← Акыда

Акыда · id 604

القواعد في توحيد العبادة

محمد بن عبد الله باجسير

Полный текст (1 131 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

- أ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد: فقد بعث الله الأنبياء والرسل بتبليغ التوحيد ولبيانه؛ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]؛ ومن أجله خلق الله الخلق، وأُنزلت الكتب، وتفرق الناس لأجله بين شقي وسعيد، فأما الموحد فهو من أهل السعادة، وأما المشرك فهو من أهل الشقاء، وهو من أول ما يدخل به العبد في الإسلام؛ فغير الموحد لا يعتبر مسلمًا البتة كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥)﴾ [المائدة: ٥]، وكما قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله؛ فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله" (١)، والتوحيد هو مفتاح دعوة الرسل، ولهذا قال النبي ﷺ لرسوله معاذ بن جبل ﵁ وقد بعثه إلى اليمن-: "إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله

стр. 2

- ب - إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة" (١) وذكر الحديث، وهو أول واجب على العبد، وآخر ما يجب أن يخرج به العبد من الدنيا كما قال رسول الله ﷺ : "من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة" (٢). وقد مكث النبي ﷺ في مكة ثلاث عشرة سنة يدعو الناس إلى التوحيد، فآمن به من آمن، وكفر به من كفر، فهاجر بعد ذلك فرارًا بدينه إلى المدينة إلى أن توفاه الله، فسار الصحابة ﵃ على نهج نبيهم في الدعوة إلى التوحيد، ففتحوا الأمصار ونشروا الدعوة واستمر الحال إلى زمن التابعين وأتباعهم إلى أنْ ظهرت الفرق المخالفة للسُّنَّة كالجهمية ثم المعتزلة ثم الكلابية، وكان انحرافهم في الصفات والتوحيد، لذا بذل العلماء جهودهم في الرد على المنحرفين في توحيد الأسماء والصفات، مثل كتب الرد على الجهمية للإمام أحمد بن حنبل والدارمي والبخاري وغيرهم من أهل العلم. ثم حصل بعد القرون الثلاثة المفضلة انحراف في توحيد العبادة على يد الرافضة -أهل قم- فنشروا شرك الوسائط في الأمة، فاهتم العلماء بالرد على المنحرفين في هذا التوحيد وخاصة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وتلامذته، ثم بعد ذلك الشيخ محمد بن عبد الوهاب وتلامذته، فألَّفوا المؤلفات العظيمة في تقرير توحيد العبادة وبيان نواقضه، وهذا بفضل الله ورحمته. وفي هذا العصر اهتم طلبة العلم ببيان مصطلحات التوحيد وبيان

стр. 3

- ج - قواعده، فسجِّلت الرسائل العلمية العالمية (الماجستير والدكتوراه) في بيان المصطلحات (١) العلمية للتوحيد وقاعدته؛ والمصطلحات العقدية لها أهمية بالغة، إذْ تحدد معاني الألفاظ الشرعية على مذهب أهل السُّنَّة والجماعة والرد على الطوائف المخالفة فيها، قال شيخ الإسلام: (وهذه الحدود معرفتها من الدين في كل لفظ هو كتاب الله وسُنَّة رسوله ﷺ ثم قد تكون معرفتها فرض عين وقد تكون فرض كفاية، ولهذا ذم الله تعالى من لم يعرف هذه الحدود بقوله تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩٧]، وبالجملة فالحاجة إلى معرفة هذه الحدود ماسة لكل أمة، وفي كل لغة، فإن معرفتها من ضرورة التخاطب، الذي هو النطق الذي لا بد منه لبني آدم (٢). ومن جملة من اهتم من طلبة العلم في هذا العصر ببيان مصطلحات التوحيد وبيان قواعده: الأخ/ محمد باجسير؛ فقد بحث في رسالة الماجستير بعنوان: مصطلحات توحيد العبادة، وأما بحثه في الدكتوراه فهو في بيان قواعد توحيد العبادة، فيعتبر الدكتوراه هي امتداد للماجستير، إذْ أنَّ موضوعهما واحد، ألا وهو توحيد العبادة، وقد أجاد فيهما.

стр. 4

- د - هذا وأسأل الله التوفيق للباحث والأجر والثواب. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان. كتبه أ. د. محمَّد بن عَبد الرَّحمن الخَميِّس أستاذ العقيدة في حلية أصول الدين

стр. 5

- هـ - مُقَدِّمَةُ المُعتَني باِلكِتَاب إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢]. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١] ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١]. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. وبعد: فإن علم التوحيد أشرف العلوم وأفضلها، وأرفعها مكانة وأجلها لتعلقه بذات الباري سبحانه، وتضمنه معرفة أسمائه وصفاته وأفعاله والعلم بما أنزل من كتبه وأرسل من رسله، ولتأكيد أهميته وعُلوّ شأنه، ونُبل غايته وعظيم منزلته، خلق من أجله الخلق وأجرى عليهم الرزق كما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)

стр. 6

- و - مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨]. واتفقت كلمة جميع المرسلين عليهم الصلاة والتسليم على الدعوة إليه ونصرته والجهاد في سبيله، كما في قوله سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وقوله: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾ [الزخرف: ٤٥]. فأمرُ توحيده تعالى إذًا: الدلالة على أمره ونهيه، ومعرفة وعده ووعيده، وإقامة دينه وشرعه، لذا وُضعت من أجله الدواوين، ونُصِبت بشأنه الموازين، وكان الثواب والعقاب، والجزاء والحساب، وافتراق العباد، فريق في الجنة وفريق في السعير. ولما كان "من المِحَال أن تَسْتَقِلّ العقول البشرية بمعرفة ذلك وإدراكه على التفصيل اقتضت حكمة العزيز الرحيم أن بعث الرسل به مُعَرِّفِين وإليه داعين، ولمن أجابهم مبشرين، ولمن خالفهم منذرين، وجعل مفتاح دعوتهم وزبدة رسالتهم معرفة المعبود سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله؛ إذ على هذه المعرفة تنبني مطالب الرسالة جميعها، وأن الخوف والرجاء والمحبة والطاعة والعبودية تابعة لمعرفة المرجو المخوف المحبوب المطاع المعبود" (١). ثلَاث عشرةَ سَنَةً في مكة والنَّبيُّ ﷺ يدعو إليه، ويغرس جذوره في أعماق النفوس، ويبني أُسُسَهُ ودعائمه في سويداء القلوب، ويثبت أَركانه في الوجدان؛ حتى اتضحت سبيله للسالكين، وبانت معالمه للراغبين، فأَظهر الله الحق وأَزهق الباطل، وأَضاءت القلوبَ أَنوارُ التوحيد الخالص، فَجلتْه من أَوضار الشرك، وصقلته من أَدران التنديد.

стр. 7

- ز - بقيت العقيدة على صفائها ونقائها وطهرها؛ حتى إذا قضى الله أمرًا كان مفعولًا، ودخل في دين الله من لم يتشرَّب قلبه التوحيد الخالص، حدث في النَّاس الخلل، وتفرَّقت بهم السُّبل، وراجت المذاهب المنحرفة، والأفكار الهدَّامة، وأَطلَّت الفتن برأسها، وفشت البدع ببؤسها، حتى إذا زاغت الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر، وابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالًا شديدًا، قيَّض الله من أَئمَّة الهدى، ومصابيح الدجى من يعيد النَّاس إلى مشكاة النبوة وقلعة الإيمان، ويكشف لهم زيوف الباطل، ويدحض شُبَه المبطلين، ويردَّهم إلى منهج السَّلف الصَّالح. إنَّ المتبصِّر في تاريخ الأُمَّة الإسلاميَّة؛ ليرى أن عزَّتها وعلوَّها وغلبتها ودينونة الأُمم لها مرتبطة بصفاء عقيدتها، وصدق توجهها إلى الله، واتباعها لأَثر النَّبيِّ ﷺ وسيرها على منهج السَّلف الصَّالح، واجتماعها على أَئمَّتها، وعدم منازعتهم في ذلك، وأَنَّ ذلها وضعفها وانخذالها، وتسلط الأُمم عليها مرتبط بانتشار البدع والمحدثات في الدِّين، واتخاذ الأَنداد والشركاء مع الله، وظهور الفِرَق الضالَّة، ونزع يد الطاعة، والخروج على الأَئمَّة. إنَّ الانحرافات العقدية، والحيدة عن منهج السَّلف الصَّالح، والانخداع بزخرف قول أرباب المذاهب المنحرفة هو الذي فرق الأُمَّة، وأَضعف قوتها، وكسر شوكتها، والواقع شاهد على ذلك، ولا مخرج لها من ذلك إلَّا بالرجوع إلى ما كان عليه النَّبي ﷺ وأصحابه وأئمَّة الهدى، فلن يصلح آخر هذه الأُمَّة إلَّا بما صلح به أَولها. ومن هنا تأتي أهمية العناية بهذا الأمر، وتربية الناشئة عليه وتصحيح المسار إليه حتى لا تتشعب بها السُبل فتضل في متاهات الأهواء والفتن. وقد وفق الله عددًا من مشايخنا وعلمائنا ونفرًا من طلبة العلم المخلصين إلى الاهتمام بهذا الموضوع العظيم، تقريرًا واستدلالًا،

стр. 8

- ح - وتأصيلًا وتقعيدًا، وتأليفًا وإبطالًا لما يُضادُّه، ويُناقِضه ويُعارضُه من شُبَهِ أَهْلِ الضَّلالِ والانحرافِ في هذا الباب. وكان منهم صاحب الفضيلة الشيخ الدكتور محمد بن عبد الله باجسير في كتابه الماتع "القواعد في توحيد العبادة وما يضاده من الشرك عند أهل السُّنَّة والجماعة -جمعًا ودراسة-". وفّقه الله وبارك في علمه وعمله وأهله وذريته، وهو كتاب نفيس فيه تأصيل بديع وتوجيهات رصينة لا يستغنى عنه طلاب العلم ولا يشبع منه العلماء. كما أسأله جلّت عظمته أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، مقربًا إليه نافعًا لعباده إنه سميع مجيب وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. كتبه الفقير إلى عفو ربه ورحمته عَبدُ الجَبَّار بن عَبدُ العظيم بن محَمَّد آلَ مَاجِد غَفرَ الله لَه وَلوَالدَيْه ولجميع المُسلمِينَ Email: a.j.majid@hotmail.com

стр. 9

المُقَدِّمَة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢]. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١]. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾. [الأحزاب؛ ٧٠، ٧١]. أما بعد: فَمِمَّا لا يَخْفَى على كلّ مسلمٍ بَصِيرٍ في دِينِهِ أن اللهَ تعالى أرسلَ جميعَ رسلِه بالدعوةِ إلى التوحيدِ وإفرادِه بالعبادةِ دونَ غيرِه؛ والغايةُ من خلق الخلقِ هو إفراد الله بالعبادة وهو مقصودِ الرسالاتِ؛ لأنَّ ابتلاء العباد بإرسالِ الرسلِ إنما وقع في معاني الألوهيةِ، أما معانِي الربوبيةِ فقد كانت مستقرةً عندَ المشركين في الجملةِ، والله لا يقبلُ من عبادِه صَرْفًا ولا عَدْلًا بدونِ التوحيدِ الذي هو إفرادِه بالعبادةِ، والناظرُ في كلامِ اللهِ يَجِدُ الله قد أكثرَ من ذكر توحيد العبادةِ؛ لأنَّه المقصودُ من دعوةِ

стр. 10

المشركين، فَقَدْ ذكره اللهُ تعالى في غالبِ سورِ القرآنِ وبيَّنَ أدِلَّتَه بطرق عديدة، وحاجَّ المشركين في تركِ عبادتِه وحدَه واتخاذِ الأندادِ والأصنامِ من دونه، وهكذا كان شأن رسولِنا ﷺ وصحابتِه الكرامِ ﵃ في دعوتِهم إلى اللهِ ، ظَهرَ ذلك في حِرْصِه ﷺ وسدِّه لأبوابِ الشركِ بكلِّ الطرقِ والوسائِل، وكذا صحابته من بعده فقويَتِ الأُمّةُ في عَقِيدَتِها، وصارَت صلتُها عظيمةً بربِّها ، وَرَسَخَتْ عَقِيدَةُ التوحيدِ في القلوبِ، وسارَتِ الأمّةُ على هذا التوحيدِ رَدْحًا من الزمن ثم بدأ الشركُ في هذا الباب وغيره يَدُبُّ إليهم من جديدٍ، ويَسْرِي فِي كثيرٍ منهم سَرَيَان الرُّوحِ في البدنِ، وإلى اليوم تعاني الأمة من الانحرافِ العظيم، والضلالِ الواضحِ في أصلِ دعوةِ الأنبياءِ والمرسلين، فانتشرَ بَيْنَهم الشِّرْكُ بكل أشْكَالِهِ وصوَرِهِ، وتَعَلَّقَ كثير من الأمّةِ بغيرِ اللهِ تعالى، وصرفوا صنوفًا من العباداتِ والتَّقَرُّباتِ إلى البشرِ دونَ اللهِ تعالى، فأُصِيبَتِ الأُمّةُ بسببِ ذلك بالضعفِ والذلةِ، وَتَكَالُبِ الأَعْداءِ عليها، وأخذوا منها كُلَّ مأخَذٍ. ولذا كان الاهتمامُ بهذا النوعِ العظيمِ من التوحيد (١) في كلام أهل العلم في مُقَدِّمَةِ المَهَام؛ تقريرًا واستدلالًا، وتأصيلًا وتقعيدًا، وإبطالًا لما يُضادُه، ويُناقِضُه ويُعارضُه من شُبَهِ أَهْلِ الضَّلالِ والانحرافِ في هذا الباب. ولقد قُمْتُ بتوفيقٍ مِنَ اللهِ في مرحلةِ الماجستير بجمع المصطلحات والألفاظِ المُتَعَلِّقَةِ بتوحيدِ الألوهيةِ وَمِنْ ثَمَّ دِرَاسَتُها وذِكْرُ أقْوَالِ العلماءِ في بيانِها، فَظَهَرَ لي من خلاله أهمِّيَةُ التَرْكِيزِ على القواعدِ والضوابطِ التي تَضبِطُ هذا البابَ وَتُبِيِّنُ الأُسُسَ التي يُبْنَى عليها فَقَاعِدَةُ الشيءِ هي أصلُهُ وأَسَاسُهُ.

стр. 11

يقول الإمام ابن تيمية: "فإنَّ هذهِ القَوَاعِدَ المُتَعَلِّقَةَ بِتَقْرِيرِ التَّوْحِيدِ وَحَسْمِ مادةِ الشِّرْكِ، والغُلُوِّ، كُلَّما تَنَوَّعَ بيانُها، وَوَضَحَتْ عِباراتُها، كان ذلك نورًا على نورٍ، واللهُ المستعانُ" (١). ويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: "وَكَذَلِكَ القَوَاعِدُ؛ فإنَّ كُلَّ مسألةٍ يَنْبَنِي عليها مَسائلُ، يُسَمِّيها العُلَماءُ قاعِدةً، وَقَدْ صَنَّفَ العُلَماءُ كُتُبًا كِبارًا، وسَمُّوها بالقَواعِد؛ فَمِنْها ما هُوَ في أُصُولِ الفِقْهِ؛ كالقَوَاعِدِ لابنِ عَبْدِ السَّلامِ الشافعيّ، وابنِ اللَّحامِ الحَنْبَلِي، ومِنْها ما هو في الفِقْهِ، كالقَواعِدِ لابنِ رَجَبٍ، وهو كِتابٌ ضَخْمٌ كَبِيرُ الحَجْمِ. وهذهِ القَواعِدُ التي وَضَعَها شَيْخُنا ﵀، أَحَقُ بهذا الاسمِ من غَيْرِها، لما يَنْبَنِي عليْها مِنْ أُصُولِ الدِّينِ، فإنَّ مَعْرَفَةَ تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيةِ مِنْ تَوْحِيدِ الإلهيةِ، لا يَسَعُ أحدًا جَهْلُهُ. فَمَنْ أَنْكَر هَذهِ القَواعِدَ التي وَضَعَها شَيْخُ الإسلامِ محمد بن عبد الوهاب قَدَّسَ اللهُ روحَه، فَقَدْ كَفَرَ بما تَضمَّنَتْهُ مِنْ أَدْلَّةِ أُصُول الدِّينِ، التي تَضَمَّنَتْها آياتُ القرآنِ المُحْكَماتِ، وَصَحِيح الأحاديثِ؛ وذلك هو الدينُ القيمُ، كما قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠] ... وبهذا البيانِ، يَعْلَمُ المُنْصفُ أنَّهُ لا يُنْكِرُ تِلْكَ القَواعِدَ إلا مَنْ أَقْعَدَهُ جَهْلُه، وَعَمِيَتْ بَصِيرَتُه، وَضَلَّ فَهْمُهُ، وَتَغَيَّرَتْ فِطْرَتُهُ، وَضَاعَ عَقْلُهُ؛ نَعُوذُ باللهِ مِنَ الخُذْلانِ، وَنَسْأَلُهُ مَعْرفَةَ الحَقِّ وَقَبُولَهُ، وَمَحَبَّتَهُ والعَمَلُ بِهِ، والثَّباتَ عَلَيْهِ، والاستقامةَ في الدنيا والآخرةِ؛ ولا حول ولا قوة إلا باللهِ العليِّ العظيمِ، وهو حسبنا ونعم الوكيل" (٢).

стр. 12

ويقولُ الشيخُ سُلَيْمانُ بنُ عبدِ الرحمنِ الحمدان في مقدمة شرحه لكتاب التوحيد: "فإنَّ "كِتابَ التَّوْحِيدِ" الذي ألَّفَهُ الإمامُ المجددُ شيخُ الإسلامِ محمدِ بنِ عبدِ الوهابِ ﵀ ورضي عنه-، كتاب بديعُ الوضعِ، عظيمُ النَّفْعِ، لَمْ أَرَ مَنْ سَبَقَهُ إلى مِثالِه، أوْ نَسَجَ في تألِيفِه على مِنْوالِه، فَكُلُّ بابٍ مِنْهُ قاعِدةٌ مِنَ القَواعِد يَنْبَنِي عليها كثير من الفوائدِ" (١). أهمية الموضوع: لَقَدْ ذَكَرَ أَهْلُ العِلْمِ جَمْعًا لا يَكَادُ يُحْصَى كَثْرةً مِن هذهِ القَواعِدِ والضَوَابِطِ من خِلالِ جُهُودِهم في هذا البابِ، فاسْتِخْرَاجُ هَذِهِ القَواعِدِ والضَوَابِطِ مِنْ كُتُبِ أَهْلِ العِلْمِ، وإظْهارُها في مُؤَلَّفٍ لَهُ أَهَمِّيَة بالغةٌ في مُعالَجَةِ هذا البابِ بطَريقَةٍ مُفِيدَة قد لا تكونُ طُرِقَتْ مِنْ قَبْلُ حَسْبَ عِلْمِي. إِضَافَة إلى جُمْلَةِ أَسْبابٍ أُخْرى شَجَّعَتْني على الكِتابةِ في هذا الموضوعِ منها ما يلي: ١ - تَعَلُّقُ البحثِ بتَوْحيدِ العِبادَةِ الذي هُوَ مِحْوَرُ دَعْوَةِ الرُّسُلِ ﵈، وأنَّه لا نَجَاةَ لهذهِ الأُمّةِ بدونِ تَحْقِيقِهِ والعَمَلِ بِه، فإنَّ تَوْحِيدَ الرُّبوبِيةِ لا يَكْفِي في الدُّخُولِ في الإسلام فضلًا عن النجاةِ من النارِ. ٢ - جَمْعُ هذهِ القَواعِدِ فِيهِ حَصرٌ لِبعضِ جُهُودِ أَهْلِ العِلْمِ في هذا البابِ، وإظهار للأصولِ الجامعةِ والمعاني الكُلّيَةِ والأُسُسِ التي تَضبِطُ مَسائِلَ هذا البابِ. ٣ - أنَّ جَمْعَ هذهِ القَواعِدِ ودراسَتَها دراسةً عِلْمِيةً فِيهِ تَيْسِيرٌ لِحِفْظِ كَثِيرٍ مِنْ مَسائِلِ هذا البابِ وضبْطِها وتَصَوُّرِها بأسهلِ عبارةٍ وأقربِ طريقٍ.

стр. 13

٤ - أنَّ دِرَاسَةَ هذهِ القَواعِدِ وَمَعْرِفَةَ مآخِذِ العلماءِ في الاستْدِلالِ لها يُعْطِي الباحثَ القَارِئَ مَلَكَةً في فَهْمِ كَلَامِ العُلَمَاءِ في هذا البابِ. ٥ - أنَّ جَمْعَ القواعِدِ في توحيدِ العبادةِ واستخلاصَها من كلامِ العُلماءِ يُعْتَبرُ طَرِيقَةً جَديدةً في طَرْحِ قَضايا تَوْحِيدِ العبادةِ، مِمَّا سَيَكُونُ لَهُ بالغُ الأثرِ في خِدْمَةِ هذا الجانبِ العظيمِ، فإنَّ تَنَوُّعَ العِباراتِ والأَسالِيبِ يَزِيدُ في الفَهْمِ والتَّصُورِ كما مر في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية السابق. ٦ - الانحرافُ العظيمُ الذي وقع بينَ الأُمّةِ؛ حَيْثُ انتشرَ الشِّرْكُ بِجَمِيعِ أَشْكَالِهِ وصُوَرِهِ وخَفِيَ على كَثِيرٍ مِمَّنْ ينتسب إلى العِلْمِ فضلًا عن العامَةِ، وصارَ التوحيدُ غَرِيبًا بَيْنَهُم والشّرْكُ هو الدِّينُ الذي لا يَعْرِفُونَ غَيْرَه، فالتَّرْكِيزُ على هذا الجانبِ وإبرازُهُ بِكِلِّ الوسائِلِ والطرقِ فيه فائدةٌ كبيرةٌ ونفغ عظيمٌ في مُحارَبَةِ الفَسادِ في هذا الباب العظيمِ. ٧ - لا تَخْفَى أَهَمَّيةُ القَواعِدِ والضوابِطِ في أبوابِ العِلْمِ إذْ بِهَا تُحْصَرُ أبوابُ العِلْمِ وتُضْبَطُ مسائِلُهُ، ولِخُطُورَةِ هذا البابِ -بابِ توحيدِ العبادةِ- كان مِنَ المُهِمِّ جدًا الاهتمامُ بقَوَاعِدِه وضوَابِطِه، وحَصْرُها وإبرازُها حتى يَعْرِفَ المُسْلِمُ ما يَدْخُلُ وما يَخْرُجُ من هذا البابِ فَيَسْلَمُ في دِينِه وعَقِيدَتِه. ٨ - سَبَقَ وأنْ سُجّلَتْ رِسالة عِلْميّة بعنوانِ القَواعِدِ الكُلِّيَةِ في الأسماءِ والصفاتِ للشيخ إبراهيم البُرَيْكان، جَمَعَ فيها عَدَدًا من القواعدِ في بابِ الأسماءِ والصفاتِ، ولم أَجِدْ في قَوَاعِدِ توحيدِ الإلهيةِ دِراسَةً علميةً -حَسْبَ عِلْمِي- فَلَعَلَّ الكِتابَةَ فيه يَكُونُ فيها شيءٌ من الجدة والإفادة. ٩ - شَجَّعَنِي على الكِتابَةِ في هذا الموضوعِ جَمْع من المشايخِ المُتَخَصصِينَ في قسم العقيدة.

стр. 14

الدراسات السابقة: لَمْ أَقِفُ حتى الساعة على مُؤَلَّفٍ أو رِسَالَةٍ عِلْمِيةٍ تُعالِجُ مَوْضوعَ القَواعِدِ في توحيدِ العبادةِ، من حيثُ الجمعُ والشُّمُول، ولكِنْ هناك بعضُ مَنْ أَلَّفَ مُؤَلَّفاتٍ مُخْتَصَرةً في هذا البابِ ومن ذلك: ١ - القواعِدُ الأربعُ لشيخِ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀، حيثُ ذَكَرَ فِيهِ أَرْبَعَ قَواعِدَ تَتَعَلَّقُ بالتوحيدِ والشِّرْكِ وحالِ المشركين، وهي قواعدُ مفيدةٌ في الدعوةِ إلى توحيدِ العبادةِ. ٢ - الأصول الثلاثة: كذلك للشيخ المجدد الإمام محمد بن عبد الوهاب. ٣ - هناك بعضُ الكُتُبِ في القَواعِدِ ولكنَّها عامة وغيرُ متخصصةٍ في باب توحيدِ العبادةِ؛ كَكِتابِ الشيخِ السَّعْدي (طريقُ الوُصولِ إلى العِلْمِ المأَمول بِمَعْرِفَةِ القَواعِدِ والضَوَابِطِ والأُصُولِ)، وهي عِبارَةٌ عن اختياراتٍ من كُتُبِ شَيْخِ الإسْلامِ ابنِ تيميةَ وتلميذِه ابنِ القيمِ، وفيها بعضُ القواعدِ المتعلقةِ بتوحيدِ العبادةِ.

стр. 15

خطة البحث تَشْتَمِلُ الخُطّةُ على مقدمةٍ وتمهيدٍ وبابينِ وخاتمةٍ: المقدمة: وفيها الكلامُ على أهميةِ الموضوعِ وأسبابِ اختيارِه وخُطّةِ البحثِ والمنهجِ المُتَّبَعِ في كِتابَةِ هذه القواعدِ: التمهيد: وفيه شرحُ مُفْرَداتِ العُنْوانِ، وفيه أربعةُ مباحثَ: المبحثُ الأولُ: القاعدةُ لغةً واصطلاحًا: وفيهْ ثلاثةُ مطالب: المطلبُ الأولُ: القاعدةُ لغةً. المطلب الثاني: القاعدةُ اصطلاحًا. المطلبُ الثالثُ: بيانُ العِلاقةِ بَيْنَ القَاعِد والضّابِطِ والأَصْلِ. المبحثُ الثاني: أهميةُ القواعدِ وأثرُها في العلوم. المبحثُ الثالثُ: التَّقْعِيدُ ومناهِجُ العلماءِ فيه. المبحثُ الرابعُ: توحيدُ العبادةِ ومنزلتُهُ الشرعيةِ: وتحتَه أربعةُ مطالب: المطلب الأول: معناه وحقيقتُه. المطلب الثاني: أهميتُه ومنزِلَتُه من الدينِ.

стр. 16

المطلبُ الثالثُ: أدلتُه. المطلبُ الرابعُ: أسماؤُه وإطلاقاتُه. الباب الأول القواعد المتعلقة بتوحيد العبادة وفيه ستةُ فصولٍ: الفصلُ الأول: القواعد العامة في توحيد العبادة: وفيه ثمانية مباحث: المبحثُ الأول: قاعدةٌ: دينُ الأَنْبِياءِ واحدٌ وهو الإسلامُ. المبحث الثاني: قاعدةٌ: الشَّرْعُ مَبْناهُ على تَكْمِيلِ أَدْيانِ الخَلْقِ بِنَبْذِ الوَثَنِيات، وعلى تَكْمِيلِ عُقُولِهِم بِنَبْذِ الخُرافات. المبحثُ الثالث: قاعدةٌ: الدينُ قَدْ كَمُلَ بَيانُه في أُصُولِه وفُرُوعِه باطِنِهِ وظاهِرِهِ عِلْمِهِ وعَمَلِهِ. المبحثُ الرابع: قاعدةٌ: العبادةُ هي الغايةُ التي خَلَقَ اللهُ لها الخَلْقَ من جِهَةِ أَمْرِهِ ومَحَبَّتِهِ ورِضاهُ. المبحث الخامس: قاعدةٌ: ليسَ فى الشريعةِ بقعةٌ تُقْصدُ للعبادَةِ لِذَاتِها إلا المساجدَ ومشاعرَ الحجِ. المبحثُ السادسُ: قاعدةٌ: النِّزَاعُ بينَ الرُّسُلِ وأقْوامِهِم إنَّما كان في إفْرادِ اللهِ بالعبادةِ وتركِ عبادةِ ما سواه. المبحثُ السابع: قاعدةٌ: البركةُ للهِ وصفًا وملكًا وفعلًا، وكُلُّ بَرَكَةٍ في الكونِ فَمِنْ آثارِ بَرَكَتِهِ سبحانه. المبحثُ الثامن: قاعدةٌ: التَّوَجُهُ إلى شئٍ أو إلى جهةٍ بِقَصْدِ القُرْبَةِ وحُصولِ الثوابِ عبادةٌ.

стр. 17

الفصل الثاني: القواعد المتعلقة بحقيقة العبادة وضابطها: وفيه ثلاثةُ مباحث: المبحثُ الأول: قاعدةٌ: العبادةُ لا تُسَمَّى عِبادَةً في حُكْمِ الشَّرْعِ إلَّا معَ التوحيدِ. المبحثُ الثاني: قاعدةٌ: مَنَاطُ العِبادَةِ غَايَةُ الحُبِّ مَعْ غَايَةِ الذُلِّ ولا تَنْفَعُ عِبادَةٌ بواحدٍ دونَ الآخرِ. المبحثُ الثالث: قاعدةٌ: صلاحُ الأعمالِ بصلاحِ النِّياتِ وَكُلُّ عَمَلٍ تابعٌ لِنِيَّةِ عامِلِهِ وقَصْدِهِ. الفصلُ الثالث: القواعدُ المتعلقةُ بأنواعِ التوحيدِ الأخرى: وفيهِ أربعةُ مباحث: المبحثُ الأول: قاعدةٌ: أنواعُ التوحيدِ وأضْدَادُها متلازِمَة لا ينْفَكّ أحدها عن الآخرِ. المبحث الثاني: قاعدةٌ: توحيدُ الرُّبوبيةِ لا يَصيرُ الإنسانُ به مُسْلِمًا حتى يأتي بأنواعِ التوحيدِ الأخرى. المبحثُ الثالث: قاعدةٌ: توحيدُ الرُّبُوبِيةِ أَقَرَّتْ به الخلائقُ مُؤْمِنُها وكافِرُها ولم يَنْكِرْه إلا الشُّذاذِ من البشر. المبحثُ الرابع: قاعدةٌ: الرُّبُوبيةُ والألوهيةُ مَفْهُومان مُتَغايِرانِ فإذا اقْتَرَنا افْتَرَقا وإذا افْتَرَقا اقْتَرَنا. الفصلُ الرابع: القواعدُ المتعلقةُ بأصلِ التوحيدِ: وفيه خمسةُ مباحث: المبحث الأول: قاعدةٌ: أصلُ الإيمانِ وقاعدتُه التي عليها مدارُ أعمالِ العبادِ هو تحقيقُ مَعْنى الشَّهادَتَيْنِ قولًا وعملًا وعقيدة.

стр. 18

المبحثُ الثاني: قاعدةٌ: شَهادَةُ أنْ لا إلهَ إلَّا الله مُشْتَمِلَةٌ على النَّفْيِ والإِثْباتِ. المبحثُ الثالث: قاعدةٌ: الكفرُ بالطاغوتِ رُكْنُ التَوْحِيدِ. المبحثُ الرابعُ: قاعدةٌ: محبةُ اللهِ هي أصلُ الدينِ والمَحَبةُ فيهِ أو لَهُ تَبَعٌ لَمَحَبَّتِهِ، والمَحَبَةُ مَعَهُ تُضادُهُ وتُناقِضُهُ. المبحثُ الخامس: قاعدةٌ: الحَنِيفِيَّةُ مِنْ مُوجِباتِ الفِطْرَةِ وَمُقْتَضَياتِها. الفصل الخامس: القواعد المتعلقة بتحقيق توحيد العبادة وأدلته: وفيه مبحثان: المبحثُ الأول: قاعدةٌ: تَحْقِيقُ التَّوْحِيدِ يَتَضمَّنُ تَحْقِيقَ أَصْلِهِ وَكَمالِهِ الواجبِ وكَمَالِهِ المُسْتَحَبِّ وبَحَسْبِها يَتَفاضَلُ المؤمنون. المبحثُ الثاني: قاعدةٌ: توحيدُ الرُّبُوبية هو أصلُ توحيدِ الإلهيةِ وَدَلِيلُهُ الأكبرُ. الفصل السادس: القواعد المتعلقة بردّ البدع: وفيه ثلاثة مباحث: المبحثُ الأول: قاعدةٌ: العباداتُ توقيفيةٌ. المبحثُ الثاني: قاعدةٌ: اعتبارُ ما صدَرَ عن النّبِي ﷺ عبادةً مَوْقُوفٌ على قَصْدِهِ التَعَبُّدُ. المبحثُ الثالث: قاعدةٌ: الوَسائِلُ لَها أَحْكامُ المَقَاصدِ. الباب الثاني القواعد المتعلقة بما يضاد توحيد العبادة وفيه أربعة فصول: الفصل الأول: القواعد المتعلقة بتعريف الشرك وحقيقته: وفيه سبعةُ مباحث:

стр. 19

المبحثُ الأول: قاعدة: التَّشْبِيهُ هو أَصْلُ عِبادَةِ الأوْثانِ عندَ أَكْثَرِ المشركين. المبحثُ الثاني: قاعدةٌ: الشِّرْكُ هُوَ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ اللهِ وغَيْرِهِ في شيءٍ مِنْ خَصَائِصِهِ وَحَقِّهِ. المبحثُ الثالث: قاعدةٌ: الخوفُ الشِّرْكِي: أنْ يخَافَ العَبْدُ مِنْ غيرِ اللهِ أنْ يُصِيبَهُ مَكْروهٌ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وإنْ لَمْ يُباشِرْه. المبحثُ الرابع: قاعدةٌ: السؤالُ والطلبُ من غيرِ اللهِ فيما لا يَقْدِرُ عليه إلّا الله شركٌ. المبحثُ الخامس: قاعدةً: الاعتقادُ في الأسبابِ بِذَاتِها شِرْكٌ في الرُّبُوبيةِ والأُلوهِيةِ. المبحثُ السادس: قاعدةٌ: الشفاعةُ مُلكٌ للهِ تعالى وطَلَبُها ورَجَاؤُها من غيرِ اللهِ أو بغيرِ إذنِهِ شِرْكٌ. المبحثُ السابع: قاعدةٌ: كُلُّ ما وَرَدَ في القرآنِ من الأمرِ بالدعاءِ، والنهيِ عن دعاءِ غيرِ اللهِ، يَتَناوَلُ دُعاءَ المَسْأَلَةِ، وَدُعاءَ العبادةِ. الفصل الثاني: القواعد المتعلقة بقبح الشرك وأنواعه: وفيه ثلاثةُ مباحث: المبحثُ الأول: قاعدةٌ: الشِّرْكُ هَضْم لِعَظَمَةِ الرُّبُوبيةِ وَتَنقُّصٌ لِحَقِ الإلهيةِ وسوءُ ظَن بِرَبِّ العالمين. المبحثُ الثاني: قاعدة: قُبْحُ الشِّرْكِ مُسْتَقِرُ في العقولِ والفطرِ، والسّمعُ نَبَّه العُقَولَ وأَرْشَدَها إلى مَعْرِفَةِ ما أُوْدِعْ فيها مِنْ قُبْحِ ذلك. المبحثُ الثالث: قاعدةٌ: الشِّرْكُ الأصغرُ هُوَ كُلُّ وَسِيلَةٍ وَذَرِيعَةٍ يُتَطَرَّقُ مِنْها إلى الشِّرْكِ الأكبرِ من الإراداتِ والأقوالِ والأفعالِ التي لم تَبْلُغْ رُتْبَةَ العبادةِ.

стр. 20

الفصل الثالث: القواعد المتعلقة بوسائل الشرك وأسبابه: وفيه ثلاثة مباحث: المبحثُ الأول: قاعدةٌ: من المقاصدِ الشَّرعيةِ سَدُّ الذّرائع المفضيةِ إلى الشِّرْكِ. المبحثُ الثاني: قاعدةٌ: الحقائِقُ لا تَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ المُسَمَّياتِ. المبحثُ الثالث: قاعدةٌ: تَعْظِيمُ شَعائِرِ اللهِ هُوَ تَعْظِيمٌ للهِ وعبادةٌ لَهُ، فَهُوَ تابعٌ لِتَعْظِيمِ اللهِ وإِجْلالِهِ. الفصل الرابع: القواعد المتعلقة بإبطال الشرك وحقيقة المشركين: وفيه أربعة مباحث: المبحثُ الأول: قاعدةٌ: المشركونَ ما قَصَدُوا من مَعْبُوداتِهم إلّا القُرْبَةَ والشفاعةَ ويقولون: نريدُ من اللهِ لا مِنْهم لَكِنْ بِشَفاعَتِهم والتَّقَرُّبِ إلى اللهِ بِهِم. المبحث الثاني: قاعدةٌ: الأصنامُ الجماديةُ لم تُعْبدْ لِذَاتِها وَإنَّما وُضِعَتْ في الأصلِ لما كان غائبًا من معبوداتِ المشركين. المبحث الثالث: قاعدةٌ: المشركون الأولون يُشْرِكُونَ في الرَّخَاءِ ويُخْلِصُونَ في الشّدّةِ ومُشْرِكُو زَمانِنا شِرْكُهُم في الرَّخاءِ والشّدَّةِ. المبحثُ الرابع: قاعدةٌ: دينُ الحُنَفاءِ ليسَ فيهِ واسطة بينَ اللهِ وخَلْقِهِ في الرُّبُوبيةِ والألوهيةِ والرُّسُلُ وسائِطُ في التبليغِ والدَّلَالَةِ. الخاتمة: وفيها أَهَمُّ نَتائِج البحثِ وفوائِده، وفهرسُ المراجعِ والمصادرِ، وفهرسُ الموضوعاتِ.

стр. 21

المنهج المتبع في هذا البحث أولًا: ما يَتَعَلَّقُ بِدِرَاسَةِ القَواعدِ والضوابِطِ؛ وهي على النحو التالي: ١ - ذِكْرُ صُورَةِ القاعدةِ. ٢ - بيانُ معنى القاعدةِ إجمالًا. ٣ - شرحُ وبيانُ ألفاظِ القاعدةِ إنْ احْتاجَ الأمرُ إلى بيانٍ. ٤ - ذِكْرُ أَدِلَّةِ القاعدةِ. ٥ - ذِكْرُ أَقْوالِ العُلَماءِ في اعْتِمادِ القاعدةِ. ٦ - بيانُ فائدةِ القاعدةِ وأثرِها الإيجابي. ثانيًا: الاعتمادُ في القاعدةِ على أقوالِ العلماءِ وتَعْبِيراتِهم، وَقَدْ تَتَنَوَّعُ تَعْبِيراتِهِم في صِياغَةِ القواعدِ، فالمنهجُ المُتَّبَعُ هو -بعدَ البَحْثِ والتَّأَمُّلِ- انتقاءُ الصياغةِ من كلامِ أهلِ العلمِ التي تَمَيّزَتْ بِالشُّمُولِ والدِّقَّةِ في لَفْظِها ومَعْناها. ولزيادَةِ التَّوْضيحِ أقولُ: بأنَّ ما ذَكَرْتُهُ من القواعدِ لا يَخْرُجُ عن ثَلاثَةِ أُمُورٍ: أ - ما نَصَّ أَهْلُ العِلْمِ على أنَّه قاعِدةٌ، أوْ أصْلٌ من أُصُولِ الدينِ، فإنّي ألْتَزِمُ بِهِ، وَقَدْ تَتَنَوَّعُ تَعْبِيراتُهُم وأَلْفاظُهُم عِنْدَ ذِكْرِ القاعِدةِ بِعِبارَاتٍ مختلفةٍ، فَيُؤْخَذُ التَّعْبِيرُ الأقصرُ والأشملُ والأدقُ، وقد تَحْتاجُ العبارةُ لِشَيْءٍ من الإضافةِ أو التقديمِ والتأخيرِ. ب - التَّعْبِيرُ من بَعْضِ أهلِ العِلْمِ بالأمرِ الكُلِّي الذي تَرْجِعُ إليهِ

стр. 22

مُفْرادتُه وجزئياتُه، فَيَبْتَدِئُ الحكمَ بلفظةِ (كُلٍّ)؛ فيقول: كُلُّ كذا وكذا ثُمَّ يَذْكُرُ حُكْمًا من الأحكام، أو يقول: فَكُلُّ شَيْءٍ كان كذا ... ثم يعقبه بِذِكْرِ الحُكْمِ، ومن المَعْلُومِ أن التَّعْبِيرَ بالأمرِ الكُلِّي يُفْهَمُ منه أنّ ثَمَّةَ فُروعًا وجزئياتٍ لهذا الحُكْمِ؛ ولا شَكَّ أنَّ هذا داخلٌ في التَّقْعِيدِ؛ إذِ الكُلِّياتُ تَرْجِعُ إليها أفرادُها، كما أنَّ القاعدةَ: أمرٌ كُلِّيٍّ مُنْطَبِقٌ على جُزْئياتِ مَوْضُوعِه (١). ج - أنْ يَرِدَ في ضِمْنِ كَلام العالم ما يفهم منه التقعيد، أو التأصيل لأمر؛ بحيث يبني شيئًا على شيء، فيستنتج شيئًا بناء على أمر من الأمور؛ كأن يقول: وهذا الأمر مبني على كذا وكذا، أو يكون سببًا وأثرًا لشيء وقد يحتاج إلى تحرير اللفظ لكي تكون صياغته على هيئة القاعدة. ثالثًا: الالتزام بما ذكره العلماء في تعريف القواعد حيث نصوا على عدة أمور تتضمنها القاعدة؛ منها:- أ - الإيجاز في العبارة إيجازًا غير مخل. ب - أن تكون أصلًا يبنى عليه غيره أو تتضمن حكمًا كليًّا يطرد في أفرادها. ج - أن تتضمن بعض الجزئيات أو المسائل أو التفريعات. د- أن يكون حدها جامعًا مانعًا. رابعًا: من العلماء من فرق بين القاعدة والضابط بأن القاعدة أعم من الضابط ومنهم من لم يفرق، وعلى هذا الأخير سيجري العمل في هذه الرسالة بإذن الله تعالى، وقد مشى على ذلك بعض الباحثين (٢).

стр. 23

خامسًا: عزوت الآيات إلى مواضعها، بذكر اسم السورة ورقم الآية، مع كتابتها بالرسم العثماني، وجعلت العزو في المتن رغبةً في تخفيف الحاشية. سادسًا: قمت بتخريج الأحاديث وَعزوها إلى كتب الحديث، مكتفيًا بصحيحي البخاريّ ومسلم في حالة وجود الحديث فيهما، أو في أحدهما، وإلَّا خرّجتُه من كتب الحديث الأخرى، وذلك بذكر اسم الكتاب، والجزء والصفحة، ورقم الحديث إن وجد، مع ذكر حكم أهل العلم عليه. سابعًا: ترجمت للأعلام غير المشهورين الذين ورد ذكرُهم في البحث بتراجم مختصرة. ثامنًا: شرحت الألفاظ والمفردات الغريبة التي وردت في البحث، من كتب غريب الحديث والمعاجم اللغوية ونحوها. تاسعًا: ختمت البحث بخلاصةٍ أذكر فيها أهم المسائل والفوائد التي تضمنها البحث. عاشرًا: التزمت بعلامات الترقيم وضبطت ما يحتاج إلى ضبط. حادي عشر: ذيلت البحث بفهارس علمية تُقرِّبُ مسائله وفوائده، وتُسهِّلُ الاستفادة منه. مشاكل البحث وصعوباته: لقد واجهتني بعض الصعوبات أثناء إعداد هذه الرسالة، أذكر منها ما يلي: أولًا: سعة المادة العلمية المبثوثة في كتب أهل العلم وكثرتها وتداخلها. ثانيًا: تفرق مادة البحث في كتب أهل العلم، وقد تكون -في غالب الأحوال- في غير مظانها، مما أدى إلى مزيد من الوقت والجهد.

стр. 24

ثالثًا: ما تميزت به طبيعة البحث من كونه يتعلق بالتقعيد والتأصيل، ولا تخفى صعوبة هذا الباب وخطورته. رابعًا: طبيعة الخطة الموضوعة للبحث التي اشتملت على الدقة في التقسيم والترتيب، وذلك يتطلب بناء المادة العلمية على تلك الهيئة المرسومة في دراسة كل قاعدة. شكر وتقدير: وفي الختام أشكر الله تعالى شكرًا كثيرًا، وأحمده حمدًا مزيدًا لا ينقطع، وهو للحمد أهل أن وفقني على إكمال هذا البحث وإخراجه بهذه الصورة، أسأل الله تعالى أن يجعله خالصًا لوجهه سبحانه، وأن يبارك فيه وينفع به من كتبه وجمعه وقرأه وسمعه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. ثم أتقدم بوافر الشكر والتقدير إلى أستاذي وشيخي الجليل فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور إبراهيم بن عامر الرحيلي الذي شرُفت بإشرافه، وسعدت بمرافقته وصحبته ومتابعته لي في هذه المرحلة. ولقد أفادني -رفع الله قدره- بتوجيهاته القيمة النافعة، وآرائه النيرة المسددة، وتعليقاته الدقيقة، ولقد بذل لي من وقته الكثير -رُغْمَ كَثْرَةِ مشاغله وأعماله العلمية والدعوية- مما ذلل أمامي عقباتٍ كثيرةً في البحث، ولولا فضل الله تعالى أولًا ثم متابعته المتواصلة لي، وحرصه الدائم، واستشعاره بأهمية البحث ودقته، ما كنت أظن أن يصل هذا البحث إلى نهايته، فقد كنت كثيرًا ما أقف حائرًا وعاجزًا عن معالجة بعض مباحث الرسالة، فما أن ألتقي به -حفظه الله- وأعرض عليه ما استعصى على إلا وكان لي -بعد الله تعالى- خير عون، وأزال ما عندي من اللبس، وأوضح ما خفي علي من المسائل، فأسأل الله تعالى أن يثيبه وافر الثواب، وأن يجزيه أحسن الجزاء، وأن يطيل عمره في طاعته، وأن يبارك له في وقته وأهله وماله.

стр. 25

وأعقب ذلك بالشكر والتقدير والعرفان لكلِّ من أصحاب الفضيلة عضوي المناقشة؛ فضيلة شيخنا وأستاذنا محمد بن عبد الرحمن الخميس الأستاذ الدكتور بقسم أصول الدين بجامعةِ الإمامِ محمدِ بن سعودٍ الإسلامية، وصاحبِ المؤلفات النافعة والتآليف البديعة، بل هو من أبرز المشتغلين بتنقيح تراث الأمة في عصرنا الحاضر، وفضيلةِ شيخِنا وأستاذِنا المبدعِ الكبير محمد بن خليفة بن علي التميمي الأستاذِ الدكتورِ بقسمِ العقيدةِ بالجامعةِ الإسلاميةِ والمشرفِ العامِ على مشروع جامعةِ المدينةِ العالميةِ، بل هو صاحبُ إبداعِها وواضعُ لبناتِها الأولى، في عصرٍ أصبحت فيه تقنيةُ المعلوماتِ هي القوةُ المهيمنةُ على كثيرٍ من جوانب الحياة، الأمر الذي اختصر المسافات، وبارك في الزمان، وقرَّب المكان، بحيث أصبحَ العالمُ كالقريةِ الواحدةِ. وهو حفظه الله ممن حظيت بإشرافه في مَرْحَلَةِ الماجستير فكان له بالغ الأثر في نفسي، فجزاه الله عني خير الجزاء، وبارك فيه وفي جهوده. وليس لي من شيء أقدمه لمشايخي وأساتذتي غيرُ الدعاء لهم: فأسأل الله العلي العظيم بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يجزيهم خير الجزاء وأن يحفظهم في دينهم ودنياهم وأموالهم وذرياتهم. ولا يفوتني أن أتقدم بالشكر إلى الجامعة الإسلامية على ما تبذله من عطاء متدفق، وجهد كبير، وغرس للعقيدة الصحية في نفوس أبنائها، ولقد حظيتُ بالدراسة فيها كغيري من طلبة العلم، واستفدت منها غاية الاستفادة، فأسأله سبحانه أن يجزي القائمين عليها خير الجزاء، وأن يتقبل منهم هذا السعي في خدمة العلم وأهله، وأن يزيدهم توفيقًا وسدادًا، وأن يعينهم على أداء واجبهم على الوجه الذي يرضاه إنه سميع مجيب.

стр. 26

كما أسأله سبحانه أن يَمُنّ علينا بتحقيق توحيده، وبالفقه في دينه، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يصلح سرائرنا ونياتنا، وأنْ يجعل ما قدمنا حجة لنا لا حجة علينا إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 27

التمهيد وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: القاعدة لغة واصطلاحًا. المبحث الثاني: أهمية القواعد وأثرها في العلوم. المبحث الثالث: التقعيد ومنهج العلماء فيه. المبحث الرابع: توحيد العبادة ومنزلته الشرعية.

стр. 28

المبحث الأول القاعدة لغة واصطلاحًا وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: القاعدة لغة . المطلب الثاني: القاعدة اصطلاحًا. المطلب الثالث: بيان العلاقة بين القاعدة والضابط والأصل. * المطلب الأول * القاعدة لغة القاعدة مشتقة من الأصل اللغوي الثلاثي (قعد)، يقال: (قَعَدَ يَقْعُدُ قُعُودًا فهو قَاعِدٌ)، و (القَعْدَة) بالفتح: المرة، وبالكسر: هيئة نحو: قعد قعدة خفيفة، والفاعل قاعد، والجمع (قعود)، والمرأة (قاعدة)، والجمع (قواعد وقاعدات)، ويتعدى بالهمزة فيقال: أقعدته، والمَقْعَد: موضع القعود، و (قعد قعودًا): جلس من قيام، وقعد للأمر: اهتم به وتهيأ له، وقعد بفلان أجلسه، وقعد عن الأمج: تأخر عنه أو تركه، وفي التنزيل العزيز: ﴿وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [التوبة: ٩٠]، وقعدت المرأة عن الحيض: أسنت وانقطع حيضها، والمقعدة: السافلة من الشخص، وأُقْعِدَ بالبناء للمفعول أصابه داء في جسده فلا يستطيع الحركة ولا المشي، فهو مُقْعَد، وقواعد البيت: أساسه، الواحدة قاعدة (١).

стр. 29

ويطلق القعود على ما فيه لبث بخلاف الجلوس؛ ولهذا يقال: قواعد البيت، ولا يقال: جوالسه، ويقال أيضًا: فلان جليس الملك، ولا يقال: قعيده، ويقال أيضًا لمن كان قائمًا: اقعد، ولمن كان نائمًا أو ساجدًا: اجلس؛ وذلك لكون القعود: انتقال من علو إلى سفل، ولهذا قيل لمن أصيبت رجله: قعد، والجلوس: انتقال من سفل إلى علو، ومنه سميت نجد جلسا لارتفاعها، ويقال: الرجال قُعَّاد جمع قاعد، كما يقال: ركاب في جمع راكب (١). وذو القِعْدَة: شهر كانت العرب تقعد فيه عن الأسفار، والقِعْدَة: الدابة تُقْتَعَد للركوب خاصة، والقعود من الإبل كذلك، وقواعد البيت أساسه، وقواعد الهودج: خشبات أربع معترضات في أسفله (٢). فالقاعدة هي الأصل والأساس لما فوقها، وتجمع على قواعد، ومنها الحسية كقواعد البيت، ومنها المعنوية كقواعد الدين وقواعد الفقه (٣)، وعليه فمدار مادة قعد تدل على الثبوت، وتفيد الاستقرار (٤). * المطلب الثاني * القاعدة اصطلاحًا قبل الكلام على معنى القواعد المتعلقة بالعقيدة وخاصة في التوحيد أتناول معنى القاعدة اصطلاحًا عند أهل الفقه والأصول، إذ هم أكثر من تكلم في ذلك، لكثرة التقعيد وشهرته عندهم، ولاتفاق معنى القواعد في الجملة بين سائر العلوم. ولقد اختلفت تعبيرات أهل الفقه وأصوله في معنى القاعدة، وهي

стр. 30

في جملتها على قولين؛ قول اعتبر القاعدة أمرًا كليًا، وآخر اعتبرها حكمًا أغلبيًا. ومنشأ الخلاف أن من قال: إنها كلية نظر إلى أصل القاعدة بالنسبة إلى عموم لفظها، ومن قال: إنها أغلبية نظر إلى وجود مستثنيات في كل قاعدة. (١). ومما قالوا في تعريفها: قول ابن السبكي (٢) بأنها: "الأمر الكلي الذي ينطبق عليه جزئيات كثيرة يفهم أحكامها منه" (٣). وعرَّفها الجرجاني (٤) بقوله: "القاعدة: هي قضية كلية (٥) منطبقة على جميع جزئياتها" (٦).

стр. 31

ويقول أبو البقاء الكفوي (١) في تعريفها: "والقاعدة اصطلاحًا: قضية كلية من حيث اشتمالها بالقوة على أحكام جزئيات موضوعها، وتسمى فروعًا، واستخراجها منها تفريعًا" (٢). وعرَّفها شهاب الدين الحموي (٣) بتعريف مغاير لما سبق، فهو يعتبر القاعدة بأنها حكم أكثري أو أغلبي فليس من شرطها أن تكون كلية مطردة، فقال: "لأن القاعدة عند الفقهاء غيرها عند النحاة والأصوليين؛ إذ هي عند الفقهاء: حكم أكثري لا كلي ينطبق على أكثر جزئياته لتعرف أحكامها منه" (٤). وجمع بعض أهل العلم بين الأمرين، فقد جاء في "درر الحكام": "وفي اصطلاح الفقهاء هو الحكم الكلي أو الأكثري الذي يراد به معرفة حكم الجزئيات" (٥). والصحيح أن القاعدة كلية، وأما وجود المستثنيات للقواعد فهذا لا يخرجها عن كونها كلية؛ لأنَّها قليلة فلا تخدش في كلية القواعد الاستقرائية (٦).

стр. 32

يقول الشاطبي (١): "فكل هذا غير قادح في أصل المشروعية؛ لأن الأمر الكلي إذا ثبت فتخلف بعض الجزئيات عن مقتضى الكلي لا يخرجه عن كونه كليًا، وأيضًا؛ فإن الغالب الأكثري معتبر في الشريعة اعتبار العام القطعي، لأن المتخلفات الجزئية لا ينتظم منها كلي يعارض هذا الكلي الثابت" (٢). ويقول الإمام ابن القيم (٣): "إذ شأن الشرائع الكلية أن تراعي الأمور العامة المنضبطة، ولا ينقضها تخلف الحكم في أفراد الصور" (٤). أما بالنسبة لطبيعة القواعد المتعلقة بباب الاعتقاد والتوحيد؛ فإن أهل العلم لم يلتزموا بالضوابط الخاصة المعتبرة في تعريف القاعدة الأصولية أو القاعدة الفقهية؛ بحيث تكون لها جزئيات وفروع تندرج تحتها ويعرف حكمها من القاعدة، وإنما الأمر عندهم أوسع من ذلك؛ إذ كل مسألة (٥)، من المسائل العلمية تنبني عليها مسألة أو عدة مسائل فهي

стр. 33

عندهم قاعدة، وقد يعبرون بالأصل في كثير من الأحيان. فكأنهم اعتمدوا في استعمال القواعد على المعنى اللغوي العام لمادة (قعد). يقول الإمام ابن تيمية: "فهذه القواعد: هي الكلمات الجامعة، والأصول الكلية، التي تنبني عليها هذه المسائل ونحوها، وقد ذكرنا منها نكتًا جامعة بحسب ما تحتمله الورقة يعرفها المتدرب في فقه الدين" (١). ويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: "وكذلك القواعد؛ فإن كل مسألة ينجني عليها مسائل، يسميها العلماء قاعدة، وقد صنف العلماء كتبًا كبارًا، وسموها بالقواعد؛ فمنها ما هو في أصول الفقه؛ كالقواعد لابن عبد السلام الشافعي، وابن اللحام الحنبلي، ومنها ما هو في الفقه، كالقواعد لابن رجب، وهو كتاب ضخم كبير الحجم. وهذه القواعد التي وضعها شيخنا الله، أحق بهذا الاسم من غيرها، لما ينبني عليها من أصول الدين؛ فإن معرفة توحيد الربوبية من توحيد الإلهية، لا يسع أحدًا جهله. فمن أنكر هذه القواعد التي وضعها شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب قدس الله روحه، فقد كفر بما تضمنته من أدلة أصول الدين، التي تضمنتها آيات القرآن المحكمات، وصحيح الأحاديث؛ وذلك هو الدين القيم، كما قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠]، ... وبهذا البيان، يعلم المنصف أنه لا ينكر تلك القواعد إلا من أقعده جهله، وعميت بصيرته، وضل فهمه، وتغيرت فطرته، وضاع عقله؛ نعوذ بالله من الخذلان، ونسأله معرفة الحق

стр. 34

وقبوله، ومحبته والعمل به، والثبات عليه، والاستقامة في الدنيا والآخرة؛ ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وهو حسبنا ونعم الوكيل" (١). بل من أهل العلم من جعل الأبواب التي تضمنها كتاب التوحيد للإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب قواعد في حد ذاتها وقد اشتملت على فوائد استخرجها الشيخ في مسائله عقب كل باب. يقول الشيخ سليمان بن عبد الرحمن الحمدان في مقدمة شرحه لكتاب "التوحيد": "فإن "كتاب التوحيد" الذي ألَّفه الإمام المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ ورضي عنه -، كتاب بديع الوضع، عظيم النفع، لم أرَ من سبقه إلى مثاله، أو نسج في تأليفه على منواله، فكل باب منه قاعدة من القواعد ينبني عليها كثير من الفوائد" (٢). ثم إن قواعد التوحيد والعقيدة بالإضافة إلى ما ينبني عليها من المسائل فإنها تكون في الغالب مقصودة لذاتها علمًا ومعرفة واعتقادًا وعملًا، وليست كالقواعد الأصولية أو الفقهية التي لا تكون مقصودة لذاتها، وإنما وضعت للتوصل بها إلى غيرها (٣). وعلى ضوء ما سبق يمكن القول بأن القواعد العقدية، أو قواعد أصول الدين: هي الأصول الكلية، والكلمات الجامعة التي ينبني عليها مسائل وأحكام؛ أصلية لا يصح الإيمان بدونها، أو فرعية يتحقق بها كماله الواجب، ولا يسع أحدًا الجهل بها (٤).

стр. 35

* المطلب الثالث * بيان العلاقة بين القاعدة والضابط والأصل سبق بيان معنى القاعدة، ولمعرفة العلاقة بينها وبين الضابط والأصل فلا بد من معرفة معاني هذه المفردات من الناحية اللغوية، ثم الاصطلاحية، ومن ثم معرفة أقوال أهل العلم في طبيعة العلاقة بين هذه الألفاظ: الضابط: لغة؛ اسم فاعل مشتق من الفعل الثلاثي (ضبط)، من باب ضرب، يقال: ضبَطَهُ يَضْبُطه ويَضْبِطُه ضبْطًا وضَبَاطَةً بالفَتْحِ: حَفِظَهُ بالحَزْمِ، فهو ضَابِطٌ؛ أَيْ: حازِمٌ، وقيل: ضَبْطُ الشَّيْءِ لُزُومُه لا يُفارِقُه، يُقَالُ ذَلِكَ في كلِّ شيءٍ، وضَبْطُ الشَّيْءِ: حِفْظُه بالحَزْم، وأحكمه وأتقنه، وقيل: ضَبَطَ الرَّجُلُ الشَّيءَ يَضْبِطُه ضبْطًا: إِذا أَخَذَه أَخْذًا شَدِيدًا. ومنه قيل: ضبطت البلاد وغيرها: إذا قمت بأمرها قيامًا ليس فيه نقص، وضبط الكتاب ونحوه: أصلح خلله، أو صححه وشكله، وضَبِطَ ضبطًا من باب تَعِبَ: عمل بكلتا يديه، فهو أضبط وهي ضبطاء (١). واصطلاحًا عند العلماء: "حكم كلي ينطبق على جزئياته" (٢). وقال يعقوب الباحسين: "هو قضية كلية تحصر الفروع وتحبسها" (٣). أما علاقة القاعدة بالضابط فهي علاقة تداخل وعموم؛ فالقاعدة أعم من الضابط من حيث دخولها وتطبيقها على أبواب متعددة، بخلاف الضابط فإنَّه يختص بفروع الباب الواحد.

стр. 36

يقول الحموي في معنى الضابط: "ما يجمع فروعًا من باب واحد، بخلاف القاعدة وهي ما يجمعها من أبواب شتى" (١). ويقول الكفوي عن القاعدة: "وهي تجمع فروعًا من أبواب شتى، والضابط يجمع فروعًا من باب واحد" (٢). ويقول الباحسين: "والفرق بينه وبين القاعدة، كما قالوا: أن القاعدة تكون الفروع الداخلة تحتها من أبواب مختلفة كقاعدة (المشقة تجلب التيسير) التي تدخل فيها فروع العبادات، والمعاملات والجنايات وغيرها. وأما الضابط فإن الفروع الداخلة تحته تكون من باب واحد؛ كقولهم: (كل مكروه في الجماعة يسقط فضيلتها)، و (ما أبطل عمده الصلاة اقتضى سهوه السجود، وما لا فلا)، فإن جزئيات هذين الضابطين داخلة في باب الصلاة، ولا تتعداه إلى غيره" (٣). كما أن للضابط إطلاقات عديدة ومختلفة عند أهل العلم؛ فمن ذلك: إطلاق الضابط على تعريف الشيء؛ كضابط العَصَبة: كل ذكر ليس بينه وبين الميت أنثى، ويطلق على المقياس الذي يكون علامة على تحقق معنى من المعاني؛ كقولهم: (ضابط المشقة المؤثرة في التحقيق هو كذا)، ويطلق على تقاسيم الشيء، أو أقسامه؛ كقول بعضهم: (ضابط الناس في الإمامة أقسام ... )، ومنهم من أطلقه على القاعدة والعكس واقع أيضًا (٤).

стр. 37

مع العلم أن الذين فرقوا بين القاعدة والضابط لم يلتزموا بهذا التفريق بدقة في مجال التطبيق، بحيث تجدهم يعبرون عن القاعدة بالضابط والعكس كذلك (١). يقول الشيخ يعقوب الباحسين بعد أن ذكر إطلاقات أهل العلم السابقة بالنسبة للضابط: "لكنا نختار الأمر الثاني، وهو تفسير الضابط بمعنى أوسع مما ذكروه؛ فنحمل الضابط على معناه اللغوي الدال على الحصر والحبس، فالضابط: هو كل ما يحصر ويحبس سواء كان بالقضية الكلية، أو بالتعريف، أو بذكر مقياس الشيء، أو بيان أقسامه، أو شروطه، أو أسبابه، وحصرها. وهذا أولى من اللجوء إلى التأويل والتكلف بتحويل تلك الصور إلى قضايا كلية، ولهذا فإنَّه يحسن تعريفه بأنه: كل ما يحصر جزئيات أمر معين" (٢). وعرَّف الضابط أيضًا مستخلصًا للتعريف من كلام ابن السبكي بقوله: "إنه ما انتظم صورًا متشابهة في موضوع واحد، غير ملتفت فيها إلى معنى جامع مؤثر" (٣). الأصل: لغة؛ مشتق من الأصل اللغوي الثلاثي (أصل) (٤)، وأصل الشيء: أساسه وأسفله الذي يقوم عليه، ومنشؤه الذي ينبت منه، واستأصل الشيء: ثبت أصله، وقوي، وأصلته تأصيلًا: جعلت له أصلًا ثابتًا يبنى عليه، والأصل: كرم النسب، والأصلي: ما كان أصلًا في معناه، ويقابل بالفرعي، أو الزائد، أو الاحتياطي، أو المُقلد، والجمع

стр. 38

أصول، وأصول العلوم: قواعده التي تبنى عليها الأحكام، والنسبة إليها أصولي، والأصيل: الوقت بعد العصر إلى المغرب، وجمعه أُصُل وآصال وأصائل (١). أما اصطلاحًا فيطلق على عدة معانٍ عند أهل العلم؛ منها: الدليل؛ يقال: الأصل في المسألة قوله تعالى كذا ... ، ويطلق على القاعدة أو الضابط، فيقال: الأصل بقاء ما كان على ما كان، والأصل في المياه الطهارة، ويطلق على الراجح، فيقال: الحقيقة هي الأصل عند تعارض الحقيقة والمجاز، وغير ذلك من المعاني (٢). وعلى ضوء هذه المعاني تظهر علاقة القاعدة بالأصل، فهي علاقة عموم وخصوص، فالأصل أعم من القاعدة إذ إنه يجمع مسائل متفرقة من أبواب شتى، وقد يجمعها من باب واحد، بخلاف القاعدة فإن مسائلها لا تكون إلا من أبواب متفرقة، ولا تجمع مسائل الباب الواحد. وقد نص على هذه العلاقة الإمام المقري (٣) عندما عرَّف القاعدة حيث قال: "كل كلي هو أخص من الأصول وسائر المعاني العقلية العامة، وأعم من العقود، وجملة الضوابط الفقهية الخاصة" (٤). وعليه فقد يطلق الأصل على القاعدة، وعلى الضابط لما له من

стр. 39

العموم المطلق بين هذه الألفاظ؛ ولذا قال التهانوي في تعريف القاعدة: "هي تطلق على معانٍ: مرادف الأصل، والقانون، والمسألة، والضابطة، والمقصد. وعرّفت بأنّها أمر كلّي منطبق على جميع جزئيّاته عند تعرّف أحكامها منه" (١).

стр. 40

المبحث الثاني أهمية القواعد وأثرها في العلوم مما لا شك فيه أن القواعد والأصول والكليات لا يكاد يخلو منها علم من العلوم، ولا فن من الفنون، وذلك لما لها من الأهمية العظيمة، والأثر الكبير في صياغة هذه العلوم، وسهولة حفظها وانتشارها، وخاصة القواعد المتعلقة بالتوحيد والشرك. يقول الإمام ابن تيمية (١): "فإن هذه القواعد المتعلقة بتقرير التوحيد وحسم مادة الشرك، والغلو، كلما تنوع بيانها، ووضحت عباراتها، كان ذلك نورًا على نور، والله المستعان" (٢). وفيما يأتي أذكر بعض الأمور الدالة على هذه الأهمية العظيمة، والمكانة الجليلة، والأثر البالغ خاصة فيما يتعلق بقواعد التوحيد، وأصول العقيدة، وكليات الشريعة:
следующие страницы →