تعظيم الصالحين الذي يحبه الله، ويريدون بذلك شفاعتهم عند الله؛ لظنهم أنهم يحبون ذلك ... وهذه أعظم مسألة خالفهم فيها رسول الله ﷺ فأتى بالإخلاص، وأخبرهم أنه دين الله الذي لا يقبل من أحد سواه، وأخبر أن من فعل ما يستحسنونه فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار، وهذه المسألة هي الدين كله، ولأجلها تفرق الناس بين مسلم وكافر، وعندها وقعت العداوة، ولأجلها شرع الجهاد" (١).
وفيما يلي أذكر بعض الأدلة الدالة على صحة القاعدة:
قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)﴾ [يونس: ١٨].
بيَّن الله تعالى ذكره في هذه الآية صفة عبادة المشركين، لأوثانهم، وأنهم تجاوزوا الله تعالى إلى عبادة غيره مع عبادتهم له سبحانه، فأشركوا معبوداتهم مع الله تعالى في العبادة، مع كونها لا تملك لهم ضرًّا ولا نفعًا، معتقدين وقاصدين بتلك العبادة التقرّب إلى الله تعالى، وحصول الشفاعة عنده ، فأبطل سبحانه قولهم بأنه لا يعلم في السموات ولا في الأرض شفيعًا يشفع بدون إذنه ورضاه.
يقول الإمام الطبري في تأويل الآية: "يعني أنهم كانوا يعبدونها رجاء شفاعتها عند الله ... وكان المشركون يزعمون أنها تشفع لهم عند الله، فقال الله لنبيه ﷺ : قل لهم أتخبرون الله أن ما لا يشفع في السماوات ولا في الأرض يشفع لكم فيهما، وذلك باطل لا تعلم حقيقته وصحته، بل يعلم الله أن ذلك خلاف ما تقولون، وأنها لا تشفع لأحد ولا تنفع ولا تضر" (٢).
стр. 1017
ويقول الرازي في معنى الآية: "فاعلم أن من الناس من قال: إن أولئك الكفار توهموا أن عبادة الأصنام أشد في تعظيم الله من عبادة الله ، فقالوا: ليست لنا أهلية أن نشتغل بعبادة الله تعالى، بل نحن نشتغل بعبادة هذه الأصنام وأنها تكون شفعاء لنا عند الله تعالى" (١).
ويقول الإمام ابن تيمية: "وكان المشركون الذين جعلوا معه آلهة أخرى مقرين بأن آلهتهم مخلوقة، ولكنهم كانوا يتخذونهم شفعاء ويتقربون بعبادتهم إليه، كما قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)﴾ [يونس: ١٨] " (٢).
ويقول الشيخ السعدي في بيان معنى الآية: "أي: يعبدونهم ليقربوهم إلى الله، ويشفعوا لهم عنده، وهذا قول من تلقاء أنفسهم، وكلام ابتكروه هم، ولهذا قال تعالى مبطلًا لهذا القول: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: الله تعالى هو العالم الذي أحاط علمًا بجميع ما في السموات والأرض، وقد أخبركم بأنه ليس له شريك ولا إله معه" (٣).
ثانيًا: قوله تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (٣)﴾ [الزمر: ٣].
دلت الآية الكريمة على أن الله تعالى لا يقبل دينًا إلا ما كان خالصًا لوجهه، وأن الذين أشركوا في عبادة الله تعالى قد اتخذوا من دونه أولياء يتولونهم بصرف العبادة لهم والتوجه إليهم، مع اعترافهم بأنهم
стр. 1018
لم يعبدوهم إلا من أجل أن يقربوهم إلى الله زلفى، فكان عذرهم هذا هو عين الشرك بالله تعالى.
يقول الإمام الطبري في تأويل الآية: "لأن المشركين قالوا: ما نعبد أوثاننا هذه إلا ليقربونا إلى الله زلفى، فقال الله تعالى ذكره لهم: لي ما في السماوات وما في الأرض مع السماوات والأرض ملكًا، فلا ينبغي العبادة لغيري، فلا تعبدوا الأوثان التي تزعمون أنها تقربكم مني زلفى، فإنها لا تنفعكم عندي ولا تغني عنكم شيئًا، ولا يشفع عندي أحد لأحد إلا بتخليتي إياه، والشفاعة لمن يشفع له من رسلي، وأوليائي، وأهل طاعتي" (١).
ويقول الإمام الشوكاني: "فالتوحيد هو دين العالم أوله وآخره وسابقه ولاحقه ومن خالف في ذلك فجعل لله شريكًا، وَعَبَدَ الأصنام فإنه كما أرشد إليه القرآن حكاية عنهم بقوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ مقر بأنه إيمان، وإنما جعل الشريك وصلة إلى الرب سبحانه، ووسيلة إلى التقريب إليه" (٢).
ويقول الشيخ الشنقيطي: "ثم لما ذكر جل وعلا إخلاص العبادة له وحده بيّن شبهة الكفار التي احتجوا بها للإشراك به تعالى في قوله تعالى هنا: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، فبين أنهم يزعمون أنهم ما عبدوا الأصنام إلا لأجل أن تقربهم من الله زلفى، والزلفى القرابة" (٣).
ثالثًا: قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٨)﴾ [الأحقاف: ٢٨].
стр. 1019
يقول الإمام السمعاني: "وقوله: ﴿قُرْبَانًا﴾ إنما قال ذلك لأنهم كانوا يقولون إن عبادتنا لها تقربنا إلى الله" (١).
ويقول الإمام الطبري: "فلولا نصر هؤلاء الذين أهلكناهم من الأمم الخالية قبلهم أوثانهم، وآلهتهم التي اتخذوا عبادتها قربانًا يتقربون بها فيما زعموا إلى ربهم منا، إذ جاءهم بأسنا فتنقذهم من عذابنا إن كانت تشفع لهم عند ربهم كما يزعمون، وهذا احتجاج من الله لنبيه محمد ﷺ على مشركي قومه، يقول لهم: لو كانت آلهتكم التي تعبدون من دون الله تغني عنكم شيئًا، أو تنفعكم عند الله كما تزعمون أنكم إنما تعبدونها لتقربكم إلى الله زلفى، لأغنت عمن كان قبلكم من الأمم التي أهلكتها بعبادتهم إياها" (٢).
ويقول الرازي في بيان معنى الآية: "ثم قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً﴾، القربان: ما يتقرب به إلى الله تعالى؛ أي: اتخذوهم شفعاء متقربًا بهم إلى الله حيث قالوا: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾، وقالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ " (٣).
ويقول أبو السعود في تفسير الآية: "فهلا نصرهم وخلصهم من العذاب الذين اتخذوهم آلهة حال كونها متقربًا بها إلى الله تعالى، حيث كانوا يقولون: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، هؤلاء شفعاؤنا عند الله" (٤).
стр. 1020
* المسألة الثالثة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة
لقد تضافرت أقوال أهل العلم، وتنوعت عباراتهم في بيان القاعدة وتقريرها لما لها من الأهمية العظمى في بيان حقيقة مقاصد المشركين في عبادتهم لغير الله تعالى، وفيما يلي أذكر بعضًا مما وقفت عليه من ذلك:
يقول الإمام ابن تيمية: "والمشرك يقصد فيما يشرك به أن يشفع له، أو يتقرب بعبادته إلى الله، أو يكون قد أحبه كما يحب الله" (١).
ويقول ﵀ أيضًا: "وكانوا يتخذون آلهتهم وسائط تقربهم إلى الله زلفى وتشفع لهم" (٢).
ويقول -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب في القواعد الأربع: " القاعدة الثانية: أنهم - أي: المشركون - يقولون: ما دعوناهم وتوجهنا إليهم إلا لطلب القربة، والشفاعة، ونريد من الله لا منهم، لكن بشفاعتهم، والتقرب إلى الله بهم" (٣).
ويقول الشيخ سليمان آل الشيخ: "وقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٨)﴾ [الأحقاف: ٢٨]، فهذا هو مقصود المشركين ممن عبدوهم وهو الشفاعة لهم عند الله" (٤).
ويقول الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ: "ومن له أدنى نهمة في العلم، والتفات إلى ما جاءت به الرسل، يعرف أن المشركين من كل أمة في كل قرن ما قصدوا من معبوداتهم، وآلهتهم التي عبدوها مع الله إلا
стр. 1021
التسبب، والتوسل، والتشفع، ليس إلا، ولم يدَّعوا الاستقلال والتصرف لأحد من دون الله، ولا قال به أحد منهم سوى فرعون، والذي حاج إبراهيم في ربِّه" (١).
ويقول الشيخ الأمين الشنقيطي: "ولكن الكفار غالطوا أنفسهم لشدة تعصبهم لأوثانهم، فزعموا أنها تقربهم إلى الله زلفى، وأنها شفعاؤهم عند الله مع أن العقل يقطع بنفي ذلك" (٢).
* المسألة الرابعة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها
دلت القاعدة على فوائد عديدة فمن ذلك:
أولًا: أفادت القاعدة أن عبادة المشركين لمعبوداتهم كانت محصورة في طلب الشفاعة، وابتغاء القربة من الله تعالى، ولم يدعوا الاستقلال والتصرف والتأثير لهذه المعبودات، بل كانوا يقرُّون بأنها مخلوقة مصنوعة، وأنها لا تملك نفعًا ولا ضرًّا.
يقول الإمام ابن تيمية: "والذين كانوا يدعون مع الله آلهة أخرى، مثل الشمس، والقمر، والكواكب، والعزير، والمسيح، والملائكة، واللات، والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، ويغوث، ويعوق، ونسر، أو غير ذلك لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق، أو أنها تنزل المطر، أو أنها تنبت النبات، وإنما كانوا يعبدون الأنبياء، والملائكة، والكواكب، والجن، والتماثيل المصورة لهؤلاء، أو يعبدون قبورهم، ويقولون إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى، ويقولون هم شفعاؤنا عند الله" (٣).
стр. 1022
فالخلق والإيجاد والاستقلال بالتأثير والتصرف ملك الله تعالى لا يشركه فيه مخلوق، مهما كانت مكانته، أو علت منزلته، فلا يطلب من مخلوق شيء على جهة أنه مستقل بالقدرة والتأثير؛ فإن الاستقلال من خصائص الرب (١).
بل إن الاستقلال والانفراد، وعدم الشركة هو من أخص خصائص الإلهية الحقة، لا انفكاك لها عنه، بل هو لازمها ومقتضاها الدائم الذي إن زال فسدت السموات والأرض ومن فيهن.
يقول الإمام ابن تيمية: "قول القائل عن مخلوق؛ إنه لا يضر ولا ينفع؛ تارة مريد به نفي الاستقلال بذلك على سبيل توحيد الربوبية، بمعنى أن ما يجري على يديه من الضر والنفع فالله هو خالقه، وهو الذي يجعله فاعلًا بمشيئته، أو يريد أنه لا ينفع ولا يضر إلا بمشيئة الله تعالى وقدرته، أو إرادته، كما قال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢]، فهذا صحيح، فليس في المخلوقات بهذا الاعتبار شيء ينفع ويضر؛ إذ ليس في المخلوقات شيء ما يستقل بإحداث ضرر غيره ونفعه، ولا يفعل شيء إلا بإذن الله، كما ليس فيها من يعطي ويمنع بهذا الاعتبار، ولا ينبغي بهذا الاعتبار، كما من أسمائه تعالى: المعطي، المانع، الضار، النافع" (٢)(٣).
ويقول ﵀: "فإن الاستقلال ينافي الاشتراك، إذ المستقل لا شريك له، فالمجتمعان على أمر واحد لا يكون أحدهما مستقلًا به، وأن
стр. 1023
الحكم الثابت بعلتين، سواء قيل هو أحكام، أو حكم واحد مؤكد لا تستقل به إحداهما، بل كل منهما جزء من علته لا علة له" (١).
والمشركون كما نصت القاعدة لم يدعوا هذا في معبوداتهم، وإنما كانوا يقولون عنها: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨].
يقول الإمام ابن أبي العز الحنفي: "وهم لم يقولوا: إن العالم له صانعان، بل جعلوا معه آلهة اتخذوهم شفعاء، وقالوا: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى" (٢).
ويقول الصنعاني: "قلت: ولذا قالوا في الأصنام: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، فلم يكونوا نافين له، بل أثبتوا معه غيره، فخوطبوا بكلمة التوحيد، والقصد نفي الألوهية عن غيره تعالى" (٣).
стр. 1024
ويقول الشيخ حافظ الحكمي: "وأشركوهم في عبادة الله، ولم يفردوا الله بالعبادة دون من سواه، مع أنهم لم يعبدوهم استقلالًا، بل زعموهم شفعاء لهم عند الله ليقربوهم إلى الله زلفى، ولكن اعتقدوا تلك الشفاعة والتقريب ملكًا للمخلوق، ويطلبونه منه، وأن له أن يشفع بدون إذن الله" (١).
ثانيًا: الذي أوقع المشركين في هذا الاعتقاد أنهم رأوا القصور في أنفسهم وأنهم ليسوا أهلًا لعبادة الله تعالى مباشرة بدون واسطة، وأنهم لا يستطيعون الوصول إليه سبحانه إلا عن طريق هذه المعبودات؛ لأنَّها قريبة من الله تعالى، ونفوسها طاهرة زكية، فهم يتقربون إليها وهي تقربهم إلى الله تعالى.
يقول الإمام ابن القيم في شأن مشركي الفلاسفة الذين عبدوا الكواكب: "ثم قال المشركون منهم: لا سبيل لنا إلى الوصول إلى جلاله إلا بالوسائط، فالواجب علينا أن نتقرب إليه بتوسطات الروحانيات القريبة منه، وهم الروحانيون المقربون المقدسون عن المواد الجسمانية، وعن القوى الجسدانية، بل قد جبلوا على الطهارة، فنحن نتقرَّب إليهم ونتقرب بهم إليه، فهم أربابنا، وآلهتنا، وشفعاؤنا عند رب الأرباب، وإله الآلهة، فما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، فالواجب علينا أن نطهر نفوسنا عن الشهوات الطبيعية، ونهذب أخلاقنا من علائق القوى الغضبية، حتى تحصل المناسبة بيننا وبين الروحانيات، وتتصل أرواحنا بهم، فحينئذٍ نسأل حاجتنا منهم، ونعرض أحوالنا عليهم، ونصبو في جميع أمورنا إليهم، فيشفعون لنا إلى إلهنا ... " (٢).
ثالثًا: دلت القاعدة على أن شرك المشركين الأوائل كان بقصد القربة والشفاعة والتوصل بمعبوداتهم إلى الله تعالى، وذلك بخلاف
стр. 1025
الشرك في هذه الأزمان الصادر ممن غلا في الأولياء والصالحين وفي وقبورهم، فصاروا يعتقدون فيهم النفع والضر والاستقلال بالفعل من دون الله ﵎.
يقول الإمام الشوكاني: "فيا عجبًا لقوم يعكفون على قبور الأموات الذين قد صاروا تحت أطباق الثرى، ويطلبون منهم من الحوائج ما لا يقدر عليه إلا الله كيف لا يتيقظون لما وقعوا فيه من الشرك، ولا يتنبهون لما حل بهم من المخالفة لمعنى لا إله إلا الله، ومدلول ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١]، وأعجب من هذا اطلاع أهل العلم على ما يقع من هؤلاء، ولا ينكرون عليهم، ولا يحولون بينهم وبين الرجوع إلى الجاهلية الأولى، بل إلى ما هو أشد منها، فإن أولئك يعترفون بأن الله سبحانه هو الخالق، الرازق، المحيي، المميت، الضار، النافع، وإنما يجعلون أصنامهم شفعاء لهم عند الله، ومقربين لهم إليه، وهؤلاء يجعلون لهم قدرة على الضر، والنفع، وينادونهم تارة على الاستقلال، وتارة مع ذي الجلال، وكفاك من شر سماعه، والله ناصر دينه، ومطهر شريعته من أوضار الشرك، وأدناس الكفر، ولقد توسل الشيطان أخزاه الله بهذه الذريعة إلى ما تقرُّ به عينه، وينثلج به صدره من كفر كثير من هذه الأمة المباركة" (١).
стр. 1026
المبحث الثاني
قاعدة الأصنام الجمادية لم تعبد لذاتها وإنما وضعت في الأصل لما كان غائبًا من معبودات المشركين
ويشتمل على عدة مسائل:
* المسألة الأولى* بيان معنى القاعدة
دلت القاعدة على أن عبادة المشركين للأصنام ونحوها من الأوثان والأنصاب لم يكن لأجل ذاتها، أو لكونها أحجارًا وأخشابًا، أو لشيء من صفاتها التكوينية، وإنما كانت عبادتهم لها لأغراض أخرى، وأسباب عديدة اقتضت تصوير هذه الأصنام ونحتها على شكل وهيئة معبوداتهم، فإن معبودهم في الأصل إما أن يكون من الكواكب؛ كالشمس، أو القمر، أو زحل، أو غير ذلك، وإما أن يكون من الملائكة كجبريل وغيره، أو يكون من الأنبياء؛ كالمسيح عيسى ابن مريم، وإبراهيم، وموسى، ونبينا محمد ﷺ ، وإما أن يكون من الصالحين، أو يكون من الجن.
يوضح ذلك أن منشأ الشرك في الأرض وأصله لا يخرج عن ثلاثة أمور:
الأول: عبادة البشر من الأنبياء والصالحين وأهل الزهد، سواء كانوا أحياء، أم أمواتًا في قبورهم.
стр. 1027
الثاني: عبادة الكواكب.
الثالث: عبادة الملائكة أو الجن.
وبناء على ذلك وضعت الأصنام والأوثان لتكون قائمة مقام هذه المعبودات الغائبة، وتصرف لها العبادة والتوجه والخضوع والتعظيم، هذا هو أصل عبادة الأصنام من دون الله ﵎.
يقول الإمام ابن تيمية: "أصل الشرك في العالم كان من عبادة البشر الصالحين، وعبادة تماثيلهم، وهم المقصودون، ومن الشرك ما كان أصله عبادة الكواكب؛ إما الشمس، وإما القمر، وإما غيرهما، وصورت الأصنام طلاسم لتلك الكواكب، وشرك قوم إبراهيم -والله أعلم- كان من هذا، أو كان بعضه من هذا، ومن الشرك ما كان أصله عبادة الملائكة أو الجن وضعت الأصنام لأجلهم" (١).
ويقول الرازي في قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ [الزمر: ٢٩] مبينًا اختلاف المشركين في علة اتخاذ الأصنام: "فإن قيل هذا المثال لا ينطبق على عبادة الأصنام؛ لأنَّها جمادات فليس بينها منازعة ولا مشاكسة، قلنا: إن عبدة الأصنام مختلفون؛ منهم من يقول: هذه الأصنام تماثيل الكواكب السبعة، فهم في الحقيقة إنما يعبدون الكواكب السبعة، ثم إن القوم يثبتون بين هذه الكواكب منازعة ومشاكسة، ألا ترى أنهم يقولون: زحل هو النحس الأعظم، والمشتري هو السعد الأعظم، ومنهم من يقول هذه الأصنام تماثيل الأرواح الفلكية، والقائلون بهذا القول زعموا أن كل نوع من أنواع حوادث هذا العالم يتعلق بروح من الأرواح السماوية، وحينئذٍ يحصل بين تلك الأرواح منازعة ومشاكسة، وحينئذٍ يكون المثل مطابقًا، ومنهم من يقول هذه الأصنام تماثيل الأشخاص من العلماء والزهاد الذين
стр. 1028
مضوا، فهم يعبدون هذه التماثيل لتصير أولئك الأشخاص من العلماء والزهاد شفعاء لهم عند الله، والقائلون بهذا القول تزعم كل طائفة منهم: أن المحق هو ذلك الرجل الذي هو على دينه، وأن من سواه مبطل، وعلى هذا التقدير أيضًا ينطبق المثال، فثبت أن هذا المثال مطابق للمقصود" (١).
وذكر ﵀ أيضًا بعض الأسباب التي دعت المشركين إلى اتخاذ الأصنام فقال: "ورابعها: أنه متى مات منهم رجل كبير يعتقدون فيه أنه مجاب الدعوة، ومقبول الشفاعة عند الله تعالى اتخذوا صنمًا على صورته، يعبدونه على اعتقاد أن ذلك الإنسان يكون شفيعًا لهم يوم القيامة عند الله تعالى على ما أخبر الله تعالى عنهم بهذه المقالة في قوله: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] " (٢).
ويوضح الشهرستاني منشأ الشرك بالكواكب والملائكة -بعد أن قسَّمه إلى شرك أصحاب الهياكل وشرك أصحاب الأشخاص- بقوله: "اعلم أن أصحاب الروحانيات لما عرفوا أن لا بد للإنسان من متوسط، ولا بد للمتوسط من أن يرى فيتوجه إليه، ويتقرب به، ويستفاد منه، فزعوا إلى الهياكل التي هي السيارات السبِع؛ فتعرفوا أولًا: بيوتها ومنازلها: وثانيًا: مطالعها ومغاربها، وثالثًا: اتصالاتها على أشكال الموافقة والمخالفة مرتبة على طبائعها، ورابعًا: تقسيم الأيام والليالي والساعات عليها، وخامسًا: تقدير الصور والأشخاص والأقاليم والأمصار عليها.
وكانوا يسمونها أربابًا آلهة، ومنهم من جعل الشمس إله الآلهة ورب الأرباب، وكانوا يتقربون إلى الهياكل تقربًا إلى الروحانيات، ويتقربون إلى الروحانيات تقربًا إلى الباري تعالى، ثم استخرجوا من
стр. 1029
عجائب الحيل المرتبة على عمل الكواكب ما كان يقضي منهم العجب، وهذه الطلسمات المذكورة في الكتب، والسحر، والكهانة، والتنجيم، والتعزيم، والخواتيم، والصور كلها من علومهم.
وأما أصحاب الأشخاص؛ فقالوا: إذا كان لا بد من متوسط يُتَوَسَّل به، وشفيع يتشفع إليه، والروحانيات وإن كانت هي الوسائل لكنا إذا لم نرها بالأبصار، ولم نخاطبها بالألسن، لم يتحقق التقرب إليها إلَّا بهياكلها، ولكن الهياكل قد تُرَى في وقت، ولا تُرى في وقت؛ لأن لها طلوعًا وأفولًا، وظهورًا بالليل وخفاءً بالنهار، فلم يصف لنا التقرب بها، والتوجه إليها، فلا بد لنا من صور وأشخاص موجودة، قائمة منصوبة نصب أعيننا، نعكف عليها، ونتوسل بها إلى الهياكل، فنتقرب بها إلى الروحانيات، ونتقرب بالروحانيات إلى الله ، فنعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى. فاتخذوا أصنامًا أشخاصًا على مثال الهياكل السبعة، وذلك هو الذي أخبر التنزيل عنهم أنهم عبدة الكواكب والأوثان.
فأصحاب الهياكل هم عبدة الكواكب إذ قالوا بإلهيتها كما شرحنا، وأصحاب الأشخاص هم عبدة الأوثان إذ سموها آلهة في مقابلة الآلهة السماوية، وقالوا: هؤلاء شفعاؤنا عند الله" (١).
ويحصر الإمام ابن القيم أسباب الشرك في العالم في أمرين شرك النجوم وشرك الأموات، فيقول ﵀: "والأصنام التي كانوا يعبدونها
стр. 1030
كانت صورًا وتماثيل للكواكب، وكانوا يتخذون لها هياكل، وهي بيوت العبادات، لكل كوكب منها هيكل في أصنام تناسبه، فكانت عبادتهم للأصنام وتعظيمهم لها تعظيمًا منهم للكواكب التي وضعوا الأصنام عليها، وعبادة لها، وهذا أقوى السببين في الشرك الواقع في العالم، وهو الشرك بالنجوم، وتعظيمها، واعتقاد أنها أحياء ناطقة، ولها روحانيات تتنزل على عابديها، ومخاطبيها، فصوروا لها الصور الأرضية، ثم جعلوا عبادتها وتعظيمها ذريعة إلى عبادة تلك الكواكب، واستنزال روحانياتها، وكانت الشياطين تتنزل عليهم، وتخاطبهم، وتكلمهم، وتريهم من العجائب ما يدعوهم إلى بذل نفوسهم، وأولادهم، وأموالهم لتلك الأصنام، والتقرب إليها، وكان مبدأ هذا الشرك تعظيم الكواكب، وظن السُّعُود والنُّحُوس، وحصول الخير والشر في العالم منها، وهذا شرك خواص المشركين، وأرباب النظر منهم، وهو شرك قوم إبراهيم ﵊.
والسبب الثاني: عبادة القبور والإشراك بالأموات، وهو شرك قوم نوح ﵊ وهو أول شرك طرق العالم، وفتنته أعم، وأهل الابتلاء به أكثر، وهم جمهور أهل الإشراك، قال تعالى عن قوم نوح: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣)﴾ [نوح: ٢٣].
وهؤلاء هم أعداء نوح، كما أن المشركين بالنجوم أعداء إبراهيم، فنوح عاداه المشركون بالقبور، وإبراهيم عاداه المشركون بالنجوم، والطائفتان صوروا الأصنام على صور معبوديهم ثم عبدوها" (١).
стр. 1031
ويقول الألولسي مبيّنًا أصل الشرك وعبادة الأصنام: "وذلك لأنهم - أي: المشركين- كما هو المشهور وضعوها على صور رجال صالحين، ذوي خطر عندهم، وزعموا أنهم متى اشتغلوا بعبادتها فإن أولئك الرجال يشفعون لهم، وقيل: إنهم كانوا يعتقدون أن المتولي لكل إقليم روح معين من أرواح الأفلاك، فعينوا لذلك الروح صنمًا من الأصنام، واشتغلوا بعبادتها قصدًا إلى عبادة الكواكب، وقيل غير ذلك، والحق أن من الأصنام ما وضع على الوجه الأول، ومنها ما وضع لكونها كالهياكل للروحانيات" (١).
ونقل بعض أهل العلم أن عبادة فارس للنار هو من هذا الباب، إذ كانوا يعتقدون أن عبادة النار تقرب إلى البارئ ؛ لأنَّها أقوى وأعظم الأركان، وهو كقول المشركين العرب في عبادتهم الأوثان: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، وأنه لا يجوز أن يكون غير هذا حالة من يعبد شيئًا من دون الله؛ لأنَّه يعلم أن معبوده من خشب، أو حجر، أو نحاس، أو ذهب، أو شيء من الجواهر، غير خالقه، ولا صانعه ولا مدبرة أمره، ولا محولة حاله (٢).
* المسألة الثانية* أدلة القاعدة
دلت على صحة القاعدة عدة أمور:
أولًا: ما رواه البخاري عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (صارَتِ
стр. 1032
الأوْثَانُ الَّتِي كَانَتْ فِي قَوْمِ نوحٍ فِي العَرَبِ بَعْدُ؛ أمَّا وَدّ فَكَانَتْ لِكَلْبٍ بِدُومَةِ الجَنْدَل، وَأمَّا سُوَاعٌ فَكَانَتْ لِهُذَيْلٍ، وأَمَّا يَغُوثُ فَكَانَتْ لِمُرَادٍ ثُمَّ لِبَنِي غُطيْفٍ بِالجَوْفِ عِنْدَ صَبا، وأمّا يَعُوقُ فَكَانَتْ لِهَمْدَانَ، وأمَّا نَسْرٌ فَكَانَتْ لِحِمْيَرِ لآل ذِي الكَلاع، أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ، فَلمَّا هَلَكُوا أوْحَى الشَّيْطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ أنْ انْصبُوا إِلَى مَجَالِسهِمْ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ أنْصابًا، وَسَموها بأسْمَائِهِمْ، فَفَعَلُوا، فَلَمْ تُعْبَدْ حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ وَتَنسَّخَ العِلْمُ عُبِدَتْ) (١).
وروى ابن جرير في قوله تعالى: ﴿وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣)﴾ قال: "كانوا قومًا صالحين من بني آدم، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم يسقون المطر فعبدوهم" (٢).
فهذه الَاثار توضّح وتبيّن حقيقة الشرك وعبادة الأصنام في عهد نوح ﵇، وأنها وضعت في الأصل لتنوب مناب معبوداتهم من الأنبياء والصالحين، ولتقوم مقام قبورهم (٣).
ويقول الإمام ابن القيم: "وقال غير واحد من السلف: كان هؤلاء قومًا صالحين في قوم نوح ﵇، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم
стр. 1033
صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم، فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين فتنة القبور وفتنة التماثيل" (١).
ويقول الحافظ ابن حجر: "وقصة الصالحين كانت مبتدأ عبادة قوم نوح هذه الأصنام، ثم تبعهم من بعدهم على ذلك" (٢).
ثانيًا: إن عبادة الأصنام لأجل كونها أحجارًا أو أخشابًا مما يحكم العقل بفساده، فلا يعقل أن يصنع أحد صنمًا بيده، وينحته ويشكله ببنانه، من أحجار وأخشاب، ثم بعد فراغه منه مباشرة يعتقد أنه إلهه ومعبوده (٣).
يقول الإمام ابن القيم: "وإلا فمن المعلوم أن عاقلًا لا ينحت خشبة، أو حجرًا بيده ثم يعتقد أنه إلهه ومعبوده " (٤).
ويقول الشهرستاني موضحًا هذا الأمر: "وبالجملة وضع الأصنام حيث ما قدروه إنما هو على معبود غائب، حتى يكون الصنم المعمول على صورته وشكله وهيأته نائبًا منابه، وقائمًا مقامه، وإلا فنعلم قطعًا أن عاقلًا ما لا ينحت جسمًا بيده، ويصور صورة، ثم يعتقد أنه إلهه
стр. 1034
وخالقه، وإله الكل، وخالق الكل؛ إذ كان وجوده مسبوقًا بوجود صانعه، وشكله يحدث بصنعة ناحته (١)، لكن القوم لما عكفوا على التوجه إليها كان عكوفهم ذلك عبادة، وطلبهم الحوائج منها إثبات إلهية لها، وعن هذا كانوا يقولون: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى" (٢).
ثالثًا: ومما يدل على أن المشركين لم يقصدوا عبادة ذات الأصنام، وإنما قصدوا عبادة من صورت الأصنام على صورهم: أنهم لم يكونوا يعبدون إلا ما صوروه ونحتوه من الأصنام والأوثان، فلم يعبدوا جميع الأحجار، ولا جميع الأشجار، بل كان الصنم يكون مع أحدهم مدة من الزمن يعبده فإذا رأى أحسن منه رمى الأول واستبدله بالثاني وهكذا، وهذا يدل على أن مقصودهم ليس هو ذات الصنم المصنوع من الحجر أو الخشب.
يقول الشيخ العمراني: "إن المشركين إنما كانوا يعبدون من الأخشاب والأحجار أوثانًا وأصنامًا؛ فالأوثان ما نحتوه على مثال ما ليس له صورة، والأصنام على مثال ما له صورة، دقوم إبراهيم ﵇ إنما عبدوا تلك الأوثان والأصنام لأجل نحتهم وتصويرهم الذي نحتوه وصوروه، تعظيمًا للنحت والتصوير لا للأعيان، بدليل أنهم كانوا لا يعبدونها قبل ذلك، ولما كسرها إبراهيم ﵇ وأزال تصويرها ونحتها بطلت عندهم أن تكون آلهة" (٣).
стр. 1035
* المسألة الثالثة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة
فيما يلي بعض ما وقفت عليه من أقوال العلماء التي تؤيد معنى القاعدة: يقول ابن الأثير مقررًا وموضحًا لمعنى القاعدة: "فإن القول الحق الذي لا يشك فيه: هو أنهم كانوا أهل أوثان يعبدونها كما نطق به القرآن، وهو مذهب طائفة من الصابئين، فإن أصل مذهب الصابئين عبادة الروحانيين وهم الملائكة؛ لتقربهم إلى الله تعالى زلفى، فإنهم اعترفوا بصانع العالم، وأنه حكيم قادر مقدس، إلا أنهم قالوا: الواجب علينا معرفة العجز عن الوصول إلى معرفة جلاله، وإنما نتقرب إليه بالوسائط المقربة لديه، وهم الروحانيون، وحيث لم يعاينوا الروحانيين تقربوا إليهم بالهياكل، وهي الكواكب السبعة السيارة؛ لأنَّها مدبرة لهذا العالم عندهم.
ثم ذهبت طائفة منهم وهم أصحاب الأشخاص، حيمث رأوا أن الهياكل تطلع وتغرب، وترى ليلًا ولا ترى نهارًا إلى وضع الأصنام لتكون نصب أعينهم؛ ليتوسلوا بها إلى الهياكل، والهياكل إلى الروحانيين، والروحانيون إلى صانع العالم.
فهذا كان أصل وضع الأصنام أولًا، وقد كان أخيرًا في العرب من هو على هذا الاعتقاد، قال تعالى: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] " (١).
ويقول الإمام ابن تيمية في بيان مذاهب المشركين في اتخاذ الأصنام: "بل إنما كانوا يتخذونها شفعاء ووسائط لأسباب؛ منهم من
стр. 1036
صورها على صور الأنبياء والصالحين، ومنهم من جعلها تماثيل وطلاسم للكواكب والشمس والقمر، ومنهم من جعلها لأجل الجن، ومنهم من جعلها لأجل الملائكة، فالمعبود لهم في قصدهم إنما هو الملائكة والأنبجاء والصالحون أو الشمس أو القمر وهم في نفس الأمر يعبدون الشياطين، فهي التي تقصد من الإنس أن يعبدوها، وتظهر لهم ما يدعوهم إلى ذلك" (١).
ويقول ﵀: "ومن الشرك ما كان أصله عبادة الملائكة، أو الجن، وضعت الأصنام لأجلهم، وإلا فنفس الأصنام الجمادية لم تعبد لذاتها، بل لأسباب اقتضت ذلك" (٢).
ويقول الإمام ابن القيم بعد أن ذكر جملة المعبودات من دون الله تعالى، وكيفية عبادتها: "وكل هؤلاء مرجعهم إلى عبادة الأصنام؛ فإنهم لا تستمر لهم طريقة إلا بشخص خاص، على شكل خاص، ينظرون إليه، ويعكفون عليه، ومن ها هنا اتخذ أصحاب الروحانيات والكواكب أصنامًا زعموا أنها على صورتها، فوضع الصنم إنما كان في الأصل على شكل معبود غائب، فجعلوا الصنم على شكله وهيأته وصورته ليكون نائبًا منابه، وقائمًا مقامه، وإلا فمن المعلوم أن عاقلًا لا ينحت خشبة، أو حجرًا بيده ثم يعتقد أنه إلهه ومعبود" (٣).
ويقول الإمام ابن كثير في شأن مناظرة إبراهيم لقومه: "والحق أن إبراهيم- ﵊ كان في هذا المقام مناظرًا لقومه، مبينًا لهم بطلان ما كانوا عليه من عبادة الهياكل والأصنام، فبين في المقام
стр. 1037
الأول مع أبيه خطأهم في عبادة الأصنام الأرضية التي هي على صور الملائكة السماوية؛ ليشفعوا لهم إلى الخالق العظيم الذين هم عند أنفسهم أحقر من أن يعبدوه، وإنما يتوسلون إليه بعبادة ملائكته ليشفعوا لهم عنده في الرزق، والنصر، وغير ذلك مما يحتاجون إليه" (١).
ويقول -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب في معرض ذكره للفوائد المستنبطة من قصة الجاهلية المذكورة في السيرة: "السادسة: معرفة أن الأصنام لم تعبد لذاتها؛ وإنما عبدت لأجل الصالحين" (٢).
ويقول الشيخ سليمان آل الشيخ: "فإن الغرانيق هي الملائكة على قول، وعلى آخر هي الأصنام، ولا تنافي بينهما؛ فإن المقصود بعبادتهم الأصنام: الملائكة والصالحين كما تقدم ... " (٣).
* المسألة الرابعة* فوائد القاعدة وتطبيقاتها
بعض الفوائد المستفادة من القاعدة:
أولًا: دلت القاعدة على أن عبادة الأصنام لم تكن لأجل ذاتها، وإنما عبدت لأسباب أخرى، وفي هذا رد على شبهة أهل الشرك في هذا الزمان الذين يدعون أن المشركين إنما عبدوا الأصنام والأحجار، وأما نحن فإنما نتوجه إلى الأنبياء والصالحين، ولا شك في بطلان هذه الشبهة، فإنه لا فرق بين المعبودات سواء كانت من الأنبياء أو الصالحين، أو من الأحجار والأشجار أو غير ذلك.
يقول الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين في رده على من ألقى
стр. 1038
هذه الشبهة: "قوله: إن هذه الآية أعني آية يس في الأصنام خاصة فهو كاذب ضال في قوله هذا، بل الآية عامة في كل ما عبد من دون الله؛ لأن من أراده الله بضر لم يغن عنه معبوده شيئًا سواء كان معبوده ملكًا أو نبيًا أو غيرهما، فلا يكشف عنه ضرًا أراده الله به، ولا يجلب له نفعًا، وأتى سبحانه في الآية بضمير العقلاء بالواو والميم فهي عامة في كل معبود من دون الله سواء كان عاقلًا أو جمادًا ...
وهذا المعترض يقول هذه الآية آية يس فيمن عبد الأصنام، ومقتضى كلامه أن من عبد غير الأصنام أن معبوده ينفعه بشفاعة وغيرها، ومن المعلوم بالسُّنَّة المتواترة وإجماع أهل السُّنَّة، بل الأمة أن من مات مشركًا لا شفيع له، وأخبر سيد الشفعاء صلوات الله وسلامه عليه أن شفاعته لمن مات لا يشرك بالله شيئًا، فمن عبد غير الله من ملك أو نبي أو صالح أو صنم، أو غير ذلك فإنه لا يشفع فيه شافع، ولا يدفع عنه دافع" (١).
ويقول الشيخ سليمان بن سحمان: "إن المشركين عبدوا تلك الآلهة بالفعل الصادر منهم، كالدعاء والحب، والخوف، والتعظيم، والرجاء، والاستغاثة، والاستعاذة، والذبح لهم، والنذر، والالتجاء إليهم، فصرفوا لهم هذه العبادة، ليشفعوا لهم عند الله، وليقربوهم إلى الله زلفى، وهكذا حال مشركي هذه الأزمان، إنما عبدوهم بالفعل والاعتقاد فيهم، وتوسلوا بهم، وقصدوهم لأجل التبرك بهم، والاستشفاع بجاههم، لا لأجل أنهم مستحقون للعبادة، ولا أنهم مستقلون بالخلق والإيجاد، والنفع والضر - أيضًا- فإن مجرد ارتكاب فعل، أو قول، أو اعتقاد لغير الله، مما يعد من العبادة من الدعاء، والذبح -وما تقدم ذكره- مُوْقِع في الإشراك، سواء وجد معه اعتقاد ألوهية غير الله أم لا" (٢).
стр. 1039
المبحث الثالث
قاعدة المشركون الأولون يشركون في الرخاء ويخلصون في الشدة ومشركو زماننا شركهم دائم في الشدة والرخاء
وتشتمل على عدة مسائل:
* المسألة الأولى * بيان معنى القاعدة
أشارت القاعدة إلى طبيعة الشرك الذي كان عند العرب الأوائل الذي بعث فيهم محمد ﷺ ، وأنهم كانوا على حالتين؛ الأولى: وهي حالة الرخاء فكانوا يشركون الأصنام والآلهة مع الله تعالى في العبادة، والثانية: حالة الشدة والكرب ونزول العذاب فكانوا يرجعون إلى الله تعالى بالتوحيد، ويفردونه سبحانه بالعبادة، فيخلصون له الدعاء ويتضرعون إليه بالسؤال وطلب النجاة، وعندها ينسون ما كانوا يشركونه من الأنداد والآلهة؛ لعلمهم بأن ساعات الشدة والعذاب لا ينجي منها إلا الرب سبحانه وجلَّ في علاه.
وهذا يدل على أن لعقولهم نوع سلامة، حيث عرفوا أنه لا ينفع في حال الشدة سوى الله تعالى، وهذه المعرفة ناتجة عن الفطرة التي فطرت عليها قلوب الخلق عامة، ولكنها تغفل وتنسى في حال الرخاء فتعود أدراجها إلى ما كانت تشرك به من قبل، فمتى جاء الاضطرار رجعت
стр. 1040
القلوب إلى الفطرة، وزال ما ينازعها فالتجأت إليه، وأنابت إليه وحده لا شريك له، وهذا بخلاف من لجأ إلى غير الله، وعلَّق قلبه بغير مولاه في حالتي الشدة والرخاء، والنعمة والعذاب، فما أضله وأظلمه وأجهله حيث فاق شركه شرك الأوائل (١).
فالمشركون الأوائل كانت لهم عبادات يتعبدون بها الله ﵎ في حال الرخاء والسعة وعند حصول النعم، ويشركون في ذلك أصنامهم، فإذا جاءت الضراء والكروب والضيق أخلصوا العبادة للّه تعالى.
* المسألة الثانية * أدلة القاعدة
دلَّت القاعدة على أمرين:
الأول: أن مشركي العرب كانت لهم عبادات يتعبدون بها الرب .
الثاني: أنهم يخلصون حال الشدة والضيق ويشركون في حال الرخاء والسعة.
أما الأول فدليله ما يأتي:
أولًا: عن ابن عباس ﵄ قال: (كان المشركون يقولون: (لبيك لا شريك لك) قال: فيقول رسول الله ﷺ : "ويلكم قدٍ قدٍ"، فيقولون: (إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك)، يقولون هذا وهم يطوفون بالبيت) (٢).
ثانيًا: وجاء عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
стр. 1041
لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٢]: (كان المشركون يحجون البيت الحرام، ويهدون الهدايا، ويعظمون حرمة المشاعر، ويتجرون في حجهم، فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم، فقال الله : ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ (١).
يقول الشهرستاني في بيان حال الجاهلية: "وكانوا يحجون البيت، ويعتمرون، ويحرمون، ويطوفون بالبيت سبعًا، ويمسحون بالحجر، ويسعون بين الصفا والمروة، وكانوا يلبون إلا أن بعضهم كان يشرك في تلبيته في قوله: إلا شريك هو لك تملكه وما ملك، ويقفون المواقف كلها" (٢).
ويقول الإمام ابن تيمية: "كانت العرب تحج إلى اللات، والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، وهم مع ذلك يحجون إلى البيت، ويطوفون به، ويقفون بعرفات، ولهذا كانوا تارة يعبدون الله، وتارة يعبدون غيره، وكانوا يقولون في تلبيتهم: (لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك) " (٣).
وأما الأمر الثاني فالدليل عليه ما يأتي:
أولًا: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥)﴾ [العنكبوت: ٦٥].
стр. 1042
بيَّن سبحانه في هذه الآية حال المشركين في ركوب البحر؛ لأنَّهم يخلصون لله الدعاء، ويفردونه بالعبادة؛ لأنَّهم يعلمون أنهم في شدة وكرب لا يقدر على كشف ذلك إلا فاطر السموات والأرضين، فخصوه بالعبادة والدعاء، وتركوا جميع الالهة من الأصنام والأنداد فلم يلتفتوا إليها، وكأنها لم تكن.
يقول الإمام الطبري: "فإذا ركب هؤلاء المشركون السفينة في البحر فخافوا الغرو، والهلاك فيه دعوا الله مخلصين له الدين، يقول: أخلصوا لله عند الشدة التي نزلت بهم التوحيد، وأفردوا له الطاعة، وأذعنوا له بالعبودة، ولم يستغيثوا بآلهتهم وأندادهم، ولكن بالله الذي خلقهم، فلما نجاهم إلى البرِّ، يقول: فلما خلصهم مما كانوا فيه، وسلمهم فصاروا إلى البر إذا هم يجعلون مع الله شريكًا في عبادتهم، ويدعون الالهة والأوثان معه أربابًا" (١).
ويقول الإمام البغوي: "هذا إخبار عن عنادهم وأنهم عند الشدائد يقرون أن القادر على كشفها هو الله وحده فإذا زالت عادوا إلى كفرهم. قال عكرمة: كان أهل الجاهلية إذا ركبوا البحر حملوا معهم الأصنام، فإذا اشتدت بهم الريح ألقوها في البحر، وقالوا: يا رب يا رب" (٢).
ويؤيده قول قتادة في الآية: "إن الكافر يعرض عن معبوده في وقت البلاء، ويقبل على الله تعالى كما أخبر الله عنهم فقال: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، والمؤمن لا يعرض عن الله في السراء والضراء والشدة والرخاء" (٣).
стр. 1043
ويقول الإمام القرطبي: "قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ﴾؛ يعني: السفن وخافوا الغرق ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، أي: صادقين في نياتهم، وتركوا عبادة الأصنام ودعاءها، ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥)﴾، أي: يدعون معه غيره وما لم ينزل به سلطانًا" (١).
وقال العلامة الشوكاني: " ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي: انقطع رجاؤهم من الحياة وخافوا الغرق رجعوا إلى الفطرة، فدعوا الله وحده كائنين على صورة المخلصين له الدين؛ بصدق نياتهم وتركهم عند ذلك لدعاء الأصنام، لعلمهم أنه لا يكشف هذه الشدة العظيمة النازلة بهم غير الله سبحانه، فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون" (٢).
ثانيًا: قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢)﴾ [يونس: ٢٢].
يقول أبو عبد الله القرطبي: ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾؛ أي: دعوه وحده وتركوا ما كانوا يعبدون، وفي هذا دليل على أن الخلق جبلوا على الرجوع إلى الله في الشدائد، وأن المضطر يجاب دعاؤه وإن كان كافرًا، لانقطاع الأسباب، ورجوعه إلى الواحد رب الأرباب" (٣).
стр. 1044
ويقول الحافظ ابن كثير: " ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾؛ أي: لا يدعون معه صنمًا ولا وثنًا، بل يفردونه بالدعاء والابتهال، وقال ها هنا: ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ﴾؛ أي: هذه الحال ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢)﴾؛ أي: لا نشرك بك أحدًا، ولنفردنك بالعبادة هناك كما أفردناك بالدعاء ها هنا" (١).
ويقول الشيخ الشنقيطي: "واعلم أن الكفار في زمن النبي ﷺ كانوا يعلمون علمًا يقينًا أن ما ذكر من إجابة المضطر، وكشف السوء عن المكروب: من خصائص الربوبية، وكانوا إذا دهمتهم الكروب؛ كإحاطة الأمواج بهم في البحر في وقت العواصف يخلصون الدعاء لله وحده؛ لعلمهم أن كشف ذلك من خصائصه، فإذا أنجاهم من الكرب رجعوا إلى الإشراك " (٢).
ثالثًا: قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (٤١)﴾ [الأنعام: ٤٥، ٤١].
يقول الإمام الطبري في معنى قوله تعالى: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾: "يقول تعالى ذكره مكذبًا لهؤلاء العادلين به الأوثان: ما أنتم أيها المشركون بالله الآلهة والأنداد، ﴿إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ﴾ بمستجيرين بشيء غير الله في حال شدة الهوة النازل بكم؛ من آلهة، ووثن، وصنم، بل تدعون هناك ربكم الذي خلقكم، وبه تستغيثون، وإليه تفزعون دون كل شيء غيره، ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ﴾، يقول: فيفرج عنكم عند استغاثتكم به، وتضرعكم إليه عظيم البلاء النازل بكم إن شاء أن يفرج ذلك عنكم؛ لأنَّه القادر على كل شيء، ومالك كل شيء دون ما تدعونه إلهًا من الأوثان، والأصنام، ﴿وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (٤١)﴾ يقول
стр. 1045
وتنسون حين يأتيكم عذاب الله أو تأتيكم الساعة بأهوالها ما تشركونه مع الله في عبادتكم إياه فتجعلون له ندًّا من وثن وصنم وغير ذلك مما تعبدونه من دونه وتدعونه إلهًا" (١).
ويقول الرازي في معنى الآية: "قل يا محمد لهؤلاء الكفار: إن أتاكم عذاب الله في الدنيا، وأتاكم العذاب عند قيام الساعة، أترجعون إلى غير الله في دفع ذلك البلاء والضر، أو ترجعون فيه إلى الله تعالى، ولما كان من المعلوم بالضرورة أنهم إنما يرجعون إلى الله تعالى في دفع البلاء والمحنة، لا إلى الأصنام والأوثان، لا جرم قال: ﴿ ... تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾، يعني: أنكم لا ترجعون في طلب دفع البلية والمحنة إلا إلى الله تعالى" (٢).
وقال الشيخ السعدي في تفسير الآية: "فإذا كانت هذه حالكم مع أندادكم عند الشدائد: تنسونهم، لعلمكم أنهم لا يملكون لكم ضرًّا ولا نفعًا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، وتخلصون لله الدعاء؛ لعلمكم أنه هو الضار النافع، المجيب لدعوة المضطر، فما بالكم في الرخاء تشركون به، وتجعلون له شركاء، هل دلكم على ذلك عقل، أو نقل، أم عندكم من سلطان بهذا، أم تفترون على الله الكذب" (٣).
وقال أبو حيان: "وظاهر قوله: ﴿وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (٤١)﴾ النسيان حقيقة والذهول والغفلة عن الأصنام، لأن الشخص إذا دهمه ما لا طاقة له بدفعه تجرد خاطره من كل شيء إلا من الله الكاشف لذاك الداهم، فيكاد يصير الملجأ إلى التعلق بالله والذهول عن من سواه، فلا يذكر غير الله القادر على كشف ما دهم" (٤).
стр. 1046
رابعًا: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (٨)﴾ [الزمر: ٨]، وقوله سبحانه: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ [الروم: ٣٣]، وقال : ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (٦٧)﴾ [الإسراء: ٦٧]، وغير ذلك من الآيات التي تقرر حال الإنسان عمومًا عند السراء والرخاء والنعمة وحال مشركي العرب خاصة.
يقول الإمام الطبري في تأويل الآية: "يقول تعالى ذكره وإذا مس هؤلاء المشركين الذين يجعلون مع الله إلهًا آخر ضرٌ فأصابتهم شدة، وجدوب، وقحوط دعوا ربهم، يقول: أخلصوا لربهم التوحيد، وأفردوه بالدعاء والتضرع إليه، واستغاثوا به منيبين إليه، تائبين إليه من شركهم وكفرهم، ثم إذا أذاقهم منه رحمة، يقول: ثم إذا كشف ربهم تعالى ذكره عنهم ذلك الضر وفرَّجه عنهم، وأصابهم برخاء، وخصب وسعة، إذا فريق منهم يقول: إذا جماعة منهم بربهم يشركون يقول: يعبدون معه الآلهة والأوثان" (١).
وقال الإمام السمعاني: "وقوله: ﴿دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾؛ أي: منقلبين إليه بالدعاء؛ ومعناه: أنهم إذا وقعوا في الشدة تركوا دعاء الأصنام ودعوا الله وحده" (٢).
ويقول الشيخ السعدي: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ﴾: مرض أو خوف من هلاك ونحوه ﴿دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾، ونسوا ما كانوا به يشركون في تلك الحال؛ لعلمهم أنه لا يكشف الضر إلا الله ﴿ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ
стр. 1047
رَحْمَةً﴾ فشفاهم من مرضهم، وآمنهم من خوفهم ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ ينقضون تلك الإنابة التي صدرت منهم، ويشركون به ... وكل هذا كفر بما آتاهم الله وَمَنَّ به عليهم، حيث أنجاهم، وأنقذهم من الشدة، وأزال عنهم المشقة، فهلا قابلوا هذه النعمة الجليلة بالشكر، والدوام على الإخلاص له في جميع الأحوال" (١).
ويقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (٦٧) أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (٦٨) أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا (٦٩)﴾ [الإسراء: ٦٧ - ٦٩]: "بَيَّنَ جل وعلا في هذه الآيات الكريمة أن الكفار إذا مسهم الضُّرُّ في البحر؛ أي: اشتدت عليهم الريح فغشيتهم أمواج البحر كأنَّها الجبال، وظنوا أنهم لا خلاص لهم من ذلك، ضل عنهم، أي: غاب عن أذهانهم وخواطرهم في ذلك الوقت كل ما كانوا يعبدون من دون الله جل وعلا، فلا يدعون في ذلك الوقت إلا الله جل وعلا وحده؛ لعلمهم أنه لا ينقذ من ذلك الكرب وغيره من الكروب إلا هو وحده جل وعلا، فأخلصوا العبادة والدعاء له وحده في ذلك الحين الذي أحاط بهم فيه هول البحر، فإذا نجَّاهم الله وفرَّج عنهم ووصلوا البر رجعوا إلى ما كانوا عليه من الكفر" (٢).
خامسًا: ومما يدل على أن المشركين يخلصون الدعاء وقت الشدة ما رواه سعد بن أبي وقاص في قصة إسلام عكرمة، وفيه: (وأما عكرمة فركب البحر، فأصابتهم عاصف، فقال أصحاب السفينة: أخلصوا فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئًا ها هنا، فقال عكرمة: والله لئن لم ينجني من
стр. 1048
البحر إلا الإخلاص، لا ينجيني في البر غيره، اللَّهُمَّ إن لك علي عهدًا إن أنت عافيتني مما أنا فيه أن آتي محمدًا ﷺ حتى أضع يدي في يده فلأجدنه عفوًا كريمًا فجاء فأسلم) (١).
* المسألة الثالثة* أقوال أهل العلم في اعتماد معنى القاعدة
تواتر ذكر معنى القاعدة في كلام أهل العلم وتقريراتهم، وفيما يأتي أذكر بعضًا مما وقفت عليه من ذلك مما يشير إلى اعتماد العلماء لمعنى القاعدة:
يقول الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "القاعدة الرابعة: أنَّ مشركي زَمانِنَا أغلظُ شِرْكًا مِنَ الأوَّلين؛ لأن الأولينَ يُشركُونَ في الرخاءِ ويُخْلصونَ في الشدةِ، ومُشركُو زَماننا شركُهم دائمًا في الرخاء والشدة" (٢).
стр. 1049
ويقول ﵀ أيضًا: "فإذا فهمت هذا، ورأيت العجب، فاعرف، وحقق: المسألة الرابعة، وهي: أن الذين في زمن رسول الله ﷺ لا يشركون دائمًا، بل تارة يشركون، وتارة يوحدون، ويتركون دعاء الأنبياء، والشياطين، فإذا كانوا في السراء دعوهم، واعتقدوا فيهم، وإذا أصابهم الضر، والألم الشديد، تركوهم، وأخلصوا لله الدين، وعرفوا: أن الأنبياء، والصالحين، لا يملكون نفعًا، ولا ضرًّا" (١).
ويقول الشيخ سليمان بن سحمان: "وأما كون الكفار في زمن رسول الله ﷺ لا يشركون دائمًا، بل تارة يشركون، وتارة يوحدون، ويتركون دعاء الأنبياء والصالحين، وذلك أنهم إذا كانوا في السراء دعوهم، واعتقدوا بهم، وإذا أصابهم الضر والشدائد تركوهم وأخلصوا لله الدين، وعرفوا أن الأنبياء والصالحين لا يملكون ضرًّا ولا نفعًا" (٢).
* المسألة الرابعة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها
للقاعدة فوائد عديدة أذكرها فيما يأتي:
أولًا: بالنظر إلى حال من وقع في الشرك من هذه الأمة يظهر الفرق الكبير، والبون الشاسع بين الشرك القديم، الذي كان على عهد المصطفى ﵇، وبين الشرك في هذه الأوثان، وإن كان جميعه شركًا مخلدًا في النار، لكن بعض الشر أهون من بعض، فالشرك عند العرب لا يكون إلا في الرخاء، أما في الشدة فإنَّهم يرجعون إلى الله بالإخلاص وإفراده بالعبادة، وذلك بخلاف الشرك اليوم فإن أصحابه يشركون في الرخاء والشدة، بل إنهم يزدادون شركًا وضلالًا حال الشدة، فيعظم
стр. 1050
تعلقهم بالمعبود، وتنعقد قلوبهم عليه، ولا تكاد ألسنتهم تفتر من ذكره، وسؤاله، والاستغاثة به، والرغب فيما عنده، والالتجاء إليه، أما الأوائل فإذا نزلت بهم الكربة والشدة لا يعبدون إلا الله، وينسون معبوداتهم من دون الله تعالى.
يقول الشيخ سليمان بن سحمان: "وأما مشركو أهل هذه الأزمان فإنه لا يشتد شركهم إلا إذا وقعت بهم الشدائد، فإنهم ينسون الله، ولا يدعون إلا معبودهم، فشركهم دائم في الرخاء والشدة، وهذا أمر معلوم مشاهد، لا ينكره إلا مكابر في الحسيات، مباهت في الضروريات" (١).
ويقول الشيخ حافظ الحكمي: "وهؤلاء أعظم شركًا وأشد؛ لأنَهم يشركون في الرخاء وفي الشدة، بل هم في الشدة أكثر شركًا، وأشد تعلقًا بهم من حالة الرخاء، وأما مشركو الجاهلية الأولى فيشركون في الرخاء ويخلصون لله في الشدة" (٢).
ويقول ﵀ أيضًا: "وهذا بخلاف مشركي زماننا اليوم من عباد القبور وغيرها، فإنَّهم يشركون في الشدة أضعاف شركهم في الرخاء، حتى إن كانوا ينذرون لهذا الولي في الرخاء ببعير، أو تبيع، أو شاة، أو دينار، أو درهم، أو نحو ذلك فأصابتهم الشدة زادوا ضعف ذلك، فجعلوا له بعيرين، أو تبيعين، أو شاتين، أو دينارين، أو درهمين، أو غير ذلك، وأيضًا فإنهم يعتقدون فيهم من صفات الربوبية، وأنهم متصرفون فيما لا يقدر عليه إلا الله، وغلا بعضهم حتى جعل منهم المتصرف في تدبير الكون على سبيل الاستقلال، ويقولون فيه: إنها لا تتحرك ذرة ولا تسكن إلا بإذن فلان، تعالى الله وتقدس، وجل وعلا عن أن يكون معه إله غيره، أو يكون له شريك في الملك، أو ولي
стр. 1051
من الذل" (١).
وبهذا يتبيَّن الفرق بين شرك أهل زماننا وشرك الأولين، والنصوص فرَّقت بين الشركين، وفرقت بين حالتي الشدة والغفلة؛ فالشدة يتبعها الإخلاص والتوبة والإنابة، والرخاء والسعة يتبعهما الانتكاس والغفلة، وعليه فشرك الأولين أخف، وشرك المتأخرين أعظم وأغلظ، وإن كان كلّ منهما مشرك، ولكن الشرك يتفاوت، بعضه أغلظ من بعض.
يقول -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب بعد ذكره لهذه القاعدة: "فمن فهم هذه المسألة التي وضحها الله في كتابه: وهي أن المشركين الذين قاتلهم رسول الله ﷺ يدعون الله ويدعودن غيره في الرخاء، وأما في الضراء والشدة فلا يدعولن إلا الله وحده لا شريك له، وينسون سادتهم، تبيَّن له الفرق بين شرك أهل زماننا وشرك الأولين، ولكن أين من يفهم قلبه هذه المسألة فهمًا راسخًا؛ والله المستعان" (٢).
ثانيًا: الذي قاد المشركين إلى إخلاص العبادة لله تعالى حال الشدة والكربة، ورجوعهم إلى الله تعالى إيمانهم وإقرارهم بربوبية الله تعالى، وأنه الخالق والمتصرف في هذا الكودن، وكونه يستحق أن يعبد ، وهذا إدن دلَّ على شيء فإنما يدل على توحيدهم بربوبية الله تعالى، ورجوعهم إلى الفطرة التي فطر الله عليها الخلق، فميّزوا وعرفوا أنه لا ينجي حال حصول الشدائد والآفات، ووقوع المصائب والكربات، وتلاطم أمواج البحار، وعتو الرياح، إلا المولى .
يقول الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ: "يقرر تعالى أنه الإله الواحد الذي لا شريك له، ولا معبود سواه مما يشترك في معرفته المؤمن والكافر؛ لأن القلوب مفطورة على ذلك، فمتى جاء الاضطرار رجعت
стр. 1052
القلوب إلى الفطرة، وزال ما ينازعها فالتجأت إليه، وأنابت إليه وحده لا شريك له، ومثل هذا كثير في القرآن؛ يبين تعالى أنه المدعو عند الشدائد، الكاشف للسوء وحده، فيكون هو المعبود وحده، ومن المعلوم أن المشركين كانوا يعلمون أنه لا يقدر على هذه الأمور إلا الله وحده، وإذا جاءتهم الشدائد أخلصوا الدعاء لله كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥)﴾ [العنكبوت: ٦٥] " (١).
وذلك بخلاف ما يعتقد كثير من الجهلة: وهو أن الولي له التصرف في الخلق؛ جلبًا، وصرفًا، فيزعمون أن الأولياء لهم التصرف في الكون كاملًا، وأن الله أعطاهم التصرف، والكشف، والخطوة إلى ما يريدون، وهذا بلا ريب أعظم من شرك السابقين.
ثالثًا: أشارت القاعدة إلى اضطراب المشركين وعدم ثبات الإيمان في قلوبهم، وأنهم لا يكادون يرجعون إلى الله بالتوحيد وإفراده بالعبادة حال الشدة والكرب، إلا وسرعان ما ينقلبون وينتكسون على رؤوسهم حال الرخاء والنعماء؛ ولذا كان توحيدهم هباء، وعبادتهم سدى، ولا يوصفون بأنهم عابدون لله تعالى وإن وقعت منهم العبادة بعض الأحيان.
يقول الإمام ابن القيم: "وأنتم لما عبدتم غيره فلستم من عابديه، وإن عبدوه في بعض الأحيان؛ فإن المشرك يعبد الله ويعبد معه غيره كما قال أهل الكهف: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [الكهف: ١٦]؛ أي: اعتزلتم معبودهم إلا الله فإنكم لم تعتزلوه، وكذا قال المشركون عن معبودهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، فهم كانوا يعبدون الله ويعبدون معه غيره، فلم ينتف عنهم الفعل لوقوعه منهم، ونفي الوصف؛ لأن من عبد غير الله لم يكن ثابتًا على عبادة الله، موصوفًا
стр. 1053
بها، فتأمل هذه النكتة البديعة، كيف تجد في طيها: أنه لا يوصف بأنه عابد الله، وعبده المستقيم على عبادته إلا من انقطع إليه بكليته، وتبتل إليه تبتيلًا، لم يلتفت إلى غيره، ولم يشرك به أحدًا في عبادته، وأنه وإن عبده وأشرك به غيره فليس عابدًا لله، ولا عبدًا له" (١).
стр. 1054
المبحث الرابع
قاعدة دين الحنفاء ليس فيه واسطة بين الله وخلقه في الربوبية والألوهية، والرسل وسائط في التبليغ والدلالة
وفيه مسائل:
* المسألة الأولى* بيان معاني مفردات القاعدة
معنى الواسطة لغة واصطلاحًا:
الواو والسين والطاء: بناء صحيح يدلُّ على العَدل والنِّصف، وأعدل الشيء أوسطه (١)، ووسط الشيء: ما بين طرفيه، أو ما له طرفان متساويا القدر، ويقال: (وَسَط) في الكمية المتصلة، كالجسم الواحد، وفي الكمية المنفصلة كشيء يفصل بين جسمين يقال: (وَسْط)، والتوسط بين الناس من الوساطة، فالذي يقوم بالتوسط بين شيئين هو الواسطة، التي توصل أحد الطرفين بالآخر (٢).
стр. 1055
والوساطة: عمل الوسيط، وهي التوسط بين الشيئين أو الموجودين، إذا كان هذان الشيئان، أو الموجودان مستقلين في الواقع عن ذلك التوسط (١).
ولقد شاع استعمال الواسطة في عصرنا بمعنى الجاه والمكانة (٢).
ومن العلماء من عبر بالواسطة عن الوسيلة والشفاعة.
كما يقول الإمام ابن القيم: "وتسقط الوسائط بينك وبينه -أي: النبي ﷺ إلا في التبليغ، كما تسقط الوسائل بينك وبين المُرسل في العبودية، ولا تثبت وساطة إلا في وصول أمره ونهيه ورسالته إليك" (٣)، فعبَّر عن الواسطة بالوسيلة.
ويقول الألولسي: "والوسيلة في الأصل الواسطة التي يتوسل ويتقرب بها إلى الشيء وهي هنا الطاعة" (٤).
ويقول الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ: "وإما على سبيل الوساطة بينهم وبين الله بالشفاعة وهذا شرك الذين قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] " (٥).
ويقول الشيخ ابن عثيمين: "الواسطة: هي الشفاعة للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة" (٦).
والذي يظهر أن الواسطة تتناول الوسيلة والشفاعة، ومطلق التوسط بين شيئين، فكل وسيلة هي واسطة يتوصل بها إلى الشيء المراد،