← Акыда

Акыда · id 603

معجم التوحيد

إبراهيم بن سعد أبا حسين

Полный текст (1 832 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مُعْجَمُ التَّوحِيدِ دِرَاسَة شَرعيَّة لِمُفرَدَاتِ ألفَاظِ وَمَسَائِل التَّوحِيد مَرَتَّبَة عَلى الحُرُوفِ الهِجَائِيَّة تأليف أبي عبْد الرحمن إبرَاهِيمَ بن سَعد أبَا حُسَين حَفِظه الله دَارُ القبَسِ للنَّشْرِ والتَّوزِيع

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مُقَدِّمَة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هاد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله. بعثه الله تعالى رحمة للعالمين، بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا ففتح الله به أعينًا عميًا، وآذانًا صمًا، وقلوبًا غلفًا، وأقام به الملةَ العوجاءَ، صلوات الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: فإن التوحيد يحتاج لمعرفته أهل الأرض قاطبة، وأهل الملة الإسلامية خاصة، فهم أحوج إليه من غيث السماء، ومن نور الشمس الذي يذهب عنهم حنادس (١) الظلماء، فضرورتُهم إليه أعظمُ الضرورات، وحاجتُهم إليه مقدمة على جميع الحاجات، إذ لا حياة للقلوب، ولا سرور ولا لذةَ، ولا نعيم ولا أمانَ إلا بتحقيق لا إله إلا الله (التي ورّثها إمامُ الحنفاء لأتباعه إلى يوم القيامة، وهي الكلمة التي قامت بها الأرض والسموات، وفطر الله عليها جميع المخلوقات، وعليها أُسست الملة ونُصبت القبلة وجُرِّدت سيوفُ الجهاد، وهي محض حق الله على جميع العباد، وهي الكلمة العاصمة للدم والمال والذرِّيَّة في هذه الدار، والمنجية من عذاب القبر وعذاب النار، وهي النشور (٢) الذي لا يدخل الجنة إلا به والحبل الذي لا يصل إلى الله من لم يتعلق بسببه)، وهى (كلمة

стр. 3

الإسلام، ومفتاح دار السلام، وبها تنقسم الناس إلى شقي وسعيد، ومقبول وطريد، وبها انفصلت دار الكفر من دار الإسلام، وتميزت دارُ النعيم من دار الشقاء والهوان، وهي العمود الحامل للفرض والسنة، ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة" (١). فأفضل ما شُغلت به الأوقات، وانقضت فيه الساعات توحيد رب العالمين الذي اختاره الله لأنبيائه واصطفى لتحقيقه سادةَ رسله وصفوةَ خلقه. قال ابن عيينة - رحمه الله تعالى -: "ما أنعم الله على عبدٍ من العباد نعمةً أعظم من أن عرَّفهم لا إله إلا الله. وإنَّ لا إله إلا الله لأهل الجنة كالماء البارد لأهل الدنيا" (٢). وقال الإمام المقدسي - رحمه الله تعالى -: "فلو أن الإنسان عرف كل شيء ولم يعرف الله سبحانه كان كأنه لم يعرف شيئًا" (٣). وقال الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله تعالى -: "فلا يُزهَّد في التوحيد، فإن بالزهد فيه يقع في ضده، وما هلك من هلك ممن يدَّعي الإسلام إلا بعدم إعطائه حقه ومعرفته حق المعرفة، وظنوا أنه يكفي الاسم والشهادتان، ولم ينظروا ما ينافيه وما ينافي كماله هل هو موجود أو مفقود؟ وهذا كله من عدم التحرز ومعرفة ألفاظ التوحيد لفظة، لفظة" (٤). فيا غافلًا عن حقيقة السعادة، دونك ما تسابق الأخيار في تحصيله، وما تنافس الأتقياء في تحقيقه حتى قال قائلهم: مساكين أهل الدنيا مضوا عنها وما حصلوا

стр. 4

أحسن ما فيها معرفة الله وتوحيده. كرِّرْ حديثَكَ لي عن بانةِ العلمِ ... فهو الشفاءُ لما ألقاهُ من ألَمِ إن كان عن ناظِرِي قد غابَ حُسْنكم ... فَذِكرُكم أبدًا في خاطِري وفمِي وهذا كتاب "معجم التوحيد" (١)، جمعت فيه ما يتعلق بتوحيد العبادة ومسائل الإيمان، وما يضاده من نواقض الإسلام، وأقسام الكفر، والشرك والنفاق، وما يتعلق به من أصول ومسائل ومصطلحات وتعريفات، مع بيان الغامض من المفردات، ووضع الفوائد والتقسيمات، مما قد يَشُق على الباحث العثور عليه سريعًا وقد اتسعت مسائل هذا الكتاب وتشعبت، وحاولتُ جاهدًا أن أقربها وأُأَلّف بينها وبذلتُ ما في الوسع لأجل ذلك. وانصبَّ الاهتمام على الأصول من المسائل. وقد جعلت كتاب التوحيد للشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ نواةً للعمل، فكل ما استحق بحثًا في مسائله أفردتُ له بابًا مستقلًا، وأضفتُ أبوابًا أخرى لها صلة بالتوحيد، وقام منهجي في ترتيب هذا الكتاب على الآتى: ١ - تعريف لغوي: وهذا مصدره المعاجم المعروفة، ككتاب تهذيب اللغة للأزهري، والنهاية لابن الأثير، ومختار الصحاح، ولسان العرب، والمعجم الوسيط وأمثالها، وبعض الأبواب أو العناوين سيتضح المعنى منه من غير تعريف بالمعنى اللغوي، كباب (اتخاذ القبور مساجد)، فمثل هذا لا أذكر له تعريفًا لغويًا لوضوحه. ٢ - تعريف شرعي أو اصطلاحي: وكان مصدره في الغالب التعريفات التي يعتمدها العلماء المحققون، كابنِ تَيمِيَّةَ، وابن القيم، وابن رجب، وابن كثير،

стр. 5

وأسلافهم. ويلحق بهم أئمة الدعوة بدءًا بالإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب وسماحة شيخنا الإمام عبد العزيز بن باز والألباني وابن عثيمين ﵏. ٣ - الأدلة من الكتاب. ٤ - الأدلة من السنة: والتزمت إيرادها من مصادرها الأصيلة مع عزو الحديث فإن كان عند البخاري أو مسلم فإنني أكتفي بالإحالة لهما أو لأحدهما، فإن كان عند غيرهما أشرت إلى ذلك. أما الأحاديث التي يذكرها عالِمٌ حال النقل عنه فإنني لم ألتزم تخريجها أو تحقيقها بل أوردها كما ذكرها من غير تغيير فيها. ٥ - قول السلف (١) عملًا بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩ - ٦٠]، يقول الشيخ المعلمي ﵀: "ولا ريب أن الردّ إلى الله ورسوله بعد وفاته؛ إنما يحصل بالردّ إلى الكتاب والسنة، وأن تحكيمه بعد وفاته؛ إنما هو بتحكيم الكتاب والسنة. ولا ريب أن من الرد إلى الكتاب: سؤال العلماء، كما أن الردّ إلى الرسول: اعتبار خلفائه وورثته من أهل العلم، قال الله : ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧]، وفي حديث أبي الدرداء مرفوعًا: "العلماء خلفاء الأنبياء" (٢)، وله في السنن حديث فيه: "وأنّ العلماء ورثة الأنبياء ... " الحديث (٣). ولا ريب أن الأئمة المجتهدين من أولى من يدخل في ذلك" (٤). علمًا بأني إذا نقلت كلام أحد الأئمة فإني أضع كلامه بين قوسين، فإذا ذكر في كلامه حديثًا أو أثرًا أو كلامَ عالِمٍ آخر جعلتُ علامةَ تنصيص ليتضح ذلك.

стр. 6

- الحكمُ على المسألةِ وبيانُ حلِّها أوحرمتِها أو وجوبها وأثرِها على التوحيد. - ذكر التقسيمات وإتباعها بفائدةٍ أو فوائد ممَّا يحتاج إليه الباحث، وهذا الترتيب في الجملة وربما خالفت هذا المنهج في بعض المواطن لسبب يقتضى ذلك. وقد حاولتُ الابتعاد عن التكرار قدر الإمكان مع صعوبة ذلك، فإذا رأيتَ أبوابًا متشابهة في الأسماءِ وظهر لك عدم الفرق بينهما فإن المسائل المندرجة تحتها تختلف عن غيرها، فمثلًا أبواب (الكفر) (التكفير) (العذر بالجهل) (الردة) بينها شَبَهٌ كبير من حيث المعنى ولكن في باب (الكفر) ذكرت تعريفه وأنواعه، والفرق بين كفر الاعتقاد وكفر العمل وغير ذلك، أما باب (الردّة) فذكرت فيه أقسام الردة، وأن الكفر يكون بالقول وبالعمل وبالاعتقاد والترك والشك، وما يترتب على المرتد من آثار. وفي باب (التكفير) ذكرت النصوص الواردة في التحذير من التكفير بغير دليل شرعي ولا علم، والتفريق بين الإطلاق والتعيين، ومعرفة موانع التكفير كالإكراه والخطأ والتأويل والعجز. أما باب (عارض الجهل) فذكرت فيه ضوابط العذر بالجهل ومعنى قيام الحجة، وأن عدمها مانعٌ من تكفير المعيَّن، كما أوضحتُ المراد من بلوغ الحجة وفهمها، وأن الجهل لا يكون فيما هو معلوم من الدين بالضرورة وغير ذلك. وقد ترِدُ المسالةُ في بابٍ فلا أتكلم عنها بل أحيل على باب آخر مشابه ذكرتُ فيه هذه المسألة بالتفصيل كمسألة (حكم الذهاب للكهان)؛ إذ يحتمل ذكرها في باب (العرَّاف) (الكاهن) (التنجيم)، ففصَّلتُ الكلام عنها في باب (الكهانة)، أما الأبواب الأخرى فعِنْدَ ذكر هذه المسألة فإني أُحيل على الباب الذي فصّلتُ فيه. أما الأبواب فقد رتبتها ترتيبًا هجائيًا مراعيًا فيه شهرة اللفظ دون اعتبارٍ لأصل اشتقاقه، فلم ألتزم بما التزم به أصحاب المعاجم اللغوية؛ بل رتّبتُ الأبواب وفق لفظها المذكور في كتب أهل العلم وحسب ذكر العلماء لها، كما أهملتُ (أل)

стр. 7

التعريف فيما هو معرّف (بألْ) ومثال ذلك: باب (الاستعاذة) فإنك تبحث عنه في باب الهمزة ثم السين وهكذا، وتبحث عن باب (التوحيد) في الأبواب التي تبدأ بحرف التاء ثم الواو. وبعض الأبواب لا أستطيع إيرادها إلا بعبارتها أو مظهرها الشركي، كباب (ما شاء اللهُ وشئت) (التنجيم)، (الإقامة في بلاد الكفار) وغيرها، وليعذرنا القارئ في التبويب؛ لأن المراد التقريب وسهولة الوصول إلى المفردات المتعلقة بالتوحيد، فأرجوا أن أكون قد سلكت المسلك المناسب في ذلك؛ تسهيلًا لوصول المعلومة إلى القارئ، وهذا محل اجتهاد مني، إن وفقت فيه فذلك فضل من الله، وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان. وقد دفعني إلى ترتيب هذا الكتاب على حروف المعجم حاجة بعض طلبة العلم والدعاة والخطباء والباحثين إلى الوصول بطرق يسيرة لأقوال العلماء والأئمة في مسائل التوحيد، مع اختصار الوقت والجهد في البحث عنها في أُمَّات الكتب، وذلك يخدم الباحث في العَزْوِ لأهل العلم وكتبهم. وحاولت التزام ذكرَ المراجع كي يتسنَّى لمن أراد التفصيل العثور على مراجع المسائل. فتجد تحت كل باب مراجع رُمز لها بعلامة نجمة (*) أذكر بعدها كتب السلف من الأصول المتقدمة والكتب المتأخرة، والتزمتُ بذكر مكان المسألة في الشروح المشهورة على كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب ومن ذلك: تيسير العزيز الحميد، فتح المجيد، حاشية ابن قاسم، القول المفيد، ثم فتاوى اللجنة، وفتاوى الشيخ ابن باز، وفتاوى الشيخ ابن عثيمين ﵏ جميعًا -، وأغلب المسائل المذكورة والتقسيمات الموجودة اعتمدتُ فيها على الكتب والمراجع المكتوبة في حاشية كل باب، وربما نقلتُ من هذه المراجع بالنص أو استفدت من النقل الموجود فيها مع الاكتفاء بالمرجع الأصل، كما استفدتُ من الحواشي أو الشروح

стр. 8

المخطوطة على كتاب التوحيد، وكذلك الكتب التي تناولت كتب التوحيد بالتحقيق، أو المؤلفات المعاصرة والرسائل الجامعية، أو المناهج الدراسية المعدة لهذا الشأن. وإذا طال النقل تصرفت فيه بما يخدم الكتاب مراعاةً للاختصار. وقد توخَّيْتُ ذكرَ المراجع من الكتب المعتمدة والصافية، ولكن هناك من الكتب ما يُقَرَّرُ فيه مذهبُ الأشاعرة، أو يُوجد في أثنائه خلل في العقيدة فينبغي ال تنبيه إلى أن الإحالة إلى المراجع لا يعني التسليم بِما فيها والإذعان لها، وإنما يُؤخذ الصواب، ويترك ما عداه. ولقد استفدتُ كثيرًا من المشايخ والعلماء - حفظهم الله -، سواء في الدروس العلمية والحلقات أو الاستفسار والاتصال، كما استفدت من الشيخ عبد الله بن جبرين ﵀، في فهم بعض العبارات الموهِمَة وبيان الأحكام المجملة. تنبيه: ربما وجد الباحثُ أبوابًا يظن أنها لا تَمُتّ إلى توحيد العبادة بصلة، ولكن فيها مباحث ومسائل متعلقة بالتوحيد، فلا تستعجل باللوم حتى في مسائل الباب ومباحثه، لا في عنوانه، ومن ذلك مثلا باب (جزيرة العرب) فقد يظن أن إدراجه غريب في كتاب كهذا، ولكن فيه مسائل توجب ذكره ضمن أبواب هذا الكتاب؛ إذ يتعلق به على سبيل المثال حديث: "إن الشيطان يئس أن يُعبد في جزيرة العرب". وحديث: "أخرجوا اليهودَ والنصارى من جزيرة العرب". وحديث "لا يبقى فيها دينان". فنحتاج لفهم معنى "يئس الشيطان" وأقوال العلماء في ذلك، ونحتاج لتوضيح حكم وجود دين آخر في الجزيرة، وحكم استقدام الكفرة إلى هذه الجزيرة، وهذا لا شك أن له تعلقًا بالتوحيد وأقرب عنوان له هو: جزيرة العرب، ومن ذلك باب (الوقف) إذ هو من المسائل الفقهية، لكن له تعلّق بالتوحيد من جهة حكم الوقف على بناء القبور، والوقف على إيقاد السُّرُج عليها، وما شابه ذلك.

стр. 9

وإذا كان الموضوع يناسبه أكثر من عنوان، فإني أضع جميع العناوين المناسبة، ويكون محل البحث تحت عنوان واحد ومثال ذلك باب (لا إله إلا الله) فإن له عناوين أخرى مثل (كلمة التوحيد) (كلمة الإخلاص) (العروة الوثقى) وما شابه ذلك، فأكتُبُ هذه العناوين في مكانها من المعجم مفردة دون بحث، وأحيلُ على الأصل الذي اخترته لوجود المباحث فيه، وأذكرُ في السطر الذي يلي عنوان الباب الأبواب ذات الصلة. واعلم - رحمك الله - أن هناك أبوابًا تكاد تكون متصلة مع بعضها صلة وثيقة، فاجعل لكل منها بابًا مستقلًا، أوضِّحُ فيه المعنى وأحيل في المسائل على الباب الأصل المختار، ومثال ذلك (الحُجُب) (الحُرُوز) (الرُّقَى) (التمائم)، فإني أفسِّرُ معانيها وأذكر ما يتعلق بها بشيء من الاختصار، ثم أحيل في المسائل والأدلة على الباب الأصل وحينًا أجعلها كلها في باب واحد لشدة ترابطها مع بعضها، وأجعل لأفرادها عناوين خالية من البحوث وأحيل على الأصل ومثاله شروط (لا إله إلا الله). وقد حاولتُ جاهدًا أن استقصي جميع المباحث وأن أضع لكل مسألة تفاصيل العلماء وأقوالهم فيها، ولا أدَّعي أنني بلغت الغاية أو قاربتها، لكن جهد مقل أرجو به من الله الرضى والقبول والتوفيق، إنه ولي ذلك والقادر عليه. ولقد ساهم في إخراج هذا الكتاب ومراجعته إخوة وأخوات لولا معرفتي لكراهيتهم ذكر أسمائهم لذكرتهم واحدًا واحدًا، فما كان هذا الكتاب ليخرج إلا بفضل من الله ثم بفضلهم. وإن كنا لا نملك ذكر أسمائهم، فإنا ندعو لهم: أن ييسرهم لليسرى ويجنبهم العسرى، وأن يزيدهم هدى، ويجعل لهم من كل هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا، ويجزيهم عنا خير الجزاء. وأذكّر إخواني ممن يقرأ هذا الكتاب أو يطلع عليه أن يأخذ بما احتواه الكتاب، وليكن رائده في ذلك البحث عن الحق واتباع الدليل، فإن عثر على خطأ مني

стр. 10

فليصفح عن ذلك وليعاجلني بتنبيه ونصيحة ولا يظننَّ سوءًا بل يقل: زل القلم وسها الكاتب ولا يكن ممن قيل فيه: فإن رأوا هفوةً طاروا بها فرحًا ... مِنِّي وما علموا من صالحٍ دفنوا وفي الختام أحمد الله على ما يسر وأشكره على ما مدَّنا به من توفيق وإعانة فله الحمد وله الشكر والثناء أولًا وأخيرًا. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. وكتبه: إبرَاهِيمَ بن سَعد أبا حُسَين غفر الله له ولوالديه ولإخوته ولجميع المسلمين ص - ب ٥١٣٦٠ - الرمز ١١٥٤٣ إيميل ism-٠١٢٣@hotmail.com تويتر @ ismhbr

стр. 11

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - لا إله إلا الله * الإلهُ: فعالِ بمعنى مألوه، وكُلُّ ما اتُّخِذ مَعبودًا إلهٌ عِنْدَ مُتَّخِذِه (١). قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله تعالى -: "فـ "الإلهُ" اسمُ صفةٍ لكُلِّ معبودٍ بحقٍّ أو باطل، ثم غُلِب على المعبُود بحقٍ وهو اللهُ تعالى، وهو الذي يخلق ويرزق ويدبِّرُ الأُمُور" (٢). فمعنى "الإلهُ" يتضمَّنُ فعلَ الخلقِ والرزقِ والإثابةِ والعقوبةِ، ولهذا انفرد الله

стр. 12

تعالى باستحقاق العبادةِ وحده؛ لأنَّه المنفردُ بهذه الأفعالِ والصفاتِ. فالإلهُ: هو المعبودُ المطاعُ الذي تألههُ القلوب، أي: تتجهُ لهُ وتقصدُه وتخضعُ له وتتعلقُ به خشيةً وإنابةً ومحبةً وخوفًا وتوكلًا عليه وإخلاصًا ﵎. قال ابن عَبَّاسٍ ﵄: "الله ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين" (١). قال الشيخ سليمان بن عبد الله - رحمه الله تعالى -: "وقد دخل في الإلهية جميع أنواع العبادة الصادرة عن تألُّه القلب لله بالحب والخضوع والانقياد له وحده لا شريك له، فيجب إفرادُ الله تعالى بها، كالدعاءِ والخوفِ المحبةِ، والتوكلِ والإنابةِ، والتوبةِ، والذبحِ، والنذرِ، والسجودِ، وجميعِ أنواعِ العبادةِ فيجب صرف جميع ذلك لله وحده لا شريك له، فمن صرف شيئًا مما لا يصلح إلا لله من العباداتِ لغيرِ لله، فهُوَ مُشرِكٌ ولو نطق بـ "لا إله إلا الله"، إذ يعمل بما تقتضيه من التوحيد والإخلاص" (٢). فـ "لا إله إلا الله" معناها: لا معبود حقٌّ إلا الله، وغير الله إن عبد فباطل (٣). * الدليل من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج:٦٢] وقال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩]، وقال تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر:٥٤] وقوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران ١٨]، وقال الله تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر:٣،٢]، وقال تعالى:

стр. 13

﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ١١] ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر:١٤]، وقوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة:٢٥٦]. وقال : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: ١٥]. * الدليل من السنة: عَنْ عُثْمَانَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ انهُ لا إِلَهَ إِلا اللهُ دَخَلَ الْجَنةَ" (١)، وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال في الشهادتين: "لا يلقَى الله بهما عبدٌ غيرَ شاكٍّ فيهما إلا دخلَ الجنةَ" (٢). وعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ الله ﷺ : "اذهَبْ بِنَعْلَيَّ هَاتَيْنِ فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْحَائِطِ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا الله مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ فَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ" (٣). وعَنْ عُبَادَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ شَهِدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلا الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ الله وَرَسُولُهُ وَكَلِمَتُهُ (٤) أَلْقَاهَا (٥) إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ وَالْجَنَّة حَقٌّ وَالنَّارُ حَقٌّ أَدْخَلَهُ الله الْجَنّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنْ الْعَمَلِ" (٦). وعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مُوسَى عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَمَعِي نَفَرٌ مِنْ قَوْمِي: "فَقَالَ

стр. 14

أَبْشِرُوا وَبَشِّرُوا مَنْ وَرَاءَكُمْ إِنَّهُ مَنْ شَهِدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ صَادِقًا بِهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ" (١). وعَنْ عَمْرٍو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ أَخبرنَا مَنْ شَهِدَ مُعَاذًا حِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ يَقُولُ: اكْشِفُوا عَنِّي سَجْفَ الْقُبَّةِ أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ قَالَ مَرَّةً: أُخْبرُكُمْ بِشَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أُحَدَّثَكُمُوهُ إِلا أَنْ تَتَّكِلُوا سَمِعْتُهُ يَقُولُ: "مَنْ شَهِدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ مُخْلِصًا مِنْ قَلْبِهِ أَوْ يَقِينًا مِنْ قَلْبِهِ لَمْ يَدْخُلْ النَّارَ أَوْ دَخَلَ الْجَنّةَ" وَقَالَ مَرَّةً: "دَخَلَ الْجَنّةَ وَلَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ" (٢). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أنهُ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ الله، مَنْ أَسْعَدُ الناس بشفاعتك يوم الْقِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لا يَسْألُنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ، أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا الله خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ" (٣). وهو معنى قوله ﷺ في حديث عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ الله ﷺ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنْ الأَنْصَارِ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "فَإِنَّ الله قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لا إلَهَ إلا اللهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ الله" (٤). ١ - "لا إله إلا الله " أول واجب على المكلف: قال العلامة عبد العزيز الرشيد صاحب أحكام وفوائد في التنبيهات السنية: "هذه الكلمة هي أول واجب وأعظم واجب على الإطلاق كما في الصحيح من حديث ابن عَبَّاسٍ أن النبي ﷺ قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: "فليكن أول ما

стр. 15

تدعوهم إليه شهادة ألا إله إلا الله"، وفي رواية: "إلى أن يعبدوا الله"؛ فدل على أن التوحيد هو أول واجب على العباد، خلافًا لمن زعم أن أول واجب معرفة الله بالنظر أو القصد إلى النظر أو الشك كما هي أقوال لأهل الكلام المذموم، فإن معرفة الله فطرية فطر الله عليها عباده، قال تعالى: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ١٠] أي: أفي وجوده شك، فإن الفِطَر شاهدة بوجوده مجبولة على الإقرار به، فإن الاعتراف به ضروري في الفطر السليمة كما قال ﷺ : "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه"" (١). ٢ - تفسيرات باطلة لـ "لا إله إلا الله ": وإذا تبين أن معنى لا إله إلا الله: لا معبود بحق إلا الله، وهذا تفسير أهل السنة؛ فينبغي التنبيه إلى أنها قد فُسّرت بتفسيرات باطلة، منها: ١ - أن معنى لا إله إلا الله أي لا موجود إلا الله، وهذا تفسير أهل الاتحاد (٢). ٢ - أن معناها: أي لا معبود موجود إلا الله، وهذا باطل لأنه يلزم منه أن كل معبود عُبِد بحق أو باطل هو الله (٣). ٣ - أن معناها: أي لا خالق (٤) إلا الله، أو لا رب إلا الله، ولو كان المعنى كذلك لما حصل نزاع بين النبي ﷺ وكفار قريش، ولما حصل نزاع بين الرسل وأممهم؛ لأن الأمم يقرون بأنه لا خالق إلا الله، فليس هذا المعنى فقط هو المراد منها.

стр. 16

حيث يثبت بها توحيد الربوبية فقط. ٤ - وقيل معناها لا حاكمية إلا لله، وهذا أيضًا جزء من معناها وليس هو المقصود لأنه بهذا المعنى تفسير ناقص لا يكفي. ٥ - ومنها أنه لا قادر على الاختراع إلا الله، ولا مستغنٍ عمَّا سواه مفتقر إليه كل من عداه إلا الله، وهذا القول منسوب لبعض أئمة المتكلمين قال شيخ الإسلام عمن قال: "إن الإلهية هي القدرة على الاختراع، فإن المشركين كانوا يقرون بهذا وهم مشركون" (١) وهذا تفسير لكلمة التوحيد بشيء من أفعال الربوبية وهو وإن دلت عليه كلمة التوحيد بالتضمن فتوحيد الألوهية يتضمن توحيد الربوبية، إلا أنه أغفل المعنى المقصود من هذه الكلمة وهو إثبات توحيد الألوهية وأنه لا يستحق العبادة إلا الله. وإنما معنى هذه الكلمة باتفاق السلف الصالح: أنه لا معبود بحق إلا الله وحده لا شريك له كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]. قال البقاعي: "لا إله إلا الله، أي: انتفى انتفاء عظيمًا أن يكون معبود بحق غير الملك الأعظم، فإن هذا العلم هو أعظم الذكرى المنجية من أهوال الساعة، وإنما يكون علمًا إذا كان نافعًا، وإنما يكون نافعا إذا كان الإذعان والعمل بما تقتضيه، وإلا فهو جهلٌ صرف" (٢).

стр. 17

٣ - دلالة "لا إله إلا الله" على التوحيد: قال عبد العزيز الرشيد في التنبيهات: "وأما دلالتها على التوحيد فإنها دلت على أنواع التوحيد الثلاثة، فدلت على إثبات العبادة لله ونفيها عمن سواه، كما دلت أيضا على توحيد الربوبية، فإن العاجز لا يصلح إلها، ودلت على توحيد الأسماء والصفات فإن مسلوب الأسماء والصفات ليس بشيء بل هو عدمٌ محض كما قال بعض العلماء: المشَبِّه يعبد صنمًا، والمعطِّل يعبد عدمًا، والموحِّد يعبد إلهَ الأرض والسماء. قال الشيخ تقي الدين بن تيمية ﵀: "وشهادة أن لا إله إلا الله فيها الإلهيات وهي الأصول الثلاثة: توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات. وهذه الأصول الثلاثة تدور عليها أديان الرسل وما أُنزل إليهم، وهي الأصول الكبار التي دلت عليها وشهدت بها العقول والفطر"" (١). ٤ - إعراب كلمة "لا إله إلا الله ": " لا": نافية للجنس تعمل عمل إن. "إله": اسم "لا" مبني على الفتح، وخبرها محذوف والتقدير "بحق". "إلا": أداة استثناء ملغاة. "الله": لفظ الجلالة مرفوع على البدلية. ٥ - أركان "لا إله إلا الله " (٢): لا إله إلا الله لها ركنان: * الركن الأول: النفي. * الركن الثاني الإثبات.

стр. 18

والمراد بالنفي: نفي الإلهية عما سوى الله تعالى من سائر المخلوقات. فتنفي جميع ما يعبد من دون الله فلا يستحق أن يعبد غيره. والمراد بالإثبات: إثبات الإلهية لله سبحانه، فهو الإله الحق المستحق للعبادة وما سواه من الآلهة التي اتخذها المشركون فكلها باطلة ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج:٦٢]. فائدة: قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "جملة "لا إله إلا الله" مشتملة على نفي وإثبات، أما النفي فهو: "لا إله" وأما الإثبات فهو: إلا الله. و"الله" لفظ الجلالة بدل من خبر لا المحذوف والتقدير: لا إله حق إلا الله وبتقديرنا الخبر بهذه لكلمة: حق؛ يتبين الجواب عن الإشكال التالي: وهو كيف يقال: لا إله إلا الله؛ أن هناك آلهة تُعبد من دون الله، وقد سماها الله تعالى آلهة وسماها عابدوها آلهة، قال الله ﵎: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ [هود:١٠١]، وكيف يمكن أن نثبت الألوهية لغير الله والرسل يقولون لأقوامهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٧٣]. والجواب على هذا الإشكال: يتبين بتقدير الخبر في "لا إله إلا الله" فنقول: هذه الآلهة التي تعبد من دون الله هي آلهة لكنها آلهة باطلة ليست آلهة حقة وليس لها من حق الألوهية شيء، يدل لذلك قول تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٣٠)﴾ [لقمان: ٣٠]. إذن فمعنى "لا إله إلا الله" لا معبود حق إلا الله ، فأما المعبودات سواه فإن ألوهيتها التي يزعمها عابدوها ليست حقيقية أي ألوهية باطلة" (١).

стр. 19

٧ - شروط الشهادتين (١): جاء عن إياس بن أبي تميمة قال: "شهدت الحسن في جنازة أبي رجاء على بغله، والفرزدق إلى جنبه على بعير، فقال له الفرزدق: قد استشرفنا الناس، يقولون: خير الناس، وشر الناس، قال: يا أبا فراس، كم من أشعث أغبر ذي طمرين خير مني! وكم من شيخ مشرك أنت خير منه! ما أعددت للموت؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله قال: إن معها شروطًا، فإياك وقذف المحصنة. قال: هل من توبة؟ قال: نعم" (٢). وقال ابن رجب: "وقالت طائفة من العلماء: المراد من هذه الأحاديث أن لا إله إلا الثد سبب لدخول الجنة والنجاة من النار، ومقتضٍ لذلك. ولكن المقتضي لا يعمل عمله إلا باستجماع شروطه وانتفاء موانعه، فقد يتخلف عنه مقتضاه لفوات شرط من شروطه أو لوجود مانع. وهذا قول الحسن ووهب بن منبه وهو الأظهر" (٣). وقد نظم الشيخ حافظ الحكمي الشروط في الأبيات التالية: وبشروط سبعةٍ قد قُيِّدت ... وفي نصوصِ الوحي حقًا وردت فإنه لم ينتفع قائلُها ... بالنُطقِ إلا حيث يستكملها العلمُ واليقينُ والقبولُ ... والانقيادُ فادرِ ما أقولُ والصدقُ والإخلاصُ والمحبةُ ... وفَّقكَ الله لما أحبَّه (٤) ونظمها بعضهم بقوله: علمٌ يقينٌ وإخلاصٌ وصدقُك ... مع محبةٍ وانقيادٍ والقبول لها (٥)

стр. 20

وهذه الشروط مأخوذة بالاستقراء والتتبع للأدلة من الكتاب والسنة، وقد أضاف بعضهم إليها شرطا ثامنًا ونظمه بقوله: وزيد ثامنُها الكفرانُ منك بما ... سوى الإلهِ من الأندادِ قد أُلِها وأخذ هذا الشرط الأخير من قوله ﷺ في حديث أبي مالك أبيه: "من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله" (١). وذكره الشيخُ عبدُ الرحمن بنُ حسن في قرّةِ عُيونِ الموحِّدين فقل: "إن لا إله إلا الله قد قُيّدت في الكتاب والسنة بقيودٍ فقال منها: العلم، واليقين، والإخلاص، والصدق، والمحبة، والقبولُ والانقياد، والكفرُ بما يُعبَدُ من دونِ الله" (٢). وذكره الشيخُ محمدُ بنُ عبدِ الوهاب في "كتاب التَّوحيدِ" ثمَّ قال بعده: "وهذا من أعظم ما يبين معنى لا إله إلا الله، فإَنَّه لم يجعل التلفُّظَ بها عاصمًا للدمِ والمالِ، بل ولا معرفةَ معناها مع لفظِها، بل ولا الإقرارَ بذلك، بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحدَه لا شريكَ له، بل لا يحرمُ مالُه ودمُه حتى يُضيف إلى ذلك الكفرَ بما يُعبَدُ من دون الله، فإن شكَّ أو توقف لم يحرُم مالُه ودمُه" (٣). وبعضهم يجعل هذا الشرط ضمن أركان (لا إله إلا الله) وقد تقدم في ذكر الأركان أن (لا إله) يبطل الشرك بجميع أنواعه ويوجب الكفر بكل ما يعبد من دون الله و (إلا الله) يثبت أنه لا يستحق العبادة إلا الله ويوجب العمل بذلك ويدل عليه قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة:٢٥٦] فقوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾ هو معنى الركن الأول (لا

стр. 21

إله) وقوله: ﴿وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ هو، هو معنى الركن الثاني (إلا الله). وكذلك قوله عن الراهيم ﵇: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ الزخرف: ٢٧،٢٦] فقوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ﴾ هو معنى النفي في الركن الأول. وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ هو معنى الإثبات في الركن الثاني. وعليه فإن شروطها مجملة ثمانية: الأول: العلم بمعناها نفيًا وإثباتًا. الثاني: اليقين وهو كمال العلم بها، المنافي للشك والريب. الثالث: الإخلاص المنافي للشرك. الرابع: الصدق المنافي للكذب، المانع من النفاق. الخامس: المحبة لهذه الكلمة ولما دلّت عليه والسرور بذلك. السادس: الانقياد بحقوقها المنافي للترك: وهي الأعمال الواجبة إخلاصا لله وطلبًا لمر ضاته. السابع: القبول المنافي للرد. الثامن: الكفر بما سوى الله من الأنداد. وسوف أتناول كُلَّ شرطٍ بشرحٍ يُبَيِّنُ المقصودَ: أولًا: العلمُ بمعناها نفيًا وإثباتًا المنافي للجهل بذلك: قال الشيخ عبد الله بن جبرين: "والمراد العلم الحقيقي بمدلول الشهادتين وما تستلزمه كل منهما من العمل، وضد العلم الجهل، وهو الذي أوقع المشركين من هذه الأمة في مخالفة معناها، حيث جهلوا معنى الإله، ومدلول النفي والإثبات، وفاتهم أن القصد من هذه الكلمة معناها، وهو الذي خالفه المشركون العالمون بما تدل عليه، حيث قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥]

стр. 22

وقالوا: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ [ص:٦] " (١). وللتوضيح فإن قولهم: العلم بمعناها نفيًا وإثباتًا يتضمن شطرها الأول نفي العبادة عما سوى الله ، كما يتضمن شطرها الثاني إثباتها له فكما أن الحق جل وعز لا شريك له في ملكه وخلقه وتدبيره فإنه لا شريك له في عبادته. فلا بد من العلم بمعناها؛ لأن التلفظ بها دون معرفة معناها ومقتضاها لا ينفع صاحبها كالذي يتكلم بلغة لا يفهمها، ودل على هذا الكتاب والسنة قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ [محمد:١٩]. وقوله: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦]. قال البغوي: "أراد بشهادة الحق قول: لا إله إلا الله كلمة التوحيد ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ بقلوبهم ما شهدوا به بألسنتهم" (٢). وفي الصحيح عن عثمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ" (٣). قال شيخ الإسلام ابنُ تَيمِيَّةَ رحمه الله تعالى: "من اعتقد أنه بمجرد تلفظه بالشهادة يدخل الجنة ولا يدخل النار فهو ضال مخالف للكتاب والسنة والإجماع" (٤). وقال الشيخ سليمان بن عبد الله: "أما النطق بها من غير معرفة لمعناها ولا عمل

стр. 23

بمقتضاها فإن ذلك غير نافع بالإجماع" (١). وقال ﵀: "ولا ريب أنه لو قالها أحد من المشركين ونطق أيضا بشهادة أن محمدًا رسول الله ولم يعرف معنى الإله ولا معنى الرسول، وصلى وصام وحج ولا يدري ما ذلك إلا أنه رأى الناس يفعلونه فتابعهم، ولم يفعل شيئًا من الشرك، فإنه لا يشك أحدٌ في عدم إسلامه، وقد أفتى بذلك فقهاء المغرب كلهم في أول القرن الحادي عشر أو قبله في شخص كان كذلك كما ذكره صاحب "الدر الثمين في شرح المرشد المعين" من المالكية، ثم قال شارحه: "وهذا الذي أفتوا به جلي في غاية الجلاء، لا يمكن أن يختلف فيه اثنان". انتهى. ولا ريب أن عُبَّاد القبور أشد من هذا؛ لأنهم اعتقدوا الإلهية في أرباب متفرقين" (٢). وقال ابن سعدي ﵀: "العلم لابد فيه من إقرار القلب ومعرفته، بمعنى ما طلب منه علمه، وتمامه أن يعمل بمقتضاه. وهذا العلم، الذي أمر الله به - وهو العلم بتوحيد الله - فرض عين على كل إنسان، لا يسقط عن أحد، كائنًا من كان، بل كلٌّ مضطرٌ إلى ذلك. والطريق إلى العلم بأنه - لا إله إلا الله - أمور: أحدها: بل أعظمها تدبر أسمائه وصفاته، وأفعاله الدالة على كماله، وعظمته وجلاله، فإنها توجب بذل الجهد في التأله له، والتعبد للرب الكامل، الذي له كل حمد ومجد، وجلال وجمال. الثاني: العلم بأنه تعالى هو المنفرد بالخلق والتدبير، فيعلم بذلك أنه المفرد بالألوهية. الثالث: العلم بأنه المنفرد بالنعم الظاهرة والباطنة، الدينية والدنيوية؛ فإن ذلك يوجب تعلق القلب به، ومحبته، والتأله له وحده لا شريك له.

стр. 24

الرابع: ما نراه ونسمعه من الثواب لأوليائه القائمين بتوحيده من النصر، والنعم العاجلة، ومن عقوبته لأعدائه المشركين به، فإن هذا داعٍ إلى العلم بأنه تعالى وحده المستحق للعبادة كلها. الخامس: معرفة أوصاف الأوثان والأنداد التي عبدت مع الله واتخذت آلهة، وأنها ناقصة من جميع الوجوه، فقيرة بالذات، لا تملك لنفسها ولا لعابديها نفعًا ولا ضرا، ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا، ولا ينصرون من عبدهم، ولا ينفعونهم بمثقال ذرة، من جلب خير، أو دفع شر، فإن العلم بذلك يوجب العلم بأنه لا إله إلا الله وبطلان إلهية ما سواه. السادس: اتفاق كتب الله على ذلك، وتواطؤها عليه. السابع: أن خواص الخلق الذين هم أكمل الخليقة أخلاقًا وعقولًا، ورأيًا وصوابًا وعلمًا - وهم الرسل والأنبياء والعلماء الربانيون - قد شهدوا الله بذلك. الثامن: ما أقامه الله من الأدلة الأفقية والنفسية التي تدل على التوحيد أعظم دلالة، تنادي عليه بلسان حالها بما أودعها من لطف صنعته، وبديع حكمته، وغرائب خلقه" (١). ثانيًا: اليقين (٢): قال في لسان العرب: "اليقين: العلم وإزاحة الشك وتحقيق الأمر وهو نقيض الشك" (٣): وهو كمال العلم بها المنافي للشك (٤) والريب. * والدليل: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: ١٥]

стр. 25

فاشترط في صدق إيمانهم بالله ورسوله كونهم لم يرتابوا، أي لم يشكوا فأما المرتاب فهو من المنافقين. وفي الصحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قال النَّبِيُّ ﷺ : "أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَأَني رَسُولُ الله لا يَلْقَى الله بِهِمَا عَبْدٌ غَيْرَ شَاكٍّ فِيهِمَا إِلا دَخَلَ الْجَنّةَ" (١). وفي رواية قَالِ: "أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا الله وَأَني رَسُولُ الله لا يَلْقَى الله بِهمَا عَبْدٌ غَيْرَ شَاكٍّ فَيُحْجَبَ عَنْ الْجَنَّةِ" (٢). وتقدم حديث أبي هريرة ﵁: "فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْحَائِطِ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ فَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ" (٣). قال الشيخ حافظ الحكمي: "فاشترط في دخول قائلها الجنة أن يكون مستيقنا بها قلبه غير شاك فيها، وإذا انتفى الشرط انتفى المشروط" (٤). وقد روي عن ابن مسعود ﵁ قال: "الصبر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله" (٥). فاليقين شرط في صحة الإيمان وهو حقيقة العلم بأن إلا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله) فلا بد من انتفاء الشك وارتفاع الريب. وقال القرطبي في المفهم على صحيح مسلم: "باب لا يكفي مجرّد التلفظ بالشهادتين بل لا بد من استيقان القلب" (٦). قال الشيخ عبد الله بن جبرين: "من شروط - لا إله إلا الله - اليقين وضده

стр. 26

الشك والتوقف أو مجرد الظن والريب، والمعنى أن من أتى بالشهادتين فلابد أن يوقن بقلبه ويعتقد صحة ما يقوله، من أحقية إلهية الله تعالى، صحة نبوة محمد ﷺ ، وبطلان إلهية غير الله بأي نوع من التأله وبطلان قول كل من ادعى النبوة بعد محمد ﷺ ، فإن شك في صحة معناها أو توقف في بطلان عبادة غير الله لم تنفعه هاتان الشهادتان" (١). ثالثًا: الصدق: المنافي للكذب المانع من النفاق: فإن المنافقين يقولونها بألسنتهم غير معتقدين لمدلولها. * الدليل قوله تعالى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:١ - ٣]، وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة:٨ - ١٠]. وثبت في الصحيحين عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ : "من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صدقًا من قلبه إلا حرمه الله على النار" (٢). قال الشيخ عبد الله بن جبرين حفظه الله: "فأما من قالها بلسانه وأنكر مدلولها بقلبه فإنها لا تنجيه، كما حكى الله عن المنافقين أنهم قالوا: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون:١] " (٣).

стр. 27

قال الشيخ صالح الفوزان: "فإن المنافقين يقولونها بألسنتهم غير معتقدين بمدلولها" (١). رابعًا: المحبة: لهذه الكلمة ولما دلت عليه: وهذا بخلاف ما عليه المنافقون. * الدليل قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ [المائدة: ٥٤]. وثبت في الصحيح عَنْ أَنَسٍ بنِ مَالِكٍ ﵁ عَنْ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَمَنْ أَحَبَّ عَبْدًا لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ، وَمَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إِذ أَنقَذهُ الله كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ" (٢). قوله: "ثلاث من كن فيه " ... الخ. قال الحافظ النووي ﵀: "هذا حديث عظيم أصل من أصول الإسلام. قال العلماء ﵏: "معنى حلاوة الإيمان" استلذاذ الطاعات وتحمُّل المشقات في رِضَى الله ورسوله ﷺ ، وإيثار ذلك على عَرَض الدنيا، ومحبة العبد ربه بفعل طاعته وترك مخالفته وكذلك محبة رسوله ﷺ ". قال القاضي ﵀: "هذا الحديث بمعنى الحديث المتقدم: "ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ رسولًا"؛ وذلك أنه لا تصح المحبة لله

стр. 28

ورسوله ﷺ حقيقة وحب الآدمي في الله ورسوله ﷺ وكراهة الرجوع إلى الكفر إلا لمن قوي بالإيمان يقينه واطمأنت به نفسه وانشرح له صدره خالط لحمه ودمه وهذا هو الذي وجد حلاوته" .. قال: "والحب في الله من ثمرات الله"" (١). وقد أفردتُ بابًا في: "محبة الله" فراجعه في هذا الكتاب. خامسًا: الانقياد المنافي للترك: ويبينها الشيخ صالح الفوزان حفظه الله بقوله: "الانقياد: بأداء حقوقها، وهي: الأعمال الواجبة إخلاصًا لله وطلبًا لمرضاته، وهذا هو مقتضاها" (٢). * الدليل من الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر: ٥٤]، وقوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [النساء: ١٢٥]، وقوله: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [لقمان: ٢٢] أي: بـ "لا إله إلا الله". وقوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. في الدليل من السنة: قوله ﷺ : "لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُم حتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لما جِئْتَ بِهِ" (٣). وعَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أنه قال: "لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ" (٤).

стр. 29

قال ابن رجب ﵀: "فلا يكون المؤمن مؤمنًا حتى يقدم محبة الرسول على محبة جميع الخلق، ومحبة الرسول تابعة لمحبة مرسله، والمحبة الصحيحة تقتضي المتابعة والموافقة في حب المحبوبات وبغض المكروهات" (١). سادسًا: القبول المنافي للرد: لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات: ٣٥، ٣٦]. وثبت عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَثَلُ مَا بَعَثَنِي الله بهِ مِنْ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ قَبلَتْ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتْ الْكَلأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتْ الْمَاءَ فَنَفَعَ اللّهُ بهَا النَّاسَ فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لا تُمْسِكُ مَاءً وَلا تُنْبِتُ كَلأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ الكلِ وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللهُ بهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ" (٢). قال الشيخ عبد الله بن جبرين: "ومن شروط - لا إله إلا الله - القبول المنافي للرد، فإن هناك من يعلم معنى الشهادتين ويوقن بمدلولها ولكنه يردهما كبرًا وحسدًا، وهذه حالة علماء اليهود والنصارى، فقد شهدوا بإلهية الله وحده، وعرفوا محمدًا ﷺ كما يعرفون أبناءهم ومع ذلك لم يقبلوه ﴿حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة:١٠٩]. وهكذا كان المشركون يعرفون معنى لا إله إلا الله وصدق محمد ﷺ ، ولكنهم يستكبرون عن قبوله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ

стр. 30

يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات: ٣٥] وقال تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [لأنعام:٣٣] " (١). وفي تفسير آية الصافات يقول : ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا﴾ أي: في الدار الدنيا ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ بطريق الدعوة والتلقين ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ عن القبول يستكبرون أن يقولوها كما يقولها المؤمنون يستكبرون عن كلمة التوحيد ويمتنعون منها (٢) فهم لا يقبلونها كما قبلها المؤمنون الموحدون، ولم ينقادوا لما دلت عليه من أداء حقوقها، ويدخل في ذلك حالة عُبّاد القبور كما هو مشاهد اليوم، فإنهم يقولون (لا إله إلا الله) ومع ذلك لا يتركون عبادة القبور والذبح لها، فهم وإن تلفظوا بالشهادة إلا أنهم غير قابلين لها وغير ملتزمين بما دعت له. * الفرق بين الانقياد والقبول: قال الشيخ عبد الله بن جبرين في الفرق بينهما: "أن الانقياد هو الاتباع بالأفعال، والقبول إظهار صحة معنى ذلك بالقول، ويلزم منهما جميعا الاتباع، ولكن الانقياد هو الاستسلام والإذعان، وعدم التعقب لشيء من أحكام الله". ثم ذكر - حفظه الله - الأدلة على الانقياد من القرآن فقال: "فهذا هو الانقياد لله تعالى بعبادته وحده، فأما الانقياد للنبي ﷺ بقبول سنته، واتباع ما جاء به والرضى بحكمه، فقد ذكره الله تعالى بقوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٥٦] فاشترط في صحة إيمانهم أن يسلموا تسليمًا لحكمه، أي ينقادوا ويذعنوا لما جاء به من ربه. وقد يكون القبول بالقلب والانقياد بالقلب والجوارح فلا انقياد إلا بالقبول. وقد

стр. 31

يكون القبول بالقلب والانقياد بالقلب والجوارح فلا انقياد إلا بالقبول" (١). سابعًا: الإخلاص المنافي للشرك: وهو تصفية العمل من جميع شوائب الشرك بأن لا يقصد بقولها طمعًا من مطامع الدنيا ولا رياء ولا سمعة؛ لما جاء في الحديث الصحيح من حديث عتبان قال: "فإن الله قد حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله" (٢). وسوف يأتي لهذا مزيد بحث في (الإخلاص). ٨ - نواقض الشهادتين: نواقض لا إله إلا الله كثيرة جدًّا، وقد عقد لها الفقهاء في كتب الفقه بابًا خاصًا سمَّوه باب الردة، وسيأتي الكلام عنها مفصلًا في بابَي (الردة) و (نواقض الإسلام). ٩ - متى ينفع الإنسان قول لا إله إلا الله ؟: قال الشيخ سليمان بن عبد الله ﵀ في شرح حديث: "إن الله قد حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله" قال ﵀: "اعلم أنه قد وردت أحاديث ظاهرها أنه من أتى بالشهادتين حرم على النار كهذا الحديث، وحديث أنس قال: كان النبي ﷺ ومعاذ رديفه على الرحل فقال: "يا معاذ": قال لبيك يا رسول الله وسعديك. قال: "ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله إلا حرمه الله على النار" (٣) ... ووردت أحاديث فيها أن من أتى بالشهادتين دخل الجنة وليس فيها أنه يحرم على النار، منها حديث عبادة الذي تقدم قريبًا، وحديث أبي هريرة أنهم كانوا مع النبي ﷺ في غزوة تبوك - الحديث وفيه - فقال رسول الله ﷺ : "أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى الله بها عبد غير

стр. 32

شاك فيُحجب عن الجنة" (١). قال: وأحسن ما قيل في معناه ما قاله شيخ الإسلام ابنُ تَيمِيَّةَ وغيره: "أن هذه الأحاديث إنما هي فيمن قالها ومات عليها. كما جاءت مقيدة وقالها خالصًا من قلبه مستيقنًا بها قلبه غير شاك فيها بصدق ويقين". فإن حقيقة التوحيد انجذاب الروح إلى الله جملة. فمَنْ شهِدَ أن لا إله إلَّا الله خالصًا من قلبِه دخَل الجنَّةَ، لأنَّ الإخلاصَ هو انجذاب القلب إلى الله تعالى بأن يتوب من الذنوب توبة نصوحا، فإذا مات على تلك الحال نال ذلك، فإنه قد تواترت الأحاديث بأنه يخرج النار من قال: "لا إله إلا الله"، وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، وما يزن خردلة وما يزن ذرة، وتواترت بأن كثيرًا ممن يقول لا إله إلا الله يدخل النار ثم يخرج منها، وتواترت بأن الله حرم على النار أن تأكل أثر السجود من ابن آدم فهؤلاء كانوا يصلون ويسجدون لله، وتواترت بأنه يحرم على النار من قال: لا إله إلا الله، ومن شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، لكن جاءت مقيدة بالقيود الثقال، وأكثر من يقولها لا يعرف الإخلاص ولا اليقين، ومن لا يعرف ذلك يُخشى عليه أن يُفتن عنها عِنْدَ الموت فيُحال بينه وبينها، وأكثر من يقولها يقولها تقليدًا وعادة ولم يخالط الإيمان بشاشة قلبه، وغالب من يُفتن عِنْدَ الموت وفي القبور أمثال هؤلاء كما في الحديث: "سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته"، وغالب أعمال هؤلاء إنما هو تقليد واقتداء بأمثالهم، وهم أقرب الناس من قوله تعالى ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣]، وحينئذٍ فلا منافاة بين الأحاديث، فإنه إذا قالها بإخلاص ويقين تام لم يكن في هذه الحالة مصرًا على ذنب أصلًا، فإن كمال إخلاصه ويقينه يوجب أن يكون الله أحب إليه من كل شيء، فإذًا لا يبقى في

стр. 33

قلبه إرادةٌ لما حرم الله ولا كراهيةٌ لما أمر الله، وهذا هو الذي يحرم على النار وإن كانت له ذنوب قبل ذلك، فإن هذا الإيمان وهذه التوبة وهذا الإخلاص وهذه المحبة وهذا اليقين لا تترك له ذنبًا إلا يُمحى كما يُمحى الليلُ بالنهار" (١). ١٠ - فضل لا إله إلا الله: انظر باب (فضل التوحيد وأهميته). ١١ - آثار لا إله إلا الله (٢): وهي أكثر من أن تحصر لكن أذكر منها: ١ - النجاة في الدنيا والآخرة وتوفر الأمن والطمأنينة. ٢ - اجتماع الكلمة كما قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣]. ٣ - الاستخلاف في الأرض والتمكين ودليله قوله تعالى ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥]. ٤ - عصمة الدم والمال والعرض لقوله ﷺ : "أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقها، وحسابه على الله" (٣).

стр. 34

٢ - أبا جاد * تعريفه: "أبا جاد" هي الحروف العربية: أبجد، هوز، حطي، كلمن، سعفص، قرشت، ثخذ، ضظغ؛ وهذه إذا استخدمت مربوطة بسير النجوم وتُعُلِّمت لادِّعاء علم الغيب فإنها تحرم. قال ابن عَبَّاسٍ في قوم يكتبون أبا جاد وينظرون في النجوم: "ما أرى من فعل ذلك له عِنْدَ الله من خلاق" (١). فقوله: "يكتبون أباجاد" أي يقطعون حروف (أبجد هوز ... الخ) ويتعلمونها لادعاء علم الغيب. وقوله: "ينظرون في النجوم": أي ويعتقدون أن لها تأثيرًا في الحوادث الكونية من دون الله. قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "فيربطون ما يكتبون بسير النجوم وحركتها" (٢). وأثر ابن عَبَّاسٍ منصرفٌ لمن يبتغي بِتعلم "أباجاد" معرفة الغيبِ والنظر في النجوم على اعتقاد أن لها تأثيرًا فيما يحدث في الأرض، فهذا يدخل في العرافة، ومن فعله فقد أضاع نصيبه من الله. قال ابن عثيمين ﵀: "وتعلم "أباجاد" ينقسم إلى قسمين:

стр. 35

الأول: تعلم مباح بأن نتعلمها لحسابِ الجمل (١)، وما أشبه ذلك، فهذا لا بأس به وما زال أناس يستعملونها، حتى العلماء يؤرخون بها، قال شيخنا عبد الرحمن بن سعدي ﵀ في تاريخ بناء المسجد الجامع القديم: جُد بالرِّضَا واعطِ المُنى ... من سَاعدوا في ذا البنا تاريخه حين انتهى ... قول المنيب اغفر لنا والشهر في شوال يا ... رب تقبل سعينا فقوله: "اغفر لنا" لو عددناها حسب الجمل صارت ١٣٦٢ هـ. وقد اعتنى بها العلماء في العصور الوسطى، حتى في القصائد الفقهية والنحوية وغيرها. ويؤرخون بها مواليد العلماء ووفياتهم، ولم يرد ابن عَبَّاس هذا القسم. الثاني: محرم، وهو كتابة "أبا جاد" كتابة مربوطة بسير النجوم وحركتها وطلوعها وغروبها وينظرون في النجوم، ليستدلوا بالموافقة أو المخالفة على ما سيحدث في الأرض، إما على سبيل العموم كالجدب والمرض والحرب، وما أشبه

стр. 36

ذلك، أو على سبيل الخصوص، كأن يقول لشخص: سيحدث مرض أو فقر أو سعادة أو نحس في هذا، وما أشبه ذلك، فهم يربطون هذه بهذه، ليس هناك علاقة بين حركات النجوم واختلاف الوقائع في الأرض" (١). وصورة "أباجاد" المحرمة: أن يخبر المنجم عن طريق الجمل بالمغيبات، فيتوصل بعدد حروف بعض الألفاظ ويربطها بنتائج يدعي على أساسها خبر في المستقبل. ويقول الشيخ صالح آل الشيخ: "وفي الواقع هو لا يتحصل على العلم الغيبي عن طريق خط، أو عن طريق فنجان، أو عن طريق النظر في البروج؛ وإنما يأتيه العلم عن طريق الجن، وهو يُظهِر هذه الأشياء حتى يحصل على المقصود كي يصدق الناس أنه لا يستخدم الجن، وأنه ولي من الأولياء" (٢). حكم تعلم أبا جاد تقدم قول ابن عباس ﵄: "ما أرى من فعل ذلك له عند اللهُ من خلاق". وقال الشيخ ابن باز ﵀: " (ما له من خلاق) أي من حظ ونصيب؛ لأن فيه ادِّعاء لعلم الغيب وهو كفر" (٣). ومثله في ادعاء علم الغيب ما بالجفر. وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "ظاهر كلام ابن عَبَّاس أنه يرى كفرهم؛ لأن الذي ليس له نصيب عِنْدَ الله هو الكافر إذ لا ينفى النصيب مطلقًا عن أحد من المؤمنين وإن كان له ذنوب عذب بقدر ذنوبه أو تجاوز الله عنها، ثم صار آخر أمره إلى نصيبه الذي يجده عِنْدَ الله" (٤).

стр. 37

٣ - اتخاذ القبور عيدًا * العيد لغة: قال الليث: "العيد: كلُّ يومِ مَجمع؛ وسُميَ عيدا لأنهم قد اعتادوه ... واشتقاقه من عاد يعود كأنهم عادوا إليه" (١). والعيد شرعًا: قال شيخ الإسلام: "العيد اسم لما يعود من الاجتماع العام على وجه معتاد، عائدًا إما بعود السنة أو بعود الأسبوع أو الشهر ونحو ذلك، والمراد به هنا الاجتماع المعتاد من اجتماع الجاهلية، فالعيد يجمع أمورًا منها يوم عائد كيوم الفطر ويوم الجمعة، ومنها اجتماع فيه، ومنها أعمال تتبع ذلك من العبادات والعادات. وقد يختص العيد بمكان بعينه، وقد يكون مطلقًا. وكل من هذه الأمور قد يسمى عيدًا، فالزمان كقول النبي ﷺ في يوم الجمعة: "إن هذا يوم جعله الله للمسلمين عيدًا"، والاجتماع والأعمال كقول ابن عَبَّاسٍ: "شهدت العيد مع رسول الله ﷺ "، والمكان كقوله: "لا تتخذوا قبري عيدًا". وقد يكون لفظ العيد اسمًا لمجموع اليوم والعمل فيه، وهو الغالب كقول النبي

стр. 38

- ﷺ لأبي بكر: "دعهما يا أبا بكر، فإن لكل قوم عيدًا"" (١). وقال ابن القيم ﵀: "والعيد ما يعتاد مجيئه وقصده: من مكان وزمان. فأما الزمان، فكقوله ﷺ : "يوم عرفة ويوم النحر وأيام منى: عيدنا أهل الإسلام" (٢). وأما المكان، فكما روى أبو داود في سننه أن رجلًا قال: يا رسول الله، إني نذرت أن أنحر إبلًا ببوانة، فقال: "أبها وثن من أوثان المشركين، أو عيد من أعيادهم؟ " قالا: لا. قال: "فأوف بنذرك" (٣). وكقوله: "لا تجعلوا قبري عيدًا" (٤). والعيد: مأخوذ من المعاودة، والاعتياد، فإذا كان اسما للمكان فهو المكان الذي يقصد الاجتماع فيه وانتيابه للعبادة، أو لغيرها، كما أن المسجد الحرام، ومنى، ومزدلفة، وعرفة، والمشاعر، جعلها الله تعالى عيدًا للحنفاء ومثابة، كما جعل أيام التعبد فيها عيدًا. وكان للمشركين أعيادٌ زمانية ومكانية، فلما جاء الله بالإسلام أبطلها، وعوض الحنفاء منها عيد الفطر، وعيد النحر، وأيام منى، كما عوضهم عن أعياد المشركين المكانية بالكعبة البيت الحرام، وعرفة، ومنى والمشاعر. فاتخاذ القبور عيدًا هو من أعياد المشركين التي كانوا عليها قبل الإسلام، وقد نهى عنه رسول الله ﷺ في سيد القبور، منبها به على غيره" (٥). * الدليل من السنة: عن علي بن الحسين: أنه رأى رجلًا يجيء إلى فُرْجَةً كانت عِنْدَ قبر النبي ﷺ فيدخل فيها فيدعو فنهاه وقال: ألا أحدثكم عن جدي عن رسول الله ﷺ قال: "لا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا وَلا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا فإن

стр. 39

تسليمكم يبْلُغُنِي أينما كنتم" (١). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا، ولا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا، وصَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّ صَلاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حيث كنتم" (٢). قال شيخ الإسلام ابنُ تَيمِيَّةَ: "ووجه الدلالة أن قبر النبي ﷺ أفضل قبر على وجه الأرض وقد نهى عن اتخاذه عيدًا، فقبر غيره أولى بالنهي كائنًا من كان، ثم إنه قرن ذلك بقوله: "ولا تتخذوا بيوتكم قبورًا" أي لا تعطلوها عن الصلاة فيها والدعاء والقراءة، فتكون بمنزلة القبور (٣)، فأمر بتحري العبادة في البيوت، ونهى عن تحريها عِنْدَ القبور. عكس ما يفعله المشركون من النصارى وأشباههم ... قال: وهذا أفضل التابعين من أهل بيته علي بن الحسين ﵃، نهى ذلك الرجل أن يتحرَّى الدعاءَ عِنْدَ قبره ﷺ ، واستدل بالحديث وهو الذي رواه وسمعه من أبيه الحسين عن جده علي ﵁. وهو أعلم بمعناه من هؤلاء الضُّلَّال. وكذلك ابن عمه الحسن بن الحسن شيخ أهل بيته كره أن يقصد الرجل القبر إذا لم يكن يريد المسجد، ورأى أن ذلك من اتخاذه عيدًا ... فانظر هذه السنة كيف أن مخرجها من أهل المدينة وأهل البيت الذين لهم من رسول الله ﷺ قرب النسب وقرب الدار؛ لأنهم إلى ذلك أحوج من غيرهم فكانوا له أضبط" (٤).

стр. 40

* مفاسد اتخاذ القبور عيدًا: قال شيخُ الإسلام ابنُ تيمية: "وبالجملة فهذا الذي يُفعل عِنْدَ هذه القبور بعينه الذي نهى عنه رسول الله ﷺ بقوله: "لا تتخذوا قبري عيدًا". فإن اعتياد قصد المكان المعين في وقت معين عائد بعود السنة أو الشهر أو الأسبوع هو بعينه معنى العيد، فينهى عن دِقِّ ذلك وجُلِّه؛ لأنه إذا سُوِّغَ فعلُ القليل من ذلك أدَّى إلى فعل الكثير، ثم إذا اشتهر دخل فيه عوام الناس وتناسوا أصله فيعتقدون ذلك المبتَدَع سنةً أو واجبًا، كما هو مشاهد، قال: ويدخل في هذا ما يفعل بمصر عِنْدَ قبر "نفيسة" (١) وغيرها وقبر الدينوري أيضًا، أو ما يفعل بالعراق عِنْدَ القبر الذي يقال إنه عِنْدَ قبر علي وقبر الحسين، وحذيفة بن اليمان، وسلمان الفارسي، وقبر موسى بن جعفر، ومحمد بن علي الجواد ببغداد، وعِنْدَ قبر أحمد بن حنبل، ومعروف الكرخي، وما يُفعل عِنْدَ قبر أبى بريدة البسطامي، إلى قبور كثيرة في أكثر بلاد الإسلام لا يمكن حصرها، كما أنهم بنوا على كثير منها مساجد وبعضها مغصوب، كما بني على قبر أبي حنيفة والشافعي وغيرهما" (٢). قال ابن القيم ﵀: "ثم إن في اتخاذ القبور أعيادًا من المفاسد العظيمة التى لا يعلمها إلا الله تعالى ما يغضبُ لأجله كلُّ مَنْ في قلبه وقارٌ لله تعالى، وغَيْرَة على التوحيد، وتهجين وتقبيح للشرك ولكن: ما لجرح بميتٍ إيلامُ. فمن مفاسد اتخاذها أعيادًا: الصلاة إليها، والطواف بها، وتقبيلها واستلامها، وتعفير الخدود على ترابها، وعبادة أصحابها، والاستغاثة بهم، وسؤالهم النصر
следующие страницы →