← Акыда

Акыда · id 604

القواعد في توحيد العبادة

محمد بن عبد الله باجسير

Полный текст (1 131 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

يختص به الخالق من الأفعال، والحقوق، والصفات، وهذا على ثلاثة أقسام: فالأول: كفعل من أشرك في الربوبية ممن زعم أن مع الله خالقًا. والثاني: كفعل المشركين بأصنامهم حيث زعموا أن لها حقًّا في الألوهية، فعبدوها مع الله. والثالث: كفعل الغلاة في مدح النبي ﷺ أو غيره مثل قول المتنبي (١): فكن كما شئت يا من لا شبيه له ... وكيف شئت فما خَلْقٌ يدانيكا وأما النوع الثاني وهو تشبيه الخالق بالمخلوق فمعناه: أن يثبت لله تعالى في ذاته، أو صفاته من الخصائص مثل ما يثبت للمخلوق من ذلك، كقول القائل: إن يدي الله مثل أيدي المخلوقين، واستواءه على عرشه كاستوائهم ونحو ذلك" (٢). والتشبيه المذموم عند أهل السُّنَّة والجماعة بنوعيه يقع بالقول والاعتقاد والفعل، فمن شبَّه الله بلسانه، أو اعتقد التشبيه بقلبه، أو فعل فعلًا بجوارحه استلزم التشبيه، وأفضى إليه كان ممن وقع في تشبيه الخالق بالمخلوق، وتشبيه المخلوق بالخالق. يقول الدكتور جابر إدريس -وفقه الله-: "ومثال مقالة التشبيه

стр. 737

الفعلية كأن يقوم المُشَبِّه بفعلِ يفضي به إلى الشرك بالله تعالى الذي هو تشبيه الله بخلقه، وتمثيله بهم (١)؛ كالذبح لغير الله، أو السجود لغير الله، ونحو ذلك من الأعمال الشركية التي فيها تشبيه المخلوق بالخالق " (٢). وأمَّا الأَصْلُ فهو أسفلُ الشيءِ وجمعُه أُصولٌ لا يُكَسَّر، وأصل الشيء أسفله، وأساس الحائط أصله، واستأصل الشيء ثبت أصله وقوى، ثم كثر حتى قيل: أصل كل شيء ما يستند وجود ذلك الشيء إليه، وأصل الشيء ما منه الشيء؛ أي: مادته كالوالد للولد والشجرة للغصن، فالأب أصل للولد، والشجرة أصل للغصن (٣)، فالأصل هو ما ابتنى عليه غيره، أو ما تفرع عنه غيره (٤). قال الراغب: "وأصل الشيء: قاعدته التي لو توهمت مرتفعة لارتفع بارتفاعه سائره لذلك، قال تعالى: ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤)﴾ [إبراهيم: ٢٤] " (٥). * المسألة الثانية * معنى القاعدة تضمنت القاعدة بيان التشبيه الواقع من المشركين؛ الذين أشركوا مع الله تعالى في العبادة، وشبهوا المخلوق بالخالق، والخالق

стр. 738

بالمخلوق، ومعنى كون التشبيه أصلًا للشرك وعبادة الأوثان والأصنام؛ أي: هو حقيقته وموجبه وعلته الملازمة له، إذ لا ينفك الشرك وعبادة غيره سبحانه عن تشبيه واقع بين المخلوق والخالق، فمن صرف الدعاء لغيره فقد شبَّه ذلك الغير بالله تعالى بإعطائه أخص ما يستحقه سبحانه من التضرع والخضوع والذلة الملازمة للداعي. كما أنهم شبهوا الله تعالى بخلقه في كونه لا يتوصَّل إليه إلَّا بالوسائط، فهم يرفعون حوائجهم إلى تلك الوسائط، ومن ثم ترفعها الوسائط إليه ، فما من مشرك إلا وقد شبَّه معبوده بالله تعالى، فجعل لله مثلًا وشبيهًا، وعدلًا ونديدًا، أو شَبَّه الله تعالى بالمخلوقين، فلا يخلو المشرك من أحد التشبيهين، وقد يجمع في شركه بين النوعين، ولا شك في شناعة كِلا التشبيهين؛ إذ فيه تشبيه المخلوق الضعيف الذي لا يملك نفعًا ولا ضرًّا -لنفسه فضلًا عن غيره- بالخالق العلي العظيم، الذي خلق كل شيء فقدره تقديرًا، مالك الملك لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، العليم بخفايا الأمور ودقيقها، الغني عن كل ما سواه، وجميع خلقه مفتقرون إليه، الذي لا يعجزه شيء من سؤال خلقه له . فلا وجه لهذا التشبيه البتة إذ إن الخالق والمخلوق متخالفان كل التخالف، وصفاتهما متخالفة كل التخالف؛ فبأي وجه يعقل دخول صفة المخلوق في اللفظ الدال على صفة الخالق، أو دخول صفة الخالق في اللفظ الدال على صفة المخلوق، مع كمال المنافاة بين الخالق والمخلوق (١). يقول الإمام ابن تيمية في طريقة أهل الحق في هذا الباب: "ولا يصفون أحدًا من المخلوقين بخصائص الخالق ﷻ ، بل كل ما سواه من الملائكة والأنبياء وسائر الخلق فقير إليه، عبد له، وهو الصمد الذي

стр. 739

يحتاج إليه كل شيء، ويسأله كل أحد، وهو غني بنفسه لا يحتاج إلى أحد في شيء من الأشياء، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾ [مريم: ٨٨ - ٩٥] " (١). والفرق بين تشبيه صفات المخلوق بالخالق، وتشبيه صفات الخالق بالمخلوق: أن في تشبيه صفات المخلوق بالخالق تعظيمًا للمخلوق، ورفعًا له إلى مقام الألوهية، وهذا بلا شك من أعظم الإشراك بالله العظيم، أما تشبيه صفات الخالق بالمخلوق فحط من قدر الخالق ، وتنقص له، وهو كسابقه في الكفر والشناعة. يقول الإمام ابن القيم: "فتبين أن المُشَبِّهَةَ هم الذين يشبهون المخلوق بالخالق في العبادة، والتعظيم، والخضوع والحلف به، والنذر له، والسجود له، والعكوف عند بيته، وحلق الرأس له، والاستغاثة به، والتشريك بينه وبين الله في قولهم: ليس لي إلا الله وأنت، وأنا متكل على الله وعليك، وهذا من الله ومنك، وأنا في حسب الله وحسبك، وما شاء الله وشئت، وهذا لله ولك، وأمثال ذلك" (٢). ويقول أيضًا: "ومن خصائص الإلهية الكمال المطلق من جميع الوجوه الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه، وذلك يوجب أن تكون العبادة كلها له وحده، والتعظيم والإجلال، والخشية، والدعاء، والرجاء، والإنابة، والتوكل، والاستعانة، وغاية الذل مع غاية الحب، كل ذلك يجب عقلًا وشرعًا وفطرة أن يكون له وحده، ويمنع عقلًا وشرعًا وفطرة أن يكون لغيره، فمن جعل شيئًا من ذلك لغيره فقد شبه

стр. 740

ذلك الغير بمن لا شبيه له، ولا ند له وذلك أقبح التشبيه وأبطله. فمن أعطى حبه، وذله، وخضوعه لغير الله فقد شبهه به في خالص حقه، فمن خصائص الإلهية السجود؛ فمن سجد لغيره فقد شبه المخلوق به، ومنها التوكل؛ فمن توكل على غيره فقد شبهه به، ومنها التوبة؛ فمن تاب لغيره فقد شبهه به، ومنها الحلف باسمه تعظيمًا وإجلالًا؛ فمن حلف بغيره فقد شبهه به" (١). ومن أجل هذا التشبيه الشنيع الواقع من المشركين حرَّم الله تعالى الشرك، وجعله من أكبر الجرائم، وأعظم المحرمات، وأفظع الظلم الذي تتفطر له السموات، وتنشق له الأرضون، وتتفتت من قبحه وشناعته الجبال الرواسي. يقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ: "فمن صرف شيئًا من العبادات لغير الله فقد أشرك به شركًا يبطل التوحيد وينافيه؛ لأنه شبه المخلوق بالخالق، وجعله في مرتبته؛ ولهذا كان أكبر الكبائر على الإطلاق، ولما فيه من سوء الظن به تعالى" (٢). ويقول الشيخ حافظ الحكمي: "فكيف بالقول على الله بلا علم في إلهيته، وربوبيته، وأسمائه، وصفاته: من تشبيه خلقه به، أو تشبيهه لخلقه في اتخاذ الأنداد معه، وصرف العبادة لهم، وإن اعتقاد تصرفهم في شيء من ملكوته تشبيه للمخلوق بالخالق، كما أن تمثيل صفاته تعالى بصفات خلقه تشبيه للخالق بالمخلوق، وكِلا التشبيهين كفر بالله أقبح الكفر، وقد نَزَّه الله تعالى نفسه عن ذلك كله في كتابه" (٣). ويقول الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ -حفظه الله- في

стр. 741

معنى قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢)﴾ [سبأ: ٢٢]: ﴿وَمَا لَهُ﴾؛ أي: الله تعالى: و ﴿مِنْهُمْ﴾؛ يعني: من تلك الآلهة، ما له من وزير ولا معاون؛ لأنه قد يتبادر إلى ذهن بعض الناس أن ثمة من يعين الله على تدبير الأمور، وتصريف الشؤون، كالملائكة، أو الأنبياء، فيظن أنه إذا توجّه إلى أولئك بالدعاء والطلب، كان قد توجه إلى من يعين الله، فيعتقد أنه إذا طلب من الله فإن الله لن يردّه؛ لأنه ممن يعين الله! وقد بنوا هذا الاعتقاد الفاسد على تشبيه الخالق (١) -تعالى- بما يحصل من المخلوقين بعضهم لبعض، فإن الملك في هذه الدنيا، أو الحاكم، أو الأمير إذا كان له من يعينه، ومن يظاهره، وشَفَعَ هذا المعين لأحد فإنه لا يردُّ شفاعته؛ لأنه يحتاجه، فلأجل هذه الحاجة لا يرد الأمير، أو الملك، شفاعة من كان له ظهيرًا، فلما ظنَّ هؤلاء المشركون أن بعض تلك الآلهة معاونة لله -جل وعلا- نفى الله هذا الاعتقاد الجاهلي" (٢). * المسألة الثالثة * أدلة القاعدة لقد دلَّ على صحة ما قررته القاعدة أدلة عديدة أذكر بعضًا منها فيما يلي:

стр. 742

أولًا: النصوص التي نفى الله فيها أن يكون في خلقه مشابهًا أو مماثلًا له في ذاته، أو صفاته، أو أفعاله، بل ونهيه عن ذلك؛ مثل الكفؤ، والسمي، والشريك، والمثل، والند، وضرب الأمثال له؛ إذ تماثل الصفات والأفعال يستلزم تماثل الذوات، فإن الصفة تابعة للموصوف بها، والفعل أيضًا تابع للفاعل (١)، ومن تلك النصوص ما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ٤]. أي: ليس له شبيه ولا نظير ولا مساوي، وهي عامة لكل ما يدخل في مسمى الكفؤ (٢). قال أبو العالية: "لم يكن له شبيه ولا عدل وليس كمثله شيء" (٣). وقال الإمام السمعاني في معنى الآية: "أي: لم يكن أحد نظيرًا له ولا شبيهًا" (٤). فيمتنع ويستحيل أن يكون في الموجودات من هو مساوٍ له في شيء من صفات الكمال، والجلال، والعظمة، والكبرياء (٥). ٢ - ومنها قوله سبحانه: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ [مريم: ٦٥]. يقول الإمام ابن تيمية: "وقال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ فبين بذلك أن الله لا مثل له، ولا سمي، ولا كفو، فلا يجوز أن يكون شيء من صفاته مماثلًا لشيء من صفات المخلوقات، ولا أن يكون المخلوق مكافئًا ولا مساميًا له في شيء من صفاته " (٦).

стр. 743

ويقول أيضًا: "وأصل دين الإسلام أن نعبد الله وحده ولا نجعل له من خلقه ندًا، ولا كفوًا، ولا سميًا" (١). ويقول ابن القيم في معنى الآية: "وذلك نفي عن المخلوق أن يكون مشابهًا للخالق، ومماثلًا له، بحيث يستحق العبادة والتعظيم، ولم يقل سبحانه: هل تعلمه سميًا أو مشبهًا لغيره؛ فإن هذا لم يقله أحد، بل المشركون المشبهون جعلوا بعض المخلوقات مشابهًا له، مساميًا وندًّا وعدلًا، فأنكر عليهم هذا التشبيه والتمثيل" (٢). ٣ - ومنها قوله جل وعلا: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢]. وقال سبحانه: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩)﴾ [فصلت: ٩]. والند: الشبيه والنظير والمثيل، وكل شيء كان نظيرًا لشيء وشبيهًا فهو له ند (٣). وقيل: حقيقة الله أنه المضاد لنده الجاري على مناقضته (٤). وقال الأَخفشُ: "النِّدُ: الضِّدُّ والشِّبْهُ" (٥). والأنداد في الآيات السابقة: هي الأوثان التي اتخذوها آلهة لتقربهم إلى الله زلفى، ورجوا من عندها النفع والضر، وقصدوها بالمسائل، ونذروا لها النذور، وقربوا لها القرابين (٦). وعن ابن عباس ﵄: " ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾: أندادًا قال أشباهًا" (٧).

стр. 744

يقول الإمام ابن تيمية في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾: "فليس لصفة الله ند ولا مثل، ولا يوجد شيء من صفاته في المخلوقين" (١). ويقول أيضًا: "فمن جعل لله ندًّا من خلقه فيما يستحقه من الإلهية والربوبية فقد كفر بإجماع الأمة" (٢). ويقول الشيخ السعدي: " ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾؛ أي: نظراء وأشباهًا من المخلوقين، فتعبدونهم كما تعبدون الله، وتحبونهم كما تحبونه، وهم مثلكم مخلوقون، مرزوقون، مدبرون، لا يملكون مثقال ذرة في السماء ولا في الأرض، ولا ينفعونكم ولا يضرون" (٣). وقال الإمام السمعاني: "وقوله: ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ [فصلت: ٩]؛ أي: أشباهًا وأمثالًا وشركاءً" (٤). وقال ابن أبي زمنين: " ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا﴾: أعدالًا تعدلونهم به فتعبدونهم دونه" (٥). ٤ - ومنها قوله تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل: ٧٤]، وقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١]. ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾: "لا تجعلوا لله أشباهًا تشركونهم به" (٦). يقول الإمام ابن تيمية: "والقرآن ملآن من توحيد الله تعالى، وأنه ليس كمثله شيء، فلا يمثل به شيء من المخلوقات في شيء من الأشياء؛ إذ ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في

стр. 745

أفعاله، ولا فيما يستحقه من العبادة، والمحبة، والتوكل، والطاعة، والدعاء، وسائر حقوقه" (١). فالآية الكريمة المتضمنة النهي عن ضرب الأمثال لله تعالى بالمخلوقين، فلا يشبه بالمخلوق الذي يحتاج إلى الأعوان والحجاب، ولا يشبه المخلوق بالله تعالى في استحقاق العبادة والتأله (٢). وفي قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، رد للتشبيه والتمثيل (٣). يقول الإمام ابن القيم: "وكذلك قوله سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ إنما قصد به نفي أن يكون معه شريك، أو معبود يستحق العبادة والتعظيم، كما يفعله المشبهون والمشركون، ولم يقصد به نفي صفات كماله، وعُلُوَّه على خلقه، وتَكَلُّمَه بكتبه، وتَكْلِيمَه لرسله" (٤). ويقول الشيخ صلاح الدين آيبك الصفدي (٥) في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾: "وشيء للعموم، وشيء يستغرق الإلهية، والصورة، والصفة، وكل ما سوى الله تعالى" (٦). ويقول الشيخ السعدي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ أي: ليس يشبهه

стр. 746

تعالى ولا يماثله شيء من مخلوقاته؛ لا في ذاته، ولا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله؛ لأن أسماءه كلها حسنى، وصفاته صفات كمال وعظمة، وأفعاله تعالى أوجد بها المخلوقات العظيمة من غير مشارك، فليس كمثله شيء؛ لانفراده وتوحده بالكمال من كل وجه" (١). فكل ما سبق من النصوص، ومن أقوال أهل العلم يدل على أن شرك المشركين كان بسبب اتخاذ الشركاء والنظراء الذين شبهوهم بالله تعالى، فصرفوا لهم العبادة والتأله والمحبة والتذلل التي هي من خصائص الرب ﵎، ولذا اشتملت جميع النصوص السابقة على النفي أو النهي عن هذا التشبيه الشركي. يقول الإمام ابن القيم: في ذكر أسباب عبادة الأصنام وأن منها الغلو في المخلوق وإعطاؤه فوق منزلته: "حتى جعل فيه حظ من الإلهية، وشبهوه بالله سبحانه، وهذا هو التشبيه الواقع في الأمم الذي أبطله الله سبحانه وبعث رسله وأنزل كتبه بإنكاره والرد على أهله. فهو سبحانه ينفي وينهى أن يجعل غيره مثلًا له، وندًّا له، وشبهًا له، لا أن يُشَبَّه هو بغيره؛ إذ ليس في الأمم المعروفة أمة جعلته سبحانه مثلًا لشيء من مخلوقاته، فجعلت المخلوق أصلًا وشبهت به الخالق، فهذا لا يعرف في طائفة من طوائف بني آدم، وإنما الأول هو المعروف في طوائف أهل الشرك؛ غلوا فيمن يعظمونه ويحبونه حتى شبهوه بالخالق، وأعطوه خصائص الإلهية، بل صرحوا أنه إله وأنكروا جعل الآلهة إلهًا واحدًا، وقالوا: ﴿وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ [ص: ٦]، وصرحوا بأنه إله معبود، يرجى، ويخاف، ويعظم، ويسجد له، ويحلف باسمه، وتقرب له القرابين إلى غير ذلك من خصائص العبادة التي لا تنبغي إلا لله تعالى. فكل مشرك فهو مُشَبِّه لإلهه ومعبوده بالله سبحانه وإن لم يُشَبِّهْهُ

стр. 747

به من كل وجه" (١). ثانيًا: النصوص الدالة على إبطال ما وقع فيه المشركون من العدل، والتسوية، والتمثيل، والقياس، والتشريك، والتشبيه (٢)، بين الله تعالى ومعبوداتهم الباطلة، وتقرير توحده سبحانه بصفات الربوبية، وانفراده بخصائص الإلهية التي لا يشركه فيها أحد من الخلق، وهذا يدل على أن أصل شركهم بالله كان من تشبيههم معبوداتهم بالرب تعالى، ومن تلك النصوص ما يلي: ١ - قوله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]. قال الزجاج (٣): "يحبون الأصنام كما يحبون الله؛ لأنهم أشركوها مع الله فسووا بين الله وبين أوثانهم في المحبة" (٤). وجاء عن مجاهد: في معنى الآية: "مباهاة ومضاهاة للحق بالأنداد" (٥). وقد أشار سبحانه في آيات كثيرة إلى أن الكفار ساووا بين المخلوق والخالق قبحهم الله تعالى (٦). ٢ - ومن ذلك قوله سبحانه: ﴿قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ

стр. 748

كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)﴾ [سبأ: ٢٧]، وهم قد ألحقوا وشْبهوا شركاءهم وأندادهم بالله تعالى، وقد بين سبحانه في هذه الآية أنه لا يعبد أحد لاستحقاقه العبادة غيره ؛ إذ هو المعبود لذاته، الذي ليس كمثله شيء (١). يقول الإمام ابن كثير: "أي: أروني هذه الآلهة التي جعلتموها لله أندادًا، وصيرتموها له عدلًا، (كَلَّا)؛ أي: ليس له نظير، ولا نديد، ولا شريك، ولا عديل" (٢). والشركاء جمع شريك وهو النظير والمثيل والشبيه. وقال الألوسي: "والمراد أرونيهم لأنظر بأي صفة الحقتموهم بالله الذي ليس كمثله شيء في استحقاق العبادة، أو ألحقتموهم به سبحانه جاعليهم أو مسميهم شركاء" (٣). فعبادتهم للشركاء تشبيه لشركائهم بالله تعالى في العبادة، وهذا ما يفيده لفظ الإلحاق (٤). يقول الشيخ الشنقيطي: "أمر الله جلَّ وعلا نبيّه ﷺ في هذه الآية الكريمة أن يقول لعبدة الأوثان: أروني أوثانكم التي ألحقتموها بالله شركاء له في عبادته كفرًا منكم وشركًا وافتراء. وقوله: ﴿أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ﴾، لأنَّهم إن أروه إيّاها تبيّن برؤيتها أنها جماد لا ينفع ولا يضرّ، واتّضح بُعْدها عن صفات الألوهية، فظهر لكل عاقل برؤيتها

стр. 749

بطلان عبادة ما لا ينفع ولا يضرّ" (١). ٣ - ومن ذلك قوله سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ [الأنعام: ١]، وقوله: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١٥٠)﴾ [الأنعام: ١٥٠]، وقوله مستفهمًا ومقررًا المشركين بعد اعترافهم بربوبيته سبحانه: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠)﴾ [النمل: ٦٠]. يقال: عدلت الشيء بالشيء أعدله عدولًا إذا ساويته به؛ والمعنى: يعدلون بالله غير الله، وقال مجاهد: معناه؛ ثم الذين كفروا بربهم يشركون، والمعنيان متقاربان؛ لأن من ساوى غير الله بالله فقد أشرك (٢). فالمعنى أنه سبحانه خلق ما لا يقدر عليه سواه، ثم هم يعدلون به ما لا يقدر على شيء (٣). يقول أبو حيان في شأن العادلين بالله تعالى غيره: "وهم عبدة الأوثان، والجاعلون لربهم عديلًا؛ وهو المثل، عدلوا به الأصنام في العبادة والإلهية" (٤). ويقول الإمام الطبري: ﴿وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١٥٠)﴾ [الأنعام: ١٥٠]، يقول: وهم مع تكذيبهم بالبعث بعد الممات، وجحودهم قيام الساعة،

стр. 750

بالله يعدلون الأوثان والأصنام، فيجعلونها له عدلًا، ويتخذونها له ندًا، يعبدونها من دونه" (١). والمقصود أنهم يجعلون له عدلًا في العبادة، والمحبة، والتعظيم، فهذه هي التسوية التي أثبتها المشركون بين الله وآلهتهم، وعرفوا وهم في النار أنها كانت ضلالًا وباطلًا، فيقولون لآلهتهم وهم في النار معهم: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨)﴾ [الشعراء: ٩٧، ٩٨]، ومعلوم أنهم ما سووهم به في الذات، والصفات، والأفعال، ولا قالوا: إن آلهتهم خلقت السموات والأرض، وأنها تحيي وتميت، وإنما سووها به في محبتهم لها، وتعظيمهم لها، وعبادتهم إياها، كما ترى عليه أهل الإشراك ممن ينتسب إلى الإسلام (٢). وقال الشيخ يحيى العمراني: "وقد أخبر الله بضلال من سوى بين الله وبين خلقه بشيء، فقال تعالى إخبارًا عن أهل النار: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨)﴾، ومن سمى غير الله خالقًا لشيء من الأشياء فقد سوى غير الله بالله" (٣). ثالثًا: النصوص الدالة على أن شرك المشركين كان باتخاذهم وسائط وشفعاء وشركاء وأندادًا تقربهم إلى الله ، وفي ذلك تشبيه لله تعالى بملوك الدنيا في كونهم لا يتوصلون إليهم إلا بالوسائط، فجعلوا الله تعالى لا يمكن الوصول إليه إلا بتوسط آلهتهم، وشفاعة أوثانهم، ومن تلك النصوص ما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ

стр. 751

أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (٣)﴾ [الزمر: ٣]. فبين حالهم في كونهم إنما عبدوا الأصنام لأجل أن تقربهم من الله زلفى، والزلفى القرابة (١). يقول الإمام ابن تيمية: "وإن أثبتم وسائط بين الله وبين خلقه؛ كالحجاب الذين بين الملك ورعيته بحيث يكونون هم يرفعون إلى الله حوائج خلقه، فالله إنما يهدى عباده ويرزقهم بتوسطهم، فالخلق يسألونهم وهم يسألون الله، كما أن الوسائط عند الملوك يسألون الملوك الحوائج للناس لقربهم منهم، والناس يسألونهم أدبًا منهم أن يباشروا سؤال الملك، أو لأن طلبهم من الوسائط أنفع لهم من طلبهم من الملك؛ لكونهم أقرب إلى الملك من الطالب للحوائج، فمن أثبتهم وسائط على هذا الوجه فهو كافر مشرك يجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وهؤلاء مشبهون لله شبهوا المخلوق بالخالق، وجعلوا لله أندادًا" (٢). فهم بذلك واقعون في التشبيهين؛ تشبيه الخالق سبحانه بملوك الدنيا، وتشبيه المخلوق بالخالق في صرف العبادة له. يقول الشيخ السعدي في معنى الآية: "أي: لترفع حوائجنا لله، وتشفع لنا عنده، وإلا فنحن نعلم أنها لا تخلق، ولا ترزق، ولا تملك من الأمر شيئًا؛ أي: فهؤلاء قد تركوا ما أمر الله به من الإخلاص، وتجرؤوا على أعظم المحرمات وهو الشرك، وقاسوا الذي ليس كمثله شيء الملك العظيم بالملوك، وزعموا بعقولهم الفاسدة ورأيهم السقيم أن الملوك كما أنه لا يوصل إليهم إلا بوجهاء، وشفعاء، ووزراء، يرفعون إليهم حوائج رعاياهم، ويستعطفونهم عليهم، ويمهدون لهم الأمر في ذلك أن الله تعالى كذلك، وهذا القياس من أفسد الأقيسة، وهو يتضمن

стр. 752

التسوية بين الخالق والمخلوق، مع ثبوت الفرق العظيم عقلًا ونقلًا وفطر" (١). ٢ - وقوله سبحانه: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)﴾ [يونس: ١٨]. يقول الإمام ابن تيمية: "وأصل ضلال المشركين أنهم ظنوا أن الشفاعة عند الله كالشفاعة عند غيره، وهذا أصل ضلال النصارى أيضًا، قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ ... ﴾ فمن ظن أنْ الشفاعة المعهودة من الخلق للخلق تنفع عند الله مثل أن يشفع الإنسان عند من يرجوه المشفوع إليه، أو يخافه، كما يشفع عند الملك ابنه، أو أخوه، أو أعوانه، أو نظراؤه الذين يخافهم، أو يرجوهم، فيجب سؤالهم لأجل رجائه وخوفه منهم فيمن يشفعون به عنده، وإن كان الملك أو الأمير أو غيرهما يكره الشفاعة فيمن شفعوا فيه، فيشفعهم فيه على كراهة منه، ويشفعون عنده أيضًا بغير إذنه، فالله تعالى هو رب كل شيء، ومليكه، وخالقه، فلا يشفع أحد عنده إلا بإذنه" (٢). * المسألة الرابعة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة لقد عني أهل العلم ﵏ ببيان معنى القاعدة، وتوضيح العلاقة القوية، والصلة الرابطة بين التشبيه والشرك بالله تعالى في الربوبية، أو الألوهية، أو في الأسماء والصفات، وفيما يأتي أتعرض لبعض أقوالهم المؤيدة لمعنى القاعدة:

стр. 753

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأصل الشرك أن تعدل بالله تعالى مخلوقاته في بعض ما يستحقه وحده" (١). ويقول الإمام ابن القيم: "وهذا التشبيه الذي أبطله الله سبحانه نفيًا ونهيًا هو أصل شرك العالم، وعبادة الأصنام، ولهذا نهى النبي ﷺ أن يسجد أحد لمخلوق مثله، أو يحلف بمخلوق مثله، أو يصلي إلى قبر، أو يتخذ عليه مسجدًا، أو يعلق عليه قنديلًا، أو يقول القائل: ما شاء الله وشاء فلان، ونحو ذلك حذرًا من هذا التشبيه الذي هو أصل الشرك" (٢). ويقول ﵀ أيضًا: "والمقصود أنه لم يكن في الأمم من مثله بخلقه، وجعل المخلوق أصلًا ثم شبهه به، وإنما كان التمثيل والتشبيه في الأمم حيث شبهوا أوثانهم ومعبوديهم به في الإلهية، وهذا التشبيه هو أصل عبادة الأصنام" (٣). ويقول المقريزي: "اعلم أن حقيقة الشرك: تشبيه الخالق بالمخلوق، وتشبيه المخلوق بالخالق؛ أمّا الخالق: فإن المشرك شبّه المخلوق بالخالق في خصائص الإلهيّة، وهي التفرّد بملك الضّر والنفع، والعطاء والمنع، فمن علّق ذلك بمخلوق فقد شبهه بالخالق تعالى، وسوّى بين التراب وربّ الأرباب، فأي فجور وذنب أعظم من هذا؟ " (٤). ويقول أيضًا: "وبالجملة؛ فالتَّشْبِيهُ والتَّشَبُّه هو حقيقة الشرك، ولذلك كان من ظن أنه إذا تقرب إلى غيره بعبادة ما يُقَرِّبَه ذلك الغير إليه تعالى فإنه يخطئ؛ لكونه شَبَّهَهُ به، وأخذ ما لا ينبغي أن يكون إلّا له، فالشرك منعه حقَّه، فهذا قبيح عقلًا وشرعًا، ولذلك لم يشرع ولم

стр. 754

يغفر لفاعله" (١). ويقول الشيخ أحمد ولي الله الدهلوي في بيان طرق الشرك وأسبابه: "ومعظم الخطأ شيئان: أن يعتقد في الواجب صفات المخلوق، أو يعتقد في المخلوق صفات الواجب، فالأول هو التشبيه، ومنشؤه قياس الغائب على الشاهد، والثاني هو الإشراك ومنشؤه رؤية الآثار الخارقة من المخلوقين فيظن أنها مضافة إليهم بمعنى الخلق وأنها ذاتية لهم" (٢). وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: "والقرآن من أوله إلى آخره، يبين أن الشرك تشبيه المخلوق بالخالق في العبادة، على أي وجه كان، كما قال تعالى عن المشركين: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨)﴾ [الشعراء: ٩٧، ٩٨] " (٣). وقال الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ: "وأصل الشرك: تشبيه المخلوق بالخالق" (٤). * المسألة الخامسة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها دلت القاعدة على عدة أمور وفوائد، فمن ذلك ما يلي: أولًا: دلت القاعدة على أن التشبيه بنوعيه خاصة تشبيه المخلوق بالخالق يستلزم الشرك بالله وعبادة الأوثان، فالتشبيه هو الأصل، وعبادة غيره هي فرع لازم لذلك الأصل، ثم إن فساد هذا الفرع الذي هو

стр. 755

الشرك بالله العظيم، وقبحه وبطلانه دالٌ على فساد أصله وبطلانه؛ إذ فساد الفرع اللازم قال على فساد أصله الملزوم، وكل أصل فهو علة لفرعه وموجب له. يقول الإمام ابن تيمية: "كذلك الأعمال المحرمة التي تورث مفاسد؛ كشرب الخمر الذي يصد عن ذكر الله تعالى، وعن الصلاة، ويوقع العداوة والبغضاء، فهذه المفاسد الناشئة من هذا العمل هي فرع لازم للأصل، ففسادها يدل على فساد الأصل، وهكذا كل أصل فهو علة لفرعه وموجب له" (١). ثانيًا: من المعلوم أن التشبيه والتمثيل المذموم بين الله وخلقه هو وصف الله تعالى بصفات المخلوقين، أو وصف المخلوقين بصفات الرب ﵎، وذلك بخلاف وصف الله تعالى بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ ، فليس في ذلك أدنى تشبيه، ولا شائبة تمثيل، بل هو أصل الإيمان، وأساس الإسلام؛ أي: وصف الله تعالى بصفات الكمال وتنزيهه عن سائر صفات النقص والعيب والعجز. هذا الإثبات لصفات الله تعالى هو منهج القرآن الذي جاء به محمد بن عبد الله ﷺ من عند ربه، وعليه سار صحابته الكرام، وسلف الأمة وعلماؤها من بعدهم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، حاشا أهل الكلام فإنهم لم يكتب لهم التوفيق في السير على هذا المنهج النبوي القويم، ففروا من التشبيه الذي زعموه وتوهموه في إثبات الصفات إلى تشبيه الله تعالى بالناقصات العاجزات، بل بالأموات بل المعدومات. يقول الإمام ابن القيم: "حقيقة الشرك: هو التشبه بالخالق والتشبيه للمخلوق به، هذا هو التشبيه في الحقيقة لا إثبات صفات الكمال التي وصف الله بها نفسه، ووصفه بها رسول الله ﷺ فعكس من نكس الله

стр. 756

قلبه، وأعمى عين بصيرته، وأركسه بلبسه الأمر، وجعل التوحيد تشبيهًا، والتشبيه تعظيمًا وطاعة، فالمشرك مشبه للمخلوق بالخالق في خصائص الإلهية، فإن من خصائص الإلهية التفرد بملك الضر، والنفع، والعطاء، والمنع، وذلك يوجب تعليق الدعاء، والخوف، والرجاء، والتوكل به وحده، فمن علق ذلك بمخلوق فقد شبهه بالخالق، وجعل من لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا أفضل من غيره تشبيهًا بمن له الأمر كله، ... فمن أقبح التشبيه تشبيه هذا العاجز الفقير بالذات بالقادر الغني بالذات" (١). ويقول أيضًا: "وإنما كان التمثيل والتشبيه في الأمم حيث شبهوا أوثانهم ومعبوديهم به في الإلهية، وهذا التشبيه هو أصل عبادة الأصنام، فأعرض عنه وعن بيان بطلانه أهل الكلام، وصرفوا العناية إلى إنكار تشبيهه بالخلق الذي لم تعرف أمة من الأمم عليه، وبالغوا فيه حتى نفوا به عنه صفات الكمال. وهذا موضع مهم نافع جدًا، به يعرف الفرق بين ما نزَّه الرب سبحانه نفسه عنه وذم به المشركين المشبهين العادلين به خلقه، وبين ما ينفيه الجهمية المعطلة من صفات كماله، ويزعمون أن القرآن دل عليه وأريد به نفيه. والقرآن مملوء من إبطال أن يكون في المخلوقات ما يشبه الرب تعالى، أو يماثله، فهذا هو الذي قصد بالقرآن إبطالًا لما عليه المشركون والمشبهون العادلون بالله تعالى غيره" (٢). ثالثًا: أن تشبيه المخلوق بالخالق في شيء من خصائصه، أو وصف الخالق بصفات المخلوق يُعَدُّ كفرًا بواحًا وشركًا صراحًا لا نصيب

стр. 757

لصاحبه في إسلام ولا دين، وذلك لما اشتمل عليه من تَنَقُّص الرب ، ورفع للمخلوق فوق منزلته، بل هو تأليه للمخلوق ومساواته بالله العلي العظيم. يقول الشيخ سليمان آل الشيخ: "وما الظن والاحتمال فيمن شَبَّه المخلوق بالخالق في خصائص ألوهيته؛ من دعائه بما لا يقدر على دفعه أو جلبه إلا الله وحده، والتوكل عليه، ورجاؤه، والالتجاء إليه، وذبح القربان والنذر له؛ ليدفع عنه ما حَلَّ به، أو ينال ما أمَّله منه، إما معتقدًا في الضرر والنفع، والعطاء والمنع، وإما راجيًا شفاعته متقربًا بعبادته، فهل له احتمال واحد مُؤَدٍّ إلى الإيمان مع هذا الكفر الحقيقي والبهتان، فإن هذا الاعتقاد مناف لقوله الكلمة الطيبة، وإقراره بها في مجرد اللسان، وإذًا فلا يصح منه سائر ما عمله ظاهرًا من بقية الأركان" (١).

стр. 758

المبحث الثاني قاعدة الشرك هو التسوية بين الله وغيره في شيء من خصائصه وحقه وفيه مسائل: * المسألة الأولى * شرح ألفاظ القاعدة أولًا: معنى الشرك لغة: الشِّرْكُ: مشتق من أصل لغوي ثلاثي هو (شرك)، يقال: (شَرَكَه)، و (شَرَّكه)، و (أَشْرَكَه شِرْكًا وإِشْراكًا) والجمع (أَشْرَاك)، ويقال: (شَريكٌ) وجمعه (شُرَكَاء) وقيل: (أَشْرَاكٌ)، وشريك الرجل ومشاركه سواء. ومادة (الشرك) تدل على مقارنة وخلاف انفراد، بأن يكون الشيء بين اثنين لا ينفرد به أحدهما، ويقال: (شَارَكْتُ) فلانًا في الشيء: إذا صرت شريكه، و (أَشْرَكْتُ) فلانًا و (شَرَّكْتُه) إذا جعلته شريكًا لك، قال جلَّ ثناؤه: ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢)﴾ [طه: ٣٢]، وأشركه في الأمر: أدخله معه فيه، و (أَشْرَكَ) بالله تعالى: (شَرَّك) في عمله غير الله. والشِّرْكَة والمُشَاركَة: خلط الملكين، وقيل: هو أن يوجد شيء

стр. 759

لاثنين فصاعدًا عينًا كان ذلك الشيء أو معنى، وقيل: هو الاختلاط على الشيوع أو على المجاورة. والشرك بدون الهاء: النصيب تسمية بالمصدر، قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [فاطر: ٤٠]؛ أي: نصيب (١). ثانيًا: معنى التسوية: التسوية مشتقة من أصل لغوي ثلاثي هو (سوى)، وسَاوَاه وَسَوّاهُ تَسْوِيَةً وأسْواهُ: جَعَلَهُ سَوِيًّا، وتقول: استوى الشيئان وتساويا، وساوى أحدهما صاحبه، وفلان يساويك في العلم، وساوى بين الشيئين وسوى بينهما، وساويت هذا بهذا وسويته. وأصل مادتها يدل على استقامة واعتدال بين شيئين، يقال: هذا لا يساوي كذا؛ أي: لا يعادله، وفلان وفلان على سوية من هذا الأمر؛ أي: سواء، والسَّي المُسَاوِي مثل عَدْل ومُعَادل، تقول سيان زيد وعمرو، وأسواء جمع سَي نحو نقض وأنقاض، يقال قوم أسواء ومستوون، والمساواة أصلها من ساواه في القدر. وساواه مساواة: ماثله وعادله قدرًا أو قيمة، والسواء: العدل، وسواء الشيء: وسطه، وسواء الشيء: غيره، وتَسْوِيَةُ الشيءِ جَعْلَه سَواء إمَّا في الرّفْعَةِ أَو في الضِّعَةِ، ويقال: ساوَى الشيءُ الشيءَ إذا عادَلَه، وساوَيْتُ بين الشيئين إذا عَدَلْتَ بينهما وسَوّيتَ، ويقال: تَساوَت الأمورُ واستوتْ وتساوَى الشيئان واستَوَيا بمعنًى واحد (٢).

стр. 760

* المسألة الثانية * معنى القاعدة تضمنت القاعدة بيان حقيقة الشرك الشرعية، وبيان أحد أركانه التي لا ينفك عنها البتة، وهو بمثابة الضابط والميزان لكل ما يعتبر شركًا بالله العظيم، ألا وهو التسوية الحاصلة بين الله تعالى وبين من أُشْرِكَ معه فيما يختص به في الذات أو الصفات أو الأفعال أو الحقوق (١). وبحسب هذه الأنواع يتنوع الشرك بالله العظيم؛ فمن سَوَّى بين الله وغيره في ذاته وأفعاله، أو في أسمائه وصفاته كان واقعًا في شرك الربوبية. يقول الإمام يحيى بن أبي الخير العمراني: "وقد أخبر الله بضلال من سوى بين الله وبين خلقه بشيء فقال تعالى إخبارًا عن أهل النار: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨)﴾ [الشعراء: ٩٧، ٩٨]، ومن سمى غير الله خالقًا لشيء من الأشياء فقد سوى غير الله بالله، وقد قال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] " (٢). ومن وقع في تسوية الله تعالى مع أحد من خلقه -مهما كان- في شيء من خصائصه وحقوقه، واستحقاقه للعبادة، والخضوع والمحبة له فإنه يكون بذلك واقعًا في شرك الألوهية والعبادة. والتسوية في الخصائص والحقوق المشار إليها في القاعدة تَعُم جميع ما اختص به سبحانه في الذات أو الصفات أو الأفعال، أو

стр. 761

استحقاق العبادة، وعليه فيكون الشرك عمومًا في أنواعه الثلاثة لا يخلو من تسوية بين الخالق والمخلوق في شيء يختص بالخالق، كما سبق تقريره، بل حتى الشرك الأصغر لا يخلو من هذه التسوية كما سيأتي بيانه في قاعدة مستقلة (١). وهذه التسوية والعدل هما أعظم الظلم وأقبحه؛ بل لا يوجد عدل ولا تسوية في الكون أشنع ولا أظلم منها؛ إذ هي تسوية بين أشد الأمور مفارقة واختلافًا وتنافرًا، تسوية بين التراب ورب الأرباب، تسوية بين العاجز الضعيف الفقير بالذات والغني القوي القادر بالذات، تسوية بين من لا نعمة إلا وهي منه، ومن لا نعمة منه أصلًا ولا ملكًا وإيجادًا (٢). يقول الإمام ابن القيم في شأن تسوية المشركين بين الله تعالى وبين معبوداتهم: "ومعلوم أنهم ما سووهم به سبحانه في الخلق، والرزق، والإماتة، والإحياء، والملك، والقدرة، وإنما سووهم به في الحب، والتأله، والخضوع لهم، والتذلل، وهذا غاية الجهل والظلم، فكيف يسوى من خُلِقَ من التراب برب الأرباب، وكيف يسوى العبيد بمالك الرقاب، وكيف يسوى الفقير بالذات، الضعيف بالذات، العاجز بالذات، المحتاج بالذات، الذي ليس له من ذاته إلا العدم بالغني بالذات، القادر بالذات، لذي غناه، وقدرته، وملكه، وجوده، وإحسانه، وعلمه، ورحمته، وكماله المطلق التام من لوازم ذاته، فأي ظلم أقبح من هذا، وأي حكم أشد جورًا منه، حيث عدل من لا عدل له بخلقه ... فيا لك من عدل تضمن أكبر الظلم وأقبحه" (٣). واعلم أن القسط والعدل والتسوية بين الشيئين تُحْمَد بل وتجب إن

стр. 762

كانت بين أمرين متماثلين، وتذم وتشان، ويعظم جرمها وتزداد شناعتها، ونفرة النفوس منها، إن كانت بين الشيء وضده، والشيء ونقيضه، والشيء وخلافه، وكانت حينئذٍ من أعظم الظلم وأحلك الظلام، وأقبح الإفك ومنكر البهتان، إذ هي تسوية بين ما علم بالاضطرار في دلالات الفطر (١) والعقول فسادها وتعارضها وتناقضها واضطرابها؛ ولأنَّها تسوية بين ما فرَّق الشارع بينهما بمقتضى عدله وحكمته، فلا يستويان أبدًا؛ لا عند الله ولا عند رسوله ولا عند أولي النهى من الناس (٢). يقول الإمام ابن تيمية: "والقسط والعدل: هو التسوية بين الشيئين؛ فإن كان بين متماثلين كان هو العدل الواجب المحمود، وإن كان بين الشيء وخلافه كان من باب قوله: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ [الأنعام: ١] كما قالوا لقد: ﴿ ... كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨)﴾، فهذا العدل والتسوية والتمثيل والإشراك هو الظلم العظيم" (٣). ويقول الشيخ السعدي -مبينًا فساد تسوية الخالق بالمخلوق، ومنع ذلك بالعقل والنقل والفطرة-: "وزعموا -أي: المشركون- بعقولهم الفاسدة، ورأيهم السقيم أن الملوك كما أنه لا يوصل إليهم إلا بوجهاء وشفعاء، ووزراء، يرفعون إليهم حوائج رعاياهم، ويستعطفونهم عليهم، ويمهدون لهم الأمر في ذلك أن الله تعالى كذلك، وهذا القياس من أفسد الأقيسة، وهو يتضمن التسوية بين الخالق والمخلوق، مع ثبوت الفرق

стр. 763

العظيم عقلًا ونقلًا وفطرةً" (١). * المسألة الثالثة * أدلة القاعدة مما يدل على تقرير معنى القاعدة ما يلي: أولًا: الأدلة التي بينت حقيقة شرك المشركين، وأنه تضمن التسوية والعدل بين الله وبين أحد من خلقه، ومن تلك النصوص ما يلي: قوله تعالى في شأن الكافرين وحكاية حالهم في جهنم: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣) فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥) قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (٩٩) فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١)﴾ [الشعراء: ٩٢ - ١٠١]. فذكروا أن ضلالهم، وهلاكهم، وعذابهم في النار كان بسبب تسويتهم الأصنام والأنداد بالله تعالى، وأنهم استحقوا الخلود في النيران من أجل هذه التسوية في العبادة والمحبة والذل والخضوع، كما نص على ذلك جمع من أهل العلم. ثم ذكر سبحانه ما دار من الخصومة بينهم، وقد عادوا على أنفسهم باللوم، وهم في أشد الحسرة، وأعظم الندم، قائلين لمعبوداتهم: كيف استجبنا لكم أيها المعبودون وعظمناكم تعظيم المعبود الحق، وسويناكم برب العالمين، فجعلناكم وإيَّاه سواءً في استحقاق العبادة. وهذا يدل على أن حقيقة شرك المشركين: هو تسوية الله بغيره في شيء من خصائصه وحقوقه. يقول ابن القيم عن قول المشركين وهم في النار: "فاعترفوا أنهم

стр. 764

كانوا في أعظم الضلال وأبينه إذ جعلوا لله شبهًا وعدلًا من خلقه سووهم به في العبادة والتعظيم" (١). والحاصل أنهم بقسمهم هذا قد حكموا على أنفسهم بالضلال المبين؛ بسبب تسوية أصنامهم بالله تعالى في العبادة، والمحبة، والخوف، والرجاء، ودعائهم لأندادهم كما يدعونه ، فتبين لهم حينئذٍ ضلالهم، وأقروا بعدل الله في عقوبتهم، وأنها في محلها، وهم لم يسووهم برب العالمين إلا في استحقاق العبادة لا في الخلق، بدليل قولهم: ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨)﴾: فهم مقرون أن الله رَبُ العالمين كلهم الذين من جملتهم أصنامهم وأوثانهم (٢). وبذلك يظهر المقصود من اشتمال الشرك وَتَضمُّنِهِ لمعنى التسوية والعدل. وقوله سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ [الأنعام: ١] وهذا العدل هو التسوية بين الله وبين الآلهة في المحبة والميل والخضوع والعبادة والتعظيم، مما يدل على أن شركهم راجع إلى تسوية الخالق بالمخلوق. ثانيًا: الأمثال التي ضربها الله تعالى، والدالة على إبطال شرك المشركين بنفي التسوية بين الله تعالى وبين معبوداتهم في الذات والصفات والأفعال والخصائص والحقوق، وهذا يوضح أن شركهم أصله من هذه التسوية الواقعة منهم؛ ومن تلك النصوص ما يلي: قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ

стр. 765

أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (١٦)﴾ [الرعد: ١٦]. دلت الآية على إبطال اتخاذ المشركين أولياء من دونه بعد إقرارهم بأن الله رب السموات والأرض، ولتوضيح هذا المعنى وتجليته ضرب الله مثلًا لذلك؛ فنفى التسوية بين الأعمى والبصير، والظلمات والنور، ولا شك أن التفريق بين هذه الأمور من المسلمات المقطوع بها عقلًا لا يشك فيها ذو عينين، والتسوية بينها من منكرات العقول التي تنكرها القلوب بفطرتها، وهي من المقدمات البديهية المستقرة فيها، والمقصود من ذلك إنكار التسوية الواقعة منهم بين الله تعالى وبين معبوداتهم وأوثانهم، فَفَرَّق بين المعبود الغافل -وهي الأوثان- والمعبود العالم بكل شيء -وهو الرب تعالى-، وهذا يدل على أن حقيقة ما وقعوا فيه من الشرك هو تسوية معبوداتهم بالله ﵎ (١). ثم أكد هذا التباين والاختلاف بينه وبين الأصنام في أفراد الربوبية من الخلق والإيجاد، فنفى استحقاقهم للألوهية، ومساواتهم لله تعالى في العبادة بنفي اتصافهم ومساواتهم لله في شيء من أفراد الربوبية، والتي هي مُوْجِب العبادة ولازم استحقاقها. يقول الإمام ابن تيمية: "وأعظم من ذلك أنه بين الفرق بين الخالق والمخلوق، وأن المخلوق لا يجوز أن يُسَوِّي بين الخالق والمخلوق في شيء، فيجعل المخلوق ندًّا للخالق، وضرب الأمثال في القرآن على من لم يفرق، بل عدل بربه، وسوى بينه وبين خلقه" (٢). ويقول الإمام ابن كثير في معنى الآية: "أي: أجعل هؤلاء المشركون مع الله آلهة تناظر الرب وتماثله في الخلق، فخلقوا كخلقه

стр. 766

فتشابه الخلق عليهم، فلا يدرون أنها مخلوقة من مخلوق غيره، أي: ليس الأمر كذلك؛ فإنه لا يشابهه شيء، ولا يماثله، ولا ند له، ولا عدل له، ولا وزير له، ولا ولد، ولا صاحبة، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، وإنما عبد هؤلاء المشركون معه آلهة هم معترفون أنها مخلوقة له، عبيد له، كما كانوا يقولون في تلبيتهم: (لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ) (١) " (٢). والمعنى: أنهم لم يجعلوا لله تعالى شركاء في الخلق فتشابه الخلق عليهم بسبب ذلك، ولا قالوا: هؤلاء خلقوا كخلقه فاستحقوا بذلك العبادة كما استحقها سبحانه ليكون ذلك منشأ لخطئهم، بل إنما جعلوا له شركاء ما هو بمعزل من ذلك بالمرة، فلا مساواة بينهما لا في الخلق ولا في استحقاق العبادة (٣). يقول الشيخ السعدي مبينًا أن اتخاذ الأنداد من دون الله تسوية بين الله وبينها: "وهؤلاء -أي: المعبودات- لا يملكون ولا يقدرون، فهذه صفة آلهتهم كيف جعلوها مع الله، وشبهوها بمالك الأرض والسموات، الذي له الملك كله، والحمد كله، والقوة كلها، ولهذا قال: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل: ٧٤]: المتضمنة للتسوية بينه وبين خلقه" (٤). ويقول الشيخ الشنقيطي في تقرير هذا المعنى: "ألقم الله تعالى المشركين في هذه الآيات حجرًا بأن الشركاء التي يعبدونها من دونه لا

стр. 767

قدرة لها على فعل شيء، وأنه هو وحده جل وعلا الذي يبدؤ الخلق ثم يعيده بالإحياء مرة أخرى، وأنه يهدي من يشاء .... -ثم ذكر جملة من الآيات المؤيدة لذلك ثم قال:- والآيات في مثل ذلك كثيرة، ومعلوم أن تسوية ما لا يضر ولا ينفع ولا يقدر على شيء مع من بيده الخير كله المتصرف بكل ما شاء لا تصدر إلا ممن لا عقل له" (١). فأقام الحجة على المشركين بما يبطل شركهم بالله، وتسويتهم غيره به في العبادة بضرب الأمثال وغير ذلك، وهذا في القرآن كثير (٢). وهذا يدل على أن شركهم كان بسبب تسويتهم معبوداتهم التي لا تضر ولا تنفع مع الرب ﵎ الذي بيده الخير كله. ومن ذلك قوله : ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٧٥) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٦)﴾ [النحل: ٧٥، ٧٦]. في هذه الآيات ضرب الله مثلين نفى بهما التسوية بين أمور مستقر التفريق بينها في الفطر والعقول، والقصد منها نفي وإبطال التسوية التي وقع فيها المشركون بين الله تعالى وبين أصنامهم وأوثانهم، فالنفي لحقيقة ذلك ووقوعه لا لنفي الواقع الذي تلبسوا به. وضرب هذين المثلين يدل على أن أصل شرك المشركين التسوية بين الخالق والمخلوق في الخصائص والحقوق.

стр. 768

قال مجاهد: "ضرب الله هذا المثل والمثل الآخر بعده لنفسه والآلهة التي تعبد من دونه" (١). يقول الإمام ابن تيمية في معنى المثلين: "كلاهما مثل بين الله فيه أنه لا يستوي هو وما يشركون به، كما ذكر نظير ذلك في غير موضع، وإن كان هذا الفرق معلومًا بالضرورة لكل أحد، لكن المشركون مع اعترافهم بأن آلهتهم مخلوقة مملوكة له يسوون بينه وبينها في المحبة والدعاء والعبادة ونحو ذلك" (٢). ويقول الإمام ابن القيم في معنى المثل الثاني المتعلق بالأبكم: "فهذا مثل ضربه الله للأصنام التي لا تسمع، ولا تنطق، ولا تعقل، وهي كَلٌّ (٣) على عابدها، يحتاج الصنم إلى أن يحمله عابده، ويضعه، ويقيمه، ويخدمه، فكيف يسوونه في العبادة بالله الذي يأمر بالعدل والتوحيد، وهو قادر متكلم غني، وهو على صراط مستقيم في قوله وفعله، فقوله صدق ورشد ونصح وهدى، وفعله حكمة وعدل ورحمة ومصلحة، هذا أصح الأقوال في الآية، وهو الذي لم يذكر كثير من المفسرين غيره" (٤). ويقول الشيخ السعدي: "فلهذا ضرب تعالى مثلين له ولمن يُعْبَدُ من دونه؛ أحدهما: عبد مملوك؛ أي: رقيق لا يملك نفسه، ولا يملك من المال والدنيا شيئًا، والثاني: حُرٌّ غنيٌ قد رزقه الله منه رزقًا حسنًا من جميع أصناف المال، وهو كريم محب للإحسان، فهو ينفق منه سرًا

стр. 769

وجهرًا، هل يستوي هذا وذاك، لا يستويان مع أنهما مخلوقان، وغير محال استواؤهما، فإذا كانا لا يستويان فكيف يستوي المخلوق والعبد الذي ليس له ملك، ولا قدرة، ولا استطاعة، بل هو فقير من جميع الوجوه بالرب المالك لجميع الممالك، القادر على كل شيء ... فكأنه قيل إذا كان الأمر كذلك فَلِمَ سوَّى المشركون آلهتهم بالله ... والمثل الثاني: مثل رجلين أحدهما أبكم لا يسمع، ولا ينطق، ولا يقدر على شيء؛ لا قليل ولا كثير، وهو كَلٌّ على مولاه؛ أي: يخدمه مولاه، ولا يستطيع هو أن يخدم نفسه، فهو ناقص من كل وجه، هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل، وهو على صراط مستقيم، فأقواله عدل، وأفعاله مستقيمة، فكما أنهما لا يستويان فلا يستوي من عبد من دون الله، وهو لا يقدر على شيء من مصالحه، فلولا قيام الله بها لم يستطع شيئًا منها، ولا يكون كفوًا، ولا ندًّا لمن لا يقول إلا الحق، ولا يفعل إلا ما يحمد عليه" (١). والمقصود من هذين المثلين الاستدلال بعدم تساوي هذه المذكورات على امتناع التساوي بينه سبحانه وبين ما يجعلونه شريكًا له (٢)، وهذا يدل على أن حقيقة ما وقعوا فيه هو التسوية بين الخالق والمخلوق. * المسألة الرابعة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة لقد تضافرت أقوال العلماء على تأييد معنى القاعدة ولفظها، وذلك انطلاقًا من اهتمامهم بأصل الإسلام الذي هو التوحيد، ومعرفة حقيقة ما

стр. 770

يناقضه ويضاده من الشرك بأنواعه المختلفة، وفيما يأتي أذكر بعض ما وقفت عليه من ذلك: يقول الإمام ابن القيم مبينًا حقيقة الشرك وشناعته: "الشرك أبغض الأشياء إليه؛ لأنه ينقص هذه المحبة ويجعلها بينه وبين من أشرك به، ولهذا لا يغفر الله أن يشرك به؛ لأن الشرك يتضمن نقصان هذه المحبة والتسوية فيها بينه وبين غيره" (١). ويقول ﵀ أيضًا: "وهو الشرك الذي تضمن تسوية آلهة المشركين برب العالمين" (٢). ويقول الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ في بيانه لحقيقة الشرك بالله العظيم: "فتسوية المخلوق بالخالق بصرف حقه لمن لا يستحقه من خلقه، وجعله شريكًا له فيما اختص به تعالى وتقدس هو أعظم ذنب عصي الله تعالى به" (٣). ويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: "وتسوية المخلوق بالخالق بكل نوع من العبادة شرك" (٤). ويصف الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ الشرك بكونه تسوية فيقول: "فكيف بالشرك الأكبر وما فيه التسوية بين الله وبين عباده في خالص حقه؟ " (٥). ويقول أيضًا -واصفًا للشرك بالتسوية- في معرض كلامه على المتنقصين لأهل العلم والتقى، والمستحلين لأعراض خيار الأمة وأئمتها: "الذين يأمرون بعبادة الله وحده لا شريك له، ويدعون إلى ذلك، وينهون عن الشرك به، واتخاذ الأنداد معه، والتسوية بينه وبين

стр. 771

غيره، فيما يستحقه على عباده، ويختص به من العبادات الباطنة والظاهرة، كالحب والخضوع، والخوف، والرجاء، والاستعانة، والاستغاثة، والإنابة، والتوكُّل، والطاعة والتقوى، وغير ذلك من أنواع العبادات والطاعات" (١). ويقول الشيخ عبد الرحمن بن قاسم: "وتسوية المخلوق بالخالق في نوع من أنواع العبادة شرك، فإن كان في الأصغر -مثل هذا- (٢) فهو أصغر، وإن كان في الأكبر فهو أكبر" (٣). ويقول أيضًا: "والشرك: تسوية غير الله بالله فيما هو من خصائص الله" (٤). * المسألة الخامسة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها يمكن الاستفادة من القاعدة وتطبيقها في نواح عديدة، ومن ذلك: أولًا: أن جميع أنواع الشرك لا تخلو من تسوية بين الخالق والمخلوق، فإن كانت فيما يتعلق بأفراد الشرك الأصغر كانت هذه التسوية شركًا أصغر، وإن كانت فيما يتعلق بأفراد الشرك الأكبر أخذت حكم الشرك الأكبر. يقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن في كلامه على حديث حذيفة

стр. 772

عَنْ النَّبِيّ ﷺ قَالَ: "لَا تَقُولُوا مَا شَاءَ اللهُ وَشَاءَ فُلَانٌ وَلَكِنْ قُولُوا مَا شَاءَ اللهُ ثُمَّ شَاءَ فُلَانٌ" (١)، قال: "وذلك لأن المعطوف بـ (الواو) يكون مساويًا للمعطوف عليه؛ لكونها إنما وضعت لمطلق الجمع، فلا تقتضي ترتيبًا ولا تعقيبًا، وتسوية المخلوق بالخالق شرك إن كان في الأصغر -مثل هذا- فهو أصغر- وإن كان في الأكبر فهو أكبر، ... بخلاف المعطوف بثم؛ فإن المعطوف بها يكون متراخيًا عن المعطوف عليه بمهملة، فلا محذور لكونه صار تابعًا" (٢). وهذا يدل على أن التسوية بين الخالق والمخلوق لا تجوز ولو كانت في مجرد اللفظ؛ لأنَّها قد تكون ذريعة إلى اعتقادات القلوب، وإرادات النفوس، وسدًّا لذريعة التشريك في المعنى بالتشريك في اللفظ، وحسمًا لمادة الشرك حتى في اللفظ (٣). ثانيًا: أفادت القاعدة أن ضابط الشرك بالله تعالى ومرجعه الذي يدور حوله هو التسوية الحاصلة بين الخالق والمخلوق، سواء كانت بالاعتقاد القلبي، أو باللسان، أو بالفعل، فمن اعتقد التسوية بين الخالق والمخلوق فيما يختص بالخالق أو يختص بالمخلوق، في الذات أو الصفات أو الأفعال، أو صرح بها بلسانه، أو فعل فعلًا يقتضيها ويؤول إليها كان واقعًا في الشرك بالله تعالى. وبذلك يحكم على جميع الاعتقادات والأقوال والأعمال المتضمِّنة

стр. 773

لهذه التسوية بأنها شرك بالله العظيم بحسب حال هذه التسوية. ويدخل في ذلك جميع العبادات من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة التي يحبها الله تعالى، وقد أمر بها سبحانه ورغَّب فيها، فهذه إذا صرفت لغير الله تعالى وقعت التسوية بين الخالق والمخلوق. ومن ذلك ما يفعله من يغلو في القبور؛ من الخضوع للأولياء في أضرحتهم كخضوعهم للملك الجبار، مع شدة المحبة والرهبة والخوف من غضبهم، بل ألبسوهم بعض صفات الباري من السمع المطلق والبصر المطلق، والقدرة المطلقة، وغير ذلك، وسووهم بالله تعالى في صفاته وأفعاله وحقوقه. وقد استفحل هذا الداء العضال، واستشرى بين أهل الإسلام، ولا يكاد يخلو منه قطر من أقطار المسلمين إلا وتجده يسري فيهم سريان النار في الهشيم، وكأنه هو الدين الذي بعث به محمد بن عبد الله ﵇، كل ذلك بسبب الجهل العظيم بحقيقة دين الإسلام وما بعث به خاتم النبيين محمد ﷺ من التوحيد المبين، ودعوة الإسلام الخالصة، وبسبب إيحاء شياطين الإنس والجن إلى هؤلاء الجاهلين أن من لم يحضر إلى قبر الولي الفلاني ويقدم له النذور، وينحر عند قبره الذبائح، أو لم يحضر احتفال مولده حلت عليه اللعنة في حياته وبعد موته، وغشيه السخط، وتتابعت عليه المصائب، ولحقه الأذى في دينه ودنياه. ولا تكاد اللعنة ترفع عنه حتى يراجع نفسه، ويعود إلى قبر الولي خاضعًا متضرعًا ذليلًا يتفطّر فؤاده، وخائفًا راهبًا وراغبًا يرجف قلبه، مقرًّا بجرمه، تائبًا من ذنبه، عازمًا على أن لا يعود إلى سابق ضلاله، وعظيم جفائه. فما أقبح هذه المساواة، وأشنع هذه التسوية بين الخالق العظيم والمخلوق الضعيف. ثالثًا: دلت القاعدة على أن الشرك تسوية بين الخالق والمخلوق،

стр. 774

وهذه التسوية بين الخالق العظيم والمخلوق الحقير هي الظلام الأكبر، والضلال الأبعد، والظلم المبين، الذي استحق العبد بسببه العذاب المستديم، والخلود في الجحيم، لما اقترفه من القدح في عظمة الربوبية، والتنقيص من جلال الألوهية. يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي: "وهو أن الشرك لا يغفره الله تعالى؛ لِتَضمُّنِهِ القدح في رب العالمين، ووحدانيته، وتسوية المخلوق الذي لا يملك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا بمن هو مالك النفع والضر، الذي ما من نعمة إلا منه، ولا يدفع النقم إلا هو، الذي له الكمال المطلق من جميع الوجوه، والغنى التام بجميع وجوه الاعتبارات، فمن أعظم الظلم وأبعد الضلال عدم إخلاص العبادة لمن هذا شأنه وعظمته، وصرف شيء منها للمخلوق الذي ليس له من صفات الكمال شيء، ولا له من صفات الغنى شيء، بل ليس له إلا العدم؛ عدم الوجود، وعدم الكمال، وعدم الغنى من جميع الوجوه" (١). رابعًا: أن التسوية بالألفاظ بين الله تعالى وبين خلقه توقع في ذرائع الشرك بالله تعالى وأسبابه، وهي دائرة بين أنواع الشرك الأكبر والأصغر بحسب اللفظ والقصد والنية؛ كقولك: ما شاء الله وشاء فلان، وهذا لله ولك.

стр. 775

المبحث الثالث قاعدة الخوف الشركي أن يخاف العبد من غير الله أن يصيبه مكروه بمشيئته وقدرته وإن لم يباشره وفيه مسائل: * المسألة الأولى * شرح ألفاظ القاعدة معنى الخوف وأنواعه: الْخَوْفُ مشتق من الأصل اللغوي (خَوِفَ)، يقال: خافَ يَخافُ خَوْفًا، ومنه التخْوِيفُ والإِخافَةُ، وطَرِيقٌ مَخُوْفٌ: يَخافُه الناسُ، ومُخِيفٌ: اسمُ فَاعِل يُخِيْفُ الناسَ، وخائف: ذو خَوْفٍ. وَخَوَّفْتُه: جَعَلْت فيه الخَوْفَ، وصَيَّرْتَه بحالٍ يَخَافُه الناسُ. والخِيْفَةُ: الخَوْفُ، وجَمْعُه خِيفٌ. وأخافَ الثغْرُ فهو مُخِيْفٌ. وخاوَفَني فَخُفْتُه أخُوْفُه. و (أخاف) اللصوص الطريق فالطريق (مُخَاف) على مَفْعَل بضم الميم، ويتعدى بالهمزة، والتضعيف فيقال: أخفته الأمر فخافه، وخوفته إياه فتخوفه (١).
следующие страницы →