← Акыда

Акыда · id 604

القواعد في توحيد العبادة

محمد بن عبد الله باجسير

Полный текст (1 131 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

يقول الحموي في معنى الضابط: "ما يجمع فروعًا من باب واحد، بخلاف القاعدة وهي ما يجمعها من أبواب شتى" (١). ويقول الكفوي عن القاعدة: "وهي تجمع فروعًا من أبواب شتى، والضابط يجمع فروعًا من باب واحد" (٢). ويقول الباحسين: "والفرق بينه وبين القاعدة، كما قالوا: أن القاعدة تكون الفروع الداخلة تحتها من أبواب مختلفة كقاعدة (المشقة تجلب التيسير) التي تدخل فيها فروع العبادات، والمعاملات والجنايات وغيرها. وأما الضابط فإن الفروع الداخلة تحته تكون من باب واحد؛ كقولهم: (كل مكروه في الجماعة يسقط فضيلتها)، و (ما أبطل عمده الصلاة اقتضى سهوه السجود، وما لا فلا)، فإن جزئيات هذين الضابطين داخلة في باب الصلاة، ولا تتعداه إلى غيره" (٣). كما أن للضابط إطلاقات عديدة ومختلفة عند أهل العلم؛ فمن ذلك: إطلاق الضابط على تعريف الشيء؛ كضابط العَصَبة: كل ذكر ليس بينه وبين الميت أنثى، ويطلق على المقياس الذي يكون علامة على تحقق معنى من المعاني؛ كقولهم: (ضابط المشقة المؤثرة في التحقيق هو كذا)، ويطلق على تقاسيم الشيء، أو أقسامه؛ كقول بعضهم: (ضابط الناس في الإمامة أقسام ... )، ومنهم من أطلقه على القاعدة والعكس واقع أيضًا (٤).

стр. 37

مع العلم أن الذين فرقوا بين القاعدة والضابط لم يلتزموا بهذا التفريق بدقة في مجال التطبيق، بحيث تجدهم يعبرون عن القاعدة بالضابط والعكس كذلك (١). يقول الشيخ يعقوب الباحسين بعد أن ذكر إطلاقات أهل العلم السابقة بالنسبة للضابط: "لكنا نختار الأمر الثاني، وهو تفسير الضابط بمعنى أوسع مما ذكروه؛ فنحمل الضابط على معناه اللغوي الدال على الحصر والحبس، فالضابط: هو كل ما يحصر ويحبس سواء كان بالقضية الكلية، أو بالتعريف، أو بذكر مقياس الشيء، أو بيان أقسامه، أو شروطه، أو أسبابه، وحصرها. وهذا أولى من اللجوء إلى التأويل والتكلف بتحويل تلك الصور إلى قضايا كلية، ولهذا فإنَّه يحسن تعريفه بأنه: كل ما يحصر جزئيات أمر معين" (٢). وعرَّف الضابط أيضًا مستخلصًا للتعريف من كلام ابن السبكي بقوله: "إنه ما انتظم صورًا متشابهة في موضوع واحد، غير ملتفت فيها إلى معنى جامع مؤثر" (٣). الأصل: لغة؛ مشتق من الأصل اللغوي الثلاثي (أصل) (٤)، وأصل الشيء: أساسه وأسفله الذي يقوم عليه، ومنشؤه الذي ينبت منه، واستأصل الشيء: ثبت أصله، وقوي، وأصلته تأصيلًا: جعلت له أصلًا ثابتًا يبنى عليه، والأصل: كرم النسب، والأصلي: ما كان أصلًا في معناه، ويقابل بالفرعي، أو الزائد، أو الاحتياطي، أو المُقلد، والجمع

стр. 38

أصول، وأصول العلوم: قواعده التي تبنى عليها الأحكام، والنسبة إليها أصولي، والأصيل: الوقت بعد العصر إلى المغرب، وجمعه أُصُل وآصال وأصائل (١). أما اصطلاحًا فيطلق على عدة معانٍ عند أهل العلم؛ منها: الدليل؛ يقال: الأصل في المسألة قوله تعالى كذا ... ، ويطلق على القاعدة أو الضابط، فيقال: الأصل بقاء ما كان على ما كان، والأصل في المياه الطهارة، ويطلق على الراجح، فيقال: الحقيقة هي الأصل عند تعارض الحقيقة والمجاز، وغير ذلك من المعاني (٢). وعلى ضوء هذه المعاني تظهر علاقة القاعدة بالأصل، فهي علاقة عموم وخصوص، فالأصل أعم من القاعدة إذ إنه يجمع مسائل متفرقة من أبواب شتى، وقد يجمعها من باب واحد، بخلاف القاعدة فإن مسائلها لا تكون إلا من أبواب متفرقة، ولا تجمع مسائل الباب الواحد. وقد نص على هذه العلاقة الإمام المقري (٣) عندما عرَّف القاعدة حيث قال: "كل كلي هو أخص من الأصول وسائر المعاني العقلية العامة، وأعم من العقود، وجملة الضوابط الفقهية الخاصة" (٤). وعليه فقد يطلق الأصل على القاعدة، وعلى الضابط لما له من

стр. 39

العموم المطلق بين هذه الألفاظ؛ ولذا قال التهانوي في تعريف القاعدة: "هي تطلق على معانٍ: مرادف الأصل، والقانون، والمسألة، والضابطة، والمقصد. وعرّفت بأنّها أمر كلّي منطبق على جميع جزئيّاته عند تعرّف أحكامها منه" (١).

стр. 40

المبحث الثاني أهمية القواعد وأثرها في العلوم مما لا شك فيه أن القواعد والأصول والكليات لا يكاد يخلو منها علم من العلوم، ولا فن من الفنون، وذلك لما لها من الأهمية العظيمة، والأثر الكبير في صياغة هذه العلوم، وسهولة حفظها وانتشارها، وخاصة القواعد المتعلقة بالتوحيد والشرك. يقول الإمام ابن تيمية (١): "فإن هذه القواعد المتعلقة بتقرير التوحيد وحسم مادة الشرك، والغلو، كلما تنوع بيانها، ووضحت عباراتها، كان ذلك نورًا على نور، والله المستعان" (٢). وفيما يأتي أذكر بعض الأمور الدالة على هذه الأهمية العظيمة، والمكانة الجليلة، والأثر البالغ خاصة فيما يتعلق بقواعد التوحيد، وأصول العقيدة، وكليات الشريعة:

стр. 41

أ- أن هذه القواعد هي كليات اشتملت على مسائل جزئية، وفروع عديدة، فهي بذلك تجمع الكم الكثير من المسائل تحت مبنى القاعدة ذات الكلمات القليلة، والعبارات المختصرة، والألفاظ المقتضبة، وهذه هي صفة النصوص الشرعية التي استخلصت منها القواعد الشرعية، فإن النبي ﷺ قد أوتي جوامع الكلم كما أخبر عن نفسه في قوله ﷺ : "وبعثت بجوامع الكلم" (١)، فكلامه ﷺ تضمن المعاني الكثيرة في الألفاظ اليسيرة، وفي هذا حث على التفهم والاستنباط (٢). وهكذا سائر نصوص الشريعة سواء كانت من القرآن أو من السُّنَّة عباراتها موجزة، على هيئة الكليات المتضمنة للجزئيات والمسائل. يقول الإمام ابن تيمية: "فإن الله سبحانه بعث محمدًا ﷺ بجوامع الكلم، فالكلم التي في القرآن جامعة محيطة، كلية عامة لما كان متفرقًا منتشرًا في كلام غيره" (٣). فهو ﷺ يتكلم بالكلمة الجامعة العامة التي هي قضية كليه، وقاعدة عامة تتناول أنواعًا كثيرة، وتلك الأنواع تتناول أعيانًا لا تحصى، بل هي عامة في كل ما يدخل في لفظها ومعناها، سواء كانت الأعيان موجودة في زمانه ومكانه أو لم تكن (٤). يقول الإمام ابن القيم: "وإذا كان أرباب المذاهب يضبطون مذاهبهم، ويحصرونها بجوامع تحيط بما يحل ويحرم عندهم، مع قصور بيانهم، فالله ورسوله المبعوث بجوامع الكلم أقدر على ذلك فإنه ﷺ يأتي

стр. 42

بالكلمة الجامعة وهي قاعدة عامة، وقضية كلية، تجمع أنواعًا وأفرادًا، وتدل دلالتين؛ دلالة طرد ودلالة عكس (١) " (٢). ويقول الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب (٣): "ومن أعظم ما منَّ الله به عليه ﷺ وعلى أمته إعطاء جوامع الكلم، فيذكر الله تعالى في كتابه كلمة واحدة تكون قاعدة جامعة يدخل تحتها من المسائل ما لا يحصر، وكذلك رسول الله ﷺ فقد خصه الله بالحكمة الجامعة، ومن فهم هذه المسألة فهمًا جيدًا فهم قول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، وهذه الكلمة أيضًا من جوامع الكلم؛ إذ الكامل لا يحتاج إلى زيادة، فعلم منه بطلان كل محدث بعد رسول الله ﷺ وأصحابه ... " (٤).

стр. 43

وبذلك تظهر أهمية القواعد وأثرها في حفظ العلوم وأهمية إتقانها وفهمها والقياس عليها، وتفريع المسائل الجزئية منها. فإن من ضبط القواعد والكليات استغنى بها عن حفظ أكثر الجزئيات، لاندراجها في الكليات، وانضبط في ذهنه ما تناقض عند غيره، وحصل مقصوده في أقرب وقت وأقصر زمان (١). ب - سبق بيان أن قواعد التوحيد والعقيدة منها ما هو من قواعد الدين وأصوله؛ كالإيمان بالله ورسوله وباليوم الآخر، ومنها ما هو من فروعه الواجبة التي هى من مكملات تلك الأصول والكليات، وعليه فإن معرفة تلك القواعد وما ينبني عليها هي من أصول الدين، وأسس العقيدة، إذ بدون تحقيق هذه القواعد الأصلية معرفة واعتقادًا وقولًا وعملًا لا يستقيم إسلام، ولا يتم إيمان، وقد يخرج من الدين باعتقاده لنقيض تلك الأصول العظيمة، والقواعد الكبيرة، ويكفي هذا في الدلالة على أهمية هذه القواعد العقدية، وضرورة الحرص عليها واعتقادها وتعلمها والعمل بها والدعوة إليها كما فعل أئمة الإسلام. يقول الإمام الشاطبي: "اعلم أن القواعد الكلية هي الموضوعة أولًا، والذي نزل بها القرآن على النبي ﷺ بمكة، ثم تبعها أشياء بالمدينة كُمِّلَت بها تلك القواعد التي وضع أصلها بمكة، وكان أولها الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر، ثم تبعه ما هو من الأصول العامة كالصلاة، وإنفاق المال، وغير ذلك، ونهي عن كل ما هو كفر، أو تابع للكفر؛ كالافتراءات التي افتروها؛ من الذبح لغير الله، وللشركاء الذين ادعوهم افتراء على الله، وسائر ما حرموه على أنفسهم، أو أوجبوه من غير أصل، مما يخدم أصل عبادة غير الله، وأمر مع ذلك بمكارم الأخلاق كلها؛ كالعدل والإحسان والوفاء بالعهد، وأخذ العفو والإعراض عن

стр. 44

الجاهل، والدفع بالتي هي أحسن، والخوف من الله وحده، والصبر، والشكر، ونحوها، ونهي عن مساوئ الأخلاق؛ من الفحشاء والمنكر والبغي، والقول بغير علم، والتطفيف في المكيال والميزان، والفساد في الأرض والزنا، والقتل، والوأد، وغير ذلك مما كان سائرًا في دين الجاهلية، وإنما كانت الجزئيات المشروعات بمكة قليلة، والأصول الكلية كانت في النزول والتشريع أكثر" (١). ويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ (٢) فيما وضعه جده الإمام من القواعد والمسائل: "والجهل بما فيها من الأصول هلاك وضلال؛ فلا يصح إسلام أحد إلا بمعرفة ما تضمنته هذه الأصول والقواعد" (٣). ج - ومما يدل على أهمية القواعد في جميع العلوم أنها تضبط الأمور المنتشرة الكثيرة، وتجمع النظائر والأشباه، فتعرف الصفات الجامعة بين الجزئيات المتعددة، وعن طريقها يحصل التفريق بين المسائل المتشابهة.

стр. 45

يقول ابن رجب (١) في مقدمة كتاب "القواعد": "فهذه قواعد مهمة، وفوائد جمة، تضبط للفقيه أصول المذهب، وتطلعه من مآخذ الفقه على ما كان عنه قد تَغَيَّب، وتنظم له منثور المسائل في سلك واحد، وتقيد له الشوارد، وتقرب عليه كل متباعد" (٢). ويقول الشيخ السعدي (٣): "ومعلوم أن الأصول والقواعد للعلوم بمنزلة الأساس للبنيان، والأصول للأشجار، لا ثبات لها إلا بها، والأصول تبني عليها الفروع، والفروع تثبت وتقوى بالأصول، وبالقواعد والأصول يثبت العلم ويقوى وينمى نماءً مطردًا، وبها تُعرف مآخذ الأصول، وبها يحصل الفرقان بين المسائل التي تشتبه كثيرًا، كما أنها تجمع النظائر والأشباه التي من جمال العلم جمعها، ولها من الفوائد الكثيرة غير ما ذكرنا" (٤).

стр. 46

ويقول أيضًا: "من محاسن الشريعة وكمالها وجمالها وجلالها: أنَّ أحكامَها الأصوليَّة والفروعية، والعبادات والمعاملات، وأمورها كلّها لها أصولٌ وقواعدُ، تَضبِطُ أحكامَها، وتَجمعُ مُتفرِّقَها، وتَنشر فروعَها، وتَردُّها إلى أصولها، فهي مبنية على الحكمة والصلاح، والهدى والرحمة، والخير والعدل، ونفي أضداد ذلك" (١). "ولهذا فإنَّه يترتَّب على العناية بالقواعد المأثورة والأصول الكليّة المنقولة عن السلف الصالح ﵏ من الفوائد والمنافع ما لا يعلمه إلّا اللَّه؛ لأنَّ فيها كما يقال: وضعُ النقاط على الحروف، وفيها تجليةٌ للأُمور، وتوضيحٌ للمسائل، وإزالةٌ للّبْس، وأَمْنٌ من الخَلْط، إلى غير ذلك من الفوائد" (٢). د - ومما يدل على أهمية القواعد والأصول: أنها تقي المسلم بإذن اللَّه من الانحراف والزلل، وتجعله ينظر إلى الأقوال والأعمال والأعيان بتأنٍ وتؤده، وبها يكون كلامه مبنيًا على علمٍ متينٍ وعدل وإنصافٍ. ولذا يقول الإمام ابن تيمية: "لا بُدَّ أنْ يكون مع الإنسان أصولٌ كليّةٌ تُردُّ إليها الجزئيّات، ليتكلّم بعلمِ وعدل، ثمّ يعرف الجزئيّات كيف وقعت، وإلّا فيبقى في كذب وجهلٍ في الجزئيّات، وجهلٍ وظُلمٍ في الكليّات فيتولّد فساد عظيمٌ" (٣).

стр. 47

المبحث الثالث التقعيد ومنهج العلماء فيه عرفنا فيما سبق أهمية القواعد الشرعية، لا سيما القواعد التي تتعلق بأصول الدين وأسس العقيدة، ونتعرف في هذا المبحث على المناهج المتبعة والطرق التي سلكها أهل العلم عمومًا في وضع القواعد، واعتمادها في سائر الفنون ولا سيما علم أصول الدين، وفيما يأتي أقف بعض الوقفات التي يتضح من خلالها منهج أهل العلم وطريقتهم في اعتماد القواعد وتقريرها: أولًا: معنى كلمة التقعيد قد مرَّ معنا في المبحث الأول من هذا التمهيد عند الكلام على مادة (قعد)، وأنها راجعة إلى الثبوت والاستقرار، فتقعيد الأمر أو الشيء هو أن تجعل له أصلًا وأساسًا ثابتًا مستقرًا يعتمد عليه، ويتقوى به، وهذا الأساس هو القاعدة. وعليه فالتقعيد في عرف أهل العلم واستعمالهم: هو عملية وضع القواعد، أو إبرازها من مصادرها لتطبيقها والاستفادة منها. ثانيًا: منهج أهل العلم في وضعهم للقواعد: لقد تميزت طريقة العلماء في اعتماد القواعد وإبرازها والاستدلال بها بعدة أمور، أذكر فيما يأتي ما ظهر لي منها: أ - كان اعتمادهم في وضع القواعد وإبرازها في المقام الأول على نصوص الكتاب والسُّنَّة، إذ لا تخلو قاعدة شرعية من دليلٌ شرعي يدل عليها، وإلا لم تكن قاعدة صحيحة، وكما ذكرنا من قبل فإن نصوص

стр. 48

الكتاب والسُّنَّة يصلح بعضها لأن يكون قاعدة في نفسه، فيأتي العالم ويبرز هذه المعاني التي جاء التنصيص عليها في الكتاب أو السُّنَّة؛ كمن يقعد فيقول: الشرك لا يغفره اللَّه تعالى أبدًا، مستخلصًا لها من قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] وكمن يقعد قاعدة: صلاح الأعمال بصلاح النيات، من قوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات" (١)، وهكذا في سائر ما وضعه أهل العلم من قواعد في سائر العلوم. يقول الإمام ابن تيمية مبينًا أهمية الاعتماد على النصوص في وضع القواعد: "وقد كتبت قبل هذا في القواعد ما في طريقي أهل الكلام والنظر، وأهل الإرادة والعمل من الانحراف إذا لم يقترن بمتابعة الرسول ﷺ ، كما بينت في قاعدة كبيرة أن أصل العلم والهدى والدين هو الإيمان باللّه ورسوله، واستصحاب ذلك في جميع الأقوال والأحوال" (٢). ويقول الشيخ السعدي: "ولهذا كان الكتاب والسُّنَّة كافيين كل الكفاية في أحكام الدين، وأصوله وفروعه، فكل متكلف يزعم أنه لا بد للناس في معرفة عقائدهم، وأحكامهم، إلى علوم غير علم الكتاب والسُّنَّة، من علم الكلام وغيره، فهو جاهل مبطل في دعواه، قد زعم أن الدين لا يكمل إلا بما قاله ودعا إليه، وهذا من أعظم الظلم والتجهيل للّه ولرسوله" (٣). وبيَّن ﵀ الواجب تجاه النصوص النبوية، بقوله: "ولذلك أمر اللَّه بالقاعدة الكلية، والأصل العام فقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] وهذا شامل لأصول الدين وفروعه،

стр. 49

وظاهره وباطنه، وأن ما جاء به الرسول يتعين على العباد الأخذ به، واتباعه، ولا تحل مخالفته، وأن نص الرسول على حكم الشيء كنص اللَّه تعالى، لا رخصة لأحد، ولا عذر له في تركه، ولا يجوز تقديم قول أحد على قوله" (١). ويقول الشيخ صالح الفوزان حفظه اللَّه في دفاعه عن -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب في سياق حديثه عن القواعد: "ولكن الواجب: أننّا نرجع في تقعيدنا إلى الكتاب والسُّنَّة، ليكون هذا التقعيد تقعيدًا صحيحًا، سليمًا، مأخوذًا من كتاب اللَّه وسُنّة رسوله ﷺ ، لا سيّما في هذين الأمرين العظيمين -التوحيد والشرك-، والشيخ ﵀ لم يذكر هذه القواعد من عنده أو مِنْ فكره، كما يفعل ذلك كثيرٌ من المتخبِّطين، وإنما أخذ هذه القواعد من كتاب اللَّه ومن سُنّة رسول اللَّه ﷺ وسيرته. فإذا عرفت هذه القواعد وفهمتها سهُل عليك بعد ذلك معرفة التوحيد الذي بعث اللَّه به رسله، وأنزل به كتبه، ومعرفة الشرك الذي حذّر اللَّه منه، وبيّن خطره وضرره في الدنيا والآخرة، وهذا أمرٌ مهمّ جدًّا، وهو ألزم عليك من معرفة أحكام الصلاة والزكاة والعبادات وسائر الأمور الدينيّة؛ لأن هذا هو الأمر الأوّلي والأساس؛ لأنّ الصلاة والزكاة والحج وغيرها من العبادات لا تصحّ إذا لم تُبنَ على أصل العقيدة الصحيحة، وهي التوحيد الخالص للّه " (٢). فجميع ما سبق من نقول تدلل على أن الواجب في التقعيد والتأصيل التقيد بنصوص الكتاب والسُّنَّة، وما يتبع ذلك من إجماع صحيح ثابت، أو استقراء تام. يقول يعقوب الباحسين مبينًا أن القاعدة الفقهية لا بد أن تستند على

стр. 50

النص الشرعي: "تُعَدُّ النصوص الشرعية أقوى مصادر القواعد الفقهية، وأرسخها، كما تُعَدُّ القواعد المستندة إليها أقوى أنواع القواعد، وأرجحها في الاستدلال" (١). ثم ذكر أن بناء القواعد على النصوص إما أن تكون مباشرة فتكون القاعدة بصيغة النص، أو تستخرج القاعدة من النص عن طريق الاجتهاد والنظر. ب - ومن أبرز ما تَمَيَّزَ به منهج العلماء في صياغة القواعد وتقريرها هو التزامهم بفهم السلف الصالح من الصحابة وأهل القرون المفضلة فيما يؤصلونه ويقعدونه؛ وذلك لما لهم من الخصائص التي انفردوا بها عن غيرهم من مشاهدة التنزيل ومعايشة الوحي، والتلقي عن النبع الصافي الذي لا كدر فيه ولا نقص، ولما لهم من الفهم الثاقب، والذهن المتوقد، والنظرة العميقة الفاحصة، والقلب الصافي المتهيئ لمباشرة النصوص وفهمها الفهم الصحيح، مع إخلاصهم للّه تعالى، وتجردهم للحق، إضافة إلى ما اختصوا به من علوم الآلة التي كانت سجيتهم بدون تعب ولا تكلف. يقول الإمام ابن تيمية: "وكل من أمعن نظره، وفهم حقيقة الأمر علم أن السلف كانوا أعمق من هؤلاء علمًا، وأبر قلوبًا، وأقل تكلفًا، وأنهم فهموا من حقائق الأمور ما لم يفهمه هؤلاء الذين خالفوهم، وقبلوا الحق، وردوا الباطل" (٢). ويقول الإمام ابن القيم في تعظيم شأن الصحابة: "أما المدارك التي شاركناهم فيها من دلالات الألفاظ والأقيسة فلا ريب أنهم كانوا أبو قلوبًا، وأعمق علمًا، وأقل تكلفًا، وأقرب إلى أن يوفقوا فيها لما لم نوفق له نحن؛ لما خصهم اللَّه تعالى به من توقد الأذهان، وفصاحة اللسان، وسعة العلم، وسهولة الأخذ، وحسن الإدراك وسرعته، وقلة المعارض أو

стр. 51

عدمه، وحسن القصد، وتقوى الرب تعالى، فالعربية طبيعتهم وسليقتهم، والمعاني الصحيحة مركوزة في فطرهم وعقولهم، ولا حاجة بهم إلى النظر في الإسناد، وأحوال الرواة، وعلل الحديث والجرح والتعديل، ولا إلى النظر في قواعد الأصول، وأوضاع الأصوليين، بل قد غنوا عن ذلك كله، فليس في حقهم إلا أمران؛ أحدهما: قال اللَّه تعالى كذا، وقال رسوله كذا، والثاني: معناه كذا وكذا، وهم أسعد الناس بهاتين المقدمتين، وأحظى الأمة بهما، فقواهم متوفرة مجتمعة عليهما. وأما المتأخرون فقواهم متفرقة، وهممهم متشعبة، فالعربية وتوابعها قد أخذت من قوى أذهانهم شعبة، والأصول وقواعدها قد أخذت منها شعبة، وعلم الإسناد وأحوال الرواة قد أخذ منها شعبة، وفكرهم في كلام مصنفيهم وشيوخهم على اختلافهم، وما أرادوا به قد أخذ منها شعبة، إلى غير ذلك من الأمور، فإذا وصلوا إلى النصوص النبوية إن كان لهم همم تسافر إليها، وصلوا إلها بقلوب وأذهان قد كلت من السير في غيرها، وأوهن قواهم مواصلة السرى في سواها، فأدركوا من النصوص ومعانيها بحسب القوة، وهذا أمر يحس به الناظر في مسألة، إذا استعمل قوى ذهنه في غيرها، ثم صار إليها وافاها بذهن كال، وقوة ضعيفة، وهذا شأن من استفرغ قواه في الأعمال غير المشروعة، تضعف قوته عند العمل المشروع، كمن استفرغ قوته في السماع الشيطاني، فإذا جاءه قيام الليل قام إلى ورده بقوة كالة، وعزيمة باردة، وكذلك من صرف قوى حبه وإرادته إلى الصور، أو المال، أو الجاه، فإذا طالب قلبه بمحبة اللَّه فإن انجذب معه انجذب بقوة ضعيفة، قد استفرغها في محبة غيره، فمن استفرغ قوى فكره في كلام الناس، فإذا جاء إلى كلام اللَّه ورسوله جاء بفكرة كالة، فأعطى بحسب ذلك. والمقصود أن الصحابة أغناهم اللَّه تعالى عن ذلك كله، فاجتمعت قواهم على تينك المقدمتين فقط، هذا إلى ما خصوا به من قوى

стр. 52

الأذهان، وصفائها، وصحتها، وقوة إدراكها، وكماله، وكثرة المعاون، وقلة الصارف، وقرب العهد بنور النبوة، والتلقي من تلك المشكاة النبوية، فإذا كان هذا حالنا وحالهم فيما تميزوا به علينا، وما شاركناهم فيه، فكيف نكون نحن، أو شيوخنا، أو شيوخهم، أو من قلدناه أسعد بالصواب منهم في مسألة من المسائل، ومن حدث نفسه بهذا فليعزلها من الدين والعلم واللّه المستعان" (١). فهذا هو المنهج الذي سار عليه علماء الإسلام من أهل السُّنَّة والجماعة فيما يتعلق بوضعالقواعد وتقريرها، إذ ما برحوا يستدلون على دينهم، وعقائدهم، بما جاء في كتاب اللَّه ، وبما صح من سُنّة رسول الله ﷺ ، فإن لم يجدوا فبما ثبت وأُثر عن السلف الصالحين، من الصحابة والتابعين وأتباع التابعين المعروف عنهم الإمامة في السُّنَّة والتقدم فيها، فيسلكون طريقهم ويقولون فيها بقولهم (٢). ج - طريقة أهل العلم فيما يبرزونه من القواعد والأصول إنما يكون لفائدة مرجوة من هذا التقعيد، أو لحاجة طرأت لهم، كما حصل لهم عندما كثرت الفرق والطوائف والآراء، وخالفت ما هو مقرر من أصول أهل السُّنَّة والجماعة اضطر العلماء بعد ذلك لإبراز هذه الأصول والتعبير بالقواعد؛ لأن القواعد في الأصل لم يكن معبِّرًا عنها بالقاعدة عند السلف الصالح؛ يعني عند الصحابة والتابعين، وإنما وضعها العلماء وعبروا عنها بلفظ قاعدة، أو باصل ونحو ذلك من التعبيرات؛ لأجل أن تُضبط المسائل، وحتى يسهل على الناظر أنْ يتفطّن للمسائل المتفرقة وما يجمعها من قاعدةٍ وأصلٍ واحد (٣).

стр. 53

د - بالنسبة للتنصيص على أن هذه قاعدة أو لأصل موجود في كثير من أقوالهم ﵏، فيقولون: لأنّ القاعدة كذا، أو لأنّ الأصل كذا، وتارة لا تجد التعبير بلفظ القاعدة أو أصل، وإنما تجد التعبير بالأمر الكلّي، أو الكلمة الجامعة في كذا كذا، ويقولون: كل كذا ثم يذكر الحكم، أو يقول فكل شيء ثم يذكر الحكم، ومن المعلوم أن التعبير بالأمر الكلي يفهم منه أنّ هذا تقعيد؛ لأنّ الكليات ترجع إليها أفرادها (١). ثالثًا: ومما يتعلق بمبحث التقعيد أن بابه ليس مفتوحًا بحيث يتاح لكل أحد أن يُقَعِّد، وأن يستخرج قواعد أو أصول كلية من خلال النصوص الشرعية، وإنما مرجع هذه الأمور للمجتهد المتمرس الذي استقرى الأدلة، وسبر النصوص، وبالنسبة للعالم الذي يريد وضع قواعد في العقيدة لا بد أن يكون متمكنًا في العقيدة، مُلِمًّا بأقوال السلف في أدق الأمور، وبأقوال مخالفيهم واستدلالهم وشبهاتهم، كشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، فإنه قعَّد وأصَّل في كثير من مسائل العقيدة وهو أَهْلٌ لذلك؛ لمعرفته الدقيقة بمآخذ الأدلة وأصول الاعتقاد من الكتاب والسُّنَّة، إذ جميع ما قرره من قواعد لها أدلتها من الكتاب والسُّنَّة، ولم يأت بشيء يخالف هذه الأصول في الغالب. وما يجب التنبيه عليه في هذا المقام أنه لا يسوغ لأحد أن ينسب قاعدة من القواعد؛ سواء كانت في العقيدة، أو في العبادة فينسبها للسلف الصالح فيقول: القاعدة عند السلف كذا، أو من قواعد السلف كذا إلا بأحد طريقين: الأول: أنْ يجد نصًا من أحد علماء السلف على أنها قاعدة، مثل قولهم: والقاعدة كذا، والأصل كذا، حتَّى لا نجعل السلف مقعدين

стр. 54

لقواعد لا علم لهم بها، هذا الطريق الأول لفهم التقعيد المنسوب للسلف الصالح أن ينص على هذه القاعدة عند السلف. الثاني: أنْ يستقري (١) عالم راسخ متأن لكلام السلف في المسألة، وبعد استقرائه لكلامهم ولأحوالهم يُخْرِج تقعيدًا وينسبه للسلف الصالح كما فعل الإمام ابن تيمية في كثير من مسائل العقيدة، وإذا نظرت في غالب أقوال السلف وأحوالهم لا تجد أنها تخرج عن تقعيدات شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأنّه استقرى وهو راسخ في العلم، واستقرى وهو ينظر إلى أقوال السلف جميعًا بروية وتؤده وبدودن عجلة، حتَّى لا يقع في مخالفة أقوال السلف (٢).

стр. 55

المبحث الرابع توحيد العبادة ومنزلته الشرعية وتحته أربعة مطالب: المطلب الأول: معناه وحقيقته . المطلب الثاني: أهميته ومنزلته من الدين. المطلب الثالث: أدلته. المطلب الرابع: أسماؤه وإطلاقاته. * المطلب الأول* معناه وحقيقته مما لا يخفى تقسيم أهل العلم للتوحيد إلى ثلاثة أقسام، وهي توحيد الربوبية، وتوحيد الإلهية أو العبادة، وتوحيد الأسماء والصفات، والذي يتعلق بمبحثنا هنا هو النوع الثاني وهو توحيد العبادة. ولمعرفة معنى توحيد العبادة فلا بد من معرفة معاني مفردات هذا التركيب: فالتَّوحِيدُ: على وزن (تَفْعِيلٌ)، مشتق من الأصل اللغوي الثلاثي (وَحُدَ)، وهو مصدر للفعل الثلاثي المزيد بتضعيف العين فيه، وهو مثال واوي، من باب: (كَرُمَ) وقيل من باب (عَلِمَ)، يقال: وَحُدَ يُوْحُدُ وحَادَةً وَوَحْد ووَحَدًا، وكل شيء على حدة: بائن من آخر، يقال: ذلك على حدته، وهما على حدتهما، وهم على حدتهم، والرجل الوحيد ذو

стр. 56

الوحدة، وهو المنفرد لا أنيس معه، والتوحيد تفعيل للنسبة كالتصديق والتكذيب لا للجعل. وأصل هذه الكلمة يدل على الانفراد والتفرد، كما قال ابن فارس (١) في مادة (وحد): أصل واحد يدل على الانفراد، من ذلك الوَحْدَة، وهو واحد قبيلته إذا لم يكن فيهم مثله (٢). أما معنى العبادة، لغة فهي من الذل والخضوع والتطامن (٣). وشرعًا: هي غاية الذل والخضوع مع غاية الحب والخوف والانقياد، مع تضمنها لأفعال المكلفين وأقوالهم الظاهرة والباطنة التي أمرهم اللَّه بها، وأحبها منهم، ورضيها لهم (٤). ويدخل في العبادة الشرعية كل ما شرعه اللَّه تعالى، وأحبه، ورضيه؛ من الأقوال والأعمال، الباطنة والظاهرة؛ كمحبة اللَّه، وتعظيمه، وإجلاله، وطاعته، والتوكل عليه، والإنابة إليه، ودعائه خوفًا وطمعًا، وسؤاله رغبًا ورهبًا، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، والوفاء بالعهود، وصلة الأرحام، والإحسان إلى الجار واليتيم، والمسكين وابن السبيل، وكذا النحر والنذر فإنَّهما من أجل العبادات، وأفضل الطاعات، وكذا الطواف ببيته تعالى، وحلق الرأس تعظيمًا وعبودية، وكذا سائر الواجبات والمستحبات (٥). وفيما يأتي بعض أقوال علماء الأمة في تعريف توحيد العبادة: يقول الإمام ابن تيمية: "وهذا التوحيد: هو عبادة اللَّه وحده لا

стр. 57

شريك له، وأن لا نعبده إلا بما أحبه، وما رضيه، وهو ما أمر به وشرعه على ألسن رسله -صلوات اللَّه عليهم-، فهو متضمن لطاعته وطاعة رسوله، وموالاة أوليائه، ومعاداة أعدائه، وأن يكون اللَّه ورسوله أحب إلى العبد من كل ما سواهما، وهو يتضمن أن يحب اللَّه حبًا لا يماثله ولا يساويه فيه غيره، بل يقتضي أن يكون رسوله ﷺ أحب إليه من نفسه، فإذا كان الرسول -لأجل أنه رسول اللَّه- يجب أن يكون أحب إلى المؤمن من نفسه، فكيف بربه سبحانه؟ " (١). فبيَّن ﵀ أن توحيد العبادة: أن نعبد اللَّه تعالى وحده ونفرده بالعبادة، وأن نعبد كما شرع على لسان رسوله محمد ﷺ ، إضافة إلى محبته ، ومحبة ذلك الرسول الكريم أكثر من محبة النفس والمال. وعرَّفه الشيخ سليمان آل الشيخ (٢) بقوله: "النوع الثالث: توحيد الإلهية المبني على إخلاص التأله للّه تعالى؛ من المحبة، والخوف، والرجاء، والتوكل، والرغبة، والرهبة، والدعاء للّه وحده، وينبني على ذلك إخلاص العبادات كلها؛ ظاهرها وباطنها للّه وحده لا شريك له، لا يجعل فيها شيئًا لغيره، لا لملك مقرب، ولا لنبي مرسل فضلًا عن غيرهما" (٣). وإخلاص التأله: هو إفراده تعالى بجميع العبادات الظاهرة والباطنة.

стр. 58

ويقول الشيخ السعدي: "الثالث: توحيد الإلهية ويقال له: توحيد العبادة: وهو العلم والاعتراف بأن اللَّه ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين، وإفراده وحده بالعبادة كلها، وإخلاص الدين للّه وحده، وهذا الأخير يستلزم القسمين الأولين ويتضمنهما، لأن الألوهية التي هي صفة تعم أوصاف الكمال، وجميع أوصاف الربوبية والعظمة، فإنَّه المألوه المعبود لما له من أوصاف العظمة والجلال، ولما أسداه إلى خلقه من الفواضل والأفضال، فتوحده تعالى بصفات الكمال، وتفرده بالربوبية يلزم منه أن لا يستحق العبادة أحد سواه" (١). وهنا نص ﵀ على مسألة العلم والاعتقاد واليقين بألوهية اللَّه تعالى، واستحقاقه للعبادة دون ما سواه، وبئن أن هذا الاستحقاق للعبادة هو لازم استحقاقه تعالى لصفات الربوبية، وتفرده بصفات الجلال والكمال. ويبيِّن الشيخ السعدي حقيقة توحيد العبادة بقوله: "يأمر تعالى عباده بعبادته وحده لا شريك له، وهو الدخول تحت رق عبوديته، والانقياد لأوامره ونواهيه؛ محبة وذلًا، وإخلاصًا له في جميع العبادات الظاهرة والباطنة، وينهى عن الشرك به شيئًا؛ لا شركًا أصغر، ولا أكبر، لا ملكًا ولا نبيًا ولا وليًا ولا غيرهم من المخلوقين، الذين لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، بل الواجب المتعين إخلاص العبادة لمن له الكمال المطلق من جميع الوجوه، وله التدبير الكامل الذي لا يشركه ولا يعينه عليه أحد" (٢). ولذا يقول الإمام ابن تيمية: "وَمِنْ تَحْقِيقِ التَّوْحِيدِ: أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللّهَ تَعَالَى أَثْبَتَ لَهُ حَقًّا لَا يُشْرِكُهُ فِيهِ مَخْلُوقٌ، كَالْعِبَادَةِ وَالتَّوَكُّلِ وَالْخَوْفِ وَالْخَشْيَةِ وَالتَّقْوَى" (٣).

стр. 59

ويقول الشيخ صالح الفوزان - حفظه اللَّه -: "توحيد الألوهية؛ وهو إفراد اللَّه بالعبادة، وترك عبادة ما سواه، والبراءة من ذلك، وبيان ما يناقضه من الشرك الأكبر، أو ينقص كماله الواجب أو المستحب من الشرك الأصغر" (١). ويقول أيضًا: "النوع الثاني: توحيد الألوهية؛ ومعناه: إفراد اللَّه تعالى بالعبادة، هذا غير إفراده بالخلق، والرزق، والتدبير، بل إفراد اللَّه بالعبادة؛ بأن لا يُعبَد إلا اللَّه ؛ لا يُصلّى، ولا يُدعى، ولا يُذبَح، ولا يُنذَر، ولا يُحَج، ولا يُعتَمر، ولا يُتصَدق، إلى آخره؛ إلا للّه ، يُبتغى بذلك وجه اللَّه " (٢). فذكر حفظه اللَّه أن توحيد العبادة يتضمن البراءة من الشرك وأهله، وبغضهم وعداوتهم، وهذا القيد تتضمنه محبة اللَّه تعالى؛ لأنَّها تستلزم بغض أعدائه وأعداء رسله وأوليائه. فحقيقة هذا التوحيد تتضمن الحكم الجازم واليقين القاطع ببطلان كل ما عبد مع اللَّه تعالى من الأنداد والأوثان والأحبار والرهبان، وأن عبادته من أبطل الباطل، وأعظم الفساد، وأكبر العدوان، وهذا هو النفي الذي تضمنته كلمة التوحيد والإخلاص. ويقول الشيخ صالح آل الشيخ: "فتوحيد الألوهية: هو توحيد اللَّه بأفعال العبد المتنوعة، التي يوقعها على جهة التقرّب، فإذا توجه بها لواحد وهو اللَّه -جلَّ وعلا- كان موحدًا إياه توحيد الإلهية، وإذا توجّه العبد بها للّه ولغيره كان مشركًا في هذه العبادة" (٣). وهنا يشير إلى أن توحيد العبادة هو توحيد اللَّه بأفعال المكلفين،

стр. 60

بخلاف توحيد الربوبية فإنَّه توحيد اللَّه في أفعاله من الخلق والرزق والإحياء والإماتة، فتوحيد الألوهية هو فعل العبد وعمله وكسبه (١). ولذلك فسَّره الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب بقوله: "وتوحيد الإلهية: فِعْلُكَ أيها العبد؛ مثل الدعاء، والخوف، والرجاء، والتوكل، والإنابة، والرغبة، والرهبة، والنذر، والاستغاثة، وغير ذلك من أنواع العبادة" (٢). فيظهر مما سبق أن توحيد العبادة هو كل ما يتعلق بأعمال العباد وأقوالهم الظاهرة والباطنة، التي يحبها اللَّه ويرضاها، مع الاعتراف الجازم باستحقاق اللَّه للعبادة وحده، وبطلان عبادة ما سواه، مع ملازمة الخضوع والخوف والمحبة. * المطلب الثاني * أهميته ومنزلته من الدين مما لا شكَّ فيه أن توحيد العبادة ذو منزلة عظيمة، ومكانة عليّة، بين أنواع التوحيد الأخرى، بل هو أعظمها وأجلها، والناس فيه ما بين شقي وسعيد، منهم ما هو من أصحاب اليمين وآخر خاسر من أصحاب الشمال، وفيما يأتي أتناول بعض ما يدل على هذه المنزلة السامية، والمكانة الكبيرة في دين الإسلام: أولًا: أن هذا التوحيد المتضمن لإخلاص التاله للّه تعالى هو الغاية التي خلق اللَّه من أجلها الخلق، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦] فلم يخلقهم سبحانه من أجل أن يعرفوه فقط أو يعرفوا ربوبيته وأسماءه وصفاته بدون عبادته والخضوع والذلة

стр. 61

لعظمته، بل خلقهم من أجل تحقيق هذه الغاية السامية المحبوبة للّه ﵎، وهذا يدل على عظم ومكانة توحيد العبادة (١). يقول الإمام ابن القيم: "فيجمع غايات فعله، وحكمة خلقه وأمره إلى غاية واحدة، هي منتهى الغايات، وهي إلهية الحق التي كل إلهية سواها فهي باطل ومحال، فهي غاية الغايات، ثم ينزل منها إلى غايات أخر هي وسائل بالنسبة إليها، وغايات بالنسبة إلى ما دونها، وإن إلى ربك المنتهى" (٢). ثانيًا: يوضح ما سبق إكثار اللَّه تعالى في القرآن الكريم من ذكر هذا النوع من التوحيد، أمرًا وإيجابًا، وتحذيرًا وتخويفًا، بحيث جعل تحقيقه في مقدمة المقاصد الشرعية، وبيانه له بشتى أساليب البيان، وكونه هو الغاية العظمى، وأنه سبب النجاة والسعادة في الدنيا والآخرة، وأن الناس انقسموا بسببه إلى موحدين في الجنان؛ ومشركين في النجران، وبيانه لحقوق هذا التوحيد وواجباته، والتحذير مما يناقضه أو ينقص كماله الواجب، وهذا الإكثار يدل على المكانة العظيمة، والمنزلة الجليلة التي تبوأها هذا التوحيد. وذلك كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] وقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦] وغيرها من الآيات الكثيرة، بل لو قال قائل: إن القرآن من أوله إلى آخره يدعو إلى هذه القضية، ويؤكدها، ويثبتها بالأساليب المختلفة والمتعدده، لما كان مبالغًا في ادعائه، فهذا هو المقصد الأساسي في الشريعة، والمقصد الأصلي من الخلقة، وما عداه فهو تابع له، وقد بيَّنه القرآن أعظم بيان، وحذر مما يضاده ويعود عليه بالإبطال (٣).

стр. 62

يقول الإمام ابن القيم: "فأخبر سبحانه أنه القصد بالخلق والأمر: أن يعرف بأسمائه وصفاته، ويعبد وحده لا يشرك به، وأن يقوم النّاس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به السموات والأرض" (١). ثالثًا: ومما يبيِّن منزلة هذا التوحيد أن اللَّه تعالى بعث جميع الأنبياء والمرسلين بهذا التوحيد، توحيد العبادة، فلم يأت رسول إلى قومه يدعوهم إلى الاعتراف بوجود اللَّه ﵎، وأنه الخالق القادر المحيي والمميت، وإنما تتابعت الأنبياء والرسل من أولهم إلى آخرهم بهذا التوحيد، ويكفيه شرفًا هذه المنزلة التي جعلته في مقدمة دعوات الأنبياء، وأولى مهام رسالاتهم (٢). يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] وقوله ﵎: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥]. ومعنى: فاعبدون في الآية؛ أي: وحدون (٣). فهذا الأصل وهو توحيد العبادة هو أصل الدين الذي لا يقبل اللَّه من الأولين والآخرين دينًا غيره، وبه أرسل اللَّه الرسل وأنزل الكتب (٤). يقول الشيخ السعدي في الآية: "فكل الرسل الذين من قبلك مع كتبهم؛ زبدة رسالتهم، وأصلها الأمر بعبادة اللَّه وحده لا شريك له، وبيان أنه الإله الحق المعبود، وأن عبادة ما سواه باطلة" (٥). ويقول الشيخ سليمان آل الشيخ في بيان ما سبق من أهمية:

стр. 63

"وهذا التوحيد هو أول الدين وآخره، وباطنه وظاهره، وهو أول دعوة الرسل وآخرها، وهو معنى قول لا إله إلا اللَّه؛ فإن الإله هو المألوه المعبود بالمحبة، والخشية، والإجلال، والتعظيم، وجميع أنواع العبادة، ولأجل هذا التوحيد خلقت الخليقة، وأرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، وبه افترق الناس إلى مؤمنين وكفار، وسعداء أهل الجنة وأشقياء أهل النار، قال اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ [البقرة: ٢١] فهذا أول أمر في القرآن" (١). رابعًا: هذا النوع من التوحيد هو أصل الإسلام، وأساس الإيمان، وأول ما يؤمر به العبد، وهو ميزان الأعمال صحة وفسادًا. يقول الإمام ابن تيمية: "والمقصود هنا أن السلف والأئمة متفقون على أن أول ما يؤمر به العباد الشهادتان" (٢). وشهادة أن لا إله إلا اللَّه دالة على توحيد العبادة بالمطابقة (٣). ويقول الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب فيما لخصه من المسائل عن شيخ الإسلام: "وعلم بالاضطرار من دين الرسول، واتفقت عليه الأمة: أن أصل الإسلام، وأول ما يؤمر به الخلق شهادة أن لا إله إلا اللَّه، وشهادة أن محمدًا رسول اللَّه، فبه يصير الكافر مسلمًا، والعدو وليًا، ثم إن كان من قلبه دخل في الإيمان، وإن قاله بلسانه دون قلبه فهو في ظاهر الإسلام" (٤).

стр. 64

* المطلب الثالث* أدلته سبق الكلام عن أهمية توحيد العبادة، وبسبب هذه المنزلة العظيمة لهذا التوحيد فقد تعددت أدلته وتعاضدت، وفيما يأتي أذكر ما ظهر لي من أدلة لهذا النوع العظيم من أنواع التوحيد: أولًا: أمر اللَّه تعالى في نصوص عديدة -يصعب حصرها- بهذا التوحيد، وإلزامه العباد به، وأنه من أعظم الفروض الواجبة المتحتمة على كل مسلم، وهذه النصوص الكثيرة تدل على أنه أصل عظيم من أصول الإسلام، ومن تلك النصوص: قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١)﴾ [آل عمران: ٥١] وقوله سبحانه: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦)﴾ [مريم: ٣٦]، وقوله: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢)﴾ [الأنبياء: ٩٢]، وقوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦٤)﴾ [الزخرف: ٦٤]، وقال : ﴿ ... فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٢، ٣]، وقوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ [التوبة: ٣١]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥]، وقوله : ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾ [النمل: ٩١]، وقوله سبحانه: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١)﴾ [الزمر: ١١]. فكل هذه النصوص تدل على هذا الأصل العظيم من أصول الإسلام، وكونه من أفرض الفروض، وأكبر الواجبات على المسلم. ثانيًا: من أعظم الأدلة الدالة على توحيد اللَّه وإفراده بالعبادة،

стр. 65

وعدم عبادة ما سواه اتصافه بصفات الربوبية، وتفرده بكشف الضراء وجلب السراء، المالك لكل شيء، فما من شيء سواه إلا في قبضه وتحت أمره. يقول الإمام ابن القيم: "فتوحيد الربوبية أعظم دليل على توحيد الإلهية، ولذلك وقع الاحتجاج به في القرآن أكثر مما وقع بغيره؛ لصحة دلالته، وظهورها، وقبول العقول والفطر لها، ولاعتراف أهل الأرض بتوحيد الربوبية، وكذلك كان عباد الأصنام يقرون به وينكرون توحيد الإلهية، ويقولون: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾، مع اعترافهم بأن اللَّه وحده هو الخالق لهم، وللسموات والأرض وما بينهما، وأنه المنفرد بملك ذلك كله، فأرسل اللَّه تعالى يذكر بما في فطرتهم الإقرار به؛ من توحيده وحده لا شريك له، وأنهم لو رجعوا إلى فطرهم وعقولهم لدلتهم على امتناع إله آخر معه، واستحالته وبطلانه" (١). ويقول الشيخ السعدي: "ومن أدلة توحيده: أنه تعالى المنفرد بكشف الضراء، وجلب الخير والسراء، ولهذا قال: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ [الأنعام: ١٧]؛ من فقر، أو مرض، أو عسر، أو غم، أو هم، أو نحوه، ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)﴾، فإذا كان وحده النافع الضار فهو الذي يستحق أن يفرد بالعبودية والإلهية" (٢). ولذا يقول الإمام الطبري (٣) في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ

стр. 66

حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]: "ومن الدلالة على أن الألوهة للّه الواحد القهار، خالصة دون كل ما سواه: أنه يميت ويحيي، ويفعل ما يشاء، ولا يقدر على ذلك شيء سواه، فجعل ذلك خبرًا نبههم به على عظيم قدرته، فقال: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]؛ فيقبضها عند فناء أجلها، وانقضاء مدة حياتها، ويتوفى أيضًا التي لم تمت في منامها كما التي ماتت عند مماتها، ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾ [الزمر: ٤٢] ... " (١). فكونه متصفًا بصفات الربوبية من الخلق والإحياء والإماتة جعل له الاستحقاق الكامل دون غيره للتأله والتعبد، وهذا هو توحيد الإلهية، كما قال سبحانه: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧)﴾ [النحل: ١٧]. ويبين الإمام ابن القيم أن الإلهية التي دعت الرسل أممهم إلى توحيد الرب بها هي العبادة والتأليه، ومن لوازمها توحيد الربوبية الذي أقر به المشركون، فاحتج اللَّه عليهم به؛ فإنَّه يلزم من الإقرار به الإقرار بتوحيد الإلهية (٢). يقول الألولسي (٣) في "تفسيره": "فإن توحيد الربوبية يشير إلى توحيد الألوهية؛ بناء على أن اختصاص الربوبية به علة لاختصاص الألوهية، واستحقاق المعبودية به ، وقد ألزم جلَّ وعلا الوثنية

стр. 67

القائلين باختصاص الربوبية بذلك في غير موضع" (١). ويقول ﵀ أيضًا: "فهو الخالق كل شيء؛ فإن كل من لا يكون خالقًا لكل شيء لا يكون نافعًا ضارًا على الإطلاق، وكل من لا يكون كذلك لا يستحق أن يعبده كل مخلوق؛ لأن العبادة هي الطاعة، والانقياد، والخضوع، ومن لا يملك نفعًا ولا ضرًا بالنسبة إلى بعض المخلوقين لا يستحق أن يعبده ذلك البعض، ويطيعه، وينقاد له، فإن من لا يقدر على إيصال نفع إلى شخص، أو دفع ضر عنه لا يرجوه، ومن لا يقدر على إيصال ضر إليه لا يخافه، وكل من لا يخاف ولا يرجى أصلًا لا يستحق أن يعبد وهو ظاهر" (٢). * المطلب الرابع* أسماؤه وإطلاقاته لقد عبَّر أهل العلم عن هذا النوع من التوحيد بعدة أسماء وإطلاقات، وكل من هذه الأسماء لها مناسبات بسببها وجدت التسمية، ولا شكَّ أن معرفة الأسماء والإحاطة بإطلاقات المسميات الشرعية، ومعرفة تعبيرات أهل العلم عنها ومناسبات ذلك له فوائد عظيمة لا تخفى، وفيما يأتي أنقل ما وقفت عليه من تلك الإطلاقات لهذا النوع العظيم: أ - توحيد الطلب والقصد: أطلق هذه التسمية عدد من أهل العلم، ومناسبة ذلك أن توحيد العبادة قد تضمن طلب المخلوق من الخالق، كما أن فيه القصد والتوجه ظاهرًا وباطنًا إلى المعبود الحق .

стр. 68

يقول الإمام ابن تيمية: "وذلك لأن العبادة تتضمن الطلب والقصد، والإرادة والمحبة" (١). ويقول الإمام ابن القيم: "وهو نوعان: توحيد في المعرفة والإثبات وتوحيد في الطلب والقصد" (٢). ويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن: "وهذا هو التوحيد في الربوبية، وهو الدليل على توحيد الإلهية الذي هو إفراد اللَّه تعالى بجميع أنواع العبادة وهو توحيد القصد والإرادة، وقد تقدم بيان ذلك بحمد اللَّه" (٣). ويقول الشيخ سليمان بن عبد اللَّه آل الشيخ: "وإن شئت قلت: التوحيد نوعان؛ توحيد في المعرفة والإثبات، وهو توحيد الربوبية والأسماء والصفات، وتوحيد في الطلب والقصد، وهو توحيد الإلهية والعبادة" (٤). ب - توحيد الارادة والطلب: وهذا أيضًا من تعبيرات أهل العلم عن توحيد العبادة، ومأخذ هذه التسمية أن العبد له في فعل العبادة إرادة، فهو إما أن يفعل أو لا يفعل، كما أنه يطلب بتلك العبادة وجه اللَّه ويبتغي مرضاته (٥). يقول الإمام ابن القيم في بيان دلالة القرآن على نوعي التوحيد: "فإن القرآن" إما خبر عن اللَّه وأسمائه وصفاته وأفعاله، فهو التوحيد العلمي الخبري، وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له، وخلع كل ما يعبد من دونه فهو التوحيد الإرادي الطلبي" (٦).

стр. 69

ج - توحيد الشرع والقدر: وهو توحيد العبادة، والشرع يتعلق بالأمر، والقدر يتعلق بعلم اللَّه تعالى وربوبيته، وجمع فيه بين الشرع والقدر؛ لأن اللَّه يعبد بمعرفته كما أنه يعبد بامتثال أمره (١). يقول الإمام ابن تيمية: "والكلام في الشرع والقدر هو من باب الطلب والإرادة، الدائر بين الإرادة والمحبة، وبين الكراهة والبغض، نفيًا وإثباتًا" (٢). ويقول الشيخ فالح بن مهدي (٣): "فمن الطلبي الإرادي توحيد

стр. 70

الشرع والقدر؛ فمنه ما هو مطلوب مراد محبوب كالتوحيد وسائر الطاعات، ومنه ما هو مبغض ممنوع، كالشرك والمعاصي" (١). د - التوحيد العملي الإرادي، أو العملي القصدي: وسمي بذلك لأن العبادة تتضمن عمل القلب والجوارح، وذلك مستلزم لعلم القلب واعتقاده ومعرفته، وقول اللسان كما لا يخفى. يقول الإمام ابن تيمية: "والتوحيد العملي الإرادي؛ أن لا يعبد إلا إياه، فلا يدعو إلا إياه، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يخاف إلا إياه، ولا يرجو إلا إياه، ويكون الدين كله للّه" (٢). ويقول ﵀ أيضًا: "وقد بسط الكلام في التوحيد وأنه نوعان؛ علمي قولي وعملي قصدي؛ فـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ اشتملت على التوحيد العملي نصًا، وهي دالة على العلمي لزومًا، و ﴿قُل هُوَ اَللَّهُ أَحَدُ﴾ (١)﴾ اشتملت على التوحيد العلمي القولي نصًا وهي دالة على التوحيد العملي لزومًا" (٣). هـ - توحيد الإلهية أو الألوهية أو العبادة: وسمي بذلك لأنَّهُ اشتمل على التأله وهو التعبد والتنسك للّه ، أو على الألوهة وهي العبادة. يقول الإمام الطبري في رده على قول النصارى: "لأن من كان له ولد فليس بإله، وكذلك من كالن له صاحبة فغير جائز أن يكون إلهًا

стр. 71

معبودًا، ولكن اللَّه الذي له الألوهة والعبادة إله واحد معبود، لا ولد له، ولا والد، ولا صاحبة، ولا شريك" (١). ويقول الشيخ السعدي في شأن توحيد الألوهية: "وهذا النوع يقال له: توحيد الإلهية، وتوحيد العبادة؛ فالألوهية وصفه تعالى، والعبودية وصف عبده" (٢). يقول الشيخ العثيمين (٣) ﵀ في فوائد بعض الآيات: "ومنها: أن العبادة والألوهية معناهما واحد؛ لكن العبادة باعتبار العابد؛ والألوهية باعتبار المعبود، ولهذا كان أهل العلم يسمون التوحيد توحيد العبادة؛ وبعضهم يقول: توحيد الألوهية" (٤). ويقول الشيخ فالح آل مهدي: "قوله: (وهذا) راجعة إلى توحيد الشرع والقدر، وكما يسمى بذلك يسمى أيضًا التوحيد الطلبي الإرادي، وتوحيد العبادة، وتوحيد الألوهية، والتوحيد الفعلي نسبة إلى أفعال العباد، وتوحيد القصد والعمل، فهذه كلها ألقاب لهذا النوع" (٥).

стр. 72

ومما يحسن التنبيه عليه في ختام هذا المطلب أن جميع هذه التسميات متفقة في مضمونها ولا تعارض بينها، وإنما حصل الاختلاف في التعبير نسبة لاختلاف اعتباراتها وما ترجع إليه، واللّه أعلم.

стр. 73

الباب الأول القواعد المتعلقة بتوحيد العبادة وفيه ستة فصول: الفصل الأول: القواعد العامة في توحيد العبادة. الفصل الثاني: القواعد المتعلقة بحقيقة العبادة وضابطها. الفصل الثالث: القواعد المتعلقة بأنواع التوحيد. الفصل الرابع: القواعد المتعلقة بأصل التوحيد. الفصل الخامس: القواعد المتعلقة بتحقيق توحيد العبادة وأدلته. الفصل السادس: القواعد المتعلقة برد البدع.

стр. 74

الفصل الأول القواعد العامة في توحيد العبادة وفيه ثمانية مباحث: المبحث الأول: قاعدة: دين الأنبياء واحد هو الإسلام. المبحث الثاني: قاعدة: الشرع مبناه على تكميل أديان الخلق وعلى تكميل عقولهم. المبحث الثالث: قاعدة: الدين قد كَمُلَ بيانه في أصوله وفروعه باطنه وظاهره علمه وعمله. المبحث الرابع: قاعدة: العبادة هي الغاية التي خلق اللَّه لها الخلق من جهة أمره ومحبته ورضاه. المبحث الخامس: قاعدة: ليس في الشريعة بقعة تقصد للعبادة لذاتها إلا المساجد ومشاعر الحج. المبحث السادس: قاعدة: النز اع بين الرسل وأقوامهم إنما كان في إفراد اللَّه بالعبادة وترك عبادة ما سواه.

стр. 75

المبحث السابع: قاعدة: البركة للّه وصفًا وملكًا وفعلًا وكل بركة في الكون فمن آثار بركته سبحانه. المبحث الثامن: قاعدة: التوجه إلى شيء أو إلى جهة بقصد القربة وحصول الثواب عبادة.
следующие страницы →