← Акыда

Акыда · id 603

معجم التوحيد

إبراهيم بن سعد أبا حسين

Полный текст (1 832 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ذلك، أو على سبيل الخصوص، كأن يقول لشخص: سيحدث مرض أو فقر أو سعادة أو نحس في هذا، وما أشبه ذلك، فهم يربطون هذه بهذه، ليس هناك علاقة بين حركات النجوم واختلاف الوقائع في الأرض" (١). وصورة "أباجاد" المحرمة: أن يخبر المنجم عن طريق الجمل بالمغيبات، فيتوصل بعدد حروف بعض الألفاظ ويربطها بنتائج يدعي على أساسها خبر في المستقبل. ويقول الشيخ صالح آل الشيخ: "وفي الواقع هو لا يتحصل على العلم الغيبي عن طريق خط، أو عن طريق فنجان، أو عن طريق النظر في البروج؛ وإنما يأتيه العلم عن طريق الجن، وهو يُظهِر هذه الأشياء حتى يحصل على المقصود كي يصدق الناس أنه لا يستخدم الجن، وأنه ولي من الأولياء" (٢). حكم تعلم أبا جاد تقدم قول ابن عباس ﵄: "ما أرى من فعل ذلك له عند اللهُ من خلاق". وقال الشيخ ابن باز ﵀: " (ما له من خلاق) أي من حظ ونصيب؛ لأن فيه ادِّعاء لعلم الغيب وهو كفر" (٣). ومثله في ادعاء علم الغيب ما بالجفر. وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "ظاهر كلام ابن عَبَّاس أنه يرى كفرهم؛ لأن الذي ليس له نصيب عِنْدَ الله هو الكافر إذ لا ينفى النصيب مطلقًا عن أحد من المؤمنين وإن كان له ذنوب عذب بقدر ذنوبه أو تجاوز الله عنها، ثم صار آخر أمره إلى نصيبه الذي يجده عِنْدَ الله" (٤).

стр. 37

٣ - اتخاذ القبور عيدًا * العيد لغة: قال الليث: "العيد: كلُّ يومِ مَجمع؛ وسُميَ عيدا لأنهم قد اعتادوه ... واشتقاقه من عاد يعود كأنهم عادوا إليه" (١). والعيد شرعًا: قال شيخ الإسلام: "العيد اسم لما يعود من الاجتماع العام على وجه معتاد، عائدًا إما بعود السنة أو بعود الأسبوع أو الشهر ونحو ذلك، والمراد به هنا الاجتماع المعتاد من اجتماع الجاهلية، فالعيد يجمع أمورًا منها يوم عائد كيوم الفطر ويوم الجمعة، ومنها اجتماع فيه، ومنها أعمال تتبع ذلك من العبادات والعادات. وقد يختص العيد بمكان بعينه، وقد يكون مطلقًا. وكل من هذه الأمور قد يسمى عيدًا، فالزمان كقول النبي ﷺ في يوم الجمعة: "إن هذا يوم جعله الله للمسلمين عيدًا"، والاجتماع والأعمال كقول ابن عَبَّاسٍ: "شهدت العيد مع رسول الله ﷺ "، والمكان كقوله: "لا تتخذوا قبري عيدًا". وقد يكون لفظ العيد اسمًا لمجموع اليوم والعمل فيه، وهو الغالب كقول النبي

стр. 38

- ﷺ لأبي بكر: "دعهما يا أبا بكر، فإن لكل قوم عيدًا"" (١). وقال ابن القيم ﵀: "والعيد ما يعتاد مجيئه وقصده: من مكان وزمان. فأما الزمان، فكقوله ﷺ : "يوم عرفة ويوم النحر وأيام منى: عيدنا أهل الإسلام" (٢). وأما المكان، فكما روى أبو داود في سننه أن رجلًا قال: يا رسول الله، إني نذرت أن أنحر إبلًا ببوانة، فقال: "أبها وثن من أوثان المشركين، أو عيد من أعيادهم؟ " قالا: لا. قال: "فأوف بنذرك" (٣). وكقوله: "لا تجعلوا قبري عيدًا" (٤). والعيد: مأخوذ من المعاودة، والاعتياد، فإذا كان اسما للمكان فهو المكان الذي يقصد الاجتماع فيه وانتيابه للعبادة، أو لغيرها، كما أن المسجد الحرام، ومنى، ومزدلفة، وعرفة، والمشاعر، جعلها الله تعالى عيدًا للحنفاء ومثابة، كما جعل أيام التعبد فيها عيدًا. وكان للمشركين أعيادٌ زمانية ومكانية، فلما جاء الله بالإسلام أبطلها، وعوض الحنفاء منها عيد الفطر، وعيد النحر، وأيام منى، كما عوضهم عن أعياد المشركين المكانية بالكعبة البيت الحرام، وعرفة، ومنى والمشاعر. فاتخاذ القبور عيدًا هو من أعياد المشركين التي كانوا عليها قبل الإسلام، وقد نهى عنه رسول الله ﷺ في سيد القبور، منبها به على غيره" (٥). * الدليل من السنة: عن علي بن الحسين: أنه رأى رجلًا يجيء إلى فُرْجَةً كانت عِنْدَ قبر النبي ﷺ فيدخل فيها فيدعو فنهاه وقال: ألا أحدثكم عن جدي عن رسول الله ﷺ قال: "لا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا وَلا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا فإن

стр. 39

تسليمكم يبْلُغُنِي أينما كنتم" (١). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا، ولا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا، وصَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّ صَلاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حيث كنتم" (٢). قال شيخ الإسلام ابنُ تَيمِيَّةَ: "ووجه الدلالة أن قبر النبي ﷺ أفضل قبر على وجه الأرض وقد نهى عن اتخاذه عيدًا، فقبر غيره أولى بالنهي كائنًا من كان، ثم إنه قرن ذلك بقوله: "ولا تتخذوا بيوتكم قبورًا" أي لا تعطلوها عن الصلاة فيها والدعاء والقراءة، فتكون بمنزلة القبور (٣)، فأمر بتحري العبادة في البيوت، ونهى عن تحريها عِنْدَ القبور. عكس ما يفعله المشركون من النصارى وأشباههم ... قال: وهذا أفضل التابعين من أهل بيته علي بن الحسين ﵃، نهى ذلك الرجل أن يتحرَّى الدعاءَ عِنْدَ قبره ﷺ ، واستدل بالحديث وهو الذي رواه وسمعه من أبيه الحسين عن جده علي ﵁. وهو أعلم بمعناه من هؤلاء الضُّلَّال. وكذلك ابن عمه الحسن بن الحسن شيخ أهل بيته كره أن يقصد الرجل القبر إذا لم يكن يريد المسجد، ورأى أن ذلك من اتخاذه عيدًا ... فانظر هذه السنة كيف أن مخرجها من أهل المدينة وأهل البيت الذين لهم من رسول الله ﷺ قرب النسب وقرب الدار؛ لأنهم إلى ذلك أحوج من غيرهم فكانوا له أضبط" (٤).

стр. 40

* مفاسد اتخاذ القبور عيدًا: قال شيخُ الإسلام ابنُ تيمية: "وبالجملة فهذا الذي يُفعل عِنْدَ هذه القبور بعينه الذي نهى عنه رسول الله ﷺ بقوله: "لا تتخذوا قبري عيدًا". فإن اعتياد قصد المكان المعين في وقت معين عائد بعود السنة أو الشهر أو الأسبوع هو بعينه معنى العيد، فينهى عن دِقِّ ذلك وجُلِّه؛ لأنه إذا سُوِّغَ فعلُ القليل من ذلك أدَّى إلى فعل الكثير، ثم إذا اشتهر دخل فيه عوام الناس وتناسوا أصله فيعتقدون ذلك المبتَدَع سنةً أو واجبًا، كما هو مشاهد، قال: ويدخل في هذا ما يفعل بمصر عِنْدَ قبر "نفيسة" (١) وغيرها وقبر الدينوري أيضًا، أو ما يفعل بالعراق عِنْدَ القبر الذي يقال إنه عِنْدَ قبر علي وقبر الحسين، وحذيفة بن اليمان، وسلمان الفارسي، وقبر موسى بن جعفر، ومحمد بن علي الجواد ببغداد، وعِنْدَ قبر أحمد بن حنبل، ومعروف الكرخي، وما يُفعل عِنْدَ قبر أبى بريدة البسطامي، إلى قبور كثيرة في أكثر بلاد الإسلام لا يمكن حصرها، كما أنهم بنوا على كثير منها مساجد وبعضها مغصوب، كما بني على قبر أبي حنيفة والشافعي وغيرهما" (٢). قال ابن القيم ﵀: "ثم إن في اتخاذ القبور أعيادًا من المفاسد العظيمة التى لا يعلمها إلا الله تعالى ما يغضبُ لأجله كلُّ مَنْ في قلبه وقارٌ لله تعالى، وغَيْرَة على التوحيد، وتهجين وتقبيح للشرك ولكن: ما لجرح بميتٍ إيلامُ. فمن مفاسد اتخاذها أعيادًا: الصلاة إليها، والطواف بها، وتقبيلها واستلامها، وتعفير الخدود على ترابها، وعبادة أصحابها، والاستغاثة بهم، وسؤالهم النصر

стр. 41

والرزق والعافية، وقضاء الديون، وتفريج الكربات، وإغاثة اللهفات، وغير ذلك من أنواع الطلبات، التي كان عباد الأوثان يسألونها أوثانهم" (١). * حكم زيارة قبر النبي ﷺ كلما دخل المسجد أو خرج منه: تقدم النهي عن ذلك في قول رسول الله ﷺ : "لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم" (٢). قال شيخ الإسلام ابنُ تَيمِيَّةَ: "وكره مالك وغيره من أهل العلم (٣) لأهل المدينة، كلما دخل أحدهم المسجد أن يجيء فيسلم على قبر النبي ﷺ وصاحبيه، قال: وإنما يكون ذلك لأحدهم إذا قدم من سفر، أو أراد سفرًا ونحو ذلك، ورخص بعضهم في السلام عليه إذا دخل المسجد للصلاة ونحوها، وأما قصده دائمًا للصلاة والسلام فما علمتُ أحدًا رخَّص به؛ لأن ذلك نوعٌ من اتخاذه عيدًا، مع أنه قد شرع لنا إذا دخلنا للمسجد أن نقول: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته"، كما نقول ذلك في آخر صلاتنا. قال: فخاف مالكٌ وغيره أن يكون فعل ذلك عند القبر كل ساعة نوعًا من اتخاذ القبر عيدًا، وأيضًا فإن ذلك بدعة، فقد كان المهاجرون والأنصار على عهد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ يجيئون إلى المسجد كل يوم لعلمهم ﵁ بما كان النبي ﷺ يكرهه من ذلك وما نهاهم عنه، وأنهم يسلمون عليه حين دخول المسجد والخروج منه، وفي التشهد كما كانوا يسلمون عليه كذلك في حياته، وما أحسن ما قال مالك: لن يصلح آخر هذه الأمة

стр. 42

إلا ما أصلح أولها. ولكن كلما ضعف تمسك الأمم بعهود أنبيائهم، ونقص إيمانهم عوضوا ذلك بما أحدثوه من البدع والشرك وغيره، ولهذا كرهت الأمة استلام القبر وتقبيله، وبنوه بناء منعوا الناس أن يصلوا إليه" (١). وقال الألباني ﵀: "ومما يدخل في ذلك دخولا أوّليًا ما هو مشاهدٌ اليوم في المدينة المنورة، من قصد الناس دبر كل صلاة مكتوبة قبرَ النبي ﷺ للسلام عليه والدعاء عِنْدَه وبه، يرفعون أصواتهم لديه، حتى ليضجّ المسجد بهم، ولا سيما في موسم الحج، حتى لكأن ذلك من سنن الصلاة! بل إنهم ليحافظون عليه أكثر من محافظتهم على السنن ... ولا أحد منهم ينكر، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وواأسفا على غربة الدين وأهله، وفي مسجد النبي ﷺ الذي ينبغي أن يكون أبعد المساجد - بعد المسجد الحرام - عما يخالف شريعته ﵊" (٢). والبدع التي يتعلق بها العامة عِنْدَ قبر النبي ﷺ كثيرة، منها على سبيل المثال لا الحصر: - إطالة القيام عِنْدَ القبر النبوي للدعاء لنفسه مستقبلًا الحجرة (٣). - استقبال القبر في الصلاة مع استدبار الكعبة (٤). - الاستسقاء بالكشف عن قبر النبي ﷺ أو غيره من الأنبياء والصالحين (٥). ومن البدع المتعلقة بقبر النبي ﷺ (شد الرحل لزيارة قبره) وقد بسطت الكلام عنه في باب (شد الرحال).

стр. 43

٤ - اتخاذ القبور مساجد * [البناء على القبور] قال ابن حجر الهيثمي: "واتخاذ القبر مسجدًا معناه الصلاة عليه أو إليه" (١). وقال الصنعاني: "واتخاذ القبور مساجد أعم من أن يكون بمعنى الصلاة إليها أو بمعنى الصلاة عليها" (٢). وقال الشيخ سليمان بن عبد الله" "قوله: "لعن الله اليهود والنصارى" ... إلى آخره، لعنهم ﷺ على هذا الفعل بعينه، وهو اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد، أي: كنائس وبِيَع يتعبدون ويسجدون فيها لله، وإن لم يسموها مساجد، فإن الاعتبار بالمعنى لا بالاسم. ومثل ذلك القباب والمشاهد المبنية على قبور الأنبياء والصالحين، فإنها هي المساجد الملعون من بناها على قبورهم وإن لم

стр. 44

يسمها من بناها مساجد. وفيه رد على من أجاز البناء على قبور العلماء والصالحين تمييزا لهم عن غيرهم، فإذا كان النبي ﷺ لعن من بنى المساجد على قبور الأنبياء. فكيف بمن بناها على قبور غيرهم؟! " (١). وفي حديث: "ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ... " (٢) الحديث. قال الخلخالي: "وإنكار النبي ﷺ صنيعهم هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أنهم يسجدون لقبور الأنبياء تعظيمًا لهم. الثاني: أنهم يجوزون الصلاة في مدافن الأنبياء والسجود في مقابرهم، والتوجه إليها حالة الصلاة نظرًا منهم بذلك إلى عبادة الله، والمبالغة في تعظيم الأنبياء. والأول: هو الشرك الجلي. والثاني: الخفي، فلذلك استحقوا اللعن" (٣). * الدليل من السنة: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا اشْتكَى النَّبيُّ ﷺ ذَكَرَتْ بَعْضُ نِسَائِهِ كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ يُقَالُ لَهَا مَارَيةُ وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ (٤) وَأُمُّ حَبيبَةَ (٥) ﵂ أَتَتَا أَرْضَ الْحَبَشَةِ فَذَكَرَتَا مِنْ حُسْنِهَا وَتَصَاوِيرَ فِيهَا، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: "أُولَئِكِ إِذا مَاتَ مِنْهُمْ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا ثُمَّ صَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّورَةَ أُولَئِكِ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ الله". وفي الرواية الأخرى: "أُولئِك شِرارُ الخَلْقِ عِنْدَ الله يَوْمَ القِيَامَة" (٦). وعن عائشة وعبد الله بن عَبَّاسٍ ﵃ قالا: لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح

стр. 45

خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه، فقال وهو كذلك: "لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يحذّر ما صنعوا (١). وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي لم يقم منه: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". قالت: فلولا ذاك أبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا (٢). وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن من شرار الناس من تدركه الساعة وهم أحياء، ومن يتخذ القبور مساجد" (٣). عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :"قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد - وفي رواية -: لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (٤). وعنه عن النبي ﷺ : "اللهم لا تجعل قبري وثنًا (٥) لعن الله قوما اتخذوا قبور

стр. 46

أنبيائهم مساجد" (١). ولمسلم عن جندب بن عبد الله قال: سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: "إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل فإن الله تعالى قد اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا، ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك" (٢). أقوال العلماء: قال ابنُ تَيمِيَّةَ: "فقد نهى عنه في آخر حياته ثم إنه لعن وهو في السياق من فعله. والصلاة عِنْدَها من ذلك، وإن لم يبن مسجد، وهو معنى قولها: خشي أن يُتخذ مسجدًا، فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجدًا، وكل موضع قصدت الصلاة فيه فقد اتخذ مسجدًا، بل كل موضع يصلى فيه يسمى مسجدا، كما قال ﷺ : "جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا". ولأحمد بسند جيد عن ابن مسعود ﵁ مرفوعًا: "إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد"" (٣). وقد جاءت الأحاديث في تحريم الصلاة إلى القبور. فعن أبي مرثد الغنوي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تصلوا إلى القبور، ولا تجلسوا عليها" (٤).

стр. 47

وعن ابن عَبَّاسٍ مرفوعًا: "لا تصلوا إلى قبر ولا تصلوا على قبر" (١). وغيرها من الأحاديث. فيدخل في المنع من اتخاذ القبور مساجد الصور الآتية: ١ - الصلاة على القبر أو عِنْدَه (٢). ٢ - الصلاة إلى القبر. ٣ - بناء المسجد على القبر. وتفصيل ذلك على ما يلي: ١ - الصلاة عِنْدَ القبر: وجاء صريح النهي في ذلك: ففي صحيح البخاري: أن عمر بن الخطاب ﵁ رأى أنس بن مالك يصلي عِنْدَ قبر، فقال: "القبرَ، القبرَ ولم يأمره بالإعادة" (٣). وهذا يدل على أنه كان من المستقر عِنْدَ الصحابة ﵃، ما نهاهم عنه نبيهم ﷺ من الصلاة عِنْدَ القبر. وفعل أنس ﵁ لا يدل على اعتقاده جوازه؟ فإنه لم يره، أو لم يعلم أنه قبر، فلما نبهه عمر ﵁ تنبه. ويشهد لهذا ما أخرجه البيهقي في السنن عن أنس قال: "قمت يومًا أصلي وبين يدي قبر لا أشعر به فناداني عمر: "القبر، القبر" فظننت أنه يعني القمر فقال لي بعض من يليني إنما يعني القبر فتنحيت عنه" (٤). وقال أبو سعيد الخدري ﵁: قال رسول الله ﷺ : "الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام" (٥).

стр. 48

أما الصلاة على القبر فإنها أعظم شرًا من الصلاة عِنْدَه. وفيه حديث ابن عَبَّاسٍ الآنف الذكر وفيه: "ولا تصلوا على قبر" (١). وسيأتي مزيد تفصيل عن حكم العبادة عند القبر في باب "العبادة". ٢ - الصلاة إلى القبر: لحديث أبي مرثد الغنوي: "لا تصلوا إلى القبور" (٢). قال المناوي: "أي مستقبلين إليها، لما فيه من التعظيم البالغ، لأنه من مرتبة المعبود، فجمع بين النهي عن الاستخفاف بالتعظيم والتعظيم البليغ" (٣). وهذا النهي محمول على تحريم الصلاة إلى القبر لظاهر النهي، وقد أبعد من قال إن المراد كراهة التنزيه قال النووي: كذا قال أصحابنا. ولو بتحريمه لظاهر الحديث لم يبعد. قال الألباني ﵀ في أحكام الجنائز: "ويؤخذ من الحديث النهي عن الصلاة في المقبرة. فهو مكروه كراهة تحريم. وينبغي أن يعلم أن التحريم المذكور إنما هو لمن لم يقصد بالاستقبال تعظيم القبور وإلا فهو شرك. قال الشيخ علي القاري في شرحه لهذا الحديث: ولو كان هذا التعظيم حقيقة للقبر ولصاحبه لكفر المعظم، فالتشبه به مكروه وينبغي أن يكون كراهة تحريم" (٤). وقال القاضي البيضاوي: "لما كانت اليهود يسجدون لقبور الأنبياء تعظيما لشأنهم ويجعلونها قبلة ويتوجهون في الصلاة نحوها فاتخذوها أوثانا لعنهم الله

стр. 49

ومنع المسلمين عن مثل ذلك ونهاهم عنه" (١). أما من جعل القبر بينه وبين القبلة حال صلاته فإنه يمنع من ذلك؛ لأنه يفضي للغلو والتعظيم. ٣ - بناء المسجد على القبر: قال ابنُ تَيمِيَّةَ: "اتفق الأئمة أنه لا يبنى مسجد على قبر لأن النبي ﷺ قال: "إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد؛ فإني أنهاكم عن ذلك" وأنه لا يجوز دفن ميت في مسجد فإن كان المسجد قبل الدفن غيّر، إما بتسوية القبر وإما بنبشه إن كان جديدا وإن كان المسجد بني بعد القبر، فإما أن يزال المسجد وإما تزال صورة القبر، فالمسجد الذي على القبر لا يصلى فيه فرض ولا نفل، فإنه منهي عنه" (٢). قال الهيتمي: "الكبيرة الثالثة والتسعون: اتخاذ القبور مساجد - ثم ساق بعض الأحاديث المتقدمة وغيرها - فقال: ... وعدُّ هذه من الكبائر وقَعَ في كلام بعض الشافعية، وكأنه أخذ ذلك مما ذكره من هذه الأحاديث، ووجهه واضح، لأنه لعن من فعل ذلك بقبور أنبيائه، وجعل من فعل ذلك بقبور صلحائه شر الخلق عِنْدَ الله يوم القيامة، ففيه تحذير لنا كما في رواية: يحذر ما صنعوا. أي يحذر أمته بقوله لهم ذلك من أن يصنعوا كصنع أولئك، فيلعنوا كما لعنوا. قال بعض الحنابلة: قصد الرجل الصلاة عِنْدَ القبر متبركا بها عين المحادة لله ورسوله، وابتداع دين لم يأذن به الله للنهي عنها. وقال: فإن أعظم المحرمات وأسباب الشرك الصلاة عِنْدَها. واتخاذها مساجد. أو بناؤها عليها، والقول بالكراهة محمول على غير ذلك، إذ لا

стр. 50

يظن بالعلماء تجويز فعل تواتر عن النبي ﷺ لعن فاعله" (١). * أحكام وفوائد: ١. حكم الصلاة في المسجد الذي فيه قبر أو الصلاة بين القبور (٢): قال ابنُ تَيمِيَّةَ: "تُكره الصلاة في المقابر من غير خلاف أعلمه، وتحرم في مذهب الإمام أحمد ولا تصح في ظاهر المذهب، وعليه جمهور الحنابلة وبه يفتى لما روى أبو سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام" (٣) " (٤). وقال الألباني ﵀: "وقد دل الحديث وما ذكر معه على كراهة الصلاة في المقبرة. وهي للتحريم لظاهر النهي في بعضها، وذهب بعض العلماء إلى بطلان الصلاة فيها لأن النهي يدل على فساد المنهي عنه. وهو قول ابن حزم، واختاره شيخ الإسلام ابنُ تَيمِيَّةَ، والشوكاني في نيل الأوطار (٥). وروى ابنُ حَزْمٍ (٦) عن الإمام أحمد أنه قال: من صلى في مقبرة أو إلى قبر أعاد أبدًا ... قال الألباني بعد ذلك: ... ثم إن كراهة الصلاة في المقبرة تشمل كل مكان منها سواء كان القبر أمام المصلي أو خلفه أو عن يمينه، أو عن يساره. لأن النهي مطلق. ومن المقرر في علم الأصول أن المطلق يجري على إطلاقه حتى يأتي ما يقيده، ولم يرد هنا شيء من ذلك، وقد صرح بما ذكرنا بعض فقهاء

стр. 51

الحنفية وغيرهم كما يأتي، فقال شيخ الإسلام ابنُ تَيمِيَّةَ (١): ولا تصح الصلاة في المقبرة ولا إليها، والنهي عن ذلك إنما هو سد لذريعة الشرك وذكر طائفة من أصحابنا أن القبر والقبرين لا يمنع من الصلاة، لأنه لا يتناول اسم المقبرة، وإنما المقبرة ثلاثة قبور فصاعدا. وليس في كلام أحمد وعامة أصحابه هذا الفرق، بل عموم كلامهم وتعليلهم واستدلالهم يوجب منع الصلاة عِنْدَ قبر واحد من القبور، وهو الصواب. والمقبرة كل ما قبر فيه، لا أنه جمع قبر. وقال أصحابنا: وكل ما دخل في اسم المقبرة مما حول القبور لا يصلى فيه، فهذا يعين أن المنع يكون متناولا لحرمة القبر المنفرد وفنائه المضاف إليه. وذكر الآمدي وغيره أنه لا تجوز الصلاة فيه أي المسجد الذي قبلته إلى القبر حتى يكون بين الحائط وبين المقبرة حائل آخر. وذكر بعضهم: هذا منصوص أحمد" (٢). وسوف يأتي زيادة إيضاح عن حكم الصلاة في المساجد المبنية على القبور في باب (المَشاهِد) تحت عنوان حكم الصلاة في المشاهد. * مسألة: استثني من ذلك الصلاة على الجنازة لفعل النبي ﷺ على المرأة السوداء. ومذهب بعض الفقهاء أنه يمتد إلى شهر، لفعل النبي ﷺ حيث صلى على قبر أم سعد بعد ما قدم من سفر وقد مضى شهر (٣). قال نافع مولى ابن عمر: "صلينا على عائشة وأم سلمة وسط البقيع والإمام يومئذ أبو هريرة وحضر ذلك ابن عمر" (٤).

стр. 52

قال ابن المنذر: "وصلى الحسن البصري في المقابر" (١). والمقصود أنه صلى على جنازة، فإنه قد روي عنه أنه أمر بهدم المساجد المبنية في المقابر. ٢. الحكمة في النهي عن الصلاة في المقبرة أو بين القبور: قال شيخ الإسلام ابنُ تَيمِيَّةَ: "والنهي عن ذلك إنما هو سَدٌّ لذريعة الشرك" (٢). ونقل عنه ابن القيم في إغاثة اللهفان فقال ﵀: "قال شيخنا: وهذه العلة هي التي لأجلها نهى الشارع عن اتخاذ المساجد على القبور، وهي التى أوقعت كثيرا من الأمم إما في الشرك الأكبر، أو فيما دونه من الشرك، فإن النفوس قد أشركت بتماثيل القوم الصالحين، وتماثيل يزعمون أنها طلاسم لكواكب ونحو ذلك، فإن الشرك بقبر الرجل الذي يُعتقد صلاحه أقرب إلى النفوس من الشرك بخشبة أو حجر؛ ولهذا تجد أهل الشرك كثيرًا يتضرعون عِنْدَها ويخشعون ويخضعون، ويعبدونهم بقلوبهم عبادة لا يفعلونها في بيوت الله ولا وقت السحر، ومنهم من يسجد لها، وأكثرهم يرجون من بركة الصلاة عِنْدَها والدعاء ما لا يرجونه في المساجد، فلأجل هذه المفسدة حسم النبي ﷺ مادتها حتى نهى عن الصلاة في المقبرة مطلقا وإن لم يقصد المصلي بركة البقعة بصلاته، كما يقصد بصلاته بركة المساجد. كما نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس وغروبها لأنها أوقات يقصد المشركون الصلاة فيها للشمس، فنهى أمته عن الصلاة حينئذ وإن لم يقصد المصلي ما قصده المشركون سدًّا للذريعة. قال: "وأما إذا قصد الرجل الصلاة عِنْدَ القبور متبركًا بالصلاة في تلك البقعة، فهذا عين المحادة لله ورسوله، والمخالفة لدينه وابتداع دين لم يأذن به الله، فإن المسلمين قد أجمعوا على ما علموه بالاضطرار من دين رسول الله ﷺ أن الصلاة

стр. 53

عِنْدَ القبور منهي عنها، وأنه لعن من اتخذها مساجد. فمن أعظم المحدثات وأسباب الشرك الصلاة عِنْدَها، واتخاذها مساجد، وبناء المساجد عليها، وقد تواترت النصوص عن النبي ﷺ بالنهي عن ذلك والتغليظ فيه" (١). وقال الأثرم: "إنما كُرهت الصلاة في المقبرة للتشبه بأهل الكتاب؛ لأنهم يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد" (٢). وقال ابن القيم: "وأبلغ من هذا: أنه نهى عن الصلاة إلى القبر، فلا يكون القبر بين المصلي وبين القبلة. فروى مسلم في صحيحه عن أبي مرثد الغنوي ﵀ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها" وفي هذا إبطال قول من زعم أن النهي عن الصلاة فيها لأجل النجاسة، فهذا أبعد شيء عن مقاصد الرسول ﷺ وهو باطل من عدة أوجه: * منها: أن الأحاديث كلها ليس فيها فرقٌ بين المقبرة الحديثة والمنبوشة، كما يقوله المعللون بالنجاسة. * ومنها: أنه ﷺ لعن اليهود والنصارى على اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد. ومعلوم قطعا أن هذا ليس لأجل النجاسة. فإن ذلك لا يختص بقبور الأنبياء، ولأن قبور الأنبياء من أطهر البقاع، وليس للنجاسة عليها طريق البتة، فإن الله حرم على الأرض أن تأكل أجسادهم، فهم في قبورهم طريّون" (٣). وقال الشيخ سليمان بن عبد الله: "بل العلة في ذلك الخوف على الأمة أن يقعوا فيما وقعت فيه اليهود والنصارى، وعباد اللات والعزى من الشرك، ويدل على ذلك أن النبي ﷺ لعن اليهود والنصارى على اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد، ومعلوم

стр. 54

قطعا أن هذا ليس لأجل النجاسة، لأن قبور الأنبياء من أطهر البقاع، فإن الله حرم على الأرض أن تأكل أجسادهم فهم في قبورهم طريون. وقد لعن النبي ﷺ متخذي المساجد عليها وموقدي السرج عليها، ومعلوم أن إيقاد السرج عليها إنما هو لعن فاعله، لكونه وسيلة إلى تعظيمها وجعلها نصبا يوفض إليها المشركون كما هو الواقع، فهكذا اتخاذ المساجد عليها" (١). وقال ﵀: "وممن علل بخوف الفتنة والشرك الشافعيُّ وأبو بكر الأثرم وأبو محمد المقدسي وشيخ الإسلام وغيرهم وهو الحق" (٢). قال الشيخ ابن باز ﵀: "ومعلوم أن من صلّى عِنْدَ قبر فقد اتخذه مسجدا، ومن بنى عليه ليصلي فيه فقد اتخذه مسجدًا، فالواجب أن تبعد القبور عن المساجد وألا يجعل فيها قبور امتثالًا لأمر الرسول ﷺ وحذرا من اللعنة التي صدرت من ربنا لمن بنى المساجد على القبور، لأنه إذا في مسجد فيه قبور قد يزين له الشيطان دعوة الميت، أو الاستغاثة به، أو الصلاة له، أو السجود له، فيقع في الشرك الأكبر، ولأن هذا من عمل اليهود والنصارى، فوجب أن نخالفهم وأن نبتعد عن طريقهم وعن عملهم السيئ والله ولي التوفيق" (٣). ٣. حكم الصلاة في الكنيسة (٤): تقدم حديث أم سلمة حين ذكرت لرسول الله الكنيسة بأرض الحبشة وما رأت فيها من الصور فقال رسول الله ﷺ : "أولئكِ إذا مات فيهم العبد الصالح بنوا على قبره مسجدًا وصوروا فيه تلك الصور أولئكِ شرار الخلق عند الله" (٥).

стр. 55

وبوب عليه البخاري: "باب الصلاة في البيعة، وقال عمر: إنا لا ندخل كنائسهم من أجل التماثيل التي فيها الصور. وكان ابن عباس يصلي في البيعة إلا بيعةً فيها تماثيل" (١). وقد رخص سفيان في الصلاة في البيعة إذا لم يكن فيها تماثيل، وكره مالك الصلاة في البيع والكنائس لنجاستها في أقدامهم ولما فيها من الصور، وقال: "لا ينزل بها إلا من ضرورة" (٢). قال ابن رجب: "ورخص أكثر أصحابنا في دخول ما ليس فيه صورة منها، والصلاة فيها، وكرهه بعضهم، منهم: ابن عقيل (٣). وحكى ابن المنذر وغيره الرخصة في الصلاة في البيعة التي فيها صور منهم أبو موسى، والحسن، والشعبي، والنخعي، وعمر بن عبد العزيز، والأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز (٤)، والراجح أنه لا بأس بالصلاة في الكنيسة لكن يحمل على ما روي عن عمر ﵁ وهو ألا يكون فيها صور وتماثيل. قال ابن عثيمين ﵀: "ما بالنسبة للصلاة في الكنيسة فإن الصلاة تخالف صلاة أهل الكنيسة فلا يكون الإنسان متشبهًا بهذا العمل بخلاف الذبح في مكان يذبح فيه لغير الله، فإن الفعل واحد بنوعه وجنسه؛ ولهذا لو أراد إنسان أن يصلي في مكان يذبح فيه لغير الله لجاز ذلك لأنه ليس من نوع العبادة التي يفعلها المشركون في هذا المكان" (٥). ولا يقال بكراهة الصلاة في الكنيسة لأنها محل الكفر.

стр. 56

قال ابنُ تَيمِيَّةَ ﵀: "فإن قيل: تكره - أي الصلاة في الكنائس - لكونها محل كفر. قيل: الصلاة في محل الكفر بمنزلة فتح دار الكفر وجعلها دار إسلام وبمنزلة صلاة المسلمين في دار الحرب وقد أمر النبي الله ﷺ ثقيفًا أن يتخذوا مسجدهم موضع بيت اللات بعد هدم اللات" (١). وقال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم ﵀: "فإن قيل: لِمَ جعل محل اللات بالطائف مسجدًا؟ قيل: لو ترك هذا المحل بهذه البلدة خشي أن يُفتتن به، فيرجع إلى جعله وثنا فجعلُه مسجدًا والحالة هذه يُنسي ما كان يفعل فيه ويذهب به أثر الشرك فاختص هذا المحل لهذه العلة، وهي قوة المعارض" (٢). أما حكم زيارة الكنيسة فالمنصوص عن أحمد في ذلك كراهة دخولها في مجامعهم وأعيادهم. وقال شيخ الإسلام: "وأما زيارة معابد الكفار مثل الموضع المسمى بالقمامة أو بيت لحم أو صهيون أو غير ذلك مثل كنائس النصارى فمنهيٌّ عنها، فمن زار مكانًا من هذه الأمكنة معتقدًا أن زيارته مستحبة، والعبادة فيه أفضل من العبادة في بيته فهو ضال خارج عن شريعة الإسلام، يُستتاب فإن تاب وإلا قُتل" (٣). ٥ - احترام أسماء الله الحسنى * [توحيد الأسماء والصفات]

стр. 57

٦ - الإحداد على الزعماء والوجهاء قال النووي ﵀: "الإحداد: من الحد وهو المنع؛ لأن المرأة تُمنع الزينة" (١) فهي تحد على زوجها إذا حزنت عليه ولبست ثياب الحزن وتركت الزينة (٢). والمقصود هنا الكلام عما يفعله بعض الناس من الوقوف زمنًا مع الصمت تحية للشهداء والوجهاء أو تشريفًا أو تكريمًا لأرحامهم. انظر باب التعظيم. ٧ - الإحسان * الإحسان لغة: يقال أحسن إذا فعل ما هو حسن، وهو كل مبهج مرغوب فيه (٣). قال الراغب: "والإحسان يُقال على وجهين: أحدهما: الإنعام على الغير، يُقال: أحسن إلى فلان. والثاني: إحسان في فعله" (٤). يقال: حسَّن الشيءَ تحسينًا أي زَّينه، وأحسن عمله إذا أتقنه وأتمه وأجاد صنعه (٥).

стр. 58

والإحسان شرعًا: بيَّنه النبي ﷺ بقوله: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك" (٢). قال الحافظ ابن رجب: "الإحسان هو: أن يعبد المؤمن ربه في الدنيا على وجه الحضور والمراقبة كأنه يراه بقلبه وينظر إليه في حال عبادته؛ فكان جزاء ذلك النظر إلى وجه الله عيانًا في الآخرة" (٣). * الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨]. وقال عز من قائل: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]. * الدليل من السنة: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ بَارِزًا يَوْمًا لِلنَّاسِ فَأَتَاهُ رجلٌ فَقَالَ: مَا الإِيمَانُ؟ قَالَ: "الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِالله وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَبِلِقَائِهِ وَرُسُلِهِ وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ" قَالَ: مَا الإِسْلامُ؟ قَالَ: "الإِسْلامُ أَنْ تَعْبُدَ الله وَلا تُشْرِكَ بِهِ، وَتُقِيمَ الصَّلاةَ، وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ" قَالَ: مَا الإِحْسَانُ؟ قَالَ: "أَنْ تَعْبُدَ الله كَأَنَّكَ تَرَاه، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ" قَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: "مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنْ السَّائِلِ، وَسَأُخْبِرُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا: إِذا وَلَدَتْ الأَمَةُ رَبَّهَا، وَإِذَا تَطَاوَلَ رُعَاةُ الإِبِلِ الْبُهْمُ فِي الْبُنْيَانِ فِي خَمْسٍ لا يَعْلَمُهُمَّ إِلا الله" ثُمَّ تَلا النَّبِيُّ ﷺ : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ الآيَةَ ثُمَّ أَدْبَرَ فَقَالَ: "رُدُّوهُ" فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا فَقَالَ: "هَذَا جِبْرِيلُ جَاءَ يُعَلِّمُ النَّاسَ دِينَهُمْ" (٤).

стр. 59

أقوال العلماء: قال النووي: "فمقصود الكلام الحث على الإخلاص في العبادة ومراقبة العبد ربه ﵎ في إتمام الخشوع والخضوع وغير ذلك، وقد ندب أهل الحقائق إلى مجالسة الصالحين ليكون ذلك مانعًا من تلبسه بشيء من النقائص احترامًا لهم واستحياءً منهم، فكيف بمن لا يزال الله تعالى مطلعًا عليه في سره وعلانيته" (١). وقال الحافظ ابن رجب: "وقوله ﷺ : "أن تعبد الله كأنك تراه ... " إلخ يشير إلى أن العبد يعبد الله تعالى على هذه الصفة وذلك يوجب الخشية والخوف والهيبة والتعظيم، كما جاء في رواية أبي هريرة ﵁: "أن تخشى الله كأنك تراه" ويوجب أيضًا النصح في العبادة وبذل الجهد في تحسينها وإتمامها وإكمالها، وقد وصى النبي ﷺ جماعة من الصحابة بهذه الوصية" (٢). قال ابن القيم: "وهي لب الإيمان وروحه وكماله، وهذه المنزلة تجمع جميع المنازل فجميعها منطوية فيها" (٣). * أحكام وفوائد: ١ - قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والدين يجمع هذه المسميات الثلاثة: الإسلام، والإيمان، والإحسان كما في حديث جبريل حين جاء إلى النبي ﷺ بحضرة أصحابه وسأله عن الإسلام ثم عن الإيمان ثم عن الإحسان، وبَيَّن النبي ﷺ كل واحد منها ثم قال: "هذا جبريل جاءكم يعلمكم دينكم"، فجعل الدين هو الإسلام والإيمان والإحسان فتبين أن ديننا يجمع الثلاثة. لكن هو درجات ثلاث: مسلم ثم مؤمن ثم محسن، فأولها الإسلام، وأوسطها

стр. 60

الإيمان، وأعلاها الإحسان" (١). ٢ - ذكر ابن رجب ﵀ أن للإحسان مقامين فقال: (أحدهما: مقام الإخلاص: وهو أن يعمل العبدُ على استحضار مشاهدة الله إياه، واطلاعه عليه، وقُربه منه، فإذا استحضر العبدُ هذا في عمله، وعمل عليه، فهو مخلصٌ لله؛ لأن استحضاره ذلك في عمله يمنعه من الالتفات إلى غير الله وإرادته بالعمل. والثاني: مقام المشاهدة: وهو أن يعمل العبدُ على مقتضى مشاهدته لله بقلبه، وهو أن يتنوَّر القلبُ بالإيمان، وتنفُذ البصيرة في العرفان، حتى يصير الغيب كالعيان. وهذا هو حقيقة مقام الإحسان المشار إليه في حديث جبريل ﵇، ويتفاوت أهلُ هذا المقام فيه بحسب قوة نفوذ البصائر" (٢). ٣ - بين الإسلام والإيمان والإحسان عموم وخصوص: الإسلام والإيمان إذا ذُكر أحدهما مفردًا دخل فيه الآخر، فلا فرق بينهما حينئذ، وإذا ذُكرا جميعًا صار لكل واحد منهما معنىً يختلف عن الآخر، كما جاء ذلك في حديث جبريل حيث فرق بينهما ففسر الإسلام: بأعمال الجوارح وهي الأعمال الظاهرة كالصلاة والزكاة، وفسر الإيمان: بأعمال القلب، والأعمال الباطنة من تصديق القلب وإقراره ومعرفته بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره. وأما ما بين هذه الثلاثة من عموم وخصوص، فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الإحسان أعم من جهة نفسه وأخص من جهة أصحابه من الإيمان، والإيمان أعم

стр. 61

من جهة نفسه وأخص من جهة أصحابه من الإسلام، فالإحسان يدخل فيه الإيمان، والإيمان يدخل فيه الإسلام، والمحسنون أخص من المؤمنين، والمؤمنون أخص من المسلمين" (١). قال ابن قاسم ﵀: "وكل ما أطلق الإحسان، فإنه يدخل فيه الإيمان، والإسلام، فإن الإسلام والإيمان والإحسان دوائر، أوسعها دائرة الإسلام، ثم يليها في السعة الإيمان، ثم أضيقها الإحسان، كدوائر، كل واحدة منها محيطة بالأخرى. ومعلوم: أن من كان في دائرة الإحسان، فهو داخل في الإسلام والإيمان وإذا خرج عن الأولى، فهو داخل في الثانية، وهي دائرة الإيمان، وإذا خرج عنها فهو داخل في الثالثة. وهي دائرة الإسلام، ومن خرج عن هذه الدوائر الثلاث، فهو خارج إلى غضب الله وعقابه، وداخل في دوائر الشيطان، والعياذ بالله. فظهر بالتمثيل بهذه الدوائر: صحة قول من قال، كل محسن مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمنا محسنًا، فلا يلزم من دخوله في الإسلام، أن يكون داخلا في الإحسان والإيمان، وليس المراد: أن من لم يكن في الإحسان، والإيمان، أن يكون كافرًا، بل يكون مسلمًا، ومعه من الإيمان ما يصحح إسلامه، لكن لا يكون مؤمنًا الإيمان الكامل، الذي يستحق أن يثنى عليه به، فإنه لو كان مؤمنًا الإيمان الكامل، لمنعه من المعاصي والمحرمات. وقيل للنبي ﷺ : أعطيتهم وتركت فلانًا، وهو مؤمن. فقال: "أو مسلم". وقال: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن" الحديث.

стр. 62

وقال: "والله لا يؤمن، والله لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه" فالنصوص ما نفت عنهم الإسلام، بل أثبتت لهم أحكام الإسلام من عصمة الدم، وإذا ماتوا، غُسّلوا وكُفّنوا وصُلّي عليهم. فأهل الإحسان، هم خواص أهل الإيمان، كما أن أهل الإيمان هم خواص، أهل الإسلام. فإنَّ أهل الإحسان: كملوا عبادة الله، إلى أن وصلوا إلى حد المراقبة" (١). ولمزيد من التفصيل انظر باب (الإسلام) فقد توسعت فيه في ذكر الفرق بين الإسلام والإيمان. ٨ - الأحوال التي تجرى على يد السحرة والكهان [الكهانة - السحر] ونقصد بذلك التفريق بين الكرامة والأحوال الشيطانية، وهذه الأخيرة ينخدع بها كثير ممن يستغيث بغير الله فيستنجد بالمقبور ويستغيث بالقبور كما ينخدع بها من يصدق الكهان والسحرة والمشعوذين. والحال الشيطانية تكون على يد السحرة والكهان وأمثالهم من الفجرة (٢) فهم أولياء الشيطان وجنوده وأنصاره. وسوف نفصل ما أجملناه هنا عند الكلام عن الفرق بينها وبين الكرامة. انظر باب (الكرامة).

стр. 63

٩ - الإخلاص * [لا إله إلا الله - الرياء] الإخلاص في اللغة: التصفية والتنقية. قال ابن فارس: "خَلَصَ: الخاء واللام والصاد أصل واحد مطرد وهو: تنقية الشيء وتهذيبه" (١). وقال الجوهري: "خَلَصَ الشيء بالفتح، يَخْلُصُ خُلُوصًا، أي: صار خالصًا، وخلَصَ إليه الشيء: وصل، وخَلَصْتُه من كذا تخليصًا، أي: نحيته فتخلص، وخلاصة السمن بالضم: ما خلص منه. والإخلاص أيضًا في الطاعة: ترك الرياء. وخالصه في العشرة أي: صافاه وهذا الشيء خالصة لك، أي: خاصة" (٢). ويسمى الفعل المخلص: إخلاصًا، قال تعالى: ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا﴾ [النحل: ٦٦].

стр. 64

وخلوص اللبن ألّا يكون فيه شوب من الفرث والدم (١). الإخلاص في الشرع: تخليص العبادة وتصفيتها من شائبة الشرك والرياء. قال الراغب الأصبهاني: "فحقيقة الإخلاص التبري عن كل ما دون الله تعالى" (٢). وقال الشيخ ابن عثيمين: "الإخلاص هو التنقية، والمراد به هنا أن يقصد المرء وجه الله والوصول إلى دار كرامته بحيث لا يعبد معه غيره لا ملكًا مقربًا ولا نبيًا مرسلًا الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٣] " (٣). * الدليل من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر:٣،٢]. وقال لنبيه ﷺ : ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر: ١٥، ١٤]، وقال له: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٣،١٦٢]. * الدليل من السنة: عَنْ وَقَّاصٍ اللَّيْثيَّ قال: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ عَلَى الْمِنْبَرِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "إِنَّمَا الأَعْمَالُ بالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيهِ" (٤).

стр. 65

وقال النبي ﷺ لسعد بن أبي وقاص ﵁: "إنك لن تخلف فتعمل عملًا تبتغي به وجه الله تعالى إلا ازددت به خيرًا ودرجة ورفعة" (١). وسُئل رسول الله ﷺ عن الرجل يقاتل رياء ويقاتل شجاعة ويقاتل حمية أي ذلك في سبيل الله؟ فقال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" (٢). قال ﷺ : "ما قال عبد لا إله إلا الله قط مخلصًا إلا فُتحت له أبواب السماء حتى تفضي إلى العرش ما اجتنب الكبائر" (٣). وأخبر الرسول ﷺ عن أول ثلاثة تُسعر بهم النار: "قارئ القرآن والمجاهر والمتصدق بماله" الذين فعلوا ذلك ليقال فلان قارئ فلان شجاع فلان متصدق ولم تكن أعمالهم خالصة لله (٤). وفي الحديث القدسي يقول الله تعالى: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه" (٥). وفي الصحيح عنه ﷺ : "إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم" (٦). * أقوال بعض السلف: كتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى أبي موسى الأشعري ﵁ "من خلصت نيته كفاه الله تعالى ما بينه وبين الناس".

стр. 66

وقال بعضهم: "الإخلاص أن لا تطلب على عملك شاهدًا غير الله ولا مجازيا سواه". وقال مكحول: "ما أخلص عبد قط أربعين يومًا إلا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه" (١). وقال أبو سليمان الداراني: "إذا أخلص العبد انقطعت عنه كثرة الوساوس والرياء" (٢). * أحكام وفوائد: ١. حكم الإخلاص: العمل لا يُقبل إلا بشرطين أساسيين: * أحدهما: الإخلاص. * الثاني: المتابعة. فالإخلاص: هو أحد شرطي قبول العمل، قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]. وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي

стр. 67

بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك: ١، ٢]. قال الفضيل بن عياض في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ قال: "أخلصه وأصوبه، فإنه إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يُقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص إذا كان لله، والصواب إذا كان على السنة" (١). ويقول شيخ الإسلام: "وبالجملة فمعنا أصلان عظيمان: أحدهما: ألا نعبد إلا الله. والثاني: ألا نعبده إلا بما شرع، لا نعبده بعبادة مبتدعة. وهذان الأصلان هما تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله كما قال تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ " (٢). وبهذا يتبين أن الإخلاص والمتابعة شرطان لصحة العمل وقبوله. قال العز بن عبد السلام: "وكذلك إخلاص العبادة شرط في أولها" (٣). وقال الزبيدي: "واعلم - وفقك الله تعالى - أن الإخلاص شرط في سائر العبادات" (٤). وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: "ولا خلاف أن الإخلاص شرط لصحة العمل وقبوله، وكذلك المتابعة" (٥).

стр. 68

٢. منزلة الإخلاص وفضله: للإخلاص منزلةٌ عالية في الشرع، وجاءت الآيات والأحاديث والآثار بالحث عليه والترغيب فيه وبيان فضله، فهو للعمل بمنزلة الأساس للبنيان، وبمنزلة الروح للجسد، فكما أنه لا يستقر البناء ولا يتمكن من الانتفاع منه إلا بتقوية أساسه وتعاهده من أن يعتريه خلل فكذلك العمل بدون الإخلاص، وكما أن حياة البدن بالروح فحياة العمل وتحصيل ثمراته بمصاحبته وملازمته للإخلاص، وقد أوضح الله ذلك في كتابه العزيز فقال: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة: ١٠٩]، ولما كانت أعمال الكفار التي عملوها عارية من توحيد الله وإخلاص العمل له سبحانه جعل وجودها كعدمها فقال: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] (١). وقد ذكر الشيخ تقي الدين ﵀: "أن الحسنة تعظم ويكثرت ثوابها بزيادة الإيمان والإخلاص حتى تقابل جميع الذنوب" (٢). ومن ثمرات الإخلاص: أنه يحرر العبد من عبودية غير الله فيكون عمله كله لله فينصرف عن كل مراد لنفسه أو للشيطان ويصبح همُّه إرضاء ربه. قال ابن تيمية: "وإذا كان العبد مخلصًا لله اجتباه ربه فأحيا قلبه واجتذبه إليه فينصرف عنه ما يضاد ذلك من السوء والفحشاء، ويخاف من ضد ذلك، بخلاف القلب الذي لم يخلص لله فإن فيه طلبًا وإرادة وحبًا مطلقًا فيهوى ما يسنح له ويتشبث بما يهواه، كالغصن أي نسيم مر بعطفه أماله.

стр. 69

فتارة تجذبه الصور المحرمة وغير المحرمة فيبقى أسيرًا عبدًا لمن لو اتخذه عبدًا له كان ذلك نقصًا وعيبًا وذمًا. وتارة يجذبه الشرف والرئاسة فترضيه الكلمة وتغضبه الكلمة، ويستعبده من يثني عليه ولو بالباطل، ويعادي من يذمه ولو بالحق. وتارة يستعبده الدرهم والدينار وأمثال ذلك من الأمور التي تستعبد القلوب والقلوب تهواها، فيتخذ إلهه هواه، ويتبع هواه بغير هدى من الله. ومن لم يكن مخلصًا لله عبدًا له قد صار قلبه مستعبدًا لربه وحده لا شريك له بحيث يكون هو أحب مما سواه، ويكون ذليلًا خاضعًا له وإلا استعبدته الكائنات، واستولت على قلبه الشياطين، وكان من الغاوين إخوان الشياطين، وصار فيه من السوء والفحشاء ما لا يعلمه إلا الله، وهذا أمر ضروري لا حيلة فيه" (١). ومن ثمرات الإخلاص: "نصر الأمة ورفع المنزلة في الآخرة والإنقاذ من الضلال في الدنيا وسبب لزيادة الهدى الناس ووضع القبول له في الأرض وتفريج كروب الدنيا وحسن الخاتمة واستجابة الدعاء وغير هذا كثير" (٢). ١٠ - أذى الرسول ﷺ أو عيبه * قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة: ٦١]. وسوف يأتي الكلام عنه في باب (سب الرسول ﷺ )

стр. 70

١١ - إرادة الإنسان بعمله الدنيا * [الرياء] المراد من هذا الباب أن الإنسان أراد بعمله الذي شرع للآخرة طمع الدنيا كأن يجاهد من أجل المغنم أو يتعلم من أجل الرئاسة والوظيفة، أو يحج من أجل المال. * الدليل من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥، ١٦]. * الدليل من السنة: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "تِعسَ (١) عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ (٢)، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ (٣)، تعس

стр. 71

وَانتكَسَ (١)، وَإِذا شيكَ فَلا انتَقَشَ (٢)، طُوبَى (٣) لِعَبْدٍ آخِذٍ بعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبيلِ الله، أَشْعَثَ رَأْسُه، مُغْبَرَّةٍ قَدَمَاه، إِنْ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ كَانَ فِي السَّاقَةِ إِنْ اسْتَأْذنَ لَمْ يُؤْذنْ لَه، وَإِنْ شَفَعَ لَمْ يُشَفَّعْ" (٤). عن أبي كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "بشر هذه الأمة بالسناء (٥) والرفعة والدين والنصر والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب" (٦). وعن زيد بن ثابت ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من كانت الدنيا همه فرَّق الله عليه أمره وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الدنيا الآخرة نيته جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة" (٧). وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "من طلب العلم ليماري به السفهاء، أو ليباهي له العلماء، أو ليصرف وجوه الناس إليه فهو في النار" (٨). * أقوال السلف: عن علي ﵁ أنه ذكر فتنًا في آخر الزمان فقال له عمر: متى ذلك يا علي؟ قال: "إذا تُفقه لغير الدين، وتُعلّم العلم لغير العمل، والتُمست الدنيا بعمل الآخرة" (٩).

стр. 72

وقال قتادة: "من كانت الدنيا همه ونيته وطُلبته جازاه الله بحسناته في الدنيا ثم يفضي إلى الآخرة وليس له حسنة يُعطى بها جزاء. وأما المؤمن فيجازى بحسناته في الدنيا ويثاب عليها في الآخرة" (١). * حكم إرادة الإنسان بعمله الصالح الدنيا: قال ابن سعدي ﵀: "وأما العمل لأجل الدنيا وتحصيل أغراضها فإن كانت إرادة العبد كلها لهذا القصد ولم يكن له إرادة لوجه الله والدار الآخرة فهذا ليس له في الآخرة من نصيب، وهذا العمل على هذا الوصف لا يصدر من مؤمن فإن المؤمن ولو كان ضعيف الإيمان لا بد أن يريد الله والدار الآخرة. وأما من عمل العمل لوجه الله ولأجل الدنيا والقصدان متساويان أو متقاربان فهذا وإن كان مؤمنًا فإنه ناقص الإيمان والتوحيد والإخلاص وعمله ناقص لفقدان كمال الإخلاص. وأما من عمل لله وحده وأخلص في عمله إخلاصًا تامًا ولكنه يأخذ على عمله جُعْلًا معلومًا يستعين به على العمل والدين كالجعالات التي تجعل على أعمال الخير، وكالمجاهد الذي يترتب على جهاده غنيمة أو رزق، وكالأوقاف التي تجعل على المساجد والمدارس والوظائف الدينية لمن يقوم بها فهذا لا يضر أخذه في إيمان العبد وتوحيده؛ لكونه لم يرد بعمله الدنيا وإنما أراد الدين وقصد أن يكون ما حصل له مُعينًا على قيام الدين؛ ولهذا جعل الله في الأموال الشرعية كالزكوات وأموال الفيء وغيرها جزءًا كبيرًا لمن يقوم بالوظائف الدينية والدنيوية النافعة كما قد عرف تفاصيل ذلك، فهذا التفصيل يُبَيِّنُ لك حكم هذه المسألة كبيرة الشأن، ويوجب لك أن تنزل الأمور منازلها والله أعلم" (٢).

стр. 73

* أحكام وفوائد: ١. الفرق بين إرادة الإنسان بعمله الدنيا وبين الرياء: الذي يظهر أن فقه هذا الباب غير فقه باب الرياء. فتعريف الرياء: هو تحسين العبادة في الظاهر أو إظهارها أو الإخبار عنها بقصد رؤية الناس وكسب الثناء منهم. أما إرادة الإنسان بعمله الدنيا فقد أراد بعمله الديني المنفعة الدنيوية. فهما مختلفان، وقد أفرد الإمام محمد بن عبد الوهاب المجدد لكل منهما بابًا مستقلًا في كتاب التوحيد. قال الشيخ ابن عثيمين: "الإنسان يعمل رياءً يريد أن يُمدح في العبادة فيقال هو عابد ولا يريد النفع المادي، أما إذا أراد بعمله الدنيا فهو لا يريد أن يُمدح بعبادته ولا يريد المراءاة بل يعبد الله مخلصًا له ولكنه يريد شيئًا من الدنيا؛ كالمال، والمرتبة، والصحة في نفسه وأهله وولده وما أشبه ذلك فهو يريد بعمله نفعًا في الدنيًا غافلًا عن ثواب الآخرة" (١). ٢. صور من إرادة الإنسان بعمله الدنيا: ذكر الشيخ ابن عثيمين صورًا من إرادة الإنسان بعمله الدنيا فقال: "١ - أن يريد المال كمن أذّن ليأخذ راتب المؤذن أو حج ليأخذ المال. ٢ - أن يريد المرتبة كمن تعلم في كلية ليأخذ الشهادة فترتفع مرتبته. ٣ - أن يريد دفع الأذى والأمراض والآفات عنه كمن تعبد لله كي يجزيه الله بهذا في الدنيا بمحبة الخلق له، ودفع السوء عنه وما أشبه ذلك. ٤ - أن يتعبد لله يريد صرف وجوه الناس إليه بالمحبة والتقدير وهناك أمثلة كثيرة" (٢).

стр. 74

٣. الأعمال التي رتب عليها الشارع ثوابًا دنيويًا: ومثال ذلك قوله ﷺ : "من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه"، وقوله ﷺ : "من قتل قتيلًا فله سَلَبُه" ونحو ذلك. فهذا إذا استحضر ثواب الآخرة وسعى لها ورغب إليها واستحضر ثواب الدنيا ولم يقتصر عليها بل كان قلبه معلقًا بالآخرة فلا بأس بذلك مع العلم بأن الأفضل استحضار ثواب الآخرة فقط؛ لأن الشارع إنما رتب الثواب الدنيوي لجواز قصده. وإن لم يرتب الشارع لها ثوابًا دنيويًا ولم يرغب فيه فقصد ثواب الدنيا محرم وشرك بالله وهذه المسائل كثيرة، وصورها لا يتأتى حصرها في مثل هذا، والأمر كما قال ابن القيم ﵀: "وأما الشرك في الإرادات والنيات، فذلك البحر الذي لا ساحل له وقلَّ من ينجو منه، فمن أراد بعمله غير وجه الله ونوى شيئا غير التقرب إليه، وطلب الجزاء منه، فقد أشرك في نيته وإرادته، والإخلاص: أن يخلص لله في أفعاله وأقواله وإرادته ونيته، وهذه هي الحنفية ملة إبراهيم التى أمر الله بها عباده كلهم، ولا يقبل من أحد غيرها، وهي حقيقة الإسلام، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] " (١). فينبغي للعبد أن يكون مخلصًا لله، مريدًا بعمله وجه الله حتى يغنم الأجرين في الدارين؛ لأن من أراد الله والآخرة جمع الله له ثواب الدنيا والآخرة، ولا يلتفت إلى تحصيل الدنيا، وقد جاءت الأحاديث محذرة من ذلك، أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء، عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه" (٢).

стр. 75

وعن أبي أمامة ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: أرأيتَ رجلًا غزا يلتمس الأجر والذكر ما له؟ قال رسول الله ﷺ : "لا شيء له"، فأعادها ثلاث مرات يقول له الرسول ﷺ : "لا شيء له". ثم قال: "إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصًا وابتغى به وجهه" (١). ٤ - بعض الناس عِنْدَما يتكلمون على فوائد العبادات يحولونها إلى فوائد دنيوية، فمثلًا يقولون في الصلاة رياضة وإفادة للأعصاب، وفي الصيام فائدة لإزالة الفضلات وترتيب الوجبات، والمفروض ألا تجعل الفوائد الدنيوية هي الأصل؛ لأن ذلك يؤدي إلى إضعاف الإخلاص والغفلة عن إرادة الآخرة، ولذلك بَيَّنَ الله تعالى في كتابه عن حكمة الصوم مثلًا أنه سبب للتقوى، فالفوائد الدينية هي الأصل، والدنيوية ثانوية (٢). ٥ - سئل فضيلة الشيخ ابن عثيمين ﵀ السؤال التالي: يتحرج بعض طلبة العلم الشرعي عِنْدَ قصدهم العلم والشهادة فكيف يتخلص طالب العلم من هذا الحرج؟ فأجاب بقوله: "يُجاب عن ذلك بأمور: أحدها: أن لا يقصدوا بذلك الشهادة لذاتها، بل يتخذون هذه الشهادات وسيلة للعمل في الحقول النافعة للخلق؛ لأن الأعمال في الوقت الحاضر مبنية على الشهادات، والناس لا يستطيعون الوصول إلى منفعة الخلق إلا بهذه الوسيلة وبذلك تكون النية سليمة. الثاني: أن من أراد العلم قد لا يجده إلا في هذه الكليات فيدخل فيها بنية طلب العلم ولا يؤثر عليه ما يحصل له من الشهادة فيما بعد.
следующие страницы →