآن وغيرها بخلاف الرقى فقد فرق فيها، ويؤيد ذلك أن الصحابة الذين رووا الحديث فهموا العموم كما تقدم عن ابن مسعود. . . وأما القياس على الرقية بذلك فقد يقال بالفرق، فكيف يقاس التعليق الذي لا بد فيه ورق أو جلود ونحوهما على ما لا يوجد ذلك فيه فهذا إلى الرقى المركبة من حق وباطل أقرب. هذا اختلاف العلماء في تعليق القرآن وأسماء الله وصفاته فما ظنك بما حدث بعدهم من الرقى بأسماء الشياطين وغيرهم وتعليقها؟ بل والتعلق بهم،

стр. 526

والاستعاذة بهم والذبح بها وسؤالهم كشف الضر، وجلب الخير مما هو شرك محض، وهو غالب على كثير من الناس إلا من سلم الله" (١). ٣ - ما يلحق بالتمائم: التمائم يندرج تحتها كثير مما يعلق ويتخذ لدفع الآفات ومما ينطوي تحتها ويأخذ حكمها الودعة وسن الثعلب وذيله وسن الهرة والخرزات والحجب المعلقة وكعب الأرنب والوتر على الدابة والحذاء في السيارة والنعل في مقدمة أو مؤخرة السيارة ونعل الفرس في واجهة الدار والدكان وأشباهها ولا يفرد لكل منها بحث بل كل منها يجري مجرى التميمة في معناها وإن اختلفت أشكالها وفي حكمها وفي نهي الشارع عنها إذ أن سبب التحريم فيها الاعتماد على غير الله والركون والالتفات إلى غيره وعدم التوكل عليه بل وثوق في غيره وهذا شرك. وينبغي لنا في هذا المقام أن نوضح معنى بعض الأسماء التي تطلق على التمائم: ١ - الودعة: (٢) وجمعها (الودعات) وفي مختار الصحاح هي خرز بيض تخرج من البحر تتفاوت في الصغر والكبر. قال في النهاية: "والوَدَع بالفتح والسكون جمع وَدَعَه وهو شيء أبيض يجلب من البحر يعلق في حلوق الصبيان وغيرهم وإنما نهى عنها لأنهم كانوا يُعلِّقونها مخافة العين" (٣). وفي حديث عقبة بن عامر مرفوعًا: "من تعلق تميمة فلا أتم الله له ومن تعلق

стр. 527

ودعة فلا ودع الله له" (١). وقال ابن مفلح: "إنما نهى عنها لأنهم كانوا يعلقونها مخافة العين وقوله "لا ودع الله له" أي لا جعله في دعة وسكون وقيل: هو لفظ مبني من الودعة أي: لا خفف الله عنه ما يخافه (٢) " (٣). وقال الشيخ سليمان بن عبد الله: "وهذا دعاء عليه فيه وعيد شديد لمن فعل ذلك فإنه مع كونه شركًا فقد دعا عليه رسول الله ﷺ بنقيض مقصوده" (٤). ٢ - الحجب: جمع حجاب وهو ما يكتب فيه أحيانا طلاسم وكلام غير مفهوم مرة بالعربية ومرة بغيرها ويصنع من الجلد غالبا ويأخذ أشكالا مختلفة وسمي حجابا للاعتقاد بأنه يحجب العين والآفات عن المعلق عليه (٥). وهي داخلة في التمائم قال ابن باز: "والتمائم كذلك ممنوعة وهي الحجب وتسمى الجوامع وتسمى الحروز لأن رسول الله ﷺ زجر عنها ولم يستثن منها شيئًا وسماها شركًا ودعا على من تعلقها" (٦). وقال ﵀: "وأما الحجب وهي ما يعلق من أوراق أو جلود أو غيرها على المريض، يكتب فيها آيات أو دعوات تعلق على المريض ضد السلاح، أو ضد الجن فهذا لا يجوز، وقد أجاز بعض أهل العلم تعليق ما كان من القرآن خاصة ولكنه قول ضعيف، والصواب منع تعليق جميع الحجب لعموم قول النبي ﷺ : "من تعلق تميمة

стр. 528

فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له، ومن تعلق تميمة فقد أشرك"، والمراد بالشرك هنا الشرك الأصغر. ولأن في ذلك سد الذريعة إلى تعليق غيرها. وسد الذرائع المفضية إلى الشرك أو المعاصي من أعظم مقاصد الشريعة وواجباتها. أما تعليق الحجب من غير الآيات كالعظام والودع والطلاسم والأسماء المجهولة، فهذه لا تجوز بغير خلاف بين أهل العلم؛ لأن الرسول ﷺ قال: "من تعلق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له، ومن تعلق تميمة فقد أشرك" كما تقدم؛ ولأنها من أعمال الجاهلية؛ ولأنها تصد القلوب عن الله وتعلقها بغيره، والقلوب يجب أن تتعلق بالله وتعتمد عليه، فتعليق هذه التمائم يجعل القلوب تميل إليها وتتعلق بها وترتاح لها، وهذا خطأ عظيم، فلا يجوز تعليق التمائم، وهي الحجب ولها أسماء أخرى عند الناس" (١). وقال الألباني: "وهل يدخل في التمائم الحجب التي يعلقها بعض الناس على أولادهم أو على أنفسهم إذا كانت من القرآن أو الأدعية الثابتة عن النبي ﷺ للسلف في ذلك قولان: أرجحها عندي المنع" (٢). ٣ - الحرز: وهو الذي يتحرز به عن الحمى وغيره وهي كالودعة والحلقة والخيط. وقد جاء سؤال عن الحجاب "الحرز" الذي يجتمع فيه شيء من القرآن مع توسل بالأولياء مع كلام غير مفهوم فأجابت اللجنة الدائمة بأنه: "لا يجوز تعليقه على شخص أو وضعه في ثياب أو فراش أو بيت جلبا لمنفعة أو دفعا لضرر وهو من جنس التمائم واتخاذها شرك لعموم قوله ﷺ : "إن الرقى والتمائم والتولة

стр. 529

شرك" (١)، وقوله ﷺ : "من تعلق تميمة فقد أشرك" (٢) " (٣). ٤ - لبس الحلقة والخيط لرفع البلاء أو دفعه (٤): الحلقة: طوق من نحاس أصفر أو غيره كان المشركون يجعلونها في عضدهم ويزعمون أنها تحفظهم من أذي العين والجن ونحوهما. والخيط في الأصل ما يخاط به، كان المشركون يعقدون الخيوط على أيديهم ورقابهم يزعمون أنها تدفع الحمى فنهى عنه لما فيه من شائبة الشرك. قال الشيخ ابن باز: "وكان الجهال يعلقون التمائم والخيوط ونحوها لدفع الحمى". وحكم لبس الخيط لذلك شرك أكبر إذا اعتقد أنها تدفع البلاء بنفسها، أو اعتقد أن ما لُبس قادر على رفع الضر، أما إذا اعتقد أنها سبب لرفع البلاء، وأن النافع الضار هو الله فهو شرك أصغر قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ [سورة الزمر: ٣٨]. وفي حديث عمران بن حصين ﵁: "أن النبي ﷺ أبصر على عضُد رجلٍ حلقة -أراه قال: من صفر- فقال: ويحك، ما هذه؟ قال: من الواهنة. قال: أما إنها لا

стр. 530

تزيدك إلا وهنًا، انبذها عنك، فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدًا" (١). وروى ابن أبي حاتم عن حذيفة ﵁ أنه رأى رجلا في يده خيط من الحمى فقطعه وتلا قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] (٢). وروى وكيع عن حذيفة: "أنه دخل على مريض يعوده فلمس عضده فإذا فيه خيط؟ فقال: ما هذا؟ قال شيء رُقِى لي فيه فقطعه وقال: لو مت وهو عليك ما صليت عليك" (٣). قال ابن باز: "فيه إنكار مثل هذا وإن كان يعتقد أنه سبب فالأسباب لا يجوز منها إلا ما أباحه الله تعالى ورسوله مع عدم الاعتماد عليها". قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فالالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد ومحو الأسباب أن تكون أسبابا نقص في العقل والإعراض عن الأسباب المأمور بها قدح في الشرع فعلى العبد أن يكون قلبه معتمدا على الله لا على سبب من الأسباب والله ييسر له من الأسباب ما يصلحه في الدنيا والآخرة" (٤). قاعدة: قال ابن سعدي في الحلقة والخيط: "هذا الباب يتوقف فهمه على معرفة أحكام الأسباب، وتفصيل القول فيها أنه يجب على العبد أن يعرف في الأسباب ثلاثة أمور: أحدها: أن لا يجعل منها سببًا إلا ما ثبت إنه سبب شرعًا وقدرًا.
следующие страницы →