← Акыда

Акыда · id 604

القواعد في توحيد العبادة

محمد بن عبد الله باجسير

Полный текст (1 131 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

وجه الدلالة: أنه لما كانت صلاة النبي ﷺ في هذه الأمكنة حصلت بحكم الاتفاق، ولم يقصد ﷺ ذات هذه الأمكنة بعبادة تخصها رأى عمر أن مشاركة النبي ﷺ في صورة العمل دون الموافقة له في القصد والنية ليست من الاتباع والتأسي في شيء، بل جعل ذلك من المشابهة لليهود والنصارى الذين اتخذوا آثار أنبيائهم مساجد. يقول الإمام ابن تيمية: "فلما كان النبي ﷺ لم يقصد تخصيصه بالصلاة فيه، بل صلى فيه لأنه موضع نزوله رأى عمر أن مشاركته في صورة الفعل من غير موافقة له في قصده ليس متابعة، بل تخصيص ذلك المكان بالصلاة من بدع أهل الكتاب التي هلكوا بها، ونهى المسلمين عن التشبه بهم في ذلك، ففاعل ذلك متشبه بالنبي ﷺ في الصورة، ومتشبه باليهود والنصارى في القصد الذي هو عمل القلب، وهذا هو الأصل؛ فإن المتابعة في السُّنَّة أبلغ من المتابعة في صورة العمل" (١)، ويوضحه: ثالثًا: أن متابعة النبي ﷺ والتأسي به المعتبران شرعًا (٢)، إنما يكونان بالاقتداء به وموافقته في صورة العمل الظاهرة مع المشاركة له في القصد والنية، أما مجرد الموافقة الظاهرية بدون المشاركة في النية فلا يعد من المتابعة ولا التأسي في شيء، وعليه فما كان من الأفعال عبادة في حق النبي ﷺ وقصد به التعبد صار عبادة في حق أمته، وما تركه تعبدًا صار تركه في حق أمته عبادة.

стр. 702

يقول الإمام ابن تيمية: "فعلم أنه لا بد في المتابعة للنبي ﷺ من اعتبار القصد والنية؛ فإنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" (١). ويستطرد الآمدي مفصلًا وشارحًا لمسألة المتابعة والتأسي بأفعال النبي الكريم ﷺ بقوله: "المقدمة الثانية: في معنى التأسي والمتابعة والموافقة والمخالفة؛ إذ الحاجة داعية إلى معرفة ذلك فيما نرومه من النظر في مسائل الأفعال. أما التأسي بالغير فقد يكون في الفعل والترك. أما التأسي في الفعل: فهو أن تفعل مثل فعله على وجهه، من أجل فعله. فقولنا: (مثل فعله)؛ لأنه لا تأسي مع اختلاف صورة الفعل كالقيام والقعود. وقولنا: (على وجهه): معناه المشاركة في غرض ذلك الفعل ونيته؛ لأنه لا تأسي مع اختلاف الفعلين في كون أحدهما واجبًا والآخر ليس بواجب، وإن اتحدت الصورة. وقولنا: (من أجل فعله)؛ لأنه لو اتفق فعل شخصين في الصورة والصفة ولم يكن أحدهما من أجل الآخر كاتفاق جماعة في صلاة الظهر مثلًا، أو صوم رمضان اتباعًا لأمر الله تعالى؛ فإنه لا يقال بتأسي البعض بالبعض. وعلى هذا فلو وقع فعله في مكان أو زمان مخصوص فلا مدخل له في المتابعة والتأسي؛ وسواء تكرر أو لم يتكرر؛ إلا أن يدل الدليل على اختصاص العبادة به؛ كاختصاص الحج بعرفات، واختصاص الصلوات بأوقاتها.

стр. 703

وأما التأسي في الترك: فهو ترك أحد الشخصين مثل ما ترك الآخر من الأفعال على وجهه وصفته؛ من أجل أنه ترك. وأما المتابعة فقد تكون في القول وقد تكون في الفعل والترك؛ فاتباع القول: هو امتثاله على الوجه الذي اقتضاه القول. والاتباع في الفعل: هو التأسي بعينه. وأما الموافقة: فمشاركة أحد الشخصين للآخر في صورة قول، أو فعل، أو ترك، أو اعتقاد، أو غير ذلك؛ وسواء كان ذلك من أجل ذلك الآخر، أو لا من أجله. وأما المخالفة: فقد تكون في القول، وقد تكون في الفعل والترك، فالمخالفة في القول: ترك امتثال ما اقتضاه القول. وأما المخالفة في الفعل: فهو العدول عن فعل مثل ما فعله الغير مع وجوبه؛ ولهذا فإن من فعل فعلًا ولم يجب على غيره مثل فعله لا يقال له: إنه مخالف في الفعل بتقدير الترك؛ ولذلك لم تكن الحائض مخالفة بترك الصلاة لغيرها" (١). ويقول أبو الحسين البصري (٢): "أما التأسي بالنبي ﷺ فقد يكون في فعله، وفي تركه؛ أما التأسي به في الفعل: فهو أن نفعل صورة ما فعل، على الوجه الذي فعل، لأجل أنه فعل، والتأسي في الترك: هو أن نترك مثل ما ترك، على الوجه الذي ترك، لأجل أنه ترك، وإنما شرطنا أن تكون صورة الفعل واحدة؛ لأنه ﷺ لو صام وصلينا لم نكن متأسين

стр. 704

به، وأما الوجه الذي وقع عليه الفعل فهو الأغراض والنيات، فكل ما عرفناه أن غرض في الفعل اعتبرناه، ويدخل في ذلك نية الوجوب والنفل، ألا ترى أنه لو صام واجبًا فتطوعنا بالصوم لم نكن متأسين به، وكذلك لو تطوع بالصوم فافترضنا به، وإذا لم يكن له في الفعل غرض مخصوص لم يجب اعتباره؛ لأنه لو أزال النجاسة لا لأجل الصلاة لم يجب إذا تأسينا بها في إزالتها أن ننوي به ذلك، وقد يدخل المكان والزمان في الأغراض، وقد لا يدخلان فيه، فمتى علمنا كونهما غرضين اعتبرناهما وإلا لم نعتبر؛ أمثال ذلك: الوقوف بعرفة، وصوم شهر رمضان، وصلاة الجمعة. وإنما شرطنا أن نفعل الفعل لأنه ﷺ لو صلى فصلى مثل صلاته رجلان من أمته؛ لأجل أنه صلى لوصف كل واحد منهما بأنه متأس به ﷺ ، ولا يوصف كل واحد منهما بأنه متأسٍ بالآخر" (١). ويقول أبو بكر الجصاص في معنى التأسي به ﷺ : "لأن التأسي به: هو أن نفعل مثل ما فعل، ومتى خالفناه في اعتقاد الفعل، أو في معناه لم يكن ذلك تأسيًا به؛ ألا ترى أنه إذا فعله على الندب وفعلناه على الوجوب كنا غير متأسين به، وإذا فعل ﷺ فعلًا لم يجز لنا أن نفعله على اعتقاد الوجوب فيه حتى نعلم أنه فعله على ذلك، فإذا علمنا أنه فعله على الوجوب لزمنا فعله على ذلك الوجه" (٢). ويقول الشاطبي: "والتأسي: إيقاع الفعل على الوجه الذي فعله" (٣). رابعًا: ومما يدل على صحة القاعدة: أن التقرب إلى الله بفعله ﷺ الذي فعله بدافع الجبلة والعادة، ولم يفعله تعبدًا لله تعالى يؤدي

стр. 705

بلا شك إلى تبديل الشريعة، واعتقاد ما ليس بعبادة أنه عبادة، وما ليس بسنَّة أنه سُنَّة، ويجري الأمر في جانب الترك كذلك، فيعتقد فيما تركه النبي ﷺ على جهة العادة أو العرف أنه عبادة يتقرب إلى الله بها، ولا شك أن هذا من أعظم أسباب الولوج في البدع، وعمله مردود عليه. يقول الإمام ابن تيمية في مسألة النذر بالمباحات: "كذلك لا يؤمر الناذر أن يفعلها، فمن فعلها على وجه التعبد بها، والتقرب، واتخاذ ذلك دينًا وطريقًا إلى الله تعالى فهو ضال جاهل، مخالف لأمر الله ورسوله، ومعلوم أن من يفعل ذلك من نذر اعتكافًا ونحو ذلك إنما يفعله تدينًا، ولا ريب أن فعله على وجه التدين حرام؛ فإنه يعتقد ما ليس بقربة قربة، ويتقرب إلى الله تعالى بما لا يحبه الله، وهذا حرام، لكن من فعل ذلك قبل بلوغ العلم إليه فقد يكون معذورًا بجهله إذا لم تقم عليه الحجة فإذا بلغه العلم فعليه التوبة" (١). ويقول أيضًا فيما يتعلق بالسفر إلى القبور بقصد العبادة: "والسفر إلى القبور إنما يقصد به العبادة، والعبادة إنما تكون بواجب أو مستحب، فإذا حصل الاتفاق على أن السفر إلى القبور ليس بواجب ولا مستحب كان من فعله على وجه التعبد مبتدعًا مخالفًا للإجماع، والتعبد بالبدعة ليس بمباح، لكن من لم يعلم أن ذلك بدعة فإنه قد يعذر، فإذا بينت له السُّنَّة لم يجز له مخالفة النبي ﷺ ، ولا التعبد بما نهى عنه" (٢). ويقول ابن رجب: "فأما العبادات فما كان منها خارجًا عن حكم الله ورسوله بالكلية فهو مردود على عامله، وعامله يدخل تحت قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾

стр. 706

[الشورى: ٢١]، فمن تقرب إلى الله بعمل لم يجعله الله ورسوله قربة إلى الله فعمله باطل مردود عليه" (١). ويقول الإمام الشاطبي: "وهذا فساد عظيم؛ لأن اعتقاد ما ليس بسُنّة سنة، والعمل بها على حد العمل بالسُّنَّة؛ نحوٌ من تبديل الشريعة؛ كما لو اعتقد في الفرض أنه ليس بفرض، أو بما ليس بفرض أنه فرض، ثم عمل على وفق اعتقاده؛ فإنه فاسد، فهب العمل في الأصل صحيحًا؛ فإخراجه عن بابه اعتقادًا وعملًا من باب إفساد الأحكام الشرعية، ومن هنا ظهر عذر السلف الصالح في تركهم سننًا قصدًا؛ لئلا يعتقد الجاهل أنها من الفرائض؛ كالأضحية وغيرها؛ كما تقدم ذلك" (٢). * المسألة الثالثة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة لقد اهتم أهل العلم بهذه القاعدة لما لها من الأثر الكبير في صيانة الشريعة من البدع والمحدثات؛ وذلك لكثرة أفعاله ﷺ التي حصل فيها اللبس، وتنوعت أنظار العلماء حيالها، ومن أكثر من قررها ودندن حولها الإمام ابن تيمية ﵀، وفيما يأتي أذكر ما وقفت عليه من أقواله، وأقوال غيره من أهل العلم في تقرير معنى القاعدة. يقول الإمام ابن تيمية: "فَمَا فَعَلَهُ عَلَى وَجْهِ التَّقَرُّبِ كَانَ عِبَادَةً تُفْعَلُ عَلَى وَجْهِ التَّقَرُّبِ، وَمَا أَعْرَضَ عَنْهُ وَلَمْ يَفْعَلْهُ مَعَ قِيَامِ السَّبَبِ الْمُقْتَضِي لَمْ يَكُنْ عِبادَةً وَلَا مُسْتَحَبًّا. وَمَا فَعَلَهُ عَلَى وَجْهِ الْإِبَاحَةِ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ التَّعَبُّدِ بِهِ كَانَ مُبَاحًا، وَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَسْتَحِبُّ مُشَابَهَتَهُ فِي هَذَا فِي الصُّورَةِ كَمَا

стр. 707

كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ، وأَكْثَرُهُمْ يَقُولُ: إنَّمَا تَكُونُ الْمُتَابَعَةُ إِذَا قَصَدْنا مَا قَصَدَ، وَأَمَّا الْمُشَابَهَةُ فِي الصورَةِ مِنْ غَيْرِ مُشَارَكَةٍ فِى الْقَصْدِ وَالنِّيَّةِ فَلَا تَكُونُ مُتَابَعَةً. فَمَا فَعَلَهُ عَلَى غَيْرِ الْعِبَادَةِ فَلَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يُفْعَلَ عَلَى وَجْهِ الْعِبَادَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمُتَابَعَةِ؛ بَلْ مُخَالَفَةٌ" (١). ويقول أيضًا: "ونحن مأمورون باتباعه ﷺ وذلك بأن نصدقه في كل ما أخبر به، ونطيعه في كل ما أوجبه وأمر به، لا يتم الإيمان به إلا بهذا وهذا، ومن ذلك أن نقتدي به في أفعاله التي يشرع لنا أن نقتدي به، فما فعله على وجه الوجوب، أو الاستحباب، أو الإباحة نفعله على وجه الوجوب، أو الاستحباب، أو الإباحة، وهو مذهب جماهير العلماء، إلا ما ثبت اختصاصه به، فإذا قصد عبادة في مكان شرع لنا أن نقصد تلك العبادة في ذلك المكان" (٢). ويقول أيضًا: "وما فعله النبي ﷺ على وجه التعبد فهو عبادة، يشرع التأسي به فيه، فإذا خَصَّصَ زمانًا أو مكانًا بعبادة كان تخصيصه بتلك العبادة سنة، كتخصيصه العشر الأواخر بالاعتكاف فيها، وكتخصيصه مقام إبراهيم بالصلاة فيه، فالتأسي به أن يفعل مثل ما فعل على الوجه الذي فعل لأنه فعل" (٣). ويقول -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "وأما متابعة الرسول ﷺ فواجب على أمته متابعته في الاعتقادات والأقوال والأفعال، فتوزن الأقوال والأفعال بأقواله وأفعاله، فما وافق منها قُبل، وما خالف رد على فاعله كائنًا من كان" (٤).

стр. 708

* المسألة الرابعة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها بعض ما ظهر لي من الفوائد والإيجابيات يمكن استخلاصها من القاعدة: أولًا: يؤخذ من القاعدة عدم شرعية العبادة في الأماكن أو الأزمان التي تعبد فيها النبي ﷺ ، لأنَّه لم يتقصد تلك الأماكن، ولا تلك الأزمان بإيقاع العبادة فيهما، وإنما حصلت منه ﷺ العبادة بحكم الاتفاق كأن يوافق نزوله في مكان معين، وزمان معلوم فيصلي فيه، ولم يتقصد مكانًا بعينه ولا زمانًا لإيقاع العبادة فيهما، فاتخاذ ذلك المكان وتعيينه وقصده للعبادة، واعتقاد أن له ميزة تخصه عن غيره لعبادة النبي ﷺ فيه من المنكرات والبدع، ويدخل في ذلك تعظيم آثار الأنبياء والمحافظة عليها، والتردد عليها بالزيارة؛ كمن يتردد على غار حراء للتعبد فيه، فكل ذلك من البدع المحدثة في دين الإسلام (١). يقول الإمام ابن تيمية: "والصواب مع جمهور الصحابة؛ لأن متابعة النبي ﷺ تكون بطاعة أمره، وتكون في فعله بأن يفعل مثل ما فعل، على الوجه الذي فعله، فإذا قصد النبي ﷺ العبادة في مكان كان قصد العبادة فيه متابعة له كقصد المشاعر والمساجد، وأما إذا نزل في مكان بحكم الاتفاق؛ لكونه صادف وقت النزول، أو غير ذلك مما يعلم أنه لم يتحر ذلك المكان، فإنّا إذا تحرينا ذلك المكان لم نكن متبعين له فإن الأعمال بالنيات" (٢).

стр. 709

ويقول أيضًا: "فإن الدين أصله متابعة النبي ﷺ وموافقته بفعل ما أمرنا به وشرعه لنا وسنَّه لنا، ونقتدي به في أفعاله التي شرع لنا الاقتداء به فيها، بخلاف ما كان من خصائصه. فأما الفعل الذي لم يشرعه هو لنا، ولا أمرنا به، ولا فعله فعلًا سن لنا أن نتأسى به فيه، فهذا ليس من العبادات والقرب، فاتخاذ هذا قربة مخالفة له ﷺ ، وما فعله من المباحات على غير وجه التعبد يجوز لنا أن نفعله مباحًا كما فعله مباحًا، ولكن هل يشرع لنا أن نجعله عبادة وقربة؟ فيه قولان كما تقدم، وأكثر السلف والعلماء على أنا لا نجعله عبادة وقربة، بل نتبعه فيه؛ فإن فعله مباحًا فعلناه مباحًا، وإن فعله قربة فعلناه قربة، ومن جعله عبادة رأى أن ذلك من تمام التأسي به والتشبه به، ورأى أن في ذلك بركة لكونه مختصًا به نوع اختصاص" (١). ثانيًا: يستفاد من القاعدة أن العبادة لا تكون عبادة إلا بقصد المعبود والتعبد إليه، وطلب القربة والثواب منه ، إضافة إلى قصد العبادة نفسها، فالأول هو الإخلاص في العبادة، والثاني هو النية التي تتميز بها العبادات عن غيرها، وفيما بينها. يقول الإمام ابن تيمية: "العبادة تتضمن قصد المعبود، وإرادته، وتوجه القلب إليه، وهذا أمر يحسه الإنسان من نفسه في جميع مراداته ومقصوداته ومطلوباته ومحبوباته" (٢). ويقول الإمام ابن القيم: "فإن الإخلاص قصد المعبود وحده بالتعبد، والغافل لا قصد له فلا عبودية له" (٣). ويقول الإمام الشاطبي: "وهكذا العبادات؛ فإن المقصود الأصلي

стр. 710

فيها التوجه إلى الواحد المعبود، وإفراده بالقصد إليه على كل حال، ويتبع ذلك قصد التعبد لنيل الدرجات في الآخرة، أو ليكون من أولياء الله تعالى، وما أشبه ذلك؛ فإن هذه التوابع مؤكدة للمقصود الأول، وباعثة عليه، ومقتضية للدوام فيه سرًا وجهرًا، بخلاف ما إذا كان القصد إلى التابع لا يقتضي دوام المتبوع، ولا تأكيده؛ كالتعبد بقصد حفظ المال والدم، أو لينال من أوساخ الناس، أو من تعظيمهم، كفعل المنافقين والمرائين؛ فإن القصد إلى هذه الأمور ليس بمؤكد، ولا باعث على الدوام، بل هو مُقَوٍّ للترك، وَمُكَسِّل عن الفعل؛ ولذلك لا يدوم عليه صاحبه إلا ريثما يترصد به مطلوبه، فإن بَعُدَ عليه تركه ... فمثل هذا المقصد مضاد لقصد الشارع إذا قصد العمل لأجله، وإن كان مقتضاه حاصلًا بالتبعية من غير قصد" (١).

стр. 711

المبحث الثالث قاعدة الوسائل لها أحكام المقاصد وفيه مسائل: * المسألة الأولى * شرح ألفاظ القاعدة الوسائل لغة: مشتقة من الأصل اللغوي (وسل) من باب وعد، مفردها (وسيلة)، يقال: (وَسَلَ يَسِلُ وَسْلًا وَتَوَسُّلًا) إذا رغب وتقرَّب، والواسل: الراغب، وأصل المادة فيه دلالة على الرغبة والطلب، ومنه اشتقت الوَسِيْلَةُ: وهي ما يتقرب به إلى الشيء، وقيل: المَنْزِلَةُ عِنْدَ المَلِكِ، والدَّرَجَةُ والقُرْبَةُ والوُصْلَةُ، وَقِيْل: الوَسِيْلَةُ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلى الغَيْرِ، والجَمْعُ: الوُسُلُ والوَسائِلُ، والوسيلة أخص من الوصيلة لتضمن الوسيلة لمعنى الرغبة (١). المقاصدُ لغة: جمع مَقْصِدٍ، والمقْصَدُ، مصدر ميمي (٢)، مأخوذ من

стр. 712

الفعل (قَصَدَ)، يقال: (قَصَدَ يقْصِد قصْدًا وَمقْصَدًا) (١)، فالقصْدُ والمقْصدُ بمعنى واحد، ولمادة (قصد) عدة معاني مذكورة في كتب أهل اللغة، ومن تلك المعاني: الاعتماد، والأَمُّ -بفتح الهمزة وتشديد الميم مع ضمها-، وإتيان الشيء، والتوجّهُ إليه، تقول: قصده، وقَصَدَ له، وقصَد إليه: إذا أمَّه، فالمقصد: هو ما يؤَمُّ ويتوجه إليه. و (القصد): الاستقامة وعدم الاعوجاج، طريق قاصد مستقيم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾ [النحل: ٩]: "والسبيل: هي الطريق، والقصد من الطريق: المستقيم الذي لا اعوجاج فيه" (٢). ويقال: طريق قاصد؛ أي: سهل ومستقيم، وسفر قاصد، أي: سهل وقريب، ومنه قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ﴾ [التوبة: ٤٢]؛ أي: وموضعًا قريبًا سهلًا (٣). و (القصد): العدل، والتوسط وعدم الإفراط، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ [لقمان: ١٩]، ومن ذلك قول جابر بن سمرة (٤): (كنت أصلي مع رسول الله ﷺ فكانت صلاته

стр. 713

قصدًا وخطبته قصدًا) (١). "أي: بين الطول الظاهر والتخفيف الماحق" (٢). معنى الوسائل والمقاصد اصطلاحًا: ما ذكره أهل العلم في معنى الوسائل والمقاصد المذكورة في القاعدة له ارتباط واضح، وعلاقة ظاهرة بمعاني هذه المفردات اللغوية؛ فالوسائل عندهم هي الطرق الموصلة التي يتقرب بها إلى المصالح والمفاسد، كما أن المقاصد لديهم هي المصالح والمفاسد التي اعتمدها الشرع، وتوجه إلى اعتبارها ومراعاتها، وهذا هو المعنى الأول من معاني مادة (قصد)، وإذا أضيفت إلى العباد، أو إلى المكلفين فالمقصود هو نياتهم وما يؤمونه ويتوجهون إليه بقلوبهم. وقيل: لفظ الوسائل له معنيان عند أهل العلم: الأول: معنى عام؛ وهو: الأفعال التي يتوصل بها إلى تحقيق المقاصد. الثاني: معنى خاص؛ وهو: الأفعال التي لا تقصد لذاتها؛ لعدم تضمنها المصلحة أو المفسدة، ولكنها تقصد للتوصل بها إلى أفعال أخرى هي المتضمنة للمصلحة أو المفسدة والمؤدية إليها (٣). وأما المقاصد فكما سبق هي جملة المصالح والمفاسد التي اعتبرها الشارع، ومنهم من عرَّف المقاصد بقوله: "المقاصد هي المعاني والحِكَم ونحوها التي راعاها الشارع في التشريع عمومًا وخصوصًا، من أجل

стр. 714

تحقيق مصالح العباد" (١). يقول الإمام القرافي (٢) مبينًا لذلك: "وموارد الأحكام على قسمين: مقاصد؛ وهي المتضمنة للمصالح والمفاسد في أنفسها، ووسائل؛ وهي الطرق المفضية إليها" (٣). فجعل الوسائل: هي الطرق المفضية إلى المصالح والمفاسد. والمقاصد: هي الأمور المتضمنة للمصالح والمفاسد. * المسألة الثانية * معنى القاعدة إن من رحمة الله تعالى بعباده أن أنزل إليهم قرآنًا كريمًا، وبعث فيهم رسولًا عظيمًا، جاءهم بشريعة سمحاء، وشرعة كاملة لا نقص فيها ولا قصور، قد بنيت على الحِكَمِ، وأسست على مصالح العباد في المعاش والمعاد، فما من أمر من الأمور المتعلقة بحاجة العباد في عباداتهم، ومعاملاتهم، وجميع أمورهم إلا وتجد حُكْمَه في شريعة الإسلام مسطورًا من لدن حكيم خبير. ومما لا يخفى أن الأحكام الشرعية كلها لا بد لها من مقاصد

стр. 715

وحكم، تشتمل عليها، وتشرع لأجلها، وترجع إليها، وهذه الأحكام منها ما هو وسائل ومنها ما هو مقاصد؛ أما المقاصد فقد حرصت الشريعة على تبيينها، بل ونصت عليها في الغالب، وأما الوسائل فهي تابعة لأحكام مقاصدها، إن كان المقصد واجبًا كانت وسيلته التي يتوقف عليها ولا يتم بدونها واجبة، وإن كان حرامًا كانت الوسيلة محرمة، وإن كان المقصد مندوبًا أو مكروهًا أو مباحًا كانمت الوسيلة في كل ذلك حسب مقصدها. وهذا يدل على عظمة هذه الشريعة وكمالها؛ فإنها إذا حرمت أمرًا حرمت وسائله المفضية إليه ولو كانت مظنونة؛ فإن من تمام تحريم الشيء تحريم وسائله، وسد جميع ذرائعه، وإذا أوجبت أمرًا أوجبت وسيلته التي لا يتم إلا بها؛ إذ من تمام إيجاب الشيء إيجاب جميع الأشياء التي يتوقف حصوله عليها. يقول الإمام ابن القيم: "لما كانت المقاصد لا يتوصل إليها إلا بأسباب وطرق تفضي إليها، كانت طرقها وأسبابها تابعة لها، معتبرة بها، فوسائل المحرمات والمعاصي في كراهتها والمنع منها بحسب إفضائها إلى غاياتها وارتباطاتها بها، ووسائل الطاعات والقربات في محبتها والإذن فيها بحسب إفضائها إلى غايتها، فوسيلة المقصود تابعة للمقصود، وكلاهما مقصود، لكنه مقصود قصد الغايات، وهي مقصودة قصد الوسائل. فإذا حرم الرب تعالى شيئًا وله طرق ووسائل تفضي إليه فإنه يحرمها، ويمنع منها؛ تحقيقًا لتحريمه، وتثبيتًا له، ومنعًا أن يقرب حماه، ولو أباح الوسائل والذرائع المفضية إليه لكان ذلك نقضًا للتحريم، وإغراء للنفوس به، وحكمته تعالى وعلمه يأبى ذلك كل الإباء، بل سياسة ملوك الدنيا تأبى ذلك؛ فإن أحدهم إذا منع جنده أو رعيته أو أهل بيته من شيء ثم أباح لهم الطرق والأسباب والذرائع الموصلة إليه لَعُدَّ متناقضًا،

стр. 716

ولحصل من رعيته وجنده ضد مقصوده، وكذلك الأطباء إذا أرادوا حسم الداء منعوا صاحبه من الطرق والذرائع الموصلة إليه، وإلا فسد عليهم ما يرومون إصلاحه، فما الظن بهذه الشريعة الكاملة، التي هي في أعلى درجات الحكمة والمصلحة والكمال" (١). والقاعدة أوضحت مدى العلاقة والارتباط بين مقاصد الأمور ووسائلها، وأن الوسائل تابعة للمقاصد فيما يتعلق بأحكام المقاصد الشرعية، فما كان للمقاصد من أحكام انتقلت وسرت إلى وسائلها فتأخذ الوسائل نفس أحكام المقاصد من حيث الجملة. فما كان وسيلة لواجب فهو واجب، وما كان وسيلة لمستحب فهو مستحب، وما كان وسيلة لمحرم فهو محرم، وما كان وسيلة لمكروه فهو مكروه، وما كان وسيلة لمباح فهو مباح. يقول الإمام القرافي ﵀ في بيانه لحكم الوسائل: "وحكمها حكم ما أفضت إليه من تحريم أو تحليل، غير أنها أخفض رتبة من المقاصد في حكمها؛ فالوسيلة إلى أفضل المقاصد أفضل الوسائل، وإلى أقبح المقاصد أقبح الوسائل، وإلى ما هو متوسط متوسطة" (٢). * المسألة الثالثة * أدلة القاعدة لقد دلَّ على صحة القاعدة وما تضمنته أدلة عديدة من الكتاب والسُّنَّة، وفيما يأتي أنقل بعضًا مما استدل به أهل العلم على صحة القاعدة: أولًا: لا يخفى ارتباط هذه القاعدة بقاعدة (سد الذرائع)، فإن الوسائل المؤدية للفساد هي الذرائع التي يعبر عنها العلماء، لكن الوسائل

стр. 717

أشمل؛ لأنها مرتبطة بالمصالح والمفاسد، وإن كان الأمر عند المالكية لا يختلف؛ إذ الوسائل عندهم هي الذرائع نفسها (١). وعليه، فإن جميع الأدلة المذكورة في قاعدة (سد الذرائع) تصلح للاستدلال بها على قاعدة (الوسائل لها أحكام المقاصد)، فلتراجع هناك (٢). ثانيًا: قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠)﴾ [التوبة: ١٢٠]. فكتب الله لهم ثواب الظمأ والنصب والسير والتعب، وإن لم يكن مقصودًا منهم، ولكنه حصل تبعًا للجهاد الذي فرضه الله عليهم، فالجهاد مقصد والسير إليه وسيلة، فجعلت الوسيلة عبادة يثاب عليها العبد تبعًا لمقصدها. وعليه، فمن قصده طاعة الله كان قيامه، وقعوده، ومشيته، وحركته، وسكونه، وجميع ما يتوصل به إلى الطاعة كلها حسنات مكتوبة عند الله، وكذا القول في طرف المعصية؛ فما أعظم بركة الطاعة، وما أعظم شؤم المعصية (٣). يقول القرافي: "وينبه على اعتبار الوسائل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ

стр. 718

صَالِحٌ﴾، فأثابهم على الظمأ والنصب وإن لم يكونا من فعلهم؛ لأنهما حصلا لهم بسبب التوسل إلى الجهاد الذي هو وسيلة لإعزاز الدين، وصون المسلمين، فالاستعداد وسيلة إلى الوسيلة" (١). فوجوب الجهاد وجوب الوسائل لا المقاصد؛ إذ المقصود بالقتال إنما هو الهداية والدخول في الإسلام، والشهادة في سبيل الله؛ وأما قتل الكفار فليس بمقصود، حتى لو أمكن هدايتهم بإقامة الدليل بغير جهاد كان أولى من الجهاد (٢). ثالثًا: قوله تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]. نهى سبحانه عن الضرب بالأرجل المستلزم لخروج صوت الخلخال والذي يؤدي إلى استدعاء الميل وتحريك النفس، وإثارة الشهوة. يقول الإمام ابن القيم: "فمنعهن من الضرب بالأرجل وإن كان جائزًا في نفسه لئلا يكون سببًا إلى سمع الرجال صوت الخلخال، فيثير ذلك دواعي الشهوة منهم إليهن" (٣). يقول الشيخ السعدي في معنى الآية: "أي: لا يضربن الأرض بأرجلهن ليصوت ما عليهن من حلي؛ كخلاخل وغيرها، فتعلم زينتها بسببه، فيكون وسيلة إلى الفتنة، ويؤخذ من هذا ونحوه قاعدة: سد الوسائل، وأن الأمر إذا كان مباحًا ولكنه يفضي إلى محرم، أو يخاف من وقوعه فإنه يمنع منه؛ فالضرب بالرجل في الأرض الأصل أنه مباح، ولكن لما كان وسيلة لعلم الزينة منع منه" (٤).

стр. 719

ويقول أيضًا في قوله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢)﴾ [الأحزاب: ٣٢]: "فهذا دليل على أن الوسائل لها أحكام المقاصد؛ فإن الخضوع بالقول واللين فيه في الأصل مباح، ولكن لما كان وسيلة إلى المحرم منع منه" (١). رابعًا: ما رواه ثابت بن الضحاك (٢) ﵁، قال: (نذر رجل على عهد رسول الله ﷺ أن ينحر إبلًا بِبُوَانَة (٣)، فأتى النبي ﷺ فقال: إني نذرت أن أنحر إبلًا بِبُوَانَة، فقال النبى ﷺ : هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قالوا: لا، قال: هل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قالوا: لا، قال رسول الله ﷺ : "أوف بنذرك؛ فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم") (٤). يقول الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ في معنى الحديث: "ففيه المنع من عبادة الله في أماكن الشرك وعبادة غيره؛ للمشابهة الصورية، وإن لم تقصد، فكيف بالذرائع والوسائل القريبة المفضية إلى عين الشرك، ونفس المحذور الأكبر! (٥).

стр. 720

ويقول الشيخ الأمين الشنقيطي في معناه: "وفيه الدلالة الظاهرة على أن النحر بموضع كان فيه وثن يعبد، أو عيد من أعياد الجاهلية من معصية الله تعالى، وأنه لا يجوز بحال والعلم عند الله تعالى" (١). ويقول الشيخ السعدي في مقاصد كتاب التوحيد، وتناسق أبوابه: "ما أحسن إتباع هذا الباب بالباب الذي قبله، فالذي قبله من المقاصد وهذا من الوسائل، ذاك من باب الشرك الأكبر، وهذا من وسائل الشرك القريبة، فإن المكان الذي يذبح فيه المشركون لآلهتهم تقربًا إليها، وشركًا بالله قد صار مشعرًا من مشاعر الشرك، فإذا ذبح فيه المسلم ذبيحة ولو قصدها لله، فقد تشبه بالمشركين وشاركهم في مشعرهم، والموافقة الظاهرة تدعو إلى الموافقة الباطنة والميل إليهم. ولهذا السبب نهى الشارع عن مشابهة الكفار في شعارهم وأعيادهم وهيئاتهم ولباسهم، وجميع ما يختص بهم؛ إبعادًا للمسلمين عن الموافقة لهم في الظاهر، التي هي وسيلة قريبة للميل والركون إليهم، حتى إنه نهى عن الصلاة النافلة في أوقات النهي التي يسجد المشركون فيها لغير الله خوفًا من التشبه المحذور" (٢). * المسألة الرابعة * أقوال أهل العلم في اعتماد معنى القاعدة لقد تضافرت أقوال العلماء في تقرير معنى القاعدة؛ وذلك لما لها من المكانة العظيمة، والمنزلة العالية؛ إذ عليها مبنى الشريعة المتضمنة لمصالح العباد في معاشهم ومعادهم، وفيما يأتي ذكر بعض أقوالهم المؤيدة والمقررة لمعنى القاعدة:

стр. 721

يقول الإمام القرافي: "القاعدة أن الوسائل تتبع المقاصد في أحكامها، فوسيلة المحرم محرمة، ووسيلة الواجب واجبة، وكذلك بقية الأحكام، غير أنها أخفض رتبة منها، ووسيلة أقبح المحرمات أقبح الوسائل، ووسيلة أفضل الواجبات أفضل الوسائل" (١). ويقول الشيخ السعدي في قواعده الحسان: "قد أرشد القرآن إلى المنع من الأمر المباح إذا كان يفضي إلى ترك الواجب، أو فعل محرم، وهذه القاعدة وردت في القرآن في مواضع متعددة، وهي من قاعدة: الوسائل لها أحكام المقاصد ... فالأمور المباحة هي بحسب ما يتوسل بها إليه، فإن توسل بها إلى فعل واجب، أو مسنون كانت مأمورًا بها، وإن توسل بها إلى فعل محرم، أو ترك واجب، كانت محرمة منهيًا عنها، وإنما الأعمال بالنيات الابتدائية والغائية" (٢). * المسألة الخامسة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها لقد استفاد أهل العلم من هذه القاعدة في الحكم على كثير من المسائل الشرعية، لا سيما مستجدات المسائل التي تطرأ حسب تغير الأزمان، وفيما يأتي أتناول بعض تلك الفوائد والتطبيقات مستخلصًا لها من كلام أهل العلم: أولًا: دلت القاعدة على أن الوسائل لها أحكام المقاصد، هذا في الغالب الأعم ومن حيث الجملة؛ فإن كانت الوسيلة يتوقف عليها حصول المقصود فإنها تعطى حكمه تمامًا، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وما لا يتم المندوب إلا به فهو مندوب، وما لا يتم ترك المحرم إلا بتركه فتركه واجب، وهكذا.

стр. 722

وأما إن كانت الوسيلة لا يتوقف عليها وحدها حصول المقصود، وذلك عند تعدد الوسائل المؤدية إلى مقصود واحد، ففيه تفصيل؛ فإن كان المقصود منهيًا عنه أو مباحًا فتأخذ الوسيلة حكمه. وأما إن كان المقصود مطلوبًا ومأمورًا به؛ سواء أمر إيجاب أو استحباب فإحدى الوسائل تكون مطلوبة دون تعيين؛ لتوقف المقصود المطلوب على مباشرة إحدى هذه الوسائل، ومرد ذلك إلى اختيار المكلف واجتهاده، فيكون الأمر كالواجب المخير تمامًا، وبهذا يظهر أن القاعدة المذكورة أغلبية (١). ومما يوضح ذلك أن الحكم قد يختلف في بعض الصور النادرة فيحكم على الوسيلة بخلاف مقصدها، وذلك في حال تعارض المقاصد. يقول القرافي في تنوع أحكام الوسائل: "وحكمها: حكم ما أفضت إليه من وجوب أو غيره، إلا أنها أخفض رتبة في حكمها مما أفضت إليه، فليس كل ذريعة يجب سدها، بل الذريعة كما يجب سدها يجب فتحها، وتكره، وتندب، وتباح، بل قد تكون وسيلة المحرم غير محرمة إذا أفضت إلى مصلحة راجحة؛ كالتوسل إلى فداء الأسارى بدفع المال للكفار الذي هو محرم عليهم الانتفاع به، بناء على الصحيح عندنا من خطابهم بفروع الشريعة، وكدفع مال لرجل يأكله حرامًا حتى لا يزني بامرأة إذا عجز عن دفعه عنها إلا بذلك ... " (٢). ثانيًا: أن تطبيق قاعدة الوسائل لها أحكام المقاصد لا بد فيها من معرفة حقيقة الوسائل وحقيقة المقاصد، وإمكانية التفريق بينهما بحيث لا

стр. 723

يختلط أمرهما فلا يدرى مقصد الشيء من وسيلته، فتجعل الوسائل بمرتبة المقاصد أو العكس. يقول القرافي: "الأحكام على قسمين: مقاصد، ووسائل؛ فالمقاصد كالحج، والسفر إليه وسيلة، وإعزاز الدين ونصر الكلمة مقصد، والجهاد وسيلة، ونحو ذلك من الواجبات والمحرمات والمندوبات والمكروهات والمباحات، فتحريم الزنا مقصد؛ لاشتماله على مفسدة اختلاط الأنساب، وتحريم الخلوة والنظر وسيلة، وصلاة العيدين مقصد مندوب والمشي إليها وسيلة، ورطانة الأعاجم مكروهة، ومخالطتهم وسيلة إليه، وأكل الطيبات مقصد مباح، والاكتساب له وسيلة مباحة، وحكم كل وسيلة حكم مقصدها في اقتضاء الفعل أو الترك، وإن كانت أخفض منه في ذلك الباب" (١). والله تعالى لم يجعل المقاصد في مرتبة الوسائل، بل فرق بينهما في أمور عديدة، من ذلك محبته للمقاصد أكثر من وسائلها؛ إذ هي الأصل في المحبة، ومن أجلها شرع الوسائل. يقول الإمام ابن القيم: "وإذا كان إنما قدر ما يكرهه لأنه يكون وسيلة إلى ما يحبه، علم أن محبوبه هو الغاية، ففوات محبوبه أبغض إليه وأكره له من حصول مبغوضه، بل إذا ترتب على حصول مبغوضه ما يحبه من وجه آخر كان المبغوض مرادًا له إرادة الوسائل، كما كان النهي عنه وكراهته لذلك، وأما المحبوب فمراده إرادة المقاصد كما تقدم، فهو سبحانه إنما خلق الخلق لأجل محبوبه ومأموره، وهو عبادته وحده كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]، وقدر مكروهه ومبغوضه تكميلًا لهذه الغاية التي خلق خلقه لأجلها، فإنه ترتب عليه من المأمورات ما لم يكن يحصل بدون تقديره؛ كالجهاد الذي

стр. 724

هو أحب العمل إليه، والموالاة فيه، والمعاداة فيه، ولولا محبته لهذه المأمورات لما قدر من المكروه له ما يكون سببًا لحصولها" (١). فالواجب على العباد معرفة الفوارق بين مقاصد الشرع ووسائله، فيحرصون على المقاصد أشد من حرصهم على الوسائل، وإلا وقعوا في حبائل الشيطان وخدعه. يقول الإمام ابن تيمية في كلامه عن حقيقة ما يحصل للأولياء من خوارق: "لكن المقصود أن تُعرف مرتبة الخوارق، وأنها عند أولياء الله الذين يريدون وجهه، ويحبون ما أحبه الله ورسوله: في مرتبة الوسائل التي يُستعان بها كما يُستعان بغير الخوارق، فإن لم يحتاجوا إليها استغناءً بالمعتادات لم يلتفتوا إليها. وأما عند كثير ممن يتبع هواه، ويحب الرياسة عند الجهال، ونحو ذلك، فهي عندهم أعلى المقاصد. كما أن كثيرًا من طلبة العلم ليس مقصودهم به إلا تحصيل رياسة أو مال، ولكل امرئٍ ما نوى، وأما أهل العلم والدين الذين هم أهله، فهو مقصود عندهم لمنفعته لهم، وحاجتهم إليه في الدنيا والآخرة" (٢). فجميع الأمور الخارجة عن الإيمان والتقوى لا تعتبر من المقاصد الشرعية، وقد تدخل في باب الوسائل التي يتوصل بها إلى المقصود الشرعي الذي يتحقق به الإيمان والتقوى. يقول الإمام ابن تيمية: "أما الأمور الخارجية عن نفس الإيمان والتقوى فلا يحصل بها فضيلة عند الله تعالى، وإنما يحصل بها الفضيلة عند الله إذا كانت مُعينة على ذلك؛ فإنها من باب الوسائل لا المقاصد؛ كالمال والسلطان والقوة والصحة ونحو ذلك، فإن هذه الأمور لا يفضّل

стр. 725

بها الرجل عند الله إلا إذا أعانته على طاعة الله بحسب ما يعينه، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] " (١). وما يدخل في مسألة التفريق بين الوسائل والمقاصد فيما يتعلق بالعلوم والفنون؛ لأن عدم التفريق يؤدي بطالب العلم إلى انقضاء الأعمار فيما منفعته قليلة أو معدومة. يقول الإمام الشاطبي: "وأيضًا؛ فإن علوم الشريعة منها ما يجري مجرى الوسائل بالنسبة إلى السعادة الأخروية، ومنها ما يجري مجرى المقاصد، والذي يجري منها مجرى المقاصد أعلى مما ليس كذلك -بلا نزاع بين العقلاء أيضًا-؛ كعلم العربية بالنسبة إلى علم الفقه؛ فإنه كالوسيلة، فعلم الفقه أعلى، وإذا ثبت هذا؛ فأهل العلم أشرف الناس، وأعظم منزلة بلا إشكال ولا نزاع" (٢). ويقول ابن خلدون في مقدمته: "وهذا كما فعل المتأخرون في صناعة النحو، وصناعة المنطق، وأصول الفقه؛ لأنَّهم أوسعوا دائرة الكلام فيها، وأكثروا من التفاريع والاستدلالات بما أخرجها عن كونها آلهة، وصيرها من المقاصد، وربما يقع فيها لذلك أنظار ومسائل لا حاجة بها في العلوم المقصودة، فهي من نوع اللغو، وهي أيضًا مضرة بالمتعلمين على الإطلاق؛ لأن المتعلمين اهتمامهم بالعلوم المقصودة أكثر من اهتمامهم بوسائلها، فإذا قطعوا العمر في تحصيل الوسائل فمتى يظفرون بالمقاصد؟، فلهذا يجب على المعلمين لهذه العلوم الآلية أن لا يستبحروا في شأنها، ولا يستكثروا من مسائلها، وينبهوا المتعلم على الغرض منها، ويقفوا به عنده، فمن نزعت به همته بعد ذلك إلى شيء من التوغل، ورأى من نفسه قيامًا بذلك، وكفاية به فليرق له ما شاء من

стр. 726

المراقي؛ صعبًا أو سهلًا، وكل ميسر لما خلق له" (١). ثالثًا: ومما يعين على فهم القاعدة وتطبيقها التطبيق الصحيح والدقيق والموفق معرفة مراتب الوسائل والمقاصد، ودرجات تفاضلها، وذلك في حالة تعارض الوسائل أو المقاصد المشتملة على المصالح والمفاسد، فقد تتعارض المصالح، أو المفاسد، أو تتعارض مصلحة مع مفسدة، فمعرفة مراتب الوسائل يستطيع العالم من معرفة أيهما المقدم وأيهما المؤخر. يقول الإمام ابن تيمية: "والمقاصد أفضل من وسائلها" (٢). ويقول أيضًا: "والمقاصد مقدمة في القصد والقول على الوسائل" (٣). يقول القرافي: "فإنه يجب تقديم المقاصد لكونها أهم في نظر الشرع" (٤). ويقول العز ابن عبد السلام: "الوَاجِبَاتُ وَالْمَنْدُوبَاتُ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُما مَقَاصِدُ، وَالثَّانِي وَسَائِلُ، وَكَذَلِكَ الْمَكْرُوهَات وَالْمُحَرَّمَاتُ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُما مَقَاصِدُ، والثَّانِي: وَسَائِلُ، وَلْلوَسَائِلِ أَحْكَامُ الْمَقَاصِدِ، فَالْوَسِيلَةُ إِلَى أَفْضَلِ الْمَقَاصِدِ هِيَ أَفْضَلُ الْوَسَائِلِ، وَالْوَسِيلَةُ إِلَى أَرْذَل الْمَقَاصِدِ هِيَ أَرْذَل الْوَسَائِلِ، ثُمَّ تَتَرتَّبُ الوْسَائِلُ بِتَرَتُبِ الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ، فَمَنْ وَفَّقَهُ اللهُ لِلْوُقُوفِ عَلَى تَرتُّبِ الْمَصَالِحِ عَرَفَ فَاضِلَهَا مِنْ مَفْضُولِهَا، وَمُقَدَّمَهَا مِنْ مَؤَخَّرِهَا، وَقَدْ يَخْتَلِفُ الْعُلَمَاءُ فِي بَعْضِ رُتَبِ الْمَصَالِحِ، فَيَخْتَلِفُونَ فِي تَقْدِيمِهَا عِنْدَ تَعَذُّرِ الْجَمْعِ، وَكَذَلِكَ مَنْ وَفَّقَهُ اللهُ لِمَعْرِفَةِ رُتَبِ الْمَفَاسِدِ فَإِنَّهُ يَدْرَأُ أَعْظَمَهَا بأَخَفِّها عِنْدَ تَزَاحُمِهَا، وَقَدْ يَخْتَلِفُ

стр. 727

الْعُلَمَاءُ فِي بَعْضِ رُتَبِ الْمَفَاسِدِ، فَيَخْتَلِفُونَ فِيمَا يُدْرَأُ مِنْهَا عِنْدَ تَعَذُّرِ دَفْعِ جَمِيعِهَا، وَالشَّرِيعَةُ طَافِحَةٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ" (١). رابعًا: لا شك أن من أعظم مقاصد الدين، وأفرض واجباته عبادة الله تعالى وحده كما شرع، والحفاظ على الشريعة بعدم الزيادة أو النقصان منها، أو الإحداث والتعبد لله تعالى بالبدع، والقاعدة نصت على أن الوسائل لها أحكام المقاصد، فكل وسيلة أدت إلى تثبيت هذا المقصود العظيم كان تحصيلها والقيام بها واجبًا على أهل الإسلام، والعكس بالعكس. والبدع من أعظم الوسائل التي يتم بها تبديل الدين، وتحريفه، وإدخال ما ليس منه فيه، وفتح باب التعبد لله بغير ما شرع، فهي ذريعة عظيمة، ووسيلة إلى إضاعة المشروع، وإحلال غيره محله. فإنكار البدع وردها وتحريمها، وعقوبة المبتدع من أعظم الوسائل إلى تحقيق هذا المقصود الأكبر، والغاية الأسمى؛ من حفظ الدين وعبادة الله وفق ما شرع (٢). خامسًا: دلت القاعدة على أن الوسائل المشروعة أو الجائزة لها حكم المقاصد الشرعية التي اعتبرها الشارع وحافظ عليها، وهذا يخرج الوسائل المحرمة فلا يجوز اتخاذ الوسائل المحرمة والممنوعة في سبيل تحقيق المقصد الشرعي، أو الغاية الحميدة؛ لأن حسن الغايات والمقاصد لا يبيح استعمال الوسائل الممنوعة، بل ما من مقصد شرعي إلا وله وسيلة مشروعة أو جائزة. يقول الشيخ صالح الفوزان فيما يستفاد من قصة (ذات أنواط) (٣):

стр. 728

"وفيه -أيضًا- مسألة مهمة: وهي أن حُسن المقاصد لا يغير من الحكم الشرعي شيئًا، هؤلاء لهم مقصد حسن، ولكن النبي ﷺ لم يعتبر مقاصدهم، بل أنكر هذا؛ لأن الوسائل التي تُفضي إلى المحاذير ممنوعة (١)، صحابي مع رسول الله ﷺ يحمل السيف للجهاد، ما قصد إلا الخير هو ومن معه، ومع هذا غضب النبي ﷺ عند مقالتهم، وجعلها مثل مقالة بني إسرائيل، فدلّ على أن المقاصد الحسنة لا تبرِّر الغايات السيّئة والمنكرة" (٢). وهذا يدل على أن الوسائل غير محصورة بعدد، بل كل ما كان وسيلة إلى مقصود شرعي كان حكمها بحسب مقصدها شريطة أن تكون الوسيلة جائزة وغير محرمة شرعًا. يقول الشيخ العثيمين: "والوسائل ليس لها حد شرعي، فكل ما أدى إلى المقصود فهو مقصود ما لم يكن منهيًا عنه بعينه، فإن كان منهيًا عنه بعينه فلا نقربه، فلو قال قائل: أنا أريد أن أدعو شخصًا بالغناء والموسيقى؛ لأنه يطرب لها ويستأنس بها، وربما يكون هذا جذبًا له، فأدعوه بالموسيقى والغناء. هل نبيح له ذلك؟ لا؛ لا يجوز أبدًا؛ لكن إذا كانت وسيلة لم يُنْهَ عنها، ولها أثر فهذه لا بأس بها، فالوسائل غير المقاصد، وليس من اللازم أن يَنصَّ الشرع على كل وسيلة بعينها؛ يقول: هذه جائزة، وهذه غير جائزة، لأن الوسائل لا حصر لها، ولا حد لها، فكل ما كان وسيلة لخير فهو خير" (٣).

стр. 729

الباب الثاني القواعد المتعلقة بما يضاد توحيد العبادة وفيه أربعة فصول: الفصل الأول: القواعد المتعلقة بتعريف الشرك وحقيقته. الفصل الثاني: القواعد المتعلقة بقبح الشرك وأنواعه. الفصل الثالث: القواعد المتعلقة بوسائل الشرك وأسبابه. الفصل الرابع: القواعد المتعلقة بإبطال الشرك وحقيقة المشركين.

стр. 730

الفصل الأول القواعد المتعلقة بتعريف الشرك وحقيقته وفيه سبعة مباحث: المبحث الأول: قاعدة: التشبيه هو أصل عبادة الأوثان عند أكثر المشركين. المبحث الثاني: قاعدة: الشرك هو التسوية بين الله وغيره في شيء من خصائصه وحقه. المبحث الثالث: قاعدة: الخوف الشركي أن يخاف العبد من غير الله أن يصيبه مكروه بمشيئته وقدرته وإن لم يباشره. المبحث الرابع: قاعدة: السؤال والطلب من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله شرك.

стр. 731

المبحث الخامس: قاعدة: الاعتقاد في الأسباب بذاتها شرك في الربوبية والألوهية. المبحث السادس: قاعدة: الشفاعة ملك لله تعالى وطلبها ورجاؤها من غير الله أو بغير إذن شرك. المبحث السابع: قاعدة: كل ما ورد في القرآن من الأمر بالدعاء والنهي عن دعاء غير الله يتناول دعاء المسألة ودعاء العبادة.

стр. 732

المبحث الأول قاعدة التشبيه هو أصل عبادة الأوثان عند أكثر المشركين وفيه مسائل: * المسألة الأولى * شرح ألفاظ القاعدة معنى التشبيه لغة واصطلاحًا: التشبيه مشتق من الأصل الثلاثي اللغوي (شبه)، فالشين والباء والهاء أصل واحد يدل على تشابه الشيء وتشاكله؛ لونًا ووصفًا، من المشابهة، وجمعه القياسي أشباه، ومَشَابِه على غير قياس، كما قالوا مَحَاسِن ومَذَاكِر، ويقال: شِبْهٌ وَشَبَهٌ وَشَبَيهٌ، ونظيره لفظًا ومعنى: المَثَل والمِثْل بفتح الميم والثاء، وكسر الميم وتسكين الثاء، وأشبه الشيء بالشيء: ماثله، وفي فلان شبَه من فلان، وهو شِبْهُهُ وشَبَههُ؛ أي: شبيهه. وشَبَّهْتُ الشيء بالشيء: أقمته مقامه لصفة جامعة بينهما، وتكون الصفة ذاتية ومعنوية؛ فالذاتية: نحو هذا الدرهم كهذا الدرهم، وهذا السواد كهذا السواد، والمعنوية: نحو زيد كالأسد أو كالحمار؛ أي: في شدته وبلادته، وزيد كعمرو؛ أي: في قوته وكرمه وشبهه، وأشبه الولد

стр. 733

أباه وشابهه: إذا شاركه في صفة من صفاته، واشتبهت الأمور وتشابهت: التبست فلم تتميز ولم تظهر، وتشابهت الآيات: تساوت أيضًا، فالمشابهة هي المشاركة في معنى من المعاني، والتشبيه: إثبات المثل للشيء مساويًا له من بعض الوجوه (١). وأما معناه عند أهل البلاغة فعرَّفه ابن الأثير بقوله: "حد التشبيه: هو أن يثبت للمشبه حكم من أحكام المشبه به، فإذا لم يكن بهذه الصفة، أو كان بين المشبه والمشبه به بعد فذلك الذي يطرح ولا يستعمل" (٢). وقال تقي الدين الحموي: "وأصحاب المعاني والبيان أطلقوا أعنة الكلام في ميادين حدود التشبيه وتقاريرها، وهو عندهم: الدلالة على مشاركة أمر لأمر في معنى". ثم ذكر أقوالًا عن أهل الأدب والبيان في معنى التشبيه، ومن ذلك: أن التشبيه: هو العقد على أن أحد الشيئين يسد مسد الآخر في حال. ومنهم من قال: التشبيه: هو الدلالة على اشتراك شيئين في وصف هو من أوصاف الشيء الواحد. وقيل: التشبيه: صفة الشيء بما قاربه وشاكله من جهة واحدة؛ لأنَّه لو ناسبه مناسبة كلية كان إياه. وقيل: التشبيه إلحاق أدنى الشيئين بأعلاهما في صفة اشتركا في أصلها، واختلفا في كيفيتها قوةً وضعفًا.

стр. 734

قلت -القائل الحموي-: وهذا حدّ مفيد. وأورد البعض حدًّا زاد في حسنه على الحد، وهو أن التشبيه تشبيهان: الأول منهما: تشبيه شيئين متفقين بأنفسهما كتشبيه الجوهر بالجوهر، مثل قولك: ماء النيل كماء الفرات، وتشبيه العرض بالعرض كقولك: حمرة الخد كحمرة الورد، وتشبيه الجسم بالجسم كقولك: الزبرجد مثل الزمرد. والثاني: تشبيه شيئين مختلفين بالذات لجمعهما معنى واحدًا مشتركًا، كقولك: حاتم كالغمام، وعنترة كالضرغام (١). وهذا التشبيه عند أهل الأدب والبيان له أغراض؛ فقد يقصد به المدح، أو الذم، وقد يقصد به الإيضاح والإبانة، وإزالة الغموض، وتجلية الأمور (٢). ويظهر مما سبق أن التَّشْبِيه لَا يَسْتَلْزِمُ الْمُشَارَكَةَ بَيْن الْمُشَبَّهِ وَالْمُشَبَّهِ بِهِ فِي جَمِيعِ الْأَوْصَافِ بَلْ يَكْفِي حُصولُهُ فِي بَعْضِها دُونَ بَعْضٍ (٣). والتشبيه في اصطلاح أهل السُّنَّة والجماعة هو تشبيه الخالق بالمخلوق، أو العكس لصفة جامعة بينهما؛ إما فى الذات، أو الصفات، أو الأفعال، أو الحقوق. يقول الإمام ابن تيمية: "فإن التشبيه الذي يجب نفيه عن الرب تعالى: اتصافه بشيء من خصائص المخلوقين، كما أن المخلوق لا يتصف بشيء من خصائص الخالق، وإن يثبت للعبد شيء يماثل فيه الرب" (٤).

стр. 735

وقيل: التشبيه هو تصور الآلهة في ذاتها وصفاتها على غرار الإنسان (١). وهو على نوعين (٢): أحدهما: تشبيه الخالق بالمخلوق بحيث يجعل المخلوق أصلًا ثم يقاس به الخالق. الثاني: تشبيه المخلوق بالخالق بحيث يجعل الخالق هو الأصل، ويقاس عليه المخلوق. وكلاهما مذموم، بل هو خروج عن الدين، وإشراك برب العالمين. يقول الإمام ابن أبي العز الحنفي: "وَهَذَا أصل نَوْعَيِ التَّشْبِيهِ، فَإِنَّ التَّشْبِيهَ نَوْعَانِ: تَشْبِيهُ الْخَالِقِ بِالْمَخْلُوق، وَهَذَا الَّذِي يَتْعَبُ أَهْلُ الْكَلَامِ فِي رَدِّهِ وَإِبْطَالِهِ، وَأَهْلُهُ فِي النَّاسِ أَقَلُّ مِنَ النَّوْعِ الثَّانِي، الَّذِينَ هُمْ أَهْلُ تَشْبِيهِ المْخَلُوقِ بِالْخَالِقِ، كَعُبَّادِ الْمَشَايخ، وَعُزَيْرٍ، وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، وَالْأَصْنَامِ، وَالْمَلَائِكَةِ، وَالنَّارِ، وَالْمَاءِ، وَالْعِجْلِ، وَالْقُبُورِ، وَالْجِنِّ، وَغيْرِ ذَلِكَ. وَهَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ أُرْسِلَتْ لَهُمُ الرُّسُلُ يَدْعُونَهُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ" (٣). ويقول الشيخ محمد بن صالح العثيمين: "ثم التشبيه الذي ضلَّ به من ضلَّ من الناس على نوعين: أحدهما: تشبيه المخلوق بالخالق. والثاني: تشبيه الخالق بالمخلوق. فأما تشبيه المخلوق بالخالق فمعناه: إثبات شيء للمخلوق مما

стр. 736

يختص به الخالق من الأفعال، والحقوق، والصفات، وهذا على ثلاثة أقسام: فالأول: كفعل من أشرك في الربوبية ممن زعم أن مع الله خالقًا. والثاني: كفعل المشركين بأصنامهم حيث زعموا أن لها حقًّا في الألوهية، فعبدوها مع الله. والثالث: كفعل الغلاة في مدح النبي ﷺ أو غيره مثل قول المتنبي (١): فكن كما شئت يا من لا شبيه له ... وكيف شئت فما خَلْقٌ يدانيكا وأما النوع الثاني وهو تشبيه الخالق بالمخلوق فمعناه: أن يثبت لله تعالى في ذاته، أو صفاته من الخصائص مثل ما يثبت للمخلوق من ذلك، كقول القائل: إن يدي الله مثل أيدي المخلوقين، واستواءه على عرشه كاستوائهم ونحو ذلك" (٢). والتشبيه المذموم عند أهل السُّنَّة والجماعة بنوعيه يقع بالقول والاعتقاد والفعل، فمن شبَّه الله بلسانه، أو اعتقد التشبيه بقلبه، أو فعل فعلًا بجوارحه استلزم التشبيه، وأفضى إليه كان ممن وقع في تشبيه الخالق بالمخلوق، وتشبيه المخلوق بالخالق. يقول الدكتور جابر إدريس -وفقه الله-: "ومثال مقالة التشبيه

стр. 737

الفعلية كأن يقوم المُشَبِّه بفعلِ يفضي به إلى الشرك بالله تعالى الذي هو تشبيه الله بخلقه، وتمثيله بهم (١)؛ كالذبح لغير الله، أو السجود لغير الله، ونحو ذلك من الأعمال الشركية التي فيها تشبيه المخلوق بالخالق " (٢). وأمَّا الأَصْلُ فهو أسفلُ الشيءِ وجمعُه أُصولٌ لا يُكَسَّر، وأصل الشيء أسفله، وأساس الحائط أصله، واستأصل الشيء ثبت أصله وقوى، ثم كثر حتى قيل: أصل كل شيء ما يستند وجود ذلك الشيء إليه، وأصل الشيء ما منه الشيء؛ أي: مادته كالوالد للولد والشجرة للغصن، فالأب أصل للولد، والشجرة أصل للغصن (٣)، فالأصل هو ما ابتنى عليه غيره، أو ما تفرع عنه غيره (٤). قال الراغب: "وأصل الشيء: قاعدته التي لو توهمت مرتفعة لارتفع بارتفاعه سائره لذلك، قال تعالى: ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤)﴾ [إبراهيم: ٢٤] " (٥). * المسألة الثانية * معنى القاعدة تضمنت القاعدة بيان التشبيه الواقع من المشركين؛ الذين أشركوا مع الله تعالى في العبادة، وشبهوا المخلوق بالخالق، والخالق

стр. 738

بالمخلوق، ومعنى كون التشبيه أصلًا للشرك وعبادة الأوثان والأصنام؛ أي: هو حقيقته وموجبه وعلته الملازمة له، إذ لا ينفك الشرك وعبادة غيره سبحانه عن تشبيه واقع بين المخلوق والخالق، فمن صرف الدعاء لغيره فقد شبَّه ذلك الغير بالله تعالى بإعطائه أخص ما يستحقه سبحانه من التضرع والخضوع والذلة الملازمة للداعي. كما أنهم شبهوا الله تعالى بخلقه في كونه لا يتوصَّل إليه إلَّا بالوسائط، فهم يرفعون حوائجهم إلى تلك الوسائط، ومن ثم ترفعها الوسائط إليه ، فما من مشرك إلا وقد شبَّه معبوده بالله تعالى، فجعل لله مثلًا وشبيهًا، وعدلًا ونديدًا، أو شَبَّه الله تعالى بالمخلوقين، فلا يخلو المشرك من أحد التشبيهين، وقد يجمع في شركه بين النوعين، ولا شك في شناعة كِلا التشبيهين؛ إذ فيه تشبيه المخلوق الضعيف الذي لا يملك نفعًا ولا ضرًّا -لنفسه فضلًا عن غيره- بالخالق العلي العظيم، الذي خلق كل شيء فقدره تقديرًا، مالك الملك لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، العليم بخفايا الأمور ودقيقها، الغني عن كل ما سواه، وجميع خلقه مفتقرون إليه، الذي لا يعجزه شيء من سؤال خلقه له . فلا وجه لهذا التشبيه البتة إذ إن الخالق والمخلوق متخالفان كل التخالف، وصفاتهما متخالفة كل التخالف؛ فبأي وجه يعقل دخول صفة المخلوق في اللفظ الدال على صفة الخالق، أو دخول صفة الخالق في اللفظ الدال على صفة المخلوق، مع كمال المنافاة بين الخالق والمخلوق (١). يقول الإمام ابن تيمية في طريقة أهل الحق في هذا الباب: "ولا يصفون أحدًا من المخلوقين بخصائص الخالق ﷻ ، بل كل ما سواه من الملائكة والأنبياء وسائر الخلق فقير إليه، عبد له، وهو الصمد الذي

стр. 739

يحتاج إليه كل شيء، ويسأله كل أحد، وهو غني بنفسه لا يحتاج إلى أحد في شيء من الأشياء، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾ [مريم: ٨٨ - ٩٥] " (١). والفرق بين تشبيه صفات المخلوق بالخالق، وتشبيه صفات الخالق بالمخلوق: أن في تشبيه صفات المخلوق بالخالق تعظيمًا للمخلوق، ورفعًا له إلى مقام الألوهية، وهذا بلا شك من أعظم الإشراك بالله العظيم، أما تشبيه صفات الخالق بالمخلوق فحط من قدر الخالق ، وتنقص له، وهو كسابقه في الكفر والشناعة. يقول الإمام ابن القيم: "فتبين أن المُشَبِّهَةَ هم الذين يشبهون المخلوق بالخالق في العبادة، والتعظيم، والخضوع والحلف به، والنذر له، والسجود له، والعكوف عند بيته، وحلق الرأس له، والاستغاثة به، والتشريك بينه وبين الله في قولهم: ليس لي إلا الله وأنت، وأنا متكل على الله وعليك، وهذا من الله ومنك، وأنا في حسب الله وحسبك، وما شاء الله وشئت، وهذا لله ولك، وأمثال ذلك" (٢). ويقول أيضًا: "ومن خصائص الإلهية الكمال المطلق من جميع الوجوه الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه، وذلك يوجب أن تكون العبادة كلها له وحده، والتعظيم والإجلال، والخشية، والدعاء، والرجاء، والإنابة، والتوكل، والاستعانة، وغاية الذل مع غاية الحب، كل ذلك يجب عقلًا وشرعًا وفطرة أن يكون له وحده، ويمنع عقلًا وشرعًا وفطرة أن يكون لغيره، فمن جعل شيئًا من ذلك لغيره فقد شبه

стр. 740

ذلك الغير بمن لا شبيه له، ولا ند له وذلك أقبح التشبيه وأبطله. فمن أعطى حبه، وذله، وخضوعه لغير الله فقد شبهه به في خالص حقه، فمن خصائص الإلهية السجود؛ فمن سجد لغيره فقد شبه المخلوق به، ومنها التوكل؛ فمن توكل على غيره فقد شبهه به، ومنها التوبة؛ فمن تاب لغيره فقد شبهه به، ومنها الحلف باسمه تعظيمًا وإجلالًا؛ فمن حلف بغيره فقد شبهه به" (١). ومن أجل هذا التشبيه الشنيع الواقع من المشركين حرَّم الله تعالى الشرك، وجعله من أكبر الجرائم، وأعظم المحرمات، وأفظع الظلم الذي تتفطر له السموات، وتنشق له الأرضون، وتتفتت من قبحه وشناعته الجبال الرواسي. يقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ: "فمن صرف شيئًا من العبادات لغير الله فقد أشرك به شركًا يبطل التوحيد وينافيه؛ لأنه شبه المخلوق بالخالق، وجعله في مرتبته؛ ولهذا كان أكبر الكبائر على الإطلاق، ولما فيه من سوء الظن به تعالى" (٢). ويقول الشيخ حافظ الحكمي: "فكيف بالقول على الله بلا علم في إلهيته، وربوبيته، وأسمائه، وصفاته: من تشبيه خلقه به، أو تشبيهه لخلقه في اتخاذ الأنداد معه، وصرف العبادة لهم، وإن اعتقاد تصرفهم في شيء من ملكوته تشبيه للمخلوق بالخالق، كما أن تمثيل صفاته تعالى بصفات خلقه تشبيه للخالق بالمخلوق، وكِلا التشبيهين كفر بالله أقبح الكفر، وقد نَزَّه الله تعالى نفسه عن ذلك كله في كتابه" (٣). ويقول الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ -حفظه الله- في
следующие страницы →