من الذل" (١).
وبهذا يتبيَّن الفرق بين شرك أهل زماننا وشرك الأولين، والنصوص فرَّقت بين الشركين، وفرقت بين حالتي الشدة والغفلة؛ فالشدة يتبعها الإخلاص والتوبة والإنابة، والرخاء والسعة يتبعهما الانتكاس والغفلة، وعليه فشرك الأولين أخف، وشرك المتأخرين أعظم وأغلظ، وإن كان كلّ منهما مشرك، ولكن الشرك يتفاوت، بعضه أغلظ من بعض.
يقول -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب بعد ذكره لهذه القاعدة: "فمن فهم هذه المسألة التي وضحها الله في كتابه: وهي أن المشركين الذين قاتلهم رسول الله ﷺ يدعون الله ويدعودن غيره في الرخاء، وأما في الضراء والشدة فلا يدعولن إلا الله وحده لا شريك له، وينسون سادتهم، تبيَّن له الفرق بين شرك أهل زماننا وشرك الأولين، ولكن أين من يفهم قلبه هذه المسألة فهمًا راسخًا؛ والله المستعان" (٢).
ثانيًا: الذي قاد المشركين إلى إخلاص العبادة لله تعالى حال الشدة والكربة، ورجوعهم إلى الله تعالى إيمانهم وإقرارهم بربوبية الله تعالى، وأنه الخالق والمتصرف في هذا الكودن، وكونه يستحق أن يعبد ، وهذا إدن دلَّ على شيء فإنما يدل على توحيدهم بربوبية الله تعالى، ورجوعهم إلى الفطرة التي فطر الله عليها الخلق، فميّزوا وعرفوا أنه لا ينجي حال حصول الشدائد والآفات، ووقوع المصائب والكربات، وتلاطم أمواج البحار، وعتو الرياح، إلا المولى .
يقول الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ: "يقرر تعالى أنه الإله الواحد الذي لا شريك له، ولا معبود سواه مما يشترك في معرفته المؤمن والكافر؛ لأن القلوب مفطورة على ذلك، فمتى جاء الاضطرار رجعت
стр. 1052
القلوب إلى الفطرة، وزال ما ينازعها فالتجأت إليه، وأنابت إليه وحده لا شريك له، ومثل هذا كثير في القرآن؛ يبين تعالى أنه المدعو عند الشدائد، الكاشف للسوء وحده، فيكون هو المعبود وحده، ومن المعلوم أن المشركين كانوا يعلمون أنه لا يقدر على هذه الأمور إلا الله وحده، وإذا جاءتهم الشدائد أخلصوا الدعاء لله كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥)﴾ [العنكبوت: ٦٥] " (١).
وذلك بخلاف ما يعتقد كثير من الجهلة: وهو أن الولي له التصرف في الخلق؛ جلبًا، وصرفًا، فيزعمون أن الأولياء لهم التصرف في الكون كاملًا، وأن الله أعطاهم التصرف، والكشف، والخطوة إلى ما يريدون، وهذا بلا ريب أعظم من شرك السابقين.
ثالثًا: أشارت القاعدة إلى اضطراب المشركين وعدم ثبات الإيمان في قلوبهم، وأنهم لا يكادون يرجعون إلى الله بالتوحيد وإفراده بالعبادة حال الشدة والكرب، إلا وسرعان ما ينقلبون وينتكسون على رؤوسهم حال الرخاء والنعماء؛ ولذا كان توحيدهم هباء، وعبادتهم سدى، ولا يوصفون بأنهم عابدون لله تعالى وإن وقعت منهم العبادة بعض الأحيان.
يقول الإمام ابن القيم: "وأنتم لما عبدتم غيره فلستم من عابديه، وإن عبدوه في بعض الأحيان؛ فإن المشرك يعبد الله ويعبد معه غيره كما قال أهل الكهف: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [الكهف: ١٦]؛ أي: اعتزلتم معبودهم إلا الله فإنكم لم تعتزلوه، وكذا قال المشركون عن معبودهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، فهم كانوا يعبدون الله ويعبدون معه غيره، فلم ينتف عنهم الفعل لوقوعه منهم، ونفي الوصف؛ لأن من عبد غير الله لم يكن ثابتًا على عبادة الله، موصوفًا
стр. 1053
بها، فتأمل هذه النكتة البديعة، كيف تجد في طيها: أنه لا يوصف بأنه عابد الله، وعبده المستقيم على عبادته إلا من انقطع إليه بكليته، وتبتل إليه تبتيلًا، لم يلتفت إلى غيره، ولم يشرك به أحدًا في عبادته، وأنه وإن عبده وأشرك به غيره فليس عابدًا لله، ولا عبدًا له" (١).
стр. 1054
المبحث الرابع
قاعدة دين الحنفاء ليس فيه واسطة بين الله وخلقه في الربوبية والألوهية، والرسل وسائط في التبليغ والدلالة
وفيه مسائل:
* المسألة الأولى* بيان معاني مفردات القاعدة
معنى الواسطة لغة واصطلاحًا:
الواو والسين والطاء: بناء صحيح يدلُّ على العَدل والنِّصف، وأعدل الشيء أوسطه (١)، ووسط الشيء: ما بين طرفيه، أو ما له طرفان متساويا القدر، ويقال: (وَسَط) في الكمية المتصلة، كالجسم الواحد، وفي الكمية المنفصلة كشيء يفصل بين جسمين يقال: (وَسْط)، والتوسط بين الناس من الوساطة، فالذي يقوم بالتوسط بين شيئين هو الواسطة، التي توصل أحد الطرفين بالآخر (٢).
стр. 1055
والوساطة: عمل الوسيط، وهي التوسط بين الشيئين أو الموجودين، إذا كان هذان الشيئان، أو الموجودان مستقلين في الواقع عن ذلك التوسط (١).
ولقد شاع استعمال الواسطة في عصرنا بمعنى الجاه والمكانة (٢).
ومن العلماء من عبر بالواسطة عن الوسيلة والشفاعة.
كما يقول الإمام ابن القيم: "وتسقط الوسائط بينك وبينه -أي: النبي ﷺ إلا في التبليغ، كما تسقط الوسائل بينك وبين المُرسل في العبودية، ولا تثبت وساطة إلا في وصول أمره ونهيه ورسالته إليك" (٣)، فعبَّر عن الواسطة بالوسيلة.
ويقول الألولسي: "والوسيلة في الأصل الواسطة التي يتوسل ويتقرب بها إلى الشيء وهي هنا الطاعة" (٤).
ويقول الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ: "وإما على سبيل الوساطة بينهم وبين الله بالشفاعة وهذا شرك الذين قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] " (٥).
ويقول الشيخ ابن عثيمين: "الواسطة: هي الشفاعة للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة" (٦).
والذي يظهر أن الواسطة تتناول الوسيلة والشفاعة، ومطلق التوسط بين شيئين، فكل وسيلة هي واسطة يتوصل بها إلى الشيء المراد،
стр. 1056
وكذلك الشفاعة هي توسط الشافع للمشفوع له عند المشفوع إليه (١).
* المسألة الثانية* معنى القاعدة
دلت القاعدة على نوعين من الواسطة:
النوع الأول: واسطة منفية وهي واسطة شركية بدعية.
والثاني: واسطة مثبتة وهي واسطة شرعية إيمانية (٢).
فأما الواسطة الشركية البدعية فهي المنفية عن دين الحنفاء -وهو دين الإسلام العام (٣) - فليس فيه واسطة بين الله وخلقه، لا في أمور الربوبية؛ من الخلق والرزق، والنفع والضر، وإجابة الدعاء، والنصر على الأعداء، وتفريج الكربات، والحفظ والهداية، ولا في شيء من أمور الألوهية، من عبادة الله تعالى، والتقرب إليه بالدعاء والاستعانة وغير ذلك من أنواع العبادات، فالحنفاء يوحدون ربهم في ربوبيته وألوهيته بدون واسطة لا من البشر ولا من غير البشر.
يقول الإمام ابن تيمية: "وأما خلق الله تعالى للخلق ورزقه إياهم،
стр. 1057
وإجابته لدعائهم، وهدايته لقلوبهم، ونصرهم على أعدائهم وغير ذلك من جلب المنافع ودفع المضار فهذا لله وحده يفعله بما يشاء من الأسباب، لا يدخل في مثل هذا وساطة الرسل" (١).
وجميع هذه الأمور التي ذكرها شيخ الإسلام تتعلق بصفات الربوبية.
ويقول ﵀: "وإن أراد بالواسطة أن لا بد من واسطة في جلب المنافع ودفع المضار، مثل أن يكون واسطة في رزق العباد ونصرهم وهداهم، يسألونه ذلك ويرجعون إليه فيه، فهذا من أعظم الشرك الذي كفر الله به المشركين" (٢).
ويقول ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ [الإسراء: ٥٧]: "يقول تعالى قل يا محمد لهؤلاء المشركين الزاعمين أن لله شريكًا من خلقه، العابدين معه غيره ليقربهم إليه زلفى: لو كان الأمر كما يقولون وأن معه آلهة تعبد لتقرب إليه، وتشفع لديه، لكان أولئك المعبودون يعبدونه ويتقربون إليه، ويبتغون إليه الوسيلة والقربة، فاعبدوه أنتم وحده كما يعبده من تدعونه من دونه، ولا حاجة لكم إلى معبود يكون واسطة بينكم وبينه فإنه لا يحب ذلك ولا يرضاه بل يكرهه ويأباه وقد نهى عن ذلك على ألسنة جميع رسله وأنبيائه" (٣).
وأما الواسطة الشرعية الإيمانية، فهي وساطة الأنبياء في تبليغ الرسالة، وإرشاد الأمة إلى ما فيه خيرهم وسعادتهم، فكل وساطة من الله تعالى في تبليغ دينه وشرعه فهي وساطة شرعية إيمانية لا يصح إيمان الإنسان إلا بالإيمان بها واعتقادها واتباعها، ويدخل في ذلك وساطة الملائكة بين الله ورسله، ووساطة الأنبياء بين الله وخلقه، وكذلك وساطة
стр. 1058
العلماء بين النبي ﷺ وأمته، فجميع هذه الوساطات لا تخرج عن حيز التبليغ والدلالة، ولا يحق لها التوسط بين الله وخلقه في الربوبية والألوهية.
والملائكة من جملة تلك الوسائط لتبليغ الوحي والنزول بالشرائع من عند الله تعالى إلى أنبيائه ورسله، كما أنها واسطة في تدبير أوامر الله الكونية.
يقول الشيخ الألوسي: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر: ١]: على القولين يحتمل أن يكون معناه جاعل الملائكة ﵈ وسائط بينه وبين أنبيائه، والصالحين من عباده يبلغون إليهم رسالته سبحانه بالوحي، والإلهام، والرؤيا الصادقة، أو جاعلهم وسائط بينه وبين خلقه يوصلون إليهم آثار قدرته وصنعه؛ كالأمطار والرياح وغيرهما، وهم الملائكة الموكلون بأمور العالم" (١).
ويقول الشيخ السعدي: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾: في تدبير أوامره القدرية، ووسائط بينه وبين خلقه في تبليغ أوامره الدينية" (٢).
والمقصود أن الملائكة وسائط بين الله وبين تدبيره سبحانه لبعض أمور الكون، فهم من ضمن الأسباب التي يخلق الله بها ما يشاء من المسببات.
يقول الإمام ابن تيمية: "وأما أهل الهدى والفلاح؛ فيؤمنون بهذا وهذا، ويؤمنون بأن الله خالق كل شيء، وربه ومليكه، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وهو على كل شيء قدير، وأحاط بكل شيء علمًا، وكل شيء أحصاه في إمام مبين.
ويتضمن هذا الأصل من إثبات علم الله وقدرته ومشيئته ووحدانيته وربوبيته، وأنه خالق كل شيء، وربه ومليكه، ما هو من أصول الإيمان.
стр. 1059
ومع هذا فلا ينكرون ما خلقه الله من الأسباب التي يخلق بها المسببات كما قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف: ٥٧]، وقال تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة: ١٦]، وقال تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦]، فأخبر أنه يفعل بالأسباب" (١).
وبالنسبة للوحي فإن جبريل هو الواسطة بين الله تعالى وجميع أنبيائه ورسله، كما قال في شأن الوحي إلى النبي ﷺ : ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤)﴾ [الشعراء: ١٩٣، ١٩٤].
يقول الرازي في "تفسيره": "وأما جبريل ﵇ فهو كان الواسطة بين الله تعالى وبين جميع الأنبياء، فكان عالمًا بكل الشرائع الماضية والحاضرة، وهو أيضًا عالم بشرائع الملائكة وتكاليفهم" (٢).
ويقول الألوسي: "وقد دلت الآية على تعظيم جبريل، والتنويه بقدره، حيث جعله الواسطة بينه تعالى وبين أشرف خلقه، والمنزل بالكتاب الجامع للأوصاف المذكورة" (٣).
كما أن الرسل هم الواسطة بيننا وبين الله تعالى في تبليغ الوحي وإيصال الشرائع والأحكام إلى الخلق.
يقول أبو عبد الله القرطبي: "وأن رسله صادقون في قولهم، ومؤيدون بالمعجزات من عند ربهم، وأنهم عبيد الله ورسله، وأنهم بشر مثلنا، إلا أن الله تعالى فضلهم: بأن جعلهم واسطة بينه وبين خلقه" (٤).
ويقول الشيخ السعدي في شأن عيسى ﵇ وما له من المنزلة عند
стр. 1060
ربه ﵎: "وكذلك يكلمهم كهلًا؛ أي: في حال كهولته، وهذا تكليم النبوة والدعوة والإرشاد، فكلامه في المهد فيه آيات وبراهين على صدقه ونبوته، وبراءة أمه مما يظن بها من الظنون السيئة، وكلامه في كهولته فيه نفعه العظيم للخلق، وكونه واسطة بينهم وبين ربهم في وحيه وتبليغ دينه وشرعه" (١).
وكذلك الصحابة رضى الله عنهم، والعلماء من بعدهم -سيما أهل الحديث- فهم الواسطة بيننا وبين النبي ﷺ في تلقي الوحي، ومعرفة الشرائع لا تكون إلا عن طريقهم؛ لأن هذا الدين ما كان ليصلنا كاملًا بدون نقص -بعد حفظ الله ﵎ له- بدون الصحابة رضى الله عنهم؛ بصبرهم وجهادهم في سبيل الله لنصرة هذا الدين.
يقول الإمام البيهقي (٢) في وصفه لصحابة النبي ﷺ : "وقطع الريب عن الرسول ﷺ ، وعن الصحابة النجباء الذين اختارهم الله تعالى له وزراء وأصفياء، وخلفاء، وجعلهم السفراء بيننا وبينه ﷺ عن حق عداه أو عدوه، وصدق تجاوزوه" (٣).
ويقول الإمام ابن عبد البر: "وكانوا أئمة يقتدي بهم من بعدهم ممن ينظر في دينه إليهم، لأنَّهم الواسطة بين النبي ﷺ وبين أمته" (٤).
فأهل الحديث جعلهم الله أركان الشريعة، وهدم بهم كل بدعة شنيعة، فهم أمناء الله من خليقته، والواسطة بين النبي ﷺ وأمته، والمجتهدون في حفظ ملته، أنوارهم زاهرة، وفضائلهم سائرة، وآياتهم
стр. 1061
باهرة، ومذاهبهم ظاهرة، وحججهم قاهرة (١).
ويقول الإمام ابن تيمية: "ومن سوى الأنبياء؛ من مشايخ العلم والدين، فمن أثبتهم وسائط بين الرسول ﷺ وأمته؛ يبلغونهم، ويعلمونهم، ويؤدبونهم، ويقتدون بهم، فقد أصاب في ذلك. وهؤلاء إذا أجمعوا فإجماعهم حجة قاطعة، لا يجتمعون على ضلالة، وإن تنازعوا في شيء ردوه إلى الله والرسول" (٢).
* المسألة الثالثة * أدلة القاعدة
دلت القاعدة على نوعين من أنواع الواسطة، ولكل نوع منها أدلته الخاصة، وعليه فيحسن تصنيف الأدلة إلى قسمين:
الأول: الأدلة الدالة على الواسطة المثبتة الشرعية الإيمانية:
وهذه كما سبق هي الواسطة في تبليغ الوحي من الله تعالى إلى خلقه ويدخل في ذلك تبليغ جبريل لنبينا محمد ﷺ ، وكذلك تبليغ الصحابة الذين للأمة متلقين له من نبيهم محمد ﷺ .
فمما دل على كون الملائكة وسائط بين الله ورسله في تبليغ الوحي ما يلي:
قوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤)﴾ [الشعراء: ١٩٣، ١٩٤]. فقد جاء عن ابن عباس رضى الله عنهما أن الروح الأمين: هو جبريل ﵇ (٣).
стр. 1062
وقال بهذا القول جملة من السلف، بل هو مما لا نزاع فيه (١).
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨)﴾ [البقرة: ٩٨].
وقوله : ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥)﴾ [الحج: ٧٥].
يقول الحافظ ابن كثير في تفسير قوله: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾: "يقول تعالى: من عاداني وملائكتي ورسلي - ورسله تشمل رسله من الملائكة والبشر كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ - ﴿وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ وهذا من باب عطف الخاص على العام فإنهما دخلا في الملائكة في عموم الرسل (٢)، ثم خُصِّصَا بالذكر؛ لأن السياق في الانتصار لجبرائيل، وهو السفير بين الله وأنبيائه" (٣).
ومن السُّنَّة حديث عمر بن الخطاب ﵁ المعروف بحديث جبريل الطويل، وفيه مجيء جبريل على صورة أعرابي وسؤاله عن الإسلام والإيمان والإحسان وأمور أخرى، فلما انصرف قال النبي ﷺ : "يا عمر أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم" (٤).
стр. 1063
فجميع هذه النصوص دلت على أن الواسطة في تبليغ الوحي إلى الأنبياء والرسل جميعًا هي الملائكة.
يقول الرازي: "فإذا ثبت أن وحي الله تعالى إنما يصل إلى البشر بواسطة الملائكة، فالملائكة يكونون كالواسطة بين الله تعالى وبين البشر" (١).
كما أن الأنبياء واسطة بيننا وبين الله ﵎ في تبليغ الوحي والشرائع كما قال : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٦٤]، وقوله سبحانه: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥)﴾ [الحج: ٧٥] وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (١٠)﴾ [الحجر: ١٠].
يقول الإمام ابن تيمية: "والرسول هو الواسطة والسفير بينهم وبين الله ، فهو الذي يبلغهم أمر الله ونهيه ووعده ووعيده، وتحليله وتحريمه: فالحلال ما حلله الله ورسوله، والحرام ما حرَّمه الله ورسوله، والدين ما شرعه الله ورسوله" (٢).
وقال ابن الوزير: "وهذا رسول الله ﷺ وهو المبين لكتاب الله الواسطة المختارة بين الله وبين عباد الله " (٣).
أما ما دون الأنبياء من الصحابة ومشايخ العلم والدين فهم واسطة كذلك بين النبي ﷺ وما علموه من الكتاب والسُّنَّة وبين الأمة، إذ هم ورثة الأنبياء فيجب عليهم التبليغ والبيان بقدر ما عرفوه من ذلك، ويدل على ذلك حديث عبد الله بن عمرو ﵁ أن النبي ﷺ قال: "بلِّغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليّ متعمّدًا
стр. 1064
فليتبوأ مقعده من النار" (١).
يقول الإمام الطحاوي في شرح هذا الحديث: "فأوجب رسول الله ﷺ في هذا الحديث على أمته التبليغ عنه، ثم قد فرق رسول الله ﷺ بين التبليغ عنه والحديث عن غيره فقال وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج؛ أي: ولا حرج عليكم في أن لا تحدثوا عنهم في ذلك " (٢).
القسم الثاني: الأدلة الدالة على الواسطة المنفية غير الشرعية:
بينَّا فيما سبق معنى هذه الواسطة المنفية، وهي اتخاذ أو اعتقاد واسطة بينك وبين الله تعالى فيما يتعلق بأمور الربوبية أو الألوهية، ولا شك في بطلان هذا الاتخاذ، بل مجرد اعتقاد مثل هذه الواسطة بينك وبين الله تعالى في شأن الربوبية والألوهية يعتبر مخرجًا من الإسلام، ومما يدل على بطلان هذه الوسائط ما يلي:
١ - ما أمر به سبحانه عباده من إخلاص الدعاء له وحده والاستغاثة به واللجوء إليه وحده، وإنزال الحاجات والضرورات والشدائد به سبحانه دون ما سواه، ولم يقل سبحانه لعباده اطلبوا واسطة مناسبة تصلون بها إليَّ، أو أنه لا يمكن الوصول إليه إلا عن طريق تلك الوسائط، بل دلهم على دعائه سبحانه وحده مباشرة بدون أي وسائط، أو تدخلات من البشر، كما قال : ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦]. وقال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠]
стр. 1065
وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾ [النمل: ٦٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧)﴾ [العنكبوت: ١٧].
يقول الرازي في "تفسيره ": "ولم يقل (فقل إني قريب) فتدل على تعظيم حال الدعاء من وجوه؛ الأول: كأنه يقول: عبدي أنت إنما تحتاج إلى الواسطة في غير وقت الدعاء، أما في مقام الدعاء فلا واسطة بيني وبينك" (١).
فدعاء الله تعالى سواء كان دعاء عبادة أو دعاء مسألة يجب إخلاصه لله تعالى والعمل بطاعته وليس باتخاذ الوسائط طلبًا للقربة ورجاء في قبول الدعاء عند الله تعالى فما عند الله لا ينال بمعصيته.
يقول الإمام الطبري عند الآية: "فأخبر ﷺ أن دعاء الله إنما هو عبادته ومسألته بالعمل له والطاعة" (٢).
كما أمر عباده بإخلاص الدين له، وإفراده بالعبادة بدون واسطة أو شفاعة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (٣)﴾ [الزمر: ٢، ٣].
يقول الحافظ ابن كثير: "أي: فاعبد الله وحده لا شريك له، وادع الخلق إلى ذلك، وأعلمهم أنه لا تصلح العبادة إلا له وحده، وأنه ليس
стр. 1066
له شريك، ولا عديل، ولا نديد، ولهذا قال تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾؛ أي: لا يقبل من العمل إلا ما أخلص فيه العامل لله وحده لا شريك له ... ثم أخبر عن عباد الأصنام من المشركين أنهم يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] " أي: إن ما يحملهم على عبادتهم لهم، أنهم عمدوا إلى أصنام اتخذوها على صور الملائكة المقربين في زعمهم، فعبدوا تلك الصور تنزيلًا لذلك منزلة عبادتهم الملائكة؛ ليشفعوا لهم عند الله تعالى؛ في نصرهم ورزقهم وما ينوبهم من أمور الدنيا" (١).
٢ - أن جعل الوسائط بين العبد وربه، والتقرب إليهم بالعبادة والتعظيم مناقض ومناف للحكمة الشرعية والغاية المطلوبة من إيجاد المخلوقات، وهي عبادة الله تعالى بإخلاص ومحبة وخضوع وإنابة وتضرع بين يديه، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧)﴾ [الذاريات: ٥٦، ٥٧].
فالذي يتقرب إلى الله بالوسائط قد عارض هذه الحكمة وهذه الغاية العظيمة، وصرف المحبة والخضوع والتعظيم والخوف والخشية لغير الله العظيم، فإن المتخذ للوسائط من دون الله تعالى يعتقد أنها توصله إلى الله، وتقربه منه، وأنه لا يستطيع الوصول إليه، والنيل من خيراته، والأمن من الشرور والمضار إلا عن طريق هذه الواسطة، وأن الله لا يقبل منه صرفًا ولا عدلًا إن لم يأته بواسطة، ولا شك أن هذا الاعتقاد يجعل قلبه يتعلق بهذه الواسطة فيصرف لها صنوفًا من العبادات والتعظيمات فيقع في الشرك بالله العظيم.
٣ - أن التقرب إلى الله تعالى باتخاذ الوسائط فيه تشبه بالمشركين عبدة الأنبياء والصالحين، من عهد نوح ﵇ وإلى يومنا هذا، جميعهم
стр. 1067
كان شركهم من قبيل اتخاذ الوسائط والشفعاء التي تقربهم إلى الله تعالى.
قال تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، وقال ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]، وقوله: ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٨)﴾ [الأحقاف: ٢٨]، فهذه الآيات الكريمة واضحة في صنيع المشركين وأنهم لم يقصدوا من آلهتهم إلا الجاه والواسطة والشفاعة؛ أي: الواسطة التي تقربهم من الله تعالى، وترفع لهم دعاءهم ومسألتهم لتقضى لهم الحوائج.
يقول ابن كثير عند تفسير قوله تعالى: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾: "أي: ليشفعوا لنا ويقربونا عنده منزلة، ولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم إذا حجوا في جاهليتهم: لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك، وهذه الشبهة -أي: شبهة الشفاعة والواسطة- هي التي اعتمدها المشركون في قديم الدهر وحديثه، وجاءتهم الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين بردها والنهي عنها، والدعوة إلى إفراد العبادة لله وحده لا شريك له، وأن هذا شيء اخترعه المشركون من عند أنفسهم، لم يأذن الله فيه، ولا رضي به، بل أبغضه ونهى عنه" (١).
* المسألة الرابعة * أقوال العلماء في اعتماد القاعدة
لا يخفى على القارئ ما أولاه أهل العلم من عناية فائقة، واهتمام بالغ، وحرص شديد، وتركيز كبير على مسألة الواسطة بنوعيها المثبتة والمنفية، وفيما يلي أنقل ما وقفت عليه من أقوال لأهل العلم؛
стр. 1068
سواء كانت بالتنصيص على القاعدة، أو جاءت بمعناها:
يقول الإمام ابن تيمية: "وهذا جهل بدين الحنفاء فإن الحنفاء ليس بينهم وبين الله تعالى واسطة في العبادة والدعاء والاستعانة بل يناجون ربهم ويدعونه ويعبدونه بلا واسطة، وإنما الرسل بلغتهم عن الله تعالى ما أمر به وأحبه من العبادات وغيرها، وما نهى عنه، فهم وسائط في التبليغ والدلالة" (١).
ويقول ﵀: "والله سبحانه لم يجعل له أحدًا من الأنبياء والمؤمنين واسطة في شيء من الربوبية والألوهية مثل ما ينفرد به من الخلق والرزق وإجابة الدعاء، والنصر على الأعداء وقضاء الحاجات وتفريج الكربات، بل غاية ما يكون العبد سببًا مثل أن يدعو أو يشفع" (٢).
ويقول الإمام ابن القيم: "وبالجملة فتجعل الرسول شيخك وأستاذك ومعلمك ومربيك ومؤدبك وتسقط الوسائط بينك وبينه إلا في التبليغ، كما تسقط الوسائل بينك وبين المرسل في العبودية، ولا تثبت وساطة إلا في وصول أمره ونهيه ورسالته إليك" (٣).
ويقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: "وبهذا التحقيق تعلم أن: ما يزعمه كثير من ملاحدة أتباع الجهال المدعين للتصوف، من أن المراد بالوسيلة في الآية الشيخ الذي يكون له واسطة بينه وبين ربه، أنه تخبط في الجهل والعمى، وضلال مبين وتلاعب بكتاب الله تعالى، واتخاذ الوسائط من دون الله من أصول كفر الكفار كما صرح به تعالى في قوله عسهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ " (٤).
هذا ما وقفت عليه من أقوال لأهل العلم في التنصيص على القاعدة، أو في ذكرهم لمعناها.
стр. 1069
* المسألة الخامسة* فوائد القاعدة وتطبيقاتها
يمكن الاستفادة من القاعدة وتطبيقها في عدة أمور:
أولًا: إن دين الحنفاء جميعًا من لدن نوح ﵇ وحتى نبينا محمد ﷺ هو دين التوحيد وإفراده بالعبادة، ورفض جميع الوسطاء والشفعاء بين العباد وخالقهم، لا يختلف في ذلك البتة، والله تعالى لم يشرع لأمة من الأمم اتخاذ الوسطاء في العبادة، بل حرمه سبحانه على جميع الأمم، وكان اتخاذهم لها سببًا لهلاكهم وعذابهم، فإن الله تعالى لا يحب الشرك ولا يشرعه أبدًا.
ثانيًا: إن جميع أهل الملل والأديان يؤمنون بالواسطة في التبليغ والدلالة، وهي أصل في جميع الأديان، ولا يصح إيمان الإنسان إلا بالإيمان بهذه الواسطة الشرعية.
يقول الإمام ابن تيمية: "وهذا مما أجمع عليه جميع أهل الملل من المسلمين واليهود والنصارى، فإنهم يثبتون الوسائط بين الله وبين عباده، وهم الرسل الذين بلغوا عن الله أمره وخبره قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥]، ومن أنكر هذه الوسائط فهو كافر بإجماع أهل الملل" (١).
ثالثًا: إن مجرد اعتقاد كون هذا النبي أو ذاك الصالح واسطة بيننا وبين الله تعالى، تقرب العبد من ربه وتدنيه إليه، هو من الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله ﵎، وإن لم يدع تلك الواسطة، ولم يسألها شيئًا؛ لأنه يكون حينئذٍ قد اعتقد النفع والضر بيد غير الله تعالى.
يقول الإمام ابن القيم: "ومن ظن أن له ولدًا أو شريكًا أو أن أحدًا
стр. 1070
يشفع عنده بدون إذنه أو أن بينه وبين خلقه وسائط يرفعون حوائجهم إليه أو أنه نصب لعباده أولياء من دونه يتقربون بهم إليه ويتوسلون بهم إليه ويجعلونهم وسائط بينهم وبينه فيدعونهم ويحبونهم كحبه ويخافونهم ويرجونهم فقد ظن به أقبح الظن وأسوأه" (١).
رابعًا: التفريق بين الواسطة المنفية والوسيلة الشرعية، فالأولى شرك بالله العظيم، والثانية قربة قد رتب الله عليها الأجر والثواب.
يقول الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: "وأَما التوسل بالأموات إلى الله سبحانه، وجعلهم واسطة بينهم وبين الله، فهذا من أكبر المحرمات" (٢).
خامسًا: دلت القاعدة على إبطال قول من زعم أنه يتلقى الدين عن غير طريق الرسول ﷺ ، ولا شك في بطلان هذا القول، بل كفره، فإن من اعتقد أنه يسوغ له الخروج عن شريعة النبي ﷺ فهو كافر زنديق.
стр. 1071
الخاتمة
وفي ختام هذه الرسالة أسأل الله ﵎ أن ينفعني بها وينفع بها كل من نظر فيها، ثم أرى من المفيد أن أسوق خلاصة الفوائد والنتائج التي حصلت عليها من خلال البحث، وأختصرها في النقاط التالية:
١ - أهمية التقعيد في جميع العلوم وخاصة علم العقيدة؛ لأن قواعده تضمنت في الغالب أصول الدين وأسس الإسلام، فمن أعرض عن هذه القواعد ولم يحقق معانيها، وأتى بما يناقضها لم يكن ممن حقق التوحيد، أو أتى بأصل الإيمان، أو حتى بتمامه وكماله.
٢ - أهمية توحيد العبادة، وأنه أساس الإسلام، فلا فوز للمسلم في الدنيا ولا في الآخرة إذا فقد نصيبه من هذا التوحيد العظيم، ولذا يجب أن يكون نصب أعين جميع الدعاة والمصلحين في دعوتهم للناس، فإن نجاتهم وسعادتهم مربوطة بتحقيقهم لهذا التوحيد.
٣ - أن دين الأنبياء جميعًا دين واحد، وذلك لأن إلههم ومعبودهم واحد أحد، فرد صمد، فوحدة الدين دلت على وحدة المعبود، إذ لو كان هناك إلهان لكان هناك حتمًا ولا بد دينان، ولذهب كل إله بدينه وعابديه.
٤ - استشعار نعمة الله تعالى فيما مَنَّ به على الإنسان بإنزال الشرع ومنحة العقل الذي ركَّبه فيه، فهو عزيز قوي بربه ﵎، لا يخاف ولا يتذلل ولا يخضع إلا لفاطر السموات والأرض؛ إذ كل ما سوى الله
стр. 1072
لا يخرج عن أمره وسلطانه، بل هو ضعيف ذليل لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا فضلًا عن أن يملكه لغيره، كما أنه عزيز مكرم بهذا العقل الذي وهبه الله إياه، وميَّزه به عن سائر الحيوان، يدرك به ما ينفعه، ويتوصل به إلى أعلى درجات الرقي والتقدم فيما يصلح دينه ودنياه، ويحفظه عن كل ما فيه إهدار لقيمته، أو تحقير من شأنه ومنزلته، فلا يعتقد في كبير ولا صغير، ولا عظيم ولا حقير، فلا نافع له سوى ربه ومعبوده ﵎.
٥ - كمال هذا الدين وأنه ﷺ قد بلغ جميع ما أنزل إليه من ربه ولم يكتم منه حرفًا واحدًا، وهو دين الإسلام بلغه بلا نقص ولا تقصير، فلم يبق فيه إشكال فيحتاج إلى حلّ ولا إجمال فيفتقر إلى تفصيل.
٦ - أن الغاية العظيمة والحكمة الجليلة من خلق الخلق هو عبادته وحده دون ما سواه، وفي معرفة الإنسان بهذه الغاية تتجلى قيمة الإنسان في هذا الكون، وأنه إنما خلق لغاية عظيمة، ومقصد شريف، ونهاية عزيزة، تؤول به إلى السعادة الدائمة، والنعيم المقيم.
٧ - أن معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته هي أصل العبادة، وتمام العبادة متوقف على تمام هذه المعرفة، فكلما ازدادت معرفة العبد بربه كانت عبادته على غاية من التمام والكمال.
٨ - أن ما قصده الرسول ﷺ من الأمكنة والبقاع بالعبادة، أو تحرّاها بإيقاع العبادة فيها، أو قصدها تشريعًا للأمة فمثل هذا تشرع متابعته فيها ﷺ ، ويسن تحري تلك الأمكنة بالعبادة اقتداء به ﵊ طلبًا للقربة والثواب من الله ﵎، وذلك مثل قصده للصلاة عند مقام إبراهيم ﵇، وكقصده لعرفات ومزدلفة ومنى وغيرها من المواضع التي قصدها تقربًا وتشريعًا للأمة.
٩ - أن تعظيم آثار الأنبياء والصالحين لا يكون بتمجيد آثارهم
стр. 1073
الأرضية الترابية، وإنما يكون بتمجيد أفعالهم وأقوالهم وسيرتهم الحسنة التي يحبها الله ﵎ ويرضى عنها، هذا هو التعظيم النافع الذي تحتاجه الأمة المسلمة.
١٠ - أن البركة والتبارك الواردين في النصوص الشرعية على قسمين:
الأول: بركة متعلقة بالله تعالى؛ وهذه على نوعين:
أ- بركة هي صفته الذاتية، تضاف إليه إضافة الصفة للموصوف كإضافة الرحمة والعزة، ويأتي الفعل منها مبنيًا على صيغة الماضي وهو (تبارك).
ب- بركة هي فعله تعالى، والفعل منها (بارك) والمفعول (مُبَارَك).
الثاني: بركة متعلقة بالمخلوق، وهي آثار فعله ﵎ بالمخلوق.
وهذا النوع أعني البركة المتعلقة بالمخلوق ليست ملكًا للمخلوق بحيث يوجدها في نفسه أو في غيره متى شاء ومتى ما أراد، وإنما هي من إيجاد الرب ﵎ وخلقه لها، لكنه قد يسعى في استجلابها باتخاذ الأسباب الجالبة لها.
١١ - أن اتخاذ القبلة التي يتوجه إليها حال العبادة يعتبر من الشعائر العظيمة التي يتقرب بها إلى الله تعالى، وما من أهل دين ولا ملة إلا ولهم قبلة يتوجهون إليها حال عبادتهم، ويعتبرونها من أعلام دينهم وشعائره التي تميزهم عن غيرهم.
١٢ - أن التوجه الشرعي يكون على قسمين:
الأول: توجه قلبي باطني.
الثاني: توجه ظاهري، وقد يجتمعان في العبادة الواحدة، بل قد لا يعتبر أحدهما بدون الآخر في بعض الأحوال كما في الصلاة.
стр. 1074
فالتوجه الباطني: هو الإقبال على الله تعالى بالكلية والانقياد له انقيادًا قلبيًا باطنيًا وقصده بأنواع العبادة الظاهرة والباطنة.
والتوجه الظاهري يكون بالوجه إلى جهة معينة وهي جهة القبلة التي شرعها الله حال العبادة.
والوجه إنما يتوجه حيث توجه القلب، فإذا توجه الوجه نحو جهة، كان القلب متوجهًا إليها، ولا يمكن للوجه أن يتوجه بدون القلب، فإسلام الوجه وإقامته وتوجيهه مستلزم لإسلام القلب وإقامته وتوجيهه.
١٣ - أن ما يفعله بعض الناس من وضع اليد اليمنى على اليسرى أمام الحجرة النبوية هو من الهيئات الداخلة في حد الصلاة فلا يجوز أن تصرف لأحد سوى الله ﵎، كما أنها هيئة خضوع وذل لله شرعت في الصلاة، والصحابة عندما كانوا يسلمون على النبي ﷺ في حياته لم يكونوا يفعلون ذلك، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه.
١٤ - أنه لا يسمى شيء من العبادات عبادة إذا خلا قلب العابد عن التوحيد، ولا يوصف أحد بأنه عبد الله أو عابد لله إلا من تحقق قلبه بالتوحيد والإخلاص والبعد عن الشرك.
١٥ - أن العبادة الشرعية تنبني على ركنين أساسيين؛ هما محبة المعبود والخضوع له، ولا يحصل أحدهما إلا بالآخر، وتمام كل واحد منهما بتمام الآخر.
١٦ - أن الأعمال يحكم عليها بالصحة والفساد إما بسبب ذواتها، أو بسبب نياتها ومقاصدها، ولا شك أن المحرَّمات؛ سواء كانت في نفسها محرَّمة، أو كانت تؤدي إلى المحرم، كل ذلك مما يوصف بالفساد والبطلان بذاته، إذ الوسيلة إلى المحرَّم محرَّمة، ولو كانت المحرَّمات أو وسائلها صالحة، وكان نفعها غالب لما حرمت، وعليه فالنية مهما كانت صالحة وخالصة لله ﵎، فإنها لا تؤثر في المحرَّمات صحة
стр. 1075
وصلاحًا، لأن الله أمرنا بترك المحرَّم والابتعاد منه، وهذا هو الواجب نحو كل ما حرَّمه الله تعالى، أو حرَّمه رسوله ﷺ ، إذ لا يحلُّ لأحد أن يفعل المحرم بحجة أن نيته فيه صالحة، وأنه ما أراد من ورائه إلا الخير، وكل ذلك من تلبيس إبليس عليه لعنة الله.
١٧ - أنواع التوحيد الثلاثة متلازمة، فلا يقوم واحد منها إلا باستقامة من النوعين الآخرين، وكمال أحدهما بكمال البقية، كما أن الخلل والانحراف في أي نوع منها هو خلل وانحراف في جملة التوحيد.
١٨ - أن اعتراف المشركين وإقرارهم بتوحيد الربوبية لم يفدهم شيئًا، في تخليصهم من النار أو دخولهم الجنة؛ لأن إقرارهم هذا لا عبرة له، ولا يقبل منهم؛ لأنهم لم يأتوا بلازمه الرئيس الذي به يصح وهو توحيد العبادة.
١٩ - أن ربوبية الله تعالى على خلقه نوعان:
الأول: ربوبية عامة؛ وهي شاملة لجميع ما في الكون.
الثاني: ربوبية خاصة: وهي ربوبية الهداية والرشاد والتأييد والنصر، وهي متعلقة بخواص خلقه من الأنبياء وأتباعهم.
٢٠ - أن الربوبية والألوهية مفهومان متغايران؛ فلكل واحد مفهوم يخصه في حال اجتماعهما، وإذا افترقا دخل كل واحد منهما في الآخر وشمله في المعنى.
٢١ - أن مدار أعمال العباد على تحقيق معنى الشهادتين باللسان والقلب والجوارح؛ فيطابق قول اللسان ما اعتقده القلب وصدقه وعمل به، ولا بد أن يلازم كل ذلك أعمال الجوارح والتي هي موجب ذلك القول والاعتقاد والعمل، وهي من أكبر دلائله وأعظم علاماته.
٢٢ - أن المقصود بالنفي والإثبات في شهادة أن لا إله إلا الله هو
стр. 1076
إثبات الألوهية الخالصة لله وحده دون ما سواه، ثم إفراده بجميع أنواع العبادة، وإبطال عبادة جميع ما يعبد من دونه في الوجود.
٢٣ - أن المقصود بالنفي في كلمة التوحيد هو الكفر بالطاغوت.
٢٤ - أن لفظ الطاغوت في عرف الشرع عام يشمل كل من طغى أو تجاوز حده من معبود أو متبوع أو مطاع.
٢٥ - أن صحة الإيمان متوقفة على تحقيق الكفر بالطاغوت، بل لا يتصور وجود إيمان صحيح في القلب مع الإيمان بالطاغوت أو محبته أو تعظيمه.
٢٦ - أن المحبة ليست من الأمور الملموسة التي يشترك الناس في معرفتها ووصفها، ولا تكشف حقيقتها إلا بذوقها ووجودها، وفرق بين ذوق الشيء ووجوده، وبين تصوره والعلم به.
٢٧ - أن من آثار الفطرة التي فطر الله عليها عباده الحنيفية وإسلام الوجه بالتوحيد والخضوع والمحبة للخالق ﵎، ولا بد للفطرة لكي تستوجب آثارها أن تكون سليمة على خلقتها الأولى التي خلقت عليها.
٢٨ - أن المؤمنين يتفاضلون تفاضلًا عظيمًا عند المولى بحسب درجاتهم في تحقيق التوحيد؛ فمنهم من بلغ الغاية في تحقيقه كالأنبياء والرسل لا سيما أولوا العزم منهم، ومنهم من حققه تحقيقًا لا يصل به رتبة الرسل، كأهل العلم والصلاح وأهل التقى والطاعة، ومنهم من قصر في تحقيقه فصار ناقصًا مذمومًا بسبب تقصيره في تحقيقه.
٢٩ - أنه ليس من شرط المحقق للتوحيد ألا يقع في المعاصي أبدًا، بل قد تحصل منه بعض الذنوب ولكنه سرعان ما يؤوب وينيب ويرجع إلى ربه ﵎ بالتوبة والاستغفار.
٣٠ - أن الإقرار بتوحيد الربوبية، والإيقان بأن الله تبارك وتعالى
стр. 1077
هو الخالق والمالك والمدبر هو الأصل الذي يثمر توحيد الإلهية، ويتوصل به إلى توحيد العبادة، فتوحيد الله في ربوبيته هو الأساس والأصل الذي ينبني عليه توحيد العبادة.
٣١ - أن العبادة ممنوعة ومحظورة وموقوفة ومحبوسة حتى يأتي الإذن بها من الله ﵎، فالله تعالى هو المعبود الحق، وهو الذي أمر بعبادته، وتشريعه للعبادة حقه الذي لا يشركه فيه أحد من الخلق، وعليه فلا يعبد إلا كما يريد ويحب .
٣٢ - أن من أعظم خصائصه ﷺ أن الله تعالى فرض طاعته واتِّباعه على العالم فرضًا مطلقًا وعامًا، وأوجب على الناس كافة التأسي به قولًا واعتقادًا، وفعلًا وتركًا، بلا قيد فيه، ولا شرط، ولا استثناء، وذلك بخلاف غيره من البشر.
٣٣ - أن الوسائل لها أحكام المقاصد، هذا في الغالب الأعم ومن حيث الجملة؛ فإن كانت الوسيلة يتوقف عليها حصول المقصود فإنها تعطى حكمه تمامًا، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وما لا يتم المندوب إلا به فهو مندوب، وما لا يتم ترك المحرم إلا بتركه فتركه واجب، وهكذا.
وأما إن كانت الوسيلة لا يتوقف عليها وحده حصول المقصود، وذلك عند تعدد الوسائل المؤدية إلى مقصود واحد، ففيه تفصيل؛ فإن كان المقصود منهيًا عنه أو مباحًا فتأخذ الوسيلة حكمه.
وأما إن كان المقصود مطلوبًا ومأمورًا به؛ سواء أمر إيجاب أو استحباب فإحدى الوسائل تكون مطلوبة دون تعيين؛ لتوقف المقصود المطلوب على مباشرة إحدى هذه الوسائل، ومرد ذلك إلى اختيار المكلف واجتهاده، فيكون الأمر كالواجب المخير تمامًا، وبهذا يظهر أن القاعدة المذكورة أغلبية.
стр. 1078
٣٤ - أن التشبيه هو حقيقة الشرك وموجبه وعلته الملازمة له، إذ لا ينفك الشرك وعبادة غيره سبحانه عن تشبيه واقع بين المخلوق والخالق، فمن صرف الدعاء لغيره قد شبَّه ذلك الغير بالله تعالى بإعطائه أخص ما يستحقه سبحانه من التضرع والخضوع والذلة الملازمة للداعي.
٣٥ - أن حقيقة الشرك هو التسوية بين الله تعالى وبين من أُشْرِكَ معه فيما يختص به في الذات أو الصفات أو الأفعال أو الحقوق.
٣٦ - أن طلب الشفاعة من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا هو أو من غير إذنه شرك بالله تعالى؛ لأنَّها متضمنة لسؤال غير الله، والإقبال عليه، رغبة ورهبة، وفي هذا إعراض عن الله وقصده وإرادة وجهه، فلا يشرع دعاء الملائكة ولا من مات من الأنبياء والصالحين لما يترتب على ذلك من مفسدة الوقوع في الشرك بالله تعالى.
٣٧ - الضابط لما يكون شركًا حال الخوف من غيره ، وهو اعتقاد القدرة التامة الغيبية، والمشيئة النافذة المستقلة في المخوف منه، بحيث يتصرف في الكون إما استقلالًا أو مع الله تعالى، فاجتمع هنا شركان؛ شرك في الربوبية باعتقاد القدرة في غيره سبحانه، وشرك في الإلهية بصرف عبادة الخوف القلبي لغيره .
وهذا الضابط ينسحب على كثير من العبادات كالرجاء والمحبة والتوكل وغيرها من أنواع العبادة؛ فمن رجا مخلوقًا أو توكل عليه معتقدًا فيه القدرة على جلب النفع وتحقيق المرجو بقدرته ومشيئته كان واقعًا في الشركين معًا.
٣٨ - أن الاعتقاد في الأسباب، بكونها مؤثرة في المُسَبَّبات بذاتها بدون قدرة الله تعالى ومشيئته، أو مع المشاركة لله تعالى في القدرة والتأثير، شرك بالله تعالى يخرج صاحبه عن دائرة الإسلام، ويبطل الإيمان الذي في قلبه.
стр. 1079
٣٩ - أن مالك الشفاعة هو الله تعالى، فلا يملكها مخلوق على الإطلاق لا مَلَكٌ مقرب، ولا نبي مرسل، ولا ولي ولا صالح ولا جن ولا إنس، بل هي حق الله الخالص الذي لا يشركه فيه مخلوق بحال.
٤٠ - أن الأصل في الاستشفاع وهو طلب الشفاعة أن يكون من مالكها وهو الرب تعالى، أو ممن أَذن الله تعالى أن يستشفع به فمن طلبها من غير الله أو من غير من أذن له وقع في الشرك الأكبر.
٤١ - أن مجيء الأمر من الله تعالى بدعائه سبحانه وحده، والنهي عن دعاء أحد سواه يتناول كلا نوعي الدعاء؛ دعاء العبادة ودعاء المسألة، وعليه فجميع ما ورد في القرآن من الأمر بدعاء الله وحده، أو النهي عن دعاء غيره يصح تفسيره بدعاء العبادة ودعاء المسألة في آن واحد؛ وذلك لكون كلا النوعين عبادة لله تعالى، والعبادة يحبها الله تعالى ويأمر بها، وينهى أن تصرف لغيره سبحانه.
٤٢ - أن المشرك بالله تعالى قد اتصف بأشنع الصفات، وأقبح السمات التي حقيقتها الظلم، والإجحاف، والإجرام، والتجني، والاعتداء على حق الملك الديان، مالك الملك، وخالق الكون، وموجد البرية من العدم، فأشرك مع الرب غيره في العبادة، وأدخل الوسائط بينه وبن معبوده الحق، فصار يدعوهم ويتوجه إليهم بأخص خصائص الإلهية، ومعاني الربوبية فخضع قلبه، وتعلق فؤاده، خوفًا ورجاء ومحبة وخضوعًا، وذلًا وإخباتًا في السراء والضراء، وفي الشدة والرخاء.
٤٣ - أن قبح الشرك وشناعته، ونفور العقول السليمة منه، واستبشاع الفطر المستقيمة له من أوضح الأمور وأبينها في دلالات العقول والفطر، فقبح الشرك والتنديد، واتخاذ معبود مع الله ﵎ مستقر في خلقة كل عقل بشري، وتقتضيه الفطر قبل أن ينزل وحي إلهي
стр. 1080
أو كتاب سماوي، وذلك من أعظم أسباب الهداية، والسلامة من الغواية التي امتن الله بها على عباده.
٤٤ - أن حقيقة الشرك الأصغر يمكن ضبطها بعدة أمور هي كما يلي:
١ - كونه وسيلة وذريعة وطريقًا إلى الشرك الأكبر.
٢ - أنه يتنوع فيشمل إرادات القلوب وأعماله، وأقوال اللسان وأفعال الجوارح.
٣ - أن لا تصل تلك الإرادات والأقوال والأفعال إلى رتبة عبادة غيره ، والمقصود بذلك أن تصرف الإرادات والأقوال والأفعال المختصة بالله تعالى للمخلوق، فيكون هناك نوع من التنديد، ولكن ليست بنفس الطريقة التي تصرف بها للرب ﵎، وعليه فإنها لا تنافي التوحيد منافاة مطلقة، وإن كان فيها نوع منافاة، لكنها لا تتضمن الاعتقاد الشركي الذي يخرج به الإنسان عن ملة الإسلام.
٤٥ - أن قاعدة سد الذرائع من القواعد العظيمة في الشريعة الإسلامية، بل هي جزء عظيم لا يتجزأ عن تكاليف الشريعة، ظهرت فيه حكمة الله سبحانه، وكمال تشريعاته، وحسن أحكامه، وأنها تقود إلى المقاصد الحميدة، والنتائج السليمة الموافقة للعقول الصحيحة، والعارف البصير من نظر في الأسباب وتحقق من غاياتها، وعرف نتائجها، وتأمل مقاصدها وما تؤول إليه.
٤٦ - أن حقائق الأشياء ومعانيها اللغوية أو الشرعية لا تتغير بتغير الألفاظ والأسماء، كما أن الأحكام الشرعية مرتبطة بالحقائق والمعاني، فمتى ما وجدت الحقيقة وجد الحكم بغض النظر عن اختلاف الأسماء وتنوع الألفاظ؛ إذ الأسماء عرضة للتغيير حسب الأزمنة والأمكنة وأعراف الناس، وهذا أمر مشاهد بين الناس ولا ينكره منكر.
стр. 1081
٤٧ - أن تعظيم العبد لشعائر الله تعالى ليس هو في مرتبة تعظيمه لربه سبحانه؛ إذ تعظيم الرب هو الأصل والمؤثر الذي ينتج عنه تعظيم الشعائر، بل العلاقة بين التعظيمين علاقة طردية عكسية؛ فكلما زاد تعظيم الرب وتقواه في القلب زاد تعظيمه لشعائره، كما أن تعظيم الشعائر -بتكميلها والمحافظة عليها- مما يزيد في تقوى القلوب، ويكبر به تعظيم الرب في قلب العبد.
٤٨ - أن مقاصد المشركين ونياتهم في توجهاتهم وعبادتهم لغير الله تعالى، وأنهم ما أرادوا من معبوداتهم إلا التسبّب والتشفّع والتقرب، ولم يدعوا لآلهتهم التصرف والاستقلال بالتأثير في شيء من الكون، وإن كان ذلك لازمًا لهم من جهة إشراكهم في توحيد العبادة كما سبق بيانه من قبل.
٤٩ - أن عبادة المشركين للأصنام ونحوها من الأوثان والأنصاب لم يكن لأجل ذاتها، أو لكونها أحجارًا وأخشابًا، أو لشيء من صفاتها التكوينية، وإنما كانت عبادتهم لها لأغراض أخرى، وأسباب عديدة اقتضت تصوير هذه الأصنام ونحتها على شكل وهيئة معبوداتهم.
٥٠ - أن طبيعة الشرك الذي كان عند العرب الأوائل الذين بعث فيهم محمد ﷺ ، وأنهم كانوا على حالتين؛ الأولى، وهي حالة الرخاء فكانوا يشركون الأصنام والآلهة مع الله تعالى في العبادة، والثانية حالة الشدة والكرب ونزول العذاب فكانوا يرجعون إلى الله تعالى بالتوحيد، ويفردونه سبحانه بالعبادة، فيخلصون له الدعاء ويتضرعون إليه بالسؤال وطلب النجاة، وعندها ينسون ما كانوا يشركونه من الأنداد والآلهة؛ لعلمهم بأن ساعات الشدة والعذاب لا ينجي منها إلا الرب سبحانه وجلَّ في علاه.
٥١ - أن الواسطة الشركية البدعية منتفية عن دين الحنفاء -وهو
стр. 1082
دين الإسلام العام- فليس فيه واسطة بين الله وخلقه، لا في أمور الربوبية؛ من الخلق والرزق، والنفع والضر، وإجابة الدعاء، والنصر على الأعداء، وتفريج الكربات، والحفظ والهداية، ولا في شيء من أمور الإلهية، من عبادة الله تعالى، والتقرب إليه بالدعاء والاستعانة وغير ذلك من أنواع العبادات.
هذا وأسأل الله تعالى التوفيق والقبول إنه خير مسؤول.
والله أعلم.
وصلى الله على نبيه محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 1083
فهرس المصادر والمراجع
١ - أباطيل وأسمار: محمود محمد شاكر، الناشر: مكتبة الخانجي، الطبعة الثالثة، (٢٠٠٥ م).
٢ - أبجد العلوم، الوشي المرقوم في بيان أحوال العلوم: صديق حسن خان القنوجي، تحقيق: عبد الجبار زكار -دار الكتب العلمية- بيروت، الطبعة الرابعة، (١٩٧٨ م).
٣ - إبطال التنديد باختصار شرح كتاب التوحيد: تأليف: العلامة الشيخ حمد بن علي بن محمد بن عتيق، تقديم ومراجعة: الشيخ إسماعيل بن سعد بن عتيق، تحقيق: عبد الإله بن عثمان الشايع، دار أطلس الخضراء - الرياض، الطبعة الأولى، (١٤٢٤ هـ).
٤ - إبطال الحيل: تأليف: عبيد الله بن محمد بن بطة العكبري العقيلي، المكتب الإسلامي - بيروت، (١٤٠٣ هـ)، الطبعة الثانية، تحقيق: زهير الشاويش.
٥ - الإبطال لنظرية الخلط بين دين الاسلام وغيره من الأديان: للشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد، نشر: رئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء - الرياض، الطبعة الثانية، (١٤٢٣ هـ).
٦ - ابن رجب الحنبلي وأثره في توضيح عقيدة السلف: د. عبد الله الغفيلي، دار المسير - الرياض، الطبعة الأولى، (١٤١٨ هـ).
٧ - ابن عثيمين الإمام الزاهد: د. ناصر الزهراني، دار ابن الجوزي - الدمام، الطبعة الأولى، (١٤٢٢ هـ).
٨ - اتفاق المباني وافتراق المعاني: تأليف: سليمان بن بنين الدقيقي النحوي، دار عمار - الأردن، (١٤٠٥ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: يحيى عبد الرؤوف جبر.
٩ - الإتقان في علوم القرآن: تأليف: جلال الدين عبد الرحمن السيوطي، دار الفكر - لبنان، (١٤١٦ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: سعيد المندوب.
١٠ - إتمام الأعلام: ذيل لكتاب الأعلام لخير الدين الزركلي، تأليف: د. نزار أباظة، ومحمد رياض المالح، نشر: دار صادر - بيروت، الطبعة الأولى، (١٩٩٩ م).
стр. 1084
١١ - الأثر المشهور عن الإمام مالك ﵀ في صفة الاستواء: للأستاذ الدكتور: عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر، ضمن مجلة الجامعة الإسلامية، عدد (١١١).
١٢ - الإجماع: تأليف: محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري أبو بكر، دار الدعوة - الإسكندرية، (١٤٠٢ هـ)، الطبعة الثالثة، تحقيق: د. فؤاد عبد المنعم أحمد.
١٣ - أجوبة المسائل الثمان في السُّنَّة والبدعة والكفر والإيمان للمعصومي: ضبط وتعليق وتخريج: الشيخ علي الحلبي، الناشر: دار الراية - الرياض، الطبعة الأولى، (١٤١٧ هـ).
١٤ - أحاديث في ذم الكلام وأهله: عبد بن محمد الهروي، تحقيق: عبد الله عثمان الأنصاري - مكتبة الغرباء، الطبعة الأولى.
١٥ - إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام: تأليف: تقي الدين أبي الفتح، دار الكتب العلمية - بيروت.
١٦ - أحكام القرآن: أبو بكر محمد بن عبد الله بن العربي، تحقيق: علي البجاوي، دار المعرفة، بيروت.
١٧ - أحكام القرآن: أحمد بن علي الرازي الجصاص، تحقيق: عبد السلام بن محمد علي شاهين، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى، (١٤١٥ هـ).
١٨ - أحكام القرآن: تأليف: محمد بن إدريس الشافعي، دار الكتب العلمية - بيروت، (١٤٠٠ هـ)، تحقيق: عبد الغني عبد الخالق.
١٩ - أحكام أهل الذمة: للإمام شمس الدين محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، تحقيق: يوسف أحمد البكري، شاكر توفيق، رمادي للنشر- دار ابن حزم، الدمام، بيروت، الطبعة الأولى، (١٤١٨ هـ).
٢٠ - الأحكام في أصول الأحكام: علي بن أحمد بن حزم الأندلسي، دار الحديث - القاهرة، الطبعة الأولى، (١٤٠٤ هـ).
٢١ - الأحكام في أصول الأحكام: تأليف: علي بن محمد الآمدي أبو الحسن، دار الكتاب العربي - بيروت، (١٤٠٤ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: د. سيد الجميلي.
٢٢ - إحياء علوم الدين: تأليف: محمد بن محمد الغزالي أبو حامد، دار المعرفة - بيروت.
٢٣ - أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه: محمد بن إسحاق بن العباس الفاكهي أبو عبد الله، نشر: دار خضر - بيروت، (١٤١٤ هـ)، الطبعة الثانية، تحقيق: د. عبد الملك عبد الله دهيش.
стр. 1085
٢٤ - الآداب الشرعية والمنح المرعية: تأليف: الإمام أبي عبد الله محمد بن مفلح المقدسي، مؤسسة الرسالة - بيروت، (١٤١٧ هـ)، الطبعة الثانية، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، وعمر القيام.
٢٥ - أدب الطلب ومنتهى الأدب: تأليف: محمد بن علي الشوكاني، دار ابن حزم - بيروت، (١٤١٩ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: عبد الله يحيى السريحي.
٢٦ - أدب الكاتب: عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري أبو محمد، تعليق: علي فاعور، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى، (١٤٠٨ هـ).
٢٧ - الأدب المفرد: تأليف: محمد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري الجعفي، دار البشائر الإسلامية - بيروت، ١٤٠٩ هـ، الطبعة الثالثة: تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي.
٢٨ - الأذكار المنتخبة من كلام سيد الأبرار: تأليف: الإمام النووي، دار الكتب العربي - بيروت، ١٤٠٤ هـ.
٢٩ - أربع قواعد تدور الأحكام عليها: تأليف: محمد بن عبد الوهاب، نشر: مطابع الرياض - الرياض، الطبعة الأولى، تحقيق: عبد العزيز بن زيد الرومي، د. محمد بلتجاي، ود. سيد حجاب.
٣٠ - إرشاد الثقات إلى اتفاق الشرائع على التوحيد والمعاد والنبوات: لمحمد بن علي الشوكاني، تحقيق: جماعة من العلماء، بإشراف الناشر، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى، (١٤٠٤ هـ).
٣١ - إرشاد الفحول: محمد بن علي الشوكاني، تحقيق: محمد سعيد البدري، مؤسسة الكتاب الثقافية، الطبعة الثانية، (١٤١٣ هـ).
٣٢ - إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل: محمد ناصر الدين الألباني، إشراف: محمد زهير الشاويش، المكتب الإسلامي - بيروت، الطبعة الأولى، (١٣٩٩ هـ).
٣٣ - أساس البلاغة: محمود بن عمر الزمخشري، مكتبة لبنان ناشرون - بيروت، الطبعة الأولى، (١٩٩٦ م).
٣٤ - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار: ابن عبد البر، (نسخة أخرى كاملة في ثلاثين مجلد)، وثق أصوله وخرج نصوصه ووضع فهارسه الدكتور: عبد المعطي قلعجي، دار قتيبة - دمشق - بيروت، ودار الوعي، حلب - القاهرة، الطبعة الأولى، (١٤١٤ هـ).
стр. 1086
٣٥ - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار: تأليف: أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري القرطبي، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت، (٢٠٠٠ م)، الطبعة الأولى، تحقيق: سالم محمد عطا، ومحمد معوض.
٣٦ - الاستقامة: لشيخ الإسلام أحمد بن تيمية، تحقيق: محمد رشاد سالم، جامعة الإمام محمد بن سعود، الطبعة الأولى، (١٤٠٣ هـ).
٣٧ - الاستيعاب في معرفة الأصحاب: تأليف: يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر، نشر: دار الجيل - بيروت، (١٤١٢ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: علي محمد البجاوي.
٣٨ - الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة: المعروف بـ (الموضوعات الكبرى)، تأليف: نور الدين علي بن محمد بن سلطان المشهور بالملا علي القاري، دار الأمانة، مؤسسة الرسالة - بيروت، (١٣٩١ هـ)، تحقيق: محمد الصباغ.
٣٩ - الأسماء والصفات: للإمام أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي، الطبعة الأولى، (١٤١٣ هـ)، مكتبة السوادي - جدة، تحقيق: عبد الله بن محمد الحاشدي، تقديم الشيخ مقبل بن هادي الوادعي.
٤٠ - أسنى المتاجر وبيان أحكام من غلب على وطنه النصاري ولم يهاجر وما يترتب عليه من العقوبات والزواجر: تأليف: أبي العباس أحمد بن يحيى بن محمد التلمساني الونشرسي، مكتبة الثقافة الدينية - مصر، (١٤٠٦ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: د. حسين مؤنس.
٤١ - الأشباه والنظائر: تأليف: عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، دار الكتب العلمية - بيروت، (١٤٠٣ هـ)، الطبعة الأولى.
٤٢ - الأشباه والنظائر: لتاج الدين عبد الوهاب المعروف بابن السبكي، تحقيق: عادل أحمد وعلي عوض، الطبعة الأولى، (١٤١١ هـ)، دار الكتب العلمية - بيروت.
٤٣ - الاشتقاق: محمد بن الحسن بن دريد - دار الجيل، بيروت.
٤٤ - الإصابة في تمييز الصحابة: أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي، دار الجيل - بيروت، (١٤١٢ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: علي محمد البجاوي.
٤٥ - أصل صفة صلاة النبي ﷺ من التكبير إلى التسليم - كأنك تراها -: محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف - الرياض، الطبعة الأولى، (١٤٢٧ هـ).
٤٦ - إصلاح المنطق: تأليف: أبو يوسف يعقوب بن إسحاق بن السكيت، دار المعارف - القاهرة، الطبعة الرابعة، تحقيق: أحمد محمد شاكر، وعبد السلام.
стр. 1087
٤٧ - أصول الفقه المسمى إجابة السائل شرح بغية الأمل: تأليف: محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني، مؤسسة الرسالة - بيروت، (١٩٨٦ م)، الطبعة الأولى، تحقيق: القاضي حسين بن أحمد السياغي والدكتور حسن محمد مقبولي الأهدل.
٤٨ - أصول مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية: للدكتور: ناصر بن عبد الله بن علي القفاري، دار الحرمين للطباعة - القاهرة، الطبعة الثانية، (١٤١٥ هـ).
٤٩ - أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن: تأليف: محمد الأمين بن محمد بن المختار الجكني الشنقيطي، نشر: دار الفكر للطباعة، والنشر - بيروت، (١٤١٥ هـ)، تحقيق: مكتب البحوث والدراسات.
٥٠ - إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد: للشيخ صالح بن فوزان الفوزان، نشر: مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الثالثة، (١٤٢٣ هـ).
٥١ - الاعتصام: للشاطبي، تحقيق: سليم الهلالي، دار ابن عفان، الخبر - السعودية، الطبعة الأولى، (١٤١٢ هـ).
٥٢ - الاعتصام: لأبي إسحاق، إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي، تحقيق: أحمد عبد الشافي، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى، (١٤٠٨ هـ / ١٩٨٨ م).
٥٣ - إعلام الموقعين عن رب العالمين: للإمام ابن القيم الجوزية، تحقيق: طه عبد الرؤوف سعد، دار الجيل، بيروت، الطبعة الثانية، (١٩٧٣ م).
٥٤ - أعلام النبوة: تأليف: أبو الحسن علي بن محمد الماوردي الشافعي، دار الكتاب العربي - بيروت، (١٤٠٧ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي.
٥٥ - الإعلام بتصحيح كتاب الأعلام: محمد بن عبد الله الرشيد، دار ابن حزم - بيروت، ومكتبة الإمام الشافعي - الرياض، الطبعة الأولى، (١٤٢٢ هـ).
٥٦ - الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام وإظهار محاسن الإسلام: تأليف: محمد بن أحمد بن بكر بن فرح القرطبي أبو عبد الله، دار التراث العربي- القاهرة، (١٣٩٨ هـ)، تحقيق: د. أحمد حجازي السقا.
٥٧ - الأعلام: قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستغربين والمستشرقين، تأليف: خير الدين الزركل، دار العلم للملايين - بيروت، الطبعة الخامسة عشرة، (٢٠٠٢ م).
стр. 1088
٥٨ - إغاثة اللهفان: للإمام شمس الدين محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، تحقيق: محمد حامد الفقي، دار المعرفة - بيروت، الطبعة الثانية، (١٣٩٥ هـ).
٥٩ - أفعال الرسول ﷺ ودلالتها على الأحكام الشرعية: لمحمد سليمان الأشقر، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الخامسة، (١٤١٧ هـ).
٦٠ - الأفعال: تأليف: أبو القاسم علي بن جعفر السعدي، عالم الكتب - بيروت، (١٤٠٣ هـ)، الطبعة الأولى.
٦١ - اقتضاء الصراط المستقيم: لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق: محمد حامد الفقي، مطبعة أنصار السُّنَّة المحمدية - القاهرة، الطبعة الثانية، (١٣٦٩ هـ).
٦٢ - إلجام العوام عن علم الكلام: محمد بن محمد الغزالي، تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي، دار الكتاب العربي - بيروت، الطبعة الأولى، (١٤٠٦ هـ).
٦٣ - الأم: تأليف: محمد بن إدريس الشافعي، نشر: دار المعرفة - بيروت، (١٣٩٣ هـ)، الطبعة الثانية.
٦٤ - الإمام الشاطبي: عقيدته وموقفه من البدع وأهلها، للشيخ عبد الرحمن آدم علي ﵀ مكتبة الرشد، الرياض، الطبعة الأولى، (١٤١٨ هـ).
٦٥ - الأمثال القرآنية القياسية المضروبة للإيمان بالله: للدكتور عبد الله الجربوع، الناشر: عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية - المدينة المنورة، الطبعة الأولى.
٦٦ - الأمنية في إدراك النية: تأليف: أحمد بن إدريس المالكي الشهير بالقرافي، دار الكتب العلمية - بيروت، (١٤٠٤ هـ).
٦٧ - إنباء الغمر بأبناء العمر: تأليف: الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، حيدر آباد - الهند، (١٣٩٤ هـ).
٦٨ - إنباه الرواة على أنباء النحاة: لجمال الدين أبي الحسن علي بن يوسف القفطي، تحقيق: محمد أبي الفضل إبراهيم، الطبعة الأولى، (١٤٠٦ هـ)، دار الفكر العربي - القاهرة.
٦٩ - الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار: للشيخ يحيى بن أبي الخير العمراني، تحقيق: د. سعود الحلف، مكتبة أضواء السلف - الرياض، الطبعة الأولى، (١٤١٩ هـ).
٧٠ - الانتصار لأصحاب الحديث: تأليف: منصور بن محمد السمعاني أبو الظفر، مكتبة أضواء المنار - السعودية، (١٤١٧ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: محمد بن حسين بن حسن الجيزاني.
стр. 1089
٧١ - الانتصار لحزب الله الموحدين والرد على المجادل عن المشركين: تأليف: عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد العزيز أبابطين، دراسة وتحقيق: الوليد بن عبد الرحمن الفريان، دار طيبة للنشر والتوزيع - الرياض، (١٤٠٩ هـ).
٧٢ - الإنجاز في ترجمة الشيخ ابن باز: للشيخ عبد الرحمن الرحمة، الطبعة الأولى، (١٤١٩ هـ).
٧٣ - الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل: تأليف: مجير الدين الحنبلي العليمي، نشر: مكتبة دنديس - عمان، (١٤٢٠ هـ)، تحقيق: عدنان يونس عبد المجيد نباتة.
٧٤ - الأنساب: تأليف: أبي سعيد عبد الكريم بن محمد بن منصور التمتيمي السمعاني، دار الفكر - بيروت، (١٩٩٨ م)، الطبعة الأولى، تحقيق: عبد الله عمر البارودي.
٧٥ - الإنصاف في حقيقة الأولياء وما لهم من الكرامات والألطاف: محمد بن إسماعيل الصنعاني، تحقيق: عبد الرزاق العباد - دار ابن عفان، الطبعة الأولى، (١٤١٨ هـ).
٧٦ - الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد بن حنبل: تأليف: علي بن سليمان المرداوي أبو الحسن، دار إحياء التراث العربي - بيروت، تحقيق: محمد حامد الفقي.
٧٧ - الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به: أبو بكر بن الطيب الباقلاني، تحقيق: عماد الدين أحمد حيدر، عالم الكتب، بيروت، الطبعة الأولى، (١٤٠٧ هـ).
٧٨ - أوضح الإشارة في الرد على من أجاز الممنوع من الزيارة: أحمد بن يحيى النجمي، إدارة البحوث العلمية والإفتاء، الرياض، الطبعة الأولى، (١٤٠٥ هـ).
٧٩ - إيثار الحق على الخلق في رد الخلافات إلى المذهب الحق من أصول التوحيد: تأليف: محمد بن نصر المرتضى اليماني (ابن الوزير)، دار الكتب العلمية - بيروت، (١٩٨٧ م)، الطبعة الثانية.
٨٠ - إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل: تأليف: محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة، نشر: دار السلام للطباعة والنشر- مصر، (١٤١٠ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: وهبي سليمان غاوجي.
٨١ - الإيمان: لابن منده، تأليف: محمد بن إسحاق بن يحيى بن منده، مؤسسة الرسالة - بيروت، (١٤٠٦ هـ)، الطبعة الثانية، تحقيق: د. علي بن محمد بن ناصر الفقيهي.
стр. 1090
٨٢ - البحر الرائق شرح كنز الدقائق: تأليف: زين الدين ابن نجيم الحنفي، دار المعرفة - بيروت، الطبعة الثانية.
٨٣ - البحر الزخار: تأليف: أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار، مؤسسة علوم القرآن - بيروت، مكتبة العلوم والحكم - المدينة، (١٤٠٩ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: د. محفوظ الرحمن زين الله.
٨٤ - البحر المحيط في أصول الفقه: تأليف: بدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي، دار الكتب العلمية - بيروت، (١٤١٢ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: ضبط نصوصه وخرج أحاديثه وعلق عليه: د. محمد محمد تامر.
٨٥ - البدء والتاريخ: تأليف: وهو المطهر بن طاهر المقدسي، مكتبة الثقافة الدينية - بورسعيد.
٨٦ - بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع: تأليف: علاء الدين الكاساني، دار الكتاب العربي - بيروت، (١٩٨٢ م)، الطبعة الثانية.
٨٧ - بدائع الصنائع: الكاساني، دار الكتب العلمية - بيروت.
٨٨ - بدائع الفوائد: للإمام شمس الدين محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، تحقيق: هشام عطا، وعادل العدوي، وأشرف ألج، مكتبة نزار مصطفى الباز، مكة المكرمة، الطبعة الأولى، (١٤١٦ هـ).
٨٩ - البداية والنهاية: تأليف: إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي أبو الفداء، مكتبة المعارف - بيروت.
٩٠ - البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع: لمحمد بن علي الشوكاني، المتوفى سنة (١٢٥٠ هـ)، الطبعة الأولى، (١٣٤٨ هـ)، مطبعة السعادة بالقاهرة، الناشر: دار المعرفة، بيروت.
٩١ - البدع والنهي عنها: محمد بن وضاح القرطبي، الطبعة الثانية، (١٤٠٢ هـ)، دار الرائد العربي - بيروت.
٩٢ - البراهين الإسلامية في رد الشبهة الفارسية: تأليف: عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن برجس، تحقيق وتعليق: الأستاذ محمد العارف بن عثمان الهرري الأرومي، مكتبة الهداية - الرياض، الطبعة الأولى، (١٤١٠ هـ).
٩٣ - بردة المديح: لأبي عبد الله محمد البوصيري، المكتبة الثقافية - بيروت، بدون تاريخ الطبعة ولا رقمها.
٩٤ - البرهان في أصول الفقه: تأليف: عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني أبو المعالي، الوفاء - المنصورة - مصر، (١٤١٨ هـ)، الطبعة الرابعة، تحقيق: د. عبد العظيم محمود الديب.